النّشوز والتزيّن والتزوّج بالمعروف إذا لم تكن المرأة حبلى من الميت. وقيل: معناه:
﴿(فَإِنْ خَرَجْنَ)﴾ بعد انقضاء عدتهن، ﴿(فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ)﴾.
وفي معنى رفع الجناح عن الرجال بفعل النساء وجهان؛ أحدهما: لا جناح عليكم في قطع النفقة إذا خرجن قبل تمام الحول. والثاني: لا جناح عليكم في ترك منعهنّ من الخروج؛ لأن مقامها حولا في بيت زوجها غير واجب عليها؛ خيّرها الله تعالى في ذلك إلى أن نسخت بأربعة أشهر وعشر؛ لأن ذلك لو كان واجبا عليها لكان واجبا على أولياء الزوج منعها من ذلك.
وقوله تعالى: ﴿(غَيْرَ إِخْراجٍ)﴾ يتضمّن معنيين؛ أحدهما: وجوب السكنى في مال الزوج؛ وقد نسخ ذلك. والثاني: حظر الخروج والإخراج؛ وهو لزوم اللّبث في البيت إلى انقضاء عدتها أربعة أشهر وعشرا؛ وذلك باق لم ينسخ، ولا يجوز لها أن تبيت بالليالي في غير منزلها، ولا يجوز لها أن تتزين؛ لأن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ ؛ فقالت: إنّ ابنتي توفّي عنها زوجها وقد اشتكت عينها؛ أفتكحّلها؟ فرخّص لها ثمّ قال ﷺ : [كانت إحداكنّ تجلس في أحلاس بيتها حولا لا تخرج حتّى إذا مرّ بها كلب خرجت ورمته ببعرة، إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشرا] (١).
عن زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت على زينب بنت جحش حين توفّي أخوها، فدعت بطيب فمسّته ثمّ قالت: والله ما لي بالطّيب من حاجة غير أنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: [لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث ليال، إلاّ على زوجها أربعة أشهر وعشرا] (٢).وعن ابن مسعود ﵁: [أنّ نسوة قتلى أحد شكون إلى رسول الله ﷺ الوحشة؛ فأمرهم أن يتزاورن بالنّهار ولا يبتن باللّيل إلاّ في منازلهنّ] (٣).
стр. 422
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٤٠)؛أي قادر على النقمة ممن خالف أمره وحكمه فيما حكم على الأزواج.
قوله : ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٤١) قال سعيد بن جبير وأبو العالية والزهريّ: (المراد بالمتاع في هذه الآية: المتعة؛ وهي واجبة لكلّ مطلّقة) (١).وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنّ المتعة تجب للمطلقات كلّهن من طريق الديانة بحكم هذه الآية؛ ولكن لا يجبر الزوج على المتعة إلا لمطلقة لم يدخل بها ولم يفرض لها مهرا للآية المتقدمة. وقال بعضهم: أراد بالمتاع في هذه الآية نفقة عدّة الطلاق؛ لأن الله تعالى عطفه على قوله ﴿(مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ)﴾ والمراد هناك النفقة والسكنى.
قوله : ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢٤٢)؛أي مثل هذا البيان ﴿(يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ)﴾ دلائله في المستقبل كما بيّن في الماضي من أمور دينكم ودنياكم؛ لكي تفهموا ما أمرتم به. ويقال: لكي تكمل عقولكم؛ فإن العقل الغريزيّ إنّما يكمل بالعقل المكتسب، وحقيقة العاقل أن يعمل ما افترض عليه، وحقيقة العمل استعمال الأشياء المستقيمة.
قوله : ﴿*أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ؛﴾ قال ابن عباس: (وذلك أنّ ملكا من ملوك بني إسرائيل أمر بالخروج إلى قتال عدوّهم؛ فخرجوا للقتال ثمّ جبنوا وكرهوا القتال، فقالوا لملكهم: إنّ الأرض الّتي تريدها فيها الوباء فلا تأتها حتّى ينقطع عنها الوباء، فقال لهم الله: موتوا).
واختلفوا في عددهم؛ فقال مقاتل والكلبي: (كانوا ثمانية آلاف).وقال أبو روق: (عشرة آلاف).وقال أبو مالك: (ثلاثون ألفا).وقال السديّ: (بضعة وثلاثون
стр. 423
ألفا).وقال ابن جريج: (أربعون ألفا) وقال عطاء بن أبي رباح: (تسعون ألفا).وقال الضحّاك: (كانوا عددا كثيرا).فقوله تعالى: (ألوف) دليل على كثرتهم؛ إذ لو كانوا كما قال مقاتل والكلبيّ لقال: وهم آلاف؛ لأن من عشرة آلاف إلى ما دونها يقال فيها: آلاف، ولا يقال فيها: ألوف؛ لأن الألوف جمع الكثير، والآلاف جمع القليل.
فمكثوا موتى ثمانية أيام حتى انتفخوا وبلغ بني إسرائيل موت أصحابهم، فخرجوا إليهم ليدفنوهم، فعجزوا عنهم من كثرتهم، فحظروا عليهم الحظائر (١)،ثم أحياهم الله تعالى بعد ثمانية أيّام، فبقي فيهم من ريح النّتن التي كانت فيهم بعد الموت حتى بقي في أولادهم إلى اليوم.
وقال السّدّيّ: (وقع الطّاعون في بني إسرائيل، فخرج قوم منهم هاربين من ديارهم حتّى انتهوا إلى مكان فماتوا وتفرّقت عظامهم وتقطّعت أوصالهم، فأتى عليهم مدّة وقد بليت أجسادهم، فمرّ بهم نبيّ يقال له حزقيل ثالث خلفاء بني إسرائيل بعد موسى ﵇؛ لأنّه كان بعد موسى يوشع بن نون، ثمّ كالب بن يوفنا، ثمّ حزقيل. وكان يقال له: ابن العجوز، وذلك أنّ أمّه كانت عجوزا فسألت الله تعالى الولد وقد كبرت وعقمت، فوهبه الله تعالى لها؛ فلذلك سمّي ابن العجوز) (٢).
وقال الحسن ومقاتل: (هو ذو الكفل، وإنّما سمّي حزقيل ذا الكفل؛ لأنّه تكفّل بسبعين نبيّا وأنجاهم من القتل، فقال لهم: اذهبوا فإنّي إن قتلت كان خيرا من أن تقتلوا جميعا، فلمّا جاء اليهود وسألوا حزقيل عن الأنبياء السّبعين، فقال لهم: ذهبوا ولم أدر أين هم. وحفظ الله ذا الكفل من اليهود. فلمّا مرّ حزقيل على أولئك الموتى وقف عليهم وجعل يفكّر فيهم متعجّبا، فقال: الحمد لله القادر على أن يحيي هذه الأجساد، فأوحى الله إليه: يا حزقيل، أتريد أن أريك كيف أحيي الموتى؟ قال: نعم، فقال له: نادهم، فنادى: أيّها العظام، ثمّ قال: ألا أيّتها الأجساد البالية، إنّ الله يأمركنّ أن تكتسين لحما، فجعل اللّحم يجري عليهنّ حتّى صرن أجسادا من اللّحوم، ثمّ
стр. 424
قال: ألا أيّتها الأجساد البالية الخاوية، إنّ الله يأمركنّ أن تقمن بإذن الله، فقاموا.
فرجعوا إلى بلادهم وأقاموا وتوالدوا، وكان أحدهم إذا اكتسى ثوبا صار عليه كفنا يكون فيه ريح الموت).
وقال وهب: (أصابهم بلاء وشدّة من الزّمان، فشكوا ما أصابهم فقالوا: يا ليتنا قد متنا فاسترحنا ممّا نحن فيه. فأوحى الله تعالى إلى حزقيل: إنّ قومك قد صاحوا من البلاء، وزعموا أنّهم لو ماتوا استراحوا، وأيّ راحة في الموت؛ أيظنّون أنّي لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت! فانطلق إلى موضع كذا، فإنّ فيه أمواتا، فقال الله تعالى:
يا حزقيل، نادهم. وكانت أجسادهم وعظامهم قد تفرّقت؛ فرّقتها الطّير والسّباع) فنادى حزقيل بالنداء الذي ذكرناه.
ومعنى الآية: ألم يعلم الذين، وقيل معناه: ألم ينته علمك إلى خبر هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم، والمراد بالرؤية رؤية القلب لا رؤية العين. وقوله تعالى: ﴿(حَذَرَ الْمَوْتِ)﴾ أي خرجوا هاربين حذر الموت، وانتصب على أنه مفعول له. وظاهر هذا يقتضي أنّ خروجهم كان على جهة الفرار من الوباء على ما فسّره السديّ.
وقيل في معنى: ﴿(أُلُوفٌ)﴾ أي مؤتلفو القلوب لم يخرجوا من تباغض، ومعنى:
﴿(فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا)﴾ أي أماتهم، وقيل: أماتهم الله بشيء يسمعوه، وسمعت الملائكة.
قوله : ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ؛﴾ أي متفضّل على جميع الناس كما تفضّل على هؤلاء بأن أحياهم بعد الموت وأراهم البصيرة لا غاية بعدها، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ (٢٤٣)؛ربّ النّعم. وفي الآية دلالة على أن الموت لا ينفع الهرب منه كما قال تعالى: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ (٢).وإذا كان الآجال مؤقتة محصورة لا يقع فيها تقديم وتأخير كما قدّر الله تعالى؛ لم ينفع الفرار من الطاعون وغير ذلك.
стр. 425
وقد روي: أنّ عمر ﵁ أراد أن يدخل الشّام وبها طاعون، فاستشار أصحابه بذلك، فأشار إليه بعض المهاجرين بالرّجوع، فعزم على الرّجوع، فقال له أبو عبيدة:
(يا أمير المؤمنين، أتفرّ من قدر الله تعالى؟!) فقال عمر ﵁: (لو كان غيرك يقولها يا أبا عبيدة! نفرّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت بها واديا له عدوتان؛ إحداهما خصبة والأخرى جدبة، ألست إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله).فجاء عبد الرّحمن بن عوف ﵁ فقال: (عندي في هذا علم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إذا وقع هذا الرّجز في أرض فلا تدخلوها عليه، وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا عنها].فحمد الله تعالى عمر ﵁ ورجع (١).
فإن قيل: إذا كانت الآجال مقدرة لا تتقدم ولا تتأخر، فما وجه النهي منه ﷺ عن دخول أرض بها طاعون؟ وأيّ فرق بين دخولها وبين إبقائه فيها؟ قيل: وجه النهي عن الدخول أنه إذا دخلها وبها طاعون فجائز أن يدركه أجل بها فيقول قائل:
لو لم يدخلها ما مات، كما قال ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (٢) فكره رسول الله ﷺ أن يدخل أرضا فيها طاعون لما يخشى أن يموت فيها أحد بأجله، فيقول الجهّال: لو لم يدخلها لم يمت.
قوله : ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٤٤) قال أكثر المفسرين: هذا خطاب لهذه الأمة، معناه: قاتلوا في طاعة الله تعالى ولا تهربوا من الموت كما هرب هؤلاء الذين سمعتم خبرهم، فلا ينفعكم الهرب واعلموا أنّ الله سميع لما يقوله المنافق بعلمه: الهرب من القتال، عليم بما يضرّه. وقال
стр. 426
بعضهم: هذه الآية خطاب للذين جبنوا، وهي متصلة بقوله تعالى: ﴿(فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ)﴾ وقال لهم: ﴿(قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ)﴾.
قوله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً؛﴾ قال: (سبعين) (١): (لمّا أنزل الله قوله : ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ (٢) قال ﷺ : [رب زد أمّتي] فنزل ﴿(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً)﴾ فقال: [رب زد أمّتي] فنزل ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٣)) (٤).
وفي الآية استدعاء إلى الانفاق والبرّ في سبيل الله بألطف الكلام وأبلغه، وسمّاه الله قرضا تأكيدا لاستحقاق الجزاء؛ لأنه لا يكون قرضا إلا والعوض مستحقّ فيه.
ومعنى الآية: من ذا الذي يتصدق بصدقة طيبة من نفس طيبة لا يمنّ بها على السائل ولا يؤذيه، قال الحسن: (هو النّفقة في أبواب البرّ من النّفل).وقال ابن زيد: (هو الإنفاق في الجهاد في سبيل الله).وقال الواقديّ: (قرضا حسنا) يكون المال من الحلال).وقال سهل بن عبد الله: (هو أن لا يعتقد بقرضه عوضا).
وقوله تعالى: ﴿(فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً)﴾ قرأ عاصم وأبو حاتم «(فيضاعفه)» بالنصب، وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتشديد والنصب بغير ألف، وقرأ ابن كثير وشيبة بالتشديد والرفع، وقرأ الآخرون بالألف والتخفيف ورفع الفاء. فمن رفعه عطفه على
стр. 427
﴿(يُقْرِضُ)﴾،ومن نصب جعله جواب الاستفهام بالفاء. والتشديد والتخفيف لغتان، ودليل التشديد قوله تعالى: ﴿(أَضْعافاً كَثِيرَةً)﴾ لأن التشديد للتكثير.
قال الحسن والسديّ: (هذا التّضعيف لا يعلمه إلاّ الله).قال أبو زيد: (معنى قوله تعالى: ﴿(فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً)﴾ أي يعطيه سبعمائة أمثاله).كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ (١).وعن أبي عثمان النهديّ قال: أدخل أبو هريرة إصبعيه في أذنيه وقال: صمّتا إن لم أكن سمعت من رسول الله ﷺ يقول: [يضاعف الله للمؤمن حسنة إلى ألفي ألف حسنة] (٢).
قوله : ﴿وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ؛﴾ أي يقتّر ويوسّع على من يشاء من خلقه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ (٣) أي يمسكوها عن النفقة في سبيل الله، وقوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤).وقيل: معناه: يقبض الصدقات ويبسط، والله يسلب النعمة من قوم ويبسطها على قوم. وقيل: معناه:
يقبض الصدقات ويبسط عليها الجزاء عاجلا وآجلا. وقيل: القبض والبسط الإحياء والإماتة، فمن أماته الله فقد قبضه، ومن مدّ له في عمره فقد بسط له.
قوله : ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٤٥)؛أي ترجعون في الآخرة فيجزيكم بما قدّمتم، وقد جهلت اليهود معنى هذه الآية أو تجاهلت حتى قالت: إن الله يستقرض منا فهو فقير ونحن أغنياء كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ﴾ (٥) وعرف المسلمون معنى الآية ووثقوا بثواب الله ووعده.
стр. 428
قال ابن عباس: لمّا نزلت هذه الآية جاء أبو الدّحداحة ﵁ إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله، أرى ربّنا يستقرض ممّا أعطانا لأنفسنا، وإنّ لي حديقتين فإن تصدّقت بإحداهما فلي مثلاها في الجنّة، قال: [نعم].وأمّ الدّحداحة معي؟ قال: [نعم] قال: والصّبية معي؟ قال: [نعم] فتصدّق بأفضل حديقتيه وهي تسمّى الحبيبة، فلمّا رجع إلى أهله وجد أمّ الدّحداحة والصّبية في الحديقة الّتي تصدّق بها، فقام على بابها وتحرّج أن يدخلها، ثمّ نادى: يا أمّ الدّحداحة؛ يا أمّ الدّحداحة، قالت: لبّيك، قال: قد جعلت حديقتي هذه صدقة واشترطت مثليها في الجنّة وأمّ الدحداحة معي والصّبية معي، قالت: بارك الله لك فيما اشتريت. ثمّ خرجوا منها ودفعوها إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : [إنّ الله تعالى قد قبل منك، فأعطه اليتيمين اللّذين في حجرك].وقال ﷺ : [كم من نخل مدل عروقها في الجنّة لأبي الدّحداحة] (١).
وعن أبي زيد بن أسلم قال: لمّا نزل قوله تعالى: ﴿(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً)﴾ الآية، قال أبو الدّحداح: فداك أبي وأمّي يا رسول الله، إنّ الله يستقرضنا وهو غنيّ عن القرض؟! قال: [نعم، يريد أن يدخلكم «الجنّة» (٢)]،قال:
فإنّي إن أقرضت ربي يضمن لي الجنّة، قال: [نعم، من تصدّق بصدقة فله مثلها في الجنّة]،قال: وزوجتي أمّ الدّحداح معي؟ قال: [نعم] قال: وبنتي الدّحداحة؟ قال:
[نعم].قال: والصّبية معي؟ قال: [نعم] قال: ناولني يدك، فناوله النّبيّ ﷺ يده المباركة، فقال: يا رسول الله، إنّ لي حديقتين إحداهما بالسّافلة والأخرى بالعالية، والله ما أملك غيرهما قد جعلتهما قرضا لله ، فقال النّبيّ ﷺ : [اجعل
стр. 429
إحداهما قرضا لله ، والأخرى لك ولعيالك] قال: اشهد يا رسول الله أنّي قد جعلت أحسنهما لله ، وهو حائط فيه ستّمائة نخلة، قال: [إذن يجزيك به الله في الجنّة].قال: فانطلق أبو الدّحداح حتّى أتى أمّ الدّحداح وهي مع أولادها في الحديقة تدور تحت النّخلة، فأنشأ يقول:
هداك ربي سبل الرّشاد ... إلى سبيل الخير والسّداد
بيني من الحائط بالوداد ... فقد مضى قرضا إلى التّناد
أقرضته الله على اعتمادي ... بالطّوع لا منّ ولا نكاد (١)
إلاّ رجاء الضّعف في المعاد ... فارتحلي بالنّفس والأولاد
والبرّ لا شكّ فخير زاد ... قدّمه المرء إلى المعاد
قالت أمّ الدّحداح: ربح بيعك، بارك الله لك فيما اشتريت. فأجابته أمّ الدّحداح وأنشأت تقول:
بشّرك الله بخير وفرح ... مثلك أدّى ما لديه ونصح
إنّ لك الحظّ إذ الحظّ وضح ... قد متّع الله عيالي ومنح
بالعجوة السّوداء والزّهو البلح ... والعبد يسعى وله ما قد كدح
طول اللّيالي وعليه ما اجترح
ثمّ أقبلت أمّ الدّحداح على أولادها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم وتطرح ما في ثيابهم حتّى افضت إلى الحائط الآخر، فقال ﷺ : [كم من عذق ردّاح ودار فيّاح (٢) في الجنّة لأبي الدّحداح] (٣).
قال أهل المعاني: في الآية اختصار وإضمار؛ تقديره: من ذا الذي يقرض عباد الله قرضا حسنا، وجاء في الحديث: [إنّ الله تعالى يقول لعبده يوم القيامة:
стр. 430
استطعمتك فلم تطعمني، واستسقيتك فلم تسقني، واستكسيتك فلم تكسني. فيقول العبد: وكيف ذلك يا سيّدي!؟ فيقول ربّك: عبدي فلان الجائع وفلان العاري فلم يعد عليهم من فضلك، فلأمنعك اليوم فضلي كما منعتهم من فضلك].
وقال يحيى بن معاذ: (عجبت لمن يبقي له مالا وربّ العرش يستقرضه) (١).
وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : [رأيت على باب الجنّة مكتوبا: القرض بثمانية عشر، والصّدقة عشرة. فقلت: يا جبريل، ما بال القرض أكثر جزاء. قال: لأنّ صاحب القرض لا يأتيك إلاّ محتاجا وربّما وقعت الصّدقة في غير أهلها] (٢).وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من أقرض أخاه المسلم، فله بكلّ درهم وزن ثبير وطور سيناء حسنات] وهما جبلان.
وقوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ؛﴾ أي ألم تعلم يا محمد بالملإ من بني إسرائيل. والملأ من القوم: أشرافهم ووجوههم يجتمعون للمشاورة.
وجمعه الأملاء؛ واشتقاقه من ملأت الشيء؛ لا واحد له من لفظه كالإبل والخيل والجيش والقوم والرهط.
قوله تعالى: ﴿(مِنْ بَعْدِ مُوسى)﴾ أي من بعد وفاة موسى، وقوله: ﴿(إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا)﴾ اختلفوا فيه من هو؟ قال قتادة: (هو يوشع بن نون بن أفراتيم (٣) بن يوسف بن يعقوب ﵈.وقال السديّ: (هو شمعون).وقد كان بعد يوشع، وإنما سمي سمعون لأن أمّة دعت الله أن يرزقها غلاما فاستجاب الله دعاءها، فولدت غلاما فسمّته سمعون، وقالت: قد سمع الله دعائي، فلأجل ذلك سمته سمعون. والسين في لغة العبرانية شين، فهو بالعبرانية شمعون وبالعربية
стр. 431
سمعون. وقال الكلبيّ ومقاتل وسائر المفسرين: (هو إشمويل بن هلقانا (١)،وبالعربيّة يقال له: إسماعيل بن بالي (٢) وهو من نسل هارون ﵇.
وقال الكلبيّ: (وسبب مسألتهم إيّاه: أنّه لمّا مات موسى ﵇ خلف بعده في بني إسرائيل يوشع بن نون يقيم فيهم التّوراة وأمر الله حتّى قبضه الله، ثمّ خلف فيهم حزقيل كذلك حتّى قبضه الله، وعظمت في بني إسرائيل الأحداث فنسوا عهد الله تعالى حتّى عبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم إلياس ﵇ نبيّا فجعل يدعوهم إلى الله، ثمّ خلف بعد إلياس عليهم اليسع وكان فيهم ما شاء الله ثمّ قبضه الله؛ فعظمت فيهم الأحداث وكثرت فيهم الخطايا وظهر لهم عدوّ يقال له: البلساياء وهم قوم جالوت، وكانوا يسكنون ساحل الرّوم بين مصر وفلسطين؛ وهم العمالقة. فظهروا على بني إسرائيل وغلبوهم على كثير من أراضيهم وسبوا كثيرا من ذراريهم، فضربوا عليهم الجزية ولقوا منهم بلاء شديدا. ولم يكن لهم نبيّ يدبر أمرهم، فكانوا يسألون الله تعالى أن يبعث لهم نبيّا يقاتلون معه، وكان سبط النّبوّة قد هلكوا ولم يبق منهم إلاّ امرأة حبلى، فأخذوها وحبسوها في بيت خشية أن تلد أنثى فتبدلها بغلام، لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها، فجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاما، فولدت غلاما فسمّته اشمويل أي إسماعيل. وكبر الغلام فتعلّم التّوراة في بيت المقدس وكفله شيخ منهم. فلمّا بلغ أن يبعثه الله نبيّا أتى جبريل والغلام نائم إلى جنب الشّيخ، فدعاه: يا اشمويل، اذهب إلى قومك فبلّغهم رسالة ربك، فإنّ الله قد بعثك فيهم. فلمّا أتاهم كذّبوه وقالوا: إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله).
وإنّما سألوا الملك لأنّهم علموا أنّ كلمتهم لا تتفق وأمورهم لا تنتظم، ولا يحصل منهم الاجتماع على القتال إلا بملك يحملهم على ذلك ويجمع شملهم، فكان الملك هو الذي يجمع أمرهم والنبيّ يشير عليه ويرشده ويأتيه من ربه بالخبر. فلما قالوا
стр. 432
لاشمويل: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، قال لهم: لعلّكم إذا بعث الله لكم ملكا وفرض عليكم القتال تجبنوا عن القتال فلا تقاتلوا!!
وإنّما قال ذلك متعرّفا ما عندهم من الحدّ وذلك قوله تعالى: ﴿قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا؛﴾ ومعناه: قال لهم نبيّهم عسى ربّكم إن فرض عليكم القتال مع ذلك الملك أن لا تفوا بما تقولون ولا تقاتلون معه، و ﴿(قالُوا وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ)﴾؛ «قالوا: وأيّ شيء لنا» في ترك القتال في سبيل الله، وقيل معناه: وليس لنا أن نمتنع عن قتال عدوّنا في طلب مرضاة الله، ﴿(وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا)﴾ أي وقد أخلونا من منازلنا وسبوا ذرارينا.
ومعنى الإخراج من الأبناء: أنه لمّا كان الإخراج من الديار يؤدّي إلى مفارقة الأبناء قالوا: أخرجنا من ديارنا وأبنائنا. ويجوز أن يكون على وجه الاتباع كما يقال:
متقلّد سيفا ورمحا.
فإن قيل: ما وجه دخول (أن) في قوله ﴿(أَلاّ نُقاتِلَ)﴾ والعرب ما تقول: ما لك أن لا تفعل كذا، وإنّما يقولون: ما لك لا تفعل؟ قيل: دخول (أن) وجد فيها لغتان فصيحتان. فدليل إثباتها قوله تعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ﴾ (١) و ﴿ما لَكَ أَلاّ تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ (٢).ودليل حذفها قوله تعالى: ﴿وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (٣).
واختلفوا في قراءة قوله تعالى: ﴿(ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ)﴾ قرأ بعضهم «(نقاتل)» بالرفع على معنى فإنّا نقاتل، وأكثرهم على «(نقاتل)» بالجزم على جواب الأمر. وقرأ أبو عبد الرحمن السلميّ: «(يقاتل)» بالياء والجزم؛ جعل الفعل للملك، كذلك قوله تعالى:
﴿(وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا)﴾ قرأ عمر «(وَقَدْ أخْرِجْنا)» بفتح الهمزة والجيم؛ يعني العدوّ.
وقوله : ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ؛﴾ فيه حذف؛ معناه: فبعث الله لهم ملكا وكتب عليهم القتال؛ ﴿(فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ)﴾؛أي لمّا فرض عليهم أعرضوا عنه وضيّعوا أمر الله إلا قليلا منهم،
стр. 433
وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا؛ هم الذين عبروا النهر، وسنذكرهم إن شاء الله في موضعهم.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ (٢٤٦)؛أي عالم بالذين ظلموا أنفسهم بالمعصية وبعقوبتهم، وفي هذا تهديد لمن ولّى عن القتال.
واختلفوا في قراءة ﴿(عَسَيْتُمْ)﴾ فقرأ نافع وطلحة والحسن: «(عَسيْتُمْ)» بكسر السين في كلّ القرآن؛ وهي لغة. وقرأ الباقون بالفتح؛ وهي اللغة الفصيحة.
قوله تعالى: ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ؛﴾ وكان السبب فيه على ما ذكره المفسرون: أن اشمويل ﵇ سأل الله تعالى أن يبعث لهم ملكا، فأتي بعصا وقرن فيه دهن، وقالوا له: إن صاحبكم الذي يكون ملكا طوله طول هذه العصا، وقيل له: انظر إلى هذا القرن الذي فيه الدهنُ، فإذا دخل عليك رجل فنش (١) الدهن في القرن؛ فهو ملك بني إسرائيل فادهن به رأسه وملّكه على بني إسرائيل. فقاسوا أنفسهم بالعصا؛ فلم يكن أحد منهم مثلها.
قال وهب: (وكان طالوت رجلا ديّانا).وقال عكرمة والسديّ: (كان يسقي على حمار له من النّيل، فضلّ حماره؛ فخرج في طلبه).وقال بعضهم: ضلّت حمولات لأبيه، فأرسله أبوه مع غلام له يطلبانها، فمرّا ببيت اشمويل، فقال الغلام لطالوت: لو دخلنا على هذا النبيّ فسألناه عن الحمولات ليرشدنا ويدعو لنا بخير.
فقال طالوت: نفعل ذلك، فدخلا عليه، فبينما هما عنده إذ نشّ الدهن الذي في القرن فقام أشمويل وقاس طالوت بالعصا فكان على طوله، فقال لطالوت: قرّب رأسك، فقرّبه، فدهنه بذلك الدهن، ثم قال له: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله أن أملّكك عليهم. فقال طالوت: أو ما علمت أن سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل؟ قال:
بلى، قال: فبأيّ آية أكون أهلا لذلك؟ قال: بآية أنك ترجع إلى أبيك، وقد وجد أبوك حمولاته، فرجع فكان كذلك.
стр. 434
ثم قال أشمويل لبني إسرائيل: ﴿(إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ)﴾.وإنّما قالوا ذلك لأنه كان في بني إسرائيل سبطان؛ سبط نبوّة وسبط مملكة. وكان سبط النبوة لاوي بن يعقوب ومنه موسى وهارون، وسبط المملكة سبط يهودا بن يعقوب ومنه كان داود وسليمان، ولم يكن طالوت من هؤلاء ولا من هؤلاء، وإنّما هو من سبط بنيامين بن يعقوب، فمن أين يكون له الملك علينا ونحن أحقّ بالملك منه. ومع ذلك هو فقير لم يؤت سعة من المال ينفقه علينا كما يفعله الملوك.
﴿قالَ،﴾ أشمويل: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ؛﴾ أي اختاره عليكم للملك، ﴿وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ؛﴾ أي فضّله عليكم بالعلم؛ وذلك أنه كان أعلمهم في وقته، فرفعه الله تعالى بعلمه. وقيل: كان عالما بأمر الحرب، وكان طويلا جسيما وكان يفوق الناس بمنكبيه وعنقه ورأسه. وإنّما سمي طالوت لطوله وقوّته، فأعلمهم الله تعالى أن العلم هو الذي يجب أن يقع به الاختيار، وأن الزيادة في الجسم ممّا يهيب به العدوّ.
وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ؛﴾ أي يعطي ملكه من يشاء، وهو جلّ وعزّ لا يشاء إلا الحكمة والعدل، فلا تنكروا ملك طالوت مع كونه من غير أهل الملك، وأن الملك ليس بالوراثة وإنّما هو بيد الله يؤتيه من يشاء.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٤٧)؛أي يوسع على من يشاء ويعلم أين ينبغي أن يكون الملك والسعة، وإنما قال: ﴿(واسِعٌ)﴾ بمعنى موسع، كما يقال:
أليم بمعنى مؤلم. وقيل: معناه واسع الفضل، إلا أنه حذف الفضل كما يقال: فلان كبير؛ أي كبير القدر. وأما طالوت وجالوت وداود، فاجتمع فيهم العجمة والتعريف؛ فلذلك لم ينصرف، فلو سمّيت رجلا باسم جاموس لا ينصرف وإن كان أعجميّا؛ لأنه قد تمكّن في العربية؛ لأنك تدخل عليها الألف واللام فتقول: الجاموس (١).
стр. 435
قوله : ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ؛﴾ قال ابن عباس: (هذا جواب عن قولهم لنبيّهم: والله ما نصدقك أنّ الله بعثه علينا، ولكنك أنت بعثته علينا ملكا مضارّة لنا حين سألناك ملكا، وإلا فآتنا بآية أن الله قد بعثه علينا. فقال لهم: ﴿(إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ)﴾ أي الدلالة على كون طالوت ملكا، أن يأتيكم التابوت الذي أخذه منكم عدوّكم. وكان ذلك التابوت من عود الشمار (١) الذي يتخذ منه الأمشاط المرصّعة بالذهب عليه صفائح الذهب، وكانت السكينة في التابوت؛ وهي شبه دابّة رأسها كرأس الهرّة ولها ذنب كذنبها له رأسان، ووجه كوجه الإنسان ولها جناحان من زبرجد وياقوت، وكان فيها روح تكلمهم بالبيان فيما اختلفوا فيه، وكان لعينيها شعاع إذا نظرت إلى إنسان دعر).
قال ابن عباس: (كانت بنو إسرائيل إذا حضر القتال قدّموا التابوت بين أيديهم إلى العدوّ، فإذا أتت السكينة في التابوت وسمع من التابوت أنينها أقرب نحو العدو وهم يمضون معه أينما مضى، فإذا استقرّ ثبتوا خلفه، وكانت السكينة إذا صرخت في التابوت بصراخ هرّة أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح، فلما عصت بنو إسرائيل الأنبياء صلوات الله عليهم، سلّط الله عليهم عدوّهم فقاتلهم وغلبهم على التابوت، ومضوا به إلى قرية من قرى فلسطين، وجعلوه في بيت صنم لهم، وجعلوا التابوت تحت الصنم، فأصبحوا من الغد والصنم تحته، وأصنامهم كلّها أصبحت مكسّرة، فأخرجوا التابوت من بيت الصنم، ووضعوه في ناحية من مدينتهم، فأخذ أهل تلك الناحية وجع في أعناقهم حتى هلك أكثرهم، فقال بعضهم لبعض: أليس قد علمتم أن إله بنو
стр. 436
إسرائيل لا يقوم له شيء، فأخرجوا التابوت إلى قرية أخرى، فبعث الله على أهل تلك القرية بلاء حتى كان الرجل منهم يبيت سالما ويصبح ميتا قد أكل ما في جوفه، فأخرجوه منها إلى الصحراء ودفنوه في مخراة لهم، فكان كل من تغوّط هنالك منهم أخذه الباسور والقولنج، فتحيّروا! فقالت لهم امرأة من بني إسرائيل كانت عندهم قد سبوها: اعلموا أنكم لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام التابوت فيكم فأخرجوه عنكم، فأتوا بعجل بإشارة تلك المرأة فحملوا عليها التابوت، ثم علّقوها على ثورين ثم ضربوا جنوبها فأقبل الثوران يسيران، ووكّل الله أربعة من الملائكة يسوقون الثورين، فلم يمر التابوت بشيء من الأرض إلاّ كان مقدّسا، فأقبلا حتى وقعا على أرض بني إسرائيل فوضعوا التابوت في أرض بني إسرائيل، فلما رأى بنو إسرائيل التابوت كبّروا وحمدوا الله وأطاعوا طالوت وأقروا بملكه، فذلك قوله: (تحمله الملائكة) أي تسوقه) (١).وقال ابن عباس: (جاءت الملائكة بالتّابوت تحمله بين السّماء والأرض وهم ينظرون إليه حتّى وضعته الملائكة عند طالوت) (٢).
وقرأ ابن مسعود ومجاهد والأعمش: «(يحمله)» بالياء. وعن علي ﵁: (أنّ السّكينة كان ريحا هفّافة لها وجه كوجه الإنسان) (٣).
وقوله تعالى: ﴿(وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ)﴾ يعني أنه كان في التابوت أيضا رضاض الألواح لموسى وعصاه من آس وعمامة هارون وقفيزة من المنّ وهو التّرنجبين (٤) الذي كان لبني إسرائيل في طست من ذهب. وقوله تعالى: ﴿(تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ)﴾ أي تسوقه الملائكة. وقال بعضهم: أرسل الله ريحا انتزعت التابوت من أيدي الكفّار، ثم حملته الملائكة فألقته بين يدي طالوت.
стр. 437
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ؛﴾ أي إن في رجوع التابوت إليكم لعلامة أن الله ملّك عليكم طالوت، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢٤٨)؛ أي مصدّقين بذلك.
قوله : ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ؛﴾ الآية، أي فلما خرج طالوت من البلد ﴿(بِالْجُنُودِ)﴾ يعني خرج بهم من بيت المقدس وهم سبعون ألف مقاتل؛ وقيل: ثمانون ألفا، ولم يتخلّف عنه إلا كبير لهرمه أو مريض لسقمه أو ضرير لضرره أو معذور لعذره. وذلك أنّهم لمّا رأوا التابوت قالوا: قد أتانا التابوت وهو النصر لا شكّ فيه، فسارعوا إلى الجهاد، فخرج معه خلق كثير؛ فقال: لا حاجة لي في كلّ ما أرى، ولا أبتغي إلا كلّ شابّ نشيط فارع، ولا يخرج معي صاحب تجارة ولا رجل عليه دين، ولا رجل تزوج امرأة لم يبن بها؛ لأنّهم يكونون مشغولين. فاجتمع إليه ثمانون ألفا من شرطه. فخرج بهم في حرّ شديد، فأصابهم العطش؛ فسألوا الماء؛ فقال لهم طالوت: ﴿(إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ)﴾ أي مختبركم بنهر جار؛ وهو نهر الأردن وفلسطين؛ ليرى طاعتكم وهو أعلم؛ ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي؛﴾ أي فليس من أهل ديني وطاعتي، وليس معي على عدوّي، ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ؛﴾ أي ومن لم يشربه، ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي؛﴾ ومعي على عدوّي، وقد يطلق لفظ الطعم على الشرب، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ؛﴾ قرأ ابن عباس وأبو الجوزاء وابن كثير وشيبة ونافع وأبو عمرو وأيوب: «(غرفة)» بفتح الغين، وقرأ الباقون بضمّها؛ وهي قراءة عثمان، وهما لغتان. قال الكسائيّ: (الغرفة بالضّمّ:
الّذي يجعل في الكفّ من الماء إذا غرف. والغرفة بالفتح الاغتراف، فالضّمّ اسم والفتح مصدر).وقال أبو حاتم: (الغرفة بالضّمّ: ملئ الكفّ وملئ المغرفة، وبالفتح الواحدة من القليل والكثير).قال الكلبيّ ومقاتل: (كانت الغرفة ليشرب منها الرّجل وخادمه ودابّته).
стр. 438
قيل: ابتلاهم الله بذلك النهر ليميّز الصادق من الكاذب، وكان أشمويل هو الذي أخبر طالوت بذلك؛ لأنّ الله تعالى ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً. إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ﴾ (١) فلا يجوز هذا القول إلا من نبيّ. قوله تعالى: ﴿(فَشَرِبُوا مِنْهُ)﴾ ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ؛﴾ نصب ﴿(قَلِيلاً)﴾ على الاستثناء. قرأ ابن مسعود: «(إلاّ قليل)» بالرفع، كقول الشاعر (٢):
وكلّ أخ مفارقه أخوه ... لعمرو أبيك إلاّ الفرقدان
ومعنى الآية: أنه لمّا عرض لهم النهر وقد اشتد بهم العطش؛ وقعوا فيه فشربوا كلّهم أكثر من غرفة إلا قليلا منهم؛ وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كعدّة أهل بدر، قال ﷺ يوم بدر لأصحابه: [أنتم على عدد أصحاب طالوت] (٣).
قالوا: فمن اغترف غرفة قوي وصحّ إيمانه وعبر النهر سالما لكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه وخادمه ودوابه. وأما الذين أخذوا أكثر من ذلك وخالفوا اسودّت شفاههم واشتدّت عطشتهم فلم يرووا وبقوا على شطّ النهر وجبنوا عن لقاء العدوّ ولم يشهدوا الفتح.
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ؛﴾ يعني لمّا جاوز طالوت النهر هو والذين صدّقوه وهم القليل الذين لم يشربوا إلا مقدار الغرفة، ﴿قالُوا؛﴾ أي قال الذين شربوا وخالفوا أمر الله وكانوا أهل شرك ونفاق:
﴿لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ؛﴾ وانصرفوا عن طالوت ولم يشهدوا قتال جالوت. قال بعض المفسرين: إن القوم كلّهم جاوزوا النهر، ثم إن الذين خالفوا في الشرب من النهر اعتزلوا من المطيعين و ﴿(قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ)﴾.
стр. 439
قوله تعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ؛﴾ معناه: قال الذين يوقنون ويعلمون أنّهم ملاقو الله؛ وهم القليل الذين ثبتوا مع طالوت، ﴿(كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ)﴾ أي كم من فرقة قليلة قهرت فرقة عدتها كثيرة بأمر الله ونصرته، وكانت فئة جالوت مائة ألف.
والفئة جمع لا واحد له من لفظه.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (٢٤٩)؛أي معهم بالنصر والمعونة.
قوله تعالى: ﴿وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً؛﴾ معناها: لمّا خرجوا واصطفّوا لمحاربة جالوت وجنوده، قالوا: ربّنا أصبب علينا الصّبر صبّا، ﴿وَثَبِّتْ أَقْدامَنا؛﴾ في أماكنها في الحرب بتقوية قلوبنا، ﴿وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ (٢٥٠)؛أي أعنّا على قوم جالوت بإلقاء الرّعب في قلوبهم،
﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ؛﴾ في هذا الحال؛ لأنّ ذكر الهزيمة بعد سؤال النصر يدلّ على إجابة الدعاء، كأنّ الله تعالى قال:
فاستجاب الله دعاءهم فهزموهم.
قوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ؛﴾ قال المفسرون: لمّا عبر طالوت ومن معه النهر، كان من جملة من عبر معهم أبو داود ﵇ واسمه إيشا في ثلاثة عشر ابنا له وكان داود أصغرهم، ثم إنّ جالوت أرسل إلى طالوت: أن أرسل إليّ من يقابلني، فإن قتلني فلكم ملكي، وإن قتلته فلي ملككم. فشقّ ذلك على طالوت ونادى في عسكره: من قتل منكم جالوت زوّجته ابنتي وأعطيته نصف مملكتي، فلم يجب أحد منهم وهاب الناس جالوت، فسأل طالوت نبيّهم أن يدعو الله، فدعا الله تعالى، فأتى بقرن فيه دهن فقيل له: إنّ صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي يضع هذا القرن على رأسه فيغلي الدهن، فدعا طالوت بني إسرائيل فجرّبهم، فلم يوافق ذلك منهم أحد، فأوحى الله إلى نبيّهم أنّ في أولاد إيشا من يقتل جالوت، فدعا طالوت إيشا وقال له: اعرض عليّ أولادك، فأخرج له اثنا عشر رجلا أمثال الاسطوانات، وفيهم رجل فارع عليهم، فجعل يعرضهم على القرن، فلم ير شيئا، فلم يزل يردّد القرن على ذلك الجسيم حتى أوحي إليه أنّا لا نأخذ الرجال على قدر
стр. 440
صورهم، بل على إصلاح قلوبهم، فقل لإيشا: هل لك ولد غيرهم؟ فقال: لا، فقال:
رب إنه زعم أنه لا ولد له غيرهم، فقال: كذب. فقال له: إنّ ربك كذّبك، فقال:
صدق الله، إن لي ابنا صغيرا يقال له داود استحيت أن يراه الناس لقصر قامته وحقارته، فجعلته في الغنم يرعى وهو في شعب كذا، وكان داود ﵇ قصيرا مشقا أزرقا، فخرج طالوت في طلبه، فوجد الوادي قد سال بينه وبين الزريبة التي كان يريح إليها الغنم، فوجده يحمل شاتين يجوز بهما السيل ولا يخوض بهما الماء، فلما رآه قال:
هذا هو لا شكّ فيه، هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم. فدعاه فوضع القرن على رأسه؛ ففاض، قال: هل لك أن تقتل جالوت وأزوّجك بابنتي وأعطيك نصف مملكتي، قال: نعم، قال له: فهل جرّبت نفسك في شيء، قال: نعم؛ وقع الذئب في غنمي فضربته ثم أخذت برأسه وجسده وقطعت رأسه من جسده، فقال له طالوت: إن الذئب ضعيف، فهل جربت نفسك في غيره، قال: نعم؛ دخل الأسد في غنمي؛ فضربته وأخذت بلحييه فشققتهما.
فمضى به طالوت إلى عسكره، فمرّ داود بثلاثة أحجار فقلن له: خذنا معك ففينا ميتة جالوت، فأخذهنّ ثم مضى. فلما تصافّوا للقتال وبرز جالوت وسأل المبارزة، انتدب إليه داود، فأعطاه طالوت فرسا ودرعا وسلاحا، فقال داود: إنّي لم أتعود القتال بهذا، ولكني أقاتله بالمقلاعة كما أريد، فأخذ داود المقلاعة ومضى نحو جالوت.
وكان جالوت من أشدّ الناس وأقواهم، وكان له بيضة هي ثلاثمائة رطل من حديد، فلما نظر إلى داود ألقي في قلبه الرعب، وكان جالوت على فرس أبلق عليه السلاح التامّ، قال: برزت إليّ بالمقلاعة والحجر لتقتلني كما تقتل الكلب، قال: نعم؛ لأنك شرّ من الكلب. قال جالوت: لا جرم لأقسمنّ لحمك بين سباع الأرض وطيور السماء. فقال داود: بل يقسّم الله لحمك، ثم قال داود: باسم إله إبراهيم، وأخرج حجرا ووضعه في مقلاعته، ثم أخرج الحجر الثاني وقال: باسم إله إسحاق؛ ووضعه في مقلاعته، ثم أخرج الحجر الثالث، وقال: باسم إله يعقوب؛ ووضعه في مقلاعته، فصارت كلّها حجرا واحدا ودوّر المقلاع ورمى به، فأصاب الحجر أنف
стр. 441
البيضة وخلط دماغه وخرج من قفاه، وقتل من ورائه ثلاثين رجلا، وهزم الله الجيش وخرّ جالوت قتيلا.
فأخذه داود وجرّه حتى ألقاه بين يدي طالوت ثم قال له: أنجزني ما وعدتني وأعطني امرأتي، فقال له طالوت: أتريد ابنة الملك بغير صداق، قال: ما شرطت عليّ صداقا، وليس لي شيء. فزوّجه ابنته، واراد أن يدفع إليه نصف ملكه فقال له وزير:
إن دفعت إليه ذلك نازعك في الملك وأفسد عليك ملكك، فامتنع طالوت من ذلك وقصد قتله، فهرب داود ﵇ فندم طالوت فخرج في طلبه حتى أتى على امرأة من قدماء بني إسرائيل وهو يبكي على داود، فضرب بابها؛ فقالت: من هذا؟ قال: أنا طالوت، قالت: أنت أشقى الناس؛ طردت داود وقد قتل جالوت وهزم جنوده، قال:
إنّما أتيتك لأسألك ما توبتي؟ قالت: توبتك أن تأتي مدينة كذا وتقاتل أهلها، فإن فتحتها فهي توبتك، وإن قتلت فهي عقوبتك (١).
فانطلق طالوت إلى تلك المدينة فقاتل أهلها حتى قتل. فاجمع بنو إسرائيل فملّكوا داود ﵇ من بعده. فذلك قوله تعالى: ﴿وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ؛﴾ أي جمع له بين الملك والنبوّة. والحكمة هي النبوّة، ولم يجتمع كلاهما لأحد إلا لداود وسليمان ﵈. قوله : ﴿وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ؛﴾ أي علّمه الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من العلوم، ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ؛﴾ أي ولولا دفع الله بأس المشركين بالغزاة والمجاهدين كما دفع بداود شرّ جالوت لفسدت الأرض بأهلها لغلبة الكفار. وقيل: معناه: لولا الأنبياء صلوات الله عليهم الدّاعون إلى سبيله الناهون عن الفساد؛ لفسدت أحوال الناس.
стр. 442
روي في الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: [يقول الله تعالى: لولا رجال ركّع؛ وصبيان رضّع وبهائم رتّع؛ لصبّ عليكم العذاب صبّا] (١).وقال الحسن: (يزع الله بالسّلطان أكثر ممّا يزع بالقرآن، ولولا السّلاطين والأمراء المسلّطون على العيّارين والدّعارة لخرجوا على أهل الصّلاح فاستولوا عليهم).
قوله تعالى: ﴿(وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ)﴾ من قرأ «(دفاع)» فهو من قولهم: دافع مدافعة ودفاعا؛ والدّفع: الصّرف. ﴿وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٢٥١)؛ذو منّ عليهم يدفع المفسدين عن المصلحين.
قوله : ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ؛﴾ أي القرآن بما فيه من الأخبار الماضية آيات الله بتنزيل جبريل ﵇ بها عليك لبيان الحقّ من الباطل، ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢٥٢)؛لأنك أخبرت بهذه الآيات مع أنك لم تشاهدها ولم تخالط أهلها. وقيل في معنى هذه الآيات: إماتة الله الألوف دفعة واحدة وإحياؤهم دفعة واحدة وإعطاؤه الملك طالوت وهو من أهل الحمول الذي لا ينقاد له الناس، ونصر أصحاب طالوت مع قلّة عددهم وضعفهم على جالوت وأصحابه مع شوكتهم وكثرتهم دلالة على قدرته وعلى نبوّة أنبيائه صلوات الله عليهم. وقوله تعالى: ﴿(وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)﴾ لأنك قد أعطيت من الآيات مثل ما أعطي الأنبياء صلوات الله عليهم وزيادة.
قوله : ﴿*تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ؛﴾ معناه: إنّ الذي نزّلنا عليك خبرهم في القرآن هم الرسل لم يكونوا في الفضل متساوين، ولكن ﴿(فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ)﴾ في الدنيا والعقبى. ثم فسّر فضيلة كلّ واحد منهم فقال: ﴿(مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ)﴾ وهو موسى ﵇
стр. 443
كلّمه الله من غير سفير، ﴿(وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ)﴾ فوق بعض ﴿(دَرَجاتٍ)﴾؛أي اتّخذ الله إبراهيم خليلا، وسخّر لسليمان الريح والجنّ والشياطين وعلّمه منطق الطير. وقال مجاهد:
(وأراد بهذه الآية فضيلة محمّد ﷺ على جميع الأنبياء صلوات الله عليهم كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (١)) (٢).وقيل: هو إدريس كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا﴾ (٣).
قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ؛﴾ أي أعطيناه الدلالات على إثبات نبوّته من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى والإنباء بما غاب عنه، ﴿(وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ)﴾ أي قوّيناه وأعنّاه بجبريل الطاهر حين أرادوا قتله حتى رفعه الله إلى السماء (٤).وقال الحسن: (الرّوح جبريل، والقدس هو الله تعالى؛ فيصير تقدير الآية: وقوّيناه بروح الله تعالى).وعن ابن عباس أنه قال: (القدس اسم الله الأعظم الّذي كان به عيسى ﵇ يحيي الموتى) (٥).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ؛﴾ أي لو شاء الله لم يقتتل الذين من بعد الرسل من بعد ما وضحت لهم الحجج والدلائل كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ (٦).وقيل: معناه: ولو شاء الله لأنزل آية تضطرّهم إلى الإيمان وتمنعهم عن الكفر كما قال تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ (٧).
وقوله تعالى: ﴿(وَلكِنِ اخْتَلَفُوا)﴾ أي شاء اختلافهم فاختلفوا. ويقال: لم يلجئهم إلى الإيمان؛ لأنّ التكليف لا يحسن مع الضرورة، والجزاء لا يحسن إلا مع التّلجئة.
قوله تعالى: ﴿(وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ)﴾ أي بالكتب والرسل.
стр. 444
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ (٢٥٣)؛ أي ولو شاء الله لم يقتتلوا مع اختلافهم بأن يأمر المؤمنين بالكفّ عن القتال، وبأن يلجئهم جميعا إلى ترك القتال، ﴿(وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ)﴾ من تقدير الاتّفاق والاختلاف وغير ذلك من ما توجبه الحكمة.
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ؛﴾ حثّ على الانفاق في الجهاد في سبيل الله.
وقيل: هو الأمر بالزكاة المفروضة. وقوله تعالى: ﴿(مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ)﴾ يعني يوم القيامة ﴿(لا بَيْعٌ فِيهِ)﴾ أي ليس فيه فداء ﴿(وَلا خُلَّةٌ)﴾ أي ليس فيه خلّة لغير المؤمنين. وأما المؤمنون فتكون لهم خلّة كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ (١).قوله تعالى: ﴿(وَلا شَفاعَةٌ)﴾ أي لغير المؤمنين، وأما المؤمنون فيشفع بعضهم لبعض ويشفع لهم الأنبياء والرسل ﵈.
قوله تعالى: ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ؛﴾ (٢٥٤)؛أي هم الذين ظلموا أنفسهم حتى لا خلّة لهم ولا شفاعة. وكان عطاء يقول: (الحمد لله الّذي لم يقل:
والظّالمون هم الكافرون؛ لأنّ كلّ كافر ظالم وليس كلّ ظالم كافرا).
قوله : ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ؛﴾ ذكر وحدانية الله تعالى وصفته؛ ليعلم أنّ من كان بهذه الصفة لا يخفى عليه كفر من كفر ومعصية من عصى؛ فيجازي كلّ عابد على ما عمل. فأول هذه الآية نفي معبود الكفّار وإثبات معبود المؤمنين؛ وإثبات الشيء مع نفي غيره أبلغ في الإثبات، كأنه قال: (الله لا إله إلا هو) دون غيره، وهو المعبود لا معبود للخلق سواه.
ومعنى ﴿(الْحَيُّ الْقَيُّومُ)﴾ الدائم الذي لا يموت موصوف بالبقاء على الأبد، وبه حيّى كلّ حيّ. وأما القيوم فهو القائم بتدبير الخلق في شأنهم وأرزاقهم وأعمالهم وآجالهم ومجازاتهم على عملهم، وقيل: معنى القيوم العالم بالأمور من قولهم: فلان
стр. 445
يقوم بهذا الكتاب؛ أي يحسنه ويعلم ما فيه. وقيل: معنى ﴿(الْحَيُّ الْقَيُّومُ)﴾ الدائم الذي لا يزول.
قوله : ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ؛﴾ أي لا يأخذه نعاس ولا نوم. والنّعاس: اسم لأوّل ما يدخل في الرأس من النوم قبل وصوله إلى القلب.
والنوم هو الذي يصل إلى القلب فيستثقل. ومعنى الآية: لا يغفل عن تدبير الخلق، فإن قيل: ما معنى نفي النوم بعد نفي النعاس؟ قلنا: مثل هذا اللفظ إنّما يكون لنفي قليل النوم وكثيره، ونظيره قول العرب: فلان لا يملك قليلا ولا كثيرا.
قوله تعالى: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي هو مالك السموات والأرض وما فيهما، كلهم عبيده وإماؤه وتحت قبضته وقدرته.
قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ؛﴾ هذا جواب عن قول المشركين في أصنامهم: ﴿هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ﴾ (١) و ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ (٢)؛أي لا يشفع أحد لأحد عند الله إلا بأمره ورضائه، كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض بالدعاء، وكما يشفع الأنبياء للمؤمنين.
قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ؛﴾ أي ﴿(يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)﴾ من أمر الآخرة، ﴿(وَما خَلْفَهُمْ)﴾ من أمر الدنيا. قال مجاهد: على العكس من هذا (٣).وقيل: يعلم الغيب الذي تقدّمهم والذي يكون بعدهم.
قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ؛﴾ أي لا يعلمون الغيب لا ممّا تقدّمهم ولا ممّا يكون بعدهم إلا بما شاء الله أن يعلموه، وهو ما أنبأ به الأنبياء صلوات الله عليهم.
قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ؛﴾ قال ابن عباس:
(كرسيّه: علمه) (٤)،فلا يخفى عليه شيء ممّا في السّماوات والأرض. وقيل: وسعت
стр. 446
قدرته التي يمسك بها السموات والأرض. وقال الحسن: (الكرسيّ: هو العرش)، ويقال: هو سرير دون العرش، ويقال: هو مكان خلق الله فيه السموات والأرض.
وقال عطاء والكلبي ومقاتل: (السّماوات السّبع والأرضون السّبع تحت الكرسيّ في الصّغر كحلقة في فلاة).
وقال الكلبيّ: (يحمل العرش أربعة أملاك، لكلّ ملك أربعة أوجه؛ وجه إنسان، ووجه ثور، ووجه أسد، ووجه نسر. أقدامهم في الصخرة التي تحت الأرضين بمسيرة خمسمائة عام، وبين السماء السابعة وبين الكرسيّ مسيرة خمسمائة عام، والعرش فوق الماء).
قوله : ﴿وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما؛﴾ أي لا يثقله ولا يشقّ عليه حفظ السموات والأرض، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٢٥٥)؛أي العليّ عن الأشباه والأمثال وصفات المحدثين، عظيم الشأن والسلطان والبرهان.
روى محمد بن الحنفية قال: (لمّا نزلت آية الكرسيّ خرّ كلّ صنم في دار الدّنيا؛ وخرّ كلّ ملك في الدّنيا على وجهه؛ وسقطت التّيجان عن رءوسهم، وهربت الشّياطين وضرب بعضهم على بعض حتّى اجتمعوا إلى إبليس فأخبروه بذلك، فأمرهم أن يبحثوا؛ فجاءوا إلى المدينة فبلغهم أنّ آية الكرسيّ نزلت).
وعن أبيّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من قرأ آية الكرسيّ في دبر كلّ صلاة مكتوبة؛ أعطاه الله قلوب الشّاكرين وأعمال الصّدّيقين وثواب النّبيّين، وبسط على يمينه بالرّحمة، ولم يمنعه من دخول الجنّة إلاّ أن يموت فيدخلها، ومن قرأها حين يأخذ مضجعه أمّنه الله وجاره وجار جاره والدويرات حوله] (١).
قوله : ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ؛﴾ الآية، اختلف المفسرون في هذه الآية على ثلاثة أقوال؛ قال السديّ والضحّاك: (إنّ هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال
стр. 447
المشركين، كما قال تعالى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١)،وكان القتال غير مباح في أوّل الإسلام إلى أن قامت عليهم الحجّة الصّحيحة بصحّة نبوّة رسول الله ﷺ ، فلمّا عاندوا بعد البيان أمر الله المسلمين بقتالهم لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) وغير ذلك من آيات القتال).
وقال الحسن وقتادة: (إنّ هذه الآية خاصّة في أهل الكتاب أن لا يكرهوا على الإسلام بعد أن يؤدّوا الجزية، وأمّا مشركو العرب فلا يقرّون بالجزية ولا يقبل منهم إلاّ الإسلام أو السّيف).
والقول الثالث: أن معناه: من دخل في الإسلام بمحاربة المسلمين ثم رضي بعد الحرب فليس بمكره؛ أي لا يقولوا لهم: إنّما أسلمتم كرها؛ فلا إسلام لكم.
ومعنى الآية: ﴿(لا إِكْراهَ)﴾ في الإسلام؛ أي لا تكرهوا على الإسلام، ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ؛﴾ أي قد وضح الطريق المستقيم من الطريق الذي ليس بمستقيم بما أعطاه الله أنبياءه من المعجزات، فلا تكرهوا على (الدّين).ودخول الألف واللام في (الدّين) لتعريف المعهود.
قوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها؛﴾ أي فمن يكفر بما أمر الله أن يكفر به، ويصدّق بالله وبما أمر به، فقد عقد لنفسه من الدين عقدا وثيقا لا تحلّه حجّة من الحجج لا انقطاع لها بالشبهة والشكوك. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٥٦)؛أي سميع لما يعقده الإنسان في أمر الدين، عالم بنيّته في ذلك.
والغيّ: نقيض الرّشد. والطاغوت: مأخوذ من الطّغيان، والطاغوت اسم للأصنام والشياطين وكلّ ما يعبد من دون الله تعالى.
قوله : ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ؛﴾ معناه: الله وليّ المؤمنين في نصرهم وإظهارهم وهدايتهم في إقامة الحجة
стр. 448
في دينهم، ومتولّي خزانتهم على حسن عملهم، يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الهدى.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٥٧)؛ معناه: والذين جحدوا توحيد الله أولياؤهم الذين يتولونهم الطاغوت.
ومعنى: ﴿(يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ)،﴾ ولم يكن لهم نور؛ قيل: أراد به اليهود والنصارى الذين كانوا على دين عيسى ﵇؛ خرجوا من التوحيد الذي كانوا فيه إلى الكفر بمحمّد ﷺ .
وقوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ؛﴾ أي ألم تعلم يا محمد بالذي جادل إبراهيم في ربه؛ أي هل رأيت كالذي ﴿(حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ)﴾ أي بأن أعطاه الله الملك وأعجب بملكه وسلطانه وهو نمرود بن كنعان أوّل من تجبّر في الأرض بادعاء الرّبوبيّة فخاصم إبراهيم في توحيده. وقيل: إنّ الهاء في قوله ﴿(آتاهُ)﴾ راجعة إلى إبراهيم ﵇، و ﴿الْمُلْكَ)﴾ هو النبوّة ووجوب طاعته على الناس (١).
стр. 449
قوله تعالى: ﴿إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ؛﴾ وذلك أن نمرود قال لإبراهيم: من ربّك؟ قال ﴿(إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)﴾ عند انقضاء الأجل. ف ﴿قالَ؛﴾ نمرود: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ قال إبراهيم: ائتني ببيان ذلك؟ فأتى برجلين من سجنه وجب عليهما القتل؛ فقتل أحدهما وترك الآخر.
فقال: هذا قد أحييته، وهذا قد أمتّه (١). ﴿قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ؛﴾ أي تحيّر وانقطع بما ظهر عليه من الحجّة، ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٢٥٨)؛أي لا يرشد المشركين إلى دينه وحجّته.
فإن قيل: لم لم يثبت إبراهيم على الحجّة الأولى؛ والانتقال من الحجة إلى حجّة أخرى في المناظرة غير محمود؟ قيل: عنه أجوبة:
أحدها: أن إبراهيم كان داعيا ولم يكن مناظرا، فمى كان يراه أقرب إلى الهداية أخذ به.
والثاني: أنه روي أنه قال لنمرود: إنك أمتّ الحيّ ولم تحيي الميّت، والانتقال بعد الإلزام محمود.
والثالث: أن نمرود كان عالما أن ما ذكره ليس بمعارضة وكان من حوله من أصحابه يوقنون بكذبه في قوله: ﴿(أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)﴾ لكن أراد التمويه على أغمار (٢) قومه كما قال فرعون للسحرة حين آمنوا: أن هذا المكر مكرتموه في المدينة، كذلك فعل نمرود بقوله: ﴿(أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)﴾.فترك إبراهيم إطالة الكلام، وعدل إلى حجّة مسكتة لا يمكنه التمويه فيها.
فإن قيل: فهلاّ قال نمرود لإبراهيم: إن مجيء الشمس هو العادة؟ فقل لربك حتى يأتي بها من المغرب! قيل: علم لما رأى من المعجزات التي ظهرت أنه لو سأله
стр. 450
ذلك لأتى به، فكان يزداد فضيحة عند الناس. وقيل: خذله عن هذا القول، فلم يوفّق للسؤال.
قوله تعالى: ﴿(فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ)﴾ البهت في اللغة: هي مواجهة الرجل بالكذب عليه؛ يقال: بهت يبهت بهتانا، وباهت يباهت مباهتة. وفي الحديث: [إنّ اليهود قوم بهت] (١) أي كذبة. والبهت الحيرة عند انقطاع الحجة أيضا. وفيه لغات: بهت وبهت وبهت، وأجودها بهت بضمّ الباء.
قوله : ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها؛﴾ عطف هذه الآية على معنى الكلام الأول لا على اللفظ، كأنه قال: أرأيت كالذي ﴿(حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ)﴾ ﴿(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ)﴾.
قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في عزير بن شريحيّا، وكان من علماء بني إسرائيل، سباه بخت نصّر من بيت المقدس إلى أرض بابل حين سلّطه الله عليه فخرّب بيت المقدس، فخرج عزير في أرض بابل ذات يوم على حمار، فمرّ بدير هرقل على شاطئ دجلة، فطاف بالقرية فلم ير بها ساكنا وعامّة شجرها حامل، فجعل يتعجّب من خراب القرية وموت أهلها وكثرة حملها وهي ساقطة على سقوفها. وذلك أنّ السّقف يقع قبل الحيطان، ثمّ تقع الحيطان عليه. فأخذ شيئا من التّين والعنب، وعصر العنب فشرب منه، ثمّ جعل فضل التّين في سلّة وفضل العنب في الأخرى وفضل العصير في الزّقّ، ثمّ نظر إلى القرية ف ﴿قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها؛﴾ أي كيف يحيي الله هذه القرية بعد خرابها وموت أهلها!؟
لم يكن هذا القول منه إنكارا للبعث، لكن أحبّ أن يرى كيف يحيي الله الموتى فيزداد بصيرة في إيمانه، فنام في ذلك الدّير؛ ﴿فَأَماتَهُ اللهُ﴾ في منامه؛ ﴿مِائَةَ عامٍ؛﴾ وأعمى عنه السّباع والطّير، ثمّ أحياه فنودي: يا عزير: (كم لبثت)؟ وكان أميت في صدر النّهار، ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ؛﴾ بعد مائة سنة في آخر النّهار،
стр. 451
فظنّ أنّ مقدار لبثه يوم، ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتَ؟﴾ ف ﴿قالَ لَبِثْتُ يَوْماً،﴾ فلمّا نظر إلى الشّمس قد بقي منها شيء، فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ؛﴾ فنودي؟.
﴿قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ؛﴾ ميتا، ﴿فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ،﴾ من التّين والعنب، ﴿وَشَرابِكَ،﴾ العصير، ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ؛﴾ أي لم يتغيّر طعمها بعد مائة عام ولم تغيّرها السّنون؛ فنظر فإذا بالعنب والتّين كما شاهده وبالعصير طريّا.
ثمّ قيل له: ﴿وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ؛﴾ فنظر فإذا هو عظام بيض تلوح قد تفرّقت أوصاله، فسمع صوتا: (أيّتها العظام البالية إنّي جاعل فيكنّ روحا فاجتمعن) فارتهشت العظام وسعى بعضها إلى بعض، قال: فرأيت الصّلب يسعى كلّ فقرة منها إلى صاحبتها، ثمّ رأيت الوركين يسعيان إلى مكانهما؛ والسّاقين إلى مكانهما؛ والعطفين (١) إلى مكانهما، ثمّ رأيت كلّ الأضلاع يسعى كلّ واحد منهم إلى فقرته، ثمّ رأيت الكعبين سعيا إلى مكانهما؛ والذّراعين إلى مكانهما، ثمّ رأيت العنق يسعى كلّ فقرة منه إلى صاحبتها، ثمّ جاء الرّأس إلى مكانه، ثمّ رأيت العصب والعروق واللّحم ألقي عليه، ثمّ بسط عليه الجلد، ثمّ دري عليه الشّعر، ثمّ نفخ فيه الرّوح، فإذا هو قائم ينهق. فخرّ عزير ساجدا لله تعالى؛ وقال عند ذلك: ﴿(أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.قال ذلك حين تبيّن له من كمال القدرة البلاء في حماره؛ والموت في نفسه؛ والبقاء في العنب والعصير اللّذين هما من أسرع الأشياء فسادا أو تغيّرا، ثمّ مشاهدة البعث بعد الموت (٢).
قال ابن عباس: (وبعث وهو شابّ ابن أربعين سنة على السّنّ الّذي أميت عليها، وكان ابنه في ذلك الوقت ابن عشرين سنة، فصار لابنه مائة وعشرون سنة، ولعزير أربعين سنة على السّنّ الّتي أميت عليها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ؛﴾ ثمّ إنّه رجع إلى بني إسرائيل وهو يقرأ التّوراة كلّها عن ظهر قلبه، فأملاها عليهم لم يخرم منها حرفا واحدا، وكانت التّوراة قد ذهبت عنهم،
стр. 452
فجاءهم رجل من بني إسرائيل فانتسب لهم فعرفوه، قال: أخبرني جدّي أنّه قال:
دفنت التّوراة يوم سبينا في خابئة كرمي، فأروه كرم جدّه فأخرج التّوراة فعارضوها بما أملاها عزير فما اختلافا في حرف واحد، فتعجّبوا من كثرة علمه وحداثة سنّه، فقال بعضهم: عزير ابن الله).
وقال الحسن وقتادة والربيع: (إنّ القرية المذكورة في هذه الآية هي بيت المقدس بعد ما خرّبه بخت نصّر) (١).وكان وهب بن منبه يقول: (كان المارّ بهذه القرية أرميا النّبيّ ﵇ (٢).
وقيل: معنى ﴿(خاوِيَةٌ)﴾ أي خالية لا أنيس فيها، يقال: خوت الدار إذا خلت، وخوي البطن إذا جاع. وسمي السقف عرشا لارتفاعه عن أرضه، ويسمى السرير عرشا لارتفاعه عن الأرض.
قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً،﴾ ﴿(نُنْشِزُها)﴾ من قرأ بالراء المهملة فمعناه يحيها من النّشر؛ يقال: أنشره الله إذا أحياه، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (٣).ومن قرأ ﴿(نُنْشِزُها)﴾ بالزاء المعجمة فمعناه يرفعها ويعلي بعضها على بعض من النّشز وهو المكان المرتفع، ومنه نشوز المرأة على زوجها: ترفّعها عن طاعته.
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ؛﴾ من قرأ ﴿(أَعْلَمُ)﴾ بقطع الألف؛ أي قال عزير: علمت مشاهدة ما كنت أعلمه غيبا. ومن قرأ ﴿(أَعْلَمُ)﴾ بالوصل فمعناه قال لنفسه: ﴿(أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ)﴾ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٥٩).
قوله : ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي؛﴾ تقدير الآية: ألم تر إذ قال إبراهيم؛ ويقال:
واذكر إذ قال إبراهيم. قال ابن عباس: «سبب هذه القصّة: أنّ إبراهيم ﵇ مرّ بجيفة
стр. 453
على ساحل البحر، تنقضّ عليها طيور السّماء فتأخذ منها بأفواهها فتأكله، ويسقط من أفواهها في البحر فيأكل منه الحيتان، وتجيء السّباع فتأخذ منه عضوا. فوقف متعجّبا!! وقال: ﴿(رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى. قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ)﴾ أي أولم تصدّق بأنّي أحيي الموتى؟ (قال بلى) عرفت، ولكن أحببت أن أعلم كيف تحيي هذه النّفس الّتي أرى بعضها في بطون السّباع؛ وبعضها في بطون الحيتان؛ وبعضها في حواصل الطّير. فذلك قوله تعالى: ﴿(وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي».وقيل: معنى ﴿(وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)﴾ أي ليسكن قلبي أنك الذي أعطيتني ما سألتك. وقيل: إنك اتّخذتني خليلا.
﴿قالَ؛﴾ الله تعالى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً؛﴾ وذلك أنّ إبراهيم ﵇ لما مرّ بالجيفة وقد توزّعتها الطيور والسباع والحيتان، تعجّب وقال: يا رب قد علمت بأنك تجمعها من بطون السباع وحواصل الطير وبطون الحيتان، فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك فأزداد يقينا؟ قال الله تعالى له: ﴿(أَوَلَمْ تُؤْمِنْ. قالَ بَلى)﴾ يا رب آمنت وليس الخبر كالمعاينة والمشاهدة.
وقال ابن زيد: (مرّ إبراهيم ﵇ بحوت ميت نصفه في البحر ونصفه في البرّ، فما كان في البحر فدوابّ البحر تأكله، وما كان في البرّ فدوابّ البرّ تأكله، فقال إبليس لعنة الله عليه: يا إبراهيم، متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟! فقال: ﴿(رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى. قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ. قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)﴾ بذهاب وسوسة الشّيطان ويصير الشّيطان خاسئا صاغرا).
وروي أنّ نمرود قال لإبراهيم: أنت تزعم أن ربك يحيي الموتى وتدعوني إلى عبادته، فقل له يحيي الموتى إن كان قادرا، وإلاّ أقتلك. فقال إبراهيم: ﴿(رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى. قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ)﴾ بأني أحييهم، ف ﴿(قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)﴾ بقوة حجّتي ونجاتي من القتل، فإنّ عدوّ الله توعّدني بالقتل إن لم تحيي له ميتا.
وقال ابن عباس وابن جبير والسديّ: (لمّا اتّخذ الله إبراهيم خليلا، سأل ملك الموت ربّه أن يأذن له فيبشّر إبراهيم بذلك، فأذن له، فأتى إلى إبراهيم وقال: يا إبراهيم، جئت أبشّرك بأنّ الله اتّخذك خليلا، فحمد الله تعالى؛ وقال: ما علامة
стр. 454
ذلك؟ قال: أن يجيب الله دعاءك ويحيي الموتى بسؤالك. ثمّ انطلق ملك الموت، فقال إبراهيم: ﴿(رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى. قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ. قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)﴾ أي ليعلم أنّك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك وإنّك اتّخذتني خليلا).
روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [يرحم الله إبراهيم ﵇ نحن أحقّ بالشّكّ منه] (١) يعني إنّما شكّ إبراهيم أيجيبه ربه إلى ما سأل أم لا؟
قوله تعالى: ﴿(فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ)﴾ مختلفة أجناسها وطباعها ليكون أبلغ في القدرة، وخصّ الطير من سائر الحيوان لخاصيّة الطيران. واختلفوا في تلك الأربعة من الطيور؛ فقال ابن عباس: (أخذ طاووسا ونسرا وغرابا وديكا).وقال مجاهد وابن جريج: (أخذ غرابا وديكا وطاووسا وحمامة).وعن أبي هريرة: (أنّه أخذ الطّاوس والدّيك والغرنوق والحمامة).وقال عطاء: (أخذ قطاة خضرا وغرابا أسودا وحمامة بيضاء وديكا أحمر).
قوله تعالى: ﴿(فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ)﴾ قرأ عليّ ﵁ وأبو الأسود والحسن وعكرمة والأعرج وشيبة ونافع وابن كثير وابن عامر وعاصم والكسائيّ وأبو عمرو ويعقوب وأيوب: ﴿(فَصُرْهُنَّ)﴾ بضمّ الصاد، معناه: أملهنّ إليك. يقال: صرت الشيء أصوره؛ أي أملته. ويقال: رجل أصور إذا كان مائل العنق. ويقال: إني إليكم لأصور؛ أي لمائل مشتاق، وامرأة صوراء أي مشتاقة مائلة. قال الشاعر (٢):
الله يعلم أنّا في تلفّتنا ... يوم الفراق إلى جيراننا صور
وقال عطاء والمورج وعطية: (معنى ﴿(فَصُرْهُنَّ)﴾ أي اجمعهنّ واضممهنّ إليك).يقال: صار يصور صورا إذا جمع. قال أبو عبيد وابن الأنباري: (معنى ﴿(فَصُرْهُنَّ)﴾ أي قطّعهنّ ومزّقهنّ، يقال: صار يصير صيرا إذا قطّع؛ وانصار الشّيء
стр. 455
ينصار انصيارا إذا انقطع).وأنشد بعضهم بيتا في اللّغز:
وغلام رأيته صار كلبا ... ثمّ في ساعتين صار غزالا
أي قطع.
وقرأ علقمة وسعيد بن جبير وقتادة ويحيى بن وثّاب والأعمش وخلف:
«(فَصرْهُنَّ)» بكسر الصّاد، معناه قطّعهنّ. قال أبو العباس السرّاج: (هما لغتان للعرب).وعن ابن عباس روايتان؛ إحداهما: «(فَصرْهُنَّ)» مفتوحة الصاد مشدّدة الراء مكسورة من التّصرية وهي الجمع ومنه المصرّاة. والأخرى: ﴿(فَصُرْهُنَّ)﴾ بضم الصاد وفتح الراء والتشديد من الصّرّ وهي في معنى الجمع.
فمن تأوّله على القطع والتمزيق ففيه تقديم وتأخير، تقديره: فخذ أربعة من الطير إليك، فصرّهنّ. ومن تأوّله على الضمّ والإمالة؛ ففيه إضمار معناه: فصرّهنّ إليك ثم قطّعهن، فحذفه واكتفى بقوله: ﴿(ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً)﴾ لأنه يدلّ عليه، وهذا كما قال: خذ هذا الثوب واجعل منه على كلّ رمح علما.
قوله تعالى: ﴿(ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً)﴾ لفظه عامّ ومعناه خاصّ؛ لأنّ ﴿(أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ)﴾ لا تبلغ الجبال كلّها، ولا كان إبراهيم يصل إلى ذلك، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) وقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٢).وقوله: ﴿(جُزْءاً)﴾ قرئ برفع الزاء مثقل بالهمزة مخفّفا وهي لغات.
وقال المفسرون: أمر الله إبراهيم أن يذبح تلك الطيور وينتف ريشها ويقطّعها ويفرّق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها بعضها ببعض، ففعل إبراهيم ذلك، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال. واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال، فقال ابن عباس وقتادة والربيع: (أمر أن يجعل كلّ طائر أربعة أجزاء ثمّ يعمد إلى أربعة أجبل، فيجعل على كلّ جبل ربعا من كلّ طائر، ثمّ يدعوهنّ: تعالين بإذن الله).وهذا مثل ضربه الله لإبراهيم وأراه إيّاه، يقول: كما بعثت الطيور من هذه الجبال الأربعة يبعث الناس يوم القيامة من بقاع الأرض ونواحيها.
стр. 456
وقال ابن جريج والسديّ: (جزّأها سبعة أجزاء ووضعها على سبعة أجبال، وأمسك رءوسهنّ عنده ثمّ دعاهنّ: تعالين بإذن الله، فجعل الرّيش كلّ ريشة تطير إلى الأخرى، وكلّ قطرة من الدّم تطير إلى الأخرى، وكلّ عظم يطير إلى الآخر، وكلّ قطعة تطير إلى الأخرى، وإبراهيم ينظر حتّى التقت كلّ جثّة بعضها إلى بعض حتّى سوّاهنّ الله تعالى. ثمّ جئن يسعين على أرجلهنّ بغير رءوس، فعلّق عليهنّ إبراهيم رءوسهنّ).
واختلفوا في معنى السّعي؛ قال بعضهم: هو الإسراع في المشي. وقال بعضهم:
مشيا على أرجلهن. والحكمة في المشي دون الطيران كونه أبلغ في الحجّة وأبعد من الشبهة؛ لأنّها لو طارت لتوهّم متوهّم أنّها غير تلك الطيور، أو أنّ أرجلها غير سليمة.
قال أبو الحسن الأقطع: (صحّ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: [لكلّ آية ظهر وبطن] (١) فظاهر هذه الآية ما ذكره المفسّرون، وباطنها أنّ إبراهيم أمر بذبح أربعة أشياء في نفسه بسكّين اليأس كما ذبح في الظّاهر الأربعة الطّيور بسكّين الحديد، فالنّسر مثّل لطول العمر والأمل؛ والطّاوس زينة الدّنيا وبهجتها، والغراب الحرص؛ والدّيك الشّهوة).
قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٦٠)؛أي غالب على كلّ شيء لا يمتنع عليه ما يريد؛ ﴿(حَكِيمٌ﴾ فيما يريد لا يفعل إلا ما فيه حكمة، قال بعضهم: كانت هذه القصة قبل أن يولد لإبراهيم ولد؛ وقبل أن تنزل عليه الصّحف، وكان يومئذ ابن خمس وتسعين سنة.
стр. 457
قوله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ؛﴾ وجه اتصال هذه الآية بما قبلها آية أخرى فيما تقدّم ذكر النفقة في الجهاد بقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ (١)،ثم ذكر ما كان من مسألة قوم أشمويل من الله أن يبعث له ملكا يقاتلون معه أعداءهم، وكانت الغلبة لهم مع قلّة عددهم، ثم عقّبه الله تعالى بذكر أمور تدلّ على وحدانيّته، فبيّن أنّ الكفر بعد هذه الآيات أعظم وأشنع، فمن كفر بعد هذا فقاتلوه وأنفقوا في القتال، فإنّ النفقة في القتال تكون بسبعمائة.
وعن ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية والّتي بعدها في شأن عثمان بن عفّان وعبد الرّحمن بن عوف ﵄. أمّا عثمان فجاء إلى النّبيّ ﷺ في غزوة تبوك، فقال: عليّ جهاز من لا جهاز له، وأشتري بئر رومة وأجعلها سبيلا للمسلمين. وأمّا عبد الرّحمن فكان له ثمانية آلاف، فجاء بأربعة آلاف إلى رسول الله ﷺ فقال: إنّ لي ثمانية آلاف؛ أمسكت نصفها لنفسي ولعيالي؛ وأقرضت نصفها لربي وهي هذه. فقال ﷺ : [بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت] وأمر بها رسول الله ﷺ فقبضت منه) (٢).
ومعنى الآية: صفة ﴿(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي)﴾ طاعة الله كصفة (حبّة) ألقيت في الأرض وأخرجت ﴿(سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ)﴾ أي كما تكون الحبّة واحدة والمكتسب منها سبعمائة، فكذلك النفقة تكون واحدة والمكتسب بها سبعمائة ضعف.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ؛﴾ أي كما يضاعف الله في زرع الزّرّاع الحادث من البذر الجيّد في الأرض العامرة، كذلك يضاعف للمرء الصالح
стр. 458
ثواب صدقته بالمال الطيّب إذا وضعه في موضعه. يضاعف لمن يشاء من السّبع إلى السّبعين إلى سبعمائة إلى مائة ألف إلى ما شاء الله من الأضعاف ممّا لا يعلمه إلا هو.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٦١)؛أي غنيّ بتلك الأضعاف (عليم) بمن ينفق. وقيل: معناه: ﴿(وَاللهُ واسِعٌ)﴾ الفضل، جواد لا ينقصه ما يتفضّل به من السّعة والمضاعفة؛ ﴿(عَلِيمٌ)﴾ بمن يستحقّ الزيادة.
والفائدة في تخصيص السبع في الآية ما قالوا: إنّ السّبع أشرف الأعداد كما روي عن ابن عبّاس أنه قال: (كادت الأشياء تكون كلّها سبعا؛ فإنّ السّماوات سبع؛ والأرضون سبع؛ والكواكب السّيّارة سبع؛ والبحار سبعة؛ وأيّام الأسبوع سبعة؛ وسجود العبد على سبعة أعضاء).
وأجمع أهل التفسير إلا السديّ: أنّ العدّة المضاعفة بسبعمائة مختصّة بالإنفاق في الجهاد؛ وأما غير ذلك من الطاعات؛ فالحسنة بعشر أمثالها كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ (١).
قوله : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً؛﴾ نزلت في شأن النفقة التي يستحقّ بها الثواب المضاعف؛ معناه: ﴿(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي)﴾ طاعة الله ﴿(ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا)﴾ على السائل نحو أن يقول للسائل إذا وقع بينه وبينه خصومة: أعطيتك كذا، وأحسنت إليك، وما أشبهه مما يبغض على السائل. وأصله من القطع؛ يقال: مننت الشيء إذا قطعته؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٢) أي غير مقطوع، ويقال: جبل منين؛ أي مقطوع. وقيل: أصل المنّة النعمة، يقال: منّ (يمنّ) إذا أعطى وأنعم، قال الله تعالى:
﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ (٣) أي أعط أو أمسك.
وقال الكلبيّ: (نزلت هذه الآية في عثمان وعبد الرّحمن بن عوف، أمّا عثمان ﵁ فجهّز المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وأحمالها).وروي أن عثمان جاء بألف مثقال في جيش العسرة فصبّها في حجر رسول الله ﷺ ، فكان ﷺ يدخل
стр. 459
يده فيها ويقلّبها ويقول: [ما يضرّ عثمان ماذا عمل بعد اليوم] (١).وقال أبو سعيد الخدري: رأيت رسول الله ﷺ رافعا يديه يدعو لعثمان ويقول: [يا رب، عثمان رضيت عنه فارض عنه] فما زال يدعو رافعا يديه حتّى طلع الفجر، فأنزل الله هذه الآية) (٢).وأما عبد الرحمن بن عوف فقد ذكرنا صدقته.
قوله تعالى: ﴿(وَلا أَذىً)﴾ أي لا يؤذي السائل؛ لا يعيّره ولا يزجره؛ نحو أن يقول: أنت أبدا في فقر وما أبلانا بك، وأراحنا الله منك، وأعطيناك فما شكرت، وما أشبه ذلك. قال ﷺ : [المانّ بما يعطي لا يكلّمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكّيه وله عذاب أليم] (٣) فحظر الله المنّ بالصّنيعة على عباده واختصّ به صفة لنفسه؛ لأنه من العبد تعيير وتكدير؛ ومن الله تعالى إفضال وتذكير. قال بعضهم:
أفسدت بالمنّ ما قدّمت من حسن ... ليس الكريم إذا أعطى بمنّان
قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢٦٢)؛أي ﴿(لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)﴾ فيما يستقبلهم من أهوال يوم القيامة، ﴿(وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)﴾ على ما خلّفوا في الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿*قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً؛﴾ أي كلام حسن وردّ جميل على السائل ولطف به ودعاء له بالسعة؛ وتجاوز عن مظلمة؛ وعدة حسنة ﴿(خَيْرٌ)﴾ عند الله ﴿(مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً)﴾ لأن الصدقة إذا أتبعها الأذى ذهب المال والثواب جميعا. وقال الضحّاك: (معنى الآية: قول في إصلاح ذات البين).
стр. 460
قوله: ﴿(وَمَغْفِرَةٌ)﴾؛قال ابن جرير: (ومعنى ﴿(مَغْفِرَةٌ)﴾ أي ستر منه عليه لما علم من خلّته وفاقته) (١).وقيل: يتجاوز عن السائل إذا استطال عليه عند ردّه؛ علم الله أنّ الفقير إذا ردّ بغير شيء شقّ عليه ذلك، فربّما دعاه ذلك إلى بذاءة اللسان وإظهار الشكوى، وعلم ما يلحق المانع منه فحثّه على العفو والصّفح.
روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [إذا سأل السّائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتّى يفرغ منها، ثمّ ردّوها عليه بوقار ولين وببذل يسير أو ردّ جميل، فإنّه قد يأتيكم من ليس بإنس ولا جانّ ينظر كيف صنعكم فيما خوّلكم الله من النّعم] (٢).
قوله : ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ (٢٦٢)؛أي ﴿(غَنِيٌّ)﴾ عن صدقات العباد، ﴿(حَلِيمٌ)﴾ إذا لم يعجّل بالعقوبة على الذي «منّ» (٣) بصدقته. روى بشر بن الحارث؛ قال: رأيت عليّا ﵁ في المنام، فقلت له: يا أمير المؤمنين، تقول شيئا لعلّ الله ينفع به؟ فقال لي: ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء رغبة في ثواب الله ، وأحسن منه صبر الفقراء عن الأغنياء ثقة بالله .
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛﴾ أي تبطلوا صدقاتكم بذلك كإبطال من ينفق ماله مراءاة وسمعة ليروا نفقته ويقال: إنه سخيّ كريم صالح، يعني بذلك المنافق الذي ينفق ماله لا رغبة في الثواب ولا رهبة من العقاب، بل خوفا من الناس ورياء لهم أنه مؤمن. ﴿فَمَثَلُهُ؛﴾ أي مثل نفقة هذا المنافق المرائي؛ ﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ؛﴾ أي كحجر أملس؛ ﴿عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ؛﴾ أي مطر كثير شديد الوقع فذهب بالتراب الذي كان «على» الحجر، وبقي الحجر يابسا لا شيء عليه.
قوله تعالى: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْداً؛﴾ أي حجرا صلبا أملسا لا يبقى عليه شيء، وهو من الأرض ما لا ينبت، ومن الرءوس ما لا شعر عليه. قال رؤبة: