← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وأراد بذلك الحيض؛ يعني: أن عداوته تهيج في أوقات معلومة كما أن المرأة تحيض في أوقات معلومة. وقال آخر (١): أفي كلّ عام أنت جاشم غزوة ... تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا ومورّثة عزّا وفي الحيّ رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا وأراد بالقرء في هذا البيت الطّهر؛ لأنه خرج إلى الغزو ولم يغش نساءه فأضاع أقراءهن؛ أي أطهارهن. فلما اختلف السلف واختلفت اللغة في هذا الاسم لم يجب حمله على الأمرين جميعا، ووجب حمله على حقيقته دون مجازه. واسم القرء حقيقة في الحيض؛ مجاز في الطهر؛ لأن كلّ طهر لا يسمى قرءا وإنّما الطهر الذي يكون بين الحيضتين، فسمّي بهذا الاسم لمجاوزته الحيض. فلو كان هذا الاسم حقيقة في الطهر لكان لا ينتفي عنه بحال؛ لأنّ الأسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمّياتها بحال؛ ووجدنا هذا الاسم ينتفي عن طهر الآيسة والصغيرة، فكان حمله على الحيض أولى من حمله على غيره (٢). فإذا اختلفت الأمة في ذلك كان المرجع إلى لغة النبيّ ﷺ وقد قال ﷺ : [المستحاضة تدع الصّلاة أيّام أقرائها] (٣) وأراد بالأقراء الحيض بالإجماع، واتّفق

стр. 387

الصّحابة أن عدّة أمّ الولد بالحيض وكذلك الاستبراء (١). وذهب الزجّاج إلى أن القرء الجمع من قولهم: قرأت القرآن؛ أي لفظت به مجموعا. ويقال: قريت الماء في الحوض (٢).ويسمى الحوض مقراة. قال: (وإنّما يجتمع الدّم في البدن في الطّهر فهو القرء) غير أن الأمر لا يظهر في الحقيقة؛ لأن هذا من علم ما في الأرحام، وقد خصّ الله تعالى نفسه بعلم ما في الأرحام، ولا يمتنع أن يجتمع الدم في حالة الحيض قطرة أو قطرتين كالعبرة ونحوها؛ إذ لو اجتمع جملة لدرّ درورا لا ينقطع كالبول وسائر المائعات المجتمعة. والمطلّقة قبل الدخول مخصوصة من هذه الآية بآية أخرى وهو قوله تعالى: ﴿إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ (٣).وكذلك الحامل مخصوصة بآية أخرى. وروي أنّ رجلا من أشجع قال: يا رسول الله، طلّقت امرأتي وهي حامل وقد ذهبت وأنا أخاف أن تنطلق فتتزوّج من بعدي فيكون ولدي له، فأنزل الله تعالى: ﴿(وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ)﴾ إلى آخر الآية. فردّت امرأة الأشجعي إلى الأشجعيّ، فقام معاذ بن جبل فقال: يا رسول الله، أرأيت الكبيرة الّتي يئست من الحيض ما عدّتها؟ فنزل: ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (٤).فقال آخر: يا رسول الله، أرأيت الصّغيرة الّتي لم تبلغ الحلم؛ ما عدّتها؟ فأنزل ﴿وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾. فقام آخر فقال: يا رسول الله، والحوامل ما عدّتهنّ؟ فنزل: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.

стр. 388

قوله تعالى: ﴿(وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ)﴾ تخويفا من الله تعالى للمعتدّات كي لا ﴿(يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ)﴾ من الحبل فيخبرن بانقضاء العدة ثم يتزوجن فيلزمن الولد غير أبيه؛ ولا يكتمن الحيض فيمتنعن عن الإخبار بانقضاء العدّة ليستوجبن النفقة على أزواجهن. وفي هذه الآية دليل على أنّ قول المرأة يقبل على أمر رحمها حتى لو قالت: حضت؛ حرم على الزوج وطؤها؛ وإذا قالت: طهرت؛ حلّ له وطؤها؛ إذ لو لم يجب قبول قولها لم يكن لنهيها عن الكتمان معنى ولا فائدة؛ ولهذا إذا قال لامرأته: إذا حضت فأنت طالق؛ فقالت: حضت؛ طلّقت، وكان قولها كالبينة في حقّ نفسها؛ لأنّا قبلنا قولها فيما يخصّها من انقضاء عدتها وإباحة وطئها وحظره. وفرّقوا بين هذا وبين سائر الشروط نحو قوله: إذا دخلت الدار أو كلّمت زيدا؛ فقالوا: لا يقبل قولها فيه إلا ببينة. فأما إذا علّق عتق عبده بحيضة زوجته؛ فقالت: حضت؛ لم تصدّق؛ لأن ذلك حكم في غيرها لا يخصّها ولا يتعلق بها؛ فهو كغيره من الشروط ولا تصدّق. قوله : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً؛﴾ أي أزواجهن أحقّ بمراجعتهن في الأجل الذي أمرن أن يتربصن فيه؛ إن أرادوا بمراجعتهن حسن الصحبة والمعاشرة دون الإضرار والعدوان. قوله : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ؛﴾ أي لهن على أزواجهنّ من الحقّ والحرمة وحسن المعاشرة مثل ما للزوج عليهن من الحقوق بالمعروف. واسم المعروف عامّ في كلّ ما يعرف من إقامة الحقّ، يسمى بذلك لأن كلّ واحد يعرف بأنه حقّ. قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ؛﴾ أي لهم زيادة فيما للنساء عليهم وهو الفضل بنفقتهن وقيامهم بما يصلحهن. والفضل في العقل والميراث أن يكون الرجل مسلّطا على تأديب المرأة إذا نشزت. وعن رسول الله ﷺ أنّه قال: [لو أذنت لبشر أن يسجد لبشر ولو صحّ ذلك؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقّه

стр. 389

عليها؛ والّذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه لشحب بالقيح والصّديد ثمّ لحسته ما أدّت حقّه] (١). قوله : ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٢٨)؛أي ملك غالب يحكم ما أراد ويمتحن بما أحبّ فينتقم ممّن عصاه، وهو ذو حكمة فيما يأمر من أمر الدين والدنيا؛ لا يأمر شيئا إلا لحكمة. قوله : ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ؛﴾ قال عروة بن الزبير وقتادة في معنى هذه الآية: (إنّ الطّلاق الّذي يملك فيه الرّجعة مرّتان؛ فإنّه بعد الطّلقة الثّالثة لا يملك الرّجعة).وفي الآية ما يدلّ على هذا؛ لأنّ الله

стр. 390

عقّبه بقوله: ﴿(فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ)﴾. وعن ابن عباس ومجاهد: (أنّ المراد بالآية بيان طلاق السّنّة). وقوله: ﴿(الطَّلاقُ مَرَّتانِ)﴾ لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر والندب، وفي لفظ المرّتين دليل على أن التفريق سنّة؛ لأن من طلّق اثنتين معا لا يقال طلّقها مرتين، وليس في هذه الآية كيفية سنة التفريق. وقد فسّره الله تعالى بقوله: ﴿إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) وأراد بذلك تفريق الطلاق على إظهار العدة؛ ألا ترى أنه تعالى خاطب الرجال إحصاء العدة، وذكر الرجعة في سياق الآية بقوله: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً﴾. وعلى هذا قال ﷺ لابن عمر حين طلّق امرأته في حال الحيض: [ما هكذا أمرك ربّك؛ إنّما أمرك أن تستقبل الطّهر استقبالا، فطلّقها لكلّ قرء تطليقة؛ فإنّها العدّة الّتي أمر الله أن يطلّق فيها النّساء] (٢). قوله تعالى: ﴿(فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ)﴾ أي عليكم إمساكهن بحسن الصحبة والمعاشرة إذا أردتم الرجعة، ﴿(أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ)﴾ أي يتركوهن حتى ينقضي تمام الطّهر ويكنّ أملك لأنفسهن. والإحسان: أن يوفّي الزوج حقّها في المهر ونفقة العدّة؛ وأن لا يطوّل العدة عليها. وروي أنّ النّبيّ ﷺ سئل عن هذه الآية؛ فقيل له: أين التّطليقة الثّالثة؟ فقال: [في قوله: ﴿(أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ)﴾] (٣). قوله : ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ؛﴾ قال ابن عباس: (نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي

стр. 391

ابن سلول (١) وفي زوجها ثابت بن قيس، كانت تبغضه بغضا شديدا لا تقدر على النّظر إليه، وكان يحبّها حبّا شديدا لا يقدر على أن يصبر عنها؛ وكان بينهما كلام، فأتت أباها فشكت عليه وقالت: إنّه يضربني ويسيء إليّ! فقال لها: ارجعي إلى زوجك، فأتته الثّانية وبها أثر الضّرب، فشكت إليه فقال لها: ارجعي إلى زوجك. فلمّا رأت أنّه لا يشكيها ولا ينظر في أمرها أتت رسول الله ﷺ فشكت عليه وأرته أثر الضّرب بها، فقالت: يا رسول الله، لا أنا ولا هو، فأرسل رسول الله ﷺ إلى ثابت وقال: [يا ثابت، ما لك ولأهلك؟] قال: والّذي بعثك بالحقّ نبيّا؛ ما على الأرض شيء أحبّ إليّ منها غيرك، لكنّها لا تطيعني، فقال لها النّبيّ ﷺ : [ما تقولين؟] فكرهت أن تكذب رسول الله ﷺ وقالت: ما كنت أحدّثك اليوم حديثا ينزل عليك خلافه غدا، هو من أكرم النّاس لزوجته لا أعيب عليه في دين ولا خلق، ولكنّي أبغضه لا أنا ولا هو. فقال ثابت: قد أعطيتها حديقة لي، قل لها فلتردّها عليّ وأنا أخلي سبيلها، فقال لها رسول الله ﷺ : [أتردّين عليه حديقته وتملكين أمرك؟] قالت: نعم، وزيادة. فأنزل الله قوله: ﴿(وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ)﴾ الآية، فقال ﷺ : [أمّا الزّيادة فلا] ثمّ قال لثابت: خذ منها ما أعطيتها وخلّ سبيلها، ففعل. وكان ذلك أوّل خلع في الإسلام) (٢).

стр. 392

ومعنى الآية: ﴿(وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا)﴾ شيئا مما أعطيتموهن من مهر ولا غيره، ﴿(إِلاّ أَنْ يَخافا)﴾. قال أبو عبيد: (معناه: معلّما ومؤقّتا حقيقته؛ أي إلاّ أن يكون الأغلب عليها على ما ظهر منهما من أسباب التّباعد الخوف من أن لا ﴿(يُقِيما حُدُودَ اللهِ)﴾ وهو ما فرض الله تعالى للزّوج). ومن قرأ «(يخافا)» على فعل ما لم يسمّ فاعله، كان المعنى إلا أن يخافا عليهما أن لا يقيما حدود الله، وهو ما فرض الله تعالى للزوج على المرأة، والمرأة على الزوج. وقد يذكر الخوف في معنى العلم كما قال أبو محجن الثقفيّ (١): إذا متّ فادفنّي إلى أصل كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني بالفلاة فإنّني ... أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها وأما قوله : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ؛﴾ أي علمتم بغالب ظنّكم أن لا يكون بينهما صلاح ولا مقام على النكاح. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ؛﴾ أي لا حرج عليهما في الأخذ والإعطاء. ويقال: معناه: لا حرج على الزوج أن يأخذ ما افتدت به المرأة نفسها مما أعطاها الزوج. قال الفرّاء: (هذا كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ (٢) وإنّما يخرج ذلك من أحدهما؛ كذلك في هذه الآية أراد بقوله تعالى: ﴿(فَلا جُناحَ عَلَيْهِما)﴾ نفي الحرج عن الزّوج في الأخذ؛ فأمّا المرأة فهي مفتدية باختيارها ورضاها). وإنّما يباح للزوج أن يخلعها إذا كان النّشوز من قبل المرأة؛ وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (لو اختلعت بكلّ شيء لها لأخذته) (٣).

стр. 393

وروي أن امرأة نشزت فرفعت إلى عمر ﵁ فأباتها في بيت الزّبل ثلاث ليال ثم دعا بها فقال ﵁: (كيف وجدت مبيتك؟) فقالت: ما بتّ ليالي منذ كنت عنده أقرّ لعيني منهنّ. فقال عمر ﵁ لزوجها: (اخلعها، ولو بقرطها) (١). قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها؛﴾ الآية؛ أي هذه الآيات المنزّلة من الأوامر والنواهي فرائض الله وأحكامه ﴿(فَلا تَعْتَدُوها)﴾ أي فلا تتجاوزوها، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ؛﴾ أي من يتجاوز أحكام الله ويترك ما أمر الله به أو يعمل بما نهاه، ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٢٢٩)؛الضّارّون لأنفسهم بمعصيتهم. وإذا كان النشوز من قبل الزوج، فلا يحلّ له أخذه شيئا منها ديانة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾ (٢). واختلف السلف ﵃ في الخلع؛ هل هو طلاق أو فسخ؟ فذهب بعضهم إلى أنه فسخ؛ وهي رواية عن ابن عباس، واستدلّوا بظاهر هذه الآية؛ فقالوا: إنّ الله ذكر الطلاق الثالث بعد هذا بقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ؛﴾ فلو كان الخلع طلاقا لجعل الطلاق أكثر من ثلاث. وأكثر فقهاء الأمصار قالوا: الخلع طلاق؛ وهو «رواية عن» (٣) عمر وعثمان وابن مسعود والحسن وإبراهيم النخعي وغيرهم. وليس في ظاهر هذه الآية أنّ الخلع فسخ؛ لأن قوله تعالى: ﴿(وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا)﴾ حكم مبتدأ؛ إذ (الواو) للاستئناف؛ إلا أن يقوم دليل الجمع، فكأنّ الله تعالى ذكر في أول هذه الآية حكم الطلاق بغير بدل وخيّر الزوج بين أن يراجعها في العدة أو يتركها حتى تنقضي عدتها، ثم استأنف بيان حكم الطلاقين إذا كان على وجه الخلع، وأبان عن موضع الحظر والإباحة فيها، ثم ذكر حكم الطلقة الثالثة بالآية التي بعد هذه الآية. وهذا مما يستدلّ به على أن المختلعة يلحقها الطلاق؛ لأن عامة الفقهاء اتفقوا على أن تقدير الآية وترتيب أحكامها على ما وصفناه؛ فحصلت التطليقة الثالثة بعد الخلع. شرط في إباحتها للأول؛ إلا ما روي عن سعيد بن المسيب رواية شاذة: أنّه لم يجعله شرطا؛

стр. 394

ولم يتابعه أحد على ذلك (١).

стр. 395

وإنّما جعل دخول الزوج الثاني بها شرطا لمفهوم الآية وورود السّنة أما مفهوم

стр. 396

الآية؛ فلأنّ الله تعالى قال: ﴿(حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ)﴾ والنكاح هو الوطء في الحقيقة، وذكر الزوج يفيد العقد لاستحالة أن يكون زوجا من غير عقد، فكأنّ قوله ﴿(حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً)﴾ كناية مفهمة مغنية عن التصريح. وأمّا السّنّة: فما روي أنّ رفاعة القرظيّ طلّق امرأته ثلاثا، فتزوّجها عبد الرّحمن ابن الزّبير، فجاءت إلى رسول الله تريد أن ترجع إلى زوجها الأوّل، فقال ﷺ : [هل جامعك عبد الرّحمن؟] فقالت: ما الّذي معه إلاّ كهدبة ثوبي هذا. فقال ﷺ : [أفتريدين أن ترجعي إلى زوجك الأوّل؟] قالت: نعم، قال ﷺ : [لا؛ حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك] فندمت على مقالتها، فقالت: يا رسول الله، قد طاف بي، فقال: [لا أصدّقك الآن] (١). قوله : ﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا﴾ حكم الطلاقين إذا كان على وجه الخلع، وأبان عن موضع الحظر والإباحة فيها، ثم ذكر حكم الطلقة الثالثة بالآية التي بعد هذه الآية. وهذا مما يستدلّ به على أن المختلعة يلحقها الطلاق؛ لأن عامة الفقهاء اتفقوا على أن تقدير الآية وترتيب أحكامها على

стр. 397

ما وصفناه؛ فحصلت التطليقة الثالثة بعد الخلع.؛أي فإن طلّقها الزوج الثاني بعد ما دخل بها، فلا حرج على المرأة والزوج الأول أن يتراجعا؛ بأن يتزوجها مرة أخرى بعد انقضاء العدّة. قوله تعالى: ﴿إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ أي إن علما بغالب ظنّهما أنّهما يقيمان حدود الله فيما بينهما؛ لأنّهما قد افترقا؛ ورأى الزوج وحدته ورأت المرأة غربتها ووحشتها. والحكمة في شرط دخول الزوج الثاني بها: أن الطلاق لمّا كان من أبغض المباحات إلى الله تعالى على ما ورد به الخبر عن رسول الله ﷺ : [إنّ من أبغض المباحات إلى الله تعالى الطّلاق] (١) شرط الله في حرمة الطلقة الثالثة ما يكبر على الأزواج من غشيان غير تلك المرأة؛ حتى لا يعجلوا بالطلاق عند الغضب ولا يطلّقوا إلا على وجه السّنة. قوله : ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢٣٠)؛أي هذه الآية التي ذكرت أحكام الله وفرائضه يبيّنها في القرآن لقوم يعلمون أوامر الله تعالى؛ وإن ما يأتي به رسول الله ﷺ صدق. وتخصيص العلماء في هذه الآية؛ لأنّهم هم الذين يحفظون أوامر الله وأحكامه وينتفعون بالآيات. وقيل: خصّهم الله بالذكر على جهة النباهة لهم كما خصّ جبريل وميكائيل من بين الملائكة على جهة النباهة لهما. قوله : ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا؛﴾ نزلت في ثابت بن يسار الأنصاري؛

стр. 398

طلّق امرأته حتى إذا انقضت عدّتها إلاّ يومين أو ثلاثة؛ وكادت تبين منه راجعها، ثم طلّقها ففعل بها مثل ذلك، حتى مضت لها سبعة أشهر مضارا لها بذلك. وكان الرجل إذا أراد أن يضارّ امرأته طلّقها ثم تركها حتى تحيض الثالثة، ثم راجعها، ثم طلّقها فتطول عليها العدة، فهذا هو الضّرار؛ فأنزل الله هذه الآية (١). ومعنى الآية: ﴿(وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ)﴾ تطليقة أو تطليقتين ﴿(فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ)﴾ أي قاربن وقت انقضاء العدّة ﴿(فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)﴾ أي احبسوهنّ بالرجعة على أحسن الصّحبة، لا على تطويل العدّة، ﴿(أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)﴾ أي اتركوهن بمعروف حتى ينقضي تمام أجلهن، ﴿(وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً)﴾ أي لا تحبسوهنّ في العدة إضرارا ﴿لِتَعْتَدُوا؛﴾ عليهن؛ أي تظلموهن. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ؛﴾ أي من يفعل ذلك الاعتداء فقد عرّض نفسه لعذاب الله بإتيان ما نهى الله عنه، قال رسول الله ﷺ : [ملعون من ضارّ مسلما أو ماكره] (٢). قوله : ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً؛﴾ أي لا تتركوا ما حدّ الله لكم من أمر الطلاق وغيره فتكونوا مقصّرين لاعبين. وعن أبي الدرداء ﵁ قال: كان الرّجل يطلّق امرأته أو يعتق عبده ثمّ يقول: إنّما كنت لاعبا، فيرجع في العتق والنّكاح؛ فأنزل الله هذه الآية، فقال ﷺ : [من طلّق لاعبا أو أعتق لاعبا فقد جاز عليه] (٣) أي نفذ عليه.

стр. 399

وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [ثلاث جدّهنّ جدّ وهزلهنّ جدّ: الطّلاق، والعتاق، والنّكاح].وفي بعض الروايات: [الطّلاق، والنّكاح، والرّجعة] (١).وروي في الخبر: [خمس جدّهنّ جدّ وهزلهنّ جدّ: الطّلاق، والعتاق، والرّجعة، والنّكاح، والنّذر]. وعن أبي موسى الأشعريّ قال: غضب رسول الله ﷺ على الأشعريّين، فأتيته فقلت: يا رسول الله، غضبت على الأشعريّين؟ قال: [يقول أحدكم لامرأته: قد طلّقتك، ثمّ يقول: قد راجعتك، ليس هذا طلاق المسلمين، طلّقوا المرأة في قبل طهرها] (٢).وقال الكلبيّ: (معنى ﴿(وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً)﴾ أي أمسكوا بمعروف أو سرّحوا بإحسان). قوله : ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ؛﴾ أي احفظوا منّة الله عليكم في أمر الدين. وقيل: (﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ)﴾ بالإيمان، ﴿(وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ)﴾ يعني القرآن، ﴿(وَالْحِكْمَةِ)﴾ يعني مواعظ القرآن والحدود والأحكام. وقيل: الحكمة هي فقه الحلال والحرام. وقوله: ﴿(يَعِظُكُمْ بِهِ)﴾ أي ينهاكم عن الإضرار وسائر المعاصي. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢٣١)؛أي اخشوه فيما أمركم به ونهاكم عنه، ﴿(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ)﴾ من أعمالكم من العدل والجور، ﴿(عَلِيمٌ)﴾ أي عالم يجزيكم على الخير والشر.

стр. 400

ومن الناس من يحتجّ بقوله: ﴿(فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ)﴾ في إيجاب الفرقة بين المعسر العاجز عن النفقة وبين امرأته؛ لأنّ الله خيّرهم بين أحد شيئين؛ فإذا عجز عن أحدهما تعيّن عليه الثاني. قلت: هذا الاحتجاج بعيد من الآية؛ لأن العاجز عن نفقة المرأة ممسك بالمعروف إذ لم يكلّف الإنفاق في هذه الحالة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها﴾ (١) وغير جائز أن يقال للمعسر: غير ممسك بالمعروف؛ إذ ترك الإمساك بالمعروف ذمّ؛ والعاجز غير مذموم. قوله : ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ؛﴾ قال الحسن وقتادة: (نزلت هذه الآية في معقل بن يسار، كانت أخته جميل (٢) تحت أبي البدّاح طلّقها تطليقة واحدة ثمّ تركها حتّى انقضت عدّتها، ثمّ ندم على طلاقه إيّاها؛ فخطبها فرضيت المرأة بذلك وأحبّت أن تراجعه، وأبى أخوها معقل وقال لها: إنّي اخترته على أشراف قومي فطلّقك، ثمّ تريدين أن تراجعيه؟! وجهي من وجهك حرام أبدا لأن تزوّجتيه. فأنزل الله هذه الآية ينهى معقلا عمّا صنع) (٣). وروي أنّ أبا البدّاح لمّا طلّقها وتركها حتّى انقضت عدّتها جاء يخطبها وأراد مراجعتها، وكانت المرأة تحبّ مراجعته، قال له أخوها: أفرشتك كريمتي وآثرتك على قومي فطلقتها ولم تراجعها حتّى انقضت عدّتها، وجئت تخطبها؟! والله لا أنكحها أبدا. فأنزل الله هذه الآية (٤). ومعناها: ﴿(وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ)﴾ واحدة أو اثنتين، ﴿(فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ)﴾ يعني انقضت عدّتهن، وأراد ببلوغ الأجل في هذه الآية حقيقة البلوغ بانقضاء العدّة، ﴿(فَلا﴾

стр. 401

﴿تَعْضُلُوهُنَّ)﴾ أي لا تمنعوهنّ ﴿(أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ)﴾ يعني الذين كانوا أزواجا لهنّ من قبل. وقوله تعالى: ﴿(إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ)﴾ أي إذا تراضوا بنكاح جديد ومهر وشهود؛ وما لا يكون مستنكرا في عقل ولا عادة ولا خلق. قوله : ﴿ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛﴾ أي ذلك الذي ذكر من النّهي عن العضل ﴿(يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ)﴾ ويؤمن بالبعث. قوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ؛﴾ أي أن لا تمنعوها خير لكم وأفضل وأدخل في التزكية من المنع لهنّ، وأطهر من الذنب وأبعد من الريبة؛ لأنه إذا كان في نفس كلّ واحد منهما علاقة حبّ لم يؤمن أن يتجاوزا ذلك إلى غير ما أحلّ الله لهما. وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢٣٢)؛أي ﴿(وَاللهُ يَعْلَمُ)﴾ حبّ كلّ منهما لصاحبه، ﴿(وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)﴾ ذلك. ﴿(وَاللهُ يَعْلَمُ)﴾ ما لكم فيه الصلاح في العاجل والآجل، ويعلم ما يزكّيكم ممّا يرديكم ﴿(وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)﴾ ذلك. فلما نزلت هذه الآية دعا النّبيّ ﷺ معقلا فقرأ عليه الآية وقال: [إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، فلا تمنع أختك من أبي البدّاح] فقال: إنّي أؤمن بالله واليوم الآخر وأشهدك أنّي قد أنكحته. وكفّر عن يمينه (١). والعضل في اللغة له معنيان؛ أحدهما: المنع؛ يقال: عضل الرجل المرأة يعضلها ويعضلها إذا منعها من الأزواج ظلما. وأعضل الداء الأطباء إذا أعياهم عن معالجته، ويقال: داء عضال؛ ومسألة معضلة. والآخر: التضييق؛ يقال: عضل القضاء بالجيش إذا ضاق بهم، وعضلت المرأة بولدها إذا عسر خروجه.

стр. 402

وفي الآية دليل على جواز نكاح المرأة على نفسها إذا عقدت بغير وليّ؛ لأنّ الله تعالى أضاف العقد إليها ونهى الوليّ عن عضلها إذا تراضى الزوجان بالمعروف. ويدلّ على ذلك قوله: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا﴾. وقوله: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قوله : ﴿*وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ؛﴾ أي والمطلّقات اللاّتي لهن أولاد من أزواجهن المطلّقين ولدنهم قبل الطلاق أو بعده؛ وقوله: ﴿(يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ)﴾ لفظه لفظ الخبر ومعناه: الأمر، كأنه قال: لترضع الوالدات أولادهنّ، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ يدلّ على ذلك أنه لو كان قوله: ﴿(يُرْضِعْنَ)﴾ خبرا لما وجد مخبره على خلاف ما أخبر الله به؛ فلما كان من الوالدات من لا ترضع؛ علم أنه لم يرد به الخبر؛ فكان هذا محمولا في حال قيام النكاح على الأوامر الواجبة من طريق الدين لا من جهة الحكم؛ فإنّها إذا امتنعت من الإرضاع لم يكن للزوج أن يجبرها على ذلك من حيث الحكم، وإن أرضعت لم تستحقّ نفقة الرضاع مع بقاء الزوجية، ولا يجتمع لها نفقتان. وفي الآية إثبات حقّ الرضاع للأم، وبيان مدة الرضاع للمستحق على الوالد، فإنّ الولد لو امتنع من الإرضاع في الحولين أجبر عليه كما قال تعالى في آية المطلقات: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١) وقال: ﴿وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾. فإن قيل: كيف قال الله تعالى: ﴿(حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ)﴾ والحولان لا يكونان إلا كاملين؟ قيل: لإزالة الإبهام؛ فإنّ الإنسان قد يقول: أقمت عند فلان سنتين؛ إذا كان قريبا من سنتين، وسرت شهرا؛ إذا كان قريبا من شهر، فبيّن الله تعالى أنّهما حولان كاملان: أربعة وعشرون شهرا من يوم يولد إلى أن يفطم. وقوله تعالى: ﴿(لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ)﴾ أي لمن أراد من الآباء أن يتمّ الرضاعة المفروضة عليه؛ أي هذا منتهى الرضاعة وليس فيما دون ذلك وقت محدود، وإنما هو على مقدار إصلاح الصبيّ وما يعيش به.

стр. 403

قرأ أبو رجاء: «(الرّضاعة)» بكسر الراء؛ قال الخليل: (وهما لغتان مثل الوكالة والوكالة؛ والدّلالة والدّلالة).وقرأ مجاهد: «(لمن أراد أن يتمّ الرّضعة)» وهي فعلة كالمرّة الواحدة، وقرأ عكرمة: «(لمن أراد أن يتمّ الرّضاعة)» على الفاعل. وقرأ ابن عباس: «(لمن أراد أن يكمل الرّضاعة)». قوله : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها؛﴾ معناه: وعلى الأب نفقتهن وكسوتهن كما يعرف أنه العدل، يكون ذلك أجرة لهن على الرضاع إذا كان إرضاع الولد بعد الفراق. وقوله تعالى: ﴿(لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها)﴾ أي لا يجبر الأب على النفقة والكسوة إلا مقدار طاقته، والتكليف هو الإلزام، قال الضحّاك: (هذا في المطلّقات دون المزوّجات؛ لأنّ الله تعالى قابل هذه النّفقة بالإرضاع، ونفقة الزّوجة لا تجب بالإرضاع وإنّما تجب بسبب الزّوجيّة). قوله : ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ؛﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وسلام برفع الراء مشدّدة على الخبر منسوقا على قوله: ﴿(لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ)﴾ وأصله: (لا تضارر) فأدغمت الراء في الراء. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائيّ: «(لا تضارّ)» مشدّدة منصوبة على النّهي. وأصله (لا تضارر) فأدغمت الراء في الراء وحرّكت إلى أخفّ الحركات وهو النصب؛ ويدلّ عليه قراءة عمر: «(لا تضارر)» على إظهار التضعيف. ومعنى الآية: ﴿(لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها)﴾ فينزع منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه؛ وألفها الطفل؛ ﴿(وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ)﴾ أي لا تلقيه هي إلى أبيه بعد أن عرفها الولد لتضارر الأب بذلك. وقيل: معناه: ﴿(لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها)﴾ فتكره على إرضاعه إذا قبل من غيرها وكرهت هي رضاعه؛ لأن ذلك ليس بواجب عليها. ﴿(وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ)﴾ فيحمل على أن يعطي الأمّ إذا لم يرضع إلا منها أكثر مما يجب لها عليه. وهذان القولان على مذهب الفعل المجهول على معنى أنه يفعل ذلك بهما، والوالدة والمولود له مفعولان.

стр. 404

وأصل الكلمة (تضارر) بفتح الراء الأولى؛ ويحتمل أن يكون الفعل لهما ويكون على مذهب من قد سمي فاعله، والمعنى: لا تضارر والدة بولدها فتأبى أن ترضع ولدها لشفق على أبيه. ﴿(وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ)﴾ أي ولا يضارّ الأب أمّ الصبيّ فيمنعها من إرضاعه وينزعه منها؛ وهذا المذهب أصله (لا يضارر) بكسر الراء الأولى. وجعل الزجّاج قوله: ﴿(لا تُضَارَّ)﴾ بالنصب نهيا للوالدة عن الإضرار بالولد. وقوله: ﴿(وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ)﴾ نهيا للوالد عن الإضرار بولده. ومعنى ذلك: لا تترك الوالدة إرضاع ولدها غيضا على أبيه فتضرّ بالولد؛ لأن الوالدة أشفق بولدها من الأجنبية، ولا يأخذ الأب الولد من أمّه قصدا إلى الإضرار بها فيضرّ بولده، ولا يمنعها الأجرة فيضرّ بولده. قوله : ﴿وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ؛﴾ يعني على وارث الولد إذا لم يكن له أب مثل ما على الأب من النفقة والكسوة وترك الإضرار. قال عمر والحسن: (إنّه على العصبات دون أصحاب الفرائض) (١).وقال قتادة: (إنّه على الوارث من العصبات وأصحاب الفرائض جميعا؛ على كلّ واحد منهم بمقدار نصيبه من الميراث) (٢) إلاّ أنّه لم يشرط أن يكون الوارث ذا رحم محرم من الولد، وقد شرط أصحابنا ذلك. قوله : ﴿فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما؛﴾ أي إن أراد الأبوان فطام الولد من اللبن دون الحولين بتراضيهما وبتشاورهما؛ فلا إثم عليهما في ذلك. وعن ابن عباس: (فطام الولد من اللّبن دون حولين بتراضيهما وبمشاورتهما فلا إثم عليهما في ذلك) (٣).وعن ابن عباس: (معناه: إن أرادا فصالا قبل الحولين أو بعدهما بتراضيهما فلا جناح عليهما؛ فإن تشاقّا رجعا إلى الحولين) (٤).

стр. 405

وإنّما سمي الفطام فصالا؛ لانفصال المولود من الاغتذاء بثدي أمّه إلى غير ذلك من الأقوات. وأصل الفصل: القطع والتفريق. قوله : ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ؛﴾ أي ﴿(وَإِنْ أَرَدْتُمْ)﴾ يعني الآباء والأمهات ﴿(أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ)﴾ غير الوالدة، فلا إثم عليكم، ﴿(إِذا سَلَّمْتُمْ)﴾ من الأجرة ما تراضيتم به. ولهذا قالوا: إن الأمّ إذا لم تختر أن ترضع الولد بعد الطلاق، واختارت أن يكون الولد عندها، أمر الزوج أن يستأجر ظئرا لترضعه في بيت أم الرضيع. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ؛﴾ (٢٣٣)؛أي ﴿(اتَّقُوا اللهَ)﴾ في الضّرار ومخالفة أمر الله، ﴿(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ)﴾ من العدل والجور في أولادكم ونسائكم ﴿(بَصِيرٌ)﴾ عالم يجزيكم به. وأما تأويل ذكر الحولين في مدة الرضاع، فأما أكثر مدّته على قول أبي حنيفة؛ فعلى بيان مقدار استحقاق نفقة الرضاع وثبوت حكم الحرمة: فثلاثون شهرا على مذهبه. وعن ابن عباس أنه كان يقول في قوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ (١): (بيان أقلّ مدّة الحمل وأكثر مدّة الرّضاع؛ لأنّ الله تعالى قال في آية أخرى: ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ (٢)).وكان يقول: (إذا كان الحمل لستّة أشهر كان مدّة الرّضاع سنتين؛ وإذا كان الحمل تسعة أشهر كان الرّضاع سنة وتسعة أشهر).وعلى هذا مهما زاد في الحمل شهرا نقص بإزائه من الرضاع؛ وهذا يقتضي أن الحمل إذا بلغ سنتين؛ أنّ المرأة لا ترضع ولدها إلا ستة أشهر. فكان أبو حنيفة يحمل قوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ على ذكر الحمل على الأيدي مع بيان مدة أكثر الرضاع. قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً؛﴾ معناه: إنّ الذين يموتون منكم ويتركون نساءهم من بعدهم؛ ينتظرون في عدتهن؛ معنى ﴿(أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)﴾ لا يتزوجن ولا يتزيّنّ في هذه المدة. وقوله تعالى: ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ؛﴾ أي إذا انقضت عدتهن؛ ﴿فَلا﴾

стр. 406

﴿جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ؛﴾ أي لا حرج عليكم في تركهنّ بعد انقضاء المدة ليتزيّن زينة لا ينكر مثلها، ويتزوجن من الأكفاء ويفعلن كلّ معروف. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢٣٤)؛أي بما تعملون من الخير والشر عالم يجزيكم به. فإن قيل: ﴿(الَّذِينَ)﴾ اسم موصول و ﴿(يُتَوَفَّوْنَ)﴾ ﴿(وَيَذَرُونَ)﴾ من صلته، وجملته مبتدأ؛ و ﴿(يَتَرَبَّصْنَ)﴾ فعل الأزواج لا فعل ﴿(الَّذِينَ)﴾ ولا فيه ضمير عائد إلى ﴿(الَّذِينَ)﴾؛فيبقى المبتدأ بلا خبر، والمبتدأ لا يخلو من خبر اسما كان أو فعلا؛ وليس من ذلك هاهنا شيء؟ قيل: قال أبو العباس السرّاج: (في الآية ضمير تقديره: أزواجهم يتربّصن) لأن الفعل يدلّ على الفاعل. وقال الأخفش: (تقديره: يتربّصن من بعدهم أربعة أشهر) (١) حتى يكون الضمير عائدا إلى ﴿(الَّذِينَ)﴾.وذكر الزجّاج: أنّ النّون في قوله ﴿(يَتَرَبَّصْنَ)﴾ قائم مقام الأزواج كناية عنها لا محالة فصار كالتّصريح، وهذا كما يقال: الذي يموت ويخلف ابنتين ترثان الثلثين؛ معناه يرث ابنتاه الثلثين (٢). قوله تعالى: ﴿(وَعَشْراً)﴾ ظاهر لفظ العشر يتناول الليالي؛ ألا ترى أنه يقال للأيام: عشرة أيام؛ وإنّما غلب لفظ التأنيث في الآية فقيل: (عشرا)؛لأنّ العرب تقدّم الليل على النهار ويعدّون أول كلّ شهر من الليلة؛ ألا تراهم يصلّون التراويح إذا رأوا الهلال ويدعونها إذا رأوا هلال شوّال. ومن عادتهم أنّهم إذا ذكروا أحد العددين على سبيل الجمع أرادوا مثله العدد الآخر؛ كما قال تعالى في قصّة زكريّا ﵇: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً﴾ (٣) وقال في موضع آخر: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ (٤) والقصة واحدة، فعبّر تارة بالأيام عن الليالي، وتارة بالليالي عن الأيام.

стр. 407

ويقال: الحكمة في تقدير عدّة الوفاة بأربعة أشهر وعشر ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: [يجمع خلق أحدكم في بطن أمّه أربعين يوما نطفة، وأربعين يوما علقة، ثمّ أربعين يوما مضغة، ثمّ ينفخ فيه الرّوح في عشرة أيّام، فيكتب أجله ورزقه وأنّه شقيّ أو سعيد] (١).فيجوز أنّ الله قدّر هذه في عدّة الوفاة؛ ليظهر أنّها حامل أو حائل. واختلفوا في عدّة الحامل؛ فقال عمر وابن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو هريرة ﵃: (أنّ الحامل تخرج من هذه العدّة إذا وضعت. وإن كان زوجها على السّرير) (٢) حتى قال ابن مسعود: (من شاء باهلته، إنّ قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣) نزل بعد قوله: ﴿(أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)﴾. (٤). وقال عليّ ﵁: (عدّة الحامل المتوفّى عنها زوجها تنقضي بأبعد الأجلين) (٥). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: قلت يا رسول الله ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ في المطلّقة أو المتوفّى عنها زوجها؟ قال ﷺ : [فيهما جميعا] (٦).

стр. 408

وروي أن سبيعة بنت الحارث وضعت حملها بعد زوجها بأيّام؛ فأرادت أن تتزوّج، فمرّ بها أبو السّنابل فقال: أتريدين أن تتزوّجي؟ قالت: نعم، قال: كلاّ، إنّه آخر الأجلين، فأتت النّبيّ ﷺ فذكرت له، فقال ﷺ : [كذب أبو السّنابل، إذا أتاك من يريد ذلك فأعلميني] (١).وجميع أهل التفسير على أن هذه الآية ناسخة لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ﴾ (٢) وإن كانت هذه الآية متقدمة على تلك الآية في التلاوة. وأجمع الفقهاء إلا أبا بكر الأصم أن ﴿(أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)﴾ عدّة الحرّة دون الأمة؛ وأن عدّة الأمة تنقضي بشهرين وخمسة أيّام. وكان أبو بكر الأصمّ يقول: (إنّ عدّتهما جميعا تنقضي بأربعة أشهر وعشرا؛ فإنّ ولد الأمة إنّما ينفخ فيه الرّوح في الوقت الّذي ينفخ فيه الرّوح في ولد الحرّة).والجواب عن هذا أن يقال: إن خبر عبد الله بن مسعود ﵁ من أخبار الآحاد لا يوجب حقيقة العلم. ولما أجمعوا على أن الرّقّ ينصّف عدد الأقراء وعدّة الشهور في الآيسة والصغيرة؛ كذلك وجب أن ينصّف عدّة الوفاة (٣). قوله : ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ؛﴾ الآية، قال ابن عباس: (التّعريض: هو أن يقول الرّجل للمعتدّة: إنّي أريد النّكاح وأحبّ المرأة من صفتها كذا وكذا؛ فيصفها بالصّفة الّتي

стр. 409

هي عليها حتّى تعلم رغبته فيها) (١).وقيل: هو أن يقول لها: إنك لتعجبينني وأرجو أن يجمع الله بيني وبينك، أو يقول: يا ليت لي مثلك وإن قضى الله أمرا كان. ومعنى الآية: ﴿(وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ)﴾ اللواتي هنّ في عدّة موت أو طلاق بائن أو ثلاث، قوله : ﴿(أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ)﴾ معناه: أو أضمرتم في قلوبكم العزم على النكاح. قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا؛﴾ أي ﴿(عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ)﴾ في العدّة لرغبتكم فيهنّ وخوفكم لسبق غيركم إليهنّ، ﴿(وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا)﴾ أي لا يواعدها الخاطب في السرّ ولا يواثقها؛ أي أن لا يتزوج غيرها. وقيل: لا يواعدها في السرّ تصريحا. وقيل: المراد بالسرّ الجماع؛ لأنه لا يكون إلا في السرّ، كأنه يقول: لا يتعب الخاطب نفسه لها لرغبتها في نفسه. قوله : ﴿إِلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً؛﴾ أي إلا أن يعرّضوا بالخطبة كناية من غير إفصاح. قوله : ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ؛﴾ أي لا تعزموا على عقد النكاح، حذف (على) للتخفيف كما يقال: ضربت فلانا ظهره وبطنه؛ أي على ظهره وعلى بطنه. ومعنى: ﴿(حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ)﴾ أي حتى يبلغ فرض المطلقات أجله؛ أي حتى تنقضي العدة؛ فإن العدّة فرض القرآن. قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ؛﴾ أي يعلم ما في قلوبكم من الوفاء وغير ذلك فاحذروا أن تخالفوه فيما أمركم ونهاكم. قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٢٣٥)؛أي ﴿(غَفُورٌ)﴾ لمخالفتكم إن تبتم، ﴿(حَلِيمٌ)﴾ حين لم يعجّل عليكم بالعقوبة. والتّعريض في اللغة: هو الإيماء والتّلويح والدّلالة على الشيء من غير كشف ولا تبيين، نحو أن يقول الرجل لغيره: ما أقبح البخل! يعرّضه لذلك. والخطبة بكسر

стр. 410

الخاء: هي الكلام الذي يستدعي به إلى النكاح. والخطبة بالضم: هو الكلام المؤلّف إما بموعظة أو دعاء إلى شيء. والكناية: هي الدلالة على الشيء مع العدول عن الاسم الأخصّ إلى لفظ آخر يدلّ عليه، نحو أن يكنّي عن زيد فيقول لغيره: ما أبخل صديقك، وما أبخل الذي كنا عنده. والإكنان: هو السّتر، يقال في كل شيء سترته أكننته؛ وفيما يصونه كنية. قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ (١) أي مصون. قوله : ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ؛﴾ أي لا حرج عليكم إن طلقتم النساء ما لم تجامعوهن أو تسمّوا لهنّ مهرا؛ ﴿(وَمَتِّعُوهُنَّ)﴾ أي متّعوا اللاّتي طلقتموهن قبل المسيس. والفرض على الغنيّ بمقدار غناه، وعلى الفقير بمقدار طاقته. قوله تعالى: ﴿مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢٣٦)؛أي ما تعرفون أنه القصد وقدر الإمكان ﴿(حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ)﴾ أي واجبا على المؤمنين. انتصب ﴿(مَتاعاً)﴾ على المصدر من قوله تعالى: ﴿(وَمَتِّعُوهُنَّ)﴾.ونصب ﴿(حَقًّا)﴾ على الحال من قوله ﴿(بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا)﴾ تقديره: عرف حقّا. ويجوز أن يكون: نصبا على معنى: حقّ ذلك عليهم حقّا. وفي الآية دلالة جواز النكاح بغير تسمية المهر؛ لأن الله تعالى حكم بصحة الطلاق مع عدم التسمية، والطلاق لا يصحّ إلا في نكاح صحيح. ومعنى ﴿(أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً)﴾ أي ما لم تمسّوهنّ ولم تفرضوا لهنّ فريضة. وقد تكون (أو) بمعنى الواو كقوله: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ (٢) وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ﴾ (٣)؛المعنى: وجاء أحد منكم من الغائط.

стр. 411

وأعلى المتعة: خادم وثياب وورق، وأدناها: خمار ودرع وملحفة. ولا يجاوز بالمتعة نصف المثل بغير رضا الزوج. وقد اختلف السلف في أن هذه المتعة هل يجبر الزوج عليها أم لا؟ قال شريح: (إنّ القاضي يأمر الزّوج بها من غير أن يجبره عليها) (١).وكان شريح يقول للزوج: (إن كنت من المتّقين أو من المحسنين فمتّعها) (٢). وأما عندنا فإنّ القاضي يجبر الزوج على المتعة للمرأة التي طلّقها قبل المسيس والفرض؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿(حَقًّا)﴾ وليس في ألفاظ الإيجاب آكد من قولهم: (حقّا عليه).وفي قوله: ﴿(عَلَى الْمُحْسِنِينَ)﴾ بيان أنّها من شروط الإسلام؛ وعلى كلّ أحد أن يكون محسنا كما قال تعالى: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣) وهو هدى للناس كلهم. وقيل: إنّما خصّ المحسنين بالذكر تشريفا لهم؛ لأنه لا يجب على غيرهم، فوصف المؤمنين بالإحسان؛ لأن الإحسان أكثر أخلاقهم. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ؛﴾ معناه: ﴿(وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ)﴾ أن تجامعوهنّ وقد سمّيتم لهن مهرا، فعليكم نصف ما سميتم من المهر، إلا أن يتركن ما وجب لهن من الصّداق، بأن تقول إحداهن: ما مسّني ولا قربني فأدع له المهر. قوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ؛﴾ ذهب أكثر المفسرين إلى أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج؛ وعفوه أن يترك لها جميع الصّداق ولا يرجع عليها بشيء منه إذا كان قد أعطاها مهرها؛ وإن لم يكن أعطاها فعفوه أن يتفضّل عليها بأن يتمّ لها جميع مهرها. وقد يكون الصّداق عبدا بعينه أو عرضا بعينه لا يمكن تمليكه بالإسقاط والإبراء من واحد من الجانبين، فيكون معنى العفو في ذلك الفضل؛ وفي الآية ما يدلّ على ذلك وهو قوله: ﴿(وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)﴾.وإنّما ندب الزوج

стр. 412

إلى تتميم الصداق؛ لأنه إذا تزوّجها ثم طلّقها فقد فعل ما يشينها، فكان الأفضل أن يعطيها مهرها. وذهب بعضهم إلى أن ﴿(الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ)﴾ هو وليّ المرأة حتى قال مالك لأبي البكر: أن يسقط نصف الصّداق عن الزوج بعد الطلاق قبل الدخول. والصحيح: هو الأول؛ لأن قوله ﴿(الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ)﴾ يقتضي عقدة موجودة، والزوج هو الذي يملك استدامة النكاح وحلّه، وهو الذي يملك العقد على نفسه من غير وليّ يحتاج إليه. وتكون عقدة النكاح على الحقيقة بيد الزوج. وأما وليّ المرأة فلا يملك العقد عليها إلا برضاها، ولا يملك إسقاط سائر حقوقها (١). قوله : ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى؛﴾ ندب الله كلّ فريق من الزوج والمرأة إلى العفو، كأنه قال: أيّهما عفا عن صاحبه فقد أخذ بالفضل. وقوله تعالى: ﴿(أَقْرَبُ لِلتَّقْوى)﴾ أي أقرب إلى أن يتّقي أحدهما ظلم صاحبه، فإنّ من ترك حقّه كان أقرب إلى أن لا يظلم غيره بطلب ما ليس له، ومن بذل النفل كان أقرب إلى بذل الفرض. قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ؛﴾ أي لا تتركوا الإحسان والإنسانية فيما بينكم، ﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢٣٧)؛أي بما تعملون من الفضل والإحسان بصير عالم يجزيكم به. ونسيان الفضل هو الاستقصاء في استيفاء الحقّ على الكمال حتى لا يترك شيئا من حقّه على صاحبه. فظاهر هذه الآية يقتضي أن الزوج إذا كان سمّى لها مهرا بعد عقد النكاح ثم طلّقها ينتصف؛ وإليه

стр. 413

ذهب مالك والشافعي؛ وهو قول أبي يوسف الأول ثم رجع إلى قول أبي حنيفة ومحمد. فكأن المراد بهذه الآية على قولهم: أن يكون الفرض في نفس العقد؛ لأن التسمية بعد تمام عقد النكاح تقدير لمهر المثل أو بدل عنه، فيسقط بالطلاق قبل الدخول؛ فتجب المتعة. وقد ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنّ المراد بقوله تعالى: ﴿(مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ)﴾ نفس المسيس أو ما يقوم مقامه، فإنه إذا خلا بها خلوة صحيحة نحو أن لا يكون أحدهما محرما ولا مريضا ولا صائما صوم فرض، ولا تكون المرأة حائضا ولا رتقاء، ثم طلّقها؛ وجب لها المهر كله وإن لم يدخل بها كما روي عن زرارة بن أوفى (١) أنه قال: (أجمع الخلفاء الرّاشدون المهديّون أنّ من أغلق على امرأته بابا وأرخى سترا ثمّ طلّقها؛ وجب لها الصّداق كاملا، وعليها العدّة) (٢).وفرّق عمر ﵁ بين العنين وامرأته وأوجب عليه المهر، وقال: (ما ذنبهنّ إذا جاء العجز من قبلكم) (٣). قوله : ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى؛﴾ أي واظبوا وداوموا على الصلوات المفروضة في مواقيتها وشروطها. قوله تعالى: ﴿(وَالصَّلاةِ الْوُسْطى)﴾ اختلفوا فيها؛ فعن عليّ وابن عباس وأبي هريرة وعبد الله والحسن والنخعيّ وقتادة وأبي أيوب والضحاك والكلبيّ ومقاتل: (إنّها صلاة العصر) (٤) يدلّ عليه ما روى سمرة بن جندب عن رسول الله ﷺ أنه قال:

стр. 414

[الصّلاة الوسطى هي العصر] (١).وفي بعض الأخبار: هي التي فرّط فيها سليمان. وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة ﵂: (حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى صلاة العصر) (٢) ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ (٢٣٨)؛وهكذا كان يقرؤها أبيّ بن كعب. وعن أبي يونس ﵁ مولى عائشة ﵂؛ قال: أمرتني عائشة ﵂ أن أكتب لها مصحفا، فقالت: إذا بلغت ﴿(حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ)﴾ فآذنّي، فلمّا بلغت أعلمتها فأملت عليّ: (حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى صلاة العصر) (٣). وروى نافع عن حفصة زوج النبيّ ﷺ أنّها قالت لكاتب مصحفها: إذا بلغت ﴿(حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى)﴾ فأخبرني، حتّى أخبرك بما سمعت من رسول الله ﷺ . فلمّا بلغ إلى ذلك وأخبرها، فقالت له: اكتب، فإنّي سمعت من رسول الله ﷺ يقول: (حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى صلاة العصر) (٤). وعن رسول الله ﷺ أنّه قال يوم الخندق: [شغلونا عن الصّلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قلوبهم وبطونهم نارا] (٥).وقال عليّ ﵁: قال رسول الله ﷺ :

стр. 415

[شغلونا عن الصّلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا] ثمّ صلاّها بين العشاءين (١). وروي أن رجلا قال في مجلس عمر بن عبد العزيز بن مروان: أرسلني أبو بكر وعمر ﵄ وأنا غلام صغير إلى رسول الله ﷺ أسأله عن الصّلاة الوسطى، فأخذ بإصبعي الصّغيرة وقال: [هذه الفجر] وقبض الّتي تليها وقال: [هذه الظّهر]،ثمّ قبض الإبهام وقال: [هذه المغرب] ثمّ قبض الّتي تليها وقال: [هذه العشاء] ثمّ قال: [أيّ أصابعك بقي؟] قلت: الوسطى، وقال: [وأيّ صلاة بقيت؟] قلت: العصر، قال: [هي العصر] (٢). قالوا: وإنّما كانت العصر هي الوسطى؛ لأنّها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار؛ وإنّما خصّها بالذكر لأنّها تقع في وقت اشتغال الناس بأمور البيت، فخصّها بالذّكر للحثّ عليها. روى بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : [بكّروا بالعصر يوم الغيم، فإنّه من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله] (٣).وروى نافع عن ابن عمر: أنّ رسول الله ﷺ قال: [من فاتته صلاة العصر فكأنّما وتر أهله وماله] (٤). وقال قبيصة بن دويب: (هي صلاة المغرب؛ لأنّها أوسط صلاة وجبت على النّاس) (٥).وقيل: لأنّها وسط في عدد الركعات؛ لأنّها بين الثنتين والأربع ولا تقصر في السفر، وهي وتر النهار. وإنّما خصّها بالذّكر لأنّها أول صلاة الليل الذي يرغب الناس عن الصلاة فيه.

стр. 416

روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : [إنّ أفضل الصّلوات عند الله صلاة المغرب لم يحطّها عن مسافر ولا مقيم، فتح الله بها صلاة اللّيل وختم بها صلوات النّهار، فمن صلاّها وصلّى بعدها ركعتين بنى الله له قصرا في الجنّة، ومن صلّى أربع ركعات غفر الله له ذنب عشرين سنة] أو قال [أربعين سنة] (١). وحكى الشيخ الإمام أبو الطيّب السهل بن محمد بن سليمان: (أنّها صلاة العشاء؛ لأنّها بين صلاتين لا تقصران).روى أبو عمر عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من صلّى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلّى الفجر مع جماعة كان كقيام ليلة] (٢). وقال جابر بن عبد الله: (هي صلاة الفجر؛ لأنّها تقع بين الظّلام والضّياء) (٣). وقال زيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري وأسامة وعائشة ﵃: (إنّها صلاة الظّهر) (٤) لأنّها تقع في وسط النّهار. وإنّما خصّها بالذّكر؛ لأنّها أوّل صلاة فرضت على النّاس.

стр. 417

روى زيد بن ثابت قال: كان رسول الله ﷺ يصلّي الظّهر، وكانت أثقل الصّلوات على أصحابه، فلا يكون وراءه إلاّ الصّفّ والصّفّان من النّاس، يكونون في قائلتهم وتجارتهم، فقال رسول الله ﷺ : [لقد هممت أن أحرّق على قوم لا يشهدون الصّلاة بيوتهم] فنزل قوله تعالى: ﴿(حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى)﴾ (١). وقال عليّ ﵁: قال رسول الله ﷺ : [إذا زالت الشّمس سبّح كلّ شيء لربنا، فأمر الله بالصّلاة في تلك السّاعة] وهي الساعة التي تفتح فيها أبواب السماء، فلا تغلق حتى تصلى الظهر، ويستجاب فيها الدعاء؛ ولأنّها أول صلاة توجّه النبيّ ﷺ فيها وأصحابه إلى الكعبة، وهي التي ترفع جميع الصلوات والجماعات لأجلها يوم الجمعة. وقال بعضهم: هي إحدى الصلوات الخمس ولا نعرفها بعينها. وسئل الربيع ابن خيثم عن الصلاة الوسطى، فقال للسائل: (إذا أنت علمتها أكنت محافظا عليها ومضيّعا سائرهنّ؟) قال: لا، قال: (فإنّك إذا حافظت عليهنّ فقد حافظت عليها).وبه يقول أبو بكر الورّاق؛ قال: (لو شاء الله تعالى لعيّنها، ولكنّه سبحانه أراد تنبيه الخلق على أداء جميع الصّلوات، فأخفاها الله تعالى في جملة الصّلوات ليحافظوا على جميعها رجاء الوسطى كما أخفى ليلة القدر في ليالي شهر رمضان، وأخفى اسمه الأعظم في جميع الأسماء، وأخفى ساعة الإجابة في ساعات الجمعة؛ حكمة منه في فعله، ورحمة لخلقه). قوله تعالى: ﴿(وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ)﴾ أي طائعين؛ وبه قال الشعبيّ وعطاء والحسن وابن جبير وقتادة وطاوس وعطية؛ وهو رواية عكرمة عن ابن عباس. قال الضحّاك ومقاتل والكلبيّ: (لكلّ أهل دين صلاة يقومون فيها عاصين؛ وقوموا أنتم في صلاتكم مطيعين) (٢).ودليل هذا التأويل ما روى أبو سعيد الخدريّ: أن النبيّ ﷺ

стр. 418

قال: [كلّ قنوت في القرآن فهو الطّاعة] (١). وقال عبد الله بن مسعود: (معناه: وقوموا لله ساكتين) (٢).كما روي عن زيد بن أرقم قال: [كنّا نتكلّم في الصّلاة على عهد رسول الله ﷺ ويكلّم أحدنا من هو إلى جانبه؛ ويدخل الرّجل فيسلّم ويردّون ﵇؛ ويسألهم كم صلّيتم؟ فيردّون عليه كم صلّوا؛ ويجيء خادم الرّجل وهو في الصّلاة فيكلّمه بحاجته كفعل أهل الكتاب. وكنّا كذلك إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿(وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ)﴾ فأمرنا بالسّكوت ونهينا عن الكلام] (٣).قال مجاهد: (معناه: ﴿(وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ)﴾ خاشعين، فنهوا عن العبث والالتفات في الصّلاة). وقيل: معناه مطيلين القيام كما في قوله تعالى: ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ (٤).ويدلّ عليه أيضا حديث جابر أنّ النّبيّ ﷺ سئل: أيّ الصّلوات أفضل؟ قال: [طول القنوت] (٥).وقيل: معناه: وقوموا لله مصلّين. دليله قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ (٦) أي مصلّ. وقال ﷺ : [مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت الصّائم] (٧) أي المصلّي الصائم. وقال ابن عباس: (وقوموا لله داعين).والقنوت: هو الدعاء في الصلاة.

стр. 419

قوله : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً؛﴾ أي إذا خفتم من العدوّ ولم يمكنكم أن تقوموا قانتين موفّين حقّ الصلاة؛ فصلّوا قياما على أرجلكم؛ وحيثما توجّهتم بالإيماء إذا لم يمكنكم استقبال القبلة وإقامة الركوع والسجود. ﴿(أَوْ رُكْباناً)﴾ على دوابكم إذا لم يمكنكم استقبال القبلة وإقامة الركوع والسجود؛ ولم تستطيعوا النّزول فصلوا ركبانا حيثما توجّهت بكم لا عذر لكم في ترك الصلاة حالة الخوف. وانتصب (رجالا) على الحال. وكان الحسن يقول: ﴿(فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً)﴾ أي قائمين ماشين. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنّهم لا يصلّون وهم يقاتلون أو يمشون؛ لما روي عن النبيّ ﷺ : [أنّه فاته يوم الخندق ثلاث صلوات، فقضاهنّ على التّرتيب] (١).فلولا أنّ الاشتغال بالقتال يفسدها لما ترك الإيماء بها حال القيام. قوله : ﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (٢٣٩)؛أي إذا أمنتم من الخوف فصلّوا لله تعالى كما أمركم قانتين مؤدّين حقوق الصلاة وشرائطها. قوله: ﴿(كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)﴾ معناه: ما لم تكونوا تعلمونه قبل التعليم. قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ؛﴾ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية قبل نزول آية المواريث وقبل استقرار العدّة).وكانت المرأة في ابتداء الإسلام إذا احتضر زوجها أوصى لها في ماله بنفقة سنة من طعامها وشرابها وكسوتها وسكناها، وكان ذلك حظّها من الميراث من مال زوجها، وإن كانت من أهل المدر سكنت بيت

стр. 420

زوجها حتى تبني بيتا، وإن كانت من أهل الوبر سكنت بيت زوجها حتى تغزل بيتا فتتحوّل إليه. فإن خرجت من بيت زوجها أو تزوجت فلا نفقة لها ولا سكنى (١). ثم نسخت الوصية بآية المواريث وبقوله ﷺ : [لا وصيّة لوارث] (٢).ونسخ حكم الحول باعتبار أربعة أشهر وعشرا عدّة الوفاة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ (٣). ومعنى الآية: ﴿(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ)﴾ نساء؛ أي ويتركون نساء من بعدهم؛ فعليهم ﴿(وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ)﴾. ويقال: كتب عليهم وصية؛ وكانت هذه الوصية واجبة من الله تعالى لنسائهم أوصى الميت أو لم يوص كما قال تعالى في آية المواريث: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللهِ﴾ (٤). قرأ الحسن وأبو عمرو وابن عامر والأصمّ والأعمش وحمزة وحفص: «(وصيّة)» بالنصب على معنى: فلتوصوا وصية. وقرأ الباقون بالرفع على معنى: لأزواجهنّ وصية، أو كتب عليهم وصية. وقوله: ﴿(مَتاعاً)﴾ نصب على المصدر؛ أي متعوهن متاعا، وقيل: جعل الله ذلك لهم متاعا، وقيل: نصب على الحال. وقوله: ﴿(إِلَى الْحَوْلِ)﴾ أي متعوهن بالنفقة والسّكنى والكسوة وما يحتاج إليه حولا كاملا. قوله تعالى: ﴿(غَيْرَ إِخْراجٍ)﴾ أي لا تخرجوهن من بيوت أزواجهن. وإنّما انتصب (غير) لأنه صفة للمتاع، وقيل: على الحال، وقيل: بنزع الخافض؛ أي من غير إخراج، وقيل: على معنى: لا إخراجا، كما يقال: أتيتك غير رغبة إليك. قوله : ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ؛﴾ أي فإن خرجن من قبل أنفسهن قبل مضيّ الحول من غير إخراج الورثة ﴿(فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ)﴾ يا أولياء الميت ﴿(فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ)﴾ من

стр. 421

النّشوز والتزيّن والتزوّج بالمعروف إذا لم تكن المرأة حبلى من الميت. وقيل: معناه: ﴿(فَإِنْ خَرَجْنَ)﴾ بعد انقضاء عدتهن، ﴿(فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ)﴾. وفي معنى رفع الجناح عن الرجال بفعل النساء وجهان؛ أحدهما: لا جناح عليكم في قطع النفقة إذا خرجن قبل تمام الحول. والثاني: لا جناح عليكم في ترك منعهنّ من الخروج؛ لأن مقامها حولا في بيت زوجها غير واجب عليها؛ خيّرها الله تعالى في ذلك إلى أن نسخت بأربعة أشهر وعشر؛ لأن ذلك لو كان واجبا عليها لكان واجبا على أولياء الزوج منعها من ذلك. وقوله تعالى: ﴿(غَيْرَ إِخْراجٍ)﴾ يتضمّن معنيين؛ أحدهما: وجوب السكنى في مال الزوج؛ وقد نسخ ذلك. والثاني: حظر الخروج والإخراج؛ وهو لزوم اللّبث في البيت إلى انقضاء عدتها أربعة أشهر وعشرا؛ وذلك باق لم ينسخ، ولا يجوز لها أن تبيت بالليالي في غير منزلها، ولا يجوز لها أن تتزين؛ لأن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ ؛ فقالت: إنّ ابنتي توفّي عنها زوجها وقد اشتكت عينها؛ أفتكحّلها؟ فرخّص لها ثمّ قال ﷺ : [كانت إحداكنّ تجلس في أحلاس بيتها حولا لا تخرج حتّى إذا مرّ بها كلب خرجت ورمته ببعرة، إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشرا] (١). عن زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت على زينب بنت جحش حين توفّي أخوها، فدعت بطيب فمسّته ثمّ قالت: والله ما لي بالطّيب من حاجة غير أنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: [لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث ليال، إلاّ على زوجها أربعة أشهر وعشرا] (٢).وعن ابن مسعود ﵁: [أنّ نسوة قتلى أحد شكون إلى رسول الله ﷺ الوحشة؛ فأمرهم أن يتزاورن بالنّهار ولا يبتن باللّيل إلاّ في منازلهنّ] (٣).

стр. 422

قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٤٠)؛أي قادر على النقمة ممن خالف أمره وحكمه فيما حكم على الأزواج. قوله : ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٤١) قال سعيد بن جبير وأبو العالية والزهريّ: (المراد بالمتاع في هذه الآية: المتعة؛ وهي واجبة لكلّ مطلّقة) (١).وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنّ المتعة تجب للمطلقات كلّهن من طريق الديانة بحكم هذه الآية؛ ولكن لا يجبر الزوج على المتعة إلا لمطلقة لم يدخل بها ولم يفرض لها مهرا للآية المتقدمة. وقال بعضهم: أراد بالمتاع في هذه الآية نفقة عدّة الطلاق؛ لأن الله تعالى عطفه على قوله ﴿(مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ)﴾ والمراد هناك النفقة والسكنى. قوله : ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢٤٢)؛أي مثل هذا البيان ﴿(يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ)﴾ دلائله في المستقبل كما بيّن في الماضي من أمور دينكم ودنياكم؛ لكي تفهموا ما أمرتم به. ويقال: لكي تكمل عقولكم؛ فإن العقل الغريزيّ إنّما يكمل بالعقل المكتسب، وحقيقة العاقل أن يعمل ما افترض عليه، وحقيقة العمل استعمال الأشياء المستقيمة. قوله : ﴿*أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ؛﴾ قال ابن عباس: (وذلك أنّ ملكا من ملوك بني إسرائيل أمر بالخروج إلى قتال عدوّهم؛ فخرجوا للقتال ثمّ جبنوا وكرهوا القتال، فقالوا لملكهم: إنّ الأرض الّتي تريدها فيها الوباء فلا تأتها حتّى ينقطع عنها الوباء، فقال لهم الله: موتوا). واختلفوا في عددهم؛ فقال مقاتل والكلبي: (كانوا ثمانية آلاف).وقال أبو روق: (عشرة آلاف).وقال أبو مالك: (ثلاثون ألفا).وقال السديّ: (بضعة وثلاثون

стр. 423

ألفا).وقال ابن جريج: (أربعون ألفا) وقال عطاء بن أبي رباح: (تسعون ألفا).وقال الضحّاك: (كانوا عددا كثيرا).فقوله تعالى: (ألوف) دليل على كثرتهم؛ إذ لو كانوا كما قال مقاتل والكلبيّ لقال: وهم آلاف؛ لأن من عشرة آلاف إلى ما دونها يقال فيها: آلاف، ولا يقال فيها: ألوف؛ لأن الألوف جمع الكثير، والآلاف جمع القليل. فمكثوا موتى ثمانية أيام حتى انتفخوا وبلغ بني إسرائيل موت أصحابهم، فخرجوا إليهم ليدفنوهم، فعجزوا عنهم من كثرتهم، فحظروا عليهم الحظائر (١)،ثم أحياهم الله تعالى بعد ثمانية أيّام، فبقي فيهم من ريح النّتن التي كانت فيهم بعد الموت حتى بقي في أولادهم إلى اليوم. وقال السّدّيّ: (وقع الطّاعون في بني إسرائيل، فخرج قوم منهم هاربين من ديارهم حتّى انتهوا إلى مكان فماتوا وتفرّقت عظامهم وتقطّعت أوصالهم، فأتى عليهم مدّة وقد بليت أجسادهم، فمرّ بهم نبيّ يقال له حزقيل ثالث خلفاء بني إسرائيل بعد موسى ﵇؛ لأنّه كان بعد موسى يوشع بن نون، ثمّ كالب بن يوفنا، ثمّ حزقيل. وكان يقال له: ابن العجوز، وذلك أنّ أمّه كانت عجوزا فسألت الله تعالى الولد وقد كبرت وعقمت، فوهبه الله تعالى لها؛ فلذلك سمّي ابن العجوز) (٢). وقال الحسن ومقاتل: (هو ذو الكفل، وإنّما سمّي حزقيل ذا الكفل؛ لأنّه تكفّل بسبعين نبيّا وأنجاهم من القتل، فقال لهم: اذهبوا فإنّي إن قتلت كان خيرا من أن تقتلوا جميعا، فلمّا جاء اليهود وسألوا حزقيل عن الأنبياء السّبعين، فقال لهم: ذهبوا ولم أدر أين هم. وحفظ الله ذا الكفل من اليهود. فلمّا مرّ حزقيل على أولئك الموتى وقف عليهم وجعل يفكّر فيهم متعجّبا، فقال: الحمد لله القادر على أن يحيي هذه الأجساد، فأوحى الله إليه: يا حزقيل، أتريد أن أريك كيف أحيي الموتى؟ قال: نعم، فقال له: نادهم، فنادى: أيّها العظام، ثمّ قال: ألا أيّتها الأجساد البالية، إنّ الله يأمركنّ أن تكتسين لحما، فجعل اللّحم يجري عليهنّ حتّى صرن أجسادا من اللّحوم، ثمّ

стр. 424

قال: ألا أيّتها الأجساد البالية الخاوية، إنّ الله يأمركنّ أن تقمن بإذن الله، فقاموا. فرجعوا إلى بلادهم وأقاموا وتوالدوا، وكان أحدهم إذا اكتسى ثوبا صار عليه كفنا يكون فيه ريح الموت). وقال وهب: (أصابهم بلاء وشدّة من الزّمان، فشكوا ما أصابهم فقالوا: يا ليتنا قد متنا فاسترحنا ممّا نحن فيه. فأوحى الله تعالى إلى حزقيل: إنّ قومك قد صاحوا من البلاء، وزعموا أنّهم لو ماتوا استراحوا، وأيّ راحة في الموت؛ أيظنّون أنّي لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت! فانطلق إلى موضع كذا، فإنّ فيه أمواتا، فقال الله تعالى: يا حزقيل، نادهم. وكانت أجسادهم وعظامهم قد تفرّقت؛ فرّقتها الطّير والسّباع) فنادى حزقيل بالنداء الذي ذكرناه. ومعنى الآية: ألم يعلم الذين، وقيل معناه: ألم ينته علمك إلى خبر هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم، والمراد بالرؤية رؤية القلب لا رؤية العين. وقوله تعالى: ﴿(حَذَرَ الْمَوْتِ)﴾ أي خرجوا هاربين حذر الموت، وانتصب على أنه مفعول له. وظاهر هذا يقتضي أنّ خروجهم كان على جهة الفرار من الوباء على ما فسّره السديّ. وقيل في معنى: ﴿(أُلُوفٌ)﴾ أي مؤتلفو القلوب لم يخرجوا من تباغض، ومعنى: ﴿(فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا)﴾ أي أماتهم، وقيل: أماتهم الله بشيء يسمعوه، وسمعت الملائكة. قوله : ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ؛﴾ أي متفضّل على جميع الناس كما تفضّل على هؤلاء بأن أحياهم بعد الموت وأراهم البصيرة لا غاية بعدها، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ (٢٤٣)؛ربّ النّعم. وفي الآية دلالة على أن الموت لا ينفع الهرب منه كما قال تعالى: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ (٢).وإذا كان الآجال مؤقتة محصورة لا يقع فيها تقديم وتأخير كما قدّر الله تعالى؛ لم ينفع الفرار من الطاعون وغير ذلك.

стр. 425

وقد روي: أنّ عمر ﵁ أراد أن يدخل الشّام وبها طاعون، فاستشار أصحابه بذلك، فأشار إليه بعض المهاجرين بالرّجوع، فعزم على الرّجوع، فقال له أبو عبيدة: (يا أمير المؤمنين، أتفرّ من قدر الله تعالى؟!) فقال عمر ﵁: (لو كان غيرك يقولها يا أبا عبيدة! نفرّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت بها واديا له عدوتان؛ إحداهما خصبة والأخرى جدبة، ألست إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله).فجاء عبد الرّحمن بن عوف ﵁ فقال: (عندي في هذا علم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إذا وقع هذا الرّجز في أرض فلا تدخلوها عليه، وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا عنها].فحمد الله تعالى عمر ﵁ ورجع (١). فإن قيل: إذا كانت الآجال مقدرة لا تتقدم ولا تتأخر، فما وجه النهي منه ﷺ عن دخول أرض بها طاعون؟ وأيّ فرق بين دخولها وبين إبقائه فيها؟ قيل: وجه النهي عن الدخول أنه إذا دخلها وبها طاعون فجائز أن يدركه أجل بها فيقول قائل: لو لم يدخلها ما مات، كما قال ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (٢) فكره رسول الله ﷺ أن يدخل أرضا فيها طاعون لما يخشى أن يموت فيها أحد بأجله، فيقول الجهّال: لو لم يدخلها لم يمت. قوله : ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٤٤) قال أكثر المفسرين: هذا خطاب لهذه الأمة، معناه: قاتلوا في طاعة الله تعالى ولا تهربوا من الموت كما هرب هؤلاء الذين سمعتم خبرهم، فلا ينفعكم الهرب واعلموا أنّ الله سميع لما يقوله المنافق بعلمه: الهرب من القتال، عليم بما يضرّه. وقال
следующие страницы →