← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

سورة الغاشية سورة الغاشية مكّيّة، وهي ثلاثمائة وإحدى وثمانون حرفا، واثنتان وتسعون كلمة، وستّ وعشرون آية. قال ﷺ : [من قرأها حاسبه الله حسابا يسيرا] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ (١)؛أي قد أتاك حديث الغاشية، يعني القيامة تغشى كلّ شيء بالأهوال؛ لأنّها داهية تغشى جميع الناس، وقال سعيد بن جبير: «أراد بالغاشية نار جهنّم تعمّ أهلها من جميع الجوانب، وتغشى وجوههم النّار» (٢). قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ (٢)،أي وجوه يوم القيامة خاشعة ذليلة، وهي وجوه الكفرة والمنافقين في الآخرة، ﴿عامِلَةٌ،﴾ أي تجرّ في النار على وجوهها، ﴿ناصِبَةٌ﴾ (٣)؛أي في تعب وعناء ومشقّة وبلاء من مقاسات العذاب، قال الحسن: «لم تخشع لله في الدّنيا ولم تعمل له، فأخشعها في الآخرة وأعملها وأنصبها بمعالجة الأغلال والسّلاسل» (٣).وقال قتادة: «تكبّرت في الدّنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النّار» (٤).وقال الضحّاك: «يكلّفون ارتقاء جبل من حديد في النّار».

стр. 2977

والنّصب: الدّأب في العمل، وقال عكرمة والسديّ: «عاملة في الدّنيا بمعاصي الله، ناصبة في النّار يوم القيامة» (١).وقال سعيد بن جبير: «هم الرّهبان أصحاب الصّوامع الّذين يتعبون وينصبون في العبادة، ثمّ لا يخلصون في الآخرة من ذلك على شيء لوقوع ذلك على غير موافقة العلم».ويقال: هم الخوارج. ويقال: المراد به كلّ من عمل عملا، وخلط بعمله ما يبطله من ربا أو شرك أو عجب. قوله تعالى: ﴿تَصْلى ناراً حامِيَةً﴾ (٤)؛أي تلزم نارا قد انتهى حرّها، قال ابن مسعود: «يخوض في النّار كما تخوض الإبل في الوحل». قرأ العامّة «(تصلى)» بفتح التاء، وقرأ أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر بضمّها اعتبارا بقوله: ﴿تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ (٥)؛أي من عين متناهية في الحرّ، قال الحسن: «قد انتهى طبخها منذ خلق الله السّماوات والأرض إلى تلك السّاعة». قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾ (٦)؛قال مجاهد وعكرمة وقتادة: «وهو نبت ذو شوك لاطئ بالأرض، تسمّيه قريش الشّبرق حين يكون رطبا، فإذا يبس فهو الضّريع» (٢) يصير عند اليبس كأظفار الهرّة سمّا، لا تقربه دابّة وإنّما تأكله الإبل في الرّبيع من فوقه (٣).وقال ابن زيد: «أمّا في الدّنيا فإنّ الضّريع الشّوك اليابس، وأمّا في الآخرة فهو شوك في النّار» (٤). وقال الكلبيّ: «الضّريع لا تقربه دابّة، إذا يبس لا يرعاه شيء».وقال عطاء: «هو شيء يطرحه البحر المالح تسمّيه أهل اليمن الضّريع».وعن رسول الله ﷺ

стр. 2978

قال: [الضّريع شيء يكون في النّار يشبه الشّوك أمرّ من الصّبر، وأنتن من الجيفة، وأشدّ حرّا من النّار، سمّاه الله ضريعا] (١). وقيل: إنّ الله يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل ما بهم من العذاب، فيستغيثون من الجوع فيغاثون بالضّريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصّة، فيذكرون أنّهم كانوا يسلكون الغصص في الدّنيا بالماء، فيسقون فيعطشون ألف سنة، ثم يسقون من عين آنية لا شربة هنيّة ولا مريّة، فكلّما أدنوه من وجوههم سلخ جلود وجوههم وسوّدها، فإذا وصل إلى بطونهم قطّعها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ (٢). فلمّا نزلت هذه الآية قال المشركون: إنّ إبلنا لتسمن على الضّريع، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ (٧)؛وكذبوا، فإن الإبل لا ترعاه إلاّ ما دام رطبا، وأما إذا يبس فلا تقربه دابّة، ورطبه يسمّى شبرقا لا ضريعا، والمعنى: لا يسمن من أكله ولا يسدّ جوعة. قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ (٩)؛هذه صفة وجوه أهل الجنّة يقول: وجوههم يومئذ نضرة حسنة جميلة، آثار النّعمة عليها ظاهرة، وهي لعملها راضية بما أدّاها إليه من الثواب والكرامة، ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ (١٠)؛أي مرتفعة في القدر والشّرف. قوله تعالى: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ (١١)؛أي لا يسمع أصحاب تلك الوجوه كلمة ذات لفق ولا حلفا كاذبا ولا كلاما باطلا، وذلك لأنّ سماع ما لا فائدة فيه يثقل على العقلاء، ولا يتكلّم أهل الجنّة إلاّ بالحكمة وحمد الله تعالى على ما رزقهم من النّعيم المقيم. قوله تعالى: ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ (١٢)؛أي فيها لكلّ إنسان في قصره عين جارية من كلّ شراب يشتهيه، يجري إلى حيث يشاء على حسب إرادته ومحبّته.

стр. 2979

قوله تعالى: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ (١٣)؛في الهواء رفيعة القدر بعضها فوق بعض، من الذهب والفضّة وغير ذلك من الجواهر العظيمة، عليها من الفرش والحجال. قال ﷺ : [لو ألقي من أعلاها فراش لهوى إلى قرارها مائة خريف] (١) والحكمة في ذلك الارتفاع أن يرى المؤمن بجلوسه عليها جميع ما خوّله الله من الملك والنعمة. قوله تعالى: ﴿وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ (١٤)؛الأكواب: جمع كوب، وهو الكوز الذي لا عرى له ولا خراطيم، موضوعة على حافّة العين الجارية معدّة لأشربتهم وهو من اللّؤلؤ الرطب على ما ورد في الحديث. وقوله تعالى: ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ (١٥)؛هي جمع نمرقة، وهي الوسادة المنسوجة من قضبان الذهب المكلّلة بالدّرّ والياقوت، قد صفّ بعضها إلى بعض للراحة (٢) ورفع المنزل، قال الشاعر: كهول وشبّان حسان وجوههم ... على سرر مصفوفة ونمارق قوله تعالى: ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ (١٦)؛الزّرابيّ هي الطّنافس العجيبة، واحدتها زريبة، وهي البسط العريضة، والمبثوثة الكثيرة المبسوطة المفرّقة في المجالس. قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ (١٧)؛فيه تنبيه على قدرة الله تعالى، يقول: أفلا يرون إلى الإبل مع عظمها وشدّتها كيف تبرك إذا أريد ركوبها فتحمل عليها وتركب، ثم تقوم فيقودها الصغير وينخّيها ويحمل عليها الحمل الثقيل وهي باركة، فتنهض بثقله دابة بحملها «وليس ذلك في شيء من الحيوان» إلا البعير (٣).

стр. 2980

وقيل في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها: أنّ النبيّ ﷺ لمّا وصف للمشركين سرر أهل الجنة مع علوّها وارتفاعها، وأنّها تنحطّ لصاحبها إذا أراد صعودها ثم ترتفع، استبعدوا ذلك، فذكر الله ما يزيل استبعادهم وكانوا أرباب إبل، فأراهم دلائل توحيده فيما في أيديهم. وتكلّمت الحكماء في وجه تخصيص الإبل من بين سائر الحيوانات، فقال مقاتل: «لأنّهم لم يروا بهيمة قطّ أعظم منها، ولم يشاهدوا الفيل «إلاّ» الشّاذ منهم» (١).وقال الحسن: «لأنّها تأكل النّوى، وتخرج اللّبن».وقيل: لأنّها مع عظمها تلين للحمل الثقيل وتنقاد للقائد الضعيف يذهب بها كيف شاء. وحكى الأستاذ أبو القاسم بن حبيب: أنه رأى في بعض التفاسير: أنّ فأرة أخذت بزمام ناقة، فجعلت الفارة تجرّ الناقة وهي تتبعها حتى دخلت الجحر، فجرّت الزمام فبركت، فجرّته فقرّبت فمها من جحر الفارة، فسبحان الذي قدّرها وسخّرها وذلّلها (٢). وقال أبو عمر (٣): «الإبل هي السّحاب، وهي أليق بما بعد من ذكر السّماء والجبال» إلاّ أنّ هذا غير معروف في اللّغة، وإنما يقولون للسّحاب: الإبلّ بتشديد اللام (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ (١٨)؛في الهواء فوق كلّ شيء لا تنالها الأيدي، بلا عماد تحتها ولا علاّقة فوقها، ﴿وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ (١٩)؛فجعلها مرساة مثبّتة لا تزلزل، وفجّر في أعلاها العيون لمنافع الناس، ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (٢٠)؛أي بسطت على وجه الماء. فالذي فعل هذه الأشياء قادر على أن يخلق نعيم الجنة بالصفات التي ذكرها.

стр. 2981

قال أنس بن مالك: «صلّيت خلف عليّ بن أبي طالب، فقرأ: ﴿(أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ و ... نصبت، و ... سطحت) برفع التّاء» (١)،وقرأ الحسن بالتشديد (٢). قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ (٢١)؛أي عظهم يا محمّد بالقرآن، إنما أنت واعظ مبلّغ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (٢٢)؛أي بمسلّط تجبرهم على الإيمان، وتمنعهم عن الكفر، وهذا كان من قبل آية القتل فنسخ بها، وتسيطر الرجل إذا تسلّط. قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ﴾ (٢٤)؛ أي لكن من أعرض عن الإيمان وثبت على كفره فكله إلى الله تعالى لست له بمذكّر؛ لأنه لا يقبل منك، وسيعذّبه الله في الآخرة بأعظم النيران، وإنما قال ذلك لأنّ من المعذبين من هو أشدّ عذابا من غيره. قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ﴾ (٢٥)؛أي طب نفسا يا محمّد وإن عاندوا وجحدوا، فإنّ إلينا مرجعهم؛ أي إلينا مرجعهم وجزاؤهم، والإياب: الرّجوع والمعاد، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ (٢٦)؛وإخراج ما لهم وعليهم حتى يظهر مقدار ما يستحقّون من العذاب. آخر تفسير سورة (الغاشية) والحمد لله رب العالمين

стр. 2982

سورة الفجر سورة الفجر مكّيّة، وهي خمسمائة وتسعة وتسعون حرفا، ومائة وتسع وثلاثون كلمة، وثلاثون آية. قال ﷺ : [من قرأها كانت له نورا يوم القيامة، ومن قرأها في اللّيالي العشر غفر الله له] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ (٢)؛أقسم الله برب الفجر، والفجر: هو الصّبح الذي يطلع في آخر الليل، وهو دلالة على نعم الله تعالى وعلى توحيده، وفي ذكره حثّ على الشّكر، وترغيب في إقامة صلاة الفجر. وقوله تعالى: ﴿(وَلَيالٍ عَشْرٍ)﴾ هنّ عشر ذي الحجّة، شرّفها الله تعالى، لتسارع الناس فيها إلى الخيرات والطاعات. وعن ابن عبّاس: «يعني العشر الأواخر من شهر رمضان» (٢).وقيل: العشر الأوّل من المحرّم. قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ (٣)؛الشّفع: هو يوم النّحر، يشفع بما قبله من الأيام من الشّهر. والوتر: يوم عرفة أوتر بما قبله من أيّام الشهر. وعن الحسن وقتادة: «أنّ هذا قسم بالخلق كلّهم، فإنّهم شفع ووتر».وقال مقاتل: «الشّفع آدم وحوّاء، والوتر هو الله تعالى» (٣).وقال مجاهد ومسروق: «هو الخلق كلّه» (٤)،قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ (٥) الكفر والإيمان؛ والشّقاوة والسعادة؛

стр. 2983

والسعادة؛ والهدى والضّلال؛ والليل والنهار؛ والسماء والأرض؛ والبرّ والبحر؛ والشّمس والقمر؛ والجنّ والإنس. والوتر هو الله الواحد الأحد الفرد. وقيل: الشفع: صلاة الفجر، والوتر: صلاة المغرب. وقيل: الشفع: درجات الجنّات؛ لأنّها ثمان، والوتر: دركات النار؛ لأنّها سبع، كأنه أقسم بالجنّة والنار. وقيل: الشفع: صفات المخلوقين من العزّ والذّل؛ والقدرة والعجز؛ والقوّة والضعف؛ والعلم والجهل؛ والبصر والعمى، والوتر: انفراد صفات الله تعالى؛ عزّ بلا ذلّ؛ وقدرة بلا عجز؛ وقوّة بلا ضعف؛ وعلم بلا جهل؛ وحياة بلا موت. قرأ الأعمش وحمزة والكسائي وخلف «(والوتر)» بكسر الواو، واختاره أبو عبيد (١)؛لأنه أكثر في الكلام وأنشأ، ومنه وتر الصلاة، ولم يسمع شيء من الكلام، الوتر بالفتح، وقرأ الباقون بالفتح وهي لغة أهل الحجاز. قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ (٤)؛قسم برب الليل إذا يسر بمضيّه وانقضائه إلى طلوع الفجر. ويقال: إنه أقسم بليلة المزدلفة اذ أسري فيها، وعلى هذا قال بعضهم: إن المراد بالفجر يوم عرفة. ووجه حذف الياء من (يسر) أنّها رأس آية، ورءوس الآي كالفواصل من العشر. قرأ نافع وأبو عمرو بالياء في الوصل، وقرأ ابن عامر وعاصم بحذفها وصلا ووقفا، وقرأ ابن كثير ويعقوب بالياء في الحالتين (٢). قوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ (٥)؛لفظه لفظ استفهام بمعنى التّقرير، يقول: بعد هذا الذي عقل قسم، والحجر: هو العقل، وجواب القسم ﴿(إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ)﴾. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ (٦)؛ألم تعلم كيف صنع ربّك بعاد وكيف أهلكهم، ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾ (٧)،وأما إرم فهو صفة

стр. 2984

لعاد، وهي عادان: عاد الأولى وهي إرم، وعاد الآخرة. ولم يصرف إرم؛ لأنّها اسم للقبيلة، وكان إرم أبا عادين (١) فنسبوا إلى أبيهم (٢).وقيل: إن إرم كانت قبيلة من عاد وكان فيهم الملك، ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ (٨). قوله تعالى: ﴿(ذاتِ الْعِمادِ)﴾ أي القامات الطّوال والقوى الشدائد، يقال رجل معمد ورجل عمدان إذا كان طويلا قويّا، قال ابن عباس: «كانت قامة الرّجل منهم أربعمائة ذراع، لم يخلق مثلهم في زمانهم قوّة وخلقا» (٣).ويقال: إنه اسم مدينة ذات العماد والذهب والفضّة، بناها شدّاد بن عاد. والقول الأول أقرب إلى ظاهر الآية؛ لأنّ الغرض بهذه الآية زجر الكفّار، وكان الله بيّن بإهلاكهم مع قوّتهم أنه على إهلاك هؤلاء الكفار أقدر. وقصّة مدينة إرم ذات العماد ما روى وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له شردت. فبينما هو في صحارى عدن، إذ وقع على مدينة في تلك الفلوات، عليها حصن وحول الحصن قصور كثيرة وأعلام طوال. فلما دنا منها ظنّ أن فيها أحدا يسأله عن إبله، فلم ير خارجا ولا داخلا، فنزل عن دابّته وعقلها، وسلّ سيفه ودخل من باب الحصن، فلما خلف الحصن وراءه إذ هو ببابين عظيمين وخشبهما من أطيب عود، والبابان مرصّعان بالياقوت الأبيض والأحمر، ففتح أحدهما فإذا هو بمدينة فيها قصور، كلّ قصر تحته أعمدة من زبرجد وياقوت، وفوق كلّ قصر منها غرف، وفوق الغرف غرف مبنيّة بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت، ومصاريع تلك الغرف من أطيب عود مرصّعة بالياقوت الأبيض والأحمر، والغرف مفروشة كلّها باللؤلؤ والمسك والزعفران.

стр. 2985

ثم نظر في الأزقّة فإذا في كلّ زقاق شجر مثمر، وتحت الأشجار أنهار مطّردة ماؤها في مجاري من فضّة. فقال الرجل: هذه هي الجنّة التي وصفها الله تعالى في كتابه، فحمل معه من لؤلؤها ومسكها وزعفرانها، ورجع إلى اليمن وأعلم الناس بأمره. فبلغ معاوية فأحضره وسأل كعب الأحبار: هل في الدّنيا مدينة من ذهب وفضّة؟ قال: نعم، قال: أخبرني من بناها؟ قال: بناها شدّاد بن عاد، واسم المدينة إرم ذات العماد، وهي التي لم يخلق مثلها في البلاد. قال معاوية: فحدّثني بحديثها. قال: يا معاوية إنّ رجلا من عاد الأولى كان له ابنان: شدّاد وشديد، كان قد قهر البلاد وأخذها عنوة، وليس هو من قوم هود، وإنما عاد هو من ذريّته، فأقام شدّاد وشديد ما شاء الله أن يقيما، ثم مات شديد وبقي شدّاد، فملك وحده وتدانت له ملوك الأرض، وكان ولعا بقراءة الكتب. فلمّا مرّ فيها بذكر الجنّة، دعته نفسه إلى بناء مثلها عتوّا على الله تعالى، فأمر ببناء هذه المدينة المذكورة، فأمّر على صنعتها مائة أمير، مع كل أمير ألف من الأعوان، وكتب إلى كلّ ملك في الدنيا أن يجمع له ما في بلاده من الجواهر، وكانت تحت يده مائتان وستّون ملكا. قال معاوية: كم أقام في مدّة بنائها؟ قال: أقاموا ثلاثمائة سنة في بنائها وعمارتها. قال: فكم كان عمر شدّاد؟ قال: سبعمائة سنة، وإنما سمّاها الله ذات العماد؛ لأجل الأعمدة التي تحتها من الزبرجد والياقوت. قال كعب: فلما فرغوا من بنائها أعلموا شدّادا بذلك فقال لهم: انطلقوا واجعلوا فيها حصنا واجعلوا حوله ألف قصر، عند كلّ قصر ألف علم حتى أجعل في كلّ قصر وزيرا من وزرائي. فرجعوا فعملوا تلك القصور والأعلام والحصون، ثم أتوه فأخبروه بفراغ ذلك، فأمر الوزراء أن يتهيّئوا بالنقلة إليها، وأمر جنده ونساءه وخدمه أن يتجهّزوا، فأقاموا في جهازهم عشر سنين. ثم سار الملك بجيش لا يحصي عددهم إلاّ الله، فلما صار إليها، ليسكنها وبلغ إلى أن صار بينه وبينها مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليهم جميعا هو وجنوده ووزراؤه

стр. 2986

صيحة عظيمة من السّماء فهلكوا ولم يبق منهم أحد، ولم يدخل شدّاد ولا أحد من قومه تلك المدينة، ولم يقدر أحد على دخولها إلى يوم القيامة، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك ولا يبلغها أحد غيره أبدا. قال معاوية: فهل تقدر أن تصفه يا أبا إسحاق؟ قال: نعم؛ هو رجل أحمر قصير، على حاجبه خال وعلى عنقه خال، يخرج في طلب إبل له فيقع على تلك المدينة، فيدخلها ويحمل شيئا مما فيها، وكان الرجل حينئذ مختفيا عند معاوية، فقام ليذهب، فالتفت كعب التفاتة فرآه، فقال: هو هذا يا أمير المؤمنين. فقال له معاوية: لقد فضّلك الله يا كعب على غيرك من العلماء. فقال: يا أمير المؤمنين ما خلق الله شيئا في الدّنيا إلاّ وقد فسّره في التّوراة لعبده موسى ﵇ (١). قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ﴾ (٩)؛معناه: ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب ذات العماد، ﴿(وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ)﴾ وهم قوم صالح، كانوا يقطعون الصخر، وينحتون من الجبال بيوتا آمنين بقرب المدينة التي كانوا نازلين فيها، ومعنى قوله (بالواد) القرى. قال أهل التفسير: أوّل من جاب الصّخر؛ أي قطع الصّخور، ونحت الجبال والرّخام ثمود. قوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ﴾ (١٠)؛عطفا على ثمود. واختلفوا في معنى ﴿(ذِي الْأَوْتادِ)﴾ قال بعضهم: معناه: ذو الجنود والجموع. وقال بعضهم: ذو الملك الثابت، وجنوده الذين كانوا يشدّون أمره، سموا أوتادا؛ لأنّ قوامه بهم. ويقال: معناه: أنه كان إذا غضب على أحد مدّه على الأرض، ووتّد على رجليه ويديه ورأسه على الأرض بأربعة أوتاد حتى يموت ممدّا (٢) كما فعل بأمر امرأته آسية (٣).

стр. 2987

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ﴾ (١٢)؛ الذين أفرطوا في الظّلم والفساد والكفر والقتل بغير حقّ، ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ (١٣)؛أي صبّ عليهم لونا من العذاب. وقيل: وجع عذاب. وقيل: هذا على الاستعارة؛ لأن السّوط عند العرب غاية العذاب، يقال ساطه يسوطه سوطا؛ إذا خلطه، والسّوط مما يخلط الدم واللحم (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ (١٤)؛أي بحيث يرى ويسمع، وقال مقاتل: «يجعل رصدا من الملائكة يرصد النّاس على الصّراط معهم الكلاليب».وقال الضحاك: «بمرصد لأهل الظّلم والمعصية» (٢).وقال عطاء: «معناه: إنّ ربّك لا يفوته أحد، وإنّه لا محيص عنه، وهو عالم بهم وإليه المصير». قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ؛﴾ معناه: فأمّا الإنسان الذي لا يعرف نعمة عليه عند سعة الرزق وتضييقه، ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ (١٥)؛فيقول عند السّعة: ربي أكرمني بالمال والسّعة، ﴿وَأَمّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ﴾ (١٦)؛ويقول عند ضيق الرّزق عليه إذا كان رزقه على مقدار البلغة: ربي أهانني بالفقر، وضيق المعيشة، وأذلّني بذلك، ولم يشكر الله على ما أعطاه من سلامة الجوارح. قوله تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ (١٧)؛أي حاشا أن يكون إكرام الله لعباده مقصورا على توسعة النّعم عليه، وأن تكون إهانة الله لعباده مقصورة على تضييق الرزق عليهم، بل يوسّع الله تعالى النّعم على من يشاء على ما تقتضيه الحكمة. قال الحسن: «أكذبهم جميعا؛ يقول: ما بالغنى أكرمت، ولا بالفقر أهنت».

стр. 2988

وقوله ﴿(كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ)﴾ معناه: لا يعرفون حقّ اليتيم بالعطيّة والصدقة، ولا يحفظون ماله عليه، وفي هذا بيان أنّ إهانة الله إنما تكون بالمعصية لا بما توهّم الكافر. وروي أنّ هذه الآيات نزلت في أميّة بن خلف، كان في حجره يتيم كان لا يحسن إليه ولا يعرف حقّه. ومعنى (كلاّ) ردّ عليه؛ أي لم أبتليه بالغنى لكرامته عليّ، ولم أبتليه بالفقر لهوانه عليّ، والفقر والغنى من تقديري وقضائي، فلا أكرم (١) من أكرمته بالغنى، ولا أهين من أهنته بالفقر، ولكني أكرم من أكرمته بطاعتي، وأهين من أهنته بمعصيتي. قيل: معناه: أهنت من أهنت من أجل أنه لم يكرم اليتيم، قال ﷺ : [أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنّة] (٢).وقال: [كافل اليتيم كالصّائم لا يفطر، وكالقائم لا يفتر] (٣)،و [من مسح على رأس يتيم تعطّفا عليه، كتب الله له بكلّ شعرة مرّت عليها يده عشر حسنات] (٤).وقال عيسى ﵇: «الفقر مشقّة في الدّنيا مسرّة في الآخرة، والغنى مسرّة في الدّنيا مشقّة في الآخرة». قرأ ابن عامر «(فقدّر عليه رزقه)» بتشديد الدال، وهما لغتان، وكان أبو عمرو يقول: «قدر بمعنى قتّر، وقدّر هو أن يعطيه ما يكفيه» (٥).

стр. 2989

قوله تعالى: ﴿وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ (١٨)؛أي لا يحثّون الناس على الصّدقة على المساكين، قال عمران بن الحصين: [ما قام رسول الله ﷺ خطيبا إلاّ وحثّ على الصّدقة ونهى عن المسألة] (١). واختلف القرّاء في هذه الآية، فقرأ أبو عمرو (٢) «(يكرمون)» وما بعده بالياء كلها، وقرأ الباقون بالتاء، وقرأ أهل الكوفة «(تحاضّون)» بالألف وفتح التاء؛ أي يحضّ بعضهم على ذلك والتّحاضّ: الحثّ، وروي عن الكسائي «(تحاضّون)» بضم التاء. قوله تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا﴾ (١٩)؛أي تأكلون الميراث أكلا شديدا؛ أي تلمّون بجميعه من قولهم: لممت ما على الخوان؛ إذا أكلته أجمع، قال الحسن: (هو أن يأكل الرّجل نصيب نفسه ونصيب صاحبه من الميراث» (٣)،ويقال: أراد أكل ميراث اليتيم بغير حقّ؛ لأنه هو الذي سبق ذكره، ويقال: المراد أن يصرف ما ورثه من نصيب نفسه إلى الباطل. وفائدة تخصيص الميراث التّنبيه به على حكم غيره؛ لأنه إذا منع عن الأكل (٤) أحلّ أمواله بالباطل، ففي أكل غير ذلك أولى، ويقال معنى (أكلا لمّا) أي يأكل نصيبه ونصيب غيره، قال بكر بن عبد الله: «اللّمّ: الاعتداء في الميراث، يأكل ميراثه وميراث غيره» (٥). وقال ابن زيد: «اللّمّ: الّذي يأكل كلّ شيء يجده ولا يسأل عنه أحلال هو أم حرام؟ ويأكل الّذي له ولغيره، وذلك أنّهم كانوا لا يورّثون النّساء ولا الصّبيان» (٦).

стр. 2990

وفي الحديث عن النبيّ ﷺ أنه قال: [من قطع ميراثا فرضه الله، قطع الله ميراثه من الجنّة] (١). قوله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (٢٠)؛أي حبّا كثيرا شديدا، لا تنفقونه في سبيل الله، تحرصون عليه في الدّنيا، وتعدلون عن أمر الآخرة. قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ (٢١)؛معناه: كلاّ ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر، فلا تفعلوا ذلك، وانزجروا عنه وارتدعوا، و (كلاّ) كلمة ردع وزجر، ثم أوعدهم فقال تعالى ﴿(إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ)﴾ أي ستذكرون وتندمون إذا زلزلت الأرض، قصرت بعضها ببعض حتى استوت الأرض، وصارت كالصّخرة الملساء، وتكسّر كلّ شيء على ظهرها. قوله تعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٢٢)؛أي وجاء أمر ربك بالمجازاة والمحاسبة، والملائكة صفوف صفّا بعد صفّ عند حساب الناس، يشاهدون ما يجري عليهم، ويقال: إن الملائكة يصفون صفّا واحدا حول الجنّ والإنس يحيطون بهم. قوله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ؛﴾ جاء في التفسير: أنّها تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زمام، على كلّ زمام سبعين ألف ملك، لها تغيّظ وزفير، ويكشف عنها غطاؤها حتى يراها العباد، قال الله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ؛﴾ أي يتحسّر ويندم على ما فاته لمّا رأى النار والعذاب، ﴿وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ (٢٣)؛أي ومن أين له في ذلك الوقت توبة تنفعه، أو عظة تنجيه. قوله تعالى: ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ (٢٤)؛أي يا ليتني عملت في حياتي الفانية لحياتي الباقية، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ﴾

стр. 2991

﴿أَحَدٌ﴾ (٢٦)؛قراءة العامّة بكسر الذال، و «(يوثق)» بكسر الثاء، معناه: لا يعذّب كعذاب الله أحد، ولا يوثق كوثاقه أحد. وقرأ الكسائي ويعقوب بفتح الذال والثاء، ومعناه: لا يعذب عذاب الكفار الذي لم يقدّموا لحياتهم أحد، ولا يوثق مثل وثاقه أحد. قيل: إن هذا الإنسان المعذّب أمية بن خلف الجمحيّ. قوله تعالى: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ (٢٧)،المراد بها نفس المؤمن، يقول لها الملائكة عند قبضها، وإذا أعطيت كتابها بيمينها التي أيقنت بأنّ الله ربّها، وعرفت توحيدها خالقها فاطمأنّت بالإيمان وعملت للآخرة، وصدّقت بثواب الله، ﴿اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٣٠)؛ارجعي إلى ما أعدّ الله لك من نعيم الجنة، راضية عن الله بالثواب، مرضيّة عنده بالإيمان والعمل الصالح، فادخلي في جملة عبادي الصالحين، وادخلي جنّتي التي أعدّت لك. وقال مجاهد: «معناه: يا أيّتها النّفس المنيبة الّتي أيقنت أنّ الله خالقها، المطمئنّة إلى ما وعد الله، المصدّقة بما قال، الرّاضية بقضاء الله الّذي قد علمت بأنّ ما أصابها لم يكن ليخطئها، وما أخطأها لم يكن ليصيبها) (١).وقيل: معناه: المطمئنّة بذكر الله المتوكّلة على الله، الواثقة بما ضمن لها من الرّزق. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: [إذا توفّي العبد المؤمن أرسل الله ملكين معهما تحفة من الجنّة، فيقال لنفسه: أيّتها النّفس المطمئنّة، أخرجي إلى روح وريحان، وربّ عنك راض. فتخرج كأطيب ريح المسك. فتشيّعها الملائكة في السّماء، فيقولون: قد جاء من الأرض روح طيّبة، فلا تمرّ بباب إلاّ فتح لها، ولا بملك إلاّ صلّى عليها، وتقول الملائكة: ربّنا هذا عبدك فلان، كان يعبدك ولا يشرك بك شيئا. فيقول الله: يا ميكائيل اذهب بهذه النّفس، فاجعلها مع أنفس المؤمنين حتّى أسألك عنها يوم القيامة.

стр. 2992

ثمّ يأمر بأن يوسّع عليه في قبره سبعين ذراعا عرضه، وسبعين ذراعا طوله، ويجعل له فيه نورا كالشّمس، وكان كالعروس ينام فلا يوقظه إلاّ أحبّ أهله إليه، فيقوم من نومه كأنّه لم يشبع منه] (١). وعن جعفر عن سعيد قال: قرأ رجل عند رسول الله ﴿(يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً)﴾،فقال أبو بكر ﵁: ما أحسن هذا يا رسول الله؟ فقال: [يا أبا بكر إنّ الملك سيقوله لك] (٢). آخر تفسير سورة (الفجر) والحمد لله رب العالمين

стр. 2993

سورة البلد سورة البلد مكّيّة، وهي ثلاثمائة وعشرون حرفا، واثنتان وثمانون كلمة، وعشرون آية. قال رسول الله ﷺ : [من قرأها أعطاه الله الأمن من غضبه يوم القيامة] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ (١)؛يعني مكّة، أقسم الله بها إعظاما لها، وحرف (لا) زائدة. قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ (٢)؛أي وأنت-يا محمّد-حلّ بمكّة، يعني: وأنت مقيم فيها، وقيل: أنت حلال فيها، تصنع ما تريد من القتل والأسر، يعني: وأنت حلال لك أن تتصرّف فيها، وذلك أنّ الله تعالى أحلّ لنبيّه ﵇ مكّة يوم الفتح حتى قاتل، وقتل ابن خطل (٢) وهو متعلّق بأستار الكعبة، ومقيس بن صبابة (٣) وغيرهما (٤).

стр. 2994

قوله تعالى: ﴿وَوالِدٍ وَما وَلَدَ﴾ (٣)؛فهذا قسم بآدم وذريّته، وجواب القسم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ (٤)؛أي في شدّة من حين ينفخ فيه الروح إلى أن يصل إلى الآخرة، ليعلم أنّ الدّنيا دار كدّ ومشقّة، والجنّة دار الراحة والنعمة. والمكابدة في اللغة: هو أن يكابد الإنسان أمر المعاش والمعاد، قال الحسن: «تكاد مصائب الدّنيا، وشدائد الآخرة، لا تلقى ابن آدم إلاّ يكابد أمر الدّنيا في مشقّة» (١). قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ (٥)؛كناية عن الإنسان، وقد جاء في التفسير: أنه نزل في أبي الأشدّ بن كلدة الجمحيّ، كان قويّا شديدا يضع الأديم العكاظيّ فيقف عليه ويقول: من أزالني عنه فله كذا وكذا، فيجتمع عليه عشرة أقوياء ويجرّون الأديم، فكان ينقطع الأديم ولا تزول قدماه عن مكانهما. والمعنى: يظنّ هذا الكافر بشدّته وقوّته أن لن يقدر عليه أحد؛ أي على أخذه وعقوبته أحد، وأن لن يبعث (٢)،والله قادر عليه، فيقال: إنه لمّا نزل ذلك حصر بطنه وانحصر بوله فكان يتمرّغ في التراب ويقول: قتلني ربّ محمّد (٣). قوله تعالى: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً﴾ (٦)؛يعني هذا الكافر المذكور يقول: أهلكت مالا كثيرا في عداوة محمّد وأصحابه فلم ينفعني ذلك. واللّبد: كلّ ما لبد بعضه على بعض. قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ (٧)؛ معناه: أيظنّ أنه لم يحص عليه ما أنفق، وأنه لا يسأل عنه من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ﴾ (٩)؛ ذكر الله منّته عليه فقال: ألم نجعل له عينين يبصر بهما، ولسانا يتكلّم به، وشفتين يستعين بهما على الكلام.

стр. 2995

قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (١٠)؛أي وبيّنا له وعرّفناه الخير والشرّ، ليسلك طريق الخير، ويجتنب طريق الشرّ، وعن رسول الله ﷺ : أنّه قرأ ﴿(وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ)﴾ وقال: [أيّها النّاس إنّهما نجدان: نجد الخير، ونجد الشّرّ] (١). وقيل: معنى ﴿(وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ)﴾:ألهمناه مصّ الثّديين، والثديان هما النّجدان، وهذا قول سعيد بن المسيّب والضحاك، ورواية عن ابن عبّاس. قوله تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ (١١)؛معناه: فلا جاد بماله بإنفاقه في طاعة الله، وهلاّ دخل في عمل البرّ، وأنفق ماله في فكّ الرّقاب وإطعام الجياع ليجاوز العقبة، فيكون خيرا له من إنفاقه في عداوة محمّد ﷺ . وقال مجاهد والضحّاك والكلبيّ: «يعني بالعقبة الصّراط، يضرب على جهنّم كحدّ السّيف مسيرة ثلاثة آلاف سنة سهلا وصعودا وهبوطا، بجنبيه كلاليب وخطاطيف كأنّها شوك السّعدان، فناج سالم، وناج مخدوش، ومكردس في النّار منكوس. ومن النّاس من يمرّ عليه كالبرق، ومنهم من يمرّ عليه كالرّيح، ومنهم كالفارس، ومنهم كالرّجل يعدو، ومنهم كالرّجل يمشي، ومنهم من يزحف ومنهم الزّالق. واقتحامه على المؤمن كما بين صلاة العصر إلى العشاء». وقال قتادة: «هذا مثل ضربه الله تعالى، يقال: إنّ المعتق والمطعم يقاحم نفسه وشيطانه مثل من يتكلّف صعوده»،قال ابن زيد: «معنى الآية: فهلاّ سلكت الطّريق الّذي فيها النّجاة» (٢). ثمّ بيّن ما هي، قوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ (١٢)؛تعظيم لشأن العقبة، تقول: ما أعلمك يا محمّد بأيّ شيء تجاوز عقبة الصّراط، قال سفيان

стр. 2996

بن عيينة: «كلّ شيء قال الله فيه: ﴿(وَما أَدْراكَ)﴾ فإنّه أخبر به، وما قال فيه: ﴿(وَما يُدْرِيكَ)﴾ فإنّه لم يخبره» (١). قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (١٣)؛من قرأ بضمّ الكاف فمعناه: اقتحامها فكّ رقبة من رقّ أو شر أو ظلم ظالم أو من سلطان جائر. والاقتحام: الدّخول في الشّيء على الشدّة. قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ﴾ (١٥)؛ منك، ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ﴾ (١٦)؛لاصقا بالتّراب من الجهد والفاقة، ويقال: إن المتربة شدّة الحاجة إذا افتقر. ومن قرأ «(فكّ)» بالنصب «(أو أطعم)» فمعناه: أفلا فكّ الرقبة وهلاّ أطعم في يوم ذي مسغبة. وعن البراء بن عازب قال: جاء أعرابيّ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله علّمني عملا يدخلني الجنّة، فقال: [لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة: فكّ الرّقبة وأعتق النّسمة] قال: أوليسا سواء يا رسول الله؟! قال: [عتق النّسمة أن تنفرد بعتقها، وفكّها أن تعين في تمنها، فإن لم تطق ذلك فكفّ لسانك إلاّ من خير] (٢). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ (١٧)؛معناه: إنّ أفعال القرب إنما تنفعه إذا كان مع ذلك من الذين آمنوا. وحرف (ثمّ) ههنا للتّرادف في الإخبار، لا للترادف في المحالّ، كأنه قال: وكان مؤمنا قبل ذلك من الذين يتواصون بالصبر. ويجوز أن يكون معناه: فعل ذلك ثمّ ثبت على الإيمان إلى أن يلقى الله تعالى.

стр. 2997

وقوله تعالى: ﴿(وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ)﴾ أي وصّى بعضهم بعضا بالصبر على طاعة الله، والصبر عن معاصيه، ﴿(وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ)﴾ أي وأوصى بعضهم بعضا بالتّراحم على الناس واليتامى والمساكين والضعيف والمظلوم، وفي الحديث: [من لم يرحم النّاس لم يرحمه الله] (١). وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ (١٨) معناه: أولئك الذين اجتمعت فيهم هذه الخصال هم أصحاب اليمن والبركة، وهم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، ويؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنّة. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ (١٩)؛أي هم أصحاب الشّؤم على أنفسهم، وهم الذين يعطون كتبهم بشمائلهم، ويؤخذ بهم ذات الشّمال «إلى» النار. قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ (٢٠)؛أي مطبقة أبوابها عليهم مسدودة، من قولك: أوصدت الباب وأوصدته إذا أطبقته، ومنه سمّي الباب الوصيد. قال ﷺ : [من قرأ سورة البلد أعطاه الله الأمان من غضبه يوم القيامة] (٢). آخر تفسير سورة (البلد) والحمد لله رب العالمين

стр. 2998

سورة الشّمس سورة الشّمس مكّيّة، وهي مائتان وسبعة وأربعون حرفا، وأربع وخمسون كلمة، وخمس عشرة آية. قال ﷺ : [من قرأها فكأنّما تصدّق على كلّ من طلعت عليه الشّمس] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ (١)؛أقسم الله سبحانه بالشمس ونحوها مما ذكره من أوّل السّورة لما فيها من دلائل وحدانيّة الله تعالى فقال ﴿(وَالشَّمْسِ وَضُحاها)﴾ أراد بالضّحى ارتفاعها، قال مجاهد: «معناه: والشّمس وضوئها» (٢) ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ (٢)؛أي إذا تبع الشّمس وطلع بعد غروبها، وذلك في أوّل ليلة الهلال إذا سقطت الشمس ريء (٣) الهلال، وكذلك في نصف الشّهر إذا غربت الشمس يتبعها القمر في الطلوع من المشرق، وأخذ موضعها وصار خلفها. قوله تعالى: ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها﴾ (٣)؛أي إذا بيّن الشمس، وذلك أن الشمس إنما تضيء وتتبيّن إذا انبسط النهار، وأما في حال طلوعها فهي تطلع لا نور لها، ثم يضحّيها الله تعالى. ويجوز أن يكون معناه: إذا جلاّ ظلمة الليل أو جلاّ الدّنيا، فيكون هذا كناية عن غير مذكور، وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها﴾ (٤)؛أي إذا يغشى الشمس فيذهب بنورها، وتظلم الدنيا عند غروبها.

стр. 2999

وقوله تعالى: ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ (٥)؛أي والسّماء وما بناها؛ وهو تأليفها الذي نشاهده في سعتها، وارتفاع سمكها، وقرارها بغير عمد. و (ما) مع الفعل بتأويل المصدر، ويجوز أن يكون معناه: والسماء والذي بناها كما يقال: سبحان من سبّحت له وسبحان من سبّح الرعد بحمده (١). والمعنى ﴿(وَالسَّماءِ وَما بَناها)﴾ أي ومن خلقها، وهو الله تعالى كما قال تعالى ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ (٢) ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ (٣) وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ وَما طَحاها﴾ (٦)؛معناه على القول الأول: والأرض وطحوها وهو بسطها على وجه الماء، وعلى القول الثاني والأرض ومن طحاها. قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ (٨)؛ معناه على القول الأوّل: والأنفس كلّها وتسويتها باليدين والرجلين والعينين والأذنين وغير ذلك من الحواسّ، وما ألهمها الله من طريق فجورها لتتركه، وطريق تقواها لتلزمه، فعرفت ذلك بأدلّة الله، وعلى القول الثاني: ونفس ومن سوّاها، فبيّن لها ما تأتي، وما تبقي، وخذلها للفجور. قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ (٩)؛جواب القسم، يقول: قد فاز ونجا من طهّر نفسه بالإيمان والطاعة فصار زاكيا طاهرا بنعيم الجنة، ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ (١٠)؛أي وقد خسر من دسّ نفسه؛ أي أهملها في الكفر والمعاصي. ويقال: معناه: قد أفلح من زكّى الله نفسه؛ أي أصلحها الله وطهّرها من الذنوب ووفّقها للتقوى، وقد خاب وخسر من دسّاها، دسّا الله نفسه أي شهرها وأخذلها وأحملها وأخفى محملها حتى عملت بالفجور وركبت المعاصي. وقيل: معنى (دسّاها) أغواها وأضلّها وأثّمها وأفجرها. وقال ابن عبّاس: «أهلكها».

стр. 3000

والأصل في جواب القسم أن يقال: (لقد أفلح) باللام، وإنما حذفت؛ لأن الكلام إذا طال صار طوله عوضا من اللام. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ (١١)؛أي كذبت قوم صالح الرسل بطغيانهم، والطّغوى مصدر كالفتوى والدّعوى، والمعنى: كذبت ثمود بطغيانها وعدوانها. قوله تعالى: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها﴾ (١٢)؛أي حين قام أشقاها لعقر الناقة، وصار هو السبب لهلاك الكلّ. قيل: إنه كان أشقاهم رجل يقال له مصدّع، وهو الذي ابتدأ عقرها، وقال الكلبيّ: «كانا اثنين مصدّع وقدار».والمعنى إذ انبعث أشقاها، وإنما ذكرها بلفظ التأنيث؛ لأنّ الهاء راجعة إلى القبيلة، وقيل: المراد بقوله (أشقاها) قدار بن سالف، وكان رجلا أشقر أزرق قصيرا ملتزق الخلق، واسم أمه قديدة. قوله تعالى: ﴿فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها﴾ (١٣)؛أي قال لهم صالح ﵇: احذروا ناقة الله التي هي الآية الدالّة على توحيده أن تصيبوها بمكروه فتؤخذوا بذلك، واحذروا سقياها؛ أي شربها ونوبتها؛ أي لا تزاحموها في يومها. هذا نصب كما يقال: الأسد الأسد (١). قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها؛﴾ أي فكذبوا صالحا فيما قال لهم: إنّكم إن أصبتموها بسوء أخذكم عذاب يوم عظيم، فعقروها وقتلوها. قوله تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ (١٤)؛أي فأطبق عليهم بالصّيحة، وأرجف بهم الأرض، ودمّر عليهم، يقال: دمدمت على الميت إذا أطبقت عليه القبر.

стр. 3001

قال ابن الأنباريّ: «أصل الدّمدمة: الغضب» (١) والمعنى: غضب عليهم ربّهم فسوّى عليهم العقوبة، فلم ينفلت منهم صغير ولا كبير. ويجوز أن يكون معناه: فسوّاها؛ أي سوّى الأرض عليهم حتى لم ير لهم أثر. قوله تعالى: ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ (١٥)؛أي ولا يخاف الله عاقبة إهلاكهم. وقيل: إنّ قوله تعالى ﴿(وَلا يَخافُ)﴾ راجع إلى رسولهم صالح ﵇، كان لا يخاف عند التدمير من عاقبة أمرهم. وقيل: هو راجع إلى قوله تعالى ﴿(إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها)﴾ كأنه قال: قام لعقرها وهو كالآمن من نزول الهلاك به وبقومه جهلا منه. آخر تفسير سورة (الشمس) والحمد لله رب العالمين

стр. 3002

سورة اللّيل سورة اللّيل مكّيّة، وهي ثلاثمائة وعشرة أحرف، وإحدى وسبعون كلمة، وإحدى وعشرون آية. قال ﷺ : [من قرأها أعطاه الله حتّى يرضى، وعافاه من العسر، ويسّر له اليسر]. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾ (١)؛أقسم الله بالليل إذا يغشى الأفق، ويعمّ الأشياء كلّها بالظلام، ﴿وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى﴾ (٢)؛أي أضاء، وأنار، وذهب بظلمة الليل، ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (٣)؛وأقسم بخلقة الذكر والأنثى لإبقاء النّسل، وقيل: معناه: ومن خلق الذكر والأنثى. قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى﴾ (٤)؛أقسم الله بهذه الأشياء لما فيها من دلائل وحدانيّة الله على أنّ أعمال العباد في الدّنيا مختلفة، منهم من يريد الدنيا فيجعل سعيه لها، ويعمل في هلاك رقبته، ومنهم من يريد الآخرة ويجعل سعيه لها، ويعمل في فكاك رقبته، وشتّان ما بين العملين. قوله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى﴾ (٥)؛بيّن الله اختلاف سعيهم بقوله: فأمّا من أعطى الحقوق من ماله، واتّقى المعاصي واجتنب المحارم، ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى﴾ (٦)؛أي أيقن بالخلف في الدّنيا، والثواب في الآخرة، وقيل: معناه: وصدّق بالجنة، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ (٧)؛فسنوفّقه للعود إلى الطاعة مرّة بعد أخرى لتسهل (١) عليه طريق الجنة. وعن أبي الدّرداء قال: قال رسول الله ﷺ : [ما من يوم غربت شمسه إلاّ وملكان يناديان: اللهمّ أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا

стр. 3003

تلفا] (١).وقال الضحّاك: «معنى قوله تعالى: ﴿(وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى)﴾ ب:لا إله إلاّ الله» (٢).وقيل: إنّ هذه الآية نزلت في أبي بكر ﵁ (٣). قوله تعالى: ﴿وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى﴾ (٨)؛أي بخل بماله، ومنع ما يلزمه من حقوق الله، واستغنى عن ربه، ولم يرغب في ثوابه، فعمل عمل من يستغني عن الله، ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى﴾ (٩)؛وكذب بثواب المصدّقين في الجنة، وكذب بالتوحيد والنبوّة، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ (١٠)؛أي يخذله بمعاصيه ومصيره النار، والمراد به أبو جهل، ويدخل فيه كلّ من عمل مثل عمله. قوله تعالى: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى﴾ (١١)؛أي ما ينفع هذا الكافر الذي بخل بماله كثرة ماله بعد موته إذا هوى وسقط في هوى النار، لم يؤدّ منه فريضة، ولا وصل منه رحما. وقال مجاهد: «معنى (إذا تردّى):إذا مات» (٤)،وقال قتادة: «إذا هوى في جهنّم». قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ (١٢)؛أي أن نبيّن طريق الهدى من طريق الضّلالة، وأن نبيّن الحقّ من الباطل، وقال الفرّاء: «معناه: من سلك الهدى فعلى الله سبيله لقوله تعالى ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ (٥)) (٦) ﴿وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى﴾ (١٣)؛معناه: وإنّ لنا للآخرة، فنعطي منها ما شئنا على ما توجبه الحكمة لمن كان أهلا لذلك، وإن لنا للأولى وهي الدّنيا، فنعطي منها من نشاء. قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى﴾ (١٤)؛أي خوّفتكم يا أهل مكة إن لم تؤمنوا بالقرآن نارا تتوقّد وتتوهّج. ولا يجوز أن يكون هذا بمعنى الماضي؛ لأنه لو كان ماضيا لقيل: تلظّت.

стр. 3004

قوله تعالى: ﴿لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى﴾ (١٥)،أي لا يدخلها ولا يلزمها إلاّ الأشقى في علم الله تعالى، ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ (١٦)؛وهو الكافر الذي كذب بتوحيد الله تعالى والقرآن، وأعرض عن الإيمان. قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ (١٧)؛أي سيباعد عنها التقيّ، ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ (١٩)؛أي لم يفعل مجازاة لبرّ أسدي إليه ولا لمثابة الدّنيا، ولكن أعطى ما أعطى لطلب ثواب الله ورضاه، ولسوف يعطيه الله في الآخرة من الثواب حتى يرضى. قيل: إنّ قوله ﴿(وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى)﴾ إلى آخر السّورة نزلت في أبي بكر ﵁، حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه: «أنّ أبا بكر ﵁ أعتق سبعة، كلّهم كانوا يعذبون في الله تعالى، وهم: بلال؛ وعامر بن فهيرة شهد بدرا وأحدا وقتل يوم بئر معونة شهيدا. وأمّ عميس وزنيرة، فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلاّ اللاّت والعزّى! فقالت: كذبوا وثبّتها الله، فردّ الله بصرها. وأعتق النّهديّة وابنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدّار، ومرّ بجارية بني مؤمّل حيّ من بني عديّ بن كعب، وكانت مسلمة، وعمر بن الخطّاب يعذّبها لترك الإسلام وهو يومئذ مشرك، فاشتراها أبو بكر فأعتقها. فأمّا بلال فكان لبعض بني جمح مولّدا من مولّديهم وهو بلال بن رباح، وكان اسم أمّه حمامة، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان أميّة بن خلف الجمحيّ يخرجه إذا حميت الظّهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكّة، ثمّ يأمر بالصّخرة العظيمة، فتوضع على صدره، ويقال له: لا تزال هكذا حتّى تموت أو تكفر بمحمّد وتعبد اللاّت والعزّى، فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد. فمرّ به أبو بكر يوما وهم يصنعون به ذلك، فقال لأميّة بن خلف: (ألا تتّقي الله في هذا المسكين؟ حتّى متى؟) فقال: أنت أفسدته فأنقذه ممّا ترى. فقال أبو بكر: (عندي غلام أسود أجلد منه، وأقوى على دينك أعطيكه به).قال: قد قبلت، قال: (هو لك).فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك وأخذ بلالا فأعتقه. فقالوا: لو أبيت أن تشتريه إلاّ بأوقيّة لما منعناك. فقال أبو بكر: (ولو أبيتم إلاّ بمائة أوقيّة لأخذته).

стр. 3005

وأمّا النّهديّة وابنتها فكانتا لامرأة من بني عبد الدّار، مرّ بهما أبو بكر وهما يطحنان، وسيّدتهما تقول: والله لا أعتقكما أبدا، فقال لها أبو بكر: (يا أمّ فلان خلّ عنهما)،فقالت: بل أنت خلّ عنهما، أنت أفسدتهما، فقال: (بكم هما؟) قالت: بكذا وكذا، قال: (أخذتهما بذلك وهما حرّتان لله تعالى) ثمّ قال لهما: (قوما واربعا لها طحينها)،قالتا: ألا نفرغ من طحينها ونردّه إليها؟ قال: (ذلك إليكما إن شئتما). فقال أبو قحافة لأبي بكر: (يا بنيّ إنّي أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنّك أعتقت رجالا جلادا يمنعونك ويقوّمون دونك؟) فقال أبو بكر: (يا أبه إنّي إنّما أريد الله)،فنزل فيه قوله تعالى: ﴿(فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى .. )﴾ إلى قوله: ﴿(وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى)﴾ إلى آخر السّورة» (١). وعن سعيد بن المسيّب قال: «بلغني أنّ أميّة بن خلف الجمحيّ قال لأبي بكر حين طلب منه أن يعطيه بلالا قال له: لا أبيعه منك إلاّ بغلامك منطاس، وكان مشركا، فراوده أبو بكر على الإسلام فأبى، وكان لمنطاس عشرة آلاف دينارا ومواش وجوار. فراوده أبو بكر على الإسلام، ويكون ماله له فأبى، فأبغضه أبو بكر، فلمّا قال له أميّة ذلك باعه منه، فقال المشركون: ما فعل أبو بكر ذلك لبلال إلاّ ليد كانت لبلال عنده، فأنزل الله تعالى ﴿(وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى» ﴿إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ (٢١)؛بثواب الله في العقبى عوضا عمّا فعل في الدّنيا (٢). آخر تفسير سورة (الليل) والحمد لله رب العالمين

стр. 3006

سورة الضّحى سورة الضّحى مكّيّة، وهي مائة واثنان وتسعون حرفا، وأربعون كلمة، وإحدى عشرة آية. قال رسول الله ﷺ : [من قرأها كان فيمن يرضاه الله لمحمّد أن يشفع، ويكتب له بعدد كلّ يتيم وسائل عشر حسنات] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ (٣) قال ابن عبّاس وقتادة: «لمّا سألت اليهود رسول الله ﷺ عن الرّوح، وعن ذي القرنين، وأصحاب الكهف، قال لهم: [سأخبركم غدا] ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس الوحي عنه وأبطأ عنه جبريل خمس عشرة ليلة لتركه الاستثناء، فقال المشركون والمنافقون: إنّ محمّدا ودّعه ربّه وقلاه فأنزل الله هذه السّورة تكذيبا لهم، وأقسم ببياض النّهار وسواد اللّيل أنّه سبحانه لم يودّعه ولم يقله». وفيه إضمار تقديره: ورب الضّحى وهو النهار كلّه، وقال بعضهم: ساعة ارتفاع الشّمس على ما هو المعهود من الكلام. وقوله تعالى ﴿(وَاللَّيْلِ إِذا سَجى)﴾ أي إذا أظلم، واشتدّ ظلامه حتى يستر الأشياء كلّها بالظلام، ومنه قولهم: فلان يسجى بثوبه؛ أي مغطّى، ومنه قولهم: سجى قبر المرأة. وقيل: معناه: إذا سكنت الأشياء فيه، ومن ذلك: بحر ساج؛ أي ساكن، ويقال: بلد ساجية إذا كان أهلها في سكون، وكذلك طريق ساج؛ أي آمن، قال الشاعر: أنا ابن عمّ اللّيل وابن خاله ... إذا سجى دخلت في سرباله

стр. 3007

قوله تعالى: ﴿(ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى)﴾ أي ما تركك منذ اختارك، ولا بغضك منذ أحبّك، وهذا جواب القسم. قوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى﴾ (٤)؛أي لثواب الآخرة مما أعدّه الله لك فيها من الكرامة والمقام المحمود خير لك من الدّنيا التي هي مشوبة بالأحزان والزّوال. قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ (٥)؛معناه: سيعطيك خالقك في الآخرة من الشّفاعة، وثواب الطاعة حتى ترضى. ويجوز أن يكون هذا وعدا له من الله بالنّصرة والتمكين وكثرة المؤمنين. وعن ابن عبّاس ﵄ قال: «رضى محمّد أن لا يدخل أحد من أهل بيته النّار» (١).وقيل: الشفاعة في جميع المؤمنين، وعن عليّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [أشفع لأمّتي حتّى ينادي ربي : أرضيت يا محمّد؟ فأقول: رضيت] (٢). وعن جعفر بن محمّد قال: دخل رسول الله ﷺ على فاطمة وهي تطحن بيدها وترضع ولدها، فلمّا أبصرها كذلك دمعت عيناه، فقال: [يا بنتاه تعجّلي (٣) فتجرّعي مرارة الدّنيا بحلاوة الآخرة، فقد أنزل الله عليّ ﴿(وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى)﴾] (٤).وعن ابن عبّاس قال: «يعطيه الله في الجنّة ألف قصر من اللّؤلؤ ترابه المسك، في كلّ قصر من كلّ ما يشتهى على أحسن الصّفات» (٥).

стр. 3008

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى﴾ (٦)؛عدّد عليه نعمه الموصولة إليه من صغره إلى كبره، والمعنى: ألم يجدك يتيما عن أبيك فضمّك إلى أبي طالب، وربّاك في حجره، وفضّلك على أولاده، وقد كان أبوه مات وهو في بطن أمّه، وماتت أمّه وهو ابن سنتين، ومات جدّه وهو ابن ثماني سنين. وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ (٧) أي ضالاّ عن علم النبوّة، وأحكام الشّريعة غافلا عنها، فهداك إليها، دليله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ (١)،وقوله تعالى ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ﴾ (٢).ولا يجوز أن يقال في معناه: إنه ﵇ كان على دين قومه، فهداه الله؛ لأنه تعالى لا يختار للرّسالة من كفر. وقيل: معناه: أنّ النبي ﷺ كان ضلّ في صغره عن قومه في شعاب مكّة، فوجده أبو لهب فردّه على جدّه. وقيل: معناه: وجدك ضائعا بين قوم ضوالّ لا يعرفون حرمتك، فهداهم الله تعالى إلى معرفة قدرك. قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى﴾ (٨) أي ووجدك فقيرا فأغناك بمال خديجة والغنائم، وذلك أنّها كانت تبذل مالها للنبيّ ﷺ . والعيلة في اللغة: الفقر، يقال: عال الرجل إذا كثر عياله وافتقر، قال الشاعر (٣): وما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغنيّ متى يعيل وحذف الكاف من قوله تعالى (فآوى، فأغنى، فهدى) لمشاكلة رءوس الآي؛ ولأن المعنى معروف، قال مقاتل: «وكلّ فصل من هذه الفصول قراءة جبريل ﵇ على النّبيّ ﷺ وهو يقول: [بلى يا رب] ثمّ قال: [يمنّ عليّ ربي وهو أهل المنّ، يمنّ عليّ ربي وهو أهل المنّ]» (٤).

стр. 3009

وعنه ﷺ قال: [سألت ربي مسألة وددت أنّي لم أسألها قطّ، قلت: يا رب اتّخذت إبراهيم خليلا، وكلّمت موسى تكليما، وسخّرت لداود الجبال يسبحن، وأعطيت سليمان كذا وكذا. فقال الله تعالى: ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أجدك ضالاّ فهديتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أشرح لك صدرك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أرفع لك ذكرك فلا أذكر إلاّ وتذكر معي؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أوتك ما لم أوت نبيّا قبلك خواتيم سورة البقرة؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم اتّخذك حبيبا كما اتّخذت إبراهيم خليلا؟ قلت: بلى يا رب] (١). قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ (٩)؛وهذا حثّ للنبيّ ﷺ على محاسن الأخلاق ليقتدي به الناس، ويجدّوا في سلوك طريقته. ومعنى قهر اليتيم: أن يقهره على ماله، وأن يظلمه بقول أو فعل. وفي قراءة ابن مسعود «(فلا تكهر)» بالكاف (٢)،ومعناه: الزجر والاتعاظ. وتخصيص اليتيم لأنه لا ناصر له غير الله. وفي الحديث: [اتّقوا ظلم من لا ناصر له غير الله] (٣). وعن النبيّ ﷺ أنه قال: [من ضمّ يتيما فكان في مئونته ونفقته كان له حجابا من النّار يوم القيامة، ومن مسح برأس يتيم كان له بكلّ شعرة حسنة] (٤).وقال ﷺ :

стр. 3010

[إنّ اليتيم إذا بكى اهتزّ لبكائه عرش الرّحمن، فيقول الله: يا ملائكتي من أبكى هذا اليتيم الّذي غيّبت أباه في التّراب؟ فتقول الملائكة: ربّنا أعلم، فيقول: يا ملائكتي أشهدكم أنّ كلّ من أسكته وأرضاه أن أرضيه يوم القيامة] (١).قال: «فكان عمر إذا رأى يتيما مسح على رأسه وأعطاه شيئا». قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ (١٠)؛وهو الزجر بالصّياح في الوجه، وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [إذا سأل السّائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتّى يفرغ منها، ثمّ ردّوا عليه بوقار ولين أو ببذل يسير أو بردّ جميل، فإنّه قد يأتيكم من ليس بإنس ولا جانّ، ينظرون كيف صنعكم فيما خوّلكم الله] (٢).وسئل رسول الله ﷺ متى يباح أن يردّ الفقير؟ فقال: [إذا رددته ثلاثا تلطّفا فلا يذهب، فلا بأس أن تزبره] (٣). وكان الحسن يقول: «أراد بالسّائل في هذه الآية سائل العلم لا تردّه خائبا». وقال يحيى بن آدم في هذه الآية قال: «إذا جاءك طالب العلم فلا تنهره».وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يمنعنّ أحدكم السّائل أن يعطيه إذا سأل، وإن رأى في يديه قلبين من ذهب] (٤).وعن إبراهيم بن أدهم قال: «نعم القوم السّؤّال، يحملون زادنا إلى الآخرة، يجيء السّائل إلى باب أحدكم فيقول: هل توجّهون إلى أهليكم شيئا».

стр. 3011

قوله تعالى: ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (١١)؛أي حدّث الناس بما أنعم الله عليك من النبوّة والإسلام، وذلك أنّ من شكر النّعم التحدّث تعظيما للمنعم. ويقال: إن الشّكر على مراتب، فالمرتبة الأولى: أن تعلم أنّ النعمة من الله، والثانية: أن تؤدّي عليها حقوق الله، والثالثة: أن تعترف بذلك وتخبر الناس بها، والرابعة: الاستظهار بها على معصية الله. وفي الحديث: [إذا أنعم الله على عبد أحبّ أن يرى أثر نعمته عليه] (١)،وقال ﷺ : [من أعطي خيرا فلم ير عليه، سمّي بغيض الله معاديا لنعمة الله] (٢).قال ﷺ : [من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر النّاس لم يشكر الله، والتّحدّث بالنّعمة شكر] (٣). آخر تفسير سورة (الضحى) والحمد لله رب العالمين

стр. 3012

سورة ألم نشرح سورة ألم نشرح مكّيّة، وهي مائة وثلاثة أحرف، وتسع وعشرون كلمة، وثمان آيات. قال ﷺ : [من قرأها فكأنّما جاءني وأنا مغتمّ ففرّج عنّي] (١). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (١)؛وذلك أنّ النبي ﷺ شقّ بطنه من عند صدره إلى أسفل بطنه فاستخرج منه قلبه فغسل في طشت من ذهب بماء زمزم، ثم ملئ إيمانا وحكمة وأعيد مكانه، قال: وهذا معنى شرح الصّدر. ويقال: إنّ شرح الصّدر، وترحيبه وتليينه؛ لاحتمال الأذى والصبر على المكاره، والطمأنينة بالإيمان وشرائعه. وقيل: معناه: ألم نليّن لك قلبك ونوسّعه بالإيمان والنبوّة والعلم والحكمة. قوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ (٢)؛أي حططنا عنك ذنبك، كما قال تعالى في آية أخرى ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ (٣)؛أي أثقل ظهرك، ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (٤) أي شرّفناك وعظّمنا قدرك بما أوجبناه على خلقنا من التصديق بنبوّتك. وقيل: معناه: قرنّا ذكرك بذكرنا، فلا يذكر الله إلاّ وتذكر معه في كلمة الشّهادة والأذان والخطبة وغير ذلك. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ (٦)؛ معناه إنّ مع الشدّة التي أنت فيها من جهاد «هؤلاء» المشركين رجاء أن يظفرك الله عليهم حتى ينقادوا للحقّ طوعا وكرها (٣)، ﴿(إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)﴾ لتأكيد الوعد وتعظيم

стр. 3013

الرّخاء. وقيل: معناه: فإن مع العسر يسرا في الدّنيا، إنّ مع العسر يسرا في الآخرة. وقيل: إنّ هذه الآية تسلية للنبيّ ﷺ وأصحابه فيما كانوا فيه من الشدّة والفقر، يقول: إنّ مع الشدّة رخاء وسعة. وروي أنّ النبيّ ﷺ لمّا نزلت هذه الآية قال لأصحابه: [أبشروا فقد آتاكم الله اليسر، لن يغلب عسر يسرين] (١). وإنما قال ذلك؛ لأنّ العسر معرفة، و (يسرا) نكرة، والمعرفة إذا أعيدت كان الثاني هو الأول، والنّكرة إذا أعيدت كان الثاني غير الأوّل، واليسر الأوّل هو اليسر في الدنيا يعقب العسر، واليسر الثاني هو اليسر في الآخرة بالثواب، يقول الرجل لصاحبه: إذا اكتسبت درهما فأنفق درهما، يريد بالثاني غير الأول، فإذا فقال: إذا اكتسبت درهما فأنفق الدرهم، فالثاني هو الأول. وعن ابن مسعود قال: «والّذي نفسي بيده، لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتّى يدخل عليه، إنّه لن يغلب عسر يسرين» (٢). قوله تعالى: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ (٧)؛أي إذا فرغت من أمور الدّنيا فانصب لما أمرت به من الإبلاغ والعبادة. وعن الحسن أنه قال: «فإذا فرغت من الجهاد فانصب للعبادة» أي اتعب لها. وعن عمران بن الحصين أنه قال: «إذا فرغت من الصّلاة فاتعب للدّعاء، وسله حاجتك، وارغب إليه» (٣).وقوله (فانصب) من النّصب والدّءوب في العمل. وقوله تعالى: ﴿وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (٨)؛ أي ارفع حوائجك إلى ربك، ولا ترفعها إلى أحد من خلقه. آخر تفسير سورة (الشرح) والحمد لله رب العالمين

стр. 3014

سورة والتّين سورة والتّين مكّيّة، وهي مائة وخمسون حرفا، وأربع وثلاثون كلمة، وثماني آيات (١). قال ﷺ : [من قرأ سورة التّين أعطاه الله خصلتين: العافية واليقين ما دام في دار الدّنيا، وأعطاه الله من الأجر بعدد من قرأها صيام يوم] (٢). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (١)؛هذا قسم برب التين والزيتون، وجوابه ﴿(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ)﴾.وسئل ابن عباس عن التين والزيتون فقال: «هو تينكم هذا». وفي تخصيص التّين من بين سائر الفواكه أنه ثمر شجرة مثل الخبيص على مقدار اللّقمة، ظاهره مثل باطنه، وباطنه مثل ظاهره، لا يخالطه قشر، ولا نوى على صفة ثمار الجنّة. والزيتون ثمر شجرة يعصر منها الزيت بما فيه من الطّيب، وإصلاح الغداء في أكثر الأطعمة مع الاصطباح به والادّهان به. وعن قتادة قال: «التّين هو دمشق، والزّيتون هو بيت المقدس» (٣)،وقال القتيبيّ: «هما جبلان بالشّام، يقال لهما طور تينا وطور زينا؛ لأنّهما ينبتانهما». قوله تعالى: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ (٢)؛هو الجبل بمدين الذي كلّم الله تعالى بها موسى ﵇، وسينين وسيناء من أسماء ذلك الجبل، وعن السديّ أنه قال: «معنى سينين الشّجر».

стр. 3015

ويقال: معناه: المبارك. وعن عكرمة: «أنّ معناه الجبل في الشّتاء؛ لأنّه كثير النّبات والأشجار». قوله تعالى: ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (٣)؛يعني مكّة؛ لأنّ أهلها في أمن من الغارة، وكانوا إذا سافروا لم يتعرّض لهم لحرمة الحرم، والصيد في الحرم آمن، ومن قتل قتيلا، ثم لجأ إلى الحرم لم يقتصّ منه في الحرم. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٤)؛أي في أحسن صورة واعتدال على أحسن صورة وهيئة، وعلى كمال في العقل والفهم، وذلك أنّ الله خلق كلّ شيء منكبّا على وجهه إلاّ الإنسان. وقيل: خلقنا الإنسان مديد القامة يتناول ما يأكله بيده. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ﴾ (٥)؛أي رددناه إلى أرذل العمر، وإلى حال الهرم وفقد العقل بعد الشّباب والقوّة. وقال بعضهم: معناه: رددناه إلى أسفل دركات النار في أقبح صورة. ثم استثنى المؤمنين المطيعين، فإنّهم لا يردّون إلى أسفل سافلين، ويجوز أن يكون هذا استثناء منقطعا بمعنى لكن، ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ؛﴾ أي الطاعات فيما بينهم وبين ربهم، ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٦)؛أي ثواب غير مقطوع؛ أي لا ينقطع ثوابهم بموتهم. وفي الحديث: [إنّ المؤمن إذا عمل في حال شبابه وقوّته، ثمّ مرض أو هرم، كتب الله له حسناته، كما كان يعمل في حال شبابه وقوّته، لا ينقص منه شيء] (١). وعن رسول الله ﷺ أنّه قال: [إذا مات المؤمن فدفن في قبره قال ملكان: يا رب قد مات عبدك فلان، فأذن لنا أن نصعد إلى السّماء فنسبحك، فيقول الله تعالى: سمائي مملوءة من ملائكتي يسبحونني، فيقولون: يا رب فأين تأمرنا؟ فيقول: قوما
следующие страницы →