فيما أمركم به، ﴿(وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ)﴾ ما به قوام دينكم ودنياكم، ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛﴾ من أعمالكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ (٢٨٢)؛يعلم ما تعملون في الكتابة والشهادة.
قوله تعالى: ﴿*وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ الآية، معناه: إذا كنتم مسافرين ﴿(وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً)﴾ يكتب الوثيقة بالحقّ، (ف) الوثيقة (رهان) يقبضها الذي له الحقّ.
قرأ ابن عباس وأبو العالية ومجاهد: «(كتابا)» يعني الصحيفة والدّواة؛ قالوا: لأنه ربّما يجد الكاتب ولا يجد المراد والصحيفة والدواة. وقرأ الضحّاك: «(كتّابا)» على جمع الكاتب. وقرأ الباقون: «(كاتبا)» وهو المختار لموافقة المصحف.
وقوله تعالى: ﴿(فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ)﴾ قرأ ابن عباس ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو:
«(فرهن)».وقرأ عكرمة وعبد الوارث: «(فرهن)» بإسكان الهاء. وقرأ الباقون: «(فرهان)» وهو جمع رهن مثل نعل ونعال؛ وجبل وجبال. والرّهن: جمع رهان وهو جمع الجمع، قاله الفرّاء والكسائي. وقال أبو عبيد: (هو جمع رهن، مثل سقف وسقف).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ؛﴾ أي إن كان الذي عليه الحقّ أمينا عند صاحب الحق فلم يرتهن منه شيئا لثقته وحسن ظنّه؛ ﴿(فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ)﴾ أي فليؤدّ المطلوب أمانته بأن لا يبخس ولا يجحد.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ؛﴾ أي لا تكتموها عند الحكّام ولا تمتنعوا عن أدائها، ﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ؛﴾ أي فاجر سريرته، وأضاف الإثم إلى القلب وإن كان الآثم هو الكاتم؛ لأن اكتساب الإثم بكتمان الشهادة يقع بالقلب؛ وهذا أبلغ في الوعيد وأحسن في البيان؛ لأن كاتم الشهادة يلحقه الإثم من وجهين؛ أحدهما: العزم على أن لا يؤدّي. والثاني: ترك أدائها باللسان.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٢٨٣)؛أي عليم بما تعملون به من كتمان الشهادة وإقامتها؛ وأداء الأمانة والخيانة فيها؛ عالم لا يخفى عليه شيء ممّا تفعلون.
стр. 492
ولا خلاف بين العلماء في جواز الرهن في الحضر؛ لأنّ النبيّ ﷺ [اشترى من يهوديّ طعاما إلى أجل ورهنه درعه] (١).والفائدة في ذكر السفر في الآية: أن الأغلب من حال السفر عدم الشهود والكتّاب؛ فخصّ الرهن بحال السفر. وعن مجاهد: (أنّه كان يكره الرّهن في الحضر).
قوله : ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ؛﴾ اختلف المفسرون في هذه الآية؛ فقال قوم: هي خاصّة؛ واختلفوا في خصوصها، فقال بعضهم: نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها. يعني: ﴿(وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ)﴾ أيّها الشهود من كتمان الشهادة أو تخفوا الكتمان ﴿(يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ)﴾. وهذا قول الشعبيّ وعكرمة، ورواية مجاهد عن ابن عباس، يدلّ عليه قوله تعالى فيما قبلها: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ الآية.
وذهب بعضهم إلى أنّها عامّة في الشهادة وفي غيرها، ثم اختلفوا في وجه عمومها؛ فقال بعضهم: هي منسوخة.
وروي أنّه لمّا نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعمر وعبد الرّحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وناس من الأنصار إلى رسول الله ﷺ ؛ فجثوا على الرّكب وقالوا: يا رسول الله، ما نزل علينا آية أشدّ من هذه؛ إنّ أحدنا ليحدّث نفسه بما لا يحبّ أن يثبت في قلبه-يعني يحدث نفسه بأمر من المعصية ثم لا يعمل بها-وإنّا لمؤاخذون بما نحدّث به نفوسنا إذا هلكنا؟ فقال ﷺ : [هكذا نزلت]،فقالوا: كلّفنا من العمل ما لا نطيق، فقال ﷺ : [أفتقولون كما قالت اليهود: سمعنا وعصينا؟!] فقالوا: بل سمعنا وأطعنا يا رسول الله. واشتدّ عليهم ذلك؛ فمكثوا حولا، فأنزل الله :
﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ (٢) فنسخت ما قبلها. فقال ﷺ : [إنّ الله تجاوز
стр. 493
لأمّتي ما حدّثت به أنفسها ما لم يعملوا أو يتكلّموا به] (١).وهذا قول ابن مسعود وأبي هريرة وعائشة برواية ابن جبير وعطاء وابن سيرين وقتادة والكلبيّ وشيبان.
وقال بعضهم: لا يجوز أن تكون هذه الآية منسوخة؛ لأنّها خبر من عند الله؛ والخبر لا يحتمل النسخ؛ لأنه خلف؛ تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، لكنّ المراد بالآية إظهار العمل وإخفاؤه. وقال الربيع: (هذه الآية محكمة لم ينسخها شيء، فإنّ الله تعالى يعرّف عبده يوم القيامة، يقول: إنّك أخفيت في صدرك كذا وكذا، يحاسبه على ما أسرّ وأعلن من حركة في جوارحه وهمّه في قلبه، فهكذا يصنع بكلّ عباده، ثم يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء) (٢).
وقيل: لا يؤاخذ المؤمن بما حاسبه من ذلك، فمعناه: وإن تظهروا ما في أنفسكم من المعاصي أو تضمروا إرادتها في أنفسكم فتخفوها ﴿(يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ)﴾ أي يخبركم بها ويحاسبكم عليها، ثم يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وهذا قول الحسن والربيع ورواية الضحاك عن ابن عباس، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ (٣).
وقال آخرون: معنى الآية: أنّ الله يحاسب خلقه بجميع ما أبدوا من أعمالهم وأخفوا ويعاقبهم عليه؛ غير أنّ معاقبته إياهم على ما أخفوا مما لم يعملوا بها بما يحدث في الدنيا من النوائب والمصائب والأمور التي يحزنون عليها ويألمون بها؛ مثل الحمّى وغير ذلك حتى الشوكة يشاكها والشيء يضيع فيفقده ويراع عليه، ثم يجده (٤).وهذا قول عائشة ﵂ (٥).
стр. 494
وقال بعضهم: معناه: ﴿(وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ)﴾ من الأعمال الظاهرة، ﴿(أَوْ تُخْفُوهُ)﴾ من الأحوال الباطنة، ﴿(يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ)﴾ العائد على أفعال العارف على أحواله (١).
وقال بعضهم: إن الله تعالى يقول يوم القيامة: هذا يوم تبلى السّرائر وتحرج الضمائر، وإن كتّابي لم يكتبوا إلا ما ظهر من أعمالكم، وأنا المطّلع على سرائركم مما لم يعلموه ولا يكتبوه، فأنا أخبركم بذلك وأحاسبكم؛ لتعلموا أنه لا يعزب عنه مثقال ذرّة من أعمالكم، ثم أغفر لمن شئت وأعذب من شئت. فأما المؤمنون فيخبرهم بذلك كله ويغفر لهم، ولا يؤاخذهم بذلك إظهار لفضله. وأما الكافرون فيخبرهم ويعاقبهم عليها إظهارا لعدله (٢).فمعنى الآية: ﴿(وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ)﴾ فتعملوا به، ﴿(أَوْ تُخْفُوهُ)﴾ مما أضمرتم وأسررتم ونويتم، ﴿(يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ)﴾ ويعرّفكم إياه ويغفر للمؤمنين، ويعذب الكافرين، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿(يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ)﴾ ولم يقل:
يؤاخذكم به الله. والمحاسبة غير المعاقبة فالحساب ثابت، والعقاب ساقط. وقال الحسن ابن مسلم: (يحاسب الله المؤمن بالمنّة والفضل؛ والكافر بالحجّة والعدل).
وقيل في تأويل الآية: أنّها وردت فيما يؤاخذ به العبد فيما بينه وبين الله تعالى، وتأويل قوله ﷺ : [إنّ الله تجاوز لأمّتي ما حدّثت به أنفسها ما لم يعملوا أو يتكلّموا به] (٣):إنّما ورد فيما يلزم العبد من أحكام الدنيا، فلا يقع عتقه ولا طلاقه ولا بيعه ولا هبته بالنيّة ما لم يتكلّم.
стр. 495
ومن نظائر هذه الآية: ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١) وقوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢).ويدلّ على ذلك أن من أحبّ ما يبغضه الله، أو أبغض ما يحبّه الله كان معاقبا على ذلك وإن لم يعمل إلا بقلبه.
وقال بعضهم: إن الإخفاء في هذه الآية أن يضمر على السّوء ويهمّ به، ثم لا يصل إليه ولا يتمكّن منه. وهذا القول حسن جدا اختاره جماعة من المفسرين.
قوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ؛﴾ رفعهما أبو جعفر وابن عامر والحسن وعاصم ويعقوب على الابتداء؛ أي فهو يغفر. ونصبهما ابن عباس على الصرف. وجزمهما الباقون عطفا على ﴿(يُحاسِبْكُمْ)﴾.قوله تعالى:
﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٨٤)؛يعني من المغفرة والعقوبة.
قوله : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ؛﴾ الآية، لمّا سبق في السورة ذكر أحكام كثيرة أثنى الله على من آمن بها وقبلها، وقال عزّ من قائل: ﴿(آمَنَ الرَّسُولُ)﴾ بجميع الأحكام التي أنزلها الله تعالى، وكذلك المؤمنون كلّهم آمنوا بالله، وقوله تعالى: ﴿وَمَلائِكَتِهِ؛﴾ إنّما أتى بالملائكة لأن حيّا من خزاعة كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، فقال ﷺ : [والمؤمنون يقولون:
إنّ الملائكة عباد الله].
قوله: ﴿وَكُتُبِهِ؛﴾ قرأ ابن عباس وعكرمة والأعمش وحمزة والكسائيّ وخلف: «(وكتابه)» بالألف. وقرأ الباقون «(وكتبه)» بالجمع، وهو ظاهر كقوله ﴿(وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ)﴾. وللتوحيد وجهان؛ أحدهما: أنّهم أرادوا القرآن خاصّة، والثاني: أنّهم أرادوا جميع الكتب؛ كقول العرب: كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، يريدون الدراهم والدنانير. يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ﴾ (٣).
стр. 496
وقوله تعالى: ﴿وَرُسُلِهِ؛﴾ قرأ الحسن: «(ورسله)» بسكون السين لكثرة الحركات؛ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ؛﴾ أي لا نفعل كما فعل أهل الكتاب آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض. وفي مصحف عبد الله: «(لا يفرّقون بين أحد من رسله)».وقرأ جرير بن عبد الله وسعيد بن جبير ويحيى بن يعمر ويعقوب: «(لا يفرّق)» بالياء، بمعنى لا يفرّق الكلّ، ويجوز أن يكون خبرا عن الرسول. وقرأ الباقون بالنون على إضمار القول؛ تقديره: قالوا لا نفرّق، كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (١)؛أي يقولون: سلام عليكم.
قوله : ﴿وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا؛﴾ أي سمعنا قولك وأطعنا أمرك. وقيل: معنى ﴿(وَأَطَعْنا)﴾ قبلنا ما سمعنا؛ بخلاف ما قالت اليهود. وقوله تعالى:
﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٢٨٥)؛أي اغفر غفرانك يا ربّنا. وقيل:
معناه: نسألك غفرانك. والأول مصدر، والثاني مفعول. وقوله تعالى: ﴿(وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)﴾ أي نحن مقرّون بالبعث. ومعنى قوله: ﴿(وَإِلَيْكَ)﴾ أي إلى جزائك؛ وهذا كما قال حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٢) أي إلى حيث أمر ربي.
قوله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ؛﴾ قرأ إبراهيم بن أبي عبلة: «(إلاّ وسعها)» بفتح الواو وكسر السين على الفعل؛ يريد إلا وسعها أمره.
ومعنى الآية: ﴿(لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً)﴾ فرضا من فروضها من صوم أو صلاة أو صدقة أو غير ذلك من حديث النفس؛ إلا مقدار طاقتها كما قال ﷺ لعمران بن الحصين: [صلّ قائما؛ فإن لم تستطع فقاعدا؛ فإن لم تستطع فعلى جنبك تومئ
стр. 497
إيماء] (١).قال قوم: لو كلّف الله العباد فوق وسعهم لكان ذلك له؛ لأن الخلق خلقه والأمر أمره، ولكنه أخبر أنه لا يفعله.
قوله تعالى: ﴿(لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ)﴾ يعني النفس لها جزاء ما عملت من الخير والعمل الصالح؛ أي لها أجره وثوابه؛ وعليها وزر ما اكتسبت من المعصية والعمل السيّئ لا يؤاخذ أحد بذنب أحد؛ ولا تزر وازرة وزر أخرى.
والفرق بين الكسب والاكتساب: أن الكسب فعل الإنسان لنفسه ولغيره، والاكتساب ما يفعله لنفسه خاصة. وقيل: لا فرق بينهما في اللغة. فعلى القول الأول وصف المسيء بالاكتساب؛ لأن وزره لا يعدوه؛ ومعصيته لا تضرّ غيره، ووصف المحسن بالكسب؛ لأن غيره يشاركه في ثوابه بالهداية والشفاعة.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا؛﴾ أي لا تعاقبنا إن نسينا طاعتك أو أخطأنا في أمرك. وقال الكلبيّ: (إن جهلنا أو تعمّدنا)،فذهب إلى الخطأ الذي هو ضدّ الصواب لا ضدّ القصد. يقال: خطأ إذا تعمّد؛ وأخطأ إذا سهى، وقد يقال: أخطأ إذا تعمّد. وقيل: معنى الآية: إن تركنا أمرا أو اكتسبنا خطيئة.
والنسيان بمعنى الترك معروف في الكلام كما في قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٢) أي تركوا ذكر الله وأمره فتركهم في العذاب. والمراد بالمؤاخذة والنسيان سقوط الإثم في الآخرة. فأما في حكم الدنيا فلا يرتفع التكليف منه إذا ذكره بعد النسيان كما قال ﷺ : [من نام عن صلاة أو نسيها فليصلّها إذا ذكرها] (٣).وكذلك الخطأ مرفوع الإثم في الآخرة وهو تأويل الخبر المرويّ عن رسول الله ﷺ : [ورفع
стр. 498
عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه] (١).فأمّا في أحكام الدنيا فيتعلق به الحكم؛ لأن الله نصّ على لزوم قتل الخطأ في إيجاب الدية والكفارة.
قال الكلبيّ: (كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا ممّا أمروا به أو أخطئوا عجّلت لهم العقوبة، فيحرّم عليهم شيء من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الدّية، فأمر الله نبيّه ﷺ والمؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم).وقال ابن زيد: (قوله تعالى: ﴿(إِنْ نَسِينا)﴾ شيئا ممّا افترضته علينا، ﴿(أَوْ أَخْطَأْنا)﴾ شيئا ممّا حرّمته علينا).
قوله : ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا؛﴾ أي لا تحمل علينا ثقلا؛ ويقال: عهدا؛ كما حملته على بني إسرائيل بجرم منهم أمرتهم بقتل بعضهم بعضا؛ وحرّمت عليهم الطيبات بظلمهم، وكما كانوا مأمورين بأداء ربع أموالهم في الزكاة ونحو ذلك من الأمور التي كانت تثقل عليهم.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي﴾ (٢) أي عهدي.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ؛﴾ أي لا تحمّلنا ما يشقّ علينا من الأعمال، وهذا كما يقال: لا أطيق كلام فلان، ولا أطيق هذا الأمر؛ أي لا أحمله إلا بمشقّة. هذا هو معنى الآية؛ لأن الله تعالى لا يكلّف أحدا شيئا لا يكون ذلك في قدرته. وقيل: معناه: ﴿(ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ)﴾ من العذاب، وقيل: هو حديث النفس والوسوسة. وعن مكحول أنّه (الغلمة) (٣).وعن بعضهم أنه كان يقول: اللهمّ أعذني وإخوتي من شرّ الغلمة، فإنّها ربّما جرّت إلى جهنم. وقال ابن عبد الوهاب: (يعني العشق).وعن إبراهيم في قوله تعالى: ﴿(رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ)﴾:قال يعقوب: (يعني الحبّ).
وقال بعضهم: حضرت ذا النون المصريّ في مجلس له، فتكلم ذلك اليوم في محبّة الله ، فمات أحد عشر نفسا في المجلس؛ فصاح رجل من المريدين فقال:
стр. 499
ذكرت محبة الله، فاذكر محبة المخلوقين. فتأوّه ذو النون تأوّها شديدا وشقّ قميصه نصفين، وقال: آه .. علقت رهونهم؛ واستعبرت عيونهم؛ وخالفوا السّهاد؛ وفارقوا الرقاد؛ فليلهم طويل؛ ونومهم قليل؛ أحزانهم لا تتغير؛ وهمومهم لا تفقد؛ باكية عيونهم؛ قريحة جفونهم.
وقال يحيى بن معاذ: (لو كانت العقوبة بيدي يوم القيامة لما عذّبت العشّاق؛ لأنّ ذنوبهم اضطرار لا اختيار).وقال بعضهم: ﴿(رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ)﴾ يعني شماتة الأعداء؛ قال الشاعر:
كلّ المصائب قد تمرّ على الفتى ... فتهون غير شماتة الحسّاد
إنّ المصائب تنقضي أيّامها ... وشماتة الحسّاد بالمرصاد
وقيل: هو الفرقة والقطيعة، نعوذ بالله العظيم منهما، يقال: قطع الأوصال أيسر من قطع الوصال.
قوله : ﴿وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا؛﴾ أي تجاوز عن تقصيرنا وذنوبنا ولا تفضحنا ﴿(وَارْحَمْنا)﴾؛فإنّنا لا ننال العمل بطاعتك إلا بمعونتك، ولا نترك المعصية إلا برحمتك. وقيل: معنى: ﴿(وَاعْفُ عَنّا)﴾ أي اترك عنّا العقوبة، ومعنى العفو: الترك. وقوله تعالى: ﴿(وَاغْفِرْ لَنا)﴾ أي استر لنا ذنوبنا وعيوبنا، ﴿(وَارْحَمْنا)﴾ أي أنعم علينا بالجنة والثواب، وقيل: معنى الآية: ﴿(وَاعْفُ عَنّا)﴾ من المسخ ﴿(وَاغْفِرْ لَنا)﴾ من الخسف ﴿(وَارْحَمْنا)﴾ من الغرق؛ أي لا تفعل بنا ما فعلت ببعض من تقدّمنا من الأمم. وقيل: معناه: ﴿(وَاعْفُ عَنّا)﴾ الصغائر ﴿(وَاغْفِرْ لَنا)﴾ الكبائر ﴿(وَارْحَمْنا)﴾ بتثقيل الميزان. وقيل: معناه: ﴿(وَاعْفُ عَنّا)﴾ في سكرات الموت ﴿(وَاغْفِرْ لَنا)﴾ في ظلمة القبور ﴿(وَارْحَمْنا)﴾ في أهوال القيامة.
قوله تعالى: ﴿أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ (٢٨٦)؛ أنت وليّنا وناصرنا ومتولّي أمورنا، ﴿(فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ)﴾ أي أعنّا عليهم في إقامة الحجة وإظهار الدين كما وعدتنا.
روي عن عبد الله بن عباس: أنّ النّبيّ ﷺ [لمّا قرأ ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ قال: قد غفرت لكم، فلمّا قرأ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ قال:
стр. 500
لا أؤاخذكم، فلمّا قرأ ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا،﴾ قال: لا أحمل عليكم، فلمّا قرأ ﴿رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ قال: لا أحملكم، فلمّا قرأ ﴿وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ قال: قد عفوت عنكم؛ وغفرت لكم؛ ورحمتكم؛ ونصرتكم على القوم الكافرين] (١).
وكان معاذ بن جبل إذا ختم هذه السورة، قال: (آمين) (٢).
وعن الحسن والضحاك ومجاهد وجماعة من المفسرين: أنّ قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ .. ﴾. إلى آخر السورة كان في قصة المعراج؛ قالوا: لمّا انتهى النّبيّ ﷺ إلى سدرة المنتهى قال له جبريل: إنّي لم أجاوز هذا المكان، ولم يؤمر أحد بالمجاوزة غيرك، فامض أنت. قال النّبيّ ﷺ : [فمضيت حتّى انتهيت إلى ما أراد الله تعالى] فأشار جبريل ﵇ أن سلّم على ربك، فقلت: [التّحيّات لله والصّلوات والطّيّبات] فقال الله : السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة الله وبركاته. قال النّبيّ ﷺ :
فأحببت أن يكون لأمّتي حظّ في السّلام، فقلت: [السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين] فقال جبريل وأهل السّماوات كلّهم: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله. فقال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾. فأراد النّبيّ ﷺ أن يشرك أمّته في الكرامة والفضيلة؛ فقال ﷺ : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآية، قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ الآية، فقال جبريل ﵇ عند ذلك للنّبيّ ﷺ : سل تعط، فقال ﷺ : ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ إلى آخر السّورة. فلمّا رجع رسول الله ﷺ وأوحى الله إليه بهذه الآيات ليعلم أمّته بذلك أو يعلمهم كيف يدعون الله تعالى].
وقد تقدّم فضل السّورة والله الموفّق.
آخر تفسير سورة (البقرة) والحمد لله رب العالمين
стр. 501
سورة آل عمران
وهي أربعة عشر ألف حرف وخمسمائة وعشرون حرفا، وثلاثة آلاف كلمة وأربعمائة وثمانون كلمة، ومائتا آية.
قال: ﷺ : [من قرأ سورة آل عمران يوم الجمعة صلّى الله وملائكته عليه حتّى تغيب الشّمس] (١) وقال ﷺ : [من قرأ آل عمران أعطي بكلّ آية منها أمانا على جسر جهنّم] وقال ﷺ : [تعلّموا البقرة وآل عمران؛ فإنّهما الزّهراوان وإنّهما يأتيان يوم القيامة في صورة ملكين يشفعان لصاحبهما حتّى تدخلاه الجنّة]،وفضائلها أكثر من أن تحصى.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الم (١) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢)،قال ابن عبّاس معناه: (أنا الله أعلم)،ويقال: هو قسم أقسم الله بأنه واحد لا شريك له ولا معبود للخلق سواه، وقد تقدّم تفسير الحروف المقطّعة في أول سورة البقرة.
قال أنس ﵁: نزلت هذه الآية في وفد نجران وكانوا ستّين راكبا قدموا على رسول الله ﷺ وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وفي الأربعة عشر ثلاثة يؤول أمرهم إليهم: العاقب أمير الجيش وصاحب مشورتهم الّذي لا يصدرون إلاّ عن رأيه واسمه عبد المسيح، والثّاني: اسمه الأيهم صاحب رحلهم، وأبو حارثة بن علقمة إمامهم وصاحب مدارسهم، وكان قد درس كتبهم حتّى حسن علمه فيهم في دينهم.
стр. 502
فدخلوا على رسول الله ﷺ في مسجده وقت صلاة العصر وعليهم ثياب الحبرات (١)؛جبب وأردية، فقاموا وأقبلوا في مسجد رسول الله ﷺ وتوجّهوا إلى ناحية المشرق، فقال ﷺ للعاقب والأيهم: [أسلما] (٢).فقالا: قد أسلمنا قبلك، فقال: [كذبتما، يمنعكما عن الإسلام دعواكما لله ولدا وعبادتكما الصّليب وأكلكما الخنزير] قالا: فإن لم يكن ولدا لله فمن أبوه؟ وخاصموه جميعا في عيسى ﵇، فقال ﷺ : [ألستم تعلمون أنّه لا يكون ولدا إلاّ وهو يشبه أباه؟] قالوا: بلى، قال:
[ألستم تعلمون أنّ ربّنا حيّ لا يموت، وأنّ عيسى يأتي عليه الفناء؟] قالوا: بلى، قال: [ألستم تعلمون أنّ ربّنا قيّم على كلّ شيء (٣) يحفظه ويرزقه؟] قالوا: بلى، قال:
[فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟] قالوا: لا، قال: [ألستم تعلمون أنّ الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السّماء؟] قالوا: بلى، قال: [فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا غير ما علّمه الله؟] قالوا: لا، قال: [فإنّ ربّنا صوّر عيسى في الرّحم كيف شاء، وربّنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث، ألستم تعلمون ذلك؟] قالوا:
بلى، قال: [ألستم تعلمون أنّ عيسى حملته أمّه كما تحمل النّاس المرأة، ثمّ وضعته كما تضع المرأة، ثمّ غذّي كما يغذى الصّبيّ، فكان يطعم ويشرب ويحدث؟] قالوا:
بلى، قال: [فكيف يكون هذا كما زعمتم؟] فسكتوا. فأنزل الله فيهم أوّل سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية فيها) (٤).
فقال الله : ﴿(الم. اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)﴾ الحيّ: هو الدائم الذي لا ندّ له، الذي لا يموت ولا يزول، والقيّوم: القائم على كلّ نفس بما كسبت.
стр. 503
وأكثر القرّاء على فتح الميم من «(الم)» وللفتح وجهان؛ أحدهما: أنه لمّا كانت الميم بعد ياء ساكنة استثقلوا فيها السكون فحرّكوها إلى الفتح؛ لأنّ ذلك أخفّ نحو:
أين وكيف. والثاني: أنه ألقي عليها فتحة الهمزة من ألف (الله) وهذا جائز في الهجاء وإن كان لا يجوز مثله في الكلام الموصول من حيث إنّ حروف الهجاء مبنية على الوقف، ومن قرأ بتسكين الميم فعلى أصل حروف الهجاء أنّها مبنية على الوقوف والسكون.
قوله : ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ،﴾ قرأ ابراهيم بن أبي عبلة: «(نزل عليك الكتاب)» بتخفيف الزاي، وقرأ الباقون بالتشديد، ونصب الياء لأنّ القرآن كان ينزل منجّما شيئا بعد شيء، والتنزيل مرّة بعد مرّة. قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٣)؛لأنّهما نزلتا دفعة واحدة.
ومعنى الآية: نزّل عليك يا محمّد القرآن بالصدق لإقامة أمر الحقّ.
قوله تعالى: ﴿(مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ)؛﴾ أي موافقا لما تقدّمه من التوراة والانجيل وسائر كتب الله تعالى في الدّعاء إلى توحيد الله، وبيان أقاصيص الأنبياء والأمر بالعدل والإحسان وسائر ما لا يجري فيه النّسخ وبعض الشرائع. وانتصب ﴿(مُصَدِّقاً)﴾ على الحال من الكتاب.
قوله تعالى: ﴿(وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ)﴾ أي أنزل التوراة جملة على موسى، والإنجيل جملة على عيسى
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ القرآن، ﴿هُدىً لِلنّاسِ؛﴾ أي بيانا ونورا وضياء لمن تبعه. وموضع ﴿(هُدىً)﴾ نصب على الحال.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ؛﴾ يعني القرآن، وأمّا ذكره لبيان أنه يفرّق بين الحقّ والباطل، ومتى اختلف فوائد الصفات على موصوف واحد لم يكن ذكر الصفة الثانية تكرارا، بل تكون الثانية في حكم المبتدلات لكلّ صفة فائدة ليست للأخرى، والصفة الأولى تفيد أنّ من شأنه أن يكتب، والصفة الثانية تفيد أنّ من شأنه أن يفرّق بين الحق والباطل. وقيل: إنّ كلّ كتاب لله فهو فرقان.
стр. 504
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ (٤)،معناه: إنّ في كتب الله ما يدلّ على صدق قولك؛ فمن جحد بآيات الله وهي العلامات الهادية إليه الدّالّة على توحيده فأولئك لهم عذاب شديد، ﴿(وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ)﴾ أي ذو نقمة ينتقم ممن عصاه.
ثم حذرهم عن التلبّس والاستتار عن المعصية، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ (٥)،أي لا يخفى عليه قول الكفّار وعملهم، يحصي كلّ ما يعملونه فيجازيهم عليه في الآخرة.
وفائدة تخصيص الأرض والسماء وإن كان الله لا يخفى عليه شيء بوجه من الوجوه: أنّ ذكر الأرض والسماء أكبر في النفس وأهول في الصدر، فذكره على وجه الأهوال، إذ كان الغرض به التحذير.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ؛﴾ أي خلقكم في أرحام الأمّهات كيف يشاء من لون وطول وقصر وعظم وصغر وذكورة وأنوثة وحسن وقبح وسعيد أو شقيّ.
قوله تعالى: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٦)؛أي لا مصوّر ولا خالق إلاّ هو. ومعنى العزيز: المنيع في سلطانه، لا يغالب ولا يمانع، ومعنى الحكيم: المحكم في تدبيره وقضائه في عباده، وأفعال الله كلّها شاهدة بأنه الواحد القديم العالم القادر.
قوله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ،﴾ قال ابن عبّاس: (معناه: هو الّذي أنزل عليك القرآن منه آيات واضحات مبيّنات للحلال والحرام هنّ أصل الكتاب الّذي أنزل عليك يعمل عليه في الأحكام، وهنّ أمّ في التّوراة والإنجيل والزّبور وكلّ كتاب) نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ (١).
стр. 505
وقوله تعالى: ﴿(وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ)﴾ أي ومنه آيات أخر اشتبهت على اليهود مثل ﴿الم﴾ و ﴿المص﴾. وقيل: يشبه بعضها بعضا.
واختلفوا في المحكم والمتشابه، فقال قتادة والربيع والضحّاك والسديّ:
(المحكم هو النّاسخ الّذي يعمل به، والمتشابه هو المنسوخ الّذي يؤمن به ولا يعمل به) (١).وعن ابن عباس قال: (محكمات القرآن: ناسخه، وحلاله؛ وحرامه، وحدوده؛ وفرائضه؛ وأوامره (٢)،والمتشابهات: منسوخه، ومقدّمه ومؤخّره، وأمثاله وأقسامه) (٣).وقال مجاهد وعكرمة: (المحكم: ما فيه الحلال والحرام، وما سوى ذلك متشابه) (٤)،وقال بعضهم: المحكم هو الذي لا يحتمل من التأويل إلاّ وجها واحدا، والمتشابه ما احتمل وجوها.
وقال ابن زيد: (المحكم ما ذكره الله من قصص الأنبياء مثل نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى ﵈، والمتشابه هو ما اختلف فيه الألفاظ من قصصهم عند التّكرار كما في موضع من قصّة نوح ﴿قُلْنَا احْمِلْ﴾ (٥) وفي موضع آخر ﴿فَاسْلُكْ﴾ (٦)،وقال تعالى في العصا: ﴿فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾ (٧)،وفي موضع آخر ﴿فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ (٨)،وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٩) ونحو ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (١٠) ونحو ذلك) (١١).
стр. 506
وقال بعضهم: المحكم ما عرف العلماء تأويله وفهموا معانيه، والمتشابه ما ليس لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه، نحو: خروج الدجّال؛ ونزول عيسى؛ وطلوع الشمس من مغربها؛ وقيام الساعة؛ وفناء الدنيا ونحوها (١).
وقال ابن كيسان: (المحكمات حججها واضحة؛ ودلائلها واضحة؛ لا حاجة لمن سمعها إلى طلب معناها، والمتشابه هو الّذي يدرك علمه بالنّظر، ولا تعرف العوامّ تفصيل الحقّ فيه من الباطل).
وقال بعضهم: المحكم ما اجتمع على تأويله، والمتشابه ما ليس فيه بيان قاطع.
وقال محمد بن الفضل: (هو سورة الإخلاص لأنّه ليس فيها إلاّ التّوحيد فقط، والمتشابه نحو قوله ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ (٢) ونحو قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٣)،ونحو ذلك ممّا يحتاج إلى تأويلها في الإبانة عنها).
ويقال: المحكم: نحو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ (٤) والمتشابه: نحو قوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٥) ثمّ قال ﴿وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ﴾ (٦) ثم قال: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٧) فظنّ من لا معرفة له أن العدد ثمانية أيام ولم يعلم أنّ اليومين الأوّلين داخلان في الأربعة التي ذكرها الله من بعد.
وقال الزجّاج: (المحكم ما اعترف به أهل الشّرك ممّا أخبر الله به من إنشاء الخلق؛ وجعله من الماء كلّ شيء حيّ؛ وما خلق الله من الثّمار وسخّر لهم من الفلك والرّياح. والمتشابه: ما تشابه عليهم من أمر البعث).وقد سمى الله جملة القرآن محكما؛ فقال: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ (٨) فوصفه بالإحكام، وسماه كله
стр. 507
متشابها في آية أخرى، فقال: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً﴾ (١) أي يشبه بعضه بعضا في الحسن والتصديق.
قوله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ؛﴾ معناه: ﴿(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ)﴾ ميل عن الحقّ والهدى وهم اليهود فيتّبعون ما اشتبه عليهم من أمر الحروف المقطّعة، يحسبون ذلك بحساب الجمل ﴿(ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ)؛﴾ أي طلب الكفر والشّرك، ﴿(وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ)﴾ في طلب تفسير منتهى ما كتب الله لأمّة محمّد ﷺ من المدّة ليرجع الملك إلى اليهود، ﴿(وَما يَعْلَمُ)﴾ تفسير ما كتب الله لهذه الأمّة ﴿(إِلاَّ اللهُ)﴾.
وقال الربيع: (إنّ هذه الآية نزلت في وفد نصارى نجران لمّا حاجّوا النّبيّ ﷺ في المسيح؛ فقالوا: أليس هو كلمة الله وروح منه؟ قال: [بلى] قالوا: حسنا، فأنزل الله هذه الآية) (٢).
وقال ابن جريج: (﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾؛أي شكّ وهم المنافقون) (٣).
وقال الحسن: (هم الخوارج)،وقال بعضهم: جميع المبتدعة، أعاذنا الله من البدعة.
ومعنى الآية: أن النصارى صرفوا كلمة الله إلى ما يقولون من قدم عيسى مع الله ، وصرفوا قوله ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (٤) إلى أنه جزء منه كروح الإنسان، وإنّما أراد الله تعالى بقوله ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ (٥) أنّ الله تعالى إنّما صيّره بكلمة منه وهي قوله ﴿كُنْ﴾ (٦) فكان، وسماه روحه لأنه خلقه من غير أب، بل أمر جبريل فنفخ في جيب مريم ﵍؛ فهو روح من الله أضافه إلى نفسه تشريفا له، كبيت الله وأرض الله.
стр. 508
وقيل: سمّاه روحا؛ لأنه كان يحيي الموتى، كما سمّى القرآن روحا من حيث إن فيه حياة الناس في أمر دينهم، قال الله تعالى ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا﴾ (١) فصرف أهل الزيغ قوله تعالى ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ إلى مذاهبهم الفاسدة طلب الكفر والضّلال، ولم يردّوا هذا اللفظ الذي اشتبه عليهم وشبّهوه على أنفسهم إلى الآية المحكمة؛ وهو قوله : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ﴾ (٢) فعلى هذا يكون: ﴿(وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ)﴾ أي ما يعلم تأويل جميع المتشابه حتى يستوعب علم المتشابهات إلاّ الله.
واختلف أهل العلم في معنى هذه الآية، فقال قوم (الواو) في قوله تعالى:
﴿وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ،﴾ واو العطف، يعني أن تأويل المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون في العلم، وهم مع علمهم: ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٧)؛والمعنى والثابتون في العلم يعلمون تأويل ما نصب الله لهم الدلالة عليه إلى المتشابه وبعلمهم يقولون: ربّنا آمنّا به (٣)،فروي عن ابن عبّاس: ﴿(وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)﴾ يعلمونه قائلين: آمنّا به).
ومنهم من جعل تمام الكلام عند قوله ﴿(إِلاَّ اللهُ)﴾.وفي قراءة ابن مسعود آمنّا «(يقول الرّاسخون في العلم آمنّا به)» وهو مرويّ أيضا عن ابن عبّاس.
ولا يبعد أن يكون للقرآن تأويل ليستأثر الله بعلمه دون خلقه؛ لأنّا لا نعلم مراد الله وحكمته في جميع أوامره ونواهيه؛ غير أنه ألزمنا العمل بما أنزله ولم يطالبنا بما لا سبيل لنا إلى معرفته، ولم يخف عنّا علم ما غاب عنّا، مثل قيام الساعة وغير ذلك إلاّ لما فيه من المصلحة لنا وما هو خير لنا في ديننا ودنيانا، وما علّمناه فلم يعلّمناه إلاّ لمصلحتنا ونفعنا فنعرف بصحّة جميع ما أنزل الله؛ والتصديق بذلك كله ما علمنا منه وما لم نعلم.
стр. 509
وكان ابن عباس يقول: (أنا من الرّاسخين في العلم) (١).وقرأ مجاهد هذه الآية؛ فقال: (أنا ممّن يعلم تأويله).وروى عكرمة عن ابن عبّاس؛ قال: (كلّ القرآن أعلم تأويله إلاّ أربعا (غسلين) و (حنانا) و (الأوّاه) و (الرّقيم).).وهذا إنّما قاله ابن عباس في وقت ثم علمها بعد ذلك وفسّرها.
وممن اختار تمام الكلام عند قوله (إلاّ الله) واستئناف الكلام بقوله ﴿(وَالرّاسِخُونَ)﴾:عائشة وعروة بن الزبير ورواية طاوس عن ابن عباس كذلك أيضا؛ واختاره الكسائيّ والفرّاء ومحمد بن جرير؛ وقالوا: (إنّ الرّاسخين لا يعلمون تأويله، ولكنّهم يؤمنون به) (٢).والآية راجعة على هذا التأويل إلى العلم بمدّة أجل هذه الأمة؛ ووقت قيام السّاعة وفناء الدّنيا؛ ووقت طلوع الشمس من مغربها؛ ونزول عيسى؛ وخروج الدجّال ويأجوج ومأجوج؛ وعلم الرّوح ونحوها مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه.
قوله تعالى: ﴿(وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ)﴾ أخر جمع أخرى، ولم ينصرف لأنّه معدول عن أخر مثل عمر وزفر، وقوله تعالى: ﴿(وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)﴾ قال بعضهم: هم علماء أهل الكتاب الذين آمنوا منهم؛ مثل عبد الله بن سلام وأصحابه، ودليله قوله تعالى ﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ (٣) يعني الدّارسين علم التوراة. وعن أبي أمامة قال: سئل رسول الله ﷺ من الرّاسخون في العلم؟ فقال: [من برّ في يمينه؛ وصدق لسانه؛ واستقام قلبه؛ وعفّ بطنه وفرجه؛ فذلك الرّاسخ في العلم] (٤).
وسئل أنس بن مالك عن تفسير الراسخين في العلم من هم؟ فقال: (الرّاسخ:
هو العالم العامل بما علم المتّبع).
стр. 510
وقيل الراسخون في العلم: المتواضعون لله، المتذلّلون في طلب مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم ولا يحتقرون من دونهم.
وقال بعضهم: الراسخ في العلم من وجد في عمله أربعة أشياء: التقوى بينه وبين الله، والتواضع بينه وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدّنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه.
قوله : ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا؛﴾ أي ويقول الراسخون في العلم ربنا لا تمل قلوبنا عن الحقّ والهدى كما أزغت قلوب اليهود والنصارى، ﴿(بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا)﴾ أي لا تزع قلوبنا بعد إذ أرشدتنا ونصرتنا ووفّقتنا لدينك الحقّ، وقوله: ﴿وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً؛﴾ أي أعطنا من عندك نعمة، وقيل:
لطفا يثبت قلوبنا على الهدى. واسم الرحمة يقع على كلّ خير ونعمة، وقيل معناه:
وهب لنا من لدنك توفيقا وتثبيتا على الإيمان والهدى. وقال الضحّاك: (معناه: وهب لنا تجاوزا ومغفرة).وقيل: هب لنا لزوم خدمتك على شرط السّنة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ (٨)؛أي أنت المعطي والوهّاب الذي من عادته الإعطاء والهبة، وإنّما سمي القلب قلبا لتقلّبه، وإنّما مثل القلب مثل ريشة بفلاة من الأرض، وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [إنّ قلب ابن آدم مثل العصفور يتقلّب في اليوم سبع مرّات] (١).
قوله : ﴿رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ؛﴾ أي يقولون ربّنا إنك محيي الناس بأجمعهم بعد الموت جزاء؛ (ل) جزاء (يوم لا ريب فيه) أي لا شكّ فيه يعني يوم القيامة.
قوله : ﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (٩)؛أي لا يخلف الله ما وعد من البعث والحساب والميزان والجنّة والنار.
стр. 511
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً؛﴾ أراد بالذين كفروا اليهود الذين تقدّم ذكرهم. وقيل: أراد بهم نصارى نجران، ويقال: عامّة الكفار، ومعنى: ﴿(لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً)﴾ أي لا يدفع عنهم كثرة أموالهم وأولادهم شيئا من عذاب الله في الدّنيا والآخرة؛ لأنه لا يقبل منهم فداء ولا شفاعة. ويسمّى المال غنى لأنه يدفع عن مالكه الفقر والنوائب، فأخبر الله أن أموال هؤلاء الكفار وأولادهم لا تقيهم من العذاب.
قرأ السلمي: «(لن يغني عنهم)» بالياء لتقدّم الفعل ودخول الحائل بين الاسم والفعل، وقرأ الحسن «(لن تغني)» بالتّاء وسكون الياء.
قوله تعالى: ﴿وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ﴾ (١٠)؛أي حطب النار، والوقود بنصب الواو ما يوقد به النار، وفي هذا بيان أنّ أهل النار يحترقون في النار احتراق الحطب لا كما يحترق الإنسان بنار الدّنيا، فإنّ نار الدنيا تسيل الصّديد من الإنسان ولا تأخذه كما تأخذ الحطب، ومن قرأ «(وقود)» بضمّ الواو فهو مصدر وقدت النّار وقودا، كما يقال ورد ورودا؛ فيكون المعنى: أولئك هم وقود النار.
قوله : ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ؛﴾ الآية؛ المعنى أنّ الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا عند حلول النقمة والعقوبة مثل آل فرعون وكفّار الأمم الخالية أخذناهم وعاقبناهم فلم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم. وقيل: معناه عادة هؤلاء الكفّار في الكفر والتكذيب بالحقّ كعادة آل فرعون وعادة الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود؛ ﴿(كَذَّبُوا)﴾ بكتبنا ورسلنا فعاقبهم الله بكفرهم وشركهم، ﴿وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (١١) إذا عاقب، فعقابه شديد على الدّوام، والتأبيد لا كعقوبة أهل الدّنيا.
والدّأب في اللغة: العادة، كذا قال النّضر بن شميل والمبرّد، فيكون معناه:
كعادة آل فرعون. وقال الزجّاج: (الدّأب: الاجتهاد؛ أي كاجتهاد آل فرعون في كفرهم وتطايرهم على الباطل، يقال: دأب في كذا يدأب دأبا إذا أدام العمل فيه، ثمّ نقل معناه إلى الشّأن والحال والعادة).
стр. 512
وقال ابن عبّاس وعكرمة ومجاهد والضحّاك والسديّ: (معناه: كفعل آل فرعون وصنعهم في الكفر والتّكذيب) (١) يقول: كفرت اليهود بمحمّد ككفر آل فرعون والّذين من قبلهم. وقال الربيع والكسائيّ: (معناه: كشبه آل فرعون).وقال سيبويه: (الكاف في (كدأب) في موضع رفع، فخبر المبتدأ تقديره: دأبهم كدأب آل فرعون).
قوله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (١١)،أي قل يا محمّد للذين كفروا ستهزمون وتقتلون وتحشرون بعد الموت إلى جهنّم وبئس الفراش. قرأ يحيى بن وثّاب وحمزة والكسائيّ وخلف بالياء فيهما، والباقون بالتّاء، فمن قرأهما بالياء فعلى الإخبار عنهم أنّهم يغلبون ويحشرون، ومن قرأها بالتّاء فعلى الخطاب؛ أي قل لهم إنّكم ستغلبون وتحشرون.
واختلف المفسّرون في هؤلاء الكفّار؛ فقال مقاتل: (هم كفّار مكّة، ومعناه: قل لكفّار مكّة ستغلبون يوم بدر وتحشرون إلى جهنّم في الآخرة، فلمّا نزلت هذه «الآية» قال النّبيّ ﷺ للكفّار يوم بدر [إنّ الله غالبكم وحاشركم إلى جهنّم]).
وقال الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس: (إنّ المراد بهم يهود المدينة، وذلك أنّ النّبيّ ﷺ لمّا هزم الكفّار يوم بدر، قالت اليهود: هذا والله النّبيّ الأمّيّ الّذي بشّرنا به موسى ونجده في التّوراة بنعته وصفته، وإنّه لا تردّ له راية، وأرادوا تصديقه واتّباعه؛ فقال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتّى تنظروا إلى وقعة له أخرى، فلمّا كان يوم أحد وغلب أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: والله ما هو به، فغلب عليهم الشّقاء فلم يسلموا، وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد إلى مدّة فنقضوا ذلك العهد قبل أجله، وانطلق كعب بن الأشرف في ستّين راكبا إلى أبي سفيان بمكّة ووافقوهم على أن تكون كلمتهم واحدة، ثمّ رجعوا إلى المدينة، فأنزل الله هذه الآية) (٢).
стр. 513
وعن ابن عباس وقتادة أنّهما قالا: (لمّا أهلك الله قريشا يوم بدر، جمع رسول الله ﷺ اليهود بسوق بني قينقاع، فدعاهم إلى الإسلام وحذرهم مثلما نزل بقريش من الانتقام، فأبوا وقالوا: لسنا كقريش الأغمار الّذين لم يعرفوا القتال ولم يمارسوه، لئن حاربتنا لنقتلنّ رجالا، وتعرف البأس والشّدّة، فأنزل الله هذه الآية) (١).قوله تعالى: ﴿(إِلى جَهَنَّمَ)﴾ اشتقاق جهنّم من الجهنام وهي البئر البعيدة القعر.
قوله : ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ؛﴾ أي قد كان لكم أيها اليهود عبرة، ويقال: أيّها الكفار على صدق ما أقول لكم في فرقتين التقتا يوم بدر؛ فرقة تقاتل في سبيل الله؛ أي في طاعة الله وهم رسول الله ﷺ وأصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين، ومائتان وستّة وثلاثون من الأنصار، وكان صاحب راية رسول الله ﷺ والمهاجرين عليّ ﵁، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة، وكان جملة الإبل التي في جيش رسول الله ﷺ يومئذ سبعين بعيرا، والخيل فرسين؛ فرس المقداد وفرس مرثد بن أبي مرثد، وقيل: فرس عليّ، وكان معهم من السّلاح ستة أدرع وثمانية سيوف، وجميع من استشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا، ستّة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار.
قوله تعالى: ﴿(وَأُخْرى كافِرَةٌ)﴾ أي فرقة أخرى كافرة؛ وهم كفار مكة سبعمائة وخمسون رجلا مقاتلين، ورئيسهم يومئذ عتبة بن ربيعة، وكانت خيلهم مائة فرس، وكانت حرب بدر أوّل مشهد شهده رسول الله ﷺ .
قوله تعالى: ﴿(يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ)﴾ من قرأ بالياء؛ فالمعنى ترى الفئة المؤمنة الفئة الكافرة مثليهم ظاهر العين؛ أي ظنّ المسلمون أن المشركين ستمائة ونيّف، وإنّهم يغلبوا المشركين كما وعدهم الله بقوله: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٢) قلّل الله المسلمين في أعين المشركين، والمشركين في أعين المسلمين حتى اقتتل الفريقان كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً﴾
стр. 514
﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ ثم قذف الله الرّعب في قلوب الكفرة حتى انهزموا بكفّ من تراب أخذه رسول الله ﷺ فرماه في وجوههم وقال: [شاهت الوجوه] (١).
ومن قرأ «(ترونهم)» بالتاء فهو خطاب لليهود، يعني يرون كفار مكة قريشا والمؤمنين رأي العين، فإن قيل لم قال ﴿(قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ)﴾ ولم يقل قد كانت والآية مؤنّثة؟ قيل: لأنّه ردّها إلى البيان؛ أي قد كان بيان، فذهب إلى المعنى وترك اللّفظ.
قوله تعالى: ﴿(يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ)﴾ قرأ أبو رجاء والحسن وشيبة ونافع ويعقوب بالتّاء، وقرأ الباقون بالياء.
وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ؛﴾ أي يقوّي ويشدد بقوّته من يشاء. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ (١٣)؛ أي في غلبة المؤمنين للمشركين مع قلّة المؤمنين وشوكة المشركين، (لعبرة) لذوي الأبصار في الدين؛ أي لذوي بصارة القلوب، ويجوز أن يكون معناه: لعبرة لمن أبصر الجيش الجمعين بعينه يومئذ، وفي قوله تعالى: ﴿(فِئَةٌ)﴾ قراءتان، من قرأها بالرفع فعلى معنى: إحداهما فئة تقاتل، ومن قرأها بالخفض فعلى البدل من فئتين، كما قال الشّاعر (٢):
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رماها الدّهر بالحدثان
قوله : ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ؛﴾ بيّن الله بهذه الآية إنّ ما بسط للمشركين من زهرة الدّنيا وزينتها هو الذي يمنعهم من تصديق النبيّ ﷺ فيما يدعوهم إليه.
стр. 515
والمعنى: حسّن للناس حبّ اللّذات والشهوات والمشتهيات من النساء والبنين، بدأ بالنساء لأنّهن حبائل الشيطان وأقرب إلى الافتتان ويحملن الرجال على قطع الأرحام والآباء والأمّهات وجمع المال من الحلال والحرام. وقوله تعالى: ﴿(وَالْبَنِينَ)﴾ قال ﷺ : [هم ثمرة القلوب وقرّة الأعين؛ وإنّهم مع ذلك لمجبنة مبخلة] (١).
قوله تعالى: ﴿(وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ)﴾ من القناطير، جمع قنطار، واختلفوا فيه، فقال الربيع: (القنطار هو المال الكثير بعضه على بعض).وقال ابن كيسان: (هو المال العظيم).وعن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : [القنطار اثنا عشر ألف أوقيّة] (٢)، وعن أنس: (أنّ القنطار ألف مثقال).وعن معاذ: (ألف ومائتا أوقيّة) (٣).وعن أنس أيضا عن رسول الله ﷺ : [ألفا مثقال].وعن عكرمة: (مائة ألف ومائة منّ ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم).وقيل القنطار: ما بين السماء والأرض من المال، وقيل: ملء مسك ثور ذهبا وفضّة، وقال ابن المسيّب وقتادة: (ثمانون ألفا).وعن مجاهد: (سبعون ألفا).وعن الحسن أنه قال: (القنطار مثل دية أحدكم).وحاصله أن القنطار: هو المال الكثير.
وقوله تعالى: ﴿(الْمُقَنْطَرَةِ)؛﴾ قال قتادة: (أي المنضّدة بعضها على بعض).وقال بعضهم: المقنطرة: المدفونة. وقال السديّ: (المضروبة المنقوشة).قوله تعالى: ﴿(مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ)﴾ سمي الذهب ذهبا لأنه يذهب ولا يبقى، والفضة لأنّها تنفضّ أي تتفرّق.
قوله تعالى: ﴿(وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ)﴾ الخيل جمع لا واحد له من لفظه، واحده فرس، والمسوّمة هي الرواتع من السّوم وهو الرعي، قال الله: ﴿شَجَرٌ فِيهِ﴾
стр. 516
﴿تُسِيمُونَ﴾ (١) أو تكون من السّيما؛ وهي العلامة من الأوضاح والغرّة التي تكون في الخيل (٢).وقال السديّ: (المسوّمة: هي الواقفة).وقال مجاهد: (الحسان) وقال الأخفش: (هي المعلّمة).وقال ابن كيسان: (البلق).
روي عن عليّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لمّا أراد الله أن يخلق الخيل قال للرّيح الجنوب: إنّي خالق منك خلقا فأجعله عزّا لأوليائي؛ ومذلّة لأعدائي؛ وجمالا لأهل طاعتي، ثمّ خلق منها فرسا وقال له: خلقتك وجعلت الخير معقودا بناصيتك؛ والغنائم مجموعة على ظهرك؛ وعطّفت عليك صاحبك؛ وجعلتك تطير بلا جناح؛ وأنت للطّلب وأنت للهرب، وسأجعل على ظهرك رجالا يسبحونني ويحمدونني ويهلّلونني ويكبرونني] (٣).
وقيل: خلق الله خيلا تلقى أعناقها كأعناق البخت، فلما أرسلها إلى الأرض واستوت أقدامها صهل فرس منها فقيل له: بوركت من دابّة، أذلّ بصهيلك المشركين، أذلّ به أعناقهم واملأ به آذانهم، وأرعب به قلوبهم، فاختار الفرس، فقيل له: اخترت عزّك وعزّ ولدك، ما خلقت خلقا أعزّ إليّ منك ومنه.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة] (٤)،وعن أنس قال: (لم يكن شيء أحبّ إلى رسول الله ﷺ بعد النّساء من الخيل).وعن أبي ذرّ قال: قال رسول الله ﷺ : [ما من فرس عربيّ إلاّ يؤذن له عند كلّ فجر بدعوة فيقول: اللهمّ من خوّلتني من بني آدم وجعلتني له،
стр. 517
فاجعلني أحبّ أهله وماله إليه] (١)،وقال ﷺ : [ارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها، وعليكم بكلّ كميت أغرّ محجّل أو أدهم أغرّ محجّل] (٢).وعن أبي هريرة: [كان رسول الله ﷺ يكره الشّكال من الخيل] (٣) وهو أن يكون له ثلاث قوائم محجّلة وأخرى مطلقة، أو يكون الثلاث مطلقة والرابعة محجّلة، ولا يكون الشّكال إلاّ في الرّجل دون اليد.
وقال ﷺ : [الشّؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدّار] (٤) وقال ﷺ : [الخيل ثلاثة: فرس للرّحمن؛ وفرس للإنسان؛ وفرس للشّيطان، فالّذي للرّحمن ما اتّخذ في سبيل الله وقوتل عليه أعداء الله، وأمّا فرس الإنسان فما استبطن وتحمّل عليه (٥)، وأمّا فرس الشّيطان فما روهن عليه أو قومر عليه] (٦).
قوله تعالى: ﴿(وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ)﴾ الأنعام جمع النّعم، وأشهر النّعم أكثر ما يستعمل في الإبل، وقد يقع على سائر المواشي من البقر والغنم والإبل، وقوله تعالى:
﴿(وَالْحَرْثِ)﴾ بمعنى الزّرع.
стр. 518
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ أي هذا الذي ذكرت متاع الحياة الدنيا، أي شيء يستمتع به في الدّنيا ثم يزول ويفنى. قوله تعالى:
﴿وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (١٤)،أي حسن المرجع والمنقلب للمؤمنين وهو الجنة الباقية، ثم بيّن الله إنّما أعدّ الله للمؤمنين في الآخرة خير من هبة الدّنيا.
وقال : ﴿*قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها؛﴾ أي (قل) يا محمّد:
أخبركم بخير من الذي زيّن للناس في الدنيا للذين اتقوا الشّرك والكبائر والفواحش؛ فلا يشتغلون بالزينة عن طاعة الله، لهم عند ربهم جنات؛ أي بساتين تجري من تحت شجرها ومساكنها أنهار الماء والعسل والخمر واللّبن، ﴿(خالِدِينَ فِيها)﴾ أي مقيمين دائمين؛ أي ليست تلك المياه كمياه الدّنيا تجري أحيانا وتنقطع أحيانا، بل تكون جارية أبدا.
قوله تعالى: ﴿وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ؛﴾ أي ولهم نساء مهذبات في الخلق والخلق. قوله تعالى: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ؛﴾ أي لهم مع ذلك رضا الله عنهم وهو من أعظم النّعم، قال الله تعالى: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ (١)،قوله تعالى:
﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ (١٥)؛أي عالم بأعمالهم وثوابهم.
واختلفوا في منتهى الاستفهام في قوله تعالى: ﴿(أَأُنَبِّئُكُمْ)؛﴾ قال بعضهم: منتهاه عند قوله: ﴿(بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ)﴾ وقوله تعالى: ﴿(لِلَّذِينَ اتَّقَوْا)﴾ استئناف الكلام، وقال بعضهم:
منتهاه: ﴿(عِنْدَ رَبِّهِمْ)﴾ وقوله تعالى: ﴿(جَنّاتٌ)﴾ استئناف كلام.
قرأ أبو بكر عن عاصم: «(ورضوان)» بضمّ الراء في جميع القرآن وهي لغة قيس وعيلان وتميم؛ وهما لغتان كالعدوان والطمعان والطعنان، وقرأ عامّة القرّاء «(ورضوان)» بكسر الراء.
стр. 519
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ (١٦)، ﴿(الَّذِينَ)﴾ في موضع خفض ردّا على قوله ﴿(لِلَّذِينَ اتَّقَوْا)﴾ أي للمتّقين ﴿(الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنّا)﴾ وصدّقنا بالله وبالرسول فاغفر لنا خطايانا، وادفع عنّا عذاب النار، ويجوز أن يكون موضع ﴿(الَّذِينَ)﴾ رفعا على معنى هم ﴿(الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا)﴾ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ (١) ثم قال في صفتهم مبتدئا: ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿الصّابِرِينَ وَالصّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ﴾ (١٧)؛ ﴿(الصّابِرِينَ)﴾ في موضع خفض بدل من ﴿(الَّذِينَ يَقُولُونَ)﴾.وذهب بعضهم إلى ﴿(الصّابِرِينَ)﴾ نصب بالمدح. ومعنى الآية:
﴿(الصّابِرِينَ)﴾ على طاعة الله وعلى الشدائد والمصائب وعلى ارتكاب النّهي وعلى البأساء والضرّاء، ﴿(وَالصّادِقِينَ)﴾ في إيمانهم وأقوالهم وأفعالهم، فإنّ الصدق قد يقع في القول كما يقع في الفعل، يقال: صدق فلان في القتال، وصدق في الجملة أي حقّق.
قال قتادة في تفسير الصّادقين: (هم قوم صدقت نيّاتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم في السّرّ والعلانية). ﴿(وَالْقانِتِينَ)﴾ أي القائمين بعبادة الله المطيعين، ﴿(وَالْمُنْفِقِينَ)﴾ يعني في طاعة الله.
وقوله: ﴿(وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ)﴾ قال قتادة: (أراد به المصلّين بالأسحار) قال أنس بن مالك: (أراد به السّائلين المغفرة بالأسحار)،وقال الحسن: (انتهت صلاتهم إلى وقت السّحر؛ ثمّ كان بعدها الاستغفار)،وعن إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال:
(سمعت صوتا في ناحية المسجد سحرا يقول: إلهي دعوتني فأجبتك؛ وأمرتني فأطعتك؛ وهذا سحر فاغفر لي. فنظرت فإذا هو عبد الله بن مسعود ﵁.
روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: [ثلاثة أصوات يحبّهم الله: أصوات الدّيك، وصوت الّذي يقرأ القرآن، وصوت المستغفرين بالأسحار] (٣).وروي أنّ داود ﵁
стр. 520
سأل جبريل: أيّ اللّيل أفضل؟ فقال: لا أدري إلاّ أنّ العرش يهتزّ في وقت السّحر.
وقال سفيان الثوريّ: (إنّ لله ريحا يقال لها الصّبحة تهبّ وقت السّحر؛ تحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبّار)،وقال: (بلغنا أنّه إذا كان أوّل اللّيل نادى مناد: ألا ليقم العابدون، فيقومون فيصلّون ما شاء الله، ثمّ ينادي مناد في شطر اللّيل:
ألا ليقم القانتون، فيقومون كذلك فيصلّون، فإذا كان السّحر نادى مناد: أين المستغفرون؟ فيستغفر أولئك؛ فإذا طلع الفجر نادى مناد: ألا ليقم الغافلون؛ فيقومون من فراشهم كالموتى إذا نشروا من قبورهم).وقال لقمان لابنه: (يا بنيّ لا يكوننّ الدّيك أكيس منك؛ ينادي بالأسحار وأنت نائم).والسّحر: هو الوقت الّذي قبل طلوع الفجر.
قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ؛﴾ روى أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من قرأ ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ عند منامه خلق الله تعالى منها سبعين ألف خلق يستغفرون له إلى يوم القيامة] (١).وعن سعيد بن جبير قال: (كان حول الكعبة ثلاثمائة وستّون صنما؛ لكلّ حيّ من أحياء العرب صنم أو صنمان، فلمّا نزلت هذه الآية أصبحت تلك الأصنام كلّها وقد خرّت سجّدا).
وعن ابن مسعود أنه قال: [من قرأ ﴿(شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ)﴾ إلى قوله: ﴿(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ)﴾ وقال: أنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشّهادة وهي لي وديعة عنده؛ يجاء صاحبها يوم القيامة فيقول الله تعالى: عبدي عهد لي وأنا أحقّ من وفّى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنّة] (٢).
ومعنى الآية: قال محمد بن السائب الكلبيّ: (لمّا ظهر رسول الله ﷺ بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار اليهود من الشّام، فقال أحدهما لصاحبه حين أبصر
стр. 521
المدينة: ما أشبه هذه المدينة بمدينة النّبيّ الّذي يخرج في آخر الزّمان، فلمّا دخلا على النّبيّ ﷺ عرفاه بالصّفة والنّعت، فقالا له: أنت محمّد؟ قال: [نعم].قالا: أنت أحمد؟ قال: [أنا محمّد وأحمد].قالا: فإنّا نسألك عن شيء فإن أخبرتنا به آمنّا بك وصدّقناك، قال: [اسألوا].قالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله تعالى؟ فأنزل الله تعالى على نبيّه هذه الآية ﴿(شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ)﴾ إلى آخرها، فأسلم الرّجلان وصدّقا برسول الله ﷺ .
قرأ أبو نهيك وأبو الشّعث «(شهد الله)» بالمدّ والرفع على معنى: هم شهد الله الذين تقدّم ذكرهم. وقرأ المهلّب: «(شهد الله)» بالمدّ والنصب على المدّ. والآخرون «(شهد الله)» على الفعل أي قضاء الله، ويقال: أخبر الله. وقال مجاهد: (حكم الله).قرأ ابن السموأل: «(شهد الله أنّه لا إله إلاّ هو).» وقرأ ابن عباس: «(إنّه لا إله إلاّ الله)» بكسر الألف جعله خبرا مستأنفا، وقال بعضهم بكسره لأنّ الشهادة قول وما بعد القول مكسور على الحكاية، تقديره: قال الله إنه لا إله إلاّ الله. قال المفضّل: (معنى الشّهادة ﴿(شَهِدَ اللهُ)﴾:الإخبار والإعلام، ومعنى الملائكة والمؤمنين بالإقرار؛ كقوله ﴿شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا﴾ (١) أي أقررنا).
قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْعِلْمِ؛﴾ معناه الأنبياء، وقيل: المهاجرون والأنصار، وقيل: علماء المؤمنين أهل الكتاب: عبد الله بن سلام وأصحابه، وقال الكلبيّ والسديّ: (علماء المؤمنين كلّهم، فقرن الله شهادة العلماء بشهادته، لأنّ العلم صفة الله تعالى العليا ونعمته العظمى، والعلماء أعلام الإسلام والسّابقون إلى دار السّلام وشرح الأمكنة وحجج الأزمنة) (٢).
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : [ساعة من عالم يتّكئ على فراشه، وينظر في علمه خير من عبادة العابدين سبعين عاما] (٣).وعن أنس ﵁
стр. 522
قال: قال رسول الله ﷺ : [تعلّموا العلم، فإنّ تعليمه لله خشية، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة؛ لأنّه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل الجنّة والنّار، وهو الأنس في الوحشة، والصّاحب في الغربة، والمحدّث في الخلوة، والدّليل على السّرّاء والضّرّاء، والسّلاح على الأعداء. يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة، يقتدى بهم وتقصّ آثارهم ويقتدى بأفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلّتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتهم تستغفر لهم، وكلّ رطب ويابس يستغفر لهم، حتّى حيتان البحر وهوامّه، وسباع الأرض وأنعامها، والسّماء ونجومها، ألا وإنّ العلم حياة القلوب عن العماء، ونور الأبصار من الظّلمات، يبلغ بالعبد منازل الأحرار ومجالس الملوك، والفكر فيه يعدل بالصّيام، ومدارسته بالقيام، وبه يعرف الحلال والحرام، وبه يوصل الأرحام، يلهمه الله السّعدى، ويحرمه الأشقياء].
قوله تعالى: ﴿قائِماً بِالْقِسْطِ؛﴾ أي بالعدل، ونصب ﴿(قائِماً)﴾ على الحال من شهد، وقيل: من قوله ﴿(لا إِلهَ إِلاّ هُوَ)،﴾ ويجوز وقوع الحال المؤكّد على الاسم في غير الإشارة، يقول: إنه زيد معروفا؛ وهو الحقّ مصدّقا.
فإن قيل: الحال وصف هيئة الفاعل وذلك مما يقبل تغيير؛ فهل يجوز من الله أن يزول عنه قيامه بالقسط؟ قيل: هذا على مذهب الكوفيّين لا يلزم؛ لأنّهم يسمّونه على لفظ القطع، يعنون بالقطع: قطع المعرفة إلى لفظ النّكرة، مثل قوله: ﴿الدِّينُ واصِباً﴾ (١) كان أصله الواصب، وهذا كان أصله القائم، فلما قطعت الألف واللام نصب.
وأمّا عند البصريّين فالحال حلال من باب حل في الشيء وصار فيه حالّ يأتي بعد الفعل يجوز عليه التغيير، وحال يأتي بعد الاسم (٢) لا يجوز عليه التغيير، وهذا من ذلك، وكذلك قوله: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ (٣).
стр. 523
قوله تعالى: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ،﴾ (١٨) قال جعفر الصّادق: (إنّما كرّر الشّهادة لأنّ الأولى وصف وتوحيد، والثّانية رسم وتعليم) أي قولوا ﴿(لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)﴾ العزيز: الغالب المنيع، والحكيم: ذو الحكمة في أمره وسلطانه، وقوله: ﴿(قائِماً بِالْقِسْطِ)﴾ أي قائم بالتدبير؛ أي يجري أفعاله على الاستقامة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ؛﴾ معنى الدّين المرتضى؛ نظيره ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ (١)،والإسلام: هو الدخول في السّلم والانقياد والطاعة. وعن قتادة: (هو شهادة أن لا إله إلاّ الله؛ والإقرار بما جاء من عند الله؛ وهو دين الله الّذي شرع لنفسه؛ وبعث به رسله؛ ودلّ عليه أولياءه؛ ولا يقبل غيره).
وقرأ الكسائيّ: «(الدّين عند الله)» بالفتح على معنى: شهد الله أنه لا إله إلاّ هو، وشهد أنّ الدّين عند الله الإسلام.
قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ؛﴾ أي لم تقر اليهود والنصارى للإسلام ولم يتسمّوا باليهوديّة والنصرانيّة ﴿(إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ)﴾ في كتابهم حسدا بينهم.
روي: أنّ اليهود كانوا يسمّون مسلمين؛ فلمّا بعث عيسى ﵇ وسمّى أصحابه مسلمين حسدت اليهود مشاركتهم في الاسم فسمّوا أنفسهم يهودا؛ فكانوا يسمّون مسلمين ويهودا، فغيّرت النصارى اسمهم وسمّوا أنفسهم نصارى. والبغي: هو طلب الاستعلاء بغير حقّ.
وقال بعضهم: معنى الآية: ما اختلف الذين أوتوا الكتاب في نبوّة محمّد ﷺ إلاّ من بعد ما جاءهم بيان نعته وصفته في كتبهم.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (١٩)؛ أي من يجحد بمحمّد ﷺ والقرآن فإنّ الله سريع المجازاة، سريع التعريف للعامل عمله لا يحتاج إلى إثبات وتذكير.
стр. 524
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ؛﴾ أي فإن خاصموك يا محمّد في الدّين؛ فقل: انقدت لله وحده بلساني وجميع جوارحي، وإنّما خصّ الوجه لأنه أكرم جوارح الإنسان وفيه بهاؤه وتعظيمه، فإذا خضع وجهه لشيء فقد خضع له سائر جوارحه التي دون الوجه. قال الفرّاء: (معناه: أخلصت عملي لله، والوجه العمل).
قوله تعالى: ﴿(وَمَنِ اتَّبَعَنِ)﴾ في موضع رفع عطفا على إنّي أسلمت؛ أي أسلمت ومن اتّبعني أسلم أيضا كما أسلمت، والأصل إثبات الياء في (تبعني) لكن حذفت للتخفيف.
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ؛﴾ الذين أوتوا الكتاب هم اليهود والنصارى؛ والأمّيّون مشركو العرب؛ أي قل لهم أخلصتم كما أخلصنا، ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا﴾ اخلصوا؛ ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا؛﴾ من الضلال؛ ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا؛﴾ عن الإسلام وقالت النّصارى المسيح ابن الله، وقالت اليهود عزير ابن الله؛ ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ؛﴾ بالرّسالة.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ (٢٠)؛أي عالم بمن يؤمن ومن لا يؤمن، لا يفوته شيء من أعمالهم التي يجازيهم بها.
قال الكلبيّ: (لمّا نزلت هذه الآية ذكر ذلك لهم النّبي ﷺ ؛ فقال أهل الكتاب:
أسلمنا، قال النّبيّ ﷺ لليهود: [تشهدون أنّ عيسى كلمة الله وعبده ورسوله؟] قالوا: معاذ الله؛ ولكنّه ابن الله. فذلك قوله تعالى: ﴿(وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ)﴾.
﴿(وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ)﴾ أي عليم بصير بمن يؤمن وبمن لا يؤمن؛ وبأهل الثّواب وبأهل العقاب.
فإن قيل: قوله: ﴿(وَمَنِ اتَّبَعَنِ)﴾ عطف على المضمر في قوله: ﴿(أَسْلَمْتُ)﴾ والعرب لا تعطف الظاهر على المضمر؟ قيل: إنّما لا تعطف إذا لم يكن بين الكلامين فاصل، أمّا إذا كان بينهما فاصل جاز.
стр. 525
قوله ﴿(أَسْلَمْتُ)﴾ لفظه استفهام ومعناه أمر؛ أي أسلموا كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (١) أي انتهوا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢١)؛معناه: إنّ الذين يجحدون بآيات الله وهم اليهود والنصارى.
﴿(وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ)﴾ قرأ الحسن «(ويقتّلون)» بالتشديد فهما على التكثير، وقرأ حمزة «(ويقاتلون الّذين يأمرون).»
وفي إضافتهم قتل الأنبياء هؤلاء الّذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ قولان؛ أحدهما: رضاهم بقتل من سلف منهم النبيين نحو قتلهم زكريّا ويحيى، والثاني: أنّ هؤلاء قاتلوا النبيّ ﷺ وهمّوا بقتله كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ (٢)،وقرأ بعضهم: «(يقاتلون النّبيّين بغير حقّ)».
وعن أبي عبيدة بن الجرّاح ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ﷺ ؛ أيّ النّاس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: [رجل قتل نبيّا أو رجلا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر] ثمّ قرأ هذه الآية؛ ثمّ قال: [يا أبا عبيدة؛ قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيّا من أوّل النّهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عبّاد بني اسرائيل؛ فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقتلوهم جميعا في آخر النّهار من ذلك اليوم] فهم الذين ذكرهم الله في كتابه وأنزل فيهم الآية (٣).
قوله تعالى: ﴿(فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ)﴾ أي أخبرهم بعذاب وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم.
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ،﴾ أي أهل هذه الصّفة بطلت حسناتهم فلا يستحقّون الثناء عليها في الدّنيا، ولا يستحقون
стр. 526
الثواب عليها في الآخرة؛ ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٢٢)؛أي من ناصر يمنعونهم من العذاب إذا نزل بهم.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢٣).قال الكلبيّ: (وذلك أنّ رجلا وامرأة من أشراف أهل خيبر من اليهود فجرا وكان في كتابهم الرّجم؛ فكرهوا رجمهما لشرفهما ورجوا أن يكون لهما عند رسول الله ﷺ رخصة في أمرهما في الرّجم فيأخذوا به. فرفع أمرهما إلى النّبيّ ﷺ فحكم عليهما بالرّجم، فقال بعضهم: جرت علينا يا محمّد! فقال ﷺ : [بيني وبينكم التّوراة، فمن أعرفكم بها] قالوا: ابن صوريّا، فأرسلوا إليه، فلمّا قدم قال له رسول الله ﷺ : [أنت ابن صوريّا؟] قال: نعم، قال: [أنت أعلم اليهود؟] قال: كذلك يزعمون. فدعا رسول الله ﷺ شيئا من التّوراة فيه آية الرّجم-دلّه على ذلك ابن سلام-فقال لابن صوريّا: اقرأ؛ فلمّا أتى على آية الرّجم فوضع كفّه عليها؛ ثمّ قام ابن سلام وقال: يا رسول الله ﷺ ؛ قد جاوزها ووضع كفّه عليها، ثمّ قام ابن سلام فرفع كفّه عنها، وقرأ على رسول الله ﷺ : (المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البيّنة؛ فيسأل عن البيّنة، فإن كانوا عدولا رجم، وإن كانت المرأة حبلى يتربّص بها حتّى تضع ما في بطنها).فأمر بهما رسول الله ﷺ برجمهما فرجما، فغضبت اليهود لذلك غضبا شديدا ورجعوا كفّارا) (١).فذلك قوله تعالى: ﴿(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ)﴾ معناه: ألم تعلم يا محمّد بالذين أعطوا حظا من التوراة.
وقوله: ﴿(يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ)﴾ قال ابن عبّاس: (هو التّوراة دعي إليها اليهود فأبوا لعلمهم بلزوم الحجّة، وأنّ فيه البشارة بالنّبيّ ﷺ .وقال الحسن وقتادة: (أراد به القرآن، فإنّهم دعوا إلى القرآن لموافقته التّوراة في أصول الدّيانة) (٢).وعن الضحّاك
стр. 527
في هذه الآية: (أنّ الله تعالى جعل القرآن حكما بينهم وبين رسول الله ﷺ ؛ فحكم القرآن على اليهود والنّصارى بأنّهم على غير الهدى فأعرضوا).وقال قتادة: (هم اليهود دعوا إلى حكم القرآن واتّباع محمّد ﷺ ؛ فأعرضوا وهم يجدونه مكتوبا عندهم في كتبهم) (١).
قوله تعالى: ﴿(ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ)﴾ أي يعرض؛ جمع كثر منهم من الدّاعي وهم معرضون عن العمل بالمدعوّ إليه، وقيل: معناه: ثمّ يتولّى فريق منهم بعد علمهم أنّها في التوراة، وإنّما ذكر الإعراض بعد التولّي؛ لأن الإنسان قد يعرض عن الدّاعي ويتأمّل ما دعاه إليه فينكر أنه حقّ أو باطل، وهم لم يتأمّلوا ولم يتفكّروا فيما دعوا إليه.
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُوداتٍ؛﴾ أي ﴿(ذلِكَ)﴾ الإعراض والكذب ﴿(بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُوداتٍ)﴾ يعنون الأربعين يوما التي عبد آباؤهم فيها العجل. قوله تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢٤)؛أي غرّهم افتراؤهم على الله أنّه لا يعذبهم إلاّ أيّاما معدودات، ويقال: غرّهم افتراؤهم أنّهم قالوا نحن أبناء الله وأحبّاؤه.
قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ؛﴾ أي كيف يحتالون وكيف يصنعون إذا جمعناهم بعد الموت لجزاء يوم لا شكّ فيه. قوله تعالى:
﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٢٥)؛أي أعطيت كلّ نفس برّة وفاجرة جزاء ما عملت من خير أو شرّ تامّا وافيا، ﴿(وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)﴾ أي لا ينقصون من حسنة ولا يزادون على سيّئة. قال الضحّاك عن ابن عبّاس: (أوّل راية ترفع لأهل الموقف ذلك اليوم من رايات الكفّار راية اليهود؛ فيفضحهم على رءوس الأشهاد ثمّ يأمر بهم إلى النّار) (٢).
стр. 528
قوله تعالى: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ﴾. قال عليّ ﵁ قال النبيّ ﷺ : [لمّا أراد الله تعالى أن ينزّل الفاتحة؛ وآية الكرسيّ؛ وشهد الله؛ وقل اللهمّ مالك الملك، تعلّقن بالعرش وقلن: تهبطنا دار الذّنوب وإلى من يعصيك؟! فقال الله تعالى: وعزّتي وجلالي؛ ما من عبد قرأكنّ في دبر كلّ صلاة مكتوبة إلاّ أسكنته حضرة العرش على ما كان منه، وإلاّ نظرت إليه كلّ يوم سبعين نظرة، وإلاّ قضيت له كلّ يوم سبعين حاجة، أدناها المغفرة، وأعذته من كلّ عدوّ ونصرته عليه، ولا يمنعه من دخول الجنّة إلاّ أن يموت] (١).
ومعنى الآية: قال ابن عبّاس: (لمّا فتح النّبيّ ﷺ مكّة ووعد أمّته ملك فارس والرّوم، قال المنافقون واليهود: هيهات، من أين لمحمّد ملك فارس والرّوم، هم أعزّ وأمنع من ذلك، ألم يكف محمّدا مكّة والمدينة حتّى أطمع نفسه في ملك فارس والرّوم) (٢).
ويقال في وجه اتّصال هذه الآية بما قبلها: إنّ اليهود قالوا: لا نتبعك؛ فإنّ النبوّة والملك لم يزل في أسلافنا بني إسرائيل، فأنزل الله هذه الآية. ومعناها: قل يا محمّد: يا الله يا مالك الملك.
وإنّما زيدت الميم لأنّها بدل عن (يا) التي هي حرف النداء، ألا ترى أنه لا يجوز في الإخبار إدخال الميم؛ لا يقال: غفر اللهمّ لي كما يقال في النداء اللهمّ اغفر «لي»؛ ولهذا لا يجوز الجمع بين «ما كان» الميم في آخره والنداء في أوّله، لأنه لا يجوز الجمع بين العوض والمعوّض، وإنّما شدّدت الميم لأنّها عوض عن حرفين، فإنّ النداء حرفان، وهذا اختيار سيبويه. وقال الفرّاء: (معنى قول القائل: اللهمّ يا الله أمّ بخير؛ أي أقصد. طرحت حركة الهمزة على الهاء).
قوله تعالى: ﴿(مالِكَ الْمُلْكِ)﴾ أي مالك كلّ ملك، هذه صفة لا يستحقّها أحد غير الله، وقيل: معناه: مالك أمر الدنيا والآخرة. وقال مجاهد: (أراد بالملك هنا
стр. 529
النّبوّة) (١)،وقيل: إنّ هذا لا يصلح لأنّه قال: ﴿(وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ)﴾ والله تعالى لا ينزع النبوّة من أحد؛ لأنه لا يريد لأداء الرسالة إلاّ من يعلم أنه يؤدّي الرسالة على الوجه، وأنّه لا يغيّر ولا يبدّل، لأنه عالم بعواقب الأمور.
ومعنى: ﴿(تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ)﴾ أي تعطي الملك من تشاء أن تعطيه. وقال الكلبيّ: ﴿(تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ)﴾ يعني محمّدا وأصحابه، ﴿(وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ)﴾ أي من أبي جهل وأصحابه).وقيل معناه: ﴿(تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ)﴾ يعني العرب، ﴿(وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ)﴾ يعني الرّوم والعجم وسائر الأمم (٢).
وقال بعضهم: ﴿(تُؤْتِي الْمُلْكَ)﴾ أي العافية، قال ﷺ : [من أصبح آمنا في سربه؛ معافى في بدنه؛ عنده قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدّنيا بحذافيرها] (٣).
وقيل: هو القناعة. وقال ابن المبارك: (دخلت على سفيان الثّوريّ بمكّة فوجدته مريضا شارب الدّواء وبه غمّ شديد، فسلّمت عليه وقلت: ما لك يا أبا عبد الله؟ فقال: أنا مريض شارب الدّواء وبي غمّ شديد، فقلت: أعندك بصلة؟ فقال: نعم، فقلت: ائتني بها، فكسرتها ثمّ قلت له: شمّها؛ فشمّها فعطس عند ذلك، فقال: الحمد لله رب العالمين، فسكن ما به، فقال: يا ابن المبارك؛ أنت فقيه وطبيب! فقلت:
مجرّب يا أبا عبد الله. قال: فلمّا رأيته سكن ما به وطابت نفسه، قلت: إنّي أريد «أن» أسألك حديثا، قال: سل ما شئت، قلت: أخبرني من النّاس؟ قال: الفقهاء، قلت:
فمن الملوك؟ قال: الزّهّاد، وقلت: فمن الأشراف؟ قال: الأتقياء، قلت: فمن السّفلة؟ قال: الظّلمة. ثمّ ودّعته فخرجت) (٤).
стр. 530
وقيل: معنى: ﴿(تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ)﴾ يعني ملك المعرفة كما أوتي سحرة فرعون، ﴿(وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ)﴾ كما نزع من إبليس وبلعام. وقيل: معنى الملك:
الجنّة كما أوتي المؤمنون. قال الله تعالى: ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ (١). ﴿(وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ)﴾ كما نزع من الكفّار. وقيل: أراد بالملك توفيق الإيمان والطاعة. وقيل: هو قيام الليل. وقال الشّلبيّ: (هو الاستغناء من المكوّن عن الكونين).
قوله تعالى: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ قال عطاء: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ يعني المهاجرين والأنصار، ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ يعني فارس والرّوم. وقيل: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ محمّدا وأصحابه حتى دخلوا مكّة بعشرة آلاف ظاهرين عليها ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ أبا جهل وأصحابه حتى جزّت رءوسهم وألقوا في القليب.
وقيل: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالإيمان والمعرفة، ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالكفر والنكدة، وقيل: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالطاعة، ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالمعصية، وقيل: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالتوفيق والمعرفة، ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالحرمان والخذلان، وقيل: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالتمليك والتشديد، ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بسلب الملك وتسليط العدوّ عليه، وقيل: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بقهر النفس ومخالفة الهوى، ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ من أتباع الهوى، وقيل: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بأن يقهر الشيطان، ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بأن يقهره الشيطان، وقيل: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالطاعة والرضا، ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالحرص والطمع.
قال بعضهم: الحرّ عبد ما طمع، والعبد حرّ ما قنع. وقال الشافعيّ ﵀:
ألا يا نفس إن ترضي بفوت ... فأنت عزيزة أبدا غنيّه
وقال آخر:
أفاد منّي القناعة كلّ عزّ ... وهل عزّ أعزّ من القناعه
فصيّرها لنفسك رأس مال ... وصيّر بعدها التّقوى بضاعه
وقال بعضهم: معناه: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالاخلاص، ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالرياء، وقيل: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالجنّة والرؤية، ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالنار والحجاب.