← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقال ابن جريج والسديّ: (جزّأها سبعة أجزاء ووضعها على سبعة أجبال، وأمسك رءوسهنّ عنده ثمّ دعاهنّ: تعالين بإذن الله، فجعل الرّيش كلّ ريشة تطير إلى الأخرى، وكلّ قطرة من الدّم تطير إلى الأخرى، وكلّ عظم يطير إلى الآخر، وكلّ قطعة تطير إلى الأخرى، وإبراهيم ينظر حتّى التقت كلّ جثّة بعضها إلى بعض حتّى سوّاهنّ الله تعالى. ثمّ جئن يسعين على أرجلهنّ بغير رءوس، فعلّق عليهنّ إبراهيم رءوسهنّ). واختلفوا في معنى السّعي؛ قال بعضهم: هو الإسراع في المشي. وقال بعضهم: مشيا على أرجلهن. والحكمة في المشي دون الطيران كونه أبلغ في الحجّة وأبعد من الشبهة؛ لأنّها لو طارت لتوهّم متوهّم أنّها غير تلك الطيور، أو أنّ أرجلها غير سليمة. قال أبو الحسن الأقطع: (صحّ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: [لكلّ آية ظهر وبطن] (١) فظاهر هذه الآية ما ذكره المفسّرون، وباطنها أنّ إبراهيم أمر بذبح أربعة أشياء في نفسه بسكّين اليأس كما ذبح في الظّاهر الأربعة الطّيور بسكّين الحديد، فالنّسر مثّل لطول العمر والأمل؛ والطّاوس زينة الدّنيا وبهجتها، والغراب الحرص؛ والدّيك الشّهوة). قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٦٠)؛أي غالب على كلّ شيء لا يمتنع عليه ما يريد؛ ﴿(حَكِيمٌ﴾ فيما يريد لا يفعل إلا ما فيه حكمة، قال بعضهم: كانت هذه القصة قبل أن يولد لإبراهيم ولد؛ وقبل أن تنزل عليه الصّحف، وكان يومئذ ابن خمس وتسعين سنة.

стр. 457

قوله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ؛﴾ وجه اتصال هذه الآية بما قبلها آية أخرى فيما تقدّم ذكر النفقة في الجهاد بقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ (١)،ثم ذكر ما كان من مسألة قوم أشمويل من الله أن يبعث له ملكا يقاتلون معه أعداءهم، وكانت الغلبة لهم مع قلّة عددهم، ثم عقّبه الله تعالى بذكر أمور تدلّ على وحدانيّته، فبيّن أنّ الكفر بعد هذه الآيات أعظم وأشنع، فمن كفر بعد هذا فقاتلوه وأنفقوا في القتال، فإنّ النفقة في القتال تكون بسبعمائة. وعن ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية والّتي بعدها في شأن عثمان بن عفّان وعبد الرّحمن بن عوف ﵄. أمّا عثمان فجاء إلى النّبيّ ﷺ في غزوة تبوك، فقال: عليّ جهاز من لا جهاز له، وأشتري بئر رومة وأجعلها سبيلا للمسلمين. وأمّا عبد الرّحمن فكان له ثمانية آلاف، فجاء بأربعة آلاف إلى رسول الله ﷺ فقال: إنّ لي ثمانية آلاف؛ أمسكت نصفها لنفسي ولعيالي؛ وأقرضت نصفها لربي وهي هذه. فقال ﷺ : [بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت] وأمر بها رسول الله ﷺ فقبضت منه) (٢). ومعنى الآية: صفة ﴿(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي)﴾ طاعة الله كصفة (حبّة) ألقيت في الأرض وأخرجت ﴿(سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ)﴾ أي كما تكون الحبّة واحدة والمكتسب منها سبعمائة، فكذلك النفقة تكون واحدة والمكتسب بها سبعمائة ضعف. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ؛﴾ أي كما يضاعف الله في زرع الزّرّاع الحادث من البذر الجيّد في الأرض العامرة، كذلك يضاعف للمرء الصالح

стр. 458

ثواب صدقته بالمال الطيّب إذا وضعه في موضعه. يضاعف لمن يشاء من السّبع إلى السّبعين إلى سبعمائة إلى مائة ألف إلى ما شاء الله من الأضعاف ممّا لا يعلمه إلا هو. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٦١)؛أي غنيّ بتلك الأضعاف (عليم) بمن ينفق. وقيل: معناه: ﴿(وَاللهُ واسِعٌ)﴾ الفضل، جواد لا ينقصه ما يتفضّل به من السّعة والمضاعفة؛ ﴿(عَلِيمٌ)﴾ بمن يستحقّ الزيادة. والفائدة في تخصيص السبع في الآية ما قالوا: إنّ السّبع أشرف الأعداد كما روي عن ابن عبّاس أنه قال: (كادت الأشياء تكون كلّها سبعا؛ فإنّ السّماوات سبع؛ والأرضون سبع؛ والكواكب السّيّارة سبع؛ والبحار سبعة؛ وأيّام الأسبوع سبعة؛ وسجود العبد على سبعة أعضاء). وأجمع أهل التفسير إلا السديّ: أنّ العدّة المضاعفة بسبعمائة مختصّة بالإنفاق في الجهاد؛ وأما غير ذلك من الطاعات؛ فالحسنة بعشر أمثالها كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ (١). قوله : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً؛﴾ نزلت في شأن النفقة التي يستحقّ بها الثواب المضاعف؛ معناه: ﴿(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي)﴾ طاعة الله ﴿(ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا)﴾ على السائل نحو أن يقول للسائل إذا وقع بينه وبينه خصومة: أعطيتك كذا، وأحسنت إليك، وما أشبهه مما يبغض على السائل. وأصله من القطع؛ يقال: مننت الشيء إذا قطعته؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٢) أي غير مقطوع، ويقال: جبل منين؛ أي مقطوع. وقيل: أصل المنّة النعمة، يقال: منّ (يمنّ) إذا أعطى وأنعم، قال الله تعالى: ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ (٣) أي أعط أو أمسك. وقال الكلبيّ: (نزلت هذه الآية في عثمان وعبد الرّحمن بن عوف، أمّا عثمان ﵁ فجهّز المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وأحمالها).وروي أن عثمان جاء بألف مثقال في جيش العسرة فصبّها في حجر رسول الله ﷺ ، فكان ﷺ يدخل

стр. 459

يده فيها ويقلّبها ويقول: [ما يضرّ عثمان ماذا عمل بعد اليوم] (١).وقال أبو سعيد الخدري: رأيت رسول الله ﷺ رافعا يديه يدعو لعثمان ويقول: [يا رب، عثمان رضيت عنه فارض عنه] فما زال يدعو رافعا يديه حتّى طلع الفجر، فأنزل الله هذه الآية) (٢).وأما عبد الرحمن بن عوف فقد ذكرنا صدقته. قوله تعالى: ﴿(وَلا أَذىً)﴾ أي لا يؤذي السائل؛ لا يعيّره ولا يزجره؛ نحو أن يقول: أنت أبدا في فقر وما أبلانا بك، وأراحنا الله منك، وأعطيناك فما شكرت، وما أشبه ذلك. قال ﷺ : [المانّ بما يعطي لا يكلّمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكّيه وله عذاب أليم] (٣) فحظر الله المنّ بالصّنيعة على عباده واختصّ به صفة لنفسه؛ لأنه من العبد تعيير وتكدير؛ ومن الله تعالى إفضال وتذكير. قال بعضهم: أفسدت بالمنّ ما قدّمت من حسن ... ليس الكريم إذا أعطى بمنّان قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢٦٢)؛أي ﴿(لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)﴾ فيما يستقبلهم من أهوال يوم القيامة، ﴿(وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)﴾ على ما خلّفوا في الدّنيا. قوله تعالى: ﴿*قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً؛﴾ أي كلام حسن وردّ جميل على السائل ولطف به ودعاء له بالسعة؛ وتجاوز عن مظلمة؛ وعدة حسنة ﴿(خَيْرٌ)﴾ عند الله ﴿(مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً)﴾ لأن الصدقة إذا أتبعها الأذى ذهب المال والثواب جميعا. وقال الضحّاك: (معنى الآية: قول في إصلاح ذات البين).

стр. 460

قوله: ﴿(وَمَغْفِرَةٌ)﴾؛قال ابن جرير: (ومعنى ﴿(مَغْفِرَةٌ)﴾ أي ستر منه عليه لما علم من خلّته وفاقته) (١).وقيل: يتجاوز عن السائل إذا استطال عليه عند ردّه؛ علم الله أنّ الفقير إذا ردّ بغير شيء شقّ عليه ذلك، فربّما دعاه ذلك إلى بذاءة اللسان وإظهار الشكوى، وعلم ما يلحق المانع منه فحثّه على العفو والصّفح. روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [إذا سأل السّائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتّى يفرغ منها، ثمّ ردّوها عليه بوقار ولين وببذل يسير أو ردّ جميل، فإنّه قد يأتيكم من ليس بإنس ولا جانّ ينظر كيف صنعكم فيما خوّلكم الله من النّعم] (٢). قوله : ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ (٢٦٢)؛أي ﴿(غَنِيٌّ)﴾ عن صدقات العباد، ﴿(حَلِيمٌ)﴾ إذا لم يعجّل بالعقوبة على الذي «منّ» (٣) بصدقته. روى بشر بن الحارث؛ قال: رأيت عليّا ﵁ في المنام، فقلت له: يا أمير المؤمنين، تقول شيئا لعلّ الله ينفع به؟ فقال لي: ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء رغبة في ثواب الله ، وأحسن منه صبر الفقراء عن الأغنياء ثقة بالله . قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛﴾ أي تبطلوا صدقاتكم بذلك كإبطال من ينفق ماله مراءاة وسمعة ليروا نفقته ويقال: إنه سخيّ كريم صالح، يعني بذلك المنافق الذي ينفق ماله لا رغبة في الثواب ولا رهبة من العقاب، بل خوفا من الناس ورياء لهم أنه مؤمن. ﴿فَمَثَلُهُ؛﴾ أي مثل نفقة هذا المنافق المرائي؛ ﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ؛﴾ أي كحجر أملس؛ ﴿عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ؛﴾ أي مطر كثير شديد الوقع فذهب بالتراب الذي كان «على» الحجر، وبقي الحجر يابسا لا شيء عليه. قوله تعالى: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْداً؛﴾ أي حجرا صلبا أملسا لا يبقى عليه شيء، وهو من الأرض ما لا ينبت، ومن الرءوس ما لا شعر عليه. قال رؤبة:

стр. 461

... برّاق أصلاد الجبين الأجله (١) وهذا مثل ضربه الله لنفقة المنافق والمرائي والمؤمن الذي يمنّ بصدقته ويؤذي؛ يعني أنّ الناس يرون أن لهؤلاء أعمالا كما ترى التراب على هذا الصّفوان، وإذا كان يوم القيامة اضمحلّ وبطل؛ لأنه لم يكن لله كما أذهب الوابل ما كان على الصّفوان من التراب، ﴿(فَتَرَكَهُ صَلْداً)﴾ لا شيء عليه. قوله تعالى: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا؛﴾ أي لا يقدر المانّ بنفقته والمؤذي والمنافق على ثواب شيء مما أنفقوا، كما لا يقدر أحد من الخلق على التراب الذي كان على الحجر الأملس بعد ما أذهبه المطر الشديد. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (٢٦٤)؛أي لا يهديهم حتى يخلصوا أعمالهم. وقيل: لا يهديهم بالمثوبة لهم كما يهدي المؤمنين. وأصل الوابل من الوبيل وهو الشديد كما قال تعالى: ﴿أَخْذاً وَبِيلاً﴾ (٢).ويقال: وبلت السّماء تبل؛ إذا اشتدّ مطرها. والصّلد: الحجر الأملس الصلب، ويسمى البخيل صلدا تشبيها له بالحجر في أنه لا يخرج منه شيء. ويقال للأرض التي لا تنبت شيئا: صلدا، وصلد الزّند صلودا إذ لم يور نارا. وفي الآية دلالة على أنّ الصدقة وسائر القرب إذا لم تكن خالصة لله تعالى لا يتعلّق بها الثواب، ويكون فاعلها كمن لا يفعل؛ ولهذا قال أصحابنا: لا يجوز الاستئجار على الحجّ وسائر الأفعال التي من شرطها أن تفعل على وجه القربة؛ لأن أخذ الأجرة عليها يخرجها من أن تكون قربة. ثم ضرب جلّ ذكره لنفقة المخلصين المثيبين مثلا آخر أعلى من المثل الأول فقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ؛﴾ أي

стр. 462

صفة الذين ينفقون أموالهم لطلب رضا الله تصديقا وحقيقة. قال الشعبيّ والكلبي والضحّاك: (يعني تصديقا من أنفسهم، يخرجون الزّكاة طيّبة بها نفوسهم).وقال السديّ وأبو صالح وأبو روق: (معناه ويقينا من أنفسهم؛ أي على يقين بإخلاف الله عليهم).وقال قتادة: (معناه: واحتسابا، وقيل: ثقة بالله).وقال مجاهد: (معناه: يتثبّتون).قال الحسن: (كان الرّجل إذا همّ بصدقة ثبت؛ فإن كان لله أمضاه، وإن خالطه شكّ أمسك).وقال ابن كيسان: (معناه: إخلاصا وتوطّنا لأنفسهم على طاعة الله).وقال سعيد بن جبير: (وتحقيقا في دينهم). قوله: ﴿(كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ)﴾ أي كصفة بستان بمكان مرتفع أصابها مطر كثير شديد، فآتت ثمرتها ضعفين في الحمل. قال عطاء: (حملت في سنة ما يحمل غيرها في سنتين).وقال عكرمة: (حملت في السّنة مرّتين).قال الفرّاء: (إذا كان في البستان نخل فهو جنّة، وإذا كان فيه كرم فهو فردوس). وقرأ مجاهد: ﴿(كَمَثَلِ حَبَّةٍ)﴾ بالحاء والباء. وقرأ السلمي والعطارديّ والحسن وعاصم وابن عامر: ﴿(بِرَبْوَةٍ)﴾ بفتح الراء هنا وفي سورة المؤمنين وهي لغة بني تميم. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وابن كثير والأعمش وحمزة والكسائيّ وأبو عمرو ويعقوب وأيوب: «(بِربْوَةٍ)» بضمّ الراء فيهما، واختاره أبو عبيدة لأنها أكثر اللّغات وأشهرها. وقرأ ابن عباس وأبو إسحاق: «(بِربْوَةٍ)» بكسر الراء. وقرأ أشهب العقيليّ: «(برباوة)» بالألف وكسر الراء. وهنّ جميعا للمكان المرتفع المستوي، والمطر على الرّوابي أشدّ ونبتها أحسن، وإنما سميت ربوة لأنّها ربت وعلت فغلظت، من قوله ربى الشيء يربو إذا عظم. قوله تعالى: ﴿(أُكُلَها)﴾.قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف، وقرأ الباقون بضمّ الكاف. والأكل هو الثمر وهو اسم لما يؤكل. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ؛﴾ أي فطلّ، والطلّ أضعف المطر مثل الرّذاذ وهو المطر الدائم الصّغار القطر لا يكاد يسيل منه الميازيب، كذلك

стр. 463

المنفق لوجه الله إن كانت نفقته كثيرة فثوابها كثير، وإن كانت قليلة شيئا بعد شيء فبعددها. وقال السديّ: (الطّلّ هو النّدى).وروي عن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿(فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ)﴾ قال: (هي أرض مصر إن لم يصبها مطر زكت أي أنبتت، وإن أصابها مطر أضعفت أي آتت ضعف ذلك).وهذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن المخلص، يقول: كما أنّ هذه الجنة تصلح في كلّ حال ولا تخلف ولا تخيّب صاحبها، سواء أقلّ المطر أم كثر، كذلك يضاعف الله ثواب صدقة المؤمن المخلص الذي لا يمنّ ولا يؤذي؛ سواء أقلّت صدقته أو كثرت ولا يخيب بحاله، ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢٦٥)؛أي بصير بما يعملونه من الرياء والإخلاص؛ يجزيكم على قدر نيّاتكم. قوله : ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ؛﴾ الآية، هذا استفهام في الظاهر يقتضي في الحقيقة تقديرا: أي لا يودّ أحدكم كقوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ (١).ومعنى الآية: يتمنّى أحدكم أن يكون له بستان من نخيل وكرم؛ تجري من تحت شجرها ومساكنها وغرفها الأنهار، له في الجنة من ألوان الثمار كلّها، وأصابه الهرم والضعف وله أولاد ضعاف عجزة عن الحيلة، ﴿فَأَصابَها إِعْصارٌ،﴾ يعني تلك الجنة. والإعصار: ريح عاصف تهبّ به من الأرض بالشدة كالعمود إلى نحو السماء، وتسميها العرب الزّوبعة، وسميت إعصارا لأنّها تعلو كثوب عصر. قوله تعالى: ﴿فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ؛﴾ أي الجنة. وهذا مثل ضربه الله لنفقة المنافق والمرائي، تقول عمل هذا المرائي في حسنه كحسن الجنة ينتفع بها كما ينتفع صاحب الجنة، فإذا كبر وضعف فصار له أولاد صغار ضعاف، أصاب جنته إعصار فيه نار، فاحترقت عند ما هو أحوج إليها وضعف عن إصلاحها لكبره وضعف أولاده

стр. 464

عن إصلاحها لصغرهم؛ وعجزه وعجزهم من أن يغرسوا مثلها، لا يردّ عليه شبابه وقوته ليغرس، فيحزن ويغتمّ ويهلك أسفا وتحسّرا على ذلك، فلا هو يجد شيئا يعيشه ولا مع أولاده شيء يعودون به عليه، فبقي هو وأولاده فقراء عجزة متحيرين لا يقدرون على حيلة، فكذلك يبطل الله صدقة هذا المرائي والمنافق والمانّ بصدقته؛ حيث لا يسمع مستغيث لهما ولا توبة ولا إقالة، يحرم أجرها عند أفقر ما يكون إليها، ويرى في القيامة أعماله هباء منثورا، ولا يؤذن له في الرجوع إلى الدنيا ليتصدّق وليكون من الصالحين. قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢٦٦) أي كهذا البيان الذي بيّن الله لكم فيما تقدّم؛ ويبيّن لكم الدلالات والعلامات لكي تتفكّروا فتعتبروا. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿(أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ)﴾ فعل مستقبل، وقوله: ﴿(وَأَصابَهُ الْكِبَرُ)﴾ فعل ماض، فكيف عطف الماضي على المستقبل؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أن (قد) هاهنا مقدّرة؛ المعنى وقد أصابه الكبر، فيكون للحال كما قال في آية أخرى: ﴿وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ﴾ (١) أي قد قدّ. والثّاني: أنّ ﴿(يَوَدُّ)﴾ يقتضي أن يكون في خبره (لو) كما في قوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (٣) ويقتضي أن يكون في أخبره ﴿(أَنْ)﴾ كما في هذه الآية و (لو) للماضي، و (أن) للمستقبل. ثم قد تستعمل (لو) مكان (إن)؛و (ان) مكان (لو) يقام أحدهما مقام الآخر، ويقول الإنسان: أنا أتمنّى لو كان لي ولد، ويقول: أتمنّى إن كان لي ولد. وإذا كان معنى التمنّي قد يقع على الماضي صحّ عطف الماضي عليه. قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ؛﴾ أي أنفقوا من خيار ما كسبتم، وخياره نظيره قوله

стр. 465

تعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ (١).وقال ابن مسعود ومجاهد: (من حلال ما كسبتم من الأموال) دليله: ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ (٢) وقال ﵇: [إنّ الله طيّب لا يحبّ إلاّ الطّيّب، لا يكسب عبد مالا من حرام فيتصدّق به فيقبل منه؛ ولا ينفق فيبارك له فيه، ولا يتركه خلفه إلاّ كان زاده إلى النّار، وإنّ الله لا يمحو السّيّئ بالسّيّئ، ولكن يمحو السّيّئ بالحسن، وإنّ الخبيث لا يمحو الخبيث] (٣). وقوله تعالى: ﴿(وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ)﴾ أي من أعشار الحبوب والثمار. قوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ؛﴾ أي لا تعمدوا إلى الرّديء من أموالكم منه تتصدقون، ولستم بقابضيه وقابليه ﴿(إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ)،﴾ يقول: لو كان لبعضكم على بعض حقّ فجاء بدون حقّه، لم يأخذ منه إلا أن يتغامض له عن بعض حقّه ويتسامح عن عيب فيه، فكيف تعطونه في الصدقة. وقد روي في سبب نزول هذه الآية أنّ النبيّ ﷺ حثّ النّاس على الصّدقة وقال: [إنّ الله في أموالكم حقّا] (٤).فكان يأتي أهل الصّدقة بصدقاتهم فيضعونها في المسجد، فيقسّمها رسول الله ﷺ بينهم، فجاء رجل ذات يوم بعد ما تفرّق عامّة أهل المسجد بعذق من حشف فوضعه في الصّدقة، فلمّا أبصره رسول الله ﷺ قال: [بئس ما صنع صاحب الحشف] فأمر به فعلّق، فجعل كلّ من يراه يقول: بئس ما صنع صاحب الحشف،

стр. 466

فأنزل الله هذه الآية (١). وقال بعضهم: معنى: ﴿(وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ)﴾ أي لا تتصدّقوا بالحرام. فيكون معنى ﴿(إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ)﴾ على هذا التأويل: إلاّ أن تترخّصوا في تناوله إن كان حراما. والإغماض: ترك النظر، يقال في المثل: أغمض في هذا وغمّض؛ أي لا تستقص وكن كأنّك لم تبصر. قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٢٦٧)؛أي ﴿(غَنِيٌّ)﴾ عن صدقاتكم محمود في أفعاله، ولم يأمركم بالصدقة عن عوض ولكن بلاكم بما أمركم، فهو مستحقّ للحمد على ذلك وعلى جميع أمره. وفي الآية إباحة الكسب وإخبار أن فيه ما هو طيّب، قال ﷺ : [والخير عشرة أجزاء أفضلها التّجارة إذا أخذ الحقّ وأعطى الحقّ].وقال ﷺ : [تسعة أعشار الرّزق في التّجارة، ولا يفتقر من التجّار إلاّ تاجر حلاّف] (٢).سئل النّبيّ ﷺ : أيّ كسب الرّزق أفضل؟ قال: [عمل الرّجل بيديه، وكلّ بيع مبرور] (٣).وقال ﷺ : [يا معشر التّجّار، إنّ هذا البيع يحضره اللّغو والكذب، فشوّبوه بالصّدقة] (٤).

стр. 467

قوله : ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ؛﴾ أي الشيطان يعدكم بالفقر فحذف الباء كقول الشاعر (١): أمرتك الخير لكن ما ائتمرت به ... فقد تركت ذا مال وذا نشب (٢) ويقال: وعدته خيرا؛ ووعدته شرّا، وقال الله تعالى في الخير: ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً﴾ (٣) وقال في الشّرّ: ﴿النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤) وإذا لم تذكر الخير والشرّ؛ قلت في الخير: وعدته؛ وفي الشرّ: أوعدته. قال الشاعر: وإنّي إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف ميعادي ومنجز موعدي ومعنى: ﴿(يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ)﴾ أي يخوّفكم الفقر بالنفقة في وجوه البرّ وإنفاق الجيّد من المال، وقوله تعالى: ﴿(وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ)﴾ أي بالبخل ومنع الزكاة، وزعم الكلبيّ أن كلّ فحشاء في القرآن فهو زنا إلا في هذه الآية، وإنما سمي منع الزكاة فحشاء؛ لأن العرب تسمي البخيل فاحشا؛ والبخل فحشاء. والفقر: سوء الحال وقلة ذات اليد، وفيه لغتان: الفقر والفقر، كالضّعف والضّعف. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً؛﴾ أي ﴿(مَغْفِرَةً)﴾ لذنوبكم بالإنفاق من خيار الأموال، ﴿(وَفَضْلاً)﴾ أي خلفا في الدّنيا والآخرة، ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٦٨)؛يوسع الرزق والخلف والمثوبة، ويعلم حيث ينبغي أن تكون السّعة، قال ابن عباس وابن مسعود: (ثنتان من الله وثنتان من الشّيطان؛ فمن الله

стр. 468

المغفرة والفضل، ومن الشّيطان الفقر والفحشاء) (١).ووعد الشيطان وساوس وتخيّل؛ أي يخيّل إليك أنّك إن أمسكت مالك استغنيت، وإن تصدقت به افتقرت. قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ؛﴾ اختلفوا في تفسير الحكمة؛ قال ابن مسعود: (هي القرآن).وقال ابن عباس وقتادة: (علم ناسخ القرآن ومنسوخه؛ ومحكمه ومتشابهه؛ ومقدّمه ومؤخّره؛ وحلاله وحرامه؛ وأمثاله؛ وغيره) (٢).وقال السديّ: (هي النّبوّة) (٣).وقال أبو العالية: (هي الفقه) (٤).وقال مجاهد وإبراهيم: (هي الإصابة والفهم) (٥).وقال الربيع (٦): (هي خشية الله تعالى) (٧).وقال سهل بن عبد الله: (هي السّنّة).وقيل: هي سرعة الجواب مع إصابة الصواب، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً؛﴾ أي من يعط العلم فقد أعطي خيرا كثيرا يصل به إلى رحمة الله تعالى. قال بعض الحكماء: سمّى الله العلم خيرا كثيرا، والدنيا متاعا قليلا، فينبغي لمن أوتي العلم أن يعرف قدر نفسه ولا يتواضع لأصحاب الدنيا لدنياهم. وقال الحسن: (ومن يؤت الحكمة؛ يعني الورع في دين الله). قرأ الربيع: «(تؤتي الحكمة ومن يؤت الحكمة)» بالتاء، وقرأ يعقوب: «(ومن يؤت الحكمة)» بكسر التاء، أراد ومن يؤته الله؛ فحذف الهاء. قوله تعالى: ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٢٦٩)؛وما يتّعظ إلا ذوو العقول؛ واللّبّ من العقل ما صفي عن دواعي الهوى، وسمّي العقل لبّا لأنه أنفس ما في الإنسان كما أن لبّ الثمرة أنفس ما فيها.

стр. 469

قوله : ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ؛﴾ أي ما تصدّقتم به من صدقة أو أوجبتموه على أنفسكم من فعل برّ مثل صلاة أو صدقة أو صوم، فإنّ الله لا يخفى عليه ذلك ويقبله ويجازي عليه. ويقال: معنى ﴿(فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ)﴾ أي يحفظه، وإنّما قال: ﴿(يَعْلَمُهُ)﴾ ولم يقل يعلمها؛ لأنه ردّه إلى الآخر منهما كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾ (١).وإن شئت حملته على (ما) التي قبله كقوله تعالى: ﴿وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ (٢) ولم يقل: بهما. قوله تعالى: ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ (٢٧٠)؛أي وما للواضعين النفقة والنّذر في غير موضعهما بالرّياء والمعصية ونحوهما (من) اعوان يدفعون عنهم العذاب. والأنصار: جمع نصير مثل جنيب وأجناب وشريف وأشراف. قوله : ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ؛﴾ وذلك أنّهم قالوا: يا رسول الله، من أفضل؛ صدقة السّرّ أو صدقة العلانية؟ فأنزل الله هذه الآية (٣). ومعناها: إن تظهروا الصدقات وتعلنوها؛ فنعمّا الشيء صدقة العلانية. وأصل ﴿(فَنِعِمّا هِيَ)﴾:فنعما ما هي؛ فوصلت وأدغمت. وكان الحسن يقرأ: «(فنعما ما هي)» مفصولة عن الأصل؛ أي نعمت الخصلة. و (ما) في موضع الرفع و (هي) في محلّ النصب كما يقول: نعمّا الرجل رجلا، فإذا عرّفت رفعت وقلت: نعم الرّجل زيد.

стр. 470

وقرأ أبو جعفر ونافع وشيبة وعاصم وأبو عمرو بكسر النون وجزم العين، ومثله في سورة النساء، واختاره أبو عبيدة وذلك أنّها لغة النبيّ ﷺ حين قال لعمرو بن العاص: [نعم المال الصّالح للرّجل الصّالح] (١). وقرأ ابن عامر ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وخلف بفتح النون وكسر العين. وقرأ طلحة وابن كثير وورش وحفص ويعقوب وأيوب بكسر النون والعين. وهي لغات صحيحة. قوله : ﴿وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ؛﴾ أي وإن تسرّوها وتعطوها الفقراء سرّا فهو خير لكم وأفضل من العلانية، وكلاهما مقبول منكم إذا كانت النية صادقة، ولكن صدقة السرّ أفضل، قال ﷺ : [صدقة السّرّ تطفئ غضب الرّب، وتطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النّار، وتدفع سبعين بابا من البلاء] (٢). وقال ﷺ : [سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه: الإمام العادل، وشابّ نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلّق بالمسجد، ورجلان تحابّا في الله؛ فاجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال؛ فقال: إنّي أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه] (٣). قال أهل المعاني: هذه الآية في صدقة التطوع، ولإجماع العلماء أنّ الزكاة المفروضة إعلانها أفضل كالصلاة المفروضة في الجماعة أفضل من إفرادها، وكذلك

стр. 471

سائر الفرائض؛ لمعنيين؛ أحدهما: ليقتدي به الناس، والثاني: لزوال التهمة؛ لئلاّ يسيء به الناس الظنّ، ولا رياء في الفرض. وأما النوافل والفضائل فإخفاؤها أفضل لبعدها عن الرياء، يدلّ على صحّة هذا التأويل ما روي عن أبي جعفر في قوله تعالى: ﴿(إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ)﴾ قال: (يعني الزّكاة المفروضة وقوله تعالى: ﴿(وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ)﴾ يعني التّطوّع) (١).وعن ابن عباس أنه قال: (جعل الله صدقة التّطوّع في السّرّ تفضل علانيتها بسبعين ضعفا، وصدقة الفريضة تفضل علانيتها سرّها بخمس وعشرين ضعفا) (٢).وقال ﷺ : [المسرّ بالقرآن كالمسرّ بالصّدقة، والجاهر بالقرآن كالجاهر بالصّدقة] (٣).وذهب الحسن وقتادة إلى أن الإخفاء في كلّ صدقة أفضل؛ مفروضة كانت أم تطوّعا. قوله : ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ؛﴾ قرأ ابن عباس وعكرمة: «(وتكفّر)» بالتاء؛ يعني الصدقات. وقرأ الحسن وابن عامر وحفص: «(ويكفر)» بالياء والرفع على معنى ويكفّر الله. وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو بالنون ورفع الراء على الاستئناف؛ أي ونحن نكفّر. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع والأعمش وحمزة والكسائيّ بالنون والجزم عطفا على موضع الفاء التي في قوله: ﴿(فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)﴾ لأنّ موضعها جزم بالجزاء. وقوله تعالى: ﴿(مِنْ سَيِّئاتِكُمْ)﴾ أدخل (من) للتبعيض؛ ليكون العباد فيها على وجل فلا يتّكلوا. وقال نحاة البصرة: معناه الإسقاط؛ أي ويكفّر عنكم سيّئاتكم. قوله : ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢٧١)؛أي بما تعملون من الصدقة عالم يجزيكم به.

стр. 472

قوله : ﴿*لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ؛﴾ قال ابن عباس والكلبيّ: (اعتمر رسول الله ﷺ عمرة القضاء، وكانت معه في تلك العمرة أسماء بنت أبي بكر الصّدّيق ﵁، فجاءتها أمّها قتيلة وجدّها أبو قحافة يسألونها الصّلة والعطيّة، فقالت: لا أعطيكم شيئا حتّى أستأذن رسول الله ﷺ ؛ فإنّكم لستم على دين؛ فاستأذنته في ذلك، فنزلت هذه الآية، فأمرها رسول الله ﷺ بالتّصدّق عليهما) (١).وقال محمد بن الحنفيّة: (كان يكبر على المسلمين التّصدّق على اليهود والنّصارى، فأمروا بذلك في غير فريضة). ومعنى الآية: ليس عليك يا محمد تحصيل الهدى لهم بأن تمنعهم من الصدقة لتحملهم على الإيمان، ولكنّ الله يثبت ويرشد ويوفّق للخير من يشاء. وروي أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ رأى رجلا من أهل الذّمّة يسأل على أبواب المسلمين، فقال: (ما أنصفناك؛ أخذنا منك الجزية وأنت شابّ؛ ثمّ ضيّعناك اليوم) فأمر أن يجري عليه قوته من بيت المال (٢). قوله تعالى: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ؛﴾ أي ما تنفقوا من مال على برّ أو فاجر فلأنفسكم ثوابه ونفعه عائد إليكم، ﴿وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ؛﴾ أي علم الله أنكم لا تريدون بنفقتكم إلا طلب مرضاة الله وإن كان المتصدّق عليه كافرا. قوله تعالى: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ (٢٧٢) أي ما تتصدّقوا به من مال يوفّ إليكم ثوابه في الآخرة، ﴿(وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ)﴾ أي لا تنقصون شيئا من ثواب أعمالكم وصدقاتكم.

стр. 473

وظاهر الآية يقتضي جواز دفع الصدقات إلى الكفّار إلاّ أنّ النّبيّ ﷺ خصّ منها الزّكاة؛ فقال: [أمرت أن آخذ الصّدقة من أغنيائكم وأردّها على فقرائكم] (١). قوله : ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ؛﴾ قيل: معناه: ما أنفقتم من نفقة للفقراء، وقيل: معناه: عليكم بالنفقة للفقراء الذين حبسوا في طاعة الله؛ أي أحصرهم فرض الجهاد فمنعهم من التصرّف والسير لطلب المعاش، وهؤلاء أصحاب الصّفّة حبسوا أنفسهم لطلب العلم؛ وفضل الجمعة؛ وخدمة رسول الله ﷺ ، وكانوا نحوا من أربعمائة رجل لم يكن لهم مساكن ولا عشائر؛ كانوا معتكفين في المسجد في صفّته؛ قالوا: نخرج في كلّ سريّة يبعثها رسول الله ﷺ في سبيل الله، فحثّ الله على الصدقة عليهم، فكان الرجل إذا بقي عنده فضل أتاهم به (٢). وقوله تعالى: ﴿(لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ)﴾ الضرب في اللغة: السّير، يعني لا يستطيعون سيرا في الأرض للتجارة وطلب المعيشة، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٤).وقال الشاعر: لحفظ المال أيسر من فنائه ... وضرب في البلاد بغير زاد وقال ابن زيد: (من كثرة ما جاهدوا لا يستطيعون ضربا في الأرض، فصارت الأرض كلّها حربا عليهم؛ لا يتوجّهون فيها جهة إلاّ ولهم فيها عدوّ) (٥).وكان السديّ يقول: (معنى ﴿(أُحْصِرُوا)﴾ أي منعهم الكفّار بالخوف منهم؛ فلا يستطيعون

стр. 474

تفرّقا في الأرض لمنع الكفّار إيّاهم عن ذلك) (١).وقيل: هذا لا يصحّ؛ لأنه لو كان كذلك لقال: حصروا، بغير ألف. وقال سعيد بن جبير: (هؤلاء قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله ﷺ ؛ فصاروا زمنا وأحصرهم المرض والزّمانة عن الضّرب في الأرض) (٢).فاختار الكسائيّ هذا القول لأنه يقال: أحصروا من المرض والزّمانة عن الضرب في الأرض، ولو أراد الحبس قال: حصروا، وإنّما الإحصار من الخوف أو المرض، والحصر: الحبس في غيرهما. قوله تعالى: ﴿(يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ)﴾ قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة وابن عامر والأعمش وعاصم وحمزة: «(يَحْسَبُهُمُ)» بفتح السين في جميع القرآن، والباقون بالكسر. ومعنى الآية: يظنّهم الجاهل بأمرهم وشأنهم أغنياء من التعفّف عن السؤال؛ لتجمّلهم باللباس وكفّهم عن المسألة. والتعفّف يذكر ويراد به ترك المسألة كما قال ﷺ : [من استغنى أغناه الله تعالى، ومن استعفّ أعفّه الله] (٣). قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ؛﴾ أي تعرفهم أنت يا محمد بعلامة فقرهم ورثاثة حالهم. وقيل: بتخشّعهم وتواضعهم. وقيل: بصفرة ألوانهم من الجوع وقيام الليل وصيام النهار. وقيل: بفرحهم واستقامة حالهم عند توارد البلاء عليهم. قوله تعالى: ﴿لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً؛﴾ قال عطاء: (إذا كان عنده غداء لا يسأل عشاء، وإن كان عنده عشاء لا يسأل غداء).وقال أهل المعاني: ﴿(لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً)﴾ ولا غير إلحاف؛ أي ليس لهم سؤال فيكون إلحافا، والإلحاف: الإلحاح، دليل هذا القول قوله تعالى: ﴿(يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ﴾

стр. 475

﴿التَّعَفُّفِ)﴾ أي من القناعة، ولو كانوا يسألون لكان يعرفهم بالسؤال لا بالسيماء. وإنّما يسمى الملحّ في السؤال ملحفا؛ لأنه يلصق بالمسئول ويشتمل على وجود الطلب في المسألة كاشتمال اللّحاف. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده، ويكره البؤس والتّباؤس، ويحبّ الحليم المتعفّف، ويبغض الفاحش البذيء السّائل الملحف] (١).وقال ﷺ : [من سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة كدوحا أو خموشا أو خدوشا في وجهه] قيل: وما غناؤه؟ قال: [خمسون درهما] (٢). قوله تعالى: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٢٧٣)؛ أي ما يتصدّقوا به من مال، ﴿(فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ)﴾ يجزيكم به. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢٧٤)؛ قال ابن عباس ومقاتل: (نزلت هذه الآية في عليّ ﵁؛ كانت له أربعة دراهم لم يملك غيرها؛ فتصدّق بدرهم ليلا؛ وبدرهم نهارا؛ وبدرهم سرّا؛ وبدرهم علانية، فنزلت هذه الآية) (٣). وعن ابن عباس قال: (لمّا نزل قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ بعث عبد الرّحمن بن عوف بدنانير كثيرة إلى أصحاب الصّفّة حتّى أغناهم؛ وبعث عليّ بن أبي طالب ﵁ في جوف اللّيل بوسق من التّمر-والوسق ستّون صاعا فكان أحبّ الصّدقتين إلى الله تعالى صدقة عليّ ﵁ ونزل فيها قوله تعالى:

стр. 476

﴿(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً)﴾ أراد باللّيل سرّا صدقة عليّ ﵁، وبالنّهار علانية صدقة عبد الرّحمن بن عوف ﵁. وروي أيضا عن ابن عباس في هذه الآية ﴿(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ)﴾:يعني في علف الخيل المرتبطة في سبيل الله. وكان أبو هريرة إذا مرّ بفرس سمين تلا هذه الآية؛ فإذا مرّ بفرس أعجف سكت. وعن رسول الله ﷺ أنّه قال: [من ارتبط فرسا في سبيل الله وأنفق عليه احتسابا؛ كان شبعه وجوعه وريّه وظمؤه وبوله وروثه في ميزانه يوم القيامة] (١).وقال ﷺ : [المنفق في سبيل الله على فرسه كالباسط كفّيه بالصّرّة] (٢). قوله تعالى: ﴿(فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ)﴾ قال الأخفش وقطرب: (جعل الخبر بالفاء؛ لأنّه في معنى (من)،وجواب (من) بالفاء؛ كأنّه قال: من أنفق كذا فله أجره عند ربه).وقوله تعالى: ﴿(وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)﴾ قد تقدّم تفسيره. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ؛﴾ معناه: ﴿(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا)﴾ في الدنيا ﴿(لا يَقُومُونَ)﴾ في الآخرة من قبورهم لعظم بطونهم، ﴿(إِلاّ كَما يَقُومُ)﴾ في الدنيا الذي يضربه ويصيبه ﴿(الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ)﴾ أي من الجنون. روي أنّهم يبعثون يوم القيامة وقد انتفخت بطونهم كلّما قاموا سقطوا والناس يمشون عليهم وهم كالمجانين. قال الحسن: (هذه علامة أكل الرّبا؛ يعرفون بها يوم القيامة). قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا؛﴾ ومعناه: كان الرجل إذا حلّ ماله بعد الأجل طلبه؛ فيقول المطلوب: زدني في الأجل وأزيدك

стр. 477

في مالك. فيفعلان ذلك؛ فإذا قيل لهم: إن هذا ربا؛ قالوا: هما سواء؛ والزيادة في آخر البيع بعد الأجل كالزيادة في أوّل البيع إذا بعت بالنسيئة سواء. وليس الأمر كما توهّموا؛ لأن الزيادة في الثمن في آخر البيع لأجل الإبعاد في الأجل بعد ما صار الثمن دينا في الذمة يكون عوضا عن الأجل؛ والاعتياض عن الأجل باطل، وأما الزيادة في الثمن في أصل العقد فتكون مقابلة للبيع، ويجوز بيع المبيع بثمن قليل وثمن كثير. قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا؛﴾ أي أحلّ الزيادة في أول البيع وحرّم الزيادة في آخره؛ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ؛﴾ أي فمن جاءه زجر من ربه ونهي عن الرّبا فانتهى فله ما مضى من أكله الرّبا قبل النهي؛ أي لا إثم عليه في ذلك، وأمره فيما بقي من عمره إلى الله؛ إن شاء عصمه وإن شاء لم يعصمه. وقيل: معناه: ﴿(فَلَهُ ما سَلَفَ)﴾ أي له ما أخذ من الربا قبل التحريم، ﴿(وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ)﴾ في المستأنف في العفو والتجاوز. وإنّما لم يقل: فمن جاءته موعظة من ربه؛ لأن تأنيث الموعظة ليس بحقيقيّ، فيجوز تذكيره ويجوز أن ينصرف إلى المعنى، كأنه قال: فمن جاءه وعظ ونهي من ربه عن الرّبا. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٧٥) أي من عاد إلى أكل الربا ﴿(فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها)﴾ دائمون إلى ما شاء الله. وقيل: معناه: من عاد بعد النهي إلى قوله إنّما البيع مثل الربا؛ فأولئك أهل النار هم فيها مقيمون؛ لأن مستحلّ الربا كافر لإنكاره آية من كتاب الله تعالى. وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: [سيأتي على النّاس زمان لا يبقى أحد إلاّ أكل الرّبا، وإن لم يأكله أصابه من غباره] (١).وعن عبد الله بن مسعود قال: (آكل الرّبا ومؤكله وكاتبه وشاهده إذا علموا به؛ ملعونون على لسان محمّد ﷺ

стр. 478

إلى يوم القيامة) (١).وقال ﷺ : [الرّبا بضع وسبعون بابا؛ أدناها كإتيان الرّجل أمّه] (٢). والخبط في اللغة هو الضرب على غير استواء؛ يقال: خبط البعير إذا ضرب بيده. والمسّ: الجنون، يقال: رجل ممسوس؛ أي مجنون. قوله : ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ؛﴾ معناه: يهلك الله الربا ويذهب ببركته. والمحق: نقصان الشيء حالا بعد حال، ويقال: إنّ الربا ينقص حالا بعد حال إلى أن يتلف كلّه. قوله: ﴿(وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ)﴾ أي يقبلها ويعطي خلفها في الدنيا، ويضاعف ثوابه في الآخرة واحدة إلى عشر إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ما شاء الله من الأضعاف. كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [إنّ الله يقبل الصّدقات ولا يقبل منها إلاّ الطّيّبة، ويربيها لصاحبها كما يربي أحدكم مهره وفصيله حتّى أنّ اللّقمة تصير مثل أحد] (٣). قوله تعالى: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٢٧٦)؛أي يبغض كلّ جاحد تحريم الربا؛ فاجر عاص بأكله واستحلاله. وإنّما قال: ﴿(كَفّارٍ)﴾ ولم يقل: كافر؛ ليبيّن أن مستحلّ الربا مع كونه كافرا كفّار للنعمة. والأثيم: المادي في الإثم، والآثم: الفاعل للإثم. قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢٧٧)؛

стр. 479

معناه: ﴿(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا)﴾ بالله وكتبه ورسله وتحريم الربا ﴿(وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ)﴾ فيما بينهم وبين ربهم، وأتمّوا الصلوات الخمس، وأعطوا الزكاة المفروضة من أموالهم، فلهم جزاؤهم وثوابهم في الآخرة ﴿(عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)﴾ إذا ذبح الموت ﴿(وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)﴾ إذا أطبقت النار على أهلها. قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢٧٨)؛قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في نفر من ثقيف ابن مسعود وحبيب وربيعة وعبد ياليل بني عمرو بن عمير الثّقفيّ، كانت لهم ديون على بني المغيرة؛ وكان بنو المغيرة يربوهم، فلمّا ظهر النّبيّ ﷺ على أهل مكّة وضع الرّبا كلّه، وكان أهل الطّائف قد صالحوا على أنّ لهم رباهم من النّاس يأخذونه، وما كان عليهم من ربا النّاس فهو موضوع عنهم لا يؤخذ منهم، فقال ﷺ : [أكتب في آخر كتابهم: أنّ لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم].فلمّا حلّ الأجل طلبت ثقيف من بني المغيرة رباهم؛ فقالت بنو المغيرة: ما بالنا نكون أشقى النّاس؛ وضع الرّبا عن النّاس كلّهم ويؤخذ منّا خاصّة! فقالت لهم ثقيف: إنّا صالحنا على ذلك، فاختصموا إلى أمين مكّة وهو عتّاب بن أسيد، فلم يدر ماذا يقضي بينهم، فكتب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة، فأنزل الله هذه الآية خطابا لثقيف) (١). ومعناها: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)﴾ اخشوا الله واتركوا ﴿(ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا)﴾ فإنه لم يبق غير رباكم ﴿(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)﴾ أي مصدّقين بتحريم الرّبا فهذا حكمه. قوله : ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ؛﴾ أي إن لم تقبلوا أمر الله ولم تقرّوا بتحريم الربا ولم تتركوه، فاعلموا أنكم كفّار يحاربكم الله ورسوله؛ أي يعذّبكم الله في الآخرة بالنار؛ ويعذّبكم رسوله في الدنيا بالسّيف. والإذن: الإعلام، ومن قرأ ﴿(فَأْذَنُوا)﴾ أي فأعلموا أصحابكم المتمسكين بمثل ما أنتم عليه: أنّ من عامل بالربا مستحلا له حاربهم الله ورسوله.

стр. 480

وقيل: معنى الآية: فإن لم تتركوا ما بقي من الربا بعد نزول الأمر بتركه ﴿(فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ)﴾. ومثل هذا اللفظ لا يوجب الإكفار؛ لأن لفظ محاربة الله ورسوله يطلق على ما دون الكفر كما في آية قطّاع الطريق. وهذا الحكم في آية الربا إنّما هو مستقيم إذا اجتمع أهل بلدة لهم منعة وقوّة على المعاملة بالربا وكانوا محرّمين له، فإن الإمام يستتيبهم؛ فإن تابوا وإلا قاتلهم. وأما إذا عامل واحد أو جماعة قليل عددهم معاملة الربا، فإن الإمام يستتيبهم؛ فإن تابوا وإلا زجرهم وحبسهم إلى أن يظهروا توبتهم. وقد روي عن ابن عباس وقتادة والربيع فيمن أربا: (أنّ الإمام يستتيبه، فإن تاب وإلاّ قتله) (١).فهذا محمول على أن يفعله مستحلا له؛ لأنه لا خلاف بين العلماء أنه ليس بكافر إذا اعتقد تحريمه. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ (٢٧٩)؛أي فإن رجعتم عن استحلال الربا وأقررتم بتحريمه. ويقال: إن تبتم عن معاملة الربا ﴿(فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ)﴾ التي أسلفتموها بني المغيرة، ﴿(لا تَظْلِمُونَ)﴾ بطلب الزيادة على رأس المال، ﴿(وَلا تُظْلَمُونَ)﴾ بحبس رأس المال عنكم. قال ابن عباس: (فلمّا نزلت هاتان الآيتان، كتب بهما رسول الله ﷺ إلى عتّاب، فقرأهما على ثقيف فقالوا: بلى، نتوب إلى الله فإنّه لإيذان لنا بحرب الله ورسوله، ثمّ طلبوا رءوس أموالهم من بني المغيرة، فقالت بنو المغيرة: نحن اليوم أهل عسر وأخّرونا إلى أن تدرك الثّمار، فأبوا أن يؤخّروهم، فنزل قوله : ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ؛﴾ أي إن كان المطلوب ذا ضيق وشدّة؛ فتأخيره إلى سعة ويسار (٢).

стр. 481

وروي عن ابن عباس وشريح وإبراهيم: (أنّ الإنظار إنّما يجب في الدّين، يعني دين الرّبا خاصّة) (١).وكان شريح يحبس المعسر في غيره من الديون (٢).وعن أبي هريرة والحسن والضحّاك: (أنّ ذلك واجب في كلّ دين) وهذا هو الأصحّ (٣)؛لأنّ نزول الآية في رأس مال الربا لا يمنع اعتبار سائر الديون بها بالاستدلال والقياس. وذهب بعض النحويّين: إلى أن الرفع في قوله ﴿(ذُو عُسْرَةٍ)﴾ دليل على أنه ابتداء على معنى: وإن وقع ذو عسرة، أو وجد ذو عسرة، ولو كان مختصّا هذا بالربا لقال: وإن كان ذا عسرة، بالنصب. ويحتمل أن يكون تقدير الرفع ﴿(وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ)﴾ غريما لكم. ومن قرأ «(ميسرة)» بضمّ السين، فهي لغة. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من أنظر معسرا أو وضع له أظلّه الله في ظلّ عرشه يوم القيامة يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه] (٤).وقال ﷺ : [من أحبّ أن تستجاب دعوته وتنكشف كربته؛ فلييسّر على المعسر] (٥).وعن أبي بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : [من أنظر معسرا كان له بكلّ يوم صدقة] (٦). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من أدان دينا وهو ينوي أن لا يؤدّيه فهو سارق] (٧).وعن أبي قتادة: أنّ رجلا أتي به إلى النّبيّ ﷺ ليصلّي عليه؛

стр. 482

فقال: [هل عليه دين؟] قالوا: نعم، فتأخّر وقال: [صلّوا على صاحبكم].قال أبو قتادة: أنا أكفل به، فقال ﷺ : [بالوفاء؟] قال: بالوفاء، فصلّى عليه وكان عليه ثمانية عشر درهما أو تسعة عشر درهما (١). وعن أبي موسى الأشعريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [ما من خطيئة أعظم عند الله بعد الكبائر من أن يموت الرّجل وعليه أموال النّاس دينا في عنقه، لا يوجد لها قضاء] (٢). قوله : ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢٨٠)؛ أي وإن تصدّقوا من رأس المال فهو أفضل ﴿(إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)﴾ ثواب من أنظر معسرا أو وضع عنه. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ؛﴾ هذا تحذير من الله أن يوافي العباد ذلك اليوم على غرّة وغفلة وتقصير في أوامر الله ومخالفته فيما أحلّ الله وحرّم، يقول: اخشوا عذاب يوم ترجعون فيه إلى جزاء الله. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٢٨١)؛ أي توفّى كلّ نفس جزاء ما عملت من خير أو شرّ، ﴿(وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)﴾ أي لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد في سيئاتهم. قرأ أبو عمرو ويعقوب: «(ترْجَعُونَ)» بفتح التاء، واعتبره بقراءة أبيّ «(واتّقوا يوما تصيرون فيه إلى الله)».وقرأ الباقون ﴿(تُرْجَعُونَ)﴾ بضمّ التاء، اعتبارا بقراءة عبد الله: «(واتّقوا يوما تردّون فيه إلى الله)».

стр. 483

قال ابن عباس: (هذه آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ ، وذلك أنّه لمّا حجّ البيت نزل عليه جبريل ﵇ وهو واقف بعرفة بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية (١)،ثمّ نزل بعد ذلك هذه الآية ﴿(وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ)﴾. قال (٢):يا رسول الله، ضعها على رأس ثمانين ومائتي آية من سورة البقرة (٣)،فقبض رسول الله ﷺ بعد هذه الآية بتسعة أيّام) (٤). قال المفسرون: لمّا نزل على رسول الله ﷺ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٥) قال: [يا ليتني أعلم متى ذلك] فأنزل الله هذه الآية ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٦)،قال: [أما إنّ نفسي نعيت إليّ] ثم بكى بكاء شديدا، فقيل له: يا رسول الله، أتبكي من الموت وقد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟! فقال: [وأين خوف المطلع، وأين ضيق القبر وظلمة اللّحد، وأين القيامة والأهوال] فعاش رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية عاما؛ ثم نزل قوله: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (٧) فعاش رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية عامها بستة أشهر. ثم لمّا خرج رسول الله ﷺ إلى حجّة الوداع نزل عليه في الطريق ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ إلى آخرها (٨)،ثم نزل بعدها وهو واقف بعرفة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية، فعاش بعدها إحدى وثمانين ليلة، ثم نزل بعدها آيات

стр. 484

الرّبا. ثم نزل بعد ذلك ﴿(وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ)﴾ وهي آخر آية نزلت، فعاش رسول الله ﷺ بعدها إحدى وعشرين ليلة، قال ابن جريج: (تسع ليال).وقال ابن جبير ومقاتل: (سبع ليال).ثم مات يوم الاثنين لليلتين مضت من شهر ربيع الأول حين زاغت الشمس سنة إحدى عشرة من الهجرة (١). قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ؛﴾ قال ابن عباس: (لمّا حرّم الرّبا أباح السّلم) وظاهر الآية على كلّ دين من سلم وغيره. ومعنى الآية: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا)﴾ تبايعتم بالنّسيئة إلى وقت معلوم فاكتبوا الدّين بأجله وأشهدوا عليه كيلا تحدّث نفس أحدكم بالطمع في حقّ صاحبه، ولا يقع شكّ في مقداره ولا جحود ولا نسيان. والدّين: ما كان مؤجّلا، والعين: ما كان حاضرا. واختلفوا في هذه الكتابة أنّها فرض أو ندب؟ فذهب أبو سعيد الخدري والحسن والشعبيّ: (أنّ الكتابة والإشهاد على الدّيون الآجلة كانا واجبين بهذه الآية، ثمّ نسخا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾) (٢).وقال ابن عباس: (لا والله، إنّ آية الدّين محكمة ما فيها نسخ).وهو قول الربيع وكعب، وهذا هو الأصحّ؛ لأن الأمر بالكتابة والإشهاد إنّما ورد مقرونا بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً،﴾ ويستحيل ورود الناسخ والمنسوخ معا في شيء واحد، فكأنّ المراد بالأمر الندب. والفائدة في قوله: ﴿(إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى)﴾ بيان إعلام وجوب الأجل؛ فإن جهالة الأجل في المباعات تفسدها. وقال بعضهم: إن الكتابة فرض واجب.

стр. 485

وقال ابن جريج: (من أدان دينا فليكتب، ومن باع فليشهد) (١).يدلّ عليه ما روي أنّ النبيّ ﷺ قال: [ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل كان له دين فلم يشهد، ورجل أعطى سفيها مالا وقد قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ﴾ (٢)، ورجل كانت عنده امرأة سيّئة الخلق فلم يطلّقها] (٣). وقال قوم: هو مستحبّ؛ وإن كتب فحسن وإن ترك فلا بأس، كقوله تعالى: ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ (٥). قوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ؛﴾ قرأ الحسن: «(وليكتب)» بكسر اللام وهذه لام الأمر، وهي إذا كانت مفردة «سكّنت» طلبا للخفّة، ومنهم من يكسرها فليس فيها إلا الحركة، وإذا كان قبلها (واو) أو (فاء) أو (ثمّ) فأكثر العرب على تسكينها طلبا للخفّة. ومنهم من يكسرها على الأصل. ومعنى هذه الآية: وليكتب كاتب بين البائع والمشتري؛ والطالب والمطلوب بالحقّ والإنصاف، فلا يزاد فيه ولا ينقص منه، ولا يقدّم الأجل ولا يؤخّره. قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ؛﴾ أي لا يمتنع أن يكتب كما ألهمه الله شكرا لما أنعم عليه حيث علّمه الكتابة وأحوج غيره إليه؛ ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾. واختلفوا في وجوب الكتابة على الكاتب؛ والشهادة على الشاهد؛ فقال مجاهد والربيع: (واجب على الكاتب أن يكتب) (٦).وقال الحسن: (ذلك في الموضع الّذي لا يقدر فيه على كاتب غيره، فيضرّ بصاحب الدّين إن امتنع، فإنّ الكتابة حينئذ عليه

стр. 486

فريضة. وإن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام به غيره) (١).وقال الضحّاك: (هذا «كان» (٢) واجبا، فنسخه قوله تعالى: ﴿وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾).وقال السديّ: (هو واجب عليه في حال فراغه).وقال الشعبيّ: (هو واجب على الكفاية كالجهاد).والصحيح: أن الكتابة غير واجبة في الأصل على المتداينين، فإذا لم تكن واجبة عليهم؛ فكيف تكون واجبة على الأجنبي الذي لا حكم له في هذا العقد ولا سبب؟! قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً؛﴾ يعني المديون المطلوب يقرّ على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه ويملي على الكاتب. والإملال والإملاء: بمعنى واحد؛ وهما لغتان فصيحتان جاء بهما القرآن. ثم خوّفه الله تعالى فقال: ﴿(وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ)﴾ أي وليخش الله ولا ينقص من الحقّ الذي عليه شيئا. قوله : ﴿فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ؛﴾ أي فإن كان المطلوب الذي عليه المال سفيها أو ضعيفا؛ أي خفيف العقل جاهلا بالإملاء؛ لا يميّز تمييزا صحيحا، قاله مجاهد. وقال السديّ: (يعني عاجزا لا يستطيع أن يملّ لعجمة أو زمانة).وقوله تعالى: ﴿(ضَعِيفاً)﴾ أي ضعيفا في العقل مثل الصبيّ والمرأة أو شيخا كبير السنّ. وقوله تعالى: ﴿(أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ)﴾ يعني لمرض أو خرس أو حبس لا يمكّنه حضور الكتاب أو يجهل ما له وعليه. قوله: ﴿(فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ)﴾ أي وليّه الذي يقوم بأمره. وقوله تعالى: ﴿(بِالْعَدْلِ)﴾ أي بالحقّ. وقال ابن عباس والربيع ومقاتل: (فليملل وليّ الحقّ) وهو صاحب الدّين؛ لأنه أعلم بدينه يملّ بالعدل والصدق والحق والإنصاف.

стр. 487

قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ؛﴾ يعني أشهدوا على الحقّ شهيدين من الأحرار البالغين دون الكفار والعبيد والصبيان، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعيّ وسفيان وأكثر الفقهاء. وأجاز شريح وابن سيرين شهادة العبيد، وأجاز بعضهم شهادتهم في الشيء التافه. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ؛﴾ الآية، أي فإن لم يكن الشاهدان رجلين فليكن رجل وامرأتان. قوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ؛﴾ أي ممّن ترضون عدالته وأمانته. والمرضيّ: من يجتمع فيه ثلاثة أشياء: أحدها: العدالة، وأصلها الإيمان واجتناب الكبائر ومراعاة حقوق الله من الواجبات والمسنونات وصدق «الحديث» (١) وأداء الأمانة. والثاني: نفي التهمة؛ نحو أن لا يكون المشهود له ولدا ولا والدا ولا زوجة ولا زوجا، فإن شهادة هؤلاء غير مقبولة لما ذكرنا، وإن كانوا عدولا مرضيّين. الثالث: التيقّظ وقلة الغفلة وأن لا يكون كثير الغلط. قال النخعيّ: (الرّجل العدل: هو من لم يظهر فيه ريبة).وقال الشعبيّ: (هو من لا يطعن عليه في بطن ولا فرج).وقال الحسن: (هو من لم يعلم له خيانة). وقال ﷺ : [لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة؛ ولا مجلود؛ ولا ذي حقد على أخيه؛ ولا من جرت عليه شهادة زور؛ ولا الخادم مع أهل البيت] (٢).وعن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ عن الشّهادة؟ فقال: [أترى هذه الشّمس؟] فقال: نعم، قال: [على مثلها فاشهد أو دع] (٣).

стр. 488

قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى؛﴾ معناه: أن تذكّر الذاكرة الناسية إن نسيت، ومعنى تضلّ: تنسى، كقوله تعالى: ﴿قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ﴾ (١).وقوله تعالى: ﴿(فَتُذَكِّرَ)﴾ معطوف على ﴿(تَضِلَّ)﴾.وقرأ الأعمش: «(إن تضلّ)» بكسر الهمزة «(فتذكّر)» بالرفع، ومعناه: الخبر أو الابتداء. وموضع ﴿(تَضِلَّ)﴾ جزم بالجزاء، إلا أنّه لا تبين فيه للتضعيف، ﴿(فَتُذَكِّرَ)﴾ رفعا؛ لأن ما بعد (فاء) الخبر مبتدأ. وقيل في تفسير الآية: إن امتنعت إحدى المرأتين عن أداء الشهادة تعظها الأخرى حتى تشهد. ومن قرأ «(فتذكر)» بالتخفيف) فالإذكار والتذكير بمعنى واحد. وقيل في معنى التحقيق: تجعلها ذكرا؛ أي يقومان مقام رجل. قرأ زيد بن أسلم: «(فتذاكر إحداهما الأخرى)» من المذاكرة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: «(فتذكر)» بالتخفيف. وقرأ الباقون «(فتذكّر)» بالتشديد. قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا؛﴾ أي لا يمتنعوا إذا دعوا إلى إقامة الشهادة عند الحكّام، وهذا قول مجاهد وعطاء وعكرمة وابن جبير والضحاك والسديّ. وقال بعضهم: هذا في تحمّل الشهادة؛ وهو أمر إيجاب أيضا. قال قتادة: (كان الرّجل يطوف في الحيّ العظيم فيه القوم؛ فيدعوهم إلى الشّهادة؛ فلا يتبعه أحد منهم؛ فأنزل الله هذه الآية) (٢). وقال الشعبيّ: (هو مخيّر في تحمّل الشّهادة إذا وجد غيره، فإذا لم يوجد غيره وجب عليه التّحمّل) (٣).وقال بعضهم: هذا أمر ندب؛ وهو مخيّر في جميع الأحوال، وهو قول عطاء. وقال المغيرة: (قلت لإبراهيم: إنّي أدعى إلى الشّهادة؛ وإنّي أخاف

стр. 489

أن أنسى، قال: فلا تحمل إن شئت) (١).وقال الحسن: (هذه الآية في التّحمّل والإقامة إذا كان فارغا) (٢). قوله تعالى: ﴿وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ؛﴾ أي لا تملّوا أن تكتبوا الحقّ قليلا كان أو كثيرا إلى محله، يقال: سأمت أسأم سآمة؛ إذا مللت، قال زهير (٣): سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم وقال لبيد (٤): ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا النّاس كيف لبيد؟ و (أن) في موضع نصب من وجهين؛ إن شئت جعلته مع الفعل مصدرا؛ وأوقعت السّئامة عليه؛ تقديره: ولا تسأموا كتابته. وإن شئت نصبه بنزع الخافض، و (الهاء) راجعة إلى الحقّ؛ أي ولا تسأموا من أن تكتبوه. وقرأ السلمي: «(ولا يسأموا)» بالياء، وقوله تعالى: (صغيرا أو كبيرا) انتصب من وجهين؛ أحدهما: على الحال من الهاء. والثاني: أن يجعله خبرا ل (كان) المحذوفة؛ تقديره: صغيرا كان الحقّ أو كبيرا. قوله : ﴿ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا﴾ أي الكتاب أعدل عند الله وأحصى للأجل وأحفظ للشهادة وأقرب أن لا يشكّوا في مقدار الحق ومقدار الأجل. وفي هذا دليل أنه لا يجوز إقامة الشهادة إلا مع زوال الريب، كما روي عن رسول الله ﷺ قال: [إذا رأيت مثل الشّمس فاشهد وإلاّ فدع] (٥).

стр. 490

قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ؛﴾ قرأ عاصم «(تجارة)» بالنصب على خبر كان، وأضمر اسمها؛ تقديره: إلا أن تكون المداينة تجارة أو المبايعة تجارة. وقرأ الباقون بالرفع لوجهين؛ أحدهما: أن يكون الكون بمعنى الوقوع؛ تقديره: إلا أن تكون تجارة؛ فحينئذ لا خبر له، والثاني: أن تجعل تجارة اسم يكون، والخبر ﴿(تُدِيرُونَها)﴾؛تقديره: إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم. ومعنى الآية: إلاّ أن تقع تجارة حالّة يدا بيد، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها؛﴾ في ترك الكتابة في تلك التجارة؛ لأنه ليس فيه أجل ولا نسيئة، وهذا توسعة من الله للعباد كيلا يضيّق عليهم أمر بيعاتهم في المأكول والمشروب والأشياء التي تمسّ حاجتهم إليها في أكثر الأوقات. ويشقّ عليهم كتابة جميعها. قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ؛﴾ أي أشهدوا على حقوقكم إذا بعتم واشتريتم، وهذا محمول على البياعات النفيسة، فأما القدر اليسير الذي ليس في العادة التوثيق بالإشهاد فيه نحو شراء الخبز والبقل وما جرى مجراه؛ فغير داخل في هذا الخطاب. قال الضحّاك: (قوله: ﴿(وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ)﴾ هذا الإشهاد واجب في صغير الحقّ وكبيره؛ ونقده ونسيئته ولو كان على تافه).وقال آخرون: هو أمر ندب؛ إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد. قوله تعالى: ﴿وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ؛﴾ يحتمل وجهين؛ أحدهما: لا يضارّ الكاتب ولا الشاهد الطالب والمطلوب؛ يعني لا يكتب الكاتب إلا بالحقّ، ولا يشهد الشاهد إلا بالحقّ. تقديره: لا يضارر على النهي. والثاني: على اسم ما لم يسمّ فاعله؛ أي لا يدعى الكاتب وهو مشغول لا يمكنه ترك شغله إلا بضرر يدخل عليه، وكذلك لا يدعى الشاهد ومجيئه يضرّ به. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ؛﴾ أي لا تقصدوا المضارّة بعد نهي الله تعالى عنها، فإنه إثم وخروج من أمر الله. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ؛﴾ أي ﴿(وَاتَّقُوا اللهَ)﴾ في الضّرار ولا تعصوه

стр. 491

فيما أمركم به، ﴿(وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ)﴾ ما به قوام دينكم ودنياكم، ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛﴾ من أعمالكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ (٢٨٢)؛يعلم ما تعملون في الكتابة والشهادة. قوله تعالى: ﴿*وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ الآية، معناه: إذا كنتم مسافرين ﴿(وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً)﴾ يكتب الوثيقة بالحقّ، (ف) الوثيقة (رهان) يقبضها الذي له الحقّ. قرأ ابن عباس وأبو العالية ومجاهد: «(كتابا)» يعني الصحيفة والدّواة؛ قالوا: لأنه ربّما يجد الكاتب ولا يجد المراد والصحيفة والدواة. وقرأ الضحّاك: «(كتّابا)» على جمع الكاتب. وقرأ الباقون: «(كاتبا)» وهو المختار لموافقة المصحف. وقوله تعالى: ﴿(فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ)﴾ قرأ ابن عباس ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: «(فرهن)».وقرأ عكرمة وعبد الوارث: «(فرهن)» بإسكان الهاء. وقرأ الباقون: «(فرهان)» وهو جمع رهن مثل نعل ونعال؛ وجبل وجبال. والرّهن: جمع رهان وهو جمع الجمع، قاله الفرّاء والكسائي. وقال أبو عبيد: (هو جمع رهن، مثل سقف وسقف). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ؛﴾ أي إن كان الذي عليه الحقّ أمينا عند صاحب الحق فلم يرتهن منه شيئا لثقته وحسن ظنّه؛ ﴿(فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ)﴾ أي فليؤدّ المطلوب أمانته بأن لا يبخس ولا يجحد. قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ؛﴾ أي لا تكتموها عند الحكّام ولا تمتنعوا عن أدائها، ﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ؛﴾ أي فاجر سريرته، وأضاف الإثم إلى القلب وإن كان الآثم هو الكاتم؛ لأن اكتساب الإثم بكتمان الشهادة يقع بالقلب؛ وهذا أبلغ في الوعيد وأحسن في البيان؛ لأن كاتم الشهادة يلحقه الإثم من وجهين؛ أحدهما: العزم على أن لا يؤدّي. والثاني: ترك أدائها باللسان. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٢٨٣)؛أي عليم بما تعملون به من كتمان الشهادة وإقامتها؛ وأداء الأمانة والخيانة فيها؛ عالم لا يخفى عليه شيء ممّا تفعلون.

стр. 492

ولا خلاف بين العلماء في جواز الرهن في الحضر؛ لأنّ النبيّ ﷺ [اشترى من يهوديّ طعاما إلى أجل ورهنه درعه] (١).والفائدة في ذكر السفر في الآية: أن الأغلب من حال السفر عدم الشهود والكتّاب؛ فخصّ الرهن بحال السفر. وعن مجاهد: (أنّه كان يكره الرّهن في الحضر). قوله : ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ؛﴾ اختلف المفسرون في هذه الآية؛ فقال قوم: هي خاصّة؛ واختلفوا في خصوصها، فقال بعضهم: نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها. يعني: ﴿(وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ)﴾ أيّها الشهود من كتمان الشهادة أو تخفوا الكتمان ﴿(يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ)﴾. وهذا قول الشعبيّ وعكرمة، ورواية مجاهد عن ابن عباس، يدلّ عليه قوله تعالى فيما قبلها: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ الآية. وذهب بعضهم إلى أنّها عامّة في الشهادة وفي غيرها، ثم اختلفوا في وجه عمومها؛ فقال بعضهم: هي منسوخة. وروي أنّه لمّا نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعمر وعبد الرّحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وناس من الأنصار إلى رسول الله ﷺ ؛ فجثوا على الرّكب وقالوا: يا رسول الله، ما نزل علينا آية أشدّ من هذه؛ إنّ أحدنا ليحدّث نفسه بما لا يحبّ أن يثبت في قلبه-يعني يحدث نفسه بأمر من المعصية ثم لا يعمل بها-وإنّا لمؤاخذون بما نحدّث به نفوسنا إذا هلكنا؟ فقال ﷺ : [هكذا نزلت]،فقالوا: كلّفنا من العمل ما لا نطيق، فقال ﷺ : [أفتقولون كما قالت اليهود: سمعنا وعصينا؟!] فقالوا: بل سمعنا وأطعنا يا رسول الله. واشتدّ عليهم ذلك؛ فمكثوا حولا، فأنزل الله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ (٢) فنسخت ما قبلها. فقال ﷺ : [إنّ الله تجاوز

стр. 493

لأمّتي ما حدّثت به أنفسها ما لم يعملوا أو يتكلّموا به] (١).وهذا قول ابن مسعود وأبي هريرة وعائشة برواية ابن جبير وعطاء وابن سيرين وقتادة والكلبيّ وشيبان. وقال بعضهم: لا يجوز أن تكون هذه الآية منسوخة؛ لأنّها خبر من عند الله؛ والخبر لا يحتمل النسخ؛ لأنه خلف؛ تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، لكنّ المراد بالآية إظهار العمل وإخفاؤه. وقال الربيع: (هذه الآية محكمة لم ينسخها شيء، فإنّ الله تعالى يعرّف عبده يوم القيامة، يقول: إنّك أخفيت في صدرك كذا وكذا، يحاسبه على ما أسرّ وأعلن من حركة في جوارحه وهمّه في قلبه، فهكذا يصنع بكلّ عباده، ثم يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء) (٢). وقيل: لا يؤاخذ المؤمن بما حاسبه من ذلك، فمعناه: وإن تظهروا ما في أنفسكم من المعاصي أو تضمروا إرادتها في أنفسكم فتخفوها ﴿(يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ)﴾ أي يخبركم بها ويحاسبكم عليها، ثم يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وهذا قول الحسن والربيع ورواية الضحاك عن ابن عباس، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ (٣). وقال آخرون: معنى الآية: أنّ الله يحاسب خلقه بجميع ما أبدوا من أعمالهم وأخفوا ويعاقبهم عليه؛ غير أنّ معاقبته إياهم على ما أخفوا مما لم يعملوا بها بما يحدث في الدنيا من النوائب والمصائب والأمور التي يحزنون عليها ويألمون بها؛ مثل الحمّى وغير ذلك حتى الشوكة يشاكها والشيء يضيع فيفقده ويراع عليه، ثم يجده (٤).وهذا قول عائشة ﵂ (٥).

стр. 494

وقال بعضهم: معناه: ﴿(وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ)﴾ من الأعمال الظاهرة، ﴿(أَوْ تُخْفُوهُ)﴾ من الأحوال الباطنة، ﴿(يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ)﴾ العائد على أفعال العارف على أحواله (١). وقال بعضهم: إن الله تعالى يقول يوم القيامة: هذا يوم تبلى السّرائر وتحرج الضمائر، وإن كتّابي لم يكتبوا إلا ما ظهر من أعمالكم، وأنا المطّلع على سرائركم مما لم يعلموه ولا يكتبوه، فأنا أخبركم بذلك وأحاسبكم؛ لتعلموا أنه لا يعزب عنه مثقال ذرّة من أعمالكم، ثم أغفر لمن شئت وأعذب من شئت. فأما المؤمنون فيخبرهم بذلك كله ويغفر لهم، ولا يؤاخذهم بذلك إظهار لفضله. وأما الكافرون فيخبرهم ويعاقبهم عليها إظهارا لعدله (٢).فمعنى الآية: ﴿(وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ)﴾ فتعملوا به، ﴿(أَوْ تُخْفُوهُ)﴾ مما أضمرتم وأسررتم ونويتم، ﴿(يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ)﴾ ويعرّفكم إياه ويغفر للمؤمنين، ويعذب الكافرين، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿(يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ)﴾ ولم يقل: يؤاخذكم به الله. والمحاسبة غير المعاقبة فالحساب ثابت، والعقاب ساقط. وقال الحسن ابن مسلم: (يحاسب الله المؤمن بالمنّة والفضل؛ والكافر بالحجّة والعدل). وقيل في تأويل الآية: أنّها وردت فيما يؤاخذ به العبد فيما بينه وبين الله تعالى، وتأويل قوله ﷺ : [إنّ الله تجاوز لأمّتي ما حدّثت به أنفسها ما لم يعملوا أو يتكلّموا به] (٣):إنّما ورد فيما يلزم العبد من أحكام الدنيا، فلا يقع عتقه ولا طلاقه ولا بيعه ولا هبته بالنيّة ما لم يتكلّم.

стр. 495

ومن نظائر هذه الآية: ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢).ويدلّ على ذلك أن من أحبّ ما يبغضه الله، أو أبغض ما يحبّه الله كان معاقبا على ذلك وإن لم يعمل إلا بقلبه. وقال بعضهم: إن الإخفاء في هذه الآية أن يضمر على السّوء ويهمّ به، ثم لا يصل إليه ولا يتمكّن منه. وهذا القول حسن جدا اختاره جماعة من المفسرين. قوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ؛﴾ رفعهما أبو جعفر وابن عامر والحسن وعاصم ويعقوب على الابتداء؛ أي فهو يغفر. ونصبهما ابن عباس على الصرف. وجزمهما الباقون عطفا على ﴿(يُحاسِبْكُمْ)﴾.قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٨٤)؛يعني من المغفرة والعقوبة. قوله : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ؛﴾ الآية، لمّا سبق في السورة ذكر أحكام كثيرة أثنى الله على من آمن بها وقبلها، وقال عزّ من قائل: ﴿(آمَنَ الرَّسُولُ)﴾ بجميع الأحكام التي أنزلها الله تعالى، وكذلك المؤمنون كلّهم آمنوا بالله، وقوله تعالى: ﴿وَمَلائِكَتِهِ؛﴾ إنّما أتى بالملائكة لأن حيّا من خزاعة كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، فقال ﷺ : [والمؤمنون يقولون: إنّ الملائكة عباد الله]. قوله: ﴿وَكُتُبِهِ؛﴾ قرأ ابن عباس وعكرمة والأعمش وحمزة والكسائيّ وخلف: «(وكتابه)» بالألف. وقرأ الباقون «(وكتبه)» بالجمع، وهو ظاهر كقوله ﴿(وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ)﴾. وللتوحيد وجهان؛ أحدهما: أنّهم أرادوا القرآن خاصّة، والثاني: أنّهم أرادوا جميع الكتب؛ كقول العرب: كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، يريدون الدراهم والدنانير. يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ﴾ (٣).
следующие страницы →