قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ (١٥)؛معناه أقسم برب الخنّس، و (لا) في هذا الموضع مؤكّدة زائدة،
وقوله تعالى: ﴿الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ (١٦)؛أي الجارية في الأفلاك، وتخنس في مجراها؛ أي ترجع إلى مطالعها في سيرها، ثم تستتر عند غروبها، فتغيب في المواضع التي تغيب فيها كما تكنس الظّباء بأن تستتر في كناسها.
والخنس: هو التأخّر، ومنه الخنس في الأنف تأخّره في الوجه، يقال: رجل أخنس والمرأة خنساء، وسمي الأخنس بن شريف بهذا الاسم لتأخّره عن يوم بدر عن أصحابه. ومنه الخنّاس وهو الشيطان؛ لأنه يغيب عن أعين الناس. والخنّس: جمع خانس، وهي النجوم الخمسة: زحل والمشتري والمرّيخ والزّهرة وعطارد، تجري في الأفلاك وتخنس في مجراها؛ أي ترجع إلى مجراها في سيرها.
وروي: أنّ رجلا من خثعم جاء إلى عليّ ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين ما الخنّس؟ قال: «ألست رجلا عربيّا؟!» قال: بلى، ولكن أكره أن أفسّر القرآن على غير ما أنزل؟،فقال: «الخنّس هي النّجوم الخمسة: الزّهرة والمشتري وبهرام (١) وعطارد وزحل».
فقال: ما الكنّس؟ قال: «مستقرّهنّ إذا انقبضن، وهنّ الجواري تخنس خنوس القمر، يرجعن وراءهنّ ولا يقدمن كما يقدم النّجوم، وليس من نجم غيرهنّ إلاّ يطلع، ثمّ يجري حتّى يقطع المجرّة» (٢).وقيل: معنى خنوسها أنّها تستتر بالنّهار فتخفى، وتنكس في وقت غروبها.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ﴾ (١٧)؛أي إذا أقبل بظلامه، وقيل:
إذا أدبر بظلامه. والعسّ: طلب الشّيء بالليل، ومنه العسس، ويقال: عسعس الليل إذا أقبل، وعسعس إذا أدبر، وهو من الأضداد، إلاّ أنّ ما بعد هذه الآية دليل على أنّ المراد به أدبر،
وهو قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ (١٨)؛أي إذا امتدّ
стр. 2942
ضوؤه حتى يصير نهارا بيّنا، ومنه تنفّس الصّعداء، ومنه امتداد نفس الخوف بالخروج من الأنف والفم.
ثم ذكر جواب القسم فقال:
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (١٩)؛يعني القرآن أتى به جبريل ﵇ من عند الله وهو رسول كريم، فقرأه على رسول الله ﷺ .
قوله تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ (٢٠)؛يعني جبريل ﵇ ذي قوّة فيما كلّف وأمر به، ومن قوّته أنه قلب قرى قوم لوط وهي أربع مدائن، في كلّ مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري، فحملهم من الأرض السّفلى بقوادم جناحه، ورفعها إلى السّماء حتى سمع أهل السّماء أصوات الدّجاج ونباح الكلاب، ثم قلبها بأمر الله فهوت بهم، كلّ هذا من غير كلفة لحقته.
قوله تعالى: ﴿(عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ)﴾ عند خالق العرش ومالكه، وحيه رفيع القدر، يقال: فلان مكين عند الأمين؛ أي ذو قدر ومنزلة.
قوله تعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (٢١)؛أي مطاع في السّماوات، يطيعه أهل السّماوات بأمر الله تعالى، يقال: فرض طاعته على أهل السّماء كما فرض طاعة النبيّ ﷺ في الأرض على أهل الأرض. وقوله (أمين) أي فيما يؤدّي عن الله إلى أنبيائه ﵈، حقيق بالأمانة فيه، لم يخن ولم يخون.
قوله تعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ (٢٢)؛يعني محمّدا ﷺ والخطاب لأهل مكّة، وذلك أنّهم قالوا: إنّ محمّدا مجنون، فأقسم الله تعالى أنّ القرآن نزل به جبريل، وأنّ محمّدا ليس بمجنون كما قالوه، وفي هذا بيان غاية جهل قريش حيث نسبوا أعقل خلق الله إلى الجنون. والمجنون في اللغة: هو المغطّى على عقله لآفة نزلت به.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (٢٣)؛أي ولقد رأى محمّد جبريل بالأفق الأعلى وهو مطلع الشّمس الذي يجيء منه النهار، وقد تقدّم في سورة النّجم: أنّ جبريل ﵇ كان يأتي رسول الله ﷺ في صورة دحية الكلبيّ، وأنّ النّبيّ ﷺ لم ير جبريل في صورته الّتي هو عليها إلاّ مرّتين.
стр. 2943
وعن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: [إنّي أحبّ أن أراك في صورتك الّتي تكون عليها في السّماء] قال: لن تقوى على ذلك، قال:
[بلى] قال: أين تشاء أتخيّل لك، قال: [بالأبطح] قال: لن يسعني، قال: [بمنى] قال: لا يسعني، قال: [بعرفات] قال: فهبط جبريل بعرفات بخشخشة وكلكلة (١) قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السّماء ورجلاه في الأرض، فخرّ النّبيّ ﷺ مغشيّا عليه، فتحوّل جبريل في صورة دحية وضمّه إلى صدره، وقال: يا محمّد لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه تحت العرش ورجلاه في التّخوم السّابعة والعرش على كاهله (٢).
قوله تعالى: ﴿وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ (٢٤)؛قال بعضهم: أراد به جبريل ليس بمتّهم على تبليغ الوحي والرسالة ولا تخيّل، بل هو صادق موثوق به.
وقال بعضهم: أراد به النبيّ ﷺ ، والمراد بقوله (على الغيب) أي على الوحي، وقرأ الحسن والأعمش وعاصم وحمزة ونافع وابن عامر «(بضنين)» بالضاد، وكذلك هو في مصحف أبيّ بن كعب، ومعناه: وما هو على الغيب ببخيل، لا يبخل عليكم، بل يعلّمكم وتخبركم به، تقول العرب: ضننت بالشّيء بكسر النون فأنا به ضنين؛ أي بخيل، قال الشاعر (٣):
أجود بمضنون التّلاد وإنّني ... بسرّك عمّن سألني لضنين
وقرأ الباقون بالظّاء، وهي قراءة ابن مسعود وعروة بن الزّبير وعمر بن عبد العزيز، ومعناه: (بمتّهم)،والمظنّة التّهمة (٤).
стр. 2944
قوله تعالى: ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ (٢٥)؛هذا ردّ على الكفّار، فإنّهم كانوا يزعمون أنّ النبيّ ﷺ يأتيه شيطان اسمه الرّي يتزيّا له فيلقيه على لسانه.
والرّجيم: اللعين المرجوم بالشّهب. أو المعنى: وما القرآن بقول شيطان رجيم.
قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ (٢٦)؛خطاب لكفّار مكة يقول: أيّ طريق تسلكون أبين من هذا الطريق الذي بيّن لكم، ويقول: أين تذهبون بقلوبكم عن معرفة ما بيّن الله لكم من صحّة نبوّة النبي ﷺ .
قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ (٢٧)؛أي ما القرآن إلاّ عظة بليغة لجميع الخلق.
وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (٢٨)؛ أي يتمسّك بطريقة الإيمان.
قوله تعالى: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٢٩)؛أعلم الله أنّ المشيئة والتوفيق والخذلان إليه تعالى، ولأنّهم لا يعلمون شيئا من الخير والشرّ إلاّ بمشيئة الله.
وقد اختلفوا في تفسير هذه الآية على قولين، قال بعضهم: هذا القرآن ذكر لمن شاء الله له أن يستقيم، وما تشاءون أن تستقيموا إلاّ أن يشاء الله ذلك لكم. وقال بعضهم: هذا ذكر عامّ للعالمين، فمن شاء أن يستقيم استقام.
آخر تفسير سورة (التكوير) والحمد لله رب العالمين
стр. 2945
سورة الانفطار
سورة الانفطار مكّيّة، وهي ثلاثمائة وتسعة عشر حرفا، وثمانون كلمة، وتسع عشرة آية. قال ﷺ : [من قرأها أعطاه الله من الأجر بعدد كلّ قطرة ماء حسنة، وأصلح له شأنه يوم القيامة] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ (١)؛أي انشقّت وانقضت. والانفطار والانصداع والانشقاق بمعنى واحد.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ (٢)؛أي تساقطت على وجه الأرض،
﴿وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ﴾ (٣)؛أي فتح بعضها في بعض، ورفع الحاجز بين العذب والملح.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ (٤)؛أي محيت فانتثرت وكشفت عن الأموات واستخرج ما فيها من الموتى،
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ؛﴾ من عمل، ﴿وَأَخَّرَتْ﴾ (٥)؛أي عند ذلك تعلم النّفس ما قدّمت وأخّرت، هذا جواب الشّرط، ويقال: ما قدّمت من الطاعة والمعصية، وما أخّرت من الحسنة والسيّئة. ويقال: ما قدّمت وأسلفت من الخطايا، وسوّفت من التوبة. وقيل: ما قدّمت «من» الصدقات وأخّرت من التّركات.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ (٦)؛الخطاب في هذه الآية للكفّار، والمراد بالإنسان كلدة بن أسيد (٢)،ويقال: الخطاب للكفّار
стр. 2946
والعاصين، يقال له يومئذ: بم اغتررت وتشاغلت عن طاعة الله وطلب مرضاته وهو الكريم الصّفوح عن العباد،
﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ؛﴾ خلقك في بطن أمّك باليدين والرّجلين وسائر الأعضاء لم يخلقها متفاوتة، ولو كان خلق إحدى رجليك أطول من الأخرى لم تكمل منفعتك.
وعن رسول الله ﷺ : أنّه تلا هذه الآية فقال: ﴿(يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)﴾؟ فقال: [جهله يا ربّ] (١).وقال قتادة: «غرّ الإنسان عدوّه المسلّط عليه» (٢).قيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة بين يديه فقال: ﴿(ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)﴾ ما كنت تقول؟ فقال: «أقول: غرّني ستورك المرخاة» (٣).وقال مقاتل: «غرّه عفو الله حين لم يعجّل عليه بالعقوبة» (٤).وقال السديّ: «غرّه رفق الله به» (٥)،وقال يحيى بن معاذ: «لو أقامني بين يديه فقال: ما غرّك بي؟ لقلت:
غرّني بك رفقك بي (٦) سالفا وآنفا».
قال أهل الإشارة: إنّما قال ﴿(بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)﴾ دون سائر صفاته، كأنّه لقّنه الإجابة حتّى يقول: غرّني كرم الكريم. وعن ابن مسعود قال: «ما منكم من أحد إلاّ سيقال له يوم القيامة: ﴿(ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)﴾؟ يا ابن آدم ماذا عملت؟ فيما علمت؟ ماذا أجبت المرسلين؟» (٧).وقال أبو بكر الورّاق: «لو قال لي: ﴿(ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ﴾
стр. 2947
﴿الْكَرِيمِ)﴾؟ لقلت: غرّني كرم الكريم» (١).
قوله تعالى: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ (٧)؛قرأ أهل الكوفة بتخفيف الدال؛ أي صرفك إلى أيّ صورة شاء من الحسن والقبح والطول والقصر، وقرأ الباقون بالتشديد؛ أي قوّم خلقك، معتدل الخلق معتدل القامة في أحسن صورة، كما في قوله تعالى ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ (٨) أي في شبه أب أو أمّ أو خال أو عمّ.
قوله تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ (٩)؛ (كلاّ) كلمة ردع، ومعناها لا تغترّ بغير الله تعالى فتترك عبادة الله. وقيل: معناه: حقّا إنّكم لا تستقيمون على ما توجبه نعمتي عليكم، بل تكذّبون بالإسلام مع هذه النّعم. ويقال: أراد بالدّين ههنا يوم الحساب والجزاء.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ﴾ (١٠)؛ابتداء إخبار من الله، معناه:
وإنّ عليكم رقباء يحفظون أعمالكم وأفعالكم وهم الملائكة.
قوله تعالى: ﴿كِراماً كاتِبِينَ﴾ (١١)؛أي كراما على الله كاتبين يكتبون أقوالكم وأفعالكم، قال رسول الله ﷺ : [ما من أحد يأوي إلى مضجعه إلاّ شكت أعضاؤه إلى الله تعالى ممّا يجني عليها الإنسان]،وإنما قال كراما على الله ليكون أدعى إلى احترامهم وإلى الامتناع عن فعل ما يؤذيهم.
قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ (١٢)؛في الظاهر دون الباطن، يعني يعلمون ما تفعلون دون ما تعتقدون، قال ابن مسعود: «يكتبون كلّ شيء حتّى الأنين» ونظيره قوله ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (١٤)؛ أراد بالأبرار الصّادقين في إيمانهم، وأراد بالفجّار الكفار. وقيل: أراد بالأبرار عمّال الإحسان من المؤمنين، وبالفجّار عمال الإساءة من الفسّاق.
стр. 2948
قوله تعالى: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ (١٥)؛أي يدخلونها يوم الحساب والجزاء،
﴿وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ﴾ (١٦)؛إلى أن يقضي الله بإخراج من كان فيها من أهل التوحيد، وأمّا الكفار فلا يغيبون عنها أبدا.
قوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ (١٧)؛أي ما أعلمك يا محمّد ما في ذلك اليوم من الشّدائد على الكفار،
﴿ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ (١٨)،ثم ما أعلمك ما فيه من النّعيم للأبرار.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً؛﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع الميم نعتا لقوله تعالى ﴿(يَوْمِ الدِّينِ)﴾ أو بدلا منه، وقرأ الباقون بالنصب على الظرف؛ أي في يوم، ومعناه: لا تملك نفس لنفس؛ أي لا يملك آخر لآخر نفعا ولا ضرّا؛ لأنّ الأمر يومئذ لله، ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ (١٩)؛دون غيره.
آخر تفسير سورة (الانفطار) والحمد لله رب العالمين
стр. 2949
سورة المطفّفين
سورة المطفّفين مكّيّة، وهي سبعمائة وثلاثون حرفا (١).وقال بعضهم: أنزلت على رسول الله ﷺ بين مكّة والمدينة في مهاجره إلى المدينة. وقيل: كلّها مدنيّة إلاّ ثماني آيات، وهي قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا .. ﴾. إلى آخر السّورة (٢).قال ﷺ :
[من قرأها أسقاه الله يوم القيامة من الرّحيق المختوم] (٣).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ (١)؛يعني الذين ينقصون الناس، ويبخسون حقوقهم في الكيل والوزن. والويل: الشدّة في العذاب، وهي كلمة تستعمل لكلّ من وقع في الهلكة. وههنا رفع بالابتداء وخبره (للمطفّفين).والتّطفيف: التّنقيص في الكيل والوزن، والطّفيف: الشيء القليل، وإناء طفآن إذا لم يكن ملآن.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ (٢)،يعني إذا اكتالوا من الناس و (على) و (من) يتعاقبان. والمعنى: إذا أخذوا من الناس حقوقهم أخذوه على الوفاء،
﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (٣)؛وإذا كالوا للناس أو وزنوا لهم ينقصون في الكيل والوزن.
والإخسار والخسار بمعنى واحد. واطلاق لفظ المطلق لا يتناول إلاّ من يتفاحش منه التطفيف، بحيث لو وقع ذلك المقدار في التفاوت بين الكيلين العدلين
стр. 2950
لزاد عليه، وأما الإيفاء بين الناس فإنّهم يجتهدون في استيفاء حقوقهم أن يكون ذلك أميل إلى الرّجحان، كما روي: [أنّ النبيّ ﷺ قضى دينه فأرجح] فقيل له في ذلك فقال: [إنّا كذلك نزن] (١).
قوله تعالى: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٥)؛ معناه ألا يستيقن أولئك أنّهم مبعوثون، وفيه بيان أنّ التطفيف ليس يفعله من يعلم أنه مبعوث للحساب ليوم عظيم وهو يوم القيامة، كأنه قال: لو علموا أنّهم مبعوثون ما نقصوا في الكيل والوزن، وكان الحسن يقول: «نزلت هذه الآية في الموحّدين، وما آمن بيوم القيامة من طفّف في الميزان».
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٦)؛فيه بيان صفة ذلك اليوم، قال الكلبيّ: «يقومون مقدار ثلاثمائة سنة لا يؤذن لهم فيعتذروا» (٢).وعن رسول الله ﷺ قال: [يقوم النّاس لرب العالمين حتّى أنّ أحدهم ليغيب في رشحه إلى أنصاف أذنيه، وحتّى يقول الكافر: رب أرحني ولو إلى النّار] (٣).
وعن رسول الله ﷺ أنّه قال: [خمس بخمس] قالوا: يا رسول الله وما خمس بخمس؟ قال: [ما نقض قوم العهد إلاّ سلّط الله عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلاّ فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلاّ فشا فيهم الموت، ولا طفّفوا الكيل إلاّ منعوا النّبات وأخذوا بالسّنين، ولا منعوا الزّكاة إلاّ حبس الله عنهم القطر] (٤).
стр. 2951
وعن مالك بن دينار قال: «دخلت على جار لي، وقد نزل به الموت، فجعل يقول: جبلين من نار جبلين من نار، قلت: ما تقول؟! قال: يا أبا يحيى كان لي مكيالان أكيل بأحدهما وأكتال بالآخر، قال: فقمت فجعلت أضرب أحدهما بالآخر، فقال: يا أبا يحيى كلّما ضربت أحدهما بالآخر ازداد عليّ عظما، قال: فمات في مرضه ذلك» (١).
وقال عكرمة: «اشهدوا على كلّ كيّال ووزّان أنّه في النّار»،قيل: إنّ ابنك كيّال أو وزّان، قال: «اشهدوا أنّه في النّار».وكان ابن عمر يمرّ بالبائع فيقول له:
«اتّق الله وأوف الكيل والميزان بالقسط؛ فإنّ المطفّفين يوقفون يوم القيامة حتّى أنّ العرق ليلجمهم إلى أنصاف آذانهم» (٢).ومرّ عليّ ﵁ على رجل يزن الزّعفران فقال: «أقم الوزن بالقسط، ثمّ أرجح بعد ذلك ما شئت» (٣).
قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ (٧)؛أي ليس الأمر على ما يظنون أنّهم لا يبعثون ليوم عظيم، وقيل: إن (كلاّ) هاهنا كلمة ردع وزجر؛ أي ارتدعوا عن التطفيف. قوله تعالى: ﴿(إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ)﴾ يعني الكتاب الذي يكتب فيه أعمالهم، قال ابن عبّاس: «السّجّين صخرة سوداء تحت الأرض السّابعة، وهي الّتي عليها الأرضون، مكتوب فيها عمل الفجّار».عن رسول الله ﷺ أنّه قال: [سجّين جبّ في جهنّم مفتوح، والفلق جبّ في النّار مغطّى] (٤).
قوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ (٨)؛تعجّب للنبيّ ﷺ يقول: ليس ذلك مما تعلمه أنت ولا قومك؛ لأنّكم لم تعاينوه،
ثم فسّره فقال: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ (٩)؛أي مثبت عليهم في تلك الصّخرة كالرّقم في الثوب لا ينسى ولا
стр. 2952
يمحى حتى يجازون به، ومعنى الرّقم على هذا القول هو الطّبع في الحجر.
قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ (١٢)؛يعني الوليد بن المغيرة،
﴿إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا،﴾ كان إذا قرئ عليه القرآن، ﴿قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٣)؛أحاديثهم وأباطيلهم التي سطّروها في الكتب، وهذه الآية عامّة في كلّ كافر يقول مثل مقالته، والمعتدي هو المتجاوز عن الحدّ في المعصية، والأثيم كثير الإثم.
قوله تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٤)؛أي حاشا أن يكون القرآن أساطير الأوّلين، بل غلب على قلوبهم ما كانوا يكسبون من الكفر والمعصية، يقال: رانت الخمر على عقله إذا سكر فغلبت على عقله، ويقال في معنى الرّين: إنّه كثرة الذّنوب كالصّدى يغشى على القلب، وقال الحسن: «هو الذنب على الذنب حتّى يموت القلب» (١).وقال مجاهد: «هو الطّبع» (٢).
وفي الحديث عن رسول الله ﷺ أنّه قال: [المؤمن إذا أخطأ خطيئة كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منها، وإن لم يتب زادت حتّى تعلو قلبه في الرّين الّذي قال الله في كتابه ﴿(بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ)﴾] (٣).
قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١٥)؛أي حقّا إنّهم عن رحمة ربهم وكرامته لممنوعون؛
﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ﴾ (١٦)؛أي أنّهم مع كونهم ممنوعون عن الجنّة ونعيمها، يدخلون الجحيم غير خارجين منها أبدا،
﴿ثُمَّ يُقالُ؛﴾ لهم على وجه التّقريع على طريق الذمّ، ﴿هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (١٧)؛في الدّنيا. وقيل: معناه محجوبون عن رؤية الله تعالى.
стр. 2953
قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ (١٨)؛أي حقّا إنّ عمل الأبرار وهم الصّادقون في إيمانهم لمكتوب في أعلى الأمكنة فوق السّماء السابعة.
قوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ (١٩)؛تعجيب للنبيّ ﷺ بأنّ ذلك غير معلوم وسيعرفه.
قوله تعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ (٢٠)؛تفسير للكتاب الذي في عليّين إعظاما لذلك الكتاب وتشريفا، وفي إعظام كتاب المرء إعظاما له.
وقال قتادة: «علّيّون قائمة بالعرش اليمنى» (١)،وقال مقاتل: «ساق العرش إليه ترفع أرواح المؤمنين» (٢).وقيل: إنّ العليّين جمع العلّيّة، وهي المرتبة العالية محفوفة بالجلالة. وقال بعضهم: معناه: علوّ في علوّ مضاعف.
وقوله تعالى:
﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٢١)؛أي يحضره السّبعة أملاك الذين ذكرناهم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (٢٢)؛أي في نعيم دائم وهو نعيم الجنّة،
﴿عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ (٢٣)؛أي على السّرر من الدّرّ والياقوت في القباب المضروبة ينظرون إلى نعيم الجنّة. وقيل: إلى أعدائهم كيف يعذبون.
قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ (٢٤)؛أي بريق النعيم ونوره ونظارته وبهجته وحسنه،
﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ؛﴾ أي خمر صافية خالصة من الغشّ بيضاء مختومة بالمسك، قال قتادة: «تمزج لهم بالكافور، وتختم لهم بالمسك» (٣).وقيل: معناه: آخر طعمه مسك.
وقرأ علقمة: «(خاتمه مسك)» أي آخره، ويقال معناه: أنّهم إذا شربوا من ذلك الشّراب انختم ذلك بطعم المسك ورائحته. ويقال: معنى المختوم ههنا أنّ ذلك الشراب في الآخرة هو مختوم بالمسك بدل الطّين الذي يختم بمثله الشّراب في الدّنيا، فهو مختوم بالمسك يوم خلقه الله تعالى لا ينفكّ حتى يدخل أهل الجنّة الجنّة، فينفكّ ذلك لهم تعظيما لشرابهم.
стр. 2954
قوله تعالى: ﴿وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾ (٢٦)؛أي في مثل هذا النعيم فليرغب الرّاغبون وليجتهد المجتهدون، لا في النعيم الذي هو مكدّر لسرعة الفناء.
قوله تعالى: ﴿وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ (٢٧)؛معناه: ومزاج الرّحيق من عين تنزل عليهم من ساق العرش، سميت بذلك؛ لأنّها تسنم عليهم، فتنصبّ انصبابا من فوقهم في منازلهم، ومنه سنام البعير لعلوّه من بدنه، وذلك الشّراب إذا كان أعلى كان أطيب وأهنأ.
قوله تعالى: ﴿عَيْناً؛﴾ منصوب على الحال؛ أي في الحال التي تكون عينا لا ماء راكدا. وقيل: انتصب على تقدير يسقون عينا أو من عين. وقيل: على إضمار أعني عينا.
وقوله تعالى: ﴿يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٢٨)؛يشرب بها أفاضل أهل الجنّة صرفا بغير مزاج، ويشربها سائر أهل الجنّة بالمزاج، وقيل: إنّ الباء في قوله (بها) زائدة كما في قوله ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (١).وقيل: إنّ التسنيم عين تجري في الهواء في أواني أهل الجنة على مقدار مائها، فإذا امتلأت أمسك الماء حتى لا يقع منه قطرة على الأرض.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ (٢٩)؛ معناه: إنّ الذين أشركوا وهم أبو جهل، والوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل وأصحابه من مشركي مكّة كانوا يضحكون من ضعفة أصحاب النبيّ ﷺ ، وهم بلال وصهيب وعمّار وسلمان، كانوا يستهزءون بهم ويعيّرونهم على الإسلام،
﴿وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ؛﴾ أي مرّ بهم أحد من أصحاب رسول الله ﷺ وهم جلوس، ﴿يَتَغامَزُونَ﴾ (٣٠)؛بالطّرف طعنا عليهم.
وكانوا يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين تركوا شهوتهم في الدّنيا يطلبون بذلك نعيم الآخرة بزعمهم، ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ (٣١)،وكانوا إذا رجعوا إلى أهلهم يرجعوا فاكهين؛ أي ناعمين فرحين معجبين بما هم فيه لا يبالون
стр. 2955
بما فعلوا بالمؤمنين،
﴿وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ (٣٢)،ويقولون إنّهم ضالّون باتّباعهم محمّدا ﷺ .
يقول الله تعالى: ﴿وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ (٣٣)؛أي ما أرسل الكفار ليحفظوا على المؤمنين أفعالهم، فما لهم وإيّاهم؟ بل أرسل المؤمنين ليحفظوا على الكفار أفعالهم، فيشهدوا عليهم يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ (٣٤)؛معناه: يوم القيامة الذين صدّقوا بتوحيد الله، ونبوّة رسوله يضحكون من الكفّار قصاصا وشماتة بهم كما ضحك الكفار منهم في الدّنيا،
﴿عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ (٣٥)؛أي على السّرر في الحجال جالسون ينظرون إلى أهل النار كيف يعذبون.
وذلك أنّه يفتح بينهم وبين الكفّار باب إلى الجنّة، فإذا نظر الكفّار إلى ذلك الباب أقبلوا نحوه يسحبون في النار، فإذا انتهوا إلى الباب سدّ عنهم، فعند ذلك يضحك المؤمنون وهم على الأرائك في الدّرجات، يقول يطلعهم الله على أهل النار الذين كانوا يسخرون منهم في الدّنيا، فيرونهم في النار يدورون فيها وإنّ جماجمهم لتغلي من حرّ النار،
فيقول المؤمنون: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣٦)؛ أي هل جوزوا على صنيعهم واستهزائهم بنا، ويجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿(هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ)﴾ من قول الله؛ ومعناه: التحقيق، ومعنى ثوّب جوزي.
آخر تفسير سورة (المطففين) والحمد لله رب العالمين
стр. 2956
سورة انشقّت (الانشقاق)
سورة الانشقاق مكّيّة، وهي أربعمائة وثلاثون حرفا، ومائة وتسع كلمات، وخمس وعشرون آية. قال ﷺ : [من قرأ سورة ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ أعاذه الله أن يعطيه كتابه من وراء ظهره] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ (١)؛وذلك أنّ أبا سلمة بن عبد الأسد المخزوميّ وكان مسلما، جادل أخاه الأسود بن عبد الأسد في الإسلام، وكان الأسود كافرا، فأخبره أبو سلمة بالبعث، فقال له الأسود: ويحك! أترى أنّي مصدّق أإذا كنّا ترابا وعظاما أنبعث؟ فأين السّماء والأرض يومئذ؟ وما حال النّاس؟ فأنزل الله هذه السّورة (٢).
ومعناها: واذكر إذا السّماء انشقّت لنزول الملائكة وهيبة الرّحمن، ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ﴾ (٢)؛أي سمعت وأطاعت لأمر ربها بالانشقاق، وحقّ لها أن تطيع ربّها. يقال: أذنت للشّيء إذا سمعت، وأذنته إذا سمعته.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ (٣)؛أي بسطت بسط الأديم العكاظيّ، فجعلت كالصّحيفة الملساء، لا يبقى جبل ولا بناء ولا شجر إلاّ دخلت فيها،
﴿وَأَلْقَتْ؛﴾ الأرض، ﴿ما فِيها؛﴾ من الأموات، ﴿وَتَخَلَّتْ﴾ (٤)؛عن ذلك كما كانت من قبل،
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ﴾ (٥)؛أي سمعت وانقادت لأمر ربها، وحقّ لها أن تسمع وتطيع.
стр. 2957
وجواب (إذا) في هذه السّورة محذوف؛ تقديره: رأى الإنسان عند ذلك ما قدّم من خير أو شرّ، وقيل: جوابه: فملاقيه، والمعنى: إذا كان يوم القيامة لقي الإنسان كدحه وهو عمله. وقيل: جوابه: ﴿(يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً)﴾؛ تقديره: إذا السّماء انشقّت لقي كلّ كادح ما عمله.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ (٦)، اختلفوا في الخطاب لمن هو، فروى عبد الله بن عمران: أنّ النّبيّ ﷺ قرأ هذه الآية ثمّ قال: [أنا ذلك الإنسان، أنا أوّل من تنشقّ عنه الأرض يوم القيامة، فأجلس جالسا في قبري، ثمّ يفتح لي باب إلى السّماء بحيال رأسي حتّى أنظر إلى عرش ربي، ثمّ يفتح لي باب إلى الأرض السّفلى حتّى أنظر إلى الثّور والثّرى، ثمّ يفتح لي باب عن يميني حتّى أنظر إلى الجنّة وإلى منازل أصحابي، وأنّ الأرض تتحرّك تحتي فأقول لها: ما لك أيّتها الأرض؟ فتقول: إنّ ربي أمرني أن ألقي ما في جوفي وأن أتخلّى، فأكون كما كنت إذ لا شيء فيّ] (١).
والمعنى على هذا القول: إنّك عامل لربك عملا فملاقي ربّك ترجع إليه فيجازيك. وقال بعضهم: الخطاب للمكذّب بالبعث، وهو أبيّ بن خلف الجمحيّ، والمعنى: إنّك عامل عملا في كفرك، فتردّ إلى ربك في الآخرة، فتلقى جزاء عملك.
والظاهر: أنّ الخطاب لجميع الناس. والكدح في اللّغة هو السّعي الدّءوب في العمل في الدنيا والآخرة، قال الشاعر (٢):
فما الدّهر إلاّ تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
والمعنى: أيّها الإنسان سترى جزاء ما عملت من خير أو شرّ، فانظر اليوم ماذا تعمل وفيم تتعب نفسك، فلا تعمل إلاّ لله حتى تستريح من الكدح.
стр. 2958
قوله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً﴾ (٨) أي من أعطي ديوان عمله بيمينه، فسوف يحاسب حسابا هيّنا.
والحساب الهيّن: هو أن يعرف جزاء عمله، وما له من الثواب، وما يحطّ عنه من الوزر، وخرج ما عليه من المظالم،
﴿وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ،﴾ أي فينقلب إلى أهله من الحور العين وأقربائه من المؤمنين، ﴿مَسْرُوراً﴾ (٩)؛بهم، وعن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله أيحاسب المؤمن؟ قال: [يا عائشة من حوسب عذّب] قالت: قلت: يا رسول الله ﴿(فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً)﴾،قال: [يا عائشة ليس ذلك الحساب، إنّما ذلك العرض، من نوقش الحساب عذّب] (١).
قوله تعالى: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ﴾ (١٠)؛يعني الكافر تكون يمينه مغلولة إلى عنقه، وتلوى يده اليسرى من ورائه، فيدفع إليه كتابه من ورائه، فإذا رأى إلى ما فيه من سيّئاته،
﴿فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً﴾ (١١) دعا بالويل والثّبور على نفسه: وا ويلاه؛ وا ثبوراه. والثّبور: الهلاك.
وقوله تعالى: ﴿وَيَصْلى سَعِيراً﴾ (١٢)؛ أي يدخل نارا موقدة، قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائيّ «(ويصلّى)» بضمّ الياء وتشديد اللام على وجه المبالغة؛ أي يكثر عذابه في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ (١٣)؛أي كان مسرورا في أهله في الدنيا بمعاصي الله، وكان لا يحزنه خوف القيامة، وكان يمنعه السّرور في أهله عن إقامة فرائض الله.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ (١٤)؛معناه: إنه ظنّ في الدّنيا أن لا يرجع إلى الله في الآخرة، فلذلك كان يركب المآثم، والمعنى: أنه ظنّ أن لن يرجع إلى الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿بَلى؛﴾ أي ليس كما ظنّ، بل يحور إلينا ويبعث؛ أي بلى ليرجعنّ إلى ربه بعد البعث، ﴿إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً﴾ (١٥)؛أي عالما به قبل أن يخلقه بأنّ مرجعه ومصيره إليه. والحور في اللغة: هو الرجوع.
стр. 2959
قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ (١٦)؛أي أقسم برب الشّفق، و (لا) هاهنا زائدة. والشّفق عند أكثر أهل العلم: الحمرة التي ترى بعد سقوط الشّمس، وعند أبي حنيفة هو البياض. والشّفق في الأصل هو الرّقّة، ومنه شفيق إذا كان رقيقا، ومنه الشّفقة لرقّة القلب، فإذا كان هكذا فالبياض منه أولى من الحمرة؛ لأنّ البياض أرقّ من الحمرة، والحمرة أكثف من البياض.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ﴾ (١٧)؛معناه: والليل وما جمع وردّ إلى مأمنه ومبيته من كان منتشرا في النهار، يقال: طعام موسوق؛ أي مجموع في الغرائر، والوسق من الطعام: ستّون صاعا، قال عكرمة: «معناه: واللّيل وما جمع فيه من دوابه وعقاربه وحيّاته وظلمته».
قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ (١٨)؛أي إذا اجتمع ضوؤه، وتكامل واستدار في الليالي البيض، يقال: اتّسقت الأمور إذا تكاملت واستوت.
قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ (١٩)؛جواب القسم، وهو خطاب لكلّ الناس (١) اذا قرئت بضمّ الباء على الجمع، والمعنى: أيّها الناس لتركبنّ يوم القيامة حالا بعد حال، وشدّة بعد شدة، تقول العرب: وقع في بنات طبق، تريد الدّواهي العظام.
ويقال: أراد بالآية تغيّر الأحوال من حال النّطفة إلى حال العلقة، ومن العلقة الى المضغة، ومن المضغة إلى الصّغر، ومن الصّغر إلى الشّباب، ومن الشّباب إلى الكهولة، ومن الكهولة إلى الكبر، ومن الكبر إلى الموت، ومن الموت الى البعث، ومن البعث الى الحساب، ومن الحساب الى الصّراط، ومن الصّراط الى موضع الجزاء، إمّا إلى الجنّة أو إلى النار.
وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «(لتركبنّ)» بفتح الباء، وهي قراءة عمر بن الخطّاب وابن مسعود وابن عبّاس قال: «يعني: يا محمّد لتركبنّ طبقا عن طبق؛ أي سماء بعد سماء، ودرجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة».
стр. 2960
وقوله تعالى: ﴿فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢٠)؛أي ما لهؤلاء المشركين لا يؤمنون بهذا القرآن، وبما جاء به محمّد ﷺ من عند الله بعد ظهور الحجج والأدلّة،
﴿وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ (٢١)؛أي يصلّون لله، ولا يخضعون
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ (٢٢)،وهذا بيان وجوب سجدة التّلاوة؛ لأنه ذمّهم على تركها عند السّماع. وظاهر الآية يقتضي وجوب السّجدة عند سماع سائر القرآن، خصّصنا ما عدا مواضع السّجود بالإجماع، فاستعملنا في مواضع السّجود، إذ لو لم يفعل ذلك لألغينا حكم الآية رأسا.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ (٢٣)؛أي بما يضمرون في قلوبهم، والإيعاء: جعل الشّيء في الوعاء، والقلوب أوعية لما يحصل فيها من معرفة أو جهالة أو عزيمة أو خير أو شرّ.
قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢٤)؛أي أخبرهم بعذاب وجيع، مكان البشارة للمؤمنين بالنّعيم المقيم،
﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٢٥)؛أي لكن المؤمنين المطيعين لهم ثواب لا يكدّر عليهم بالمنّ، ويقال: ﴿(غَيْرُ مَمْنُونٍ)﴾ أي لا ينقص على مرّ الدّهور، ويقال: غير مقطوع ولا منقوص.
آخر تفسير سورة (الانشقاق) والحمد لله رب العالمين
стр. 2961
سورة البروج
سورة البروج مكّيّة، وهي أربعمائة وثمانية وخمسون حرفا، ومائة وتسع كلمات واثنتان وعشرون آية. قال ﷺ : [من قرأ البروج أعطي من الأجر بعدد كلّ يوم جمعة وكلّ يوم عرفة يكون في دار الدّنيا عشر حسنات] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾ (١)؛أي ذات النّجوم. وقيل: ذات القصور على ما روي [إنّ في السّماء قصورا يسكنها خلق من خلق الله] (٢).والأظهر: أن البروج هاهنا منازل الكواكب السّبعة، سميت بروجا لارتفاعها وسعتها، وهي اثنا عشر من الحمل إلى الحوت، تسير الشّمس في كلّ برج ثلاثين يوما وبعض يوم، ويسير القمر في كلّ برج يومين وثلث يوم، فذلك ثمانية وعشرون يوما ثم يستتر في ليلتين.
قوله تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ (٢)؛هو يوم القيامة، وعد أهل السّماوات والأرض أن يصيروا إلى ذلك اليوم لفصل القضاء.
قوله تعالى: ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ (٣)؛قيل: إن الشاهد النبيّ ﷺ كما قال تعالى ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ (٣)،والمشهود يوم القيامة كما قال تعالى ﴿وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (٤).
стр. 2962
وقيل: الشاهد جميع الأنبياء كما قال تعالى ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ (١) والمشهود جميع الأمم. ويقال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة كما قال ﷺ :
[خير الأيّام يوم الجمعة وهو الشّاهد، والمشهود يوم عرفة، والموعود يوم القيامة] (٢).ويقال: الشاهد يوم النّحر، والمشهود يوم الجمعة.
قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ﴾ (٤)؛هذا جواب القسم، تقديره:
لقد قتل أصحاب الأخدود، والمعنى: قتلتهم النار. والأخدود: شقّ يشقّ في الأرض، جمعها أخاديد. ويجوز أن يكون معنى (قتل):لعن على الدّعاء عليهم.
وقصّة ذلك ما روي: أنّ رجلا من النّصارى كان أجّر نفسه من يهوديّ ليعمل له عملا، فرأت ابنة المستأجر النّور في البيت لقراءة الأجير الإنجيل، فذكرت ذلك لأبيها فرمقه حتّى رآه، فسأله عن ذلك فلم يجبه، فلم يزل به حتّى أخبره أنّه على دين عيسى، وكان ذلك قبل مبعث نبيّنا ﷺ ، فتابعه هو وسبعة وثمانون إنسانا من بين رجل وامرأة.
فأخبر ملك اليهود واسمه يوسف بن ذي نؤاس الحميريّ، فخدّ لهم في الأرض وأوقد فيه النّار، وطرح فيه النّفط والقصب والقطران، وعرضهم على اليهوديّة، فمن أبى منهم أن يتهوّد دفعه في النّار، ومن رجع عن دين عيسى تركه.
وكان في آخرهم امرأة معها صبيّ رضيع، فلمّا رأت النّار صدّت، فقال لها الصّبيّ: يا أمّاه قفي فما هي إلاّ غميضة، فصبرت فألقيت في النّار، وارتفعت النّار أربعين ذراعا، فأحرقت اليهود الّذين كانوا حول الأخدود.
قال ابن عبّاس: (كانوا يطرحونهم في النّار، فمن أبى منهم ضربوه بالسّياط حتّى ألقوهم جميعا في النّار، فأدخل الله أرواحهم الجنّة قبل أن تصل أجسامهم إلى النّار).
стр. 2963
وعن وهب بن منبه: (أن رجلا كان على دين عيسى، فوقع في نجران فدعاهم فأجابوه، فسار إليه ذو نؤاس اليهوديّ بجنوده من حمير، وخيّرهم بين النار واليهوديّة، فخدّ لهم الأخاديد وحرّق اثنى عشر ألفا).وقال الكلبيّ: (كان أصحاب الأخدود سبعين ألفا).
وروي: أن اليهود لمّا ألقوا من كان على دين عيسى، كان معهم امرأة معها ثلاثة أولاد أحدهم رضيع، فقال لها الملك: ارجعي عن دينك وإلاّ ألقيتك وأولادك في النار، فأبت. فأخذ ابنها الأكبر فألقاه في النار، ثم قال لها: ارجعي عن دينك، فأبت.
فأخذ ابنها الثاني فألقاه في النار، ثم قال لها: ارجعي عن دينك، وأخذ الطفل منها ليلقيه في النار، فهمّت بالرّجوع عن دينها، فقال لها الطفل: يا أماه لا ترجعي عن الإسلام واصبري فإنّك على الحقّ، فألقي الطفل وأمّه في النار، فذلك قوله تعالى:
﴿(قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ)﴾ الأخدود: هي الحفر المشقوقة في الأرض مستطيلة وجمعها أخاديد، يقال: خددت في الأرض؛ أي شققت فيها حفرة طويلة، وعن عطيّة قال:
(خرجت عنق من النّار فأحرقت الكفّار عن آخرهم).
قوله تعالى: ﴿النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ﴾ (٥)؛أي ذات الحطب والنفط. قيل:
أراد بالوقود أبدان الناس،
وقوله تعالى: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ﴾ (٦)؛جمع قاعد مثل شاهد وشهود، وكان الكفار قعودا على شفير الأخدود على الكراسي.
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ (٧)؛أي وهم على ما يفعله الجلاوزة الذين كانوا يلقون المؤمنين في النار شهود؛ أي حضور يرون ذلك منهم.
قوله تعالى: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٨)؛ فيه بيان ما لأجله قصدوا إحراق المؤمنين، ومعناه: وما طعنوا وما أنكروا عليهم شيئا إلاّ إيمانهم بالله المنيع بالنّقمة ممّن عصاه، المستحقّ للحمد على كلّ حال، والمعنى: ما علموا منهم عيبا وما وجدوا لهم جرما ولا رأوا منهم سوءا إلاّ من أجل أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد،
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،﴾ الذي له القدرة على أهل السّماوات والأرض، ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٩)؛أي عالم بجزاء كلّ عامل بما عمل.
стр. 2964
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ؛﴾ أي إنّ الذين أحرقوا وعذبوا المؤمنين، ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا؛﴾ من ذلك، ﴿فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ؛﴾ في الآخرة، ﴿وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ﴾ (١٠)؛الذي أصابهم في الدّنيا، يقال: فتنت الشيء إذا أحرقته، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ (١).وقيل: أراد بالفتنة الامتحان، وهو قولهم للمؤمنين: إن رجعتم عن الإيمان وإلاّ قذفناكم في النار، وهذا هو الإكراه، وهو من أعظم الفتن في باب الدّين.
وفي الآية تنبيه على أنّ هؤلاء الكفّار لو تابوا بعد الكفر والقتل لقبلت توبتهم، وفيه دليل أيضا على أنّ الأولى بالمكره على الكفر أن يصبر على ما خوّف به، وإن أظهر كلمة الكفر كالرّخصة له في ذلك، ولو صبر حتى قتل كان أعظم لأجره، لأنه تعالى أثنى على الذين قتلوا في الأخدود، وبيّن أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ (١١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ (١٢)؛ابتداء كلام من الله، ويقال إنّه جواب القسم المذكور في أوّل السّورة، ويقال: جواب القسم محذوف؛ تقديره:
والسّماء ذات البروج لتبعثنّ يوم القيامة ولتجزون على أعمالكم. والبطش في اللغة:
هو الأخذ بالعنف على سبيل القدرة والقوّة، وفيه تخويف لكلّ من أقام على الكفر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ (١٣)؛أي يخلق الخلق أوّلا من النّطفة ويعيدهم بعد الموت خلقا جديدا،
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ (١٤)؛أي هو كثير التّجاوز والسّتر على عباده، كثير المحبّة للمؤمنين بإحسانه عليهم.
وقوله تعالى:
﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ (١٥)؛أي ذو التّشريف. والمجيد في اللغة: هو العظيم الكريم لما يكون فيه من الخير، قرأ حمزة والكسائي وخلف «(المجيد)» بالخفض نعتا للعرش، وقرأ غيرهم بالرفع.
قوله تعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ (١٦)؛أي يفعل ما يشاء لا يدفعه دافع، ولا يمنعه مانع.
стр. 2965
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ (١٧)؛أي هل بلغك-يا محمّد -حديث الجموع من الكفّار كيف فعلوا؟ وكيف فعل الله بهم؟ وهذا استفهام بمعنى التقرير.
ثم بيّن أولئك الجنود فقال تعالى: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ (١٨)؛وإنما خصّ فرعون وثمود بالذّكر وهم بعض الجنود؛ لاختصاصهم بكثرة العدد والعدد.
قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ (١٩)؛معناه: بل هؤلاء المشركون في تكذيب بك وبما أنزل إليك عن ما أوجب الاعتبار بفرعون وثمود، كأنه تعالى يقول: قد ذكرنا أمثال من قبلكم من المكذّبين وما حلّ بهم من النّقمة؛ ليعتبروا ويرتدعوا، فلم يفعلوا بل هم في تكذيب.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ (٢٠)؛أي وعلم الله محيط بهم، وقدرته مشتملة عليهم،
﴿بَلْ؛﴾ هذا الذي أتى به محمّد، ﴿هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ (٢١) أي شريف كريم ليس كما يزعمون أنه سحر وشعر وكهانة أو أساطير الأوّلين،
ولكنّه؛ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (٢٢)؛عند الله وهو أمّ الكتاب.
قرأ نافع «(محفوظ)» (١) بضمّ الظاء، نعت القرآن، وقرأ الباقون بالخفض على نعت اللّوح، فمن جعل قوله تعالى (محفوظ) للقرآن فمعناه محفوظ من الزّيادة والنّقصان والتبديل والتغيّر؛ لأنه معجز لا يقدر أحد أن يزيد فيه، وعن ابن عبّاس أنه قال: «إنّ في صدر اللّوح: لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، ودينه الإسلام، ومحمّد عبده ورسوله، فمن آمن بالله وصدّق وعبده واتّبع رسوله، أدخله الجنّة».
قال: «واللّوح من درّة بيضاء، طولها ما بين السّماء والأرض، وعرضها ما بين المشرق والمغرب، حافّتاه الدّرّ والياقوت، ودفّتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور وكلامه نور معقود بالعرش، وأصله في حجر ملك محفوظ من الشّياطين» (٢)،وبالله التوفيق.
آخر تفسير سورة (البروج) والحمد لله رب العالمين
стр. 2966
سورة الطّارق
سورة الطّارق مكّيّة، وهي مائتان وتسعة وثلاثون حرفا، وإحدى وستّون كلمة، وسبع عشرة آية. قال ﷺ : [من قرأها أعطاه الله من الأجر بعدد كلّ نجم في السّماء عشر حسنات] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ (١)؛أوّل السّورة قسم، وجوابه ﴿(إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ)﴾.والطارق كلّ ما يأتي ليلا، يعني بذلك النّجم يظهر ليلا ويخفى نهارا، وكلّما جاء ليلا فهو طارق، ومنه حديث جابر: [نهى رسول الله ﷺ أن يطرق المسافر أهله ليلا، وقال: حتّى تستحدّ المعيبة وتمتشط الشّعثة] (٢).وقالت هند (٣):
نحن بنات طارق ... نمشى على النّمارق
تريد: إنّ النّجم (٤) أتانا يوم أحد في شرفه وعلوّه. وقال ابن الرّومي:
يا راقد اللّيل مسرورا بأوّله ... إنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا
стр. 2967
لا تفرحنّ بليل طاب أوّله ... فربّ آخر ليل أجّج النّارا (١)
قوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ﴾ (٢)؛تعجيب للنبيّ ﷺ من شأنه.
قوله تعالى: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ (٣)؛تفسير للطارق، والثاقب: وهو النّيّر المضيء من النجوم كلّها، وعن ابن عبّاس: (ثقوبه توقده بناره كأنّه ثقب مكانا فظهر).
ويقال: ثقب النار فتثقّبت اذا أضأتها فأضاءت، أثقب نارك، أي أضئها (٢)،ويقال معناه: الثاقب العالي الشديد العلوّ، وعن عليّ ﵁ أنه قال في هذه الآية: (زحل يطرق من السّماء السّابعة باللّيل إلى السّماء الدّنيا، ويختفي عند الصّبح) (٣).وقال مجاهد:
«الثّاقب: المتوهّج» (٤).وقال عطاء: «الثّاقب هو الّذي ترمى به الشّياطين فتحرقهم».
قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ (٤)؛ (ما) هنا صلة كما قال تعالى ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ (٥) أي فبرحمة من الله، والمعنى: إن كلّ نفس لعليها حافظ من الملائكة يحفظها ويحفظ عليها عملها وأجلها، حتى إذا انتهى إلى المقادير كفّ عن الحفظ.
وقرأ الحسن وابن عامر وعاصم وحمزة بالتّشديد، يعنون ما كلّ نفس إلاّ عليها حافظ، وهي لغة هذيل، يقولون: نشدتك الله لمّا قلت، يعنون إلاّ قلت، قال ابن عبّاس: «هم الحفظة من الملائكة» (٦).قال الكلبيّ: «معناه حافظ من الله يحفظ قولها وفعلها».
стр. 2968
وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : [وكّل بالمؤمن مائة وستّون ملكا يذبّون عنه ما لم يقدر عليه، من ذلك البصر سبعة أملاك يذبّون عنه كما يذبّ الرّجل الذّباب عن قصعة العسل، ولو وكّل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشّياطين] (١).
قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ (٥)؛أي من أيّ شيء خلقه الله في رحم أمّه،
ثم بيّن ذلك فقال: ﴿خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ﴾ (٦)؛أي مدفوق مصبوب مهراق في رحم المرأة، يقال: سرّ كاتم؛ أي مكتوم.
وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ (٧)؛يعني ماء الرجل وماء المرأة؛ لأن الولد مخلوق منهما، فماء الرجل من صلبه، وماء المرأة من ترائبها.
والترائب: جمع التّريبة وهو موضع القلادة من الصّدر، وهي أربعة أضلاع من يمنة الصدر، وأربعة أضلاع من يسرة الصّدر، وسئل عكرمة عن الترائب فقال:
«هذه، ووضع يده على صدره بين ثدييه» (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ (٨)؛أي إنّه على إحياء الإنسان بعد الموت والبلى لقادر، وعن مجاهد أنّ معناه «إنّه على ردّ ذلك الماء إلى الإحليل كما كان لقادر» (٣) كأنه يقول: إنّه على ردّ الإنسان من الكبر إلى الشّباب، ومن الشّباب إلى الصّبا، ومن الصّبا إلى النّطفة، ومن النّطفة إلى الإحليل، ومن الإحليل إلى الصّلب قادر، فكيف لا يقدر على إحيائه بعد الموت.
ثم أخبر متى يكون البعث، فقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾ (٩)؛ أي استعدّوا ليوم تظهر فيه سرائر الضمائر التي لم يطّلع عليها أحد من البشر، وقيل:
أراد بالسّرائر الأعمال التي أسرّها العباد فلم يظهروها، يظهرها الله تعالى يوم القيامة.
стр. 2969
قوله تعالى: ﴿فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ﴾ (١٠)؛أي فما للإنسان يومئذ من قوّة يدفع بها عذاب الله عن نفسه، ولا ناصر ينصره ويعينه.
قوله تعالى: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ (١٤)؛أقسم الله بالسّماء الراجعة في كلّ عام بالمطر بعد المطر على قدر الحاجة، حاجة العباد إليه، وبالأرض الصّادعة عن النبات الذي هو قوت الخلائق، إنّ القرآن حقّ يفصل به بين الحقّ والباطل، وليس هو باللّعب.
والمعنى: ﴿(وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ)﴾ بالغيب وأرزاق العباد كلّ عام، لولا ذلك لهلكوا أو هلكت مواشيهم، ﴿(وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ)﴾؛أي تتصدّع عن النبات والأشجار والأنهار، نظيره ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ (١) إلى آخره.
قوله: ﴿(إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ)﴾؛أي إنّ القرآن حقّ وجدّ يفصل بين الحقّ والباطل، ﴿(وَما هُوَ بِالْهَزْلِ)﴾ أي وما هو باللّعب والباطل.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ (١٦)؛يعني كفار مكّة يريدون الإيقاع بالنبيّ ﷺ من حيث لا يشعر، وذلك أنّهم تواطئوا على قتل النبيّ ﷺ ، فأعلم الله نبيّه أنه يجازيهم جزاء كيدهم، فذلك معنى قوله تعالى ﴿(وَأَكِيدُ كَيْداً)﴾.
قوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ (١٧)؛أي أجّلهم وأنظرهم، ولا تعجل في طلب هلاكهم، فإنّ الذي وعدتك فيهم غير بعيد منهم.
قوله تعالى: ﴿(أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً)﴾ أي أجّلهم أجلا قليلا، فقتلهم الله تعالى يوم بدر، و (رويدا) كلام مبنيّ على التصغير، ويقال: أرودية، وقد يوضع (رويد) موضع الأمر، يقال: رويد زيدا؛ أي أرود زيدا أو أصله من رادت الرّيح ترود رودانا؛ إذا تحرّكت حركة خفيفة، ويجوز أن يكون (رويدا) منصوب على المصدر، كأنه قال: أرودهم رويدا. وبالله التوفيق.
آخر تفسير سورة (والطارق) والحمد لله رب العالمين
стр. 2970
سورة الأعلى
سورة الأعلى مكّيّة، وهي مائتان وواحد وسبعون حرفا، واثنتان وسبعون كلمة، وتسع عشرة آية. قال ﷺ : [من قرأها أعطاه الله من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ حرف أنزله الله على إبراهيم وموسى ومحمّد عليهم الصّلاة والسّلام] (١).
وعن عليّ ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يحبّ هذه السّورة ﴿(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)﴾ وأوّل من قال: سبحان ربي الأعلى ميكائيل».قال النّبيّ ﷺ : [يا جبريل أخبرني عن ثواب من قرأها في صلاة أو في غير صلاة، قال: يا محمّد ما من مؤمن يقولها في سجود أو في غير سجود إلاّ كانت له في ميزانه أثقل من العرش والكرسيّ وجبال الدّنيا، ويقول الله تعالى: صدق عبدي أنا الأعلى فوق كلّ شيء وليس فوقي شيء، اشهدوا يا ملائكتي أنّي قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنّة جنّتي.
فإذا مات زاره ميكائيل كلّ يوم، فإذا كان يوم القيامة حمله على جناحه فيوقفه بين يدي الله تعالى، فيقول: يا رب شفّعني فيه، فيقول: قد شفّعتك فيه، اذهب به إلى الجنّة] (٢).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١)؛الخطاب للنبيّ ﷺ ؛ والأمّة داخلون معه في هذا الخطاب، والمعنى: صلّ لربك ونزّهه عن كلّ ما لا يليق به من الصّفات، وقل: سبحان ربي الأعلى. وقد يذكر الاسم ويراد به تعظيم المسمّى، كما قال
стр. 2971
الشاعر (١):
إلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
وقال قوم: معناه: نزّه ربّك الأعلى عمّا يقول فيه الملحدون ويصفه به المشركون، وجعلوا الاسم صفة. ويجوز أن يكون معناه: نزّه الله عن إجرائه على غيره، وكان عليّ وابن عبّاس وابن عمر ﵃ إذا قرأ أحدهم بهذه السّورة قال: «سبحان ربي الأعلى» (٢)،والأعلى من صفات الله بمعنى العليّ مثل الأكبر بمعنى الكبير، وليس هذا من علوّ المكان وإنما معناه القاهر القادر، فلا شيء أقدر منه.
قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ (٢)؛أي خلق الإنسان وكلّ ذي روح، فسوّى خلقه باليدين والرّجلين والعينين والأذنين وسائر الأعضاء، وعدّل الخلق.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ (٣)؛أي قدّر الذي خلقه حسنا وذميما، وقدّر عليه السعادة والشقاوة، فهدى كلّ مكلّف من الضّلال إلى الهدى، ومن الباطل إلى الصواب، ومن الغيّ إلى الرّشاد. وقيل: هدى الإنسان لسبيل الخير والشرّ، وبصّره السبيل إمّا شاكرا، وإما كفورا.
وقيل: ألهم كلّ حيوان ما يحتاج إليه في أمر معيشته، وعرّفه كيف يأتي الذكر الأنثى، وجعل الهداية في قلب الطفل حتى طلب ثدي أمّه، وميّزه من غيره، وهدى الفرخ لطلب الرزق، وهدى الأنعام لمراتعها. وقيل: معنى قوله ﴿(وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى)﴾ أي قدّر مدّة الجنين في الرحم تسعة أشهر، أو أقلّ، أو أكثر، فهدى للخروج من الرّحم. وقيل: قدّر الأرزاق وهداهم لطلبها. وقيل: الذنوب على عباده وهداهم للتوبة. وقيل: قدّر الخلق على صورهم، وعلى ما جرى لهم من الأرزاق، فهداهم إلى معرفة توحيده. قرأ الكسائيّ والسلمي «(قدر فهدى)» مخفّفا.
стр. 2972
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى﴾ (٤)؛أي أنبت الكلأ الأخضر بالمطر للبهائم،
ثم، ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى﴾ (٥)؛معناه: فجعل النبت بعد الخضرة هشيما يابسا باليا كالغثاء الذي يقذفه السّيل على جنبات الوادي، وقوله تعالى: (أحوى) أي أسود، وقد يدخل النبت الأحوى لحاجة البهائم إليه، وقد يكون حطبا للناس، وهذا كلّه إخبار عن قدرة الله تعالى وإنعامه على العباد.
قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ (٦)؛أي سيقرئك جبريل القرآن بأمرنا فلا تنساه، فلم ينس النبيّ ﷺ حرفا من القرآن بعد نزول هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ؛﴾ أي إلاّ ما شاء الله أن تنساه، وهو ما نسخت تلاوته، فنأمرك ألاّ تقرأه حتى تنساه على وجه الأيام، وهذا نسيان النّسخ دون التضييع.
وقيل: إلاّ ما شاء الله أن تنساه (١) ثم تذكره بعد ذلك. وقيل: إنما ذكر الاستثناء لتحسين النّظم على عادة العرب، تذكر الاستثناء عقيب الكلام وهو كقوله تعالى ﴿خالِدِينَ فِيها إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ (٢) ربّك، معلوم أنّ الله تعالى لم يشأ إخراج أهل الجنة من الجنّة ولا إخراج أهل النار من النار، ولكن المراد به ما ذكرناه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى﴾ (٧)؛أي يعلم ما يقرؤه العباد من القرآن، وما يذكرونه من الذّكر في سرّ أو جهر. وقيل: يعلم العلانية من القول والعمل، ويعلم السرّ وما يحدّث الإنسان نفسه بعده، ويعلم إعلان الصّدقة وإخفاءها.
قوله تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ (٨)؛أي نيسّرك لعمل الجنّة، ونوفّقك للشّريعة السهلة وهي الحنيفيّة السّمحة،
﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ (٩)؛أي عظ بالله إن نفعت المواعظ، وليس على وجه الشّرط، فإنّ الموعظة تنفع لا محالة.
وقوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى﴾ (١٠)؛أي سيتّعظ بالقرآن من يخشى عذاب الله،
﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ (١١)؛أي يتجنب التذكّر والعظة ويتباعد عنها الأشقى في علم الله فلا يتذكر ثوابا.
стр. 2973
وروي أن المراد بقوله ﴿(سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى)﴾:عبد الله بن أمّ مكتوم (١)،ويدخل فيه كلّ مؤمن، والمراد بالأشقى الذي يتجنّب الموعظة الوليد بن المغيرة، ويدخل فيه كلّ كافر.
قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى﴾ (١٢)؛وهي السّفلى من أطباق النار، وقيل: سمّيت نار جهنّم النار الكبرى؛ لأنّها أعظم من هذه النار، كما روي في التفسير: أنّ نار الدّنيا جزء من سبعين جزء من نار جهنّم، ولقد غمست في البحر مرّتين حتى لانت، ولولا ذلك ما انتفع بها أحد. وروي: أن نار الدّنيا تستجير أن يردّها الله إلى نار جهنّم.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ (١٣)؛ أي لا يموت موتا فيستريح من عذابها، ولا يحيا حياة يجد فيها روح الحياة.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى﴾ (١٤)؛أي صار إلى البقاء الدّائم والنعيم المقيم من تزكّى بالإسلام والتّوبة من الذنوب، والمعنى: قد أفلح من تطهّر من الشّرك وقال: لا إله إلاّ الله، وكان عمله زاكيا صالحا، وأدّى زكاة ماله،
﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ (١٥)؛أي وافتتح الصّلاة بذكر اسم الله، وصلّى الصلوات المفروضات، وكان ابن مسعود يقول: «رحم الله امرءا تصدّق ثمّ صلّى، ثمّ يقرأ هذه الآية» (٢).
وقيل: معناه: قد أفلح من أدّى زكاة الفطر ثم صلّى صلاة العيد، ويستدلّ بهذه الآية على جواز افتتاح الصّلاة بغير التّكبير؛ لأنه تعالى ذكر الصّلاة عقيب اسمه، إذ الفاء للتّعقيب من غير تراخ، فلا فصل في الآية بين التكبير وبين سائر الأركان.
стр. 2974
قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ (١٦)؛قرأ العامّة بالتاء، كذلك قراءة ابن كعب: «(بل أنتم تؤثرون الحياة الدّنيا)» (١)،والخطاب للكفار؛ كأنه قال: بل أنتم أيّها الكفار تختارون الدّنيا على الآخرة، وقرأ أبو عمرو «(يؤثرون)» بالياء يعني الأشقياء.
قوله تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ (١٧)؛أي ثواب الآخرة خير من الدنيا وما فيها وأدوم. وفي الحديث عن النبيّ ﷺ أنه قال: [ما الدّنيا في الآخرة «إلاّ» (٢) كرجل أدخل إصبعه في اليمّ، فلينظر بم يرجع] (٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ (١٨)؛أراد به قوله تعالى ﴿(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى)﴾ كما هو في القرآن، ويقال: مذكور في الصّحف الأولى: أنّ الناس يؤثرون الحياة الدّنيا، وأن الآخرة خير وأبقى، أراد به السّورة كلّها.
قوله تعالى: ﴿صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ (١٩)،قال قتادة: «تتابعت كتب الله تعالى أنّ الآخرة خير وأبقى» (٤).ويقال: إن في صحف إبراهيم: «ينبغي للعاقل أن يكون حافظا للسانه عارفا بزمانه مقبلا على شأنه» (٥).
وقال أبو ذرّ: قلت: يا رسول الله كم الأنبياء؟ فقال: [مائة ألف نبيّ، وأربعة وعشرون ألف نبيّ] قلت: كم المرسلون منهم؟ قال: [ثلاثمائة وثلاثة عشر].
стр. 2975
قلت: أكان آدم نبيّا؟ قال: [نعم كلمة الله، وخلقه الله بيده. يا أبا ذرّ أربعة من الأنبياء من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيّك] قلت: يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟ قال: [مائة وأربعة كتب، منها على آدم عشر صحائف، وعلى شيت خمسون صحيفة، وعلى أخنوخ وهو إدريس ثلاثون صحيفة، وهو أوّل من خطّ بالقلم، وعلى إبراهيم عشر صحائف، والتّوراة والإنجيل والزّبور والفرقان] (١).
آخر تفسير سورة (الأعلى) والحمد لله رب العالمين
стр. 2976
سورة الغاشية
سورة الغاشية مكّيّة، وهي ثلاثمائة وإحدى وثمانون حرفا، واثنتان وتسعون كلمة، وستّ وعشرون آية. قال ﷺ : [من قرأها حاسبه الله حسابا يسيرا] (١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ (١)؛أي قد أتاك حديث الغاشية، يعني القيامة تغشى كلّ شيء بالأهوال؛ لأنّها داهية تغشى جميع الناس، وقال سعيد بن جبير: «أراد بالغاشية نار جهنّم تعمّ أهلها من جميع الجوانب، وتغشى وجوههم النّار» (٢).
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ (٢)،أي وجوه يوم القيامة خاشعة ذليلة، وهي وجوه الكفرة والمنافقين في الآخرة،
﴿عامِلَةٌ،﴾ أي تجرّ في النار على وجوهها، ﴿ناصِبَةٌ﴾ (٣)؛أي في تعب وعناء ومشقّة وبلاء من مقاسات العذاب، قال الحسن: «لم تخشع لله في الدّنيا ولم تعمل له، فأخشعها في الآخرة وأعملها وأنصبها بمعالجة الأغلال والسّلاسل» (٣).وقال قتادة: «تكبّرت في الدّنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النّار» (٤).وقال الضحّاك: «يكلّفون ارتقاء جبل من حديد في النّار».
стр. 2977
والنّصب: الدّأب في العمل، وقال عكرمة والسديّ: «عاملة في الدّنيا بمعاصي الله، ناصبة في النّار يوم القيامة» (١).وقال سعيد بن جبير: «هم الرّهبان أصحاب الصّوامع الّذين يتعبون وينصبون في العبادة، ثمّ لا يخلصون في الآخرة من ذلك على شيء لوقوع ذلك على غير موافقة العلم».ويقال: هم الخوارج. ويقال:
المراد به كلّ من عمل عملا، وخلط بعمله ما يبطله من ربا أو شرك أو عجب.
قوله تعالى: ﴿تَصْلى ناراً حامِيَةً﴾ (٤)؛أي تلزم نارا قد انتهى حرّها، قال ابن مسعود: «يخوض في النّار كما تخوض الإبل في الوحل».
قرأ العامّة «(تصلى)» بفتح التاء، وقرأ أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر بضمّها اعتبارا بقوله:
﴿تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ (٥)؛أي من عين متناهية في الحرّ، قال الحسن: «قد انتهى طبخها منذ خلق الله السّماوات والأرض إلى تلك السّاعة».
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾ (٦)؛قال مجاهد وعكرمة وقتادة: «وهو نبت ذو شوك لاطئ بالأرض، تسمّيه قريش الشّبرق حين يكون رطبا، فإذا يبس فهو الضّريع» (٢) يصير عند اليبس كأظفار الهرّة سمّا، لا تقربه دابّة وإنّما تأكله الإبل في الرّبيع من فوقه (٣).وقال ابن زيد: «أمّا في الدّنيا فإنّ الضّريع الشّوك اليابس، وأمّا في الآخرة فهو شوك في النّار» (٤).
وقال الكلبيّ: «الضّريع لا تقربه دابّة، إذا يبس لا يرعاه شيء».وقال عطاء:
«هو شيء يطرحه البحر المالح تسمّيه أهل اليمن الضّريع».وعن رسول الله ﷺ
стр. 2978
قال: [الضّريع شيء يكون في النّار يشبه الشّوك أمرّ من الصّبر، وأنتن من الجيفة، وأشدّ حرّا من النّار، سمّاه الله ضريعا] (١).
وقيل: إنّ الله يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل ما بهم من العذاب، فيستغيثون من الجوع فيغاثون بالضّريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصّة، فيذكرون أنّهم كانوا يسلكون الغصص في الدّنيا بالماء، فيسقون فيعطشون ألف سنة، ثم يسقون من عين آنية لا شربة هنيّة ولا مريّة، فكلّما أدنوه من وجوههم سلخ جلود وجوههم وسوّدها، فإذا وصل إلى بطونهم قطّعها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ (٢).
فلمّا نزلت هذه الآية قال المشركون: إنّ إبلنا لتسمن على الضّريع، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ (٧)؛وكذبوا، فإن الإبل لا ترعاه إلاّ ما دام رطبا، وأما إذا يبس فلا تقربه دابّة، ورطبه يسمّى شبرقا لا ضريعا، والمعنى:
لا يسمن من أكله ولا يسدّ جوعة.
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ (٩)؛هذه صفة وجوه أهل الجنّة يقول: وجوههم يومئذ نضرة حسنة جميلة، آثار النّعمة عليها ظاهرة، وهي لعملها راضية بما أدّاها إليه من الثواب والكرامة،
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ (١٠)؛أي مرتفعة في القدر والشّرف.
قوله تعالى: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ (١١)؛أي لا يسمع أصحاب تلك الوجوه كلمة ذات لفق ولا حلفا كاذبا ولا كلاما باطلا، وذلك لأنّ سماع ما لا فائدة فيه يثقل على العقلاء، ولا يتكلّم أهل الجنّة إلاّ بالحكمة وحمد الله تعالى على ما رزقهم من النّعيم المقيم.
قوله تعالى: ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ (١٢)؛أي فيها لكلّ إنسان في قصره عين جارية من كلّ شراب يشتهيه، يجري إلى حيث يشاء على حسب إرادته ومحبّته.
стр. 2979
قوله تعالى: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ (١٣)؛في الهواء رفيعة القدر بعضها فوق بعض، من الذهب والفضّة وغير ذلك من الجواهر العظيمة، عليها من الفرش والحجال. قال ﷺ : [لو ألقي من أعلاها فراش لهوى إلى قرارها مائة خريف] (١) والحكمة في ذلك الارتفاع أن يرى المؤمن بجلوسه عليها جميع ما خوّله الله من الملك والنعمة.
قوله تعالى: ﴿وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ (١٤)؛الأكواب: جمع كوب، وهو الكوز الذي لا عرى له ولا خراطيم، موضوعة على حافّة العين الجارية معدّة لأشربتهم وهو من اللّؤلؤ الرطب على ما ورد في الحديث.
وقوله تعالى: ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ (١٥)؛هي جمع نمرقة، وهي الوسادة المنسوجة من قضبان الذهب المكلّلة بالدّرّ والياقوت، قد صفّ بعضها إلى بعض للراحة (٢) ورفع المنزل، قال الشاعر:
كهول وشبّان حسان وجوههم ... على سرر مصفوفة ونمارق
قوله تعالى: ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ (١٦)؛الزّرابيّ هي الطّنافس العجيبة، واحدتها زريبة، وهي البسط العريضة، والمبثوثة الكثيرة المبسوطة المفرّقة في المجالس.
قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ (١٧)؛فيه تنبيه على قدرة الله تعالى، يقول: أفلا يرون إلى الإبل مع عظمها وشدّتها كيف تبرك إذا أريد ركوبها فتحمل عليها وتركب، ثم تقوم فيقودها الصغير وينخّيها ويحمل عليها الحمل الثقيل وهي باركة، فتنهض بثقله دابة بحملها «وليس ذلك في شيء من الحيوان» إلا البعير (٣).
стр. 2980
وقيل في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها: أنّ النبيّ ﷺ لمّا وصف للمشركين سرر أهل الجنة مع علوّها وارتفاعها، وأنّها تنحطّ لصاحبها إذا أراد صعودها ثم ترتفع، استبعدوا ذلك، فذكر الله ما يزيل استبعادهم وكانوا أرباب إبل، فأراهم دلائل توحيده فيما في أيديهم.
وتكلّمت الحكماء في وجه تخصيص الإبل من بين سائر الحيوانات، فقال مقاتل: «لأنّهم لم يروا بهيمة قطّ أعظم منها، ولم يشاهدوا الفيل «إلاّ» الشّاذ منهم» (١).وقال الحسن: «لأنّها تأكل النّوى، وتخرج اللّبن».وقيل: لأنّها مع عظمها تلين للحمل الثقيل وتنقاد للقائد الضعيف يذهب بها كيف شاء.
وحكى الأستاذ أبو القاسم بن حبيب: أنه رأى في بعض التفاسير: أنّ فأرة أخذت بزمام ناقة، فجعلت الفارة تجرّ الناقة وهي تتبعها حتى دخلت الجحر، فجرّت الزمام فبركت، فجرّته فقرّبت فمها من جحر الفارة، فسبحان الذي قدّرها وسخّرها وذلّلها (٢).
وقال أبو عمر (٣): «الإبل هي السّحاب، وهي أليق بما بعد من ذكر السّماء والجبال» إلاّ أنّ هذا غير معروف في اللّغة، وإنما يقولون للسّحاب: الإبلّ بتشديد اللام (٤).
قوله تعالى: ﴿وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ (١٨)؛في الهواء فوق كلّ شيء لا تنالها الأيدي،
بلا عماد تحتها ولا علاّقة فوقها، ﴿وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ (١٩)؛فجعلها مرساة مثبّتة لا تزلزل، وفجّر في أعلاها العيون لمنافع الناس،
﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (٢٠)؛أي بسطت على وجه الماء.
فالذي فعل هذه الأشياء قادر على أن يخلق نعيم الجنة بالصفات التي ذكرها.