← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ميتته] (١).وإنّما قال ذلك لأنه علم أنّهم لمّا جهلوا حكم ماء البحر، فإنّهم أشدّ جهلا بحكم ما فيه من المأكول، كذلك هؤلاء لمّا جهلوا المنفق كان جهلهم بالمنفق عليهم أكثر؛ فلهذا ذكر الله المنفق عليهم مع ذكر المنفق. واختلفوا في هذه النفقة المذكورة؛ هل هي واجبة أم لا؟ قال الحسن: (المراد بها التّطوّع على من لا يجوز وضع الزّكاة فيه كالوالدين والمولودين؛ ووضع الزّكاة فيمن يجوز وضعها فيهم).وقال السديّ: (هذه الآية منسوخة بآية الزّكاة) (٢). والصحيح أنّها ثابتة الحكم عامّة في الفرض والتطوع؛ لأن الآية متى أمكن استعمالها لم يجز الحكم بنسخها، ويحتمل أن يكون المراد بها النفقة على الوالدين والأقربين إذا كانوا محتاجين (٣). قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ؛﴾ قال ابن « ..... » (٤): (لمّا كتب الله الجهاد على المسلمين شقّ ذلك عليهم، وكرهته نفوسهم، وقبلته قلوبهم، وأحبّ الله تعالى أن يطيّب نفوسهم بهذه الآية). وقيل في وجه اتصالها بما قبلها: أنّ ما قبلها ذكر التعبّد بالنفقة التي تشقّ على البدن، وفي هذه الآية ذكر ما لا شيء في التعبّد أشقّ منه وهو القتال. ومعنى الآية: فرض عليكم القتال وهو شاقّ عليكم، وأراد بالكراهة كراهة الطبع لا عدم الرضا بالأمر، وهذا كما يكره الإنسان الصوم بالصيف من جهة الطبع، وهو مع ذلك يحبّه ويرضاه من حيث إنّ الله أمره به.

стр. 352

قوله تعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ؛﴾ أي لعلّكم تكرهون الجهاد وهو خير لكم لما فيه من النصر لدين الله تعالى على أعداء الله؛ والفوز بالغنيمة مع عظم المثوبة، وإدراك محلّ الشّهداء ﴿(وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ)﴾ أي لعلّكم تحبّون القعود عن الجهاد وهو شرّ لكم، تحرمون الفتح والغنيمة والشهادة، ويتسلط عليكم العدوّ. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢١٦)؛أي يعلم ما فيه مصلحتكم وما هو خير لكم في عاقبة أموركم وأنتم لا تعلمون ذلك، فبادروا إلى ما أمرتم به إذ ليس كلّ ما تشتهون خيرا، ولا كل ما تحذرون شرّا. وفي هذه الآية دلالة على فرض القتال كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ (١) وأراد به فرض الصيام. ثم لا يخلو القتال المذكور في هذه الآية من أن يرجع إلى معهود قد عرفه المخاطبون وهو قوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ (٣). وتكون هذه الآية تأكيدا لذلك القتل المعهود الذي علم حكمه، فيكون القتال في هذه الآية راجعا إلى جنس القتال، فتكون هذه الآية مجملة مفتقرة إلى البيان؛ لأن من المعلوم أن الله تعالى لم يأمر بالقتال الناس كلهم، فلا يصحّ اعتقاد العموم فيه، فكان بيان هذا المجمل بقوله تعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٤) وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٥). قوله : ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ؛﴾ قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: أنّ النّبيّ ﷺ بعث ابن عمّته عبد الله بن حجش (٦) قبل قتال بدر، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين وهو

стр. 353

أميرهم، كتب لهم رسول الله ﷺ كتابا، وقال له: [إذا نزلت منزلتين، فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك، ثمّ امض لما أمرتك به، ولا تكره أحدا من أصحابك على السّير معك]. فسار عبد الله حتّى بلغ منزلتين، ثمّ فتح الكتاب فإذا فيه: [بسم الله الرّحمن الرّحيم، أمّا بعد: فسر على بركة الله بمن اتّبعك من أصحابك حتّى تنزل بطن نخلة، فترصد بها عير قريش، لعلّك تأتينا منهم بخبر. والسّلام.].فقال عبد الله: سمعا وطاعة لأمر رسول الله ﷺ . فانطلق القوم معه حتّى وصلوا بطن نخلة بين مكّة والطّائف فنزلوا هناك. فبينا هم كذلك إذ مرّ بهم عمرو بن الحضرميّ في عير لقريش في أوّل يوم من رجب، والمؤمنون يظنّون أنّها آخر يوم من جمادى الأخرى، فأمر عبد الله أن يحلقوا رأس عكاشة ليشرف على المشركين، فيظنّوا أنّهم عمّار فيأمنوا. ففعل ذلك وأمنه المشركون، وقالوا: قوم عمّار لا بأس عليكم منهم. ورمى واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرميّ فقتله واستأسر بعض المشركين، وهرب بعضهم إلى مكّة، واستاق المسلمون العير، فعيّرهم المشركون بذلك وقالوا: استحلّ محمّد الشّهر الحرام، شهرا يأمن فيه الخائف ويطلق فيه الأسير. ووقف النّبيّ ﷺ في أمر الغنيمة، فأنزل الله تعالى هذه الآية) (١). ويقال: لمّا أمر الله المسلمين بالقتال، ظنّوا عموم الأمر في جميع الشهور، فسألوا رسول الله ﷺ ليعرفوا، فنزلت هذه الآية. والقول الأول أقرب إلى ظاهر القرآن. ومعنى الآية: ﴿(يَسْئَلُونَكَ)﴾ عن قتال في (الشّهر الحرام) لأن قوله: ﴿(قِتالٍ فِيهِ)﴾ بدل الاشتمال عن الشهر الحرام، وقوله تعالى: ﴿(قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ)﴾ أي القتال في

стр. 354

الشهر الحرام عظيم الذنب عند الله تعالى، ثم استأنف الكلام فقال: ﴿(وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ)﴾ أي منع الناس عن الكعبة أن يأتوها ويطوفوا بها ﴿(وَكُفْرٌ بِهِ)﴾ أي وكفر بالله تعالى، ويقال: بالحجّ، أو كفر بالمسجد الحرام. وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: وصدّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام وكفر بالله وإخراج أهل المسجد الحرام منه أعظم عقوبة عند الله من القتال في الشهر الحرام، أي الكفار مع هذا الإحرام أولى بالعنت ممن قتل مشركا في الشهر الحرام كما قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ؛﴾ أي الشرك بالله أعظم عقوبة وإثما من القتال. ومعنى كفرهم بالمسجد الحرام: أنّ الله جعل المسجد الحرام للمؤمنين ولعبادتهم إياه فيه، فلما جعله الكفار لأوثانهم ومنعوا المسلمين منه، كان ذلك كفرا منهم بالمسجد الحرام. قوله : ﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا؛﴾ معناه: لا يزال أهل مكة يقاتلونكم أيها المسلمون حتى يصرفونكم عن دينكم الإسلام إلى دينهم الكفر إن قدروا على ذلك، ثم حذّر الله المؤمنين ليثبتوا على الإسلام فقال : ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢١٧)؛أي من يرجع منكم عن دين الإسلام فيمت على كفره، ﴿(فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ)﴾ أي التي عملوها للآخرة؛ أي لا يبقى لعمل من أعمالكم ثواب يجازون به في الدارين، الآية: ﴿(وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)﴾ مقيمون دائمون. والصّدّ والصّرف والمنع، يقال: صدّ يصدّ صدّا؛ إذا صرف غيره عن الشيء، وصدّ يصدّ صدودا؛ إذا أعرض بنفسه. ومن قرأ «(يرتدد)» بدالين فهو لغة أهل الحجاز، أظهروا التضعيف حذرا من التقاء الساكنين، ومن قرأ «(يرتدّ)» بالتشديد فهو لغة بني تميم أدغموا الحرفين من جنس واحد وحرّكوه إلى الفتحة. وقوله: ﴿(فَيَمُتْ)﴾ جزم بالعطف على ﴿(يَرْتَدِدْ)﴾ ولو كان جوابا لكان رفعا. وأكثر الأمة على أن النهي عن القتال

стр. 355

في الشهر الحرام منسوخ؛ نسخته سورة براءة، وهو قوله تعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية؛ لأنّها نزلت بعد حظر القتال في الشهر. فإن قيل: إذا كان نفس الارتداد يحبط العمل حتى يبطل حجة الذي أداه، فأين فائدة قوله: ﴿(فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ)؟﴾ قيل: إنّما ذكر الله تعالى في هذه الآية أمر الآخرة لا أمرا يرجع إلى إحباط عمله في الماضي؛ إذ المعلوم من حال المرتدّ أنه إذا عاد إلى الإسلام والتوبة والعمل الصالح ومات على ذلك لا يعاقب في الآخرة، فلما جمع الله في هذه الآية بيّن إحباط عمله فيما يتصل بالدنيا والآخرة حتى يزول ثوابه إلى العقاب الدائم، كذلك شرط موته على الكفر. روي في التفسير: أنه لمّا نزلت هذه الآية قام عبد الله بن جحش وأصحابه؛ فقالوا: يا رسول الله، أنطمع من ربنا أن تكون لنا هذه غزوة في الجهاد، فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢١٨)؛معناه أن الذين صدّقوا وهاجروا من مكة إلى المدينة وجاهدوا في محاربة المشركين في طاعة الله تعالى أهل هذه الصفة، يعطون مغفرة الله تعالى وجنّته، ﴿(وَاللهُ غَفُورٌ)﴾ لما كان منهم من القتال والأسر وأخذ الغنيمة في الشهر الحرام، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم حين رفع إثم ذلك عنهم. والمهاجرة: مفاعلة من الهجر، وفي هذا الموضع هجران الموطن والعشيرة في رضا الله تعالى، والهجر نقيض الوصل، وأطلق اللفظ في هذه الآية على المفاعلة، ويزاد ما ذكرناه؛ ونظيره المساعدة: وهي ضمّ الرجل ساعده إلى ساعد أخيه بالتقوية والمعونة. وأما المجاهدة: فهي بذل الرجل الجهد من نفسه مع إخوانه، ويجوز أن يراد بذلك أن يبذل الجهد في قتال عدوّه، وقد فعل العدوّ مثل فعله، فيصير مفاعلة.

стр. 356

وإنّما قال الله تعالى: ﴿(أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ)﴾ لأنّ أحدا لا يعلم أنه صابر إلى أن يبلغ في الطاعة كلّ مبلغ؛ إلا بخبر الله تعالى أو بخبر محمّد ﷺ ؛ لأنه لا يدري لعله قصّر في شيء من الواجبات، وما يدري ما الذي يكون منه وما بينه وبين موته، ولا يعلم أحد من المسلمين بما يختم له، ختم الله لنا بالسّعادة والشّهادة. قوله : ﴿*يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما؛﴾ قال ابن عباس: (كان المسلمون يشربون الخمر في بدوّ الإسلام، وهي لهم حلال، وكان منادي رسول الله ﷺ ينادي في اليوم واللّيلة وقت الصّلاة: ألا من كان سكرانا فلا يحضر مع رسول الله ﷺ في الجماعة؛ تعظيما للجماعة وتوقيرا لرسول الله ﷺ ، وأنّ عمر جاء إلى رسول الله ﷺ وقال: بيّن لنا أمر الخمر، فإنّها مهلكة للمال مذهبة للعقل، فنزلت هذه الآية (﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ)﴾ (١). وأما الميسر فقد كان جماعة من العرب يجتمعون فيشترون جزورا، ثم يجعلون لكلّ واحد منهم سهما، ثم يقترعون عليها، فمن خرج سهمه برئ من ثمنها وأخذ نصيبه من الجزور وبقي آخرهم عليه ثمن الجزور كلّه ولا يذوق من لحمها شيئا، فتقتسم أصحابه نصيبه، وربما كانوا يتصدقون بذلك على الفقراء، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية. والميسر: هو القمار، ويقال للقمار: ميسر، والمقامر الياسر، وقال مقاتل: (سمّي ميسرا لأنّهم كانوا يقولون: يسّروا لنا ثمن الجزور) (٢)؛وذلك أنّ أهل الثروة من العرب كانوا يشرون جزورا فينحرونها، ويجزّءونها أجزاء، قال ابن عمر: (عشرة أجزاء) وقال الأصمعيّ: (ثمانية وعشرين جزءا) ثم يسهمون عليها بعشرة أقداح ويقال لها الأزلام والأقلام، سبعة منها لها أنصب؛ وهي القذولة نصيب واحد، والتوأم

стр. 357

له نصيبان، والرقيب وله ثلاثة، والجليس وله أربعة، والنامس وله خمسة، والمسيل وله ستة، والمعلى وله سبعة. وثلاثة منها لا أنصب لها، وهي المسح والسفيح والوغد، ثم يجعلون القداح في خريطة سمّيت الربابة، قال أبو ذؤيب (١): وكأنّهنّ ربابة وكأنّه ... يسر يفيض على القداح ويصدع ويضعون الرّبابة على يد واحد عدل عندهم ويسمى المجيل (٢) والمفيض (٣)، ثم يجيلها ويخرج منها قدحا باسم واحد منهم، فأيّهم خرج سهمه أخذ نصيبه على قدر ما يخرج، فإن كان خرج له سهم من هذه الثلاثة التي لا أنصب لها، اختلفوا فيه؛ قال بعضهم: كان لا يأخذ شيئا ويغرم ثمن الجزور كلّه، وقال بعضهم: لا يأخذ شيئا ولا يغرم، ويكون ذلك القدح لغوا فيعاد سهم ثانيا، فهؤلاء الياسرون، ثم يدفعون ذلك الجزور إلى الفقراء ولا يأكلون منه شيئا، وكانوا يفتخرون بذلك ويذمّون من لم يفعل منهم ويسمونه البرم (٤). فهذا أصل القمار التي كانت العرب تفعله، وإنّما عنى الله تعالى بالميسر في هذه الآية أنواع القمار كلّها، وقال طاوس ومجاهد وعطاء: (كلّ شيء فيه قمار فهو من الميسر، حتّى لعب الصّبيان الصّغار بالجوز والكعاب).وعن عليّ ﵁ قال: (النّرد والشّطرنج من الميسر).قال القاسم (٥): (كلّ شيء ألهاك عن ذكر الله وعن الصّلاة فهو من الميسر).

стр. 358

قال ابن عباس: (فلمّا نزلت هذه الآية ترك بعض النّاس الخمر، وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير. ولم يتركها بعضهم وقالوا: نأخذ منفعتها ونترك إثمها. وكانوا على ذلك حتّى أصاب رجل من الصّحابة خمرا فأنشا منها، فحضرت الصّلاة فقام يصلّي المغرب، فقرأ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ (١) على غير وجهها، قال: أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد. فنزل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ (٢)).وكانوا يشربونها قبل الصلاة؛ وكانوا يتناشدون الأشعار في شربها ويفتخرون، فقال عمر: (اللهمّ بيّن لنا بيانا شافيا في الخمر، فنزل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٣)؛فقال عمر: انتهينا يا رب) (٤) فأمر رسول الله ﷺ بإراقة الخمر حتى أمر بكسر الدّنان تغليظا وتشديدا. ومعنى الآية: يسألونك يا محمد عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم عظيم؛ لأن الخمر يوقع العداوة والبغضاء ويحول بين الإنسان وبين عقله الذي يعرف به ما يجب عليه لخالقه. والقمار يورث العداوة أيضا؛ فإنّ المقمور إذا رأى غيره قد فاز بماله من غير منفعة رجعت إليه؛ بغضه وعاداه. وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿(قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ)﴾ أي وزر عظيم من المشاتمة والمخاصمة وقول الفحش والزور وزوال العقل، والمنع من الصلاة، واستحلال مال الغير بغير حقّ. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما: «(قل فيهما إثم كثير)» بالثّاء؛ وقرأ الباقون بالباء؛ واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله تعالى: ﴿(وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما)﴾ ولقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً﴾ (٥).

стр. 359

قوله : ﴿(وَمَنافِعُ لِلنّاسِ)﴾ فالمنفعة في الخمر اللذّة في شربها والتجارة فيها قبل التحريم. والمنفعة في الميسر: مصير الشيء الذي يصيبه من المال في القمار بلا كدّ ولا تعب. قوله تعالى: ﴿(وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما)﴾ قال المفسرون: إثم الخمر: هو أنه يشرب ويسكر ويؤذي الناس، وإثم الميسر: هو أن يقامر فيمنع الحقّ ويظلم. وقال الربيع: (المنافع قبل التّحريم؛ والإثم بعد التّحريم) (١). قوله : ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ؛﴾ معناه: يسألونك أيّ شيء يتصدّقون به؟ قل الفضل وما يسهل عليك إنفاقه؛ وهذا نزل جوابا عن قول عمرو بن الجموح: بماذا ننفق؟ وفي الآية المتقدمة جواب عن قوله: لمن نتصدّق؟. واختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿(قُلِ الْعَفْوَ)؛﴾ فقال ابن عمر وقتادة وعطاء والسدي: (هو ما فضّله من المال عن العيال)؛وهو رواية عن ابن عباس. وقال الحسن: (هو أن لا يفنى مالك في النّفقة، ثمّ تقعد تسأل النّاس).وقال مجاهد: (هو ما كان عن ظهر غنى).وقال الضحّاك: (هو قدر الطّاقة).وقال الربيع: (هو العفو، هو الطّيب؛ كأنّه قال: أفضل مالك وأطيبه) (٢). وأصل العفو في اللغة: الزّيادة والكثرة. قال الله تعالى: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ (٣) أي كثروا. وقال ﷺ : [أعفوا اللّحى] (٤).والعفو أيضا: ما تأخذه وتعطيه سهلا بلا تكلّف من قولهم: خذ ما أعفاك؛ أي ما أتاك سهلا من غير إكراه. ونظيره هذه الآية من الأخبار ما روي: أنّ رجلا قال: يا رسول الله، عندي دينار، قال: [أنفقه على نفسك] قال: عندي آخر، قال: [أنفقه على أهلك]،قال: عندي آخر، قال: [أنفقه على ولدك]،قال: عندي آخر، قال: [أنفقه على والديك]،قال:

стр. 360

عندي آخر، قال: [أنفقه على فرسك]،قال: عندي آخر، قال: [أنفقه على قرابتك]، قال: عندي آخر، قال: [أنت أبصر به] (١). وعن جابر قال: أتى رجل إلى رسول الله ﷺ ببيضة من ذهب أصابها في بعض المعادن، فقال: يا رسول الله، خذ هذه صدقة فو الله ما أصبحت أملك غيرها، فأعرض عنه. فأتى من ركنه الأيمن فقال له مثل ذلك، فأعرض عنه، ثمّ أتاه من ركنه الأيسر، فقال له مثل ذلك، فأعرض عنه، ثمّ قال مثل ذلك، فقال مغضبا: [هاتها] فأخذها منه فحذفه بها لو أصابه لشجّه أو عقره، ثمّ قال: [يجيء أحدكم بماله كلّه ليتصدّق به ويجلس يتكفّف النّاس، أفضل الصّدقة ما كان عن ظهر غنى، وليبدأ أحدكم بمن يعول] (٢). قال الكلبيّ: (كان الرّجل بعد نزول هذه الآية إن كان من أهل الزّرع والنّخيل؛ نظر إلى ما يكفيه وعياله سنة؛ ويتصدّق بما فضل. وإن كان من أهل التّجارة أمسك رأس ماله ومن الرّبح ما يتقوّت به ويحتاج إليه؛ ويتصدّق بما فضل. وإن كان ممّن يعمل بيده؛ أمسك ما يكفيه وعياله يومه ذلك ويتصدّق بسائره. وكانوا على ذلك إلى أن فرضت الزّكاة مقدّرة معلومة). واختلفوا في قراءة قوله: «(قل العفو)» فقرأ الحسن وقتادة وأبو عمرو: «(قل العفو)» رفعا على معنى الذي ينفقونه هو العفو، أو على معنى قل هو العفو. ودليله قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٣).وقرأ الباقون «(العفو)» بالنصب على معنى: قل أنفقوا العفو، ودليله قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً﴾ (٤).

стр. 361

قوله : ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢١٩) أي مثل هذا البيان يبيّن الله لكم أوامره ونواهيه ودلائله في الدين ﴿(لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ في الدّنيا) أنّها دار فناء وبلاء لا يبقى إلا العمل الصالح، (و) في أمر (الآخرة) فإنّها دار جزاء وبقاء لا ينفع فيها إلا سابق تقوى الله . وقال المفضّل (١): ﴿(كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ)﴾ في أمر النّفقة ﴿(لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ في الدّنيا والآخرة) فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في معايش الدّنيا، وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى. وقال بعضهم: معناه يبيّن لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها، فتزهدوا فيها؛ وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبون فيها؛ وهذا القول قريب من الأول. قال الزجّاج: (إنّما قال: ﴿(كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ)﴾ وهو يخاطب الجماعة؛ وكان ينبغي أن يقول: كذلكم؛ لأنّ الجماعة معناها القبيل؛ كأنّه قال: كذلك أيّها القبيل).ويجوز أن يكون الخطاب للنبيّ ﷺ ؛ لأن خطابه مشتمل على خطاب أمته كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ (٢).وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [تفكّر ساعة خير من عبادة سنة] (٣). قوله : ﴿فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ؛﴾ قال ابن عباس: (لمّا نزل في أمر اليتامى ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤)

стр. 362

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً﴾ (١) أشفق المسلمون من مخالطتهم؛ وكان كلّ من في حجره يتيم يجعل لليتيم بيتا وطعاما وخادما على حدة؛ وكانوا لا يخالطون اليتامى في شيء (٢)،فشقّ ذلك عليهم، فجاء عبد الله بن رواحة إلى رسول الله ﷺ فقال: إنّ الله تعالى أنزل في أمر اليتامى ممّا أنزل من الشّدّة، أفيصلح لنا يا رسول الله أن نخالطهم نستعير منهم الخادم والدّابّة ونشرب من لبن شاتهم؟ فأنزل الله هذه الآية). ﴿(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى)﴾ أي عن مخالطة اليتامى، ﴿(قُلْ إِصْلاحٌ)﴾ لأموالهم خير الأشياء إذ هو خير من الإنفاق. قوله تعالى: ﴿(وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ)﴾ أي وإن تشاركوهم وتخلطوا أموالهم بأموالكم في نفقاتكم ومطاعمكم ومساكنكم وخدمكم ودوابكم فتصيبوا من أموالهم عوضا من قيامكم بأمورهم وتكافئوهم على ما يصيبون من أموالكم، فهم إخوانكم في الدين. وقرأ طاوس: «(قل إصلاح لهم خير)» بمعنى الإصلاح لأموالهم من غير أجرة ولا أخذ عوض منهم خير وأعظم أجرا. وقرأ أبو مخلّد: «(فإخوانكم)» بالنصب؛ أي تخالطوا إخوانكم. قوله تعالى: ﴿(وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ)﴾ أي يعلم من كان غرضه بالمخالطة إصلاح أمر اليتامى، ومن يكون غرضه إفساد أمرهم. قوله : ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ؛﴾ أي لأثّمكم في مخالطتهم وضيّق عليكم. والعنت: الإثم؛ ويسمى الفجور عنتا؛ لما فيه من الإثم. وأصل العنت: الشدّة والمشقّة؛ يقال: عقبة عنوت؛ أي شاقّة كئود. وقال أبو عبيدة: (معناه: ولو شاء الله لأهلككم).قوله : ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٢٠)؛أي منيع غالب لا يمانع فيما يفعل من المساهل والمشاق، ذو حكمة فيما أمركم به في أمر اليتامى وغير ذلك. واسم اليتيم إذا أطلق انصرف إلى الصغير الذي لا أب له. والعرب تسمي المنفرد يتيما؛ يقولون: الدّرّة اليتيمة؛ يريدون بذلك أنّها منفردة لا نظير لها.

стр. 363

وفي الآية ضروب من الأحكام: منها قوله تعالى: ﴿(قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ)﴾ يدلّ على جواز خلط الوصي ماله بمال اليتيم في مقدار ما يغلب على ظنه أن اليتيم يأكل قدر طعام نفسه بغالب الظن. ويدلّ على جواز التصرف في ماله بالبيع والشراء؛ وجواز دفعه مضاربة إذا كان ذلك صلاحا. ويدلّ على أن لوليّ اليتيم أن يعاقد نفسه في ماله إذا كان فيه خير ظاهر لليتيم على ما قاله أبو حنيفة ﵀. ويدلّ على أنّ للوصيّ أيضا أن يؤجّر اليتيم ممن يعلمه الصناعات والتجارات، أو يستأجر من يعلّمه ما له فيه صلاح من أمر الدين والأدب؛ لأن كلّ ذلك من الصلاح. وقوله تعالى: ﴿(وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ)﴾ فيه دليل على أن للولي أن يزوّج اليتيم ابنته، أو يزوّج اليتيمة ابنه، أو يتزوج اليتيمة لنفسه، فيكون قد خلط اليتيم بنفسه وعياله واختلط أيضا به. يقال: فلان خليط فلان؛ إذا كان شريكا له في المال. ويقال: قد اختلط فلان بفلان؛ إذا صاهره. ولا يكون التزويج إلا للولي الذي يكون ذا نسب من اليتيم؛ لأن الوصاية لا تستحقّ بها الولاية في النكاح. قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ؛﴾ قال عبد الله بن عباس: (نزلت هذه الآية في مرثد بن أبي مرثد الغنويّ وكان شجاعا فورا، بعثه رسول الله ﷺ إلى مكّة ليخرج منها ناسا من المسلمين سرّا؛ فلمّا قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها: عناق، وكانت خليلته في الجاهليّة؛ فأتته وقالت له: يا مرثد، ألا تخلو بي؟ فقال: ويحك يا عناق! إنّ الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك. فقالت: هل لك أن تتزوّج بي، فقال: نعم، لكن أرجع إلى رسول الله ﷺ فأستأمره ثمّ أتزوّجك. فقالت: أنت تتبرّم، ثمّ استعانت عليه فضربوه ضربا شديدا ثمّ خلّوا سبيله. فلمّا رجع إلى رسول الله ﷺ أعلمه بما كان من أمره وأمر عناق وما لقي بسببها، فقال: يا رسول الله، أيحلّ لي أن أتزوّجها؟ فأنزل الله هذه الآية) (١).ومعناها: ولا تتزوجوا المشركات حتى يصدّقن بتوحيد الله.

стр. 364

قال المفضل: (أصل النّكاح الوطء، ثمّ كثر ذلك حتّى قيل لعقد التّزويج: النّكاح).فحرّم الله نكاح المشركات عقدا ووطءا، ثم استثنى الحرائر الكتابيّات، فقال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١). قوله : ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ؛﴾ أي نكاح أمة مؤمنة خير من نكاح حرّة مشركة ولو أعجبتكم الحرة المشركة بحسنها وجمالها ومالها. نزلت في أمة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان يقال لها خنساء، فقال لها حذيفة: يا خنساء، قد ذكرت في الملإ الأعلى مع سوادك ورمامتك، وأنزل الله ذلك في كتابه، فأعتقها حذيفة وتزوّجها (٢). وقال السديّ: (نزلت في أمة سوداء لعبد الله بن رواحة، كان قد غضب عليها عبد الله فلطمها، ثمّ فزع وأتى النّبيّ ﷺ ، فأخبره بذلك، وقال ﷺ : [وما هي يا عبد الله؟] فقال: هي تشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله، وتصوم رمضان، وتحسن الوضوء فتصلّي، فقال: [هذه مؤمنة]،وقال عبد الله بن رواحة: والّذي بعثك بالحقّ نبيّا لأعتقها ولأتزوّجها؛ ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: أتنكح أمة؛ وقد عرضوا عليه حرّة مشركة وكانوا يرغبون في نكاح المشركات رجاء إسلامهنّ، فأنزل الله هذه الآية) (٣). قوله تعالى: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا؛﴾ أي لا تزوّجوا المشركين مسلمة حتى يصدّقوا بالله، ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ؛﴾ أي ولو أعجبكم الحرّ المشرك بماله وحسن حاله. قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّارِ؛﴾ يعني المشركين والمشركات يدعون إلى عمل أهل النار. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾

стр. 365

﴿بِإِذْنِهِ؛﴾ أي والله يدعو إلى أسباب الوصول إلى الجنة والمغفرة ومخالطة المؤمنين وغير ذلك، ﴿(بِإِذْنِهِ)﴾ أي بأمره وعلمه الذي علم أنه به وصولكم (١) إليهما. قوله : ﴿وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٢٢١)؛أي يبيّن أمره ونهيه في التزويج وغيره للناس لعلهم يتّعظون ويرغبون في أهل الديانة والأمانة. واعلم: أنّ الظاهر أنّ اسم المشركات يتناول الوثنيات، وقال الله تعالى: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) ففرّق بينهما في اللفظ. وظاهر العطف يقتضي أن المعطوف غير المعطوف عليه؛ فعلى هذا لا يكون تزويج المسلمين بالكتابيات داخلا في هذه الآية، لكن استفيد جوازه لهم بقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣). وعن ابن عباس والحسن ومجاهد: (أنّ هذه الآية عامّة في جميع الكافرات؛ الكتابيّات منهم وغير الكتابيّات، ثمّ نسخت منها الكتابيّات بآية المائدة) (٤).وعن ابن عمر: أنه كان إذا سئل عن نكاح اليهوديّة والنصرانية، قال: (إنّ الله حرّم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم شيئا من الشّرك أكبر من أن تقول: ربّها عيسى ﵇، أو عبد من عباد الله، والتّكذيب بمحمّد ﷺ عدل في الإثم والجرم والإشراك بالله) (٥).

стр. 366

فإن قيل: في هذه الآية نهي عن نكاح المشركات بسبب وهو دعاء أهل الشرك إلى النار، وهذه العلّة تعمّ الكتابيات وغيرهن، فكيف أبيح للمسلمين نكاح الكتابيات والعلّة قائمة؟ قيل: يحتمل أن يكون قوله: ﴿(أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّارِ)﴾ راجعا إلى قوله: ﴿(وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ)﴾ لا إلى قوله: قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ﴾؛لأن أولئك كناية عن الرجال دون النساء. ولا يجوز تزويج المسلمة من مشرك ولا كتابيّ. قوله : ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً؛﴾ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يقال له: أبو الدّحداحة، أتى إلى رسول الله ﷺ فقال: كيف نصنع بالنّساء إذا حضن؛ هل نقربهنّ أو لا؟ فنزلت هذه الآية) (١).فلما نزلت هذه الآية عمد المسلمون إلى النساء الحيّض فأخرجوهن من لبيوت كما كانت الأعاجم تفعل بنسائهم إذا حضن، وإذا فرغن واغتسلن ردّوهن إلى البيوت، فقدم ناس من الأعراب المدينة، فشكوا إلى رسول الله ﷺ عزل النساء عنهم، وقالوا: يا رسول الله، إنّ البرد شديد والثياب قليلة وقد عزلنا النساء، فإن آثرناهنّ بالثياب هلك أهل البيت بردا، وإذا آثرنا أهل البيت هلك النساء الحيّض، وليس كلنا يجد وسعة فيوسع عليهم جميعا، فقال ﷺ : [إنّما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن، ولم تؤمروا أن تخرجوهنّ من البيوت] وقرأ عليهم الآية (٢).

стр. 367

وقال بعضهم: كانت العرب في الجاهلية إذا حاضت المرأة، لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يساكنوها في بيت، ولم يجالسوها على فراش كفعل اليهود والمجوس، فسأل أبو الدّحداح رسول الله ﷺ عن ذلك، وقال: يا رسول الله، كيف نصنع بالحيض؟ فأنزل الله هذه الآية. ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها آية أخرى فيما تقدّم «من» حديث نكاح من تحرم ومن تحلّ، فبيّن الله بعده حال التحليل والتحريم بهذه الآية. وقال ابن عباس: (ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ ما سألوه إلاّ عن ثلاثة عشر مسألة حتّى قبض، كلّهنّ في القرآن: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ﴾ (١) ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ﴾ (٢) ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (٣) ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ (٤) ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (٥) ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى﴾ (٦) ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ (٧) ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها﴾ (٨) ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي﴾ (٩) ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ﴾ (١٠) ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ (١١) ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ (١٢) ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ﴾ (١٣)) (١٤).

стр. 368

ومعنى الآية: ﴿(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً)﴾ أي الدم مستقذر نجس، وقال الكلبيّ: (الأذى ما يعمّ ويكره من كلّ شيء). قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ؛﴾ أي اعتزلوا مجامعتهن وهن حيّض، ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ؛﴾ أي ولا تجامعوهنّ حتى ينقطع عنهن الدم. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من وطئ امرأته وهي حائض فقضي بينهما ولد فأصابه جذام فلا يلومنّ إلاّ نفسه؛ ومن احتجم يوم السّبت أو الأربعاء فأصابه وضح فلا يلومنّ إلاّ نفسه] (١). فوطئ النساء الحيّض حرام بنص القرآن، فإن وطأها زوجها أثم ولزمته الكفارة، روي عن ابن عباس: عن رسول الله ﷺ في رجل جامع امرأته وهي حائض؛ قال: [إن كان دما غليظا فليتصدّق بدينار؛ فإن كان صفرة فنصف دينار] (٢).ولا بأس باستخدام الحائض وبمباشرة بدنها إذا كانت متّزرة، والاستمتاع بما فوق الإزار. قال مسروق: قلت لعائشة ﵂: ما يحلّ للرّجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قالت: (كلّ شيء إلاّ الجماع) (٣).وروي أنّ عائشة ﵂ كانت مع رسول الله ﷺ مضطجعة في ثوب واحد، وأنّها وثبت وثبة شديدة، فقال لها رسول

стр. 369

الله ﷺ : [ما لك؟ لعلّك نفست] يعني حضت؛ قالت: نعم، قال: [شدّي عليك إزارك وعودي إلى مضجعك] (١). وعن أمّ سلمة ﵂ قالت: بينما أنا مضطجعة مع رسول الله ﷺ في الخميلة إذ حضت، فانسللت منها وأخذت ثياب حيضي، فقال رسول الله ﷺ : [أنفست؟] قلت: نعم، فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة (٢). وعن عائشة ﵂؛ قالت: [كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد ونحن جنبان؛ وكنت أغسل رأس رسول الله ﷺ وهو معتكف في المسجد وأنا حائض؛ وكان يأمرني إذ كنت حائضا أن أتّزر ثمّ يباشرني] (٣). وسئلت عائشة ﵂: هل تأكل المرأة مع زوجها وهي طامث؟ قالت: (نعم، كان رسول الله ﷺ يدعوني فآكل معه وأنا عارك؛ وكان يأخذ العرق فيضعه على فيه؛ وأغترف به ثمّ أضعه، فيأخذه ويشرب منه ويضع فمه حيث وضعت

стр. 370

من المعدن، ويدعو بالشّراب فيشرب ثمّ آخذ القدح فأشرب منه، ثمّ أضعه فيأخذه فيشرب منه ويضع فمه حيث وضعت فمي من القدح) (١). فدلّت هذه الآية على أنّ المراد الاعتزال من الحيّض جماعهنّ، وذلك أن اليهود والمجوس كانوا يجتنبون الحيّض في كلّ شيء؛ وكانت النصارى يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، فأمر الله تعالى بالاقتصاد بين هذين الأمرين (وخير الأمور أوسطها). قال أنس ﵁: لمّا أنزل الله تعالى: ﴿(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً)﴾ الآية، قال رسول الله ﷺ : [افعلوا كلّ شيء إلاّ الجماع] فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرّجل أن يدع من أمرنا شيئا إلاّ خالفنا فيه (٢). قوله تعالى: ﴿(وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ)﴾ قرأ الأعمش وعاصم وحمزة والكسائي: «(يطّهرن)» بالتشديد؛ أي يغتسلن؛ يدلّ عليه قراءة عبد الله «(حتّى يتطهّرن)» بالتاء على الأصل. وقرأ الباقون «(يطهرن)» مخفّفا؛ أي حتى يطهرن من حيضهنّ وينقطع الدم.

стр. 371

واختلف الفقهاء في الحائض متى يحلّ وطؤها؛ فقال أبو حنيفة وصاحباه: (إذا طهرت لعشرة أيّام جاز وطؤها دون الغسل؛ وإن طهرت لأقلّ من عشرة أيّام لم يجز وطؤها حتّى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة كامل).وقال مجاهد وطاوس وعطاء: (إذا انقطع دمها وغسلت فرجها وتوضّأت جاز وطؤها).وقال الشافعيّ: (لا يحلّ وطؤها إلاّ بشرطين: انقطاع الدّم والاغتسال).فمن قرأ «(يطّهّرن)» بالتشديد كان حجة للشافعي ومن تابعه؛ ومن خفّف كان حجة للمبيحين وطأها قبل الغسل. قوله تعالى: ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ؛﴾ أي فإذا اغتسلن فجامعوهن من حيث أمركم الله تنحية في الحيض وهو الفرج، قاله ابن عباس وقتادة والربيع. وقيل: معناه: فأتوهنّ من قبل النكاح والجهات التي يحلّ فيها أن يقرب المرأة في الشريعة. وقال مجاهد: (كانوا على استخارة إيتائهنّ في الأدبار في أيّام الحيض؛ فأنزل الله هذه الآية وحرّم بها ما كانوا يفعلونه) (١)؛فقال رسول الله ﷺ : [إتيان النّساء في أعجازهنّ حرام] (٢).وقال ابن كيسان: (معناه لا يأتونهنّ صائمات ولا معتكفات ولا محرمات؛ وإيتاؤهنّ وغشيانهنّ لكم حلال). قوله : ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٢٢٢)؛قال عطاء ومقاتل والكلبي: (معناه: إنّ الله يرضى عمل التّوّابين من الذّنوب ومن إتيان النّساء في وقت الحيض، ويحبّ المتطهّرين بالماء عن الأحداث والحيض والنّجاسات والجنابات).وقال مجاهد: (معناه: ﴿(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ)﴾ عن الذّنوب و ﴿(الْمُتَطَهِّرِينَ)﴾ عن أدبار النّساء أن يأتوها)،وقال: (من أتى امرأة في دبرها فليس من المتطهّرين) (٣).

стр. 372

وقال بعضهم: معناه: ﴿(التَّوّابِينَ)﴾ من الذنوب و ﴿(الْمُتَطَهِّرِينَ)﴾ من الشرك. وقال سعيد بن جبير: ﴿(التَّوّابِينَ)﴾ من الشّرك، و ﴿(الْمُتَطَهِّرِينَ)﴾ من الذّنوب).وعن عبد الرحيم: (معناه: ﴿(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ)﴾ من الكبائر، و ﴿(الْمُتَطَهِّرِينَ)﴾ من الصّغائر). وقيل: ﴿(التَّوّابِينَ)﴾ من الأفعال، و ﴿(الْمُتَطَهِّرِينَ)﴾ من الأقوال. وقيل: ﴿(التَّوّابِينَ)﴾ من الأقوال والأفعال، و ﴿(الْمُتَطَهِّرِينَ)﴾ من القعود والإضمار (١).وقيل: ﴿(التَّوّابِينَ)﴾ من الآثام، و ﴿(الْمُتَطَهِّرِينَ)﴾ من الإجرام. وقيل: ﴿(التَّوّابِينَ)﴾ من الذنوب، و ﴿(الْمُتَطَهِّرِينَ)﴾ من العيوب. والتّوّاب: هو الذي كلّما أذنب تاب. والمحيض: مصدر يقال: حاضت المرأة حيضا ومحيضا ومحاضا؛ كلّ ذلك مصدر. قوله : ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ؛﴾ قال ابن عباس: (كانت اليهود يقولون: إنّا لنجد في التّوراة أنّ كلّ إتيان يؤتى النّساء غير مستلقيات فإنّه دنس عند الله؛ ومنه يكون الحول والخبل في الولد. فأكذبهم الله تعالى بهذه الآية) (٢). وعن جابر بن عبد الله قال: كانت اليهود يقولون: من جامع امرأته ضحيّة من قفاها في قبلها كان ولدها أحولا!؟ فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ؛ فقال: [كذبت اليهود].فأنزل الله تعالى: ﴿(نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ)﴾ (٣). وقال الحسن وقتادة ومقاتل والكلبيّ: (تذاكر المهاجرون والأنصار واليهود إتيان النّساء؛ فقال المهاجرون: إنّا نأتيهنّ باركات وقائمات ومستلقيات ومن بين أيديهنّ ومن خلفهنّ بعد أن يكون المأتى واحدا وهو الفرج. فقال اليهود: وما أنتم إلاّ كالبهائم؛ لكنّا نأتيهم على هيئة واحدة، وإنّا لنجد في التّوراة أنّ كلّ إتيان يؤتى

стр. 373

النّساء غير مستلقيات فإنّه دنس عند الله، ومنه يكون الحول والخبل. فذكر ذلك المسلمون لرسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله، إنّا كنّا في جاهليّتنا وبعد ما أسلمنا نأتي النّساء كيف شئنا؛ وإنّ اليهود عابت ذلك علينا؛ وزعمت أنّا كذا وكذا؟ فأكذب الله تعالى اليهود؛ ورخّص للمسلمين في ذلك فقال: ﴿(نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (١). وعن ابن عباس قال: (كان هذا الحيّ من الأنصار مع هذا الحيّ من اليهود وهم أهل الكتاب؛ فكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم؛ وكانوا يقتدون بكثير من فعلهم؛ وكان من شأن اليهود أن لا يأتوا النّساء إلاّ على حرف واحد، وذلك أشدّ ما يكون على المرأة. وكان هذا الحيّ من الأنصار قد أخذوا ذلك من فعلهم. وكان هذا الحيّ من قريش يشرحون النّساء شرحا منكرا، ويتلذّذون بهنّ مقبلات ومدبرات ومستلقيات؛ فلمّا قدم المهاجرون إلى المدينة، تزوّج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها كذلك، فأنكرت عليه! وقالت: إنّما كنّا نؤتى على حرف، فإن شئت فاصنع ذلك وإلاّ فاجتنبني حتّى شري أمرهما. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأنزل الله : ﴿(نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ)﴾ مقبلات ومدبرات ومستلقيات) (٢).والمعنى: ﴿(نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أي مزدرع (٣) لكم للولد (٤). وقال الزجّاج: (معناه: نساؤكم ذوات حرث لكم؛ فبيّن كيف يحرثون للولد واللّذّة) أي ﴿(فَأْتُوا حَرْثَكُمْ)﴾ كيف ﴿(شِئْتُمْ)﴾ وحيث شئتم ومتى شئتم بعد أن يكون في موضع واحد وهو الفرج. قال أبو عبيد: (سمّيت المرأة حرثا على وجه الكناية؛ فإنّها للولد كالأرض للزّرع).وفي الآية دليل على تحريم الوطء في الدّبر؛ لأنه موضع

стр. 374

الفرث لا موضع الحرث؛ وإنما قال الله تعالى: ﴿(نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ)﴾ وهذا من لطف كنايات القرآن. وقال أهل المعاني: معنى الآية: نساؤكم كحرث لكم، كقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً﴾ (١) أي كنار؛ والعرب تسمي النّساء حرثا؛ قال الشاعر: إذا أكل الجراد حروث قوم ... فحرثي همّه أكل الجراد يريد امرأتي. وأنشد أحمد بن يحيى ثعلب: حبّذا من هبة اللّ ... هـ البنات الصّالحات هنّ النّسل والزّر ... وع وهنّ الشّجرات يجعل الله لنا في ... ما يشاء البركات إنّما الأرحام أرض ... ون لنا محرثات فعلينا الزّرع فيها ... وعلى الله النّبات قوله تعالى: ﴿(أَنّى شِئْتُمْ)﴾ أي كيف شئتم. وقال سعيد بن المسيّب: (هذا في العزل؛ أي إن شئتم فاعزلوا وإن شئتم فلا تعزلوا).ودليل هذا ما روي عن عبد الله أنه قال: (تستأمر الحرّة في العزل؛ ولا تستأمر الأمة) (٢). وقد وهم بعض الناس في تأويل هذه الآية وتعلّق بظاهرها وجوّز إتيان المرأة في دبرها؛ وهذا لا يصحّ؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿(نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ)﴾ يقتضي إباحة إتيان المرأة في قبلها؛ والقول بجواز إتيان المرأة في دبرها باطل. والصحيح: أنه حرام؛ لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [ملعون من أتى المرأة في دبرها] (٣).

стр. 375

وعن عبد الله بن الحسن عن أبيه: أنّه لقي سالم بن عبد الله؛ فقال له: ما حديث يحدّث به نافع عن ابن عمر؟ قال: وما هو؟ قال: زعم أنّ عبد الله بن عمر لم ير بأسا بإتيان النّساء من أدبارهنّ! قال: كذب العبد وأخطأ، وإنّما قال عبد الله: (يؤتون في فروجهنّ من أدبارهنّ) (١). والدليل على تحريم الوطء في الدبر قوله ﷺ : [ولا تأتوا النّساء في أدبارهنّ] (٢).وعن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ : [لا ينظر الله تعالى إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في دبرها] (٣).وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ملعون من أتى المرأة في دبرها] (٤).وقال ﷺ : [من أتى حائضا أو امرأة في دبرها؛ أو أتى كاهنا فصدّقه فيما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمّد ﷺ ] (٥). قوله : ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ؛﴾ أي قدّموا من العمل الصالح لآخرتكم. وقيل: معناه: سمّوا الله تعالى عند الجماع (٦)،كما روي عن ابن عباس أنه

стр. 376

قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا أراد أحدكم أن يأتي أهله فليقل: بسم الله، اللهمّ جنّبني الشّيطان؛ وجنّب الشّيطان ما رزقتنا، فإن قدّر بينهما ولد لم يضرّه الشّيطان] (١). وقيل: معنى: ﴿(وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ)﴾ النية الصالحة عند ذلك؛ وهو أن ينوي: ربّما قضى الله ولدا يعبده. وقيل: معناه: ﴿(وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ)﴾ هو التزويج بالعفائف ليكون الولد صالحا طاهرا. وقيل: هو تقديم الأفراط (٢)،قال رسول الله ﷺ : [من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحلم-الحنث-لم تمسّه النّار إلاّ تحلّة القسم] فقالوا: يا رسول الله، واثنان. قال: [واثنان]،فظننّا أنّه لو قيل له وواحد، قال: وواحد (٣). وقال السديّ والكلبي: (يعني العمل الصّالح) دليله سياق الآية: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ؛﴾ قوله تعالى: ﴿(وَاتَّقُوا اللهَ)﴾ أي اخشوه ولا تقربوهنّ في حال الحيض ولا على وجه لا يحلّ، ﴿(وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ)﴾ يوم القيامة فيجزيكم

стр. 377

بأعمالكم. قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢٢٣)؛أي المصدّقين بالبعث والثواب بالجنة (١). قوله : ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ؛﴾ نزلت هذه الآية في عبد الله بن رواحة الأنصاري ﵁ حلف ألاّ يدخل على ختنه بشير بن النعمان الأنصاريّ ولا يكلّمه ولا يصلح بينه وبين خصمه؛ وجعل يقول: حلفت بالله أن لا أفعل ولا يحلّ لي إلاّ أن أبرّ في يميني؛ فنزلت هذه الآية؛ فدعاه رسول الله ﷺ وقرأ عليه الآية، وقال: [من حلف على يمين فرأى أنّ غيرها خير منها؛ فليأت الّذي هو خير؛ وليكفّر عن يمينه، افعلوا الخير ودعوا الشّرّ].وكفّر ابن رواحة عن يمينه ورجع إلى الذي هو خير (٢). ومعنى الآية: ﴿(وَلا تَجْعَلُوا اللهَ)﴾ علّة ﴿(لِأَيْمانِكُمْ)﴾ أي لا تجعلوا اليمين بالله مانعة لكم من البرّ والتقوى؛ وهو أن يجعل الرجل اليمين معترضا بينه وبين ما هو مندوب إليه أو مأمور به من البرّ والتقوى والإصلاح؛ يفعل ذلك للامتناع من الخير؛ لأن المعترض بين الشيئين يمنع وصول أحدهما إلى الآخر. ومعنى ﴿(أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا)﴾ أي لا تبرّوا ولا تتقوا القطيعة، ولا تصلحوا بين المتشاجرين كما قال امرؤ القيس:

стр. 378

فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي أراد بذلك: لا أبرح؛ وكان أبو العباس (١) ينكر إضمار حرف النفي في هذه الآية ويقول: (هذا إنّما يكون في تصريح اليمين) كقولك: والله أقوم؛ بمعنى والله لا أقوم. وأما في مثل هذا الموضع، فلا يجوز حذف حرف النفي. قال: (والصّواب أنّ معناه: لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم كراهة أن تبرّوا).فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه؛ ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ﴾ (٢). وذهب بعض المفسرين إلى أنّ معنى الآية: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾ أي لا تعترضوا باليمين بالله تعالى في كلّ حقّ وباطل؛ وهو نهي عن كثرة الحلف، لما في ذلك من الجرأة على الله والابتذال لاسمه في كلّ حقّ وباطل. يقال: هذه عرضة لك؛ أي عدة لك تبتذلها فيما تشاء. ومعنى ﴿(أَنْ تَبَرُّوا)﴾ على هذا الإثبات؛ أي لا تحلفوا في كلّ شيء لأن تبرّوا إذا حلفتم وتتّقوا المآثم فيها. ويجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿(أَنْ تَبَرُّوا)﴾ مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: أن تبرّوا وتتّقوا وتصلحوا بين النّاس؛ أي أولى. فعلى هذا يكون موضع ﴿(أَنْ تَبَرُّوا)﴾ رفعا. وعلى التأويل الأول يكون نصبا؛ لأن معناه: لأن تبرّوا، موضعه نصب بنزع الخافض. وقال مقاتل: (نزلت في أبي بكر الصّدّيق ﵁ حين حلف لا يصل ابنه عبد الرّحمن حتّى يسلم) (٣).وقال ابن جريج: (نزلت في أبي بكر الصّدّيق ﵁ حين حلف لا ينفق على مسطح حين خاض في حديث الإفك) (٤).

стр. 379

قال المفسرون: هذا في الرجل يحلف بالله أن لا يصل رحمه، ولا يكلّم قرابته، ولا يتصدّق، ولا يصنع خيرا، ولا يصلح بين اثنين. فأمره الله تعالى أن يحنث في يمينه ويفعل ذلك الخير ويكفّر عن يمينه. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٢٤)؛ أي سميع لأيمانكم عليم بما تقصدون باليمين عند الحلف. قوله تعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ؛﴾ اختلف العلماء في لغو اليمين المذكور في هذه الآية؛ فقال قوم: هو ما يسبق به اللسان على سرعة وعجلة ليصل به كلامه من غير عقد ولا قصد؛ مثل قول الإنسان: لا والله؛ بلى والله، ونحو ذلك. فهذا لا كفّارة فيه ولا إثم عليه، وعلى هذا القول عائشة ﵂ والشعبيّ وعكرمة ومجاهد. وقال آخرون: لغو اليمين هو أن يحلف الإنسان على شيء يرى أنه صادق فيه، ثم تبين له خلاف ذلك؛ فهو خطأ منه غير عمد، فلا إثم عليه ولا كفارة؛ وعلى هذا القول ابن عباس والزهري والحسن وإبراهيم النخعي وقتادة والربيع وزرارة بن أوفى ومكحول والسديّ. وقال عليّ ﵁ وطاوس: (اللّغو اليمين في حالة الغضب والضّجر من غير عقد ولا عزم)،ومثله مرويّ عن ابن عباس (١).يدلّ عليه قوله ﷺ : [لا يمين في غضب] (٢). وقال بعضهم: هو اليمين في المعصية، لا يؤاخذه الله بالحنث في يمينه ويكفّر، وبه قال سعيد بن جبير (٣).وقال غيره: ليس عليه في ذلك كفّارة (٤).وقال مسروق في الرجل يحلف على المعصية: (كفّارته أن يتوب عنها، وكلّ يمين لا يحلّ له أن يفي بها

стр. 380

فليس فيها كفّارة؛ ولو أمره بالكفّارة لأمرته أن يتمّ على قوله) (١).يدلّ عليه ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [من نذر فيما لا يملك فلا نذر له، ومن حلف على معصية فلا يمين له] (٢). وعن إبراهيم النخعيّ قال: (لغو اليمين أن يصل الرّجل كلامه بالحلف، كقوله: والله ليأكلنّ؛ والله ليشربنّ؛ ونحوها، لا يقصد بذلك اليمين ولا يريد به حلفا، فليس عليه فيه كفّارة) (٣).يدلّ عليه ما روي أنّ رسول الله ﷺ مرّ بقوم يتنضّلون ومعهم رجل من أصحابه؛ فرمى رجل من القوم فقال: والله أصبت؛ والله أخطأت. فقال الرّجل الّذي مع رسول الله ﷺ : حنث الرّجل يا رسول الله؟ فقال ﷺ : [كلّ أيمان الرّماة لغو لا كفّارة فيها ولا عقوبة] (٤). وقالت عائشة: (أيمان اللّغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة والحديث الّذي لا يعقد عليه القلب) (٥).وقال زيد بن أسلم: (هو دعاء الحالف لنفسه، كقوله: أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا، أخرجني الله من مالي إن لم آتك غدا) (٦).

стр. 381

قوله تعالى: ﴿(وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ)﴾ أي بما تعمّدتم الكذب؛ وهو أن يحلف على شيء يعلم أنه ليس كذلك. والمعنى: ﴿(وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ)﴾ بما عزمتم وقصدتم وتعمدتم؛ لأن كسب القلب العقد والنية. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٢٢٥)؛أي ﴿(غَفُورٌ)﴾ لمن تاب من اليمين الغموس، ﴿حَلِيمٌ﴾ عن الحالف إذ لم يعجّل عليه بالعقوبة. وقيل: معناه: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾ ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾ لمن حنث وكفّر عن يمينه، ﴿حَلِيمٌ﴾ حين رخّص لكم في الحنث ولم يعاقبكم على اليمين على ترك البرّ. واللّغو في اللغة: الكلام السّاقط الّذي لا فائدة فيه ولا حكم له، يقال: ألغيت الشّيء إذا طرحته. وقد يذكر اللّغو ويراد به الكلام الفاحش القبيح، قال الله تعالى: ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ (٢). قوله : ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٢٦)؛قال ابن عباس: (إنّ العرب في الجاهليّة كان الرّجل منهم يكره امرأته ويكره أن يتزوّجها غيره، فيحلف أن لا يطأها أبدا ولا يخلي سبيلها إضرارا؛ فتبقى معلّقة لا ذات زوج ولا مطلّقة، حتّى يموت أحدهما. فأبطل الله ذلك من فعلهم، وجعل الأجل في هذا بعد هذا القول أربعة أشهر إذا تمّت هذه المدّة ولم يفئ إليها بانت بتطليقة) (٣). وفي قراءة عبد الله: «(للّذين آلوا من نسائهم)» على لفظ الماضي؛ والإيلاء: الحلف؛ يقال: آلى يؤلي إيلاء؛ والاسم الألية، قال الشاعر: عليّ الله وصيام شهر ... أمسك طائعا إلا يكفي

стр. 382

وجمع الأليّة الألايا قال الشاعر (١): قليل الألايا حافظ ليمينه ... إذا نذرت منه الإليّة برّت والإيلاء في الشرع: هو الحلف على ترك الجماع الذي يكسب الطلاق بمضيّ المدة. ومعنى الآية: للذين يحلفون من نسائهم لا يقربوهن أربعة أشهر. والتربّص: التّوقّف. وقال بعضهم: التّربّص: التّصبّر. قوله: ﴿(فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)﴾ فإن رجعوا عما حلفوا عليه؛ فقرب الرجل امرأته أو كان عاجزا عن الوطء ففاء بلسانه، ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ)﴾ لذنب الإضرار بالامتناع عن الجماع، ﴿(رَحِيمٌ)﴾ بهم إذ رخّص لهم القربان بالكفارة. وفي قراءة ابن مسعود: «(فإن فاءوا فيهنّ)». واختلف العلماء فيما يكون موليا به على وجوه؛ أحدها: ما روي عن علي وابن عباس والحسن ﵃: (أنّ الإيلاء هو الامتناع من الجماع على جهة الغضب؛ والإصرار بتأكيد اليمين حتّى لو كان له ولد رضيع يخشى أن يقرب أمّه أن تحبل فيضرّ ذلك بالولد، فحلف أن لا يقربها لم يكن موليا) (٢). وقال النخعيّ وابن سيرين والشعبيّ: (هو اليمين على أن لا يجامعها، سواء كان في الغضب أو في الرّضا) (٣).وبهذا القول قال علماؤنا رحمهم الله تعالى حتى قال أبو يوسف وأبو حنيفة ومحمد (٤): (كلّ يمين في زوجة منعت جماع أربعة أشهر من غير حنث يلزمه تعيين إيلاء؛ وفي أخرى فهو إيلاء) (٥).

стр. 383

والقول الثالث: ما روي عن سعيد بن المسيّب: (أنّ الإيلاء هو اليمين في الجماع وغير ذلك من الضّرر حتّى لو حلف لا يكلّمها كان موليا) (١). والقول الرابع: قول عبد الله بن عمر: (أنّه إذا هجرها فهو إيلاء)،ولم يذكر الحلف (٢). والتّربّص: انتظار الشيء خيرا أو شرّا يحلّ بك أو به؛ ولذلك سمي المحتكر متربصا لانتظاره غلاء السّعر، قال الشاعر: تربّص بها ريب المنون لعلّها ... تطلّق يوما أو يموت حليلها قوله : ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٢٧)؛أي وإن حقّقوا الطلاق بالإقامة على حكم اليمين إلى تمام أربعة أشهر؛ ﴿(فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ)﴾ لإيلائهم؛ ﴿(عَلِيمٌ)﴾ بهم وبنيّاتهم. والعزم في اللغة: هو العقد على فعل في المستقبل؛ يقال: عزم على كذا؛ إذا عقد قلبه عليه. والعزم الشرعيّ المذكور في هذه الآية على ثلاثة أوجه: قال ابن عباس: (عزيمة الطّلاق انقضاء الأربعة أشهر قبل أن يفيء من غير عذر) (٣)،وهو قول ابن مسعود (٤) وزيد بن ثابت وعثمان بن عفان ﵃ (٥)؛قالوا: (إنّها تبين بعد هذه المدّة بتطليقة)،وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه.

стр. 384

وعن عليّ (١) وابن عمر (٢) وأبي الدرداء ﵃ مثل القول الأول (٣). وروي عنهم أيضا: (أنّه يوقف بعد مضيّ المدّة، فإمّا أن يفيء وإمّا أن يطلّق) (٤) وهذا قول عائشة (٥) وآخرين. وبه قال مالك والشافعيّ؛ فإن امتنع عنهما؛ فللشافعيّ قولان؛ أحدهما: يحبسه الحاكم ولا يجبره على أحد الأمرين. والثاني: يطلّق عليه الحاكم. وقال ابن جبير وسالم والزهريّ وعطاء وطاوس: (إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة رجعيّة).فإن قيل: قوله تعالى: ﴿(فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)﴾ يقتضي أنّ عزيمة الطلاق مسموعة ولا يكون كذلك إلا بقول من الزوج بعد الإيلاء؟ قلنا: هذا القول لا يصحّ؛ لأن الله تعالى لم يزل سميعا ولا مسموع وقد قال تعالى: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٦) وليس هناك قول (٧).

стр. 385

قوله : ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛﴾ وقال ابن عباس: (كان أهل الجاهليّة يطلّق الرّجل امرأته، فإن كانت حبلى كان أحقّ برجعتها وإلاّ كانت أحقّ بنفسها، فكانت المرأة إذا أحبّت الرّجل قالت: أنا حبلى، وليست حبلى ليراجعها. وإذا كرهته وهي حبلى قالت: لست حبلى؛ لكي لا يقدر على مراجعتها؛ فجعل الله عدّة المطلّقات ثلاثة قروء، ونهى النّساء عن كتمان ما في أرحامهنّ من الحيض والحبل). ومعنى الآية: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ﴾ ينتظرن ﴿(بِأَنْفُسِهِنَّ)﴾ ماذا يصنع بهن أزواجهنّ من المراجعة وترك المراجعة. وقد اختلف السلف في القرء المذكور؛ قال أبو بكر وعمر وعثمان وابن عباس وابن مسعود وأبو موسى الأشعري: (هو الحيض)،وقالوا: (إنّ الزّوج أحقّ بها ما لم تغتسل من الحيضة الثّالثة) (١)،وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه. وقال ابن عمر وزيد بن ثابت وعائشة: (الأقراء هي الأطهار) (٢)، (وإذا دخلت في الحيضة الثّالثة، فلا سبيل له عليها) (٣)،وبه قال مالك (٤) والشافعيّ. وإنّما اختلف السلف في هذه المسألة؛ لأن القرء في اللغة عبارة عن الحيض وعن الطّهر؛ وهو من أسماء الأضداد؛ قال أبو عبيدة: (هو خروج من شيء إلى شيء؛ يقال: قرأ النّجم إذا طلع؛ وقرأ النّجم إذا غاب).والمرأة تخرج من الطهر إلى الحيض، ومن الحيض إلى الطهر. قال الشاعر: يا ربّ ذي ضغن عليّ فارض ... له قروء كقروء الحائض

стр. 386

وأراد بذلك الحيض؛ يعني: أن عداوته تهيج في أوقات معلومة كما أن المرأة تحيض في أوقات معلومة. وقال آخر (١): أفي كلّ عام أنت جاشم غزوة ... تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا ومورّثة عزّا وفي الحيّ رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا وأراد بالقرء في هذا البيت الطّهر؛ لأنه خرج إلى الغزو ولم يغش نساءه فأضاع أقراءهن؛ أي أطهارهن. فلما اختلف السلف واختلفت اللغة في هذا الاسم لم يجب حمله على الأمرين جميعا، ووجب حمله على حقيقته دون مجازه. واسم القرء حقيقة في الحيض؛ مجاز في الطهر؛ لأن كلّ طهر لا يسمى قرءا وإنّما الطهر الذي يكون بين الحيضتين، فسمّي بهذا الاسم لمجاوزته الحيض. فلو كان هذا الاسم حقيقة في الطهر لكان لا ينتفي عنه بحال؛ لأنّ الأسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمّياتها بحال؛ ووجدنا هذا الاسم ينتفي عن طهر الآيسة والصغيرة، فكان حمله على الحيض أولى من حمله على غيره (٢). فإذا اختلفت الأمة في ذلك كان المرجع إلى لغة النبيّ ﷺ وقد قال ﷺ : [المستحاضة تدع الصّلاة أيّام أقرائها] (٣) وأراد بالأقراء الحيض بالإجماع، واتّفق

стр. 387

الصّحابة أن عدّة أمّ الولد بالحيض وكذلك الاستبراء (١). وذهب الزجّاج إلى أن القرء الجمع من قولهم: قرأت القرآن؛ أي لفظت به مجموعا. ويقال: قريت الماء في الحوض (٢).ويسمى الحوض مقراة. قال: (وإنّما يجتمع الدّم في البدن في الطّهر فهو القرء) غير أن الأمر لا يظهر في الحقيقة؛ لأن هذا من علم ما في الأرحام، وقد خصّ الله تعالى نفسه بعلم ما في الأرحام، ولا يمتنع أن يجتمع الدم في حالة الحيض قطرة أو قطرتين كالعبرة ونحوها؛ إذ لو اجتمع جملة لدرّ درورا لا ينقطع كالبول وسائر المائعات المجتمعة. والمطلّقة قبل الدخول مخصوصة من هذه الآية بآية أخرى وهو قوله تعالى: ﴿إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ (٣).وكذلك الحامل مخصوصة بآية أخرى. وروي أنّ رجلا من أشجع قال: يا رسول الله، طلّقت امرأتي وهي حامل وقد ذهبت وأنا أخاف أن تنطلق فتتزوّج من بعدي فيكون ولدي له، فأنزل الله تعالى: ﴿(وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ)﴾ إلى آخر الآية. فردّت امرأة الأشجعي إلى الأشجعيّ، فقام معاذ بن جبل فقال: يا رسول الله، أرأيت الكبيرة الّتي يئست من الحيض ما عدّتها؟ فنزل: ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (٤).فقال آخر: يا رسول الله، أرأيت الصّغيرة الّتي لم تبلغ الحلم؛ ما عدّتها؟ فأنزل ﴿وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾. فقام آخر فقال: يا رسول الله، والحوامل ما عدّتهنّ؟ فنزل: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.

стр. 388

قوله تعالى: ﴿(وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ)﴾ تخويفا من الله تعالى للمعتدّات كي لا ﴿(يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ)﴾ من الحبل فيخبرن بانقضاء العدة ثم يتزوجن فيلزمن الولد غير أبيه؛ ولا يكتمن الحيض فيمتنعن عن الإخبار بانقضاء العدّة ليستوجبن النفقة على أزواجهن. وفي هذه الآية دليل على أنّ قول المرأة يقبل على أمر رحمها حتى لو قالت: حضت؛ حرم على الزوج وطؤها؛ وإذا قالت: طهرت؛ حلّ له وطؤها؛ إذ لو لم يجب قبول قولها لم يكن لنهيها عن الكتمان معنى ولا فائدة؛ ولهذا إذا قال لامرأته: إذا حضت فأنت طالق؛ فقالت: حضت؛ طلّقت، وكان قولها كالبينة في حقّ نفسها؛ لأنّا قبلنا قولها فيما يخصّها من انقضاء عدتها وإباحة وطئها وحظره. وفرّقوا بين هذا وبين سائر الشروط نحو قوله: إذا دخلت الدار أو كلّمت زيدا؛ فقالوا: لا يقبل قولها فيه إلا ببينة. فأما إذا علّق عتق عبده بحيضة زوجته؛ فقالت: حضت؛ لم تصدّق؛ لأن ذلك حكم في غيرها لا يخصّها ولا يتعلق بها؛ فهو كغيره من الشروط ولا تصدّق. قوله : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً؛﴾ أي أزواجهن أحقّ بمراجعتهن في الأجل الذي أمرن أن يتربصن فيه؛ إن أرادوا بمراجعتهن حسن الصحبة والمعاشرة دون الإضرار والعدوان. قوله : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ؛﴾ أي لهن على أزواجهنّ من الحقّ والحرمة وحسن المعاشرة مثل ما للزوج عليهن من الحقوق بالمعروف. واسم المعروف عامّ في كلّ ما يعرف من إقامة الحقّ، يسمى بذلك لأن كلّ واحد يعرف بأنه حقّ. قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ؛﴾ أي لهم زيادة فيما للنساء عليهم وهو الفضل بنفقتهن وقيامهم بما يصلحهن. والفضل في العقل والميراث أن يكون الرجل مسلّطا على تأديب المرأة إذا نشزت. وعن رسول الله ﷺ أنّه قال: [لو أذنت لبشر أن يسجد لبشر ولو صحّ ذلك؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقّه

стр. 389

عليها؛ والّذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه لشحب بالقيح والصّديد ثمّ لحسته ما أدّت حقّه] (١). قوله : ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٢٨)؛أي ملك غالب يحكم ما أراد ويمتحن بما أحبّ فينتقم ممّن عصاه، وهو ذو حكمة فيما يأمر من أمر الدين والدنيا؛ لا يأمر شيئا إلا لحكمة. قوله : ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ؛﴾ قال عروة بن الزبير وقتادة في معنى هذه الآية: (إنّ الطّلاق الّذي يملك فيه الرّجعة مرّتان؛ فإنّه بعد الطّلقة الثّالثة لا يملك الرّجعة).وفي الآية ما يدلّ على هذا؛ لأنّ الله

стр. 390

عقّبه بقوله: ﴿(فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ)﴾. وعن ابن عباس ومجاهد: (أنّ المراد بالآية بيان طلاق السّنّة). وقوله: ﴿(الطَّلاقُ مَرَّتانِ)﴾ لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر والندب، وفي لفظ المرّتين دليل على أن التفريق سنّة؛ لأن من طلّق اثنتين معا لا يقال طلّقها مرتين، وليس في هذه الآية كيفية سنة التفريق. وقد فسّره الله تعالى بقوله: ﴿إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) وأراد بذلك تفريق الطلاق على إظهار العدة؛ ألا ترى أنه تعالى خاطب الرجال إحصاء العدة، وذكر الرجعة في سياق الآية بقوله: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً﴾. وعلى هذا قال ﷺ لابن عمر حين طلّق امرأته في حال الحيض: [ما هكذا أمرك ربّك؛ إنّما أمرك أن تستقبل الطّهر استقبالا، فطلّقها لكلّ قرء تطليقة؛ فإنّها العدّة الّتي أمر الله أن يطلّق فيها النّساء] (٢). قوله تعالى: ﴿(فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ)﴾ أي عليكم إمساكهن بحسن الصحبة والمعاشرة إذا أردتم الرجعة، ﴿(أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ)﴾ أي يتركوهن حتى ينقضي تمام الطّهر ويكنّ أملك لأنفسهن. والإحسان: أن يوفّي الزوج حقّها في المهر ونفقة العدّة؛ وأن لا يطوّل العدة عليها. وروي أنّ النّبيّ ﷺ سئل عن هذه الآية؛ فقيل له: أين التّطليقة الثّالثة؟ فقال: [في قوله: ﴿(أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ)﴾] (٣). قوله : ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ؛﴾ قال ابن عباس: (نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي
следующие страницы →