الإسراف في الإنفاق حتى لا يبقي له شيئا يأكله فيتلف. وقيل: هو أن يخرج بين الصفّين فيستقتل من غير قصد بنكاية العدوّ.
وقيل: معنى ﴿(وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)﴾ أي لا يقل: ليس عندي شيء.
وقال الحسن: (إنّهم كانوا ينفرون للغزو ولا ينفقون من أموالهم، فأنزل الله هذه الآية) (١).وقال مقاتل: (لمّا أمر الله تعالى بالإنفاق؛ قال رجل: أمرنا بالنّفقة في سبيل الله؛ فإن أنفقنا أموالنا بقينا فقراء ذوي مسكنة، فقال الله تعالى: ﴿(وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)﴾ يعني أنفقوا ولا تخشوا الفقر فإنّي رازقكم ومخلف عليكم).
وعن أبي الدّرداء وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وجابر وأبي أمامة والحسن بن عليّ بن أبي طالب وعمران بن الحصين؛ كلهم حدّثوا عن رسول الله ﷺ أنه قال:
[من أرسل نفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكلّ درهم سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه فأنفق فله بكلّ درهم سبعمائة ألف درهم. ثمّ تلا هذه الآية ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أي ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٢).
وقال زيد بن أسلم: (إنّ رجالا كانوا يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله ﷺ بغير نفقة؛ فإمّا أن يعطوهم؛ وإمّا كانوا عيالا ووبالا. فأمرهم الله تعالى بالإنفاق على أنفسهم في سبيل الله تعالى، فإذا لم يكن عندك ما تنفق فلا تخرج نفسك بغير نفقة ولا قوّة فتلقي بيدك إلى التّهلكة، فتهلك من الجوع والعطش أو من المشي).
التّهلكة: مصدر بمعنى الإهلاك؛ وهو تفعلة من الهلاك. ولم يجئ من كلام العرب مصدر على تفعلة بضمّ العين إلا هذا. وقال بعضهم: التهلكة: كلّ شيء عاقبته إلى الهلاك.
قوله : ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٩٥)؛أي (أحسنوا) في النفقة والإفضال على المحتاج. وروى أبو الجوزاء (٣) عن ابن عبّاس ﵁: قال:
стр. 317
(التّهلكة: عذاب الله) (١).فمعنى قوله: ﴿(وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)﴾ أي لا تتركوا الجهاد فتعذّبوا، دليله قوله تعالى: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (٢).وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من مات ولم يغز ولم يحدّث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النّفاق] (٣).وقال ابن سيرين: (الإلقاء في التّهلكة: هو القنوط من رحمة الله).وقال أبو قلابة: (هو الرّجل يصيب الذّنب فيقول: قد هلكت ليس لي توبة فييأس من رحمة الله وينهمك في المعاصي، فنهاهم الله عن ذلك).
وسئل بعضهم عن الإلقاء باليد في التهلكة؛ أهو الرجل يحمل على الكتيبة وهم ألف بالسّيف؟ قال: لا، ولكنه الرجل يصيب الذنب فيقول: قد أهلكت لا توبة لي.
وقال الفضيل بن عياض في هذه الآية: ﴿(وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)﴾: (بإساءة الظّنّ بالله، فأحسنوا الظّنّ بالله؛ إنّ الله يحبّ المحسنين الظّنّ بالله .
قوله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ؛﴾ إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك. وقيل: إتمام العمرة إلى البيت، وإتمام الحج إلى آخر الحجّ كله. وقيل:
إتمامهما أن تكون النفقة حلالا وينتهي عن جميع ما نهى الله عنه؛ ويأتي بجميع ما شرع الله من المشاعر والمواقف. وقيل: أتمّوا الحجّ والعمرة من المواقيت. ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ؛﴾ أي إن منعتم من البيت بعد ما أحرمتم بحجّ أو عمرة؛ فأردتم الإحلال فعليكم مما تيسّر من الهدي.
قال ابن عبّاس: (أعلاه بدنة؛ وأوسطه بقرة؛ وأدناه شاة، يبعث المحصر بها إلى مكّة ويواعدهم اليوم الّذي يذبحوه عنه. فإذا ذبح عنه حلّ ورجع إلى أهله، ثمّ يقضي ما كان أحرم به).
стр. 318
قوله : ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ؛﴾ أي لا يحلق أحدكم رأسه ولا يحل من الإحرام حتى يبلغ الهدي الحرم؛ أي حتى يعلم أن الهدي قد ذبح عنه في الحرم.
قوله : ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً؛﴾ أي من كان مريضا من المحرمين؛ محصرين أو غير محصرين، فلم يستطع الإقامة على شروط الإحرام، فعجّل وفعل شيئا مما يفعله الحلال قبل أن ينحر عنه الهدي، ﴿أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ؛﴾ أي أو كان في رأسه قمل يؤذيه لا يستطيع أن يصبر عليه، فحلق رأسه.
قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ؛﴾ أي فعليه فداء ما صنع صيام ثلاثة أيام، ﴿أَوْ صَدَقَةٍ؛﴾ على ستّة مساكين؛ لكل مسكين نصف صاع من برّ أو صاع من تمر، أو صاع من شعير، ﴿أَوْ نُسُكٍ؛﴾ أي شاة يذبحها في الحرم.
روي عن كعب بن عجرة؛ أنه قال: نزلت هذه الآية فيّ؛ مرّ بي رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي؛ فقال لي: [أتؤذيك هوامّ رأسك؟] قلت: نعم، قال:
[احلق رأسك وأطعم ستّة مساكين؛ لكلّ مسكين نصف صاع من حنطة، أو صم ثلاثة أيّام، أو أنسك بنسيكة] (١).
قوله تعالى: ﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ؛﴾ أي فإذا أمنتم الموانع من المرض والعدوّ وكل مانع. ويقال: في الآية إضمار تقديره: فإذا أمنتم من العدوّ وبرئتم من المرض، فاقضوا ما كنتم أحرمتم به قبل الإحصار من حجّ أو عمرة.
قوله تعالى: ﴿(فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ)﴾ أي من بدأ بالعمرة في أشهر الحجّ؛ وأقام بمكة في عامه للحجّ؛ فحج من غير أن يرجع إلى أهله؛ فعليه ما تيسّر من الهدي.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ؛﴾ أي
стр. 319
فمن لم يجد الهدي ولا عنه؛ فعليه صيام ثلاثة أيام في الحجّ يصومها قبل يوم النّحر متتابعات ومتفرّقات؛ وصيام سبعة أيّام إذا رجع إلى أهله. ويقال: إذا رجع من منى.
ويقال: إذا رجع إلى ما كان عليه؛ أي فرغ من أمر الحجّ.
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ؛﴾ أي كاملة للثواب. وقيل: كاملة للهدي. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ؛﴾ أي ذلك التمتع والهدي لمن لم يكن أهله حاضري مكة. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (١٩٦)؛أي اتقوا الله في جميع ما أمرتم به ونهيتم عنه.
وقد اختلف السلف في وجوب العمرة؛ فروي عن ابن مسعود والشعبيّ وإبراهيم النخعيّ: (إنّها تطوّع)،وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك. وعن عائشة وابن عبّاس وابن عمر ومجاهد: (أنّها واجبة)؛وبه قال الشافعيّ. ولا دلالة في هذه الآية على الوجوب؛ لأن لفظ الإتمام يقتضي نفي النقصان عنها إذا فعلت؛ لأن ضدّ الإتمام هو النّقصان.
وقرئ «(والعمرة لله)» بالرفع على معنى الابتداء. ومن نصب العمرة احتمل أن تكون للابتداء؛ لكن نصبها اتباعا للحجّ، كذا قال الزجّاج. وقوله تعالى: قوله : ﴿(لِلّهِ)﴾ فإنّ أهل الجاهلية كانوا يشركون في إحرامهم؛ كانوا يقولون: (لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك).تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا. فأمر الله تعالى بإخلاص القول والعمل لله تعالى.
وأما لفظ الإحصار فقد ذكر الكسائيّ وأكثر أهل اللغة: (أنّ الإحصار هو أن يكون بمرض أو عدوّ، والحصر: أن يكون بحبس عدوّ، يقال: أحصره المرض أو العدوّ فهو محصر. وحصره العدوّ فهو محصور) وهذا على مذهبنا مستمرّ. وقال الفرّاء: (لا فرق بين الحصر والإحصار، وهما شريكان في المعنى) وهذا قريب من مذهب الشّافعي، فإن عنده لا يكون المريض محصرا ولا يكون الإحصار إلا بالعدوّ.
فأما المريض فلا يتحلّل بالهدي وإن لم يقدر على الذّهاب. وأنكر المبرد والزجاج على الفراء وقالا: (إنّ الحصر والإحصار مختلفان في المعنى؛ ألا ترى أنّك تقول:
حبست الرّجل؛ إذا جعلته في الحبس، وأحبسه إذا عرّضته للحبس).
стр. 320
والهدي في اللغة: اسم لما يهدى إلى البيت؛ وهو جمع هديّة كما يقال: جدي وجديّة (١).وعن عائشة وابن عمر أنّهما قالا: (إنّ الهدي إنّما يكون بقرة أو بدنة).
وفائدة قوله: ﴿(فَمَا اسْتَيْسَرَ)﴾ على هذا القول التخير بين أعيان الإبل والبقر، ولا يجوز من كلّ شيء إلا الشيء فصاعدا، إلا الجذع من الضأن فإنه يجزي على ما ورد في الأضحية؛ وهو ما مضى له ستة أشهر. والثّنيّ: البالغ من كل شيء؛ وهو عند الفقهاء في الغنم ما له سنة؛ وفي البقر ما له سنتان؛ وفي الإبل ما له خمس سنين.
واختلفوا في المذكور في قوله ﴿(حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)﴾ قال ابن مسعود وابن عبّاس؛ وعطاء وطاوس ومجاهد: (محلّه: منحره؛ وهو الحرم) وقال مالك والشافعيّ: (محلّه: الموضع أحصر فيه؛ فيكون المعنى حتّى يبلغ الهدي محلّه؛ أي ينحر الهدي فيحلّ أكله).وظاهر الآية تقتضي أن (يبلغ الهدي) بعد الإحصار مبلغا لم يكن بالغا قبل ذلك؛ ولو كان موضع الإحصار محلا للهدي لكان بالغا محله لوقوع الإحصار، وأدّى ذلك إلى بطلان الغاية المذكورة في الآية.
وأما قوله في شأن الحديبية ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً﴾ (٢) أي يبلغ محله فهو حجة في أن المحل هو الحرم؛ وليس في تلك الآية بيان موضع الذّبح أنه كان في الحلّ أو الحرم، فيحتمل أن الهدي كان ممنوعا عن الحرم؛ ولمّا وقع الصلح أطلقوا الهدي حتى ذبح في الحرم.
وذهب أبو يوسف ومحمّد: إلى أنّ هدي المحصر بالحجّ مؤقّت بيوم النحر؛ وليس في هذه الآية أنّ المراد بالمحل الزمان؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿(فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ)﴾ عائد إلى الحجّ والعمرة المذكورين في أوّل هذه الآية. ولا خلاف أن هدي المحصر بالعمرة غير مؤقّت بيوم النحر، وفي ظاهر قوله تعالى: ﴿(وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)﴾ دليل على أن المحصر إذا لم يجد الهدي لا يحلّ حتى يجد الهدي فيذبح عنه. وقال عطاء: (يصوم عشرة أيّام ويحلّ كالمتمتّع إذا لم يجد).
стр. 321
فصل: وإذا لم يصم الثلاثة أيام قبل يوم النحر-أعني المتمتع والقارن-فقد اختلفوا في ذلك؛ فقال عمر وابن عبّاس وابن جبير: (لا يجزيه إلاّ الهدي، ولا يحلّ إلاّ به).وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وقال ابن عمر وعائشة: (يصوم أيّام منى) وهو قول مالك. وقال عليّ كرّم الله وجهه: (يصوم أيّام التّشريق) وهو قول الشافعيّ.
والفائدة في قوله: ﴿(تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ)﴾ أنه كان يجوز أن يتوهّم متوهّم أن البدل لا يلحق بالمبدل في الثواب؛ فبيّن الله تعالى أنه في الكمال بمنزلة المبدّل أن لو فعله.
ويقال: إنّ (الواو) قد جاءت في القرآن بمعنى (أو) التي للتخيير كما في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ (١) فربّما يتوهّم أن هذا مثل ذلك؛ فأكّد الله تعالى صوم العشرة كلّها بقوله: ﴿(تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ)﴾ لإزالة هذا الإشكال.
فصل: اختلفوا في حاضر المسجد الحرام؛ فقال عطاء ومكحول: (هم كلّ من دون المواقيت إلى مكّة) وهو قول أبي حنيفة وأصحابه؛ إلا أنّ أبا حنيفة وأصحابه يقولون: (أهل المواقيت بمنزلة من دونها؛ لأنّهم كلّهم في حكم أهل مكّة يجوز لهم دخولها بغير إحرام).وقال ابن عبّاس ومجاهد: (هم أهل الحرم) وقال الحسن وطاوس ونافع: (هم أهل مكّة).وقال الشافعيّ: (هم من كان داره دون اللّيلتين من مكّة؛ وذلك مقدار أقرب المواقيت إلى مكّة).
وظاهر قوله تعالى: ﴿(ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ)﴾ يقتضي الإشارة إلى الهدي والمتعة جميعا؛ فلا يباح المتعة والقران لأهل المواقيت ومن دونها إلى مكة. وذهب الشافعيّ إلى أن قوله: (ذلك) إشارة إلى الهدي دون المتعة والقران، فتجوز عنده المتعة والقرآن لأهل مكّة، ولكن لا هدي عليهم.
قوله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ؛﴾ في هذه الآية تقدير حذف مبتدأ؛ تقديره: مدّة الحجّ أشهر معلومات. ويقال: الحجّ في أشهر معلومات. وقوله:
﴿غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ (٢) أي مدّة غدوّها ومدة رواحها.
стр. 322
واختلفوا في هذه الأشهر؛ فقال ابن عباس وأكثر المفسّرين: (إنّها شوّال وذو القعدة وعشر من ذي الحجّة).وأما من قال: إنّها شوال وذو القعدة وذو الحجة، فليس باختلاف لأن المراد بعض ذي الحجة؛ لأن الحجّ كله لا محالة في بعض هذه الأشهر لا في جميعها. ويجوز إضافته إلى جميع هذه الأشهر وإن كان هو في بعضها؛ ألا ترى إنك تقول: لقيت فلانا سنة كذا، وقمت يوم كذا؛ بمعنى بعض المدة.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ؛﴾ أي من أوجب فيهنّ الحجّ بالتلبية أو ما يقوم مقامها من ذكر أو سوق الهدي فلا يرفث ولا يفسق، وهذا لفظ خبر بمعنى النهي؛ كما أنّ قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ (١) و ﴿يُرْضِعْنَ﴾ (٢) خبران لفظا؛ وأمران معنى.
والرّفث: قال ابن عبّاس: (هو مراجعة النّساء بذكر الجماع).والفسوق: قال ابن عمر: (هو ما نهى الله عنه في الإحرام).واختار بعضهم هذا القول؛ وقالوا: لو كان المراد به جميع المعاصي لكان لا يخصّ بالنهي عنها حالة الإحرام.
وقال ابن عبّاس وجماعة من المفسّرين: (المراد بها جميع المعاصي).وفائدة تخصيص حالته هذه بالنهي فهو تعظيم حرمة هذه العبادة؛ كما يقال: لا تغتب في صومك؛ وكما قال ﷺ : [إذا كان يوم صوم أحدكم؛ فلا يرفث؛ ولا يجهل، وإن جهل عليه فليقل: إنّي صائم] (٣).
قوله تعالى: ﴿(وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ)﴾ قال بعضهم: الجدال: أن تجادل صاحبك حتى تغضبه أو يغضبك. وقيل: كانت قريش تقف بالمزدلفة؛ وكانت اليمن وربيعة تقف بعرفة خارج الحرم؛ وكان كلّ فريق منهم يجادل صاحبه في الموقف؛ فنزلت هذه الآية.
стр. 323
قوله : ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ؛﴾ أي ما تفعلوا من أسباب الحجّ وترك الرّفث والفسوق والجدال يعلمه الله؛ أي يقبله منكم فيجزيكم عليه، والله تعالى عالم من دون أن يفعلوا، ولكن المراد به يعلمه الله مفعولا؛ وكان من قبله يعلمه غير مفعول. وأراد الله بهذا الحثّ على فعل الخير ودلّ به على العدل؛ إذ بيّن أنه لا يجازي العبد على ما يعلمه منه، وإنّما يجازيه على ما يقع منه.
قوله : ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى؛﴾ أي تزوّدوا في سفر الحجّ والعمرة ما تكفّون به وجوهكم عن المسألة. نزلت في قوم كانوا يخرجون بأهاليهم بغير زاد ويتّكلون على الناس؛ ويسمّون أنفسهم المتوكّلة، يقولون: نحجّ بيت ربنا والله رازقنا. وقيل: نزلت في قوم يتركون أزوادهم ويصيبون في حجّهم من أهل الطريق ظلما؛ فبيّن الله تعالى أن الزاد هو أن تتّقوا ما لا يحلّ، لا أن تلقوا أزوادكم وتصيروا كلاّ على الناس.
ويقال: في الآية تقديم وتأخير؛ تقديره: وتزوّدوا من الطاعات، ﴿وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ (١٩٧)، ﴿(فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى)﴾ ولا يمتنع أن يكون المراد به زاد الدّنيا وزاد الآخرة. كأنّ الله خصّ على الزّادين جميعا وأمر بالتزوّد لسفر الدّنيا بالطعام ولسفر الآخرة بالتّقوى؛ فإن النجاة من هلكات سفر الدّنيا بالزاد، ومن سفر الآخرة بالعمل الصالح. قال الشاعر:
إذ أنت لم ترحل بزاد من التّقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا
ندمت على أن لا تكون كمثله ... وأنّك لم ترصد كما كان أرصدا
واختلف العلماء في جواز الإحرام بالحجّ قبل أشهر الحج؛ فروي عن ابن عبّاس وجابر وعطاء ومجاهد وعكرمة أنّهم قالوا: (لا يحرم الرّجل بالحجّ قبل أشهر الحجّ).وقال عطاء: (من فعل ذلك فيجعلها عمرة).وقال الشافعيّ: (تكون عمرة).
وعن إبراهيم النخعيّ: (جواز الإحرام بالحجّ قبل أشهر الحجّ) وهو قول أبي حنيفة وأصحابه؛ ومالك والليث؛ والثوري. وحجّتهم: قوله : ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ﴾. وهذا عموم في كون الأهلّة كلها وقتا
стр. 324
للحجّ؛ ومعلوم أنّ الأهلة ليست بميقات لأفعال الحج؛ فوجب أن يكون حكم ذلك اللفظ مستعملا في إحرام الحجّ.
أما قوله تعالى: ﴿(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ)﴾ فيحتمل أنه توقيت لأفعال الحجّ؛ فإن من قدم مكة قبل أشهر الحج محرما وطاف وسعى لم يكن ذلك السّعي معتدّا به في الحجّ. وذهب بعض أصحابنا إلى أنّ قوله تعالى: ﴿(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ)﴾ توقيت لاستحباب الإحرام؛ لأنه إذا قدّم الإحرام على شوال امتدّ (١) مكثه في الإحرام واضطرّ إلى شيء من محرّمات الإحرام.
فصل: والنصب في قوله تعالى: ﴿(فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ)﴾ على التمييز؛ ويقرأ بالرفع والتنوين؛ فكلا الوجهين جائز في كلام العرب. وأما قوله تعالى: ﴿(وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ)﴾ فأكثر القرّاء على نصبه؛ ولم ينقل فيه الرفع والتنوين إلا في رواية شادّة. ومن رفع الرفث والفسوق جعل ما بعده كلاما مبتدأ.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ؛﴾ روي عن عبد الله ابن عمر: أنّ رجلا سأله فقال: إنّي لأكري إبلي إلى مكّة، أفيجزئ حجّي؟ فقال: أولست تلبي وتقف بعرفات وترمي الجمار؟) قال: بلى، قال: سأل رجل رسول الله ﷺ عن مثل ما سألتني عنه فلم يجبه حتّى أنزل الله هذه الآية:
﴿(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ)﴾،فقال ﷺ : [أنتم حجّاج] (٢).
ومعنى الآية: ليس عليكم جناح أن تطلبوا رزقا في التجارة في أيام الحجّ. وكان ابن عبّاس يقرؤها «(ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحجّ)».
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا كان يوم عرفة غفر الله للحاجّ الخالص؛ وإذا كان ليلة المزدلفة غفر الله للتّجّار، وإذا كان يوم منى غفر الله
стр. 325
للجمّالين، وإذا كان عند جمرة العقبة غفر الله للسّؤال، ولا يشهد ذلك الموقف خلق ممّن قال: لا إله إلاّ الله، إلاّ غفر الله له] (١).
قوله : ﴿فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ؛﴾ معناه: إذا دفعتم من عرفات فاذكروا الله باللّسان عند المشعر الحرام؛ وهو الجبل الذي يقف عليه الناس بالمزدلفة. وقوله تعالى:
﴿وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ؛﴾ أي اذكروه بالثناء والتوحيد والشّكر ذكرا مثل هدايته إيّاكم؛ أي ذكرا يكون جزاء لهدايته، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ (١٩٨)؛أي وإن كنتم من قبل هدايته إياكم لمن الضّالين عن الهدى.
وقيل: إنّ المراد بالذّكر الأول في هذه الآية صلاة المغرب والعشاء التي يجمع بينهما في وقت العشاء بالمزدلفة. والمراد بالذّكر الثاني هو الذكر المفعول بالمزدلفة غداة جمع في موقف المزدلفة. فعلى هذا يكون الذكر الأول غير الثاني. وقد سمّى الصّلاة ذكرا على معنى أن الذّكر ركن من أركانها.
والإفاضة: هي الدفع بالكثرة، يقال: أفاض القوم في الحديث؛ إذا تدافعوا فيه وأكثروا التصرّف؛ وأفاض المرجل إناه؛ إذا صبّه، وفاض الإناء إذا انصبّ منه الماء للامتلاء، وأفاض البعير بجرّته؛ إذا رمي بها متفرقة كثيرة (٢).
وعرفات: جمع عرفة؛ وهي مكان واحد ذكرها بلفظ الجمع؛ وإرادته جمع أجزائها. وسميت عرفات لارتفاعها من بشر الأرض، وقيل: سميت بذلك لأن آدم
стр. 326
وحوّاء تعارفا بها بعد التفاقد. ويقال: لأنّ جبريل عرّفها إبراهيم ﵇ ليقف عليها حين كان يعلّمه أمر المناسك؛ فقال إبراهيم: عرفت. وقال بعضهم: سميت بذلك لأن الناس يعترفون في هذا اليوم على ذلك الموقف بذنوبهم. وقيل: هي مأخوذة من العرف وهو الطّيب، قال الله تعالى: ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ (١) أي طيّبها لهم.
قوله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٩٩)؛قال عامّة المفسرين: كانت قريش وحلفاؤها ومن دان بدينها وهم الحمس لا يخرجون من الحرم إلى عرفات؛ وكانوا يقفون بالمزدلفة يقولون: نحن أهل الله وسكّان حرمه؛ فلا يخلف الحرم ولا يخرج منه فلسنا كسائر الناس، كانوا يتعظّمون أن يقفوا مع سائر العرب بعرفات. ويقول بعضهم لبعض: لا تعظّموا إلا الحرم، فإنكم إن عظّمتم غير الحرم تهاون الناس بحرمكم، فقفوا بجمع، فإذا أفاض الناس من عرفات أفاضوا من المشعر وهو المزدلفة.
فأمرهم الله أن يقفوا بعرفات ويفيضوا منها إلى المزدلفة مع سائر الناس فيكون المراد بالإفاضة في هذه الآية على هذا القول: الإفاضة من عرفات.
وكان سائر الناس غير الحمس يقفون بعرفات، فأنزل الله هذه الآية وأمر قريشا وغيرهم من الحمس أن يقفوا بعرفة حيث يقف الناس، ويدفعوا منها معهم.
وإنّما ذكر الناس وأراد قريشا بالإفاضة من حيث أفاض الناس؛ لأن قريشا ومن دان بدينها كانوا قليلا بالإفاضة إلى سائر الناس.
قوله تعالى: ﴿(ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ)﴾ على هذا التأويل راجع إلى أوّل الكلام، كأنه «قال» (٢) ﴿(فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ)﴾ ﴿(ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ)﴾ ﴿(فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ)﴾ المسجد (الحرام).فيكون في الآية تقديم وتأخير. ويكون الأمر بالإفاضة عطفا على الإحرام دون الإفاضة من عرفات؛ فكأنه قال: أحرموا كما أمركم الله ﴿(ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ)﴾. وعلى هذا التأويل جمهور المفسرين.
стр. 327
وقال الضحّاك: (معنى الآية: ثمّ أفيضوا من المزدلفة الّتي تفيض منها قريش).
وإنّما ذهب الضحاك إلى أن المراد بالإفاضة في هذه الآية الإفاضة من المزدلفة؛ لأنّ الله تعالى عطف هذه الآية على الإفاضة من عرفات؛ فعلم أن المراد بهذه الإفاضة الإفاضة من المزدلفة؛ إلاّ أن عامّة المفسرين على الوجه الأول.
والمراد بقوله: ﴿(مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ)﴾ هم العرب كلهم غير الحمس، وقال الكلبيّ: (هم أهل اليمن).وقال الضحّاك: (النّاس هنا إبراهيم ﵇ وحده؛ لأنّه كان الإمام المقتدى به، فسمّاه الله ناسا كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ (١) وقد يسمّى الرّجل الواحد باسم الناس كما قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ (٢) يعني محمّدا ﷺ .وكذلك قوله ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ (٣) يعني نعيم بن مسعود الأشجعي ﴿إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ يعني أبا سفيان. وإنّما يقال هذا لمن هو ندب يقتدى به أو يكون لسان قومه وإمامهم.
وقال الزهريّ: (النّاس هاهنا آدم ﵇ ودليله قراءة ابن مسعود: «(ثمّ أفيضوا من حيث أفاض النّاس يعني آدم)».وقال: (لأنّه نسي ما عهد إليه؛ قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ (٤).
وقوله تعالى: ﴿(وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)﴾ أي استغفروا الله هناك من ذنوبكم؛ أي في مواطن الحجّ، فإن الدعاء في تلك المواطن جدير بالإجابة. وقال بعضهم: هذا خطاب للحمس أمرهم الله بالاستغفار مما كان منهم في الجاهليّة من مخالفة أمره بترك الوقوف بعرفات. ﴿(إِنَّ اللهَ غَفُورٌ)﴾ لذنوب عباده إذا تابوا، (﴿(رَحِيمٌ)﴾ بهم بعد التوبة. ويقال: معناه: إنّ الله غفور رحيم للحاج.
стр. 328
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [الحاجّ والعمّار وفد الله تعالى، إن دعوا أجابهم، وإن استغفروا غفر لهم] (١).وقال ﷺ : [اللهمّ اغفر للحاجّ ولمن استغفر له الحاجّ] (٢).
وقد اختلف العلماء في الوقوف بالمزدلفة، فذهب أكثرهم إلى أنه ليس بركن على ما يروى عن النبيّ ﷺ [إنّه قدّم ضعفة أهله بليل] (٣).وفي بعض الأخبار: أنّه قدّم أغيلمة بني عبد المطّلب بليل، وجعل يلطّخهم بيده ويقول: [أي بنيّ، لا ترموا جمرة العقبة إلاّ مصبحين] (٤).فلو كان الوقوف بها فرضا لما رخّص في تركه للضعيف كالوقوف بعرفة.
قوله : ﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً؛﴾ أي إذا فرغتم من متعبّداتكم ﴿(فَاذْكُرُوا اللهَ)﴾ بالخير ﴿(كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ)﴾ بل أشدّ ذكرا. وذلك أنّهم كانوا يقفون بعد قضاء المناسك يوم النحر بين المسجد الذي في منى وبين الجبل، يتناشدون الأشعار ويتفاخرون بذكر فضائل آبائهم، يقول أحدهم: يا رب إنّ عبدك فلانا-يعني أباه-كان يفعل كذا وكذا من الخير. فأمرهم الله تعالى أن يذكروه فهو الذي فعل ذلك الخير إلى آبائهم، وأنّ أياديه عندهم أكثر وأعظم من أيادي آبائهم عليهم.
وروي أنّ النّبيّ ﷺ قال لهم بعد نزول هذه الآية: [إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهليّة وتعظّمها بالآباء، إنّ النّاس من آدم وإنّ آدم من تراب؛ لا فضل لعربيّ على أعجميّ إلاّ بالتّقوى] ثمّ تلا ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى .. ﴾.
الآية (٥).
стр. 329
وقال بعضهم: معناه: اذكروا الله بالتوحيد كما تذكرون آباءكم بذلك؛ فإنّكم لا ترضون أن تنسبوا إلى أبوين، وكذلك لا ترضون من أنفسكم باتّخاذ إلهين.
وعن عطاء والربيع والضحاك في قوله: ﴿(كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ)﴾: (هو كقول الصّغير أوّل ما يفقه الكلام (أبه أبه) أي استغيثوا بالله وافزعوا إليه في جميع أموركم؛ كما يفزع الصّغير إلى أبيه في جميع أموره ويلتحّ بذكره) (١).وعن أبي الجوزاء قال: قلت لابن عباس ﵁: أخبرني عن قول الله : ﴿(فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ)﴾ وقد يأتي على الرّجل اليوم لا يذكر أباه، فقال ابن عبّاس: (ليس كذلك، ولكن أن تغضب لله إذا عصي أشدّ من غضبك لوالديك إذا شتما) (٢).
وأما وجه نصب (أشدّ) فقال الأخفش: (اذكروه ذكرا أشدّ ذكرا).وقال الزجّاج: (هو في محلّ الخفض، ولكنّه لا ينصرف لأنّه صفة على وزن (أفعل).
ونصب (ذكرا) على التّمييز) (٣).
قوله : ﴿فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ (٢٠٠)؛نزلت في مشركي قريش كانوا يقولون في عادتهم في الحجّ: اللهمّ ارزقنا إبلا وبقرا وغنما وعبيدا وإماء وأموالا. ولم يكونوا يسألون لأنفسهم التوبة والمغفرة، كانوا لا يرجون إلا نعيم الدّنيا، ولا يخافون البعث والنشور (٤).فبيّن الله تعالى بقوله: ﴿(وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)﴾ أي من نصيب ولا ثواب.
والمعنى: من يطلب بحجّه أمور الدّنيا لا يريد بذلك ثواب الله تعالى، فلا نصيب له في ثواب الآخرة. وقال أنس بن مالك: (كانوا يطوفون بالبيت عراة فيدعون
стр. 330
ويقولون: اللهمّ اسقنا المطر وأعطنا على عدوّنا الظّفر) (١).وقال قتادة: (هذا عبد نوى الدّنيا؛ لها أنفق ولها عمل ولها نصب) (٢) فهي همّه وسؤله وطلبه.
ثم بيّن الله تعالى دعاء المؤمنين بقوله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ (٢٠١)؛ واختلفوا في معنى الحسنتين؛ فقال عليّ كرّم الله وجهه: ﴿(آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً)﴾ أي امرأة صالحة، ﴿(وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً)﴾ الحور العين، ﴿(وَقِنا عَذابَ النّارِ)﴾ المرأة السّوء).
وقال الحسن: (معناه: آتنا في الدّنيا العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنّة) (٣).قال السديّ: (معناه: آتنا في الدّنيا رزقا حلالا واسعا وعملا صالحا، وفي الآخرة مغفرة وثوابا).وقال عطيّة: (معناه: ﴿(آتِنا فِي الدُّنْيا)﴾ العلم والعمل به، ﴿(وَفِي الْآخِرَةِ)﴾ تيسير الحساب ودخول الجنّة).وقال مجاهد: (معنى الحسنة: النّعمة، فكأنّهم سألوا الله نعمة الدّنيا والآخرة وأن يقيهم عذاب النّار).
وقيل: معناه: آتنا في الدنيا التوفيق والعصمة، وفي الآخرة النجاة والرحمة.
وقيل: معناه: آتنا في الدنيا أولادا أبرارا، وفي الآخرة مرافقة الأنبياء. وقيل: معناه: آتنا في الدنيا المال والنعمة، وفي الآخرة تمام النعمة، وهو الفوز من النار ودخول الجنة.
وقيل: معناه آتنا في الدنيا: الدين واليقين، وفي الآخرة اللقاء والرضاء. وقيل: معناه:
آتنا في الدنيا الثّبات على الإيمان، وفي الآخرة السلامة والرضوان. وقيل: معناه: آتنا في الدنيا حلاوة الطاعة، وفي الآخرة لذّة الرؤية. وقيل: معناه: آتنا في الدنيا الإخلاص، وفي الآخرة الخلاص.
وقال قتادة: (معناه: آتنا في الدّنيا عافية، وفي الآخرة عافية) (٤).ودليل ذلك ما روي عن أنس: أنّ رسول الله ﷺ عاد مريضا قد أضنى ونحل جسمه حتّى صار كالفرخ المنتوف، فقال له النّبيّ ﷺ : [هل كنت تدعو الله بشرّ أو تسأله شيئا؟] قال:
стр. 331
كنت أقول: اللهمّ ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجّله لي في الدّنيا. فقال: [سبحان الله! إذن لا تستطيعه ولا تطيقه، إنّك ضعيف لا تستطيع أن تقوم لعذاب الله، هلاّ قلت: ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار] فدعا الرّجل بذلك فشفاه الله وأبرأه من مرضه (١).
وقال سهل بن عبد الله: معنى الآية: ﴿(رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا)﴾ السّنّة ﴿(وَفِي الْآخِرَةِ)﴾ الجنّة. وعن عبد الله بن عباس ﵁ قال: (عند الرّكن اليمانيّ ملك قائم منذ خلق الله السّماوات والأرض يقول: آمين، فإذا مررتم به فقولوا: ﴿(رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ)﴾.وقال عوف في هذه الآية: (من آتاه الله الإسلام والقرآن ومالا وولدا فقد أوتي في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة).
وروي أنّ قوما قالوا لأنس بن مالك: أدع لنا؛ فقال: ﴿(رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ)﴾ فقالوا: زدنا، فأعادها، فقالوا: زدنا، فأعادها، فقالوا: زدنا، فقال: (ما تريدون! قد سألت الله لكم خير الدّنيا والآخرة).قال أنس:
وكان النّبيّ ﷺ يكثر أن يدعو بها يقول: [اللهمّ ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار] (٢).
قوله : ﴿أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (٢٠٢) معناه: إنّ الذين يسألون الله تعالى الدنيا والآخرة لهم حظّ ونصيب وافر من الثواب والخير والجزاء اكتسبوه في حجّهم؛ وفي هذا بيان استجابة دعائهم على القطع.
стр. 332
وعن ابن عباس في هذه الآية: أنّ رجلا قال لرسول الله ﷺ : إنّ أبي مات ولم يحجّ، أفأحجّ عنه؟ قال: [أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أما كان ذلك يجزي؟] قال: نعم، قال: [فدين الله أحقّ أن يقضى]،قال: فهل لي من أجر؟ فأنزل الله : ﴿(أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا)﴾ (١).يعني من حجّ عن ميت كان الأجر بينه وبين الميت.
وقال سعيد بن جبير: جاء رجل إلى ابن عبّاس فقال: إنّي أكريت دابّتي واشترطت عليهم أن أحجّ، فهل يجزيني ذلك؟ قال: (أنت من الّذين قال الله فيهم:
﴿(أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾».
قوله تعالى: ﴿(وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ)﴾ يعني إذا حاسب فحاسبه سريع لا يحتاج إلى عقد يد ولا إلى وعي صدر ولا رؤية ولا فكر. وقال الحسن: (أسرع من لمح البصر).
وفي الخبر: أنّ الله تعالى يحاسب العباد في قدر حلب شاة؛ وأن محاسبة الله تعالى ليست كمحاسبة الناس بعضهم لبعض، يحاسبهم جميعا في لحظة واحدة، يظنّ كلّ واحد أنه
стр. 333
يحاسبه خاصة، لا يشغله شيء عن شيء. ومعنى الحساب: تعريف الله تعالى عباده مقادير الخير على أعمالهم، وتذكيره إياهم بما قد نسوه. يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾ (١).وقيل: معناه سريع الحساب؛ أي سريع المجازاة، وفيه إخبار عن سرعة فناء الدنيا وقيام الساعة.
قوله : ﴿*وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ؛﴾ يعني اذكروا الله تعالى بالتكبير إدبار الصلوات وعند الجمرات، يكبر مع كلّ حصاة؛ وغيرها من الأوقات. واختلفوا في الأيام المعدودات؛ فروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وعطاء والضحاك والنخعي: (أنّ الأيّام المعدودات: أيّام التّشريق؛ والأيّام المعلومات: أيّام العشر من ذي الحجّة) (٢)؛وهكذا روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. وروي أيضا عن ابن عباس: (أنّ الأيّام المعدودات: أيّام العشر، والأيّام المعلومات: أيّام النّحر).
ولا شكّ أن في هذه الرواية غلطا وهي خلاف الكتاب؛ لأنّ الله تعالى عقّب الأيام المعدودات بقوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ؛﴾ وليس في العشر حكم بتعليق يومين دون الثالث. وعن أبي يوسف: (أنّ المعلومات: أيّام النّحر، والمعدودات: أيّام التّشريق)؛قال هذا القول استدلالا من الآيتين؛ لأنّ الله تعالى قال في ذكر الأيام المعلومات: ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ (٣).وقال في هذه الآية: ﴿(فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ)،﴾ فيوم النّحر على هذه الرواية من المعلومات دون المعدودات؛ وآخر أيام التشريق من المعدودات دون المعلومات؛ واليوم الثاني والثالث من أيام النحر من المعلومات والمعدودات جميعا.
والجواب عن استدلال أبي يوسف من الآيتين: أنّ لفظ المعلومات يقتضي الشّهرة، ولفظ المعدودات يقتضي تقليل العدد كما في قوله: ﴿دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (٤) فاقتضى الظاهر أنّ المعدودات أقل من المعلومات؛ ويحتمل أن يكون معنى ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ﴾
стр. 334
﴿بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ لما رزقهم كما قال الله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ أي لما هداكم، فكأنّ الله تعالى أراد بالمعلومات أيام العشر؛ لأنّ فيها يوم النحر وفيه الذبح، ويكون ذلك اليوم بتكرار سنين عليه أيّاما.
وأما الذّكر المذكور في هذه الآية فهو الذّكر عند رمي الجمار في أيام التشريق.
وقال بعضهم: هو التكبير في إدبار صلاة العصر في هذه الأيام؛ يكبّر من صلاة الغداة من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق عند جماعة من الفقهاء. والتأويل الأول أصحّ وأقرب إلى ظاهر القرآن؛ لأن الله تعالى عقّب الذكر في هذه الآية بقوله:
﴿(فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ)﴾ أي من تعجّل الرجوع إلى أهله فلا إثم عليه في ترك الرمي في اليوم الثالث؛ ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ؛﴾ إلى آخر النّفر وأقام هنالك في اليوم الثالث، ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قوله تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقى؛﴾ أي لمن اتّقى الإثم والفسوق والتفريط في حقوق الحجّ كلها. وأما من لم يتّق فغير موعود له الثواب. وقال ابن عمر وابن عباس وعطاء وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك والنخعيّ والسديّ: (معنى الآية: فمن تعجّل في يومين من أيّام التّشريق فنفر في اليوم الثّاني من أيّام التّشريق؛ فلا إثم عليه في تعجيله، ومن تأخّر عن النّفر في الثّاني من أيّام التّشريق إلى اليوم الثّالث حتّى ينفر في اليوم الثّالث؛ فلا إثم عليه في التّأخير، فإن لم ينفر في اليوم الثّاني وأقام حتّى تغرب الشّمس؛ فليقم إلى الغد من اليوم الثّالث فيرمي الجمار ثمّ ينفر مع النّاس).
وقال بعضهم: معنى الآية: فمن تعجّل في يومين فهو مغفور له لا إثم عليه ولا ذنب، ومن تأخّر فكذلك، وهو قول عليّ بن أبي طالب وأبي الدّرداء وابن مسعود والشعبي. قال معاوية بن قرة: (خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه) (١).وقال يحيى بن إسحاق: سألت مجاهدا عن ذلك فقال: (معناه: فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه إلى قابل، ومن تأخّر فلا إثم عليه أيضا إلى قابل) (٢).
стр. 335
وقوله تعالى: ﴿(لِمَنِ اتَّقى)﴾ قال الكلبيّ: (معناه: لمن اتّقى قتل الصّيد، فإنّه لا يحلّ له أن يقتل صيدا حتّى يخلف أيّام التّشريق).وقال قتادة: (معناه: لمن اتّقى أن يصيب في حجّته شيئا ممّا نهى الله عنه).وقال أبو العالية: (معناه: فلا إثم عليه لمن اتّقى الله فيما بقي من عمره).وكان ابن مسعود يقول: (إنّما جعل مغفرة للذّنوب لمن اتّقى الله في حجّه).قال ابن جريج: (وهي في مصحف عبد الله: فلا إثم عليه لمن اتّقى الله).وعن ابن عباس: (معناه: لمن اتّقى عبادة الأوثان ومعاصي الله).فإن قيل كيف قال الله تعالى: ﴿(وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ)﴾ ومعلوم أنّ من تأخر إنّما تأخّر لإقامة واجب، فلا يليق بحاله أن يقال: فلا إثم عليه، بل يليق أن يقال: ومن تأخر كان أعظم لأجره؟ قيل: هذا على مزاوجة الكلام.
وقيل: إنّ رمي الجمار لا يجوز أن يكون تطوّعا؛ إذ المتنفل به يكون غائبا؛ فلمّا قال الله تعالى: ﴿(فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ)﴾ أوهم ذلك كون الرمي في ذلك اليوم الثالث تطوّعا؛ لأنّ هذا تخيير بين فعله وتركه، فقال تعالى: ﴿(وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ)﴾ ليبيّن أنّ هذا واجب خيّر بين فعله.
فصل: والأيام المسمّاة في الحجّ ستة أيام: يوم التّروية؛ ويوم عرفة (١)؛ويوم النّحر؛ ويوم القرّ؛ ويوم النّفر؛ ويوم الصّدر. وسمي يوم التروية لأنّ جبرائيل ﵇ قال لإبراهيم ﵇: [احمل ريّك من الماء].وأما عرفة فقد ذكرنا لم سمي به، ويوم النّحر معلوم؛ ويوم القرّ لاستقرار الناس بمنى، ويوم النّفر لأنّهم ينفرون من منى إلى مكة، ويوم الصّدر لأنّهم يصدرون إلى أهاليهم. ورمي الجمار مشروع في يوم القرّ والنفر والصدر؛ وهي أيام التشريق.
قوله : ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢٠٣)؛ هذا أمر لهم بالتقوى في مستقبل أعمارهم؛ أي لا تتّكلوا فيما أسلفتم من أعمال البرّ، ولكن زيدوا في الطاعة في باقي العمر. وقوله تعالى: ﴿(وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)﴾ أي في الآخرة يجازيكم بأعمالكم؛ إذ الحشر إنّما يكون للمجازاة، ومن تصوّر أنه لا بد
стр. 336
من حشر ومحاسبة ومساءلة؛ ولا بد من أحد أمرين: إمّا الجنة وإما النار، يدعوه بذلك إلى التقوى والتشديد.
والحشر في اللغة: هو الجمع للناس من كلّ ناحية؛ والمحشر هو المجمع؛ فيكون معنى الآية: ﴿(وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)﴾ أي تجمعون.
قوله : ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ﴾ (٢٠٤)؛قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق، كان حسن المنظر؛ حلو الكلام؛ فاجر السّريرة؛ حلاّفا شديد الخصومة في الباطل، وكان يجالس النّبيّ ﷺ فيظهر له الحسن ويحلف بالله أنّه يحبّه ويتّبعه على دينه؛ وكان ﷺ يسمع كلامه فيعجبه، وكان يدنيه من مجلسه، فأظهره الله على نفاقه) (١).
ومعنى الآية: ﴿(وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ)﴾ كلامه وحديثه؛ أي يفرح بإظهاره الإيمان وتسرّ بقوله، ﴿(وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ)﴾ ﴿(وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ)﴾ أي يقول: الله شهيد على ما في قلبي كما هو على لساني من الإيمان. وقوله تعالى: ﴿(وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ)﴾ أي شديد الخصومة جدل بالباطل. والألدّ: مأخوذ من لديدتي العنق؛ وهما صفحتاه. وتأويله: أن خصمه في أيّ وجه أخذ من أبواب الخصومة من يمين أو شمال غلبه في ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ (٢٠٥)؛أي إذا أعرض عنك الأخنس يا محمد وفارقك أسرع مشيا في الأرض ليعصي فيها ويضرّ المؤمنين، وليهلك ما قدر عليه من زرع ونسل، ﴿(وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ)﴾ أي لا يرضى المعاصي.
стр. 337
روي: أنّ الأخنس خرج من عند النبيّ ﷺ فمرّ بزرع فأحرقه؛ وبحمار فعقره؛ فنزلت هذه الآية بما فيها من الوعيد، فحسبه جهنّم (١)،وصارت عامة في جميع المفسدين. وقيل: معنى الآية: ﴿(لِيُفْسِدَ فِيها)﴾ أي ليوقع الفتنة بين الناس فيشتغلوا عن الزراعة وعن أعمالهم، فيكون في ذلك هلاك الحرث والنسل. وقيل: يخيف الناس حتى يهربوا من شرّه، فيخرّب الضّياع وينقطع نسل الناس والدواب.
وفي هذه الآية تحذير من الاغترار بظاهر القول وما يبديه الرجل من حلاوة المنطق، وأمر بالاحتياط في أمر الدين والدنيا حتى لا يقتصر على ظاهر أمر الإنسان خصوصا فيمن هو ألدّ الخصام؛ ومن ظهرت منه دلائل الريبة. ولهذا قالوا: إنّ علينا استبراء حال من نراه في الظاهر أهلا للقضاء والشهادة والفتيا والأمانة، وأن لا يقبل منهم ظاهرهم حتى يسأل عنهم ويبحث عن أمرهم، إذ قد حذّر الله تعالى أمثالهم في توليتهم على أمور المسلمين؛ ألا ترى أنه عقّبه بقوله: ﴿(وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها)﴾ فيحتمل أن يكون المراد بالتولّي: أن يتولّى أمرا من أمور المسلمين، فأعلم الله بهذه الآية أنه لا يجوز الاقتصار على الظاهر دون الاحتياط والاستبراء.
قوله : ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ؛﴾ أي إذا قيل لهذا المنافق: احذر عقوبة الله ولا تفسد، أخذته المنعة والحميّة والأنفة بسبب الإثم الذي فيه والكفر الذي في قلبه؛ يعني أنه تكبّر وقال: أمثلي يقال له: اتّق. ويقال:
حملته العزّة على فعل ما يوجب الإثم.
وقوله تعالى: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ؛﴾ أي كفاه النار في الآخرة عقوبة ونكالا. قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (٢٠٦)؛أي لبئس القرار النار.
والمهاد: الفراش الموطئ للنوم كما يمهد للطفل؛ فلما كان المعذّب يلقى في نار جهنم، جعل ذلك مهادا له على معنى: أنّ جهنم للكافر مكان كالمهاد للمؤمن في الجنة.
стр. 338
ويحكى: أنّ يهوديا كانت له حاجة إلى هارون الرشيد، فاختلف إلى بابه زمانا فلم يقض حاجته، فوقف يوما على الباب، فخرج هارون وهو يسعى بين يديه، فقال له: اتّق الله يا أمير المؤمنين! فنزل هارون عن دابّته وخرّ ساجدا؛ فلما رفع رأسه أمر بحاجته فقضيت. فقيل له: يا أمير المؤمنين، نزلت عن دابّتك لقول يهودي؟! قال: لا، ولكن ذكرت قول الله ﴿(وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ)﴾.
قوله : ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ؛﴾ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في صهيب بن سنان وعمّار بن ياسر وأمّه سميّة وأبيه ياسر وبلال وخبّاب بن الأرتّ وغيرهم، أخذهم المشركون في طريق مكّة؛ فعذّبوهم، فأمّا صهيب فقال لهم: أنا شيخ كبير لا يضرّكم أمنكم كنت أم من عدوّكم، أعطيكم جميع مالي ومتاعي وذروني وديني نشتريه منكم بمالي، ففعلوا؛ فأعطاهم ماله وتوجّه إلى المدينة. فلمّا دخل المدينة لقيه أبو بكر فقال: ربح البيع يا صهيب، قال: وبيعك لا يخسر، وما ذاك يا أبا بكر! فأخبره بما نزل فيه؛ وهو قوله:
﴿(وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ)﴾ (١).
وأمّا سميّة وياسر فقتلا، وكانا أوّل قتيلين قتلا من المسلمين. وكان رسول الله ﷺ قال لهما بمكّة: [اصبروا يا آل ياسر، فإنّ موعدكم الجنّة] (٢).وأمّا الآخرون؛ فإنّهم أعطوا على العذاب بعض ما أراد المشركون من كلمة الكفر وسب الإسلام؛ وكانت قلوبهم مطمئنّة بالإيمان، فتركوا وقدموا المدينة، وفيهم نزل قوله تعالى:
﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ (٣).
ومعنى قوله: ﴿(وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ)﴾ على هذا التأويل الذي ذكرناه:
ومن الناس من يشري نفسه ودينه بماله. وعن عمر وعليّ ﵄: أنّهما قالا
стр. 339
في هذه الآية: (هو الرّجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيقتل عليه) (١) فعلى هذا معنى قوله تعالى: ﴿(يَشْرِي نَفْسَهُ)﴾ أي يبيع نفسه يبذلها في الجهاد في سبيل الله. وهذا من أسماء الأضداد، قال الشاعر (٢) في شريت بمعنى بعت:
وشريت بردا ليتني ... من بعد برد كنت هامه
أي هلكت. وقوله تعالى: ﴿(ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ)﴾ نصب على أنه مفعول له؛ كأنّه قال: لابتغاء مرضاة الله. وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ (٢٠٧)؛أي رحيم بهم يرغّبهم في الخير، ويثيبهم عليه رأفة بهم. ويقال: إنّه لرأفته ورحمته أمرهم ببيع أنفسهم لكي ينالوا من كريم ثوابه ما هو خير لهم.
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً؛﴾ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية فيمن أسلم من أهل الكتاب: عبد الله بن سلام وأصحابه، وذلك أنّهم عظّموا السّبت وكرهوا لحوم الإبل وألبانها، واتّقوا أشياء كانوا يتّقونها قبل أن يسلموا. وقالوا: يا رسول الله، إنّ التّوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم في صلاتنا باللّيل؟ فأنزل الله هذه الآية وأمرهم أن يدخلوا في جميع شرائع محمّد ﷺ (٣).
ومعناها: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)﴾ أي في الإسلام، وقال مجاهد: (في أحكام الدّين وأعماله) (٤).وأصله من الاستسلام والانقياد؛ ولذلك قيل للصلح: سلم. وقال حذيفة في هذه الآية: (الإسلام ثمانية أسهم: الصّلاة سهم، والزّكاة سهم، والصّوم سهم، والحجّ سهم، والعمرة سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنّهي عن المنكر سهم. وقد خاب من لا سهم له) (٥).
стр. 340
وقال الحسن ﵁: (معنى الآية: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)﴾ تكلّموا بكلمة الإيمان؛ أي أقيموا على الإيمان) حثّ الله تعالى بهذه الآية جميع المؤمنين على الإسلام والطاعة لمن يشري نفسه؛ ألا تراه قال بعد ذلك: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ؛﴾ أي لا تفعلوا فعل ألدّ الخصام. وقيل: ﴿(وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ)﴾ أي لا تقتفوا آثاره؛ لأنّ ترككم شيئا من شرائع الإسلام اتباع للشيطان.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٢٠٨)؛أي إنه عدوّ لكم ظاهر العداوة، فإن قيل: كيف قال الله تعالى: ﴿(إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)﴾ وهو لم يبدلنا شخصه؟ قيل: قد كان إبداؤه العداوة لأبينا آدم ﵇ حين امتنع من السّجود له وقال: أنا خير منه، فكان إبداؤه وإظهاره العداوة لأبينا آدم ﵇ إبداء وإظهارا لنا.
قوله تعالى: (كافّة) أي جميعا مأخوذ من: ككفت الثّوب؛ أي جمعته وضممت بعضه إلى بعض. ومعنى كافّة في اللغة: مشتق من كفّ الشّيء يكفّه؛ أي منعه.
وسميت الراحة مع الأصابع كفّا؛ لأنّها يكفّ بها عن سائر البدن. ورجل مكفوف:
أي كفّ بصره عن النظر. ومنه قيل لحاشية القميص: كفّة؛ لأنّها تمنع الثوب من أن ينتشر. وكلّ مستطيل فحرفه كفّة بالضم، وكل مستدير فحرفه كفّة بالكسر نحو: كفّة الميزان.
واختلف القراء في السّلم؛ فقرأ ابن عباس والأعمش: «(السّلم)» بكسر السين هنا وفي الأنفال وسورة محمد. وقرأ أهل الحجاز والكسائي بالفتح، وقرأ حمزة وخلف في الأنفال بالفتح وسائرها بالكسر، وقرأ الباقون هنا بالكسر والباقي بالفتح، وهما لغتان.
قوله : ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٠٩)؛أي إن زللتم؛ أي إن عدلتم عن الطريق المستقيم بالخروج عن طاعة الله إلى المعصية. وقال ابن عباس: (معناه: فإن ملتم إلى أوّل شريعتكم من تحريم لحوم الإبل والسبت). ﴿(مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ)﴾ أي الدّلالات والحجج؛ يعني محمّدا ﷺ وشرائعه، ﴿(فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)﴾ أي غالب بالنقمة ولا يعجزه شيء من ذلك.
стр. 341
وقوله ﴿(حَكِيمٌ)﴾ أي محكم في الفعل، حكيم في أمره. ويقال: عالم ذو حكمة فيما شرع لكم من دينه. وقال ابن حبان (١): (معنى: فإن زللتم؛ أي أخطأتم).وقال السديّ: (فإن ضللتم).وقال ابن عباس: (يعني الشّرك).
وقرأ أبو السمّال العدوي: «(فإن زللتم)» بكسر اللاّم، وفي هذه الآية تشبيه العصيان بزلّة القدم.
قوله : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ؛﴾ افترق الناس في تفسير هذه الآية على أربعة أقوال؛ فرقة منهم يتأولونها على ظاهرها ويصفون الله بالإيتاء الذي هو زوال من مكان إلى مكان. وهذا القول غير مرض تعالى الله عنه. وفرقة يفسرون الإتيان تفسيرا مجملا لا يعدون ظاهر اللفظ، يقولون: يأتي كيف شاء بلا كيف. وهذا غير مرض أيضا.
وأما الفرقتان الأخريان من أهل السّنّة والجماعة؛ فإحداهما لا يفسّرون هذه الآية ويقولون: نؤمن بظاهرها ونسكت عن الخوض في معناها؛ لما فيه من الاشتباه والتشبيه. وقال الكلبيّ: (هذا من المكتوم الّذي لا يفسّر).وقال ابن عباس: (نؤمن بها ولا نفسّرها كما قال تعالى في المتشابهات: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ (٢)).
وأمّا الفرقة الرابعة فيفسرونها ويردّون مثل هذه المتشابهات إلى الآيات المحكمات ويقولون: معناها ما ينظر الكفار بعد قيام الحجة عليهم، إلا أن يأتيهم أمر الله وهو الحساب، أو أن يأتيهم عذاب الله؛ لأنّ الإتيان لفظ مشتبه يحتمل حقيقة الإتيان ويحتمل إتيان الأمر، وقد قامت الدلالة على أنّ الله تعالى لا يجوز عليه الإتيان والمجيء والانتقال والمزاولة؛ لأنّ ذلك من صفات الأجسام والمحدثين، والله تعالى منزّه عن ذلك، قال عليّ ﵁: (من زعم أنّ الله في شيء أو من شيء أو على شيء فقد ألحد؛ لأنّه لو كان من شيء لكان محدثا؛ ولو كان في شيء لكان محصورا؛ ولو كان على شيء لكان محمولا).وإذا كان لفظ الإتيان مشتبها وجب ردّه إلى المحكم
стр. 342
نحو قوله تعالى في سورة النحل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ (١).
وقال بعضهم: معناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بظلل من الغمام وبالملائكة أو مع الملائكة، فتكون في معنى الباء، فعلى هذا التأويل زال الإشكال وسهل الأمر.
وأما ذكر الظّلّة في الآية، فإنّ الهول إذا بدا من الظّلة المظلمة من السحاب كان أعظم وأشدّ، يدلّ عليه قوله تعالى في قصة شعيب: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٢).
وأما قوله: ﴿(وَالْمَلائِكَةُ)﴾ قرأ أبو جعفر بخفض «(الملائكة)» عطفا على الغمام؛ أي «(والظّلل)» من الملائكة؛ أي جماعة من الملائكة. قوله «(والملائكة)» وسمّاهم الله ظللا؛ لأن الملائكة لا تسير بالأقدام ولكنها تطير بالأجنحة كما تطير الطير. ومن قرأ:
«(والملائكة)» بالرفع؛ وهي قراءة الجمهور والإجماع فتقديره: وتأتيهم الملائكة في ظلل، يدلّ عليه قراءة أبي وعبد الله: «(هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام)».والغمام: هو السّحاب الرقيق الأبيض، سمّي بذلك لأنه يغمّ؛ أي يستر.
قوله تعالى: ﴿(وَقُضِيَ الْأَمْرُ)﴾ أي المعنى: الحكم بإنزال الفريقين منازلهم من الجنة والنار. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٢١٠)؛أي عواقب الأمور ومصير الخلائق إلى الله تعالى، ومن قرأ «(ترجع)» برفع التاء فعلى ما لم يسم فاعله، ومن قرأ بنصب التاء فمعناه: والى الله تصير الأمور. ومن قرأ بالياء؛ فلأن تأنيث الأمور غير حقيقيّ.
قوله : ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ؛﴾ أي سل يا محمد يهود أهل المدينة كم أعطيناهم؛ أي أعطينا أسلافهم وإمامهم من علامة واضحة مثل العصا، واليد البيضاء؛ وفلق البحر؛ وتظليل الغمام؛ وإنزال المنّ والسلوى وغير ذلك مما كان في وقت موسى ﵇ من المعجزات، كما آتيتك من المعجزات فلم يؤمن أولئك كما لم يؤمن هؤلاء الكفار.
стр. 343
وهذا السؤال سؤال تقريع وإنكار للكفار وتقرير لقلب النبي ﷺ لا سؤال استفهام؛ لأنه ﷺ كان لا يحتاج إلى السؤال. والمعنى: كما أن هؤلاء لم يؤمنوا بالآيات البينات التي أعطيتها فلا تغتمنّ. و ﴿(سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ)﴾ أي انظرها في آيات بني إسرائيل كم أعطيناهم من علامات واضحات في زمن موسى ﵇.
قوله : ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٢١١)؛أي من يغيّر حجّة الله الدالة على أمر نبيّه ﷺ من بعد ما جاءته حجة الله بأن يجحدها أو يصرفها عن وجهها، ﴿(فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)﴾ أي شديد التعذيب لمن استحقّه، وسمى الله تعالى الحجّ نعمة؛ لأنّها من أعظم النّعم على الناس في أمر الدين.
قوله : ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ نزلت هذه الآية في مشركي العرب أبي جهل وأصحابه، كانوا يتنعّمون بما بسط الله لهم في الدنيا من المال ويكذبون بالمعاد، ويسخرون من المؤمنين الذين يرفضون الدنيا ويقبلون على الطاعة والعبادة، ويقولون:
لو كان محمّد نبيا لا تبعه أشرافنا، والله ما يتبعه إلا الفقراء مثل ابن مسعود وعمار وصهيب وسالم وأبي عبيدة بن الجراح وبلال وخبّاب وعامر بن فهيرة وغيرهم، هكذا قال الكلبيّ.
وقال مقاتل: (نزلت في المنافقين: عبد الله بن أبيّ وأصحابه) (١)،كانوا يتنعّمون في الدّنيا بما بسط الله لهم فيها من الخير، ويسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين، ويقولون: انظروا إلى هؤلاء الّذين يزعم محمّد ﷺ أنّه يغلب بهم! وكانوا يعيّرونهم بقلّة ذات أيديهم. وقال عطاء: (نزلت في علماء اليهود ورؤسائهم من بني قريظة والنّضير، سخروا من فقراء المهاجرين فوعدهم الله تعالى أن يعطيهم أموال بني قريظة والنّضير بغير قتال أسهل شيء وأيسره).
стр. 344
وعن عليّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من استذلّ مؤمنا أو مؤمنة أو حقّره لفقره وقلّة ذات يده، شهّره الله تعالى يوم القيامة ثمّ يفضحه، ومن بهت مؤمنا أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه، أقامه الله تعالى على تلّ من نار حتّى يخرج ممّا قال فيه، وإنّ المؤمن عند الله أعظم من ملك مقرّب، وليس شيء أحبّ إلى الله تعالى من مؤمن تائب أو مؤمنة تائبة، وإنّ المؤمن يعرف في السّماء كما يعرف الرّجل أهله وولده] (١).وقال أبو بكر الصدّيق ﵁: (لا تحقرنّ أحدا من المسلمين، فإنّ صغير المسلمين عند الله كبير).وقال يحيى بن معاذ: (بئس القوم قوم إذا استغنى المؤمن بينهم حسدوه، وإذا افتقر بينهم استذلّوه).
قوله : ﴿(وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ)﴾ أي فوقهم في الدرجة، يعني الذين اتّقوا الشرك والفواحش والكبائر فوق الكفار يوم القيامة، في الجنة يكون المؤمنون في علّيّين والكفار في الجحيم.
قوله : ﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٢١٢)؛قال ابن عباس: (يعني كثيرا بغير مقدار؛ أي يرزق رزقا كثيرا لا يعرف حسابه).وقال الضحاك: (يعني بغير تبعة، يرزقه في الدّنيا ولا يحاسبه في الآخرة).
وقيل: معناه: أن الله تعالى لا يحاسب على ما يرزق؛ لأنه لا شريك له فيمانعه ولا قسيم فينازعه، ولا يقال له: لم أعطيت هذا وحرمت هذا، ولا لم أعطيت هذا أكثر من هذا؛ لأنه لا يسأل عما يفعل. وقيل: معناه: يعطي من غير أن يخاف نفاذ خزائنه، فلا يحتاج إلى حساب ما يخرج منها؛ إذ كان الحساب من المعطي إنّما يكون ليعلم قدر العطاء لئلا يتجاوز في عطائه إلى ما يجحف به؛ فهو لا يحتاج إلى الحساب لأنه عالم غنيّ لا يخاف نفاذ خزائنه؛ لأنّها بين الكاف والنون. وقيل: معناه:
﴿(وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ)﴾ من الكفار وغيرهم ﴿(بِغَيْرِ حِسابٍ)﴾ أي بغير مقدار لا يعرف حسابه.
стр. 345
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : [يقول الله : لولا أن يجزع عبدي المؤمن لعصبت الكافر بعصابة من حرير ولصبّيت الدّنيا عليه صبّا].ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (١).وقال ﷺ : [لو أنّ الدّنيا عند الله تزن جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء] (٢).
وعن قطرب: في قوله تعالى: ﴿(وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ)﴾: (أي أنّ الله يعطي العدد المتناهي لا من عدد أكثر منه كما يفعله العباد، ولكن يعطي المتناهي من غير المتناهي).فإن قيل: أليس الله تعالى قال في آية أخرى: ﴿جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً﴾ (٣) فكيف قال في هذه الآية ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ؟﴾ قيل: العطاء من جهة الله على ضربين؛ أحدهما: ثواب، والآخر: تفضّل، فما كان ثوابا كان له حساب؛ لأنه يكون على قدر الاستحقاق بالعمل.
وأما التفضّل فلا يكون له حساب كما قال تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤).والمراد بقوله: ﴿عَطاءً حِساباً﴾ الثواب دون التفضل، والمراد بقوله:
﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ التفضّل، فإن قيل: كيف قال: بغير حساب؛ وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: [حلالها حساب وحرامها عذاب] (٥).
قيل: روي عن عائشة ﵂ في معنى الحساب في المؤمنين: العرض، [ومن نوقش الحساب عذّب] (٦).
стр. 346
فإن قيل: من الذي زيّن للذين كفروا الحياة الدنيا؟ قيل: ذهب بعض المفسرين إلى أن الذي زيّنها لهم إبليس كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ (١).وعن الحسن أنه قال: (زيّنها والله لهم الشّيطان، فلا أحد أذمّ للدّنيا ممّن خلقها قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ (٣)).
وذهب بعضهم إلى أنّ الله تعالى هو الذي زيّنها لهم؛ إذ خلق فيها الأشياء المعجبة وركّب الشهوات في قلوب العباد؛ فنظر الذين كفروا إلى الدنيا بأكثر من مقدارها؛ فاغترّوا بذلك كما قال تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (٤).قالوا: إنّما فعل الله ذلك؛ لأن التكليف لا يتمّ إلا مع الشهوة، فإن الإنسان لا يجوز أن يكلّف إلا بأن يدعى إلى ما تنفر عنه نفسه أو يزجر عما تتوق إليه نفسه، وهو معنى قوله ﵇: [حفّت الجنّة بالمكاره، وحفّت النّار بالشّهوات] (٥).
وقرأ مجاهد وحميد: «(زيّن للّذين كفروا)» بفتح الزاء، على معنى زيّنها الله لهم.
قوله : ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً؛﴾ قال ابن عباس: (معناه: كان النّاس أهل ملّة واحدة: كفّارا كلّهم في ابتداء عهد نوح ﵇ وكذلك في عهد إبراهيم) يعني أنّ أمم الأنبياء ﵈ الذين بعث إليهم الأنبياء كانت كفارا كما كانت هذه الأمة. وجائز أن يقال: كانت أمة واحدة على الكفر وإن كان فيهم مسلمون؛ إذا كان المسلمون قليلين مقهورين في البقية؛ لانصراف اسم الأمة إلى الأعمّ الأكثر. وقال قتادة والضحاك: (كان النّاس أمّة واحدة على الحقّ) أي كانوا مؤمنين في زمن آدم ﵇ وبعد وفاته إلى مبعث نوح ﵇، وكان بين آدم ونوح عشرة قرون
стр. 347
كلهم على شريعة واحدة من الحقّ والهدى. ثم اختلفوا في زمن نوح ﵇ فبعث الله إليهم نوحا وكان أوّل نبيّ بعث، ثم بعث بعده النبيون. وقال الكلبيّ: (هم أهل سفينة نوح، كانوا كلّهم مؤمنين، ثمّ اختلفوا بعد وفاة نوح، فبعث الله إليهم نبيّه هود ﵇.
قوله : ﴿فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ؛﴾ أي مبشّرين لمن أطاع الله تعالى بالجنة، ومنذرين بالنار والسّخط لمن عصاه. قوله تعالى:
﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ؛﴾ أي وأنزل عليهم الكتاب؛ إذ الأنبياء صلوات الله عليهم لم يكونوا منذرين حتى ينزل الكتاب معهم، وقوله: ﴿(بِالْحَقِّ)﴾ أي بالعدل.
وقوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ؛﴾ أي ليقضي الكتاب بينهم بالحكمة، وأضاف الحكم إلى الكتاب وإن كان الله تعالى هو الذي يحكم على جهة التفخيم لأمر الكتاب. وقوله: ﴿(فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)﴾ أي من أمر الدين.
قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ؛﴾ أي ولم يختلف في أمر الدين وبعث النبيين إلا الذين أعطوا الكتاب من بعد ما جاءتهم الدلالات الواضحات من الله. وقوله: ﴿(بَغْياً بَيْنَهُمْ)﴾ نصب على أنه مفعول له؛ أي لم يختلفوا إلا للبغي والحسد والتفرّق؛ وذلك أنّ أهل الكتاب كانوا علموا حقيقة أمر النبي ﷺ في كتبهم قبل مبعثه، فلما بعثه الله كفروا به إلا قليلا منهم.
قوله : ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ؛﴾ أي فأرشد الله المؤمنين ﴿(لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ)﴾ الذي اختلف فيه اهل الزيغ ﴿(بِإِذْنِهِ)﴾ أي بتوفيقه وقضائه وعلمه. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢١٣)؛أي والله يوفّق لمعرفته من يشاء ممن كان أهلا لذلك إلى طريق واضح يرضاه الله تعالى.
стр. 348
والأمّة في اللغة على وجوه؛ منها الجماعة كقوله تعالى: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ (١) وقوله: ﴿أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢) أي جماعات وقرون. ومنها الدين والملة كقوله تعالى: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ (٣).ومنها الحين والزمان كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ (٤).ومنها الرجل القدوة للناس في الخير قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ (٥) ويسمّى الإمام أمّة أيضا؛ لأنه يجمع خصال الخير.
ومنها الرجل المنفرد بدين على حدة لا يشركه فيه غيره قال ﷺ : [يبعث زيد ابن عمرو بن نفيل أمّة واحدة] (٦) وكان قد أسلم قبل خروج النبي ﷺ ولم يكن بمكة يومئذ مؤمن غيره، ثم تابعه بعد ذلك ورقة بن نوفل، وعاش ورقة إلى وقت خروج النبي ﷺ .
ومنها القامة؛ يقال: فلان حسن الأمّة؛ أي القامة. والإمة بالكسر النّعمة؛ يقال:
فلان ذو إمة؛ أي ذو نعمة.
стр. 349
وأما الكتب المنزّلة قبل القرآن فقد روي أنّ الله أنزل على شيث خمسين صحيفة وكان يعمل بها هو ومن معه ومن بعده إلى زمن إدريس، ثم أنزل الله على إدريس ﵇ ثلاثين صحيفة فكان يعمل بها إلى زمن إبراهيم، ثم أنزل على إبراهيم عشر صحائف، فكان يعمل بها إلى زمن موسى، ثم أنزل على موسى ﵇ عشر صحائف قبل التوراة، فكان يعمل بها موسى ومن معه إلى غرق فرعون، ثم أنزل الله التوراة، فكان يعمل بها إلى زمن داود، ثم أنزل الله تعالى الزّبور على داود، فكان يعمل بها إلى زمن عيسى ﵇، ثم أنزل الله الإنجيل فكان يعمل بها إلى بعث محمّد ﷺ ، ثم أنزل الله الفرقان ناسخا لما قبله من الكتب.
قوله : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ؛﴾ أي أظننتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة ولم تصبكم صفة الذين محنوا من قبلكم؛ أي ولم تبتلوا كما ابتلي الذين من قبلكم، ﴿(مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ)﴾ أي الشدّة وهي القتل، (والضّرّاء) والبلاء والفقر والمرض.
وقيل: البأساء: نقيض النعماء، والضرّاء: نقيض السرّاء.
قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ؛﴾ أي حرّكوا وخوّفوا ﴿(حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)﴾ أي جاهدوا حتى قال كلّ رسول بعث إلى أمته: متى فتح الله؟ يقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (٢١٤)؛يعني ألا إنّ نصر الله لك ولأمتك يا محمد قريب عاجل كما نصرت الرسل قبلك، والمثل قد يذكر بمعنى الصفة كما قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ (١) أي صفة الجنة، ذهب السديّ إلى أن هذه الآية نزلت بالمدينة يوم الخندق حين اشتدّت مخافة المؤمنين من العدوّ.
ووجه إيصال هذه الآية بما قبلها: أنّ الله تعالى قال فيما تقدّم: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)﴾ ثم قال: ﴿(فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا)﴾. وكان المسلمون اتّكلوا على مجرّد اهتدائهم، فبيّن الله في هذه الآية أنه لا يجوز الاتّكال على مجرّد
стр. 350
الإيمان من غير مكابدة ما قاساه السلف من المؤمنين كما قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (١).
وأما القراءة في قوله تعالى: ﴿(حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ)﴾ من نصب فعلى الأصل؛ لأن ﴿(حَتّى)﴾ تنصب الفعل. ومن قرأ بالرفع أدخل ﴿(حَتّى)﴾ على جملة ما بعده لا على الفعل خاصة؛ كأنه قال: حتى الرسول يقول، فلا يظهر عمل (حتى).قال الشاعر:
فيا عجبا حتّى كليب تسبّني ... كان أباها نهشل أو مجاشع
قوله : ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ؛﴾ الآية قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية جوابا عن سؤال عمرو بن الجموح الأنصاريّ لمّا حثّ رسول الله ﷺ على الصّدقة ورغّب فيها النّاس، وذلك قبل نزول الفرائض؛ قال عمرو: يا رسول الله، بماذا نتصدّق؟ وعلى من يتصدّق؟ فأنزل الله هذه الآية) (٢).ومعناه يسألونك أيّ شيء يتصدقون به، فقل لهم: ما تصدقتم به من مال: فعلى الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السّبيل؛ والضّيف النازل بكم.
قوله تعالى: ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٢١٥)؛أي وما تفعلوا من خير من وجوه البرّ فإنّ الله به عليم يحصيه ويجازيكم عليه، لا يضيع عنده عمل عامل، فإن قيل: كيف يطابق في هذه الآية جواب هذا السؤال؛ لأنّ السؤال إنّما وقع على المنفق، والجواب إنّما وقع على المنفق عليه؟ قيل: إن الجواب مطابق لهذا السؤال؛ لأن قوله: و ﴿(ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ)﴾ يتناول القليل والكثير لشمول اسم الخير، فكأن الجواب صدر عن القليل والكثير مع بيان من تصرف إليه النفقة؛ لأن المسئول إذا كان حكيما يعلم ما يحتاج إليه السائل؛ أجاب عن كل ما يحتاج إليه، كما روي عن رسول الله ﷺ أنّه سئل عن ماء البحر؛ فقال: [هو الطّهور ماؤه؛ الحلّ
стр. 351
ميتته] (١).وإنّما قال ذلك لأنه علم أنّهم لمّا جهلوا حكم ماء البحر، فإنّهم أشدّ جهلا بحكم ما فيه من المأكول، كذلك هؤلاء لمّا جهلوا المنفق كان جهلهم بالمنفق عليهم أكثر؛ فلهذا ذكر الله المنفق عليهم مع ذكر المنفق.
واختلفوا في هذه النفقة المذكورة؛ هل هي واجبة أم لا؟ قال الحسن: (المراد بها التّطوّع على من لا يجوز وضع الزّكاة فيه كالوالدين والمولودين؛ ووضع الزّكاة فيمن يجوز وضعها فيهم).وقال السديّ: (هذه الآية منسوخة بآية الزّكاة) (٢).
والصحيح أنّها ثابتة الحكم عامّة في الفرض والتطوع؛ لأن الآية متى أمكن استعمالها لم يجز الحكم بنسخها، ويحتمل أن يكون المراد بها النفقة على الوالدين والأقربين إذا كانوا محتاجين (٣).
قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ؛﴾ قال ابن « ..... » (٤): (لمّا كتب الله الجهاد على المسلمين شقّ ذلك عليهم، وكرهته نفوسهم، وقبلته قلوبهم، وأحبّ الله تعالى أن يطيّب نفوسهم بهذه الآية).
وقيل في وجه اتصالها بما قبلها: أنّ ما قبلها ذكر التعبّد بالنفقة التي تشقّ على البدن، وفي هذه الآية ذكر ما لا شيء في التعبّد أشقّ منه وهو القتال. ومعنى الآية:
فرض عليكم القتال وهو شاقّ عليكم، وأراد بالكراهة كراهة الطبع لا عدم الرضا بالأمر، وهذا كما يكره الإنسان الصوم بالصيف من جهة الطبع، وهو مع ذلك يحبّه ويرضاه من حيث إنّ الله أمره به.
стр. 352
قوله تعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ؛﴾ أي لعلّكم تكرهون الجهاد وهو خير لكم لما فيه من النصر لدين الله تعالى على أعداء الله؛ والفوز بالغنيمة مع عظم المثوبة، وإدراك محلّ الشّهداء ﴿(وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ)﴾ أي لعلّكم تحبّون القعود عن الجهاد وهو شرّ لكم، تحرمون الفتح والغنيمة والشهادة، ويتسلط عليكم العدوّ.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢١٦)؛أي يعلم ما فيه مصلحتكم وما هو خير لكم في عاقبة أموركم وأنتم لا تعلمون ذلك، فبادروا إلى ما أمرتم به إذ ليس كلّ ما تشتهون خيرا، ولا كل ما تحذرون شرّا.
وفي هذه الآية دلالة على فرض القتال كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ (١) وأراد به فرض الصيام. ثم لا يخلو القتال المذكور في هذه الآية من أن يرجع إلى معهود قد عرفه المخاطبون وهو قوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ (٣).
وتكون هذه الآية تأكيدا لذلك القتل المعهود الذي علم حكمه، فيكون القتال في هذه الآية راجعا إلى جنس القتال، فتكون هذه الآية مجملة مفتقرة إلى البيان؛ لأن من المعلوم أن الله تعالى لم يأمر بالقتال الناس كلهم، فلا يصحّ اعتقاد العموم فيه، فكان بيان هذا المجمل بقوله تعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٤) وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٥).
قوله : ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ؛﴾ قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: أنّ النّبيّ ﷺ بعث ابن عمّته عبد الله بن حجش (٦) قبل قتال بدر، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين وهو
стр. 353
أميرهم، كتب لهم رسول الله ﷺ كتابا، وقال له: [إذا نزلت منزلتين، فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك، ثمّ امض لما أمرتك به، ولا تكره أحدا من أصحابك على السّير معك].
فسار عبد الله حتّى بلغ منزلتين، ثمّ فتح الكتاب فإذا فيه: [بسم الله الرّحمن الرّحيم، أمّا بعد: فسر على بركة الله بمن اتّبعك من أصحابك حتّى تنزل بطن نخلة، فترصد بها عير قريش، لعلّك تأتينا منهم بخبر. والسّلام.].فقال عبد الله: سمعا وطاعة لأمر رسول الله ﷺ . فانطلق القوم معه حتّى وصلوا بطن نخلة بين مكّة والطّائف فنزلوا هناك.
فبينا هم كذلك إذ مرّ بهم عمرو بن الحضرميّ في عير لقريش في أوّل يوم من رجب، والمؤمنون يظنّون أنّها آخر يوم من جمادى الأخرى، فأمر عبد الله أن يحلقوا رأس عكاشة ليشرف على المشركين، فيظنّوا أنّهم عمّار فيأمنوا. ففعل ذلك وأمنه المشركون، وقالوا: قوم عمّار لا بأس عليكم منهم.
ورمى واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرميّ فقتله واستأسر بعض المشركين، وهرب بعضهم إلى مكّة، واستاق المسلمون العير، فعيّرهم المشركون بذلك وقالوا:
استحلّ محمّد الشّهر الحرام، شهرا يأمن فيه الخائف ويطلق فيه الأسير. ووقف النّبيّ ﷺ في أمر الغنيمة، فأنزل الله تعالى هذه الآية) (١).
ويقال: لمّا أمر الله المسلمين بالقتال، ظنّوا عموم الأمر في جميع الشهور، فسألوا رسول الله ﷺ ليعرفوا، فنزلت هذه الآية. والقول الأول أقرب إلى ظاهر القرآن.
ومعنى الآية: ﴿(يَسْئَلُونَكَ)﴾ عن قتال في (الشّهر الحرام) لأن قوله: ﴿(قِتالٍ فِيهِ)﴾ بدل الاشتمال عن الشهر الحرام، وقوله تعالى: ﴿(قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ)﴾ أي القتال في
стр. 354
الشهر الحرام عظيم الذنب عند الله تعالى، ثم استأنف الكلام فقال: ﴿(وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ)﴾ أي منع الناس عن الكعبة أن يأتوها ويطوفوا بها ﴿(وَكُفْرٌ بِهِ)﴾ أي وكفر بالله تعالى، ويقال: بالحجّ، أو كفر بالمسجد الحرام.
وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: وصدّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام وكفر بالله وإخراج أهل المسجد الحرام منه أعظم عقوبة عند الله من القتال في الشهر الحرام، أي الكفار مع هذا الإحرام أولى بالعنت ممن قتل مشركا في الشهر الحرام كما قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ؛﴾ أي الشرك بالله أعظم عقوبة وإثما من القتال.
ومعنى كفرهم بالمسجد الحرام: أنّ الله جعل المسجد الحرام للمؤمنين ولعبادتهم إياه فيه، فلما جعله الكفار لأوثانهم ومنعوا المسلمين منه، كان ذلك كفرا منهم بالمسجد الحرام.
قوله : ﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا؛﴾ معناه: لا يزال أهل مكة يقاتلونكم أيها المسلمون حتى يصرفونكم عن دينكم الإسلام إلى دينهم الكفر إن قدروا على ذلك، ثم حذّر الله المؤمنين ليثبتوا على الإسلام فقال : ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢١٧)؛أي من يرجع منكم عن دين الإسلام فيمت على كفره، ﴿(فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ)﴾ أي التي عملوها للآخرة؛ أي لا يبقى لعمل من أعمالكم ثواب يجازون به في الدارين، الآية: ﴿(وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)﴾ مقيمون دائمون.
والصّدّ والصّرف والمنع، يقال: صدّ يصدّ صدّا؛ إذا صرف غيره عن الشيء، وصدّ يصدّ صدودا؛ إذا أعرض بنفسه. ومن قرأ «(يرتدد)» بدالين فهو لغة أهل الحجاز، أظهروا التضعيف حذرا من التقاء الساكنين، ومن قرأ «(يرتدّ)» بالتشديد فهو لغة بني تميم أدغموا الحرفين من جنس واحد وحرّكوه إلى الفتحة. وقوله: ﴿(فَيَمُتْ)﴾ جزم بالعطف على ﴿(يَرْتَدِدْ)﴾ ولو كان جوابا لكان رفعا. وأكثر الأمة على أن النهي عن القتال
стр. 355
في الشهر الحرام منسوخ؛ نسخته سورة براءة، وهو قوله تعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية؛ لأنّها نزلت بعد حظر القتال في الشهر.
فإن قيل: إذا كان نفس الارتداد يحبط العمل حتى يبطل حجة الذي أداه، فأين فائدة قوله: ﴿(فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ)؟﴾ قيل: إنّما ذكر الله تعالى في هذه الآية أمر الآخرة لا أمرا يرجع إلى إحباط عمله في الماضي؛ إذ المعلوم من حال المرتدّ أنه إذا عاد إلى الإسلام والتوبة والعمل الصالح ومات على ذلك لا يعاقب في الآخرة، فلما جمع الله في هذه الآية بيّن إحباط عمله فيما يتصل بالدنيا والآخرة حتى يزول ثوابه إلى العقاب الدائم، كذلك شرط موته على الكفر.
روي في التفسير: أنه لمّا نزلت هذه الآية قام عبد الله بن جحش وأصحابه؛ فقالوا: يا رسول الله، أنطمع من ربنا أن تكون لنا هذه غزوة في الجهاد، فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢١٨)؛معناه أن الذين صدّقوا وهاجروا من مكة إلى المدينة وجاهدوا في محاربة المشركين في طاعة الله تعالى أهل هذه الصفة، يعطون مغفرة الله تعالى وجنّته، ﴿(وَاللهُ غَفُورٌ)﴾ لما كان منهم من القتال والأسر وأخذ الغنيمة في الشهر الحرام، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم حين رفع إثم ذلك عنهم.
والمهاجرة: مفاعلة من الهجر، وفي هذا الموضع هجران الموطن والعشيرة في رضا الله تعالى، والهجر نقيض الوصل، وأطلق اللفظ في هذه الآية على المفاعلة، ويزاد ما ذكرناه؛ ونظيره المساعدة: وهي ضمّ الرجل ساعده إلى ساعد أخيه بالتقوية والمعونة. وأما المجاهدة: فهي بذل الرجل الجهد من نفسه مع إخوانه، ويجوز أن يراد بذلك أن يبذل الجهد في قتال عدوّه، وقد فعل العدوّ مثل فعله، فيصير مفاعلة.