← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

معناه عذرا من الله، وإنذارا لخلقه، والإعذار قطع المعذرة، والإنذار الإعلام بموضع المخافة لتبقى، ولهذا بعث الرّسل وأنزل الكتب. والمعنى بهذه الآيات: أنّ كفار مكّة لمّا أنكروا البعث أقسم الله تعالى بما بيّن من قدرته وتدبيره الملائكة والسّحاب والرياح أنّ قيام الساعة كائن فقال: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ (٧)؛أي إنّ أمر الساعة والبعث لكائن لا محالة. ثم ذكر متى يقع فقال: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ (٨)؛أي محي نورها وسلب ضوؤها وتساقطت، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ (٩)؛أي شقّت من هيبة الرّحمن، وانفطرت بعد أن كانت سقفا محفوظا، فأوّل حالها الوهي ثم الانشقاق، قال الله تعالى ﴿وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ (٢) ثم الانفتاح، قال الله ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ﴾ (٣) ثم الانفراج حتى يتلاشى فتصير كأنّها لم تكن. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ﴾ (١٠)؛أي قلعت من أماكنها بسرعة. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ (١١)؛أي بيّن مواقيتها للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم. وقيل: جمعت لوقتها، وإنما قلبت الواو همزة على قراءة غير الواو؛ لأن كلّ واو انضمّت وكانت ضمّتها لازمة جاز إبدالها همزة؛ ولأنّ العرب تعاقب بين الواو والهمزة كقولهم: أكّدت ووكّدت، وأرّخت الكتاب وورّخت، ووسادة وإسادة. قرأ أبو عمرو «(وقّتت)» بالواو والتشديد على الأصل، وقرأ أبو جعفر «(وقتت)» بالواو والتخفيف، وقرأ عيسى (٤) وخالد بن الياس (٥) «(أقتت)» بالألف، وقرأ الباقون بالألف والتشديد.

стр. 2907

قوله تعالى: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ (١٢)؛معناه: لأيّ يوم أخّرت هذه الأشياء من الطّمس والنّسف وغيرهما. ثم بيّن متى ذلك فقال: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ (١٣)؛أي أخّرت ليوم الفصل بين الخلائق، وهو يوم القيامة، سمّي بهذا الاسم لأنه يفصل فيه بين المحقّ والمبطل، وبين الظالم والمظلوم. وقوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ (١٤)؛فيه تعظيم لأمر ذلك اليوم؛ أي لم تكن تعلم يا محمّد ما يوم الفصل، وما أعدّ الله فيه لأوليائه من الثواب، ولأعدائه من العقاب حتى أتاك خبر ذلك، قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (١٥)؛الويل: واد في جهنّم للمكذّبين بالوعيد. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٦)؛معناه: ألم نهلك قوم نوح بالعذاب في الدّنيا حين كذبوا نوحا؛ ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ (١٧)؛أي ثم ألحقنا بهم قوم هود ومن بعدهم، ﴿كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ (١٨)؛من أمّتك يا محمّد، يعني كفار مكّة ممن سلك طريقهم. قرأ الأعرج ثم «(نتبعهم الآخرين)» بالإسكان عطفا على (نهلك)،وقرأ الكافّة «(نتبعهم)» بالرفع على معنى ثم نحن نتبعهم، وفي قراءة ابن مسعود «(سنتبعهم الآخرين)»، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (١٩). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ (٢٠)؛تنبيه على القدرة على الإعادة، والتحذير من التكبّر؛ لأنّ الذي يقدر على أن يخلق من الماء الحقير بشرا على هذه الصّفة، قادر على إعادة الخلق بعد الموت، والمراد بالماء المهين النطفة. وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ (٢١)؛أي في الرّحم، ﴿إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٢٢)؛يعني مدّة الحمل على اختلاف مدد حمل الحيوانات، لا يعلم مقدار ذلك ولا الحمل إلاّ الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ﴾ (٢٣)؛قرأ السلمي وقتادة ونافع وأيوب بالتشديد من التقدير يعني نطفا وعلقا ومضغا وذكرا وأنثى وقصيرا

стр. 2908

وطويلا، وقرأ الباقون مخفّفا، ومعناهما «في التخفيف والتشديد واحد» (١) ويجوز أن يكون من القدرة، وقوله تعالى ﴿(فَنِعْمَ الْقادِرُونَ)﴾،معناه: على هذا فنعم القادرون على الخلق، وعلى الأوّل فنعم القادرون لهذه المخلوقات، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢٤). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً﴾ (٢٦)؛ معناه: يكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم، ويكفتهم أمواتا في بطونها؛ أي يجوز «أن يكون عني أنها تكفت أذاهم» (٢) في ظهرها للأحياء وبطنها للأموات. وعن مجاهد: «معناه: تكفّت الميت فلا يرى منه شيء، وتكفّت الحيّ في بيته فلا يرى من عمله شيء، وفي كلّ واحد من هذين من النّعمة ما لا يخفى على عاقل» (٣). والكفت في اللّغة الضمّ، وسمّي الوعاء كفاتا بكسر الكاف لأنه يضمّ الشيء، وفي هذه الآية دليل على وجوب مواراة الميّت ودفنه ودفن شعره وسائر ما يزايله. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ؛﴾ أي جبالا ثوابت، والشامخات الطّوال العاليات المرتفعات جعلت أوتادا للأرض فسكنت بها، وكانت تمور كالسّفينة لا تستقرّ على الماء إلاّ بمرساة تثقلها، ﴿وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً﴾ (٢٧)؛أي عذبا حلوا غير ملح ولا أجّ (٤)، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢٨)؛بنعم الله التاركين لشكرها.

стр. 2909

قوله تعالى: ﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (٢٩)؛معناه: ويقال لهم يوم القيامة، تقول لهم الخزنة: انطلقوا إلى العذاب الذي كنتم به تكذّبون في الدّنيا أنه لا يكون، ﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ (٣٠)؛أي انطلقوا إلى دخان من جهنّم قد سطع، ثم افترق ثلاث فرق، وهو قوله ﴿(ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ)﴾ شعبة فوقهم، وشعبة عن يمينهم، وشعبة عن شمالهم. وذلك أنه يخرج لسان من نار فيحيط بهم فيحبسون إلى أن يساقوا إلى النار أفواجا أفواجا، قال إبراهيم النخعيّ: «هذا الظّلّ مقيل الكفّار قبل الحساب»،والمعنى: انطلقوا إلى ظلّ ذي ثلاث شعب فكونوا فيه إلى أن يفرغ من الحساب. ثم وصف الله ذلك الظلّ فقال: ﴿لا ظَلِيلٍ؛﴾ أي لا يظلّ من الحرّ، ﴿وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ (٣١)؛أي ولا يردّ عنكم لهب جهنّم؛ أي إنّهم إذا استظلّوا بذلك الظلّ لم يدفع عنهم من حرّ النار شيئا، فأما المؤمنون فيقبلون في الجنة كما قال تعالى ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ (٣٢)؛معناه: أنّ النّار تقذف بشرر متفرّق متطاير كالقصر وهو البناء العظيم كالحصن. وقيل: مثل قصور الأعراب على المياه، يعني الخيام، قال مقاتل: «شرر النّار في ذلك اليوم يكون من الكثرة عدد النّجوم وورق الأشجار، لا يقع شيء منها إلاّ على أكتاف الرّجال». والشّرر ما يتطاير من النار وينتشر في الجهات متفرّقا. قرأ عليّ وابن عباس «(كالقصر)» بفتح الصاد (٢)،أراد كأعناق النّخل، وقيل: كأعناق الدواب، والقصر العنق وجمعه قصر وقصرات. وقرأ سعيد بن جبير «(كالقصر)» بكسر القاف وفتح الصاد وهي لغة فيه. قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ (٣٣)،يعني أنّ لون الشّرر يشبه لون الجمالات الصّفر، وجمالات جمع جمال، قراءة حمزة والكسائي وحفص وخلف: «(جمالة)» بكسر الجيم من غير ألف على جمع جمل مثل حجر وحجارة. وقرأ يعقوب

стр. 2910

«(جمالة)» بضم الجيم من غير ألف، أراد الأشياء العظيمة المجموعة. وقرأ ابن عباس «(جمالات)» بضمّ الجيم جمع جمالات وهي الشيء المجمل، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣٤). وقوله (صفر) معناه سود، قال الفرّاء: «الصّفر سوداء الإبل، لا يرى أسود من الإبل إلاّ وهو مشرّب صفرة» (١) لذلك سمّت العرب سود الإبل صفرا، والأصفر الأسود، قال الأعشى: تلك خيلي وتلك منه ركائب ... هنّ صفر أولادها كالزّبيب (٢) أي هنّ سود. قوله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ (٣٥)؛قال المفسّرون: إنّ في يوم القيامة مواقف، ففي بعضها يختصمون ويتكلّمون، وفي بعضها يختم على أفواههم فلا يتكلّمون. وعن قتادة قال: «جاء رجل إلى عكرمة فقال: أرأيت قول الله تعالى ﴿(هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ)﴾،وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ؟﴾ فقال: إنّها مواقف، فأمّا موقف منها فيتكلّموا ويختصموا، ثمّ ختم على أفواههم فتكلّمت أيديهم وأرجلهم، فحينئذ لا ينطقون» وهذا الوقت المذكور في الآية من المواطن التي لا يتكلّمون فيها. وقوله: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (٣٦)؛قال مقاتل: «لا (٣) ينطقون أربعين سنة ولا يؤذن لهم فيعتذرون» وإنما رفع (فيعتذرون) لأنه عطف على (يؤذن)،ولو قال فيعتذروا على النصب لكان حسنا كقوله تعالى ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ (٤) ولو كان لهم عذر لم يمنعوا من الاعتذار، قال الجنيد: «أو أيّ عذر لمن

стр. 2911

كفر بآيات ربه، وأعرض عن منعمه» (١)، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣٧). قوله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ (٣٨)؛أي هذا يوم الفصل بين أهل الجنّة والنار، جمعناكم مكذّبي هذه الأمة والأوّلين الذين كذبوا أنبياءهم. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ (٣٩)؛أي يقال لهم ذلك على وجه التقريع: إن كان لكم حيلة في دفع العذاب، فاحتالوا لأنفسكم. وقيل: معناه: إن كان لكم كيد تكيدون به أوليائي، كما كنتم تكيدونهم في الدّنيا فكيدوهم، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٤٠). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ (٤١)؛أي في ظلال الأشجار وقصور الدّرّ وعيون جارية تجري بالماء والخمر واللّبن والعسل، ﴿وَفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ (٤٢) ؛يقال لهم: ﴿كُلُوا؛﴾ من ثمار الجنّة، ﴿وَاشْرَبُوا؛﴾ من شرابها، ﴿هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤٣)؛أي سليما من الآفات بما كنتم تعملون الطاعات في الدّنيا، ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤٤)؛أي هكذا نجزي المحسنين على إحسانهم. ثم يقال لكفار مكّة: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً؛﴾ في الدّنيا إلى منتهى آجالكم، ﴿إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ (٤٦)؛أي مشركون بالله، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٤٧). قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ (٤٨)؛أي إذا أمروا بالصّلوات الخمس لا يصلّون، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٤٩)؛أي لمن كذب بالركوع، ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥٠)؛أي إن لم يؤمنوا بهذا القرآن مع ظهوره ووضوحه، فبأيّ كتاب يصدّقون، ولا كتاب بعده. آخر تفسير سورة (المرسلات) والحمد لله رب العالمين

стр. 2912

سورة النّبأ سورة النّبأ مكّيّة، وهي سبعمائة وسبعون حرفا، ومائة وسبعون كلمة، وأربعون آية. قال ﷺ : [من قرأها سقاه الله من برد الشّراب يوم القيامة] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ (٢)؛قال المفسّرون: لما بعث النبيّ ﷺ وأخبرهم بتوحيد الله والبعث بعد الموت، وتلا عليهم القرآن، جعلوا يتساءلون بينهم ويقولون: ما نرى الذي جاء به محمّد ﷺ ، وما الذي أتى به، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ومعناها: عن أيّ شيء يتحدّثون فيما بينهم، وهذا لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى تفخيم القصة. وأصله عن ما فأدغمت النون في الميم وحذفت الألف؛ لأن العرب إذا وضعت (عن ما) في موضع الاستفهام حذفت نونها فرقا بينهما وبين أن تكون اسما مثل قوله ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ (٢)،و (علام تفعل)،بخلاف قولهم: سألت فلانا عمّا فعل، لا يجوز فيه حذف الألف؛ لأن معناها الّذي، وكذلك إذا كانت (ما) للصلة كقوله تعالى ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ (٣). قوله تعالى ﴿(عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ)﴾ أي الخبر الشّريف، وهو القرآن، فإنه خبر عظيم الشّأن؛ لأنه ينبئ عن التوحيد وتصديق الرسول، والخبر عمّا يجوز وما لا يجوز، وعن البعث والنشور. قوله تعالى: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ (٣) يعني أنّهم اختلفوا في القرآن، فجعله بعضهم سحرا وبعضهم كهانة وبعضهم شعرا، وبعضهم أساطير الأوّلين.

стр. 2913

ثم أوعد الله من كذب بالقرآن فقال تعالى: ﴿كَلاّ سَيَعْلَمُونَ﴾ (٤)؛أي ليس الأمر على ما قالوا، سيعلمون عاقبة تكذيبهم حتى تنكشف الأمور، ﴿(ثُمَّ كَلاّ سَيَعْلَمُونَ)﴾ وعيد على إثر وعيد. وقيل: معنى (كلاّ) ارتدعوا وانزجروا، فليس الأمر على ما تظنّون، وسيعلم (١) الكفار عاقبة أمرهم، ﴿ثُمَّ كَلاّ سَيَعْلَمُونَ﴾ (٥)؛ أمر القيامة وأهوالها، وما لهم من أنواع العذاب في النار. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً﴾ (٧)؛نبّه سبحانه على عظيم قدرته، ولطيف حكمته؛ ليعرفوا توحيده. والمهاد: الوطاء؛ للتصرّف عليه من غير كلفة، فالأرض مهاد يسيرون في مناكبها ويسكنون في مساكنها، والمهاد والمهد بمعنى واحد، والمهاد: الفراش، والجبال أوتاد للأرض؛ لأنّ الأرض كانت تنكفئ بأهلها على وجه الماء، فأرساها الله بالجبال الثوابت حتى لا تميد بأهلها، وكان أبو قبيس أوّل جبل وضع على الأرض (٢). قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً﴾ (٨)؛أي ذكرانا وإناثا، ويقال: ألوانا وأصنافا، وكلّكم ترجعون إلى أب واحد، ﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً﴾ (٩)؛أي راحة لأبدانكم، فكلّ من تعب من الخلق إذا نام استراح، والسّبات مأخوذ من السّبت وهو القطع، والسّبات قطع العمل، والسّبات هاهنا أن ينقطع عن الحركة، والروح في بدنه. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً﴾ (١٠)؛سابغا بظلمته وسواده لكلّ شيء، ﴿وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً﴾ (١١)؛أي ذا ضياء لطلب المعاش بالحراثة والتجارة ونحوهما. قوله تعالى: ﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً﴾ (١٢)؛أي رفعنا فوق رءوسكم سبع سماوات غلاظا شديدة الإتقان، قائمة بإذن الله لا تنهار ولا تتغيّر من طول الزّمان، غلظ كلّ سماء خمسمائة عام، ﴿وَجَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً﴾ (١٣)؛

стр. 2914

أي وقّادا متلألئا مشتعلا بالنور العظيم، تنضج الأشياء بحرّها، وتضيء للناس بنورها، والوهج مجمع النور والحرارة. قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً﴾ (١٤)؛قال مجاهد ومقاتل وقتادة والكلبي: «المعصرات الرّياح؛ لأنّها تعصر السّحاب حتّى تخرج منه المطر» (١).قال الأزهريّ: «هي الرّياح ذوات الأعاصير»،و (من) معناها الباء كأنه قال: بالمعصرات (٢)؛ولأن الرياح (٣) تستدرّ المطر، وقال أبو العالية والربيع والضحاك: «المعصرات السّحاب الّتي ينجلب منها المطر، كالمرأة المعصورة وهي الّتي دنا حيضها»،قال الشاعر (٤): جارية بأبرقين دارها ... قد أعصرت أو قد دنا إعصارها يسقط من غلمتها إزارها ... تمشي الهوينا ساقطا خمارها وقال يزيد بن أسلم: «المعصرات: السّماوات»،وقال ابن كيسان: «المغيّبات». والماء الثّجّاج: هو السّيّال الصّبّاب، والثّجّ: الصّبّ، كما روي في الحديث: [أفضل الحجّ العجّ والثّجّ] (٥) أراد بالعجّ: رفع الصوت بالتّلبية، والثّجّ: إراقة الدّم. وقال مجاهد: «ثجّاجا أي مدرارا» وقال قتادة: «متتابعا يتلو بعضه». قوله تعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً﴾ (١٥)؛أي لنخرج بالمطر حبّا يأكلونه ونباتا ترعاه أنعامكم، ﴿وَجَنّاتٍ أَلْفافاً﴾ (١٦)؛أي بساتين ملتفّة الأشجار، واحدها لفّ بالكسر، وجمعه لفّ بالضمّ، وجمع الجمع ألفاف.

стр. 2915

قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً﴾ (١٧)؛معناه: إنّ يوم الفصل بين الخلائق وهو يوم القيامة كان ميقاتا للأوّلين والآخرين أن يجتمعوا فيه، وميقاتا لما وعد الله من الثواب والعقاب. ثم بيّن متى يكون ذلك فقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً﴾ (١٨) يعني نفخة البعث فيأتي كلّ أناس بإمامهم فوجا بعد فوج، وزمرا بعد زمر من كلّ مكان للحساب. والصّور: قرن ينفخ فيه إسرافيل. وعن معاذ بن جبل قال: قلت: يا رسول الله؛ أرأيت قوله تعالى: ﴿(يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً)﴾؟ قال: [يا معاذ سألت عن عظيم من الأمر] ثمّ بكى رسول الله ﷺ وقال: [يا معاذ يحشر النّاس عشرة أصناف من أمّتي أشتاتا قد بدّل الله صورهم وغيّرهم من جماعة المسلمين، فبعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكّسون على رءوسهم وأرجلهم فوق وجوههم يسحبون، وبعضهم عمي يتردّدون، وبعضهم صمّ بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلاّة على صدورهم، يسيل القيح من أفواههم لعابا يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطّعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلّبون على جذوع من نار، وبعضهم أشدّ نتنا من الجيف، وبعضهم يلبسون جبابا من قطران لازقة بجلودهم. فالّذين هم على صورة القردة النّمّامون، والّذين هم على صورة الخنازير الأكّالون السّحت، والّذين هم منكّسون على رءوسهم أكلة الرّبا، والعميان الجائرون في الحكم، والصّمّ البكم هم الّذين يعجبون بأعمالهم، والّذين يمضغون ألسنتهم العلماء الوعّاظ الّذين خالف قولهم أعمالهم، والمقطّعة أيديهم وأرجلهم الّذين يؤذون الجيران، والمصلّبون على جذوع النّار السّعاة إلى السّلطان، والّذين هم أشدّ نتنا من الجيف هم الّذين يتنعّمون باللّذات والشّهوات، ومنعوا حقّ الله من أموالهم، والّذين يلبسون الجباب هم أهل الكبر والفجور والخيلاء] (١).

стр. 2916

قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً﴾ (١٩)؛أي فتحت لنزول الملائكة، فكانت ذات أبواب، قرأ أهل الكوفة «(وفتحت)» بالتخفيف. قوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً﴾ (٢٠)؛أي سيّرت على وجه الأرض فصارت كالتّراب المنبثّ، إذا رآه الناظر يحسبه سرابا بعد شدّتها وصلابتها. والسراب: الغبار المنبثّ في الهواء يحسبه العطشان عند وقوع الشمس أنه ماء وليس بماء. قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً﴾ (٢١)؛أي طريقا وممرّا للعباد، ولا سبيل إلى الجنّة حتى تقطع النار، وقال مقاتل: «إنّ جهنّم كانت محبسا» (١) معدّة ﴿لِلطّاغِينَ؛﴾ أي للكافرين، ﴿مَآباً﴾ (٢٢)؛أي مرجعا يرجعون إليه، وفي الحديث: [أنّها أعرف بأصحابها من الوالدة بولدها]. قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً﴾ (٢٣)؛قرأ حمزة «(لابثين فيها أحقابا)»، وقرأ الباقون «(لابثين)» وهما بمعنى واحد؛ أي ماكثين فيها مقيمين بها (٢). واختلف العلماء في معنى الحقب، فروي عن عبد الله بن عمر: «أنّ الحقب الواحد أربعون سنة، كلّ يوم منها ألف سنة»،فهذا هو الحقب الواحد، وهي أحقاب لا يعلم عددها إلاّ الله. وعن عليّ ﵁: «أنّ الحقب الواحد ثمانون سنة، كلّ سنة اثنا عشر شهرا، كلّ شهر ثلاثون يوما، كلّ يوم ألف سنة» (٣). وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [والله ما يخرج من النّار من دخلها من المشركين حتّى يكونوا فيها أحقابا، والحقب بضع وثمانون سنة، والسّنة ثلاثمائة وستّون يوما، كلّ يوم ألف سنة] (٤).

стр. 2917

وعن الحسن: «إنّ الله لم يذكر شيئا إلاّ وجعل لها مدّة ينتهي إليها، ولم يجعل لأهل النّار مدّة، بل قال: ﴿(لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً)﴾،فو الله ما هي إلاّ إذا مضى حقب دخل آخر، ثمّ آخر إلى أبد الآبدين» (١).فليس للأحقاب عدّة إلاّ الخلود في النار، ولكن قد ذكر أنّ الحقب الواحد سبعون ألف سنة، كلّ يوم منها ألف سنة مما تعدّون. وقال مقاتل: «الحقب الواحد سبعة عشر ألف سنة» (٢)،وقال: «هذه الآية قوله تعالى: «فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذاباً» يعني أنّ العدد قد انقطع، وأنّ الخلود قد حصل»،وعن عبد الله بن مسعود قال: «لو علم أهل النّار أنّهم يلبثون في النّار عدد حصى الدّنيا لفرحوا، ولو علم أهل الجنّة أنّهم يلبثون في الجنّة عدد حصى الدّنيا لحزنوا» (٣). قوله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً﴾ (٢٤)؛أي لا يذوقون في تلك الأحقاب نوما ولا شرابا من الماء. وقيل: معناه: لا يذوقون في جهنّم من شدّة حرّها بردا ينفعهم من حرّها، ولا شرابا ينفعهم من عطشها. وقيل: معناه: لا يذوقون في جهنّم برد ريح ولا ظلاّ ولا شرابا باردا، ﴿إِلاّ حَمِيماً وَغَسّاقاً﴾ (٢٥)،أي إلاّ ماء حارّا في غاية الحرارة، و (غسّاقا) وهو ما يغسق أي يسيل من صديد أهل النّار، وكلّ ذلك يزيد في العطش. وقال شهر بن حوشب: «الغسّاق واد في النّار، فيه ثلاثمائة وثلاثون شعبا، في كلّ شعب ثلاثمائة وثلاثون بيتا، في كلّ بيت أربع زوايا، في كلّ زاوية ثعبان كأعظم ما خلق الله، في رأس كلّ ثعبان سمّ قاتل لا يعلم قدره إلاّ الله تعالى». وعن أبي معاذ النّحويّ قال في قوله تعالى: ﴿(لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً﴾: «أنّ البرد النّوم»،ومثله قال الكسائيّ وأبو عبيدة، والعرب تقول: منع البرد البرد؛

стр. 2918

أي أذهب البرد النوم، ولأنّ العطشان لينام فيبرد غليله، فلذلك سمي النوم بردا، قال الشاعر (١): وإن شئت حرّمت النّساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاحا ولا بردا أي نوما (٢). قوله تعالى: ﴿جَزاءً وِفاقاً﴾ (٢٦)؛انتصب على المصدر؛ أي جوزوا على وفق أعمالهم جزاء. وقيل: تقديره: جزيناهم جزاء، وقوله تعالى (وفاقا) أي وفّقوا أعمالهم وفاقا كما يقول: قاتل قتالا، والمعنى: جوزوا بحسب أعمالهم، قال مقاتل: «وافق العذاب الذنب، فلا ذنب أعظم من الشّرك، ولا عذاب أعظم من النّار» (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً﴾ (٢٧)؛أي إنّهم كانوا لا يخافون أن يحاسبوا، والمعنى: أنّهم كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بأنّهم يحاسبون، ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّاباً﴾ (٢٨)؛أي وكذبوا بمحمّد ﷺ والقرآن تكذيبا، و (فعّال) من مصادر التّفعيل، قال الفرّاء: (هي لغة فصيحة يمانيّة) (٤)،يقال حرّقت القميص حرّاقا. قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً﴾ (٢٩)؛أي وكلّ شيء من الأعمال بيّنّاه في اللوح المحفوظ، كقوله تعالى ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ (٥). قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذاباً﴾ (٣٠)؛أي يقال لهم: ذوقوا العذاب في النار، فلن نزيدكم إلاّ ألوان العذاب لونا بعد لون، وكلّ عذاب يأتي بعد الوقت، فهو زائد على الأوّل.

стр. 2919

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً﴾ (٣١)؛المتّقي هو المؤمن المطيع لله، الكافّ عن جميع معاصيه. والمفاز: موضع الفوز وهو الجنّة، والمعنى: أنّ للمتّقين فوزا ونجاة من النار. وقوله تعالى ﴿حَدائِقَ وَأَعْناباً﴾ (٣٢)،تفسير لذلك الفوز. والحدائق: جمع الحديقة، وكلّ ما أحيط به الحائط من الأشجار فهو حديقة وهو البستان الجامع. والأعناب: أنواع العنب في البستان، والمعنى: ﴿(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً حَدائِقَ وَأَعْناباً)﴾ يعني أشجار الجنّة وثمارها. قوله تعالى: ﴿وَكَواعِبَ أَتْراباً﴾ (٣٣)؛الكواعب: جمع الكاعب، وهي الجارية النّاهد المفلّكة الثدي، وهي التي خرج ثديها بأحسن الخروج، ولم يفطم بعد. والأتراب: اللّدات (١) المستويات في السنّ (٢)،ويجوز أن يكون المعنى: مثل أزواجهنّ في السنّ والصورة والقدّ. قوله تعالى: ﴿وَكَأْساً دِهاقاً﴾ (٣٤)؛الكأس: الإناء الذي فيه الشّراب، والدّهاق: الملآن المتابع، والمعنى: وكأسا ممتلئة. وقوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذّاباً﴾ (٣٥)؛أي لا يسمعون في مجالسهم في الجنّة كلاما لا فائدة فيه، ولا يكذّب بعضهم بعضا، والمعنى: لا يسمعون في الجنّة إذا شربوا الخمر باطلا من الكلام، ولا يكذّب بعضهم بعضا، قال ابن عبّاس: «ذلك أنّ أهل الدّنيا إذا شربوا تكلّموا بالباطل، وأهل الجنّة إذا شربوا لم يتكلّموا عليها شيئا يكرهه الله».وقرأ الكسائيّ: «(ولا كذابا)» بالتخفيف؛ أي لا يكذب بعضهم بعضا، والكذاب مصدر المكاذبة، وهو حسن المعنى. قوله تعالى: ﴿جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً﴾ (٣٦)؛أي جزاهم الله بهذه الأشياء من ربك وأعطاهم عطاء حسابا، وقال ابن قتيبة: «عطاء كافيا»،يقال: أحسبت فلانا؛ أي أكثرت له وأعطيته ما يكفيه، قال الزجّاج: «في ذلك الجزاء كلّ ما يشتهون، ومن ذلك: حسبي كذا؛ أي كفاني» (٣).والمعنى: جزاء من ربك عطاء كثيرا كافيا وافيا.

стр. 2920

قوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ؛﴾ قرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير: «(ربّ السّماوات)» برفع الباء، و «(الرّحمن)» بالرفع أيضا على معنى: هو ربّ السّماوات والأرض وما بينهما وهو الرحمن، وإن شئت قلت: (ربّ) مبتدأ و (الرّحمن) خبره. وقرأ ابن عامر (١) ويعقوب كلاهما بالخفض على البدل من «(ربك)». وقرأ حمزة والكسائي وخلف «(ربّ)» بالخفض، و «(الرّحمن)» رفعا، قال أبو عبيدة: «وهذه القراءة أعدلها (٢) عندي؛ لأنّ قوله تعالى (ربّ) قريب من (ربّك) فيكون نعتا له. وارتفع (الرّحمن) لبعده عنه، فيكون مبتدأ وما بعده خبره» (٣). قوله تعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً﴾ (٣٧)؛قال مقاتل: «لا تقدر الخلق أن يكلّموا الرّبّ إلاّ بإذنه».وقال الكلبيّ: «معناه: لا يشفعون إلاّ بإذنه». وقيل: لا يتجرّأ أحد أن يتكلّم في عرصات القيامة إلاّ بإذنه. ثم وصف ذلك اليوم فقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا؛﴾ قيل: معناه: في يوم يقوم الرّوح. واختلفوا في الرّوح، قال الشعبيّ والضحاك: «هو جبريل الّذي سمّاه الله الرّوح الأمين».وقال ابن عبّاس: «هو ملك من أعظم الملائكة خلقا».وقال ابن مسعود: «هو ملك عظيم أعظم من السّماوات ومن الجبال، وأعظم من الملائكة، وهو يسبح في السّماء الرّابعة كلّ يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله من كلّ تسبيحة ملكا» (٤). وقال مجاهد وقتادة: «الرّوح خلق من خلق الله على صورة بني آدم وليسوا منهم، يقومون صفّا، والملائكة صفّا، هؤلاء جند، وهم جند».وعن ابن عبّاس: «أنّه ملك لم يخلق الله في الملائكة أعظم منه» (٥)،فإذا كان يوم القيامة قام وحده صفّا،

стр. 2921

وقامت الملائكة كلّهم صفّا، فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم. وقيل: هم خلق غير الإنس والجنّ يرون الملائكة، والملائكة لا يرونهم، كما أنّ الملائكة يروننا ونحن لا نراهم. قوله تعالى: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ؛﴾ معناه: الخلق كلّهم المؤمنون لا يتكلّمون إلاّ من أذن الله له الكلام، ولا يأذن إلاّ لمن إذا قال، ﴿وَقالَ صَواباً﴾ (٣٨).وقيل: معناه: إلاّ من أذن له الرحمن وقال في الدّنيا قولا صوابا عدلا، وهو كلمة التوحيد؛ يعني: لا إله إلاّ الله؛ لا إله إلاّ الله. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ أي ذلك اليوم وصف هو الحقّ، ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً﴾ (٣٩)؛أي رجعا حسنا؛ أي من شاء رجع إلى الله بطاعته. ثم خوّف الكفار فقال تعالى: ﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً؛﴾ أي خوّفناكم من عذاب قريب كائن، يعني عذاب الآخرة، وكلّ ما هو آت قريب، والخطاب لأهل مكّة. ثم بيّن متى يكون ذلك العذاب، فقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ أي يوم يرى الرجل فيه جزاء عمله في الدّنيا من خير أو شرّ، وخصّ اليدين؛ لأنّ أكثر العمل يكون بهما. وأمّا الكافر فيقول: ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ (٤٠)؛أي ليتني لم أبعث، وليتني بقيت ترابا بعد الموت، وقال مقاتل: «إنّ الله يجمع الدّوابّ والطّيور والوحوش يوما، ويقضي بين الثّقلين الجنّ والإنس، ثمّ يقضي للجمّاء من القرناء، فإذا فرغ من ذلك، قال: من ربّكم؟ فيقولون: الرّحمن الرّحيم، فيقول الله تعالى: أنا خلقتكم وسخّرتكم لبني آدم، وكنتم لي مطيعين أيّام حياتكم، فارجعوا للّذي خلقتكم منه. فيصيرون ترابا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿(يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً)﴾.» (١).قال أبو هريرة: «فيقول التّراب للكافر: لا حبّا ولا كرامة لك أن تكون مثلي» (٢). آخر تفسير سورة (النبأ) والحمد لله رب العالمين

стр. 2922

سورة النّازعات سورة النّازعات مكّيّة، وهي سبعمائة وثلاثة وخمسون حرفا، ومائة وتسع وتسعون كلمة، وستّ وأربعون آية. قال ﷺ : [من قرأها هوّن الله عليه نزع روحه عند موته، ولم يكن حسابه يوم القيامة إلاّ كقدر صلاة مكتوبة] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقاً﴾ (١)؛أقسم الله بالملائكة إعظاما لهم، ولله أن يقسم بغيره، وليس للعباد أن يقسموا إلاّ به. ويجوز أن يكون القسم هاهنا برب الملائكة، كأنّه قال: ورب النازعات. والنّازعات: الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفّار بالشدّة من أجسادهم، من تحت كلّ شعرة، ومن تحت الأظفار وأصول القدمين، ثم يردونها في جسدها حتى إذا كادت تخرج ردّوها في بدنه. قال مقاتل: «يعني ملك الموت وأعوانه».قال سعيد بن جبير: «ينزعون أرواحهم فيفرّقونها ثمّ يقذفون بها في النّار» (٢).وقال السديّ: «هي النّفس الّتي تغرق في الصّدور» (٣).وقيل: يرى الكافر نفسه وقت النّزع كأنّها تغرق. وقيل: معناه: تنزع الملائكة أرواح الكفار عن أجسادهم كما يغرق النّازع في القوس فيبلغ بها غاية المدّ، والمغرق اسم مصدر أقيم مقام الإغراق. قوله تعالى: ﴿وَالنّاشِطاتِ نَشْطاً﴾ (٢)؛هم الملائكة ينشطون روح الكافر من قدميه إلى حلقه نشطا كما ينشط الصوف من سفود الحديد. قيل: إنّهم

стр. 2923

ينشطون أرواح الكفّار نشطا عظيما ويجذبونها جذبا شديدا بكرب ومشقّة وغمّ، كنشط السّفود الكثير الشّعر من الصوف المتلبد، فيشتدّ عليهم خروج أرواحهم، يقال: نشطت يد البعير إذا نطقته بالحبل، وأنشطته إذا حللته. قوله تعالى: ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحاً﴾ (٣)؛هم الملائكة الموكّلون بقبض أرواح المؤمنين، يسلونها سلاّ رفيقا، ثم يدعونها تستريح رويدا كالسّائح بالشيء في الماء يرفق به، وقال مجاهد: «هم الملائكة ينزلون من السّماء مسرعين كالفرس الجواد السّابح لسرعته» (١).وقال الكلبيّ: «يقبضون أرواح المؤمنين كالّذي يسبح في الماء، فأحيانا ينغمس وأحيانا يرتفع، يسلّونها سلاّ رفيقا» (٢).وقال قتادة: «هي النّجوم والشّمس والقمر، قال الله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٣)».وقال عطاء: «هي السّفن» (٤). قوله تعالى: ﴿فَالسّابِقاتِ سَبْقاً﴾ (٤)؛هم الملائكة سبقت بني آدم بالخير والعمل الصالح والإيمان والتّصديق. وقيل: يستبقون بأرواح المؤمنين إلى الجنّة. قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ (٥)؛يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، يدبرون أمر الله في أهل الأرض، فجبريل للوحي والتّنزيل، وميكائيل للقطر والنبات، وإسرافيل للصّور، وملك الموت لقبض الأرواح، وجواب هذه الأقسام محذوف، تقديره: لتبعثنّ للجزاء والحساب ولتحاسبنّ. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ (٦)؛يعني النفخة الأولى التي يموت فيها جميع الخلق، والرّجفة صيحة عظيمة فيها تردّد واضطراب، ﴿تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ﴾ (٧)؛يعني النفخة الثانية ردفت النفخة الأولى، وبينهما أربعون سنة، وسميت الثانية رادفة تشبها بالرّادف من الرّاكب.

стр. 2924

قوله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ (٨)؛أي مضطربة قلقة لما عاينت من أهوال يوم القيامة. قيل: أراد بها قلوب الكفّار. والوجيف: اضطراب القلب، وقال مجاهد: «معنى واجفة: وجلة»،وقال السديّ: «زائلة عن أماكنها». وقيل: غير هادئة ولا ساكنة، وقال أبو عمرو: «مرتكضة» (١). قوله تعالى: ﴿أَبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ (٩)؛أي أبصار أصحابها ذليلة خاضعة، وذلك أنّ المضطرب الخائف لا بدّ أن يكون نظره نظر الذليل الخاضع؛ لترقّب ما ينزل من الأمر. ويقال: ذليلة عند معاينة النار، كقوله ﴿خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ (٢). قال عطاء: «يريد أبصار من مات كافرا» يدلّ عليه أنه ذكر منكري البعث، فقال: ﴿يَقُولُونَ أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ﴾ (١٠)؛معناه: تقول الكفّار وهم في الدّنيا: أنردّ إلى أوّل حالنا وابتداء أمرنا فنصير أحياء؟ كما كنّا، يقال: رجع فلان في حافرته، أي رجع من حيث جاء. والحافرة عند العرب اسم لأول الشيء، وابتداء الأمر. والمعنى أنهم كانوا يستبعدون البعث، ويقولون: ﴿أَإِذا كُنّا عِظاماً نَخِرَةً﴾ (١١)؛أنردّ إلى الحياة الأولى، وتعاد فينا الروح بعد أن نصير عظاما نخرة؛ أي بالية، ومنه قولهم: رجع فلان في حافرته؛ إذا رجع في الطريق الذي جاء فيه. وقال بعضهم: الحافرة الأرض التي تحفر فيها قبورهم، والحافرة بمعنى المحفورة كما في ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وما وافق معناه، ومعناه: أإنّا لمردودون إلى الأرض فنبعث خلقا جديدا، ونمشي على أقدامنا، وقال ابن زيد: «الحافرة: النّار»،وقيل: معناه: أنردّ أحياء في قبورنا. قوله تعالى: ﴿(أَإِذا كُنّا عِظاماً نَخِرَةً)﴾ قرأ أهل الكوفة «(ناخرة)» بالألف، وهي قراءة عمر ﵁ (٣) وابن عبّاس وابن مسعود وابن الزّبير. وقرأ الباقون «(نخرة)» بغير

стр. 2925

ألف، والنّخرة: البالية، والنّاخرة: المجوّفة، يقال: نخر العظم ينخر فهو ناخر ونخرا إذا بلي وتفتّت، وقال الأخفش: «هما لغتان؛ أيّهما قرأت فحسن».والمعنى: أنّهم أنكروا البعث، فقالوا: أنردّ أحياء إذا متنا وبليت عظامنا. قوله تعالى: ﴿قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ (١٢)؛كانوا يقولون على جهة التّكذيب: إن كان الأمر على ما يقول محمّد، فتلك الرجعة خاسرة. والخاسرة: ذات الخسران؛ أي إن رددنا بعد الموت لنخسرنّ بما يصيبنا بعد الموت. ثم أعلم الله سهولة البعث عليه فقال تعالى ردّا عليهم: ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ (١٣)؛يعني النفخة الأخيرة صيحة واحدة يسمعونها وهم في بطون الأرض أموات، ﴿فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ (١٤)؛أي فإذا هم أحياء على وجه الأرض. والسّاهرة: وجه الأرض وظهرها، فإنّما هي نفخة واحدة وصيحة واحدة هائلة ﴿(فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ)﴾ أي فإذا هم على ظهر الأرض بعد أن كانوا في جوفها. والعرب تسمّي وجه الأرض ساهرة؛ لأن فيها نوم الجفون وسهرهم. يقال: إنّ المراد بالسّاهرة أرض بيت المقدس. ويقال: أراد به أرض الآخرة. وقيل: الساهرة: جهنّم. قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ (١٥)؛أي هل جاءك-يا محمّد-حديث موسى، ﴿إِذْ ناداهُ رَبُّهُ؛﴾ أي هل بلغك قصّة موسى وخبره، وهذا استفهام بمعنى التقرير، كما يقول الرّجل لغيره: هل بلغك حديث فلان، وهو يعلم أنّه بلغه ذلك، ولكن يريد بهذا الكلام التحقيق. ويجوز أن يراد بهذا الابتداء الإخبار، كأنه قال: لم يكن عندك-يا محمّد- ولا عند قومك ما أعلمك الله به من حديث موسى إذ أسمعه الله نداءه، ﴿بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ (١٦)؛أي بالوادي المطهّر الذي كلّمه الله عليه، واسم ذلك الوادي (طوى).وهذا يقرأ بالتنوين وغيره، فمن نوّنه وصرفه؛ فلأنّه مذكّر سمّي به مذكر، ومن لم يصرفه جعل له اسم البقعة التي هي مشتملة على ذلك الوادي. قوله تعالى: ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ (١٧)؛أي ناداه ربّه فقال له: يا موسى اذهب إلى فرعون إنه علا وتكبّر وكفر وتجاوز عن الحدّ في المعصية،

стр. 2926

وتعمل عمل الأزكياء، و؛ هل لك رغبة في أن، ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ؛﴾ أي إلى معرفة ربك وعبادته وتوحيده ومعرفة صفاته، ﴿فَتَخْشى﴾ (١٩)؛عقابه إن لم تطعه. ثمّ بيّن الله لموسى أن يمضي (١)، ﴿فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى﴾ (٢٠)؛حتى أراه الآية الكبرى، يعني العصا إذ كانت أكبر آية، وقال بعضهم: اليد البيضاء التي أخرجها، لها شعاع كالشّمس، ﴿فَكَذَّبَ وَعَصى﴾ (٢١)؛أي فكذب فرعون بأنّها من الله، وعصى موسى فلم يطعه، ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى﴾ (٢٢)؛أي أدبر عن الإيمان، وأعرض عنه بعمل الفساد في الأرض، ويقال: أدبر: أسرع هاربا من الجنّة. قوله تعالى: ﴿فَحَشَرَ؛﴾ أي فجمع قومه وجنوده، ﴿فَنادى﴾ (٢٣)؛ لمّا اجتمعوا، ﴿فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ (٢٤)؛أي لا ربّ فوقي، وقيل: إنه جمع قومه بالشّوط يستنصر بهم على إبطال أمر موسى ودفع ضرر الحيّة، فنادى فيهم: أعيدوا أصنامكم التي كنتم تعبدونها، وأنا ربّ أصنامكم الأعلى. قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى﴾ (٢٥)؛معناه: لمّا بلغ في استكثاره وكفره إلى حدّ لا ينفع فيه الوعظ، حينئذ أخذه الله بعقوبة صار بها نكالا في الدّنيا والآخرة، و ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (٢)،ولو تفكّر هؤلاء الجهّال لعلموا أنه لو كان إلها لم يحتج إليهم لدفع ضرر الحيّة التي يخافها. وقيل: معنى ﴿(فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ)﴾ يعني كلمتي فرعون حين قال ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ (٣) وقوله ﴿(أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى)﴾ وكان بينهما أربعون سنة (٤). قال مجاهد: «هذا معنى الآخرة والأولى، وهي الكلمة الأخيرة، وقوله تعالى ﴿ما﴾

стр. 2927

﴿عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ هي الكلمة الأولى» (١) وهذا قول أكثر المفسّرين. وقال الحسن: (معنى: نكال الدّنيا والآخرة، الأولى: غرقه في الدّنيا، وعذابه في الآخرة بالنّار».وعن ابن عبّاس قال: «قال موسى: يا رب أمهلت فرعون أربعمائة سنة وهو يقول: أنا ربّكم الأعلى، ويكذّب بآياتك ورسلك، فأوحى الله إليه أنّه كان حسن الخلق سهل الحجاب، فأحببت أن أكافئه». قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ (٢٦)؛أي إن في الذي فعل فرعون من العقوبة حين كذب عظة لمن يخشى عذاب الله. والعبرة: هي الدّلالة المؤدّية إلى الحقّ. ثم خاطب منكري البعث فقال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ؛﴾ الخطاب لأهل مكّة، يقول أأنتم أشدّ خلقا، معناه: أخلقكم بعد الموت أشدّ عندكم أم السّماء في تقديركم؟ وهما في قدرة الله واحد، وهذا كقوله ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ (٢).وقوله تعالى: ﴿بَناها﴾ (٢٧)؛أي بناها مع عظمها، فكيف لا يقدر على إعادتكم مع صغر أجسامكم؟! وقوله تعالى: ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ (٢٨)؛أي رفع سقف السّماء فوق كلّ شيء بلا عمد تحتها، ولا علاّقة فوقها، فسوّاها من الفطور والعيوب. وقيل: فسوّاها بلا سقوف ولا فطور. قوله تعالى: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها﴾ (٢٩)؛أي أظلم ليلها وأظهر نهارها: والغطش: الظّلمة وأصناف اللّيل والنهار إلى السماء؛ لأن الليل إنما يكون بغروب الشمس، والشمس منسوبة إلى السّماء، فإذا غربت الشمس كان مبدأ الظّلام من جانب السّماء، وذلك (٣) الضياء يظهر قبل طلوع الشمس من جانب السّماء.

стр. 2928

قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ (٣٠)؛أي سطّحها بعد خلق السّماء، مأخوذ من الدّحو وهو البسط (١)،وذلك أنّ الله خلق الأرض قبل السّماء مجموعة، ثم خلق السّماء وشمسها وقمرها وليلها ونهارها، ثم دحا الأرض بعد ذلك «فهو» أدلّ على القدرة (٢). قوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها﴾ (٣١)؛أراد بالماء ماء الآبار والعيون التي تخرج من الأرض، وبالمرعى النبات مما يأكل الناس والأنعام وهو قوله تعالى: ﴿وَالْجِبالَ أَرْساها﴾ (٣٢)؛أي أثبتها وثقّل بها الأرض، فعل ذلك، ﴿مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ (٣٣)،أي منفعة لكم ولدوابكم لا لمنفعة نفسه، فإنه منزّه عن المضارّ والمنافع. قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى﴾ (٣٤)؛يعني النفخة الثانية التي فيها البعث، والطامّة: الحادثة التي تطمّ على ما سواها؛ أي تعلو فوقه، والقيامة تطمّ على كلّ شيء فسميت الطامّة. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى﴾ (٣٥)؛ أي ما عمل في الدّنيا من خير أو شرّ، ويقرأ كتابه، ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى﴾ (٣٦)؛أي أظهرت لجميع الخلائق حتى يراها أهل الموقف كلّ هم، والطامّة عند العرب الدّاهية التي لا تستطاع. وقيل: إن الطامّة الكبرى حين يساق أهل النار إلى النار، وأهل الجنة الى الجنّة. قوله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى﴾ (٣٩)؛معناه: فأمّا من جاوز الحدّ في معصية الله، واختار ما في الدّنيا من زهرتها وزينتها على الإيمان بالله وطاعته، فإن الجحيم هي المأوى؛ أي مأواه، ﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ؛﴾ للحساب واجتنب المعاصي، ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ﴾

стр. 2929

﴿الْهَوى﴾ (٤٠)؛أي المحارم التي يشتهيها، قال مقاتل: «هو الرّجل يهمّ بالمعصية، فيذكر مقامه للحساب فيتركها» (١) ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾ (٤١). قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها﴾ (٤٢)؛أي متى قيامها ووقوعها، يعني يوم القيامة يسألونه عن تلك لتكذيبهم بها، وقوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ (٤٣)؛أي في أيّ شيء أنت من ذكر القيامة ووقتها، ولم يعرّفك الله ذلك، والمعنى: لست في شيء من علمها؛ أي لا تعلمها، وقوله تعالى: ﴿إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها﴾ (٤٥)؛معناه: إنما أنت مخوّف من يخاف قيامها؛ أي إنما ينتفع بإنذارك من يخافها. قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها؛﴾ أي كأنّهم يوم يرون القيامة، ﴿لَمْ يَلْبَثُوا؛﴾ في الدّنيا، ﴿إِلاّ؛﴾ قدر، ﴿عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ (٤٦)؛من العشيّات وقدر ضحى العشيّة، وذلك أنّهم إذا استقبلهم أمر الآخرة ذهب عنهم الكفر في مقدار مكثهم في الدّنيا، ومقدار مكثهم في قبورهم لعظم ما استقبلهم من الشدائد، والمعنى: إن الذي أنكروه سيرونه حتى كأنّهم لم يلبثوا في الدّنيا إلاّ ساعة مضت كأنّها لم تكن. والضّحى وقت ارتفاع النهار، والعشيّ: ما بعد الزوال. آخر تفسير سورة (النازعات) والحمد لله رب العالمين

стр. 2930

سورة عبس سورة عبس مكّيّة، وهي خمسمائة وثلاثون حرفا، ومائة وثلاثون كلمة، واثنتان وأربعون آية. قال ﷺ : [من قرأها جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى﴾ (٢)؛وذلك: أنّ رسول الله ﷺ كان عنده عمّه العبّاس، وأبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وأميّة بن خلف وغيرهم من أشراف قريش، وقد أقبل إليهم يدعوهم إلى الإيمان، ويقرأ عليهم القرآن رجاء أن يؤمنوا فيؤمن بإيمانهم بشر كثير. فجاء عبد الله بن أمّ مكتوم وهو الأعمى المذكور، فجعل يسأل النّبيّ ﷺ عن آيات أنزلت، ويقول: أقرئني يا رسول الله، وعلّمني ممّا علّمك الله، وهو لا يعلم شغل قلب النّبيّ ﷺ ولا يدري أنّه مشغول بالإقبال على غيره، فأعرض رسول الله ﷺ وقطب وجهه وعبس، وأقبل على القوم الّذين يكلّمهم. فأنزل الله تعالى هذه الآيات (٢). والمعنى: عبس محمّد، وأعرض بوجهه لأن جاءه الأعمى، و (أن) في موضع نصب؛ لأنه مفعول له. والتّولّي عن الشيء: هو الإعراض عنه، فإنه صرف وجهه عن أن يليه.

стр. 2931

قوله تعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ (٣)؛معناه: ما يعلمك يا محمّد لعلّ ابن أم مكتوم يزّكّى بالعمل الصالح بجوابك عن سؤاله، ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ (٤)؛ويتّعظ فتنفعه ذكراك. وقيل: معنى (يزّكّى):يتطهّر من الذنوب بالعمل الصالح، أو يذكّر فيتّعظ بما يعلمه من مواعظ القرآن. قرأ عاصم «(فتنفعه)» بالنصب على جواب (لعلّ) بالفاء، وقرأ الباقون بالرفع عطفا على ﴿(يَزَّكّى أَوْ يَذَّكَّرُ)﴾. قوله تعالى: ﴿أَمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ (٥)؛يعني أشراف قريش، قال بعضهم: معناه: أما من استغنى بماله، وقيل: استغنى عن وعظك، أي جعل نفسه غنيا عنك، وقال ابن عباس: (معناه: استغنى عن الله وعن الإيمان، ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ (٦) لوعظه؛ أي تعرض له وتقبل عليه بوجهك وتميل اليه وتصغي إلى كلامه. يقال: فلان تصدّى لفلان؛ أي يتعرّض له ليراه. قرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر (تصّدّى) بالتشديد على معنى تتصدّى، وقرأ الباقون بالتخفيف على الحذف. قوله تعالى: ﴿وَما عَلَيْكَ أَلاّ يَزَّكّى﴾ (٧)؛أي وما عليك ألاّ يؤمن ولا يهتدي، فإنه ليس عليك إلاّ البلاغ، ﴿وَأَمّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى﴾ (٨)؛لعمل الخير وهو ابن أمّ مكتوم جاءك يسرع في المشي إليك يلتمس منك الدّين، ﴿وَهُوَ يَخْشى﴾ (٩)؛عذاب الله، وقيل: يخشى العثور في مشيته، ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ (١٠)؛أي تتشاغل فتعرض بوجهك عنه، يقال: ألهيت على الشّيء إلهاء إذا تشاغلت عنه، وليس من لها يلهو، ومن هذا قولهم: اذا استأثر الله بشيء فاله عنه؛ أي اتركه وأعرض عنه. قوله تعالى: ﴿كَلاّ؛﴾ أي حاشا أن تعود إلى مثل ذلك، لا تعد إليه ولا تفعل مثله، والمعنى: أنّ (كلاّ) هاهنا كلمة ردع وزجر، أو كلاّ لا تفعل بعدها مثلها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ (١١)؛أي إنّ هذه الآيات التي أنزلها الله عليك موعظة يتّعظ بها عباد الله تعالى، ﴿فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ﴾ (١٢)؛أي من شاء ألهمه وفهّمه القرآن حتى يذكره ويتّعظ به. وهذا كلّه تأديب للنبيّ ﷺ ، وتبين أنّ المحافظة على الإقبال على المؤمنين أولى من الحرص على من هو كافر رجاء أن يترك. فلمّا أنزلت هذه الآيات أكرم رسول

стр. 2932

الله ﷺ ابن أمّ مكتوم وألطفه واستخلفه على المدينة مرّتين في غزوتين غزاهما ليصلّي بالنّاس، وكان ﷺ إذا رآه يقول: [مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، هل لك من حاجة؟] (١). ولا يمتنع أن يكون إعراض النبيّ ﷺ عن ابن أم مكتوم لأنه كان يريد أن يعلّم الناس طريقة حفظ الأدب في تعلّم العلم. وقوله تعالى ﴿(فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ)﴾ أي فمن شاء ذكر ما أنزل من الآيات، ويقال: من شاء الله له أن يتّعظ اتّعظ. ثم أخبر الله تعالى بجلالة القرآن في اللّوح المحفوظ عنده فقال تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ (١٣)؛أي في كتب معظّمة بما تضمّنت من الحكمة، ﴿مَرْفُوعَةٍ؛﴾ القدر في السّماوات، ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ (١٤)؛أي منزّهة من الدّنس ومن التناقض والاختلاف كما قال تعالى في آية أخرى ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (٢).والصّحف: جمع الصّحيفة. وقيل: يعني بقوله ﴿(فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ)﴾ اللوح المحفوظ. قوله تعالى: (مرفوعة) يعني في السّماء السابعة وقوله تعالى: (مطهّرة) أي لا يمسّها إلاّ المطهرون، وهم الملائكة. قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ (١٥)؛يعني الكتبة من الملائكة، واحدهم سافر مثل كاتب وكتبة، وقال الفرّاء: «السّفرة هاهنا الملائكة الّذين هم رسل الله بالوحي إلى أنبيائه، ومنه السّفارة وهو السّعي بين القوم» (٣). ثم أثنى الله عليهم فقال تعالى: ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ (١٦)؛أي كرام على ربهم مطيعين له، والكريم الذي من شأنه أن يأتي بالخير، والبررة: جمع بارّ، وهم الفاعلين للبرّ المطيعين لله. قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ (١٧)؛أي لعن الكافر ما أكفره بالله وبنعمته مع كثرة إحسانه إليه، قال مقاتل: «نزلت في عتبة بن أبي لهب، والمراد به

стр. 2933

كلّ كافر» (١).قوله (ما أكفره) تعجيب بمعنى التوبيخ، يقال: أيّ شيء حمله على الكفر مع وضوح الدلائل على وحدانيّة الله، فتعجّبوا من كفره. وأما الله تعالى فلا يجوز أن يتعجّب من شيء لكونه عالما لم يزل. قوله تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ (١٨)؛معنى الآية: ما أشدّ كفره بالله، اعجبوا أنتم من كفره. ثم بيّن من أمره ما كان ينبغي معه أن يعلم أنّ الله خالقه، فقال تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ،﴾ لفظ استفهام، ومعناه: التقرير، ثم فسّر ذلك فقال تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ؛﴾ أي من ماء مهين حقير خلقه فصوّره في رحم أمّه على الاستواء باليدين والرّجلين وسائر الأعضاء، ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ (١٩)؛على ما يشاء من خلقه طويلا أو قصيرا؛ ذميما أو حسنا؛ ذكرا أو أنثى؛ شقيّا أو سعيدا، وغير ذلك من الأوصاف. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ (٢٠)؛قال السديّ ومقاتل: «أخرجه من الرّحم وهداه إلى الخروج من بطن أمّه» (٢).قال مجاهد: «ثمّ يسّر له سبيل الدّين، ومكّنه من سلوكه». قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ (٢١)؛أي أماته عند انقضاء أجله، وجعل له قبرا يوارى فيه، أمر عباده أن يواروه، ولم يجعله ممّن يلقى على الأرض كما تلقى البهائم، ثم أكرمه الله بذلك، يقال: أقبرت فلانا إذا جعلت له قبرا يدفن فيه، وقبرته إذا دفنته، والقابر الدافن. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (٢٢)؛ أي إذا شاء بعثه، وأحياه بعد الموت. قوله تعالى: ﴿كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ﴾ (٢٣)؛أي حقّا لم يقض ما أمره الله به، ولم يؤدّ حقّه مع كمال نعمة الله عليه. ثم ذكر رزقه ليعتبر، فقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ﴾ (٢٤)؛أي ليتأمّل الكافر في طعامه كيف خلقه

стр. 2934

الله، وقدّره سببا لحياته، ﴿أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا﴾ (٢٥)؛قرأ أهل الكوفة ويعقوب «(أنّا)» بالفتح على نيّة تكرير الخافض، تقديره: ولينظر إلى أنّا صببنا المطر من السّماء صبّا، وقرأ الباقون بالكسر على الابتداء، والمطر ينزل من السّماء إلى السّحاب صبّا، ثم ينزل من السّحاب إلى الأرض قطرة قطرة، ليكون أقرب إلى النفع وأبعد من الضّرر. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ (٢٦) أي صدّعنا الأرض بالنّبات، ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ (٢٧)؛يعني الحبوب كلّها يتغذى بها، ﴿وَعِنَباً؛﴾ أي كرما، ﴿وَقَضْباً﴾ (٢٨)؛للدواب، ﴿وَزَيْتُوناً؛﴾ هو الذي يعصر منه الزيت، وقال الحسن: «القضب: العلف» (١)، ﴿وَنَخْلاً﴾ (٢٩)؛جمع نخلة، ﴿وَحَدائِقَ غُلْباً﴾ (٣٠)؛الحدائق: جمع الحديقة، وهو البستان الذي أحدق بالحيطان، والغلب: الشّجر العظام الغلاظ، وقيل: الغلب الملتفّة بالأشجار بعضها في بعض، يقال: شجرة غلباء إذا كانت عظيمة غليظة، ورجل غلب إذا كان غليظ العنق (٢). قوله تعالى: ﴿وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (٣١)؛يعني ألوان الفواكه، والأبّ: هو المرعى والكلأ الذي لم يزرعه الناس مما يأكله الأنعام. وسئل ابن عمر ﵄ عن الأب فقال: «أيّ سماء تظلّني وأيّ أرض تقلّني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم» (٣). وعن أنس ﵁ أنّ عمر قرأ هذه الآية فقال: «عرفنا الفاكهة فما الأبّ؟» ثمّ قال: «هذا لعمرو الله التّكلّف، وما عليك يا ابن أمّ عمر أن تدري ما الأبّ» ثمّ قالوا: اتّبعوا ما بيّن لكم من هذا الكتاب وما لم يبيّن فدعوه (٤).

стр. 2935

وقال الحسن: «الأبّ هو الحشيش وما تأكله الدّوابّ» (١).وقال قتادة: «أمّا الفاكهة فلكم، وأمّا الأبّ فلأنعامكم» (٢).وعن ابن عبّاس قال: «هو ما أنبتت الأرض ممّا يأكل النّاس والأنعام» (٣). قوله تعالى: ﴿مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ (٣٢)؛أي خلقنا هذه الأشياء متاعا لكم ولدوابكم لسدّ خلّتكم وتتميم حاجتكم، وعن مجاهد ﵁ في قوله تعالى ﴿(فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ)﴾: «يعني إلى مدخله ومخرجه» (٤). وعن رسول الله ﷺ أنه قال لرجل: [ما طعامكم؟] قال: الحبّ واللّبن يا رسول الله، قال: [ثمّ يصير إلى ماذا؟] قال: إلى ما قد علمت، قال: [فإنّ الله ضرب ما يخرج من ابن آدم تمثيلا للدّنيا] (٥). وقال أبو قلابة: «مكتوب في التّوراة: يا ابن آدم انظر إلى ما بخلت به إلى ما صار».وعن ابن عبّاس ﵄: «أنّ معناه: فلينظر الإنسان إلى أوّل طعامه ثمّ عاقبته فليعتبر». قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ (٣٣)؛يعني صيحة القيامة تصخّ الأسماع التي تصمّها لشدّة الصّيحة، والصاخّة من أسماء القيامة، ثم بيّن في أيّ وقت تجيء فقال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ (٣٦)

стр. 2936

لا يلتفت أحد إلى أحد منهم لعظم ما هم فيه، ومخافة إن سأله أحد منهم يحمل عنه شيئا من عقابه ويواشيه (١) بشيء من ثوابه. وقيل: يفرّ منهم حذرا من مطالبتهم إياه بما بينهم من التّبعات والمظالم. وقيل: لعلمه بأنّهم لا ينفعونه. وعن الحسن قال: «أوّل من يفرّ من أبيه يوم القيامة إبراهيم، ويفرّ محمّد ﷺ من أمّه، ويفرّ لوط ﵇ من زوجته، ونوح من ابنه كنعان، وهابيل من أخيه قابيل) (٢) وهذا في أولي الثّواب من أهل العقاب، وفي أهل العقاب فيما بينهم، وأمّا أهل الثّواب فيما بينهم فليسوا كذلك، ولكن يسألون ربّهم إلحاق ذرّيّتهم. قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٣٧)؛أي شأن يشغله عن الأقرباء ويصرفه عنهم، عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله ﷺ يبعث النّاس يوم القيامة حفاة عراة غرلا، فقلت: يا رسول الله فكيف بالعورات؟! فقال: [لكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه] (٣). عن سودة أمّ المؤمنين قالت: قال رسول الله ﷺ : [يبعث النّاس يوم القيامة حفاة عراة غرلا] قالت: قلت يا رسول الله؛ وا سوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟! قال: [شغل النّاس عن ذلك، لكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه]. قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ (٣٨)؛أي مضيئة مشرقة حسنة فرحة معجبة، مسرورة بما أكرمها الله تعالى به، وهي وجوه أهل الثواب، ﴿ضاحِكَةٌ؛﴾ بالسّرور، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ (٣٩)؛أي فرحة بما تنال من الله من الكرامة، ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ (٤٠)؛أي غبار من البلاء وسواد وكآبة، ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ (٤١)؛أي يعلوها ويغشاها كسوف وسواد عند معاينة النار، والقترة: سواد كالدّخان الأسود. ثم بيّن من أهل هذه الوجوه، قال تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ (٤٢)؛أي الكفرة بالله الكذبة على الله، جمع كاذب فاجر. آخر تفسير سورة (عبس) والحمد لله رب العالمين

стр. 2937

سورة التّكوير سورة التّكوير مكّيّة، وهي خمسمائة وثلاثة وثلاثون حرفا، ومائة وأربعون كلمة، وسبع وعشرون آية. قال رسول الله ﷺ : [من قرأها أعاذه الله أن يفضحه حين تنشر صحيفته] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (١)؛أي لفّت كما تلفّ العمامة، يقال: كوّرت العمامة على رأسي أكورها وكوّرتها تكويرا إذا لففتها، وقال الكلبيّ ومقاتل: «كوّرت أي ذهب ضوؤها» (٢).وقال مجاهد: «اضمحلّت» (٣).وقال المفسّرون: تجمع الشمس بعضها إلى بعض، ثم تلفّ فيرمى بها في النار، ويقال: نعوذ بالله من الحور بعد الكور؛ أي من التشتّت بعد الألفة، ومن النّقصان بعد الزّيادة. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ (٢)؛أي تساقطت وتناثرت، يقال: انكدر الطائر من الهواء إذا انقضّ، قال الكلبيّ وعطاء: «تمطر السّماء يومئذ نجوما، فلا يبقى نجم في السّماء إلاّ وقع على الأرض».وذلك أنّ النجوم كالقناديل معلّقة بسلاسل من نور بأيدي ملائكة من نور، فإذا مات الملائكة تساقطت تلك السّلاسل من أيديهم فتنكدر النجوم. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ (٣)؛أي تسير على وجه الأرض كما يسير السّحاب، فتصير هباء منبثّا.

стр. 2938

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ﴾ (٤)؛العشار: هي النّوق الحوامل إذا أتت عليها عشرة أشهر وبقي شهران، فهي أحسن ما يكون في الإبل وأعزّها على أهلها، وليس يعطلها أهلها إلاّ في حالة الشدّة العظيمة، واحدها عشرا وليس في القيمة عشار، ولكن هذا على وجه التّمثيل حتى لو كان الرجل يومئذ عشّارا لعطّلها واشتغل بنفسه، ونظيره ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ﴾ (١)،ومعنى (عطّلت) أي تركت هملا بلا راع لما جاءهم من أهوال يوم القيامة. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ (٥)؛الوحوش: جمع الوحش، وهو ما يأوي إلى الفلوات، وينفر عن الناس، وقوله تعالى (حشرت) أي جمعت حتى يقتصّ بعضها من بعض، وقال ابن عبّاس: «حشر البهائم موتها» (٢). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ (٦)؛قرأ أبو عمرو وابن كثير مخفّفا، وقرأ الباقون بالتشديد، ومعناه واحد؛ أي وإذا البحار ملئت وفجّر بعضها في بعض، ثم صيّرت بحرا واحدا. وقال بعضهم: أحميت من قولهم: سجرت التّنور إذا أحميته. والمراد بالبحار على هذا القول بحار في جهنّم تملأ من الحميم لتعذيب أهل النار. وفي الحديث: [أنّ الله تعالى يفني ماء هذه البحار] (٣).كما روي أن البحار كلها تسيل حتى تبلغ إلى الثور الذي على قرنه الأرضون، فإذا بلغته فتح فاه فابتلعها كلّها، فإذا وقعت المياه كلها في جوفه يبست، فلا يرى منها قطرة بعد ذاك! قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ (٧)؛أي ردّت الأرواح إلى أجسادها، فقرنت كلّ روح إلى جسدها، وسئل عمر ﵁ عن ذلك فقال: «معناه:

стр. 2939

يقرن الرّجل الصّالح مع الرّجل الصّالح في الجنّة، ويقرن الرّجل السّوء مع الرّجل السّوء في النّار، فذلك تزويج النّفس» (١) ومنه قوله تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ (٢) وقرناءهم. وقال عطاء: زوّجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الكفّار بالشّياطين، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً﴾ (٣). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ﴾ (٨)؛قال الفرّاء: «سئلت الموءودة فقيل لها: ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (٩») ومعنى سؤالها توبيخ قاتلها، لا يقول: قتلت بغير ذنب. والموءودة: المقتولة بثقل التّراب الذي يطرح عليها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما﴾ (٤) أي لا يثقل حفظ عليه السّماوات والأرض، وكانت العرب تئد البنات من أولادها حيّة؛ كيلا يخطبن إليهم، ومخافة الإملاق كما قال تعالى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ (٥). قال المفسّرون: هي الموءودة المقتولة المدفونة حيّة، سميت بذلك لما يطرح عليها من التّراب فيئودها؛ أي يثقلها حتى تموت، قالوا: وكان الرجل من العرب إذا ولدت له بنت، فإذا أراد أن يستبقيها ألبسها جبّة من صوف ترعى له الإبل والغنم، وإذا أراد أن يقتلها تركها حتى إذا صارت سداسيّة ثم يقول لأمّها: طيّبيها وزيّنيها حتى أذهب بها إلى بيت أقاربها، وقد حفر لها بئرا في الصّحراء، فإذا بلغ البئر قال لها: انظري إلى هذا البئر فيدفعها من خلفها في البئر، ثم يهيل عليها التراب حتى يسوّيها بالأرض.

стр. 2940

قال قتادة: «كان أهل الجاهليّة يقتل أحدهم ابنته ويغذو كلبه» (١).ويجوز أن يكون معنى سئلت: طلبت من قاتلها لم قتلها كما تقول: سألت حقّي من فلان إذا أخذته وطلبت حقّك منه. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ (١٠)؛أراد به ديوان الحسنات والسيّئات، وذلك أنّه إذا مات ابن آدم طويت صحيفته على مقدار عمله، فإذا كان يوم القيامة نشرت وأعطي كلّ واحد منهم صحيفته على مراتبهم، فينبغي لكلّ عاقل أن يذكر حالة الطّيّ في آخر عمره، وحالة النشر يوم القيامة، ويجتهد أن يملي صحيفته في حياته من الطّاعات. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ (١١)؛أي نزعت عن أماكنها فطويت كما يكشط الغطاء عن الشّيء، وقال الزجّاج: «قلعت كما يقلع السّقف»، ومعنى الكشط رفع الشيء عن شيء قد غطّاه، كما يكشط الجلد عن الشّاة. وفي قراءة ابن مسعود «(قشطت)» بالقاف، والمعنى واحد (٢).ويقال: معنى الكشط أن ينزع عنها ما فيها من الشّمس والقمر والنجوم، يقال كشطت الحرف عن البياض إذا قلعته ومحوته. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ (١٢)؛أي أوقدت للكافرين والمنافقين، قرأ نافع بالتشديد؛ أي أوقدت مرّة بعد مرّة، وزيد في وقودها وشدّة لهبها. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ (١٣)؛أي أدنيت من المتّقين وقرّبت لهم، ودنا دخولهم إياها، كما قال في آية أخرى ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣) ومن ذلك المزدلفة لقربها من عرفات. وقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ (١٤)؛جوابه هذه الأشياء، يقول: إذا كانت هذه الأشياء التي تكون في القيامة علمت ذلك الوقت كلّ نفس ما أحضرته من خير أو شرّ تجزى به.

стр. 2941

قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ (١٥)؛معناه أقسم برب الخنّس، و (لا) في هذا الموضع مؤكّدة زائدة، وقوله تعالى: ﴿الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ (١٦)؛أي الجارية في الأفلاك، وتخنس في مجراها؛ أي ترجع إلى مطالعها في سيرها، ثم تستتر عند غروبها، فتغيب في المواضع التي تغيب فيها كما تكنس الظّباء بأن تستتر في كناسها. والخنس: هو التأخّر، ومنه الخنس في الأنف تأخّره في الوجه، يقال: رجل أخنس والمرأة خنساء، وسمي الأخنس بن شريف بهذا الاسم لتأخّره عن يوم بدر عن أصحابه. ومنه الخنّاس وهو الشيطان؛ لأنه يغيب عن أعين الناس. والخنّس: جمع خانس، وهي النجوم الخمسة: زحل والمشتري والمرّيخ والزّهرة وعطارد، تجري في الأفلاك وتخنس في مجراها؛ أي ترجع إلى مجراها في سيرها. وروي: أنّ رجلا من خثعم جاء إلى عليّ ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين ما الخنّس؟ قال: «ألست رجلا عربيّا؟!» قال: بلى، ولكن أكره أن أفسّر القرآن على غير ما أنزل؟،فقال: «الخنّس هي النّجوم الخمسة: الزّهرة والمشتري وبهرام (١) وعطارد وزحل». فقال: ما الكنّس؟ قال: «مستقرّهنّ إذا انقبضن، وهنّ الجواري تخنس خنوس القمر، يرجعن وراءهنّ ولا يقدمن كما يقدم النّجوم، وليس من نجم غيرهنّ إلاّ يطلع، ثمّ يجري حتّى يقطع المجرّة» (٢).وقيل: معنى خنوسها أنّها تستتر بالنّهار فتخفى، وتنكس في وقت غروبها. قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ﴾ (١٧)؛أي إذا أقبل بظلامه، وقيل: إذا أدبر بظلامه. والعسّ: طلب الشّيء بالليل، ومنه العسس، ويقال: عسعس الليل إذا أقبل، وعسعس إذا أدبر، وهو من الأضداد، إلاّ أنّ ما بعد هذه الآية دليل على أنّ المراد به أدبر، وهو قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ (١٨)؛أي إذا امتدّ

стр. 2942

ضوؤه حتى يصير نهارا بيّنا، ومنه تنفّس الصّعداء، ومنه امتداد نفس الخوف بالخروج من الأنف والفم. ثم ذكر جواب القسم فقال: قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (١٩)؛يعني القرآن أتى به جبريل ﵇ من عند الله وهو رسول كريم، فقرأه على رسول الله ﷺ . قوله تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ (٢٠)؛يعني جبريل ﵇ ذي قوّة فيما كلّف وأمر به، ومن قوّته أنه قلب قرى قوم لوط وهي أربع مدائن، في كلّ مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري، فحملهم من الأرض السّفلى بقوادم جناحه، ورفعها إلى السّماء حتى سمع أهل السّماء أصوات الدّجاج ونباح الكلاب، ثم قلبها بأمر الله فهوت بهم، كلّ هذا من غير كلفة لحقته. قوله تعالى: ﴿(عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ)﴾ عند خالق العرش ومالكه، وحيه رفيع القدر، يقال: فلان مكين عند الأمين؛ أي ذو قدر ومنزلة. قوله تعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (٢١)؛أي مطاع في السّماوات، يطيعه أهل السّماوات بأمر الله تعالى، يقال: فرض طاعته على أهل السّماء كما فرض طاعة النبيّ ﷺ في الأرض على أهل الأرض. وقوله (أمين) أي فيما يؤدّي عن الله إلى أنبيائه ﵈، حقيق بالأمانة فيه، لم يخن ولم يخون. قوله تعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ (٢٢)؛يعني محمّدا ﷺ والخطاب لأهل مكّة، وذلك أنّهم قالوا: إنّ محمّدا مجنون، فأقسم الله تعالى أنّ القرآن نزل به جبريل، وأنّ محمّدا ليس بمجنون كما قالوه، وفي هذا بيان غاية جهل قريش حيث نسبوا أعقل خلق الله إلى الجنون. والمجنون في اللغة: هو المغطّى على عقله لآفة نزلت به. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (٢٣)؛أي ولقد رأى محمّد جبريل بالأفق الأعلى وهو مطلع الشّمس الذي يجيء منه النهار، وقد تقدّم في سورة النّجم: أنّ جبريل ﵇ كان يأتي رسول الله ﷺ في صورة دحية الكلبيّ، وأنّ النّبيّ ﷺ لم ير جبريل في صورته الّتي هو عليها إلاّ مرّتين.

стр. 2943

وعن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: [إنّي أحبّ أن أراك في صورتك الّتي تكون عليها في السّماء] قال: لن تقوى على ذلك، قال: [بلى] قال: أين تشاء أتخيّل لك، قال: [بالأبطح] قال: لن يسعني، قال: [بمنى] قال: لا يسعني، قال: [بعرفات] قال: فهبط جبريل بعرفات بخشخشة وكلكلة (١) قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السّماء ورجلاه في الأرض، فخرّ النّبيّ ﷺ مغشيّا عليه، فتحوّل جبريل في صورة دحية وضمّه إلى صدره، وقال: يا محمّد لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه تحت العرش ورجلاه في التّخوم السّابعة والعرش على كاهله (٢). قوله تعالى: ﴿وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ (٢٤)؛قال بعضهم: أراد به جبريل ليس بمتّهم على تبليغ الوحي والرسالة ولا تخيّل، بل هو صادق موثوق به. وقال بعضهم: أراد به النبيّ ﷺ ، والمراد بقوله (على الغيب) أي على الوحي، وقرأ الحسن والأعمش وعاصم وحمزة ونافع وابن عامر «(بضنين)» بالضاد، وكذلك هو في مصحف أبيّ بن كعب، ومعناه: وما هو على الغيب ببخيل، لا يبخل عليكم، بل يعلّمكم وتخبركم به، تقول العرب: ضننت بالشّيء بكسر النون فأنا به ضنين؛ أي بخيل، قال الشاعر (٣): أجود بمضنون التّلاد وإنّني ... بسرّك عمّن سألني لضنين وقرأ الباقون بالظّاء، وهي قراءة ابن مسعود وعروة بن الزّبير وعمر بن عبد العزيز، ومعناه: (بمتّهم)،والمظنّة التّهمة (٤).

стр. 2944

قوله تعالى: ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ (٢٥)؛هذا ردّ على الكفّار، فإنّهم كانوا يزعمون أنّ النبيّ ﷺ يأتيه شيطان اسمه الرّي يتزيّا له فيلقيه على لسانه. والرّجيم: اللعين المرجوم بالشّهب. أو المعنى: وما القرآن بقول شيطان رجيم. قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ (٢٦)؛خطاب لكفّار مكة يقول: أيّ طريق تسلكون أبين من هذا الطريق الذي بيّن لكم، ويقول: أين تذهبون بقلوبكم عن معرفة ما بيّن الله لكم من صحّة نبوّة النبي ﷺ . قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ (٢٧)؛أي ما القرآن إلاّ عظة بليغة لجميع الخلق. وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (٢٨)؛ أي يتمسّك بطريقة الإيمان. قوله تعالى: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٢٩)؛أعلم الله أنّ المشيئة والتوفيق والخذلان إليه تعالى، ولأنّهم لا يعلمون شيئا من الخير والشرّ إلاّ بمشيئة الله. وقد اختلفوا في تفسير هذه الآية على قولين، قال بعضهم: هذا القرآن ذكر لمن شاء الله له أن يستقيم، وما تشاءون أن تستقيموا إلاّ أن يشاء الله ذلك لكم. وقال بعضهم: هذا ذكر عامّ للعالمين، فمن شاء أن يستقيم استقام. آخر تفسير سورة (التكوير) والحمد لله رب العالمين

стр. 2945

سورة الانفطار سورة الانفطار مكّيّة، وهي ثلاثمائة وتسعة عشر حرفا، وثمانون كلمة، وتسع عشرة آية. قال ﷺ : [من قرأها أعطاه الله من الأجر بعدد كلّ قطرة ماء حسنة، وأصلح له شأنه يوم القيامة] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ (١)؛أي انشقّت وانقضت. والانفطار والانصداع والانشقاق بمعنى واحد. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ (٢)؛أي تساقطت على وجه الأرض، ﴿وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ﴾ (٣)؛أي فتح بعضها في بعض، ورفع الحاجز بين العذب والملح. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ (٤)؛أي محيت فانتثرت وكشفت عن الأموات واستخرج ما فيها من الموتى، ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ؛﴾ من عمل، ﴿وَأَخَّرَتْ﴾ (٥)؛أي عند ذلك تعلم النّفس ما قدّمت وأخّرت، هذا جواب الشّرط، ويقال: ما قدّمت من الطاعة والمعصية، وما أخّرت من الحسنة والسيّئة. ويقال: ما قدّمت وأسلفت من الخطايا، وسوّفت من التوبة. وقيل: ما قدّمت «من» الصدقات وأخّرت من التّركات. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ (٦)؛الخطاب في هذه الآية للكفّار، والمراد بالإنسان كلدة بن أسيد (٢)،ويقال: الخطاب للكفّار
следующие страницы →