← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الثواب عليها في الآخرة؛ ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٢٢)؛أي من ناصر يمنعونهم من العذاب إذا نزل بهم. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢٣).قال الكلبيّ: (وذلك أنّ رجلا وامرأة من أشراف أهل خيبر من اليهود فجرا وكان في كتابهم الرّجم؛ فكرهوا رجمهما لشرفهما ورجوا أن يكون لهما عند رسول الله ﷺ رخصة في أمرهما في الرّجم فيأخذوا به. فرفع أمرهما إلى النّبيّ ﷺ فحكم عليهما بالرّجم، فقال بعضهم: جرت علينا يا محمّد! فقال ﷺ : [بيني وبينكم التّوراة، فمن أعرفكم بها] قالوا: ابن صوريّا، فأرسلوا إليه، فلمّا قدم قال له رسول الله ﷺ : [أنت ابن صوريّا؟] قال: نعم، قال: [أنت أعلم اليهود؟] قال: كذلك يزعمون. فدعا رسول الله ﷺ شيئا من التّوراة فيه آية الرّجم-دلّه على ذلك ابن سلام-فقال لابن صوريّا: اقرأ؛ فلمّا أتى على آية الرّجم فوضع كفّه عليها؛ ثمّ قام ابن سلام وقال: يا رسول الله ﷺ ؛ قد جاوزها ووضع كفّه عليها، ثمّ قام ابن سلام فرفع كفّه عنها، وقرأ على رسول الله ﷺ : (المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البيّنة؛ فيسأل عن البيّنة، فإن كانوا عدولا رجم، وإن كانت المرأة حبلى يتربّص بها حتّى تضع ما في بطنها).فأمر بهما رسول الله ﷺ برجمهما فرجما، فغضبت اليهود لذلك غضبا شديدا ورجعوا كفّارا) (١).فذلك قوله تعالى: ﴿(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ)﴾ معناه: ألم تعلم يا محمّد بالذين أعطوا حظا من التوراة. وقوله: ﴿(يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ)﴾ قال ابن عبّاس: (هو التّوراة دعي إليها اليهود فأبوا لعلمهم بلزوم الحجّة، وأنّ فيه البشارة بالنّبيّ ﷺ .وقال الحسن وقتادة: (أراد به القرآن، فإنّهم دعوا إلى القرآن لموافقته التّوراة في أصول الدّيانة) (٢).وعن الضحّاك

стр. 527

في هذه الآية: (أنّ الله تعالى جعل القرآن حكما بينهم وبين رسول الله ﷺ ؛ فحكم القرآن على اليهود والنّصارى بأنّهم على غير الهدى فأعرضوا).وقال قتادة: (هم اليهود دعوا إلى حكم القرآن واتّباع محمّد ﷺ ؛ فأعرضوا وهم يجدونه مكتوبا عندهم في كتبهم) (١). قوله تعالى: ﴿(ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ)﴾ أي يعرض؛ جمع كثر منهم من الدّاعي وهم معرضون عن العمل بالمدعوّ إليه، وقيل: معناه: ثمّ يتولّى فريق منهم بعد علمهم أنّها في التوراة، وإنّما ذكر الإعراض بعد التولّي؛ لأن الإنسان قد يعرض عن الدّاعي ويتأمّل ما دعاه إليه فينكر أنه حقّ أو باطل، وهم لم يتأمّلوا ولم يتفكّروا فيما دعوا إليه. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُوداتٍ؛﴾ أي ﴿(ذلِكَ)﴾ الإعراض والكذب ﴿(بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُوداتٍ)﴾ يعنون الأربعين يوما التي عبد آباؤهم فيها العجل. قوله تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢٤)؛أي غرّهم افتراؤهم على الله أنّه لا يعذبهم إلاّ أيّاما معدودات، ويقال: غرّهم افتراؤهم أنّهم قالوا نحن أبناء الله وأحبّاؤه. قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ؛﴾ أي كيف يحتالون وكيف يصنعون إذا جمعناهم بعد الموت لجزاء يوم لا شكّ فيه. قوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٢٥)؛أي أعطيت كلّ نفس برّة وفاجرة جزاء ما عملت من خير أو شرّ تامّا وافيا، ﴿(وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)﴾ أي لا ينقصون من حسنة ولا يزادون على سيّئة. قال الضحّاك عن ابن عبّاس: (أوّل راية ترفع لأهل الموقف ذلك اليوم من رايات الكفّار راية اليهود؛ فيفضحهم على رءوس الأشهاد ثمّ يأمر بهم إلى النّار) (٢).

стр. 528

قوله تعالى: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ﴾. قال عليّ ﵁ قال النبيّ ﷺ : [لمّا أراد الله تعالى أن ينزّل الفاتحة؛ وآية الكرسيّ؛ وشهد الله؛ وقل اللهمّ مالك الملك، تعلّقن بالعرش وقلن: تهبطنا دار الذّنوب وإلى من يعصيك؟! فقال الله تعالى: وعزّتي وجلالي؛ ما من عبد قرأكنّ في دبر كلّ صلاة مكتوبة إلاّ أسكنته حضرة العرش على ما كان منه، وإلاّ نظرت إليه كلّ يوم سبعين نظرة، وإلاّ قضيت له كلّ يوم سبعين حاجة، أدناها المغفرة، وأعذته من كلّ عدوّ ونصرته عليه، ولا يمنعه من دخول الجنّة إلاّ أن يموت] (١). ومعنى الآية: قال ابن عبّاس: (لمّا فتح النّبيّ ﷺ مكّة ووعد أمّته ملك فارس والرّوم، قال المنافقون واليهود: هيهات، من أين لمحمّد ملك فارس والرّوم، هم أعزّ وأمنع من ذلك، ألم يكف محمّدا مكّة والمدينة حتّى أطمع نفسه في ملك فارس والرّوم) (٢). ويقال في وجه اتّصال هذه الآية بما قبلها: إنّ اليهود قالوا: لا نتبعك؛ فإنّ النبوّة والملك لم يزل في أسلافنا بني إسرائيل، فأنزل الله هذه الآية. ومعناها: قل يا محمّد: يا الله يا مالك الملك. وإنّما زيدت الميم لأنّها بدل عن (يا) التي هي حرف النداء، ألا ترى أنه لا يجوز في الإخبار إدخال الميم؛ لا يقال: غفر اللهمّ لي كما يقال في النداء اللهمّ اغفر «لي»؛ ولهذا لا يجوز الجمع بين «ما كان» الميم في آخره والنداء في أوّله، لأنه لا يجوز الجمع بين العوض والمعوّض، وإنّما شدّدت الميم لأنّها عوض عن حرفين، فإنّ النداء حرفان، وهذا اختيار سيبويه. وقال الفرّاء: (معنى قول القائل: اللهمّ يا الله أمّ بخير؛ أي أقصد. طرحت حركة الهمزة على الهاء). قوله تعالى: ﴿(مالِكَ الْمُلْكِ)﴾ أي مالك كلّ ملك، هذه صفة لا يستحقّها أحد غير الله، وقيل: معناه: مالك أمر الدنيا والآخرة. وقال مجاهد: (أراد بالملك هنا

стр. 529

النّبوّة) (١)،وقيل: إنّ هذا لا يصلح لأنّه قال: ﴿(وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ)﴾ والله تعالى لا ينزع النبوّة من أحد؛ لأنه لا يريد لأداء الرسالة إلاّ من يعلم أنه يؤدّي الرسالة على الوجه، وأنّه لا يغيّر ولا يبدّل، لأنه عالم بعواقب الأمور. ومعنى: ﴿(تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ)﴾ أي تعطي الملك من تشاء أن تعطيه. وقال الكلبيّ: ﴿(تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ)﴾ يعني محمّدا وأصحابه، ﴿(وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ)﴾ أي من أبي جهل وأصحابه).وقيل معناه: ﴿(تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ)﴾ يعني العرب، ﴿(وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ)﴾ يعني الرّوم والعجم وسائر الأمم (٢). وقال بعضهم: ﴿(تُؤْتِي الْمُلْكَ)﴾ أي العافية، قال ﷺ : [من أصبح آمنا في سربه؛ معافى في بدنه؛ عنده قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدّنيا بحذافيرها] (٣). وقيل: هو القناعة. وقال ابن المبارك: (دخلت على سفيان الثّوريّ بمكّة فوجدته مريضا شارب الدّواء وبه غمّ شديد، فسلّمت عليه وقلت: ما لك يا أبا عبد الله؟ فقال: أنا مريض شارب الدّواء وبي غمّ شديد، فقلت: أعندك بصلة؟ فقال: نعم، فقلت: ائتني بها، فكسرتها ثمّ قلت له: شمّها؛ فشمّها فعطس عند ذلك، فقال: الحمد لله رب العالمين، فسكن ما به، فقال: يا ابن المبارك؛ أنت فقيه وطبيب! فقلت: مجرّب يا أبا عبد الله. قال: فلمّا رأيته سكن ما به وطابت نفسه، قلت: إنّي أريد «أن» أسألك حديثا، قال: سل ما شئت، قلت: أخبرني من النّاس؟ قال: الفقهاء، قلت: فمن الملوك؟ قال: الزّهّاد، وقلت: فمن الأشراف؟ قال: الأتقياء، قلت: فمن السّفلة؟ قال: الظّلمة. ثمّ ودّعته فخرجت) (٤).

стр. 530

وقيل: معنى: ﴿(تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ)﴾ يعني ملك المعرفة كما أوتي سحرة فرعون، ﴿(وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ)﴾ كما نزع من إبليس وبلعام. وقيل: معنى الملك: الجنّة كما أوتي المؤمنون. قال الله تعالى: ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ (١). ﴿(وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ)﴾ كما نزع من الكفّار. وقيل: أراد بالملك توفيق الإيمان والطاعة. وقيل: هو قيام الليل. وقال الشّلبيّ: (هو الاستغناء من المكوّن عن الكونين). قوله تعالى: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ قال عطاء: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ يعني المهاجرين والأنصار، ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ يعني فارس والرّوم. وقيل: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ محمّدا وأصحابه حتى دخلوا مكّة بعشرة آلاف ظاهرين عليها ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ أبا جهل وأصحابه حتى جزّت رءوسهم وألقوا في القليب. وقيل: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالإيمان والمعرفة، ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالكفر والنكدة، وقيل: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالطاعة، ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالمعصية، وقيل: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالتوفيق والمعرفة، ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالحرمان والخذلان، وقيل: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالتمليك والتشديد، ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بسلب الملك وتسليط العدوّ عليه، وقيل: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بقهر النفس ومخالفة الهوى، ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ من أتباع الهوى، وقيل: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بأن يقهر الشيطان، ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بأن يقهره الشيطان، وقيل: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالطاعة والرضا، ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالحرص والطمع. قال بعضهم: الحرّ عبد ما طمع، والعبد حرّ ما قنع. وقال الشافعيّ ﵀: ألا يا نفس إن ترضي بفوت ... فأنت عزيزة أبدا غنيّه وقال آخر: أفاد منّي القناعة كلّ عزّ ... وهل عزّ أعزّ من القناعه فصيّرها لنفسك رأس مال ... وصيّر بعدها التّقوى بضاعه وقال بعضهم: معناه: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالاخلاص، ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالرياء، وقيل: ﴿(تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالجنّة والرؤية، ﴿(وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)﴾ بالنار والحجاب.

стр. 531

وقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٦)؛أي بيدك الخير والشرّ، فاكتفى بذكر الخير لأنه الأفضل ولأنه إنّما قال ذلك على وجه الرّغبة، والرغبة إنّما تقع في الخير لا في الشرّ، وفي ذكر أحد الأمرين دليل على الآخر كما قال تعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (١) ولم يذكر البرد؛ والمعنى تقيكم الحرّ والبرد، وقيل: معنى الآية: ﴿(بِيَدِكَ الْخَيْرُ)﴾ أي النصر والفتح والفيء والغنيمة وغير ذلك من خير الدّنيا والآخرة. قوله تعالى: ﴿(إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)﴾ أي من الإعطاء والنّزع والعزّ والذّل. قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ؛﴾ أي يدخل من الليل في النّهار حتى يصير النهار خمس عشرة ساعة وهو أطول ما يكون، وأقصره تسع ساعات، ويدخل النّهار في الليل حتى يصير الليل خمس عشرة ساعة وهو أطول ما يكون، وأقصره تسع ساعات، فما نقص من أجزاء أحدهما دخل في الآخر، وهذا قول أكثر المفسّرين. وقال بعضهم: معناه: تذهب بالليل وتجيء بالنهار، وتذهب بالنّهار وتجيء بالليل. قوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ،﴾ قال ابن عبّاس وقتادة ومجاهد والضحّاك وابن جبير والسديّ: (معناه: تخرج الحيوان من النّطفة وهي ميتة، وتخرج النّطفة من الحيوان وهي حيّ، والدّجاجة من البيضة، والبيضة من الدّجاجة) (٢).وقال بعضهم: يخرج النّخلة من النواة، والنواة من النخلة، وتخرج السنبلة من الحبّة، والحبّة من السنبلة. وقال الحسن: (معناه: يخرج المؤمن من الكافر؛ والكافر من المؤمن، والعالم من الجاهل؛ والجاهل من العالم) (٣).دليله قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ﴾ الآية (٤).

стр. 532

وحكاية عن الزهري: أنّ النّبيّ ﷺ دخل على بعض نسائه فإذا هو بامرأة حسنة الهيئة، فقال: [من هذه؟] قالت: إحدى خالاتك، قال: [أيّ خالاتي هذه؟] قالت: هذه خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث، فقال ﷺ : [سبحان الّذي يخرج الحيّ من الميّت]،وكانت امرأة صالحة، وكان مات أبوها كافرا (١). قال أهل الإشارة: معناه: يخرج الحكمة من قلب الفاجر حتى لا تسكن فيه، والمسقطة من قلب العارف. قوله تعالى: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٢٧) أي بغير تقدير، وقد تقدّم تفسير ذلك. قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبيّ وأصحابه المنافقين؛ كانوا مع إظهارهم الإيمان يتولّون اليهود ويأتيهم بأخبار المؤمنين، ويرجون أن يكون لهم الظّفر على المؤمنين؛ فأنزل هذه الآية ينهى المؤمنين عن مثل فعلهم، وينهى المنافقين أيضا؛ أي إن كنتم مؤمنين، فلا تتّخذ الكفّار أولياء من دون المؤمنين) (٢). وقال الضحّاك عن ابن عبّاس: (نزلت في عبادة بن الصّامت؛ وكان بدريّا نقيبا؛ وكان له حلفاء من اليهود، فلمّا خرج رسول الله يوم الأحزاب؛ قال عبادة: يا رسول الله؛ إنّ معي خمسمائة رجل من اليهود؛ وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدوّ، فأنزل هذه الآية) (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ؛﴾ أي من يواليهم في نقل الأخبار إليهم وإظهارهم على عورة المسلمين، فليس من الله في شيء. قال السديّ: (فليس من الولاية في شيء، فقد برئ الله منهم).كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (٤) معنى أنّ وليّ الكافر راض بكفره،

стр. 533

والرّضى بالكفر كفر، قال رسول الله ﷺ : [أنا بريء من كلّ مسلم مع مشرك] (١). قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً؛﴾ أي إلاّ أن يحصر المؤمن في أيدي الكفّار يخاف على نفسه فيداهنهم فيرضيهم بلسانه وقلبه مطمئنّ بالإيمان فهو مرخّص له في ذلك، كما روي: أنّ مسيلمة الكذاب لعنه الله أخذ رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فقال لأحدهما: أتشهد أنّ محمّدا رسول الله؟ قال: نعم، وقال للآخر: أتشهد أنّ محمّدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أنّي رسول الله؟ قال: إنّي أصمّ، فأعاد عليه السّؤال ثلاثا، فأجاب في كلّ مرّة هذا الجواب، فضرب مسيلمة عنقه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: [أمّا المقتول فمضى على صدقه ويقينه فهنيئا له، وأمّا الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه] (٢). فمعنى الآية: إلاّ أن تخافوا منهم مخافة. قرأ الحسن والضحّاك ومجاهد: «(تقيّة)». وقرأ حمزة والكسائيّ بالإمالة. وقرأ الباقون بالتفخيم، فكلّ ذلك لغات فيها، ومعناه واحد. قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ؛﴾ أي يخوّفكم عقوبته وبطشه على موالاة الكفّار وارتكاب المنهيّ عنه. وقال الزجّاج: (معناه: ويحذّركم الله إيّاه). وخاطب الله العباد على قدر عملهم وعقلهم، ومعنى قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي﴾ (٣) أي تعلم حقيقة ما عندي ولا أعلم حقيقة ما عندك. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢٨)،زيادة في الإبعاد وتذكير بالمعاد؛ أي إن فعلتم ما نهيتكم عنه فمرجعكم إليّ.

стр. 534

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ؛﴾ أي قل إن تسرّوا ما في قلوبكم من التكذيب بالنبيّ ﷺ والعداوة للمؤمنين والمودّة للكافرين أو تظهروه بالشّتم والطّعن والحرب يعلمه الله فيجازيكم عليه، وإنّما ذكر الصّدر مكان القلب؛ لأنه مشتمل على القلب. قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي لا يخفى عليه شيء من عمل أهل السموات وأهل الأرض، فلا يغرنّكم الإخفاء، فإن الإخفاء والإبداء عنده سواء. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٩)؛ أي على جزاء عمل السرّ والعلانية قادر. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً؛﴾ نصب ﴿(يَوْمَ)﴾ بنزع الخافض لأن أوّل هذه الآية منصرف إلى قوله: ﴿(وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ)﴾ في: ﴿(يَوْمَ تَجِدُ،)﴾ وقيل: بإضمار فعل؛ أي اذكروا ﴿(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً)﴾ أي حاضرا مكتوبا في ديوانهم لا يقصر فيه. وقرأ عبيدة بن عمر «(محضرا)» بكسر الضاد، ويعني عمله يحضره الجنة. قوله تعالى: ﴿وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً؛﴾ أي والذي عملت من سوء يتمنّى أن يكون بينه وبين ذلك أجل طويل بعد ما بين المشرق والمغرب، ليته لم يعمل، جعل بعضهم (ما) جزاء في موضع النّصب واعمل فيه الوجود أي وتجد عملها، وجعل بعضهم جزاء مستأنفا. قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ (٣٠)؛ أي رحيم بالمؤمنين خاصّة؛ هكذا قال ابن عبّاس، وقيل: إن أول هذه الآية عدل، وأوسطها تهديد وتخويف، وآخرها رأفة ورحمة. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ؛﴾ لمّا نزلت الآيات المتقدّمة قالت اليهود: نحن أبناء الله واحبّاؤه، وإنّما يقول الله مثل هذه الآيات في أعدائه، وأرادوا بقوله أحبّاؤه: نحبّه ويحبّنا؛ فأنزل الله هذه الآية.

стр. 535

والمحبّة: في الحقيقة هي الإرادة، وهو أن تريد نفع غيرك فيبلغ مراده في نفعك إيّاه، وأما العشق: وهو إفراط المحبّة في هذا المعنى. وأما محبّة الطعام والملاذ؛ فهو شهوة وتوقان النفس. وأما محبّة العباد لله تعالى، فالله يستحيل عليه المنافع، فلا يصحّ أن يراد بمحبه هذه الطريقة لكي يراد بها إعظامه وإجلاله وطاعته ومحبّة رسله وأوليائه، ومحبّة الله إيّاهم إثابته إياهم على طاعتهم؛ وإنعامه عليهم؛ وثناؤه عليهم؛ ومغفرته لهم. ومعنى الآية: إن كنتم تحبّون طاعة الله والرضا بشرائعه فاتّبعوني على ديني يزدكم الله حبّا، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ؛﴾ في اليهوديّة؛ ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣١). وروى الضحّاك عن ابن عبّاس وقال: وقف النّبيّ ﷺ على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم، وعلّقوا عليها بيض النّعام، وجعلوا في آذانها الشّنوف (١) وهم يسجدون لها، فقال ﷺ : [يا معشر قريش؛ والله لقد خالفتم ملّة أبيكم إبراهيم] وقالت قريش: إنّما نعبد هذه حبّا لله ليقرّبونا إلى الله زلفى؛ فأنزل الله هذه الآية).أي قل لهم يا محمّد ﷺ إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله، فأنا رسول الله إليكم، وحجّته عليكم، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم. فلما نزلت هذه الآية عرضها عليهم فلم يقبلوا (٢). وقيل: لمّا نزلت هذه الآية عرضها رسول الله ﷺ على اليهوديّ، فقال عبد الله بن أبي سلول: إنّ محمّدا ﷺ يجعل طاعته كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبّه كما أحبّت النّصارى عيسى ﵇؛ فأنزل الله تعالى قوله : ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ (٣٢)؛أي فإن لم يفعلوا ما

стр. 536

تدعوهم إليه من اتّباعك وطاعة أمرك فإنّ الله تعالى لا يحبّ الكافرين؛ أي لا يغفر لهم ولا يثني عليهم. فلما نزلت هذه الآية قالت اليهود: نحن أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈ ونحن على دينهم، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿*إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٣٣)؛معناه: أنّ الله اصطفاهم بالإسلام، وإنّ آدم كما لم ينفع أولاده المشركين كذلك سائر الأنبياء ﵈ لا ينفعونهم. وصفوة الله: هم الذين لا دنس فيهم بوجه من الوجوه؛ لا في اعتقاد ولا في الفعل، والاصطفاء: هو الاختيار، والصّفوة: هو الخالص من كلّ شيء، فمعناه: ﴿(اصْطَفى آدَمَ)﴾ أي اختاره واستخلصه. واختلفوا في آل عمران في هذه الآية؛ قيل: أراد بهم موسى وهارون ﵉، وقيل: أراد مريم ﵍. قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ؛﴾ انتصب على البدل، وقيل: على التّكرار، واصطفى ذريّة بعضها من بعض، وقيل: على الحال؛ أي اصطفاهم حال كون بعضهم من بعض، ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣٤)؛أي سميع لقولهم؛ عليم بهم وبمجازاتهم. قوله تعالى: ﴿إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣٥)؛قال أبو عبيد: (إذ) زائدة في الكلام وكذلك في سائر الآي).وقال جماعة من النحويّين: معناه: واذكر إذ قالت، وكان اسم امرأة عمران (حنّة) وهي أمّ مريم، وكان لها ابنان احداهما انشاع؛ وعمران بن ماثان؛ بينه وبين عمران أبي موسى ﵇ ألف وثمانمائة سنة. قوله تعالى: ﴿(رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً)﴾ أي أوجبت لك على نفسي أن أجعله عتيقا لخدمة بيت المقدس، وكانوا يحرّرون أولادهم أي يعتقونها عن أسباب الدّنيا، يجعلون الولد خالصا لله، لا يستعملونها في منافعهم، ولم يكونوا يحرّرون إلاّ الذّكران، وكان المحرّرون سكان بيت الله يتعهّدونه ويكسونه، فإذا بلغوا خيّروا؛ فإن أحبّوا أقاموا في البيت، وإن أحبّوا ذهبوا. و ﴿(مُحَرَّراً)﴾ نصب على الحال.

стр. 537

قوله تعالى: ﴿(فَتَقَبَّلْ مِنِّي)﴾ أي تقبّل منّي نذري ﴿(إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ)﴾ لدعائي، ﴿(الْعَلِيمُ)﴾ بنيّتي وإخلاصي. قوله : ﴿فَلَمّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى؛﴾ وذلك أنّها كانت تظنّ وقت النّذر أنّ ما في بطنها ذكرا؛ فلما ولدت أنثى توهّمت أن لا تقبل منها؛ ف ﴿(قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى)﴾،وكان هذا القول منها على وجه الاعتذار؛ لأنّ سعي الأنثى أضعف وعقلها أنقص، ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ،﴾ وكانوا لا يحرّرون النساء لخدمة البيت لما يلحقهنّ من الحيض والنّفاس. قوله : ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى؛﴾ هو من قول المرأة؛ معناه: ليس الذكر كالأنثى في خدمة البيت؛ لأن الأنثى عورة فلا تصلح لما يصلح له الذكر. قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ؛﴾ أي خادم الرّب بلغتهم. قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ (٣٦)؛ أي إنّي أمنعها وولدها بك إن كان لها ولد من الشيطان الرّجيم. الرّجيم: المرجوم وهو المطرود من رحمة الله تعالى. وعن رسول الله ﷺ أنّه قال: [ما من مولود إلاّ وللشّيطان طعنة في جنبه حين يولد فيستهل صارخا من الشّيطان الرّجيم، إلاّ مريم وابنها ﵇، اقرءوا إن شئتم: وإنّي أعيذها بك وذرّيّتها من الشّيطان الرّجيم] (١). قرأ عليّ والنخعي وابن عامر: «(وضعت)» بضم التاء. قوله : ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً؛﴾ أي استجاب الله دعاء (حنّة)،وقبل نذرها، وجعل مريم صوّامة وقوّامة، ربّاها الله تربية حسنة. قوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا؛﴾ أي ضمّها للقيام بأمرها، قال ﷺ : [أنا

стр. 538

وكافل اليتيم كهاتين، وأشار بإصبعيه] (١) وكان عمران قد مات و (حنّة) حاملة بمريم. قرأ الحسن ومجاهد وابن كثير وشيبة ونافع وعاصم وأبو بكر وابن عامر: «(وكفلها زكريّا)» مخفّفا، وزكريّا في موضع رفع؛ أي ضمّها إلى نفسه، وتصديق هذه القراءة قوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (٢).وروي عن ابن كثير: «(وكفلها زكريّا)» بكسر الفاء؛ أي ضمّها، وقرأ الباقون: «(وكفّلها)» بالتشديد وزكريّا بالنصب؛ أي ضمّها الله زكريّا فضمّها إليه بالقرعة، وفي مصحف أبيّ: (وأكفلها) بالألف. وكان زكريّا وعمران تزوّجا أختين؛ فكانت إشياع بنت فاقود أخت حنّة عند زكريّا، وكانت حنّة بنت فاقود أمّ مريم عند عمران. قال المفسّرون: فلما وضعت حنّة مريم لفّتها في خرقة وحملتها إلى المسجد فوضعتها عند الأحبار أبناء هارون ﵇ وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة (٣) من الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النّذيرة؛ فتنافس فيها الأحبار لأنّها كانت بنت إمامهم، فقال لهم زكريّا ﵇: أنا أحقّ بها لأنّ خالتها عندي، فقالت له الأحبار: لا تفعل؛ فإنّها لو تركت لأحقّ الناس بها لتركت لأمّها، ولكنّا نقرع عليها فتكون عند من خرج سهمه. قوله : ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧) هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ (٣٨)؛ أي عند ما رأى زكريّا أمر الله في مريم طمع أنّ الذي يأتي مريم بالفاكهة في الشّتاء يصلح له عقر زوجته، فدعا عند ذلك وقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ (٤) أي ولدا صالحا، والذّرّيّة تكون واحدا وجمعا؛ ذكرا أو أنثى، وهو هاهنا واحد،

стр. 539

ويدلّ عليه قوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ (١) ولم يقل أولياء، وإنّما أتت (طيّبة) لأنه على لفظ ذرية كما قال الشاعر (٢): أبوك خليفة ولدته أخرى ... وأنت خليفة ذاك الكمال فأنّث (ولدته) لتأنيث الخليفة. قوله تعالى: ﴿(إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ)﴾ أي سامع الدعاء ومجيّبه، وقولهم: (سمع الله لمن حمده) أي أجاب، وأنشد: دعوت الله حتّى خفت أن لا ... يكون الله يسمع ما أقول قوله : ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى؛﴾ قرأ الأعمش وحمزة والكسائيّ وخلف وقتادة: «(فناداه)»،وقرأ الباقون: «(فنادته)»،وإذا تقدّم الفعل فأنت فيه بالخيار؛ إن شئت أنّثت؛ وإن شئت ذكّرت. ومعنى الآية: فناداه جبريل ﵇ وهو قائم يصلّي في المسجد بأنّ الله يبشّرك بولد اسمه يحيى. والمراد بالملائكة هنا جبريل وحده؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ﴾ (٣) يعني جبريل وحده، وقوله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ (٤) يعني جبريل وحده، (بالرّوح) أي بالوحي، يدلّ عليه قراءة ابن مسعود: «(فناداه جبريل وهو قائم يصلّي في المحراب)». وقوله تعالى: ﴿(أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ)﴾ قرأ ابن عامر والأعمش وحمزة: «(إنّ الله)» بكسر الألف على إضمار القول؛ تقديره: فنادته الملائكة فقالت: إنّ الله، لأنّ النداء قول، وقرأ الباقون بالفتح بوقوع النّداء عليه كأنّه قال: فنادته الملائكة بأنّ الله. قوله تعالى:

стр. 540

﴿(يُبَشِّرُكَ)﴾ قرأ حمزة والكسائي «(يبشرك)» بفتح الياء وجزم الباء وضمّ الشين، وقرأ الباقون بضمّ الياء وفتح الباء وتشديد الشّين وكسرها. قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً؛﴾ انتصب على الحال في قوله: ﴿(بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ)﴾ يعني عيسى ﵇؛ يعني أنّ يحيى مصدّقا بعيسى، وكان يحيى أوّل من صدّق بعيسى وشهد أنّه كلمة الله وروحه، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين، وقيل: بستّة أشهر. واختلفوا في تسمية يحيى بهذا الاسم؛ فقال ابن عبّاس: (لأنّ الله تعالى حيى به عقر أمّه).وقال قتادة: (لأنّ الله أحيا قلبه بالإيمان) (١).وقيل: بالنبوّة. وقيل: إنّ الله تعالى أحيا قلبه بالطاعة حتى لم يعص ولم يهمّ بمعصية. قال ﷺ : [ما من أحد يلقى الله إلاّ وقد همّ بخطيّة أو عملها إلاّ يحيى بن زكريّا فإنّه لم يهمّ بها ولم يعملها] (٢).وقال بعضهم: سمّي بذلك لأنه استشهد، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون. قال ﷺ : [من هوان الدّنيا على الله أنّ عيسى قتلته امرأة، وقتل يحيى قبل رفع عيسى ﵇]. قوله تعالى: ﴿(بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ)﴾ إنّما سمي عيسى كلمة؛ لأنّ الله تعالى قال له كن من غير أب فكان، فوقع عليه اسم الكلمة. قوله تعالى: ﴿(وَسَيِّداً)﴾ السيّد في اللغة وفي الحقيقة: من تلزم طاعته ويجب على النّاس الاقتداء والقفا به في العلم والحلم والعبادة. وقال الضحّاك: (السّيّد: الحسن الخلق).وقال ابن جبير: (السّيّد: الّذي يطيع ربّه .وقال ابن المسيّب: (السّيّد: الفقيه العالم) (٣).وقال سفيان: (هو

стр. 541

الّذي لا يحسد)،وقال عكرمة: (هو الّذي لا يغضب) (١)،وقال ذو النّون: (الحسود لا يسود)،وقال الخليل: (سيّدا أي مطاعا)،وقيل: السيّد: القانع بما قسم الله، وقيل: هو الرّاضي بقضاء الله، وقيل: المتوكّل على الله. وقال أبو يزيد البسطامي: السيد هو الذي قد عظمت همّته؛ ونبل قدره أن يحدّث نفسه بدار الدنيا، وقيل: هو السّخيّ. قال ﷺ : [من سيّدكم يا بني سلمة؟] قالوا: جدّ بن قيس إلاّ أنّه بخيل، قال: [وأيّ داء أدوى من البخل؟ بل سيّدكم عمرو بن الجموح] (٢). قوله تعالى: ﴿(وَحَصُوراً)﴾ الحصور: هو الّذي لا يأتي النّساء، وهذا قول ابن مسعود وابن عبّاس وابن جبير وقتادة وعطاء والسديّ والحسن؛ يعني أنه يحصر نفسه عن الشّهوات. وقال ابن المسيّب والضحّاك: (هو العنّين الّذي ما له ذكر قويّ)، ودليل هذا التأويل ما روى أبو هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [كلّ ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذّبه عليه إن شاء أو يرحمه إلاّ يحيى بن زكريّا؛ فإنّه كان سيّدا وحصورا؛ ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٣٩)].ثمّ أهوى النّبيّ ﷺ إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: [كان ذكره مثل هذه القذاة] (٣). وقال المبرّد: الحصور: هو الّذي لا يدخل في اللّعب والعبث والأباطيل، وقد يسمّى كاتم السرّ حصورا، والذي لا يدخل مع الناس في الميسر حصورا لامتناعه من ذلك، وأصله من الحصير وهو الجسد؛ يقال: حصرت الرّجل عن حاجته إذا حبسته، وحصر في قرانه إذا امتنع من اللقواة (٤) فلم يقدر عليها، ومنه إحصار العدوّ، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً﴾ (٥) أي محبسا. ويسمّى الحصير حصيرا لأنه أدخل بعضه في بعض بالنسج وحبس بعضه على بعض. وأولى ما قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿(وَحَصُوراً):﴾ هو الذي لا يأتي النّساء، يحبس نفسه عن ذلك اختيارا، فهذا

стр. 542

التأويل أولى من تأويل بعضهم أنه لا شهوة له؛ لما في هذا من إضافة عيب العنّة إليه (١). قوله : ﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ (٤٠)؛معناه: قال زكريّا لجبريل حين سمع البشارة يا سيّدي كيف يكون لي غلام وقد أدركني الهرم وامرأتي ذات عقر لا تلد، قال له جبريل مثل ذلك (يفعل الله ما يشاء)؛أي الذي شاءه. وقال بعضهم: أراد زكريّا بالرب الله ؛ أي قال يا رب كيف يكون لي غلام. قال الكلبيّ: (كان زكريّا يوم بشّر بالولد ابن تسعين سنة).وقيل: ابن تسع وتسعين سنة. وروى الضحّاك عن ابن عبّاس: (أنّه كان ابن مائة وعشرين سنة). وكانت امرأته بنت ثماني وتسعين سنة، فذلك قوله تعالى حاكيا عنه: ﴿(وَامْرَأَتِي عاقِرٌ)﴾ أي عقيم لا تلد. يقال: رجل عاقر وامرأة عاقر، وقد عقر بضمّ القاف يعقر عقرا، ويقال: تكلّم فلان حتى عقر بكسر القاف؛ إذا بقي لا يقدر على الكلام، وإنّما حذف (الهاء) من عاقر لاختصاص الآيات بهذه الصّفة كما يقال امرأة مرضع. وقوله تعالى حاكيا عن زكريّا: ﴿(وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ)﴾ هذا المقلوب؛ أي وقد بلغت الكبر وشخت، فإن قيل: هل يجوز أن يقول الإنسان بلغنا البلد كما يقول بلغت البلد؟ قيل: لا يجوز ذلك بخلاف قوله: ﴿(بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ)﴾ بمعنى بلغت الكبر، والفرق بينهما أنّ الكبر طالب للإنسان لإتيانه عليه بحدوثه فيه، والإنسان كالطالب للكبر لبلوغه إيّاه بمرور السنين والأعوام عليه، وأمّا البلد فلا يكون طالبا للإنسان، كما يكون الإنسان طالبا للبلد.

стр. 543

فإن قيل: كيف قال زكريّا (أنّى يكون لي غلام) فاستبعد أن يعطيه الله ولدا على كبر السّنّ من امرأة عاقر بعد ما بشّرته الملائكة بذلك؟ قيل: لم يكن هذا القول منه على جهة الاستبعاد ولكن من شأن من بشّر بما يتمنّاه أن يحمله فرط سروره به على الزيادة في الاستكشاف والاستثبات، كما يقول الإنسان إذا رأى شيئا من الأمور العظيمة: كيف كان هذا؟! على جهة الاستعظام لقدرة الله تعالى لا لشكّ في القدرة. وقيل: معناه: على أيّ حال يكون الولد أيردّني الله وامرأتي إلى حال الشّباب، أم على هذه الحالة؟! وقيل: معناه: أيرزقني الله الولد من امرأتي هذه أو من امرأة غيرها شابّة؟ فقيل له ﴿(كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ)﴾؛أي كإثمار السّعفة اليابسة؛ يفعل الله ما يشاء. قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً؛﴾ أي قال زكريّا يا رب اجعل لي علامة إذا حملت امرأتي عرفت ذلك منها، أراد بهذا القول تعجيل السّرور قبل ظهور الولد بالولادة. قال: علامة ذلك أن لا تطيق الكلام مع أحد من الناس منذ ثلاثة أيّام من غير خرس (إلاّ رمزا) أي الّا إشارة بالعينين والحاجبين واليدين، وقيل: الرّمز: تحريك الشّفتين باللفظ من غير إبانة صوت، فذلك علامة حبل امرأتك. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ (٤١)؛ أي اذكر ربّك كثيرا في هذه الأيّام الثلاثة؛ ﴿(وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ)﴾ أي صلّ غدوّا وعشيّا كما كنت تصلّي من قبل، يقال: فرغت من سبحتي؛ أي من صلاتي، وسمّيت الصلوات سبحا لما فيها من التوحيد والتّحميد والتّنزيه من كلّ سوء. وقيل: أراد بالتسبيح التسبيح المعروف فيما بين الناس، وقرأ الأخفش «(رمزا)» بفتح الميم مصدرا مثل طلبا. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ﴾ (٤٢)،معطوف على ﴿(إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ)﴾،والمراد بالملائكة جبريل ﵇ على ما تقدّم. ومعنى ﴿(إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ)﴾ أي اختارك لطاعته وعبادته، ﴿(وَطَهَّرَكِ)﴾ من الكفر بالإيمان والطاعات، كما قال: ﴿لِيُذْهِبَ﴾

стр. 544

﴿عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (١) أراد طهارة الإيمان والطاعات، وقيل: معناه: وطهّرك من الأدناس كلّها؛ من الحيض والنّفاس وغير ذلك. وقوله تعالى: ﴿(وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ)﴾ أي اختارك على أهل زمانك بولادة عيسى من غير أب. وقيل: معنى الآية: وطهّرك من مسيس الرّجل. فإن قيل: كيف يجوز ظهور الملائكة لمريم وذلك معجزة لا يجوز ظهورها على غير نبيّ، ومريم لم تكن نبيّا؟ قيل: لأنّها وإن لم تكن نبيا؛ فإنّ ذلك كان في وقت زكريّا ﵇، ويجوز ظهور المعجزات في زمن الأنبياء ﵈ لغيرهم، ويكون ذلك معجزة له. وقيل: كان ذلك إلهاما لنبوّة عيسى، كما كانت الشّهب وتظليل الغمام وكلام الذّئب إلهاما لنبوّة نبيّنا ﷺ . قوله : ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي؛﴾ أي اخلصي لعبادة ربك، وقيل: أديمي الطاعة لذلك، وقيل: أطيلي القيام في الصلاة. وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ (٤٣)؛أي صلّى مع الجماعة في بيت المقدس؛ لأنّها كانت تخدم المسجد. وفي الآية دليل على أن الواو لا توجب الترتيب؛ لأن الركوع مقدّم على السجود في المعنى؛ وقد تقدّم السجود في هذه الآية في اللغة. قوله : ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٤٤)؛ أي ذلك ما قصصناه عليك يا محمّد من أمر زكريّا ويحيى ومريم وعيسى من أخبار ما غاب عنك نرسل جبريل به، وما كنت عندهم يا محمّد إذ يطرحون أقلامهم في نهر أيّهم يضمّ مريم للقيام بأمرها وما كنت عندهم إذ يختصمون في أمرها للتربية. قوله : ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ؛﴾ أي اعلم واذكر ﴿(إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ)﴾ يعني جبريل ﴿(يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ)﴾ يعني عيسى ﵇ سمّاه كلمة؛ لأنه كان بكلمة من

стр. 545

الله ألقاها إلى مريم؛ ولم يكن بوالد. قوله تعالى: ﴿(اسْمُهُ الْمَسِيحُ)﴾ إنّما ذكر بلفظ التذكير؛ لأنّ معنى الكلمة الولد فلذلك لم يقل اسمها. واختلفوا في تسميته مسيحا، قال ابن عبّاس: (المسيح: الممسوح بالبركة) (١) فالمسيح فعيل بمعنى مفعول، وقال بعضهم: سمّي مسيحا بمعنى الماسح، كان يمسح على ذوي العلل فيبرءون. وقيل: إنه كان يمسح الأرض مسحا ولا يطوفها؛ أي يسيح فيها، وقيل: إنه خرج من بطن أمّه ممسوحا بالدّهن. وقيل: مسحه جبريل بجناحيه من الشّيطان حتى لا يكون للشيطان عليه سبيل. وقال الكلبيّ: (المسيح: الملك الّذي لا حاجة له إلى أحد من المخلوقين).روي عن ابن عبّاس أنه ﵇ كان يقول: (الشّمس ضياء والقمر سراج) وإنّه كان يقول: (الشّمس سراجي والقمر ضيائي)،ويقول: (البرّيّة طعامي، أبيت حيث يدركني اللّيل، ليس لي ولد يموت ولا دار تخرب ولا مال يسرق، أصبح ولا غداء لي، وأمسي ولا عشاء لي، وأنا من أغنى النّاس). قوله تعالى: ﴿وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ؛﴾ أي ذا قدر ومنزلة في الدنيا عند أهلها، وفي الآخرة عند ربه، والوجيه الذي لا يردّ قوله، ولا مسألته. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (٤٥)،أي من المقرّبين إلى ثواب الله في جنّة عدن وهي الدرجة العليا، والتقرّب إلى الله تقرّب إلى ثوابه. قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ؛﴾ أي في مضجع الرّضاع. قال مجاهد: (قالت مريم: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدّثته وحدّثني، فإذا شغلني إنسان؛ يسبح في بطني وأنا أسمع) (٢). قوله تعالى: ﴿وَكَهْلاً؛﴾ أي يكلّم الناس بعد ما دخل في السنّ؛ يعني قبل أن يرفع إلى السماء. وقال الحسن: (وكهلا أي بعد نزوله من السّماء).قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٤٦)؛أي ومن المرسلين.

стр. 546

وقال الكلبيّ: (أراد بالمهد: الحجر).روي أنّهم لمّا قالوا لها: ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا﴾ (١) كلّمهم وهو في حجرها فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ﴾ الآية (٢)،وكان يومئذ ابن أربعين يوما. فإن قيل: الكلام في حال كونه في المهد يعجب الناس منه، وأمّا الكلام في الكهولة فليس بعجب، فكيف ذكره الله؟ قيل: في ذلك الكلام وفي الكهولة بشارة لمريم في أنّ عيسى يعيش إلى وقت الكهولة. وقيل: تكلّم في المهد ببراءة أمّه ممّا رماها به اليهود، وتكلّم بالكهولة بإبطال ما ادّعاه النصارى من كونه إلها؛ لأنه كان طفلا ثم صار كهلا، ومن يكون بهذه الصّفة لا يكون إلها. والكهل في اللّغة: من جاوز حدّ الشّباب ولم يبلغ حدّ الشّيخوخة، يقال: اكتهل النّبات إذا قوي واشتدّ. وقيل: الكهل: هو الذي يكون ابن أربع وثلاثين سنة. وقوله : ﴿قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ؛﴾ أي ولم يصبني رجل بالنّكاح ولا بالسّفاح، وكان هذا القول منها على جهة الاستعظام لقدرة الله تعالى، لا على وجه الاستبعاد كما تقدّم ذكره. قال الله تعالى: ﴿قالَ كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ؛﴾ أي يكون لك ولد من غير بشر. قوله تعالى: ﴿إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤٧)؛ أي إذا أراد أن يخلق ما يشاء وحكم بتكوين شيء فإنّما يقول له كن فيكون كما أراده الله تعالى. وهذا إخبار عن سرعة كون مراد الله ؛ لأنه لا يكون في وهم العباد شيء أسرع من كن، وإنّما ذكره بلفظ الأمر لأنه أدلّ على القدرة، ونصب بعض القرّاء فيكون على جواب الأمر بالألف، ورفعه الباقون على إضمار هو يكون. قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ؛﴾ قرأ نافع ومجاهد والحسن وعاصم بالياء؛ كقوله تعالى: ﴿كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ (٣).وقال المبرّد:

стр. 547

(ردّوه على قوله ﴿(إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ)﴾.وقرأ الباقون بالنون على التعظيم، وردّوه على قوله: «(نوحيه إليك)». قوله تعالى: ﴿(وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ)؛﴾ أي الخطّ، وقيل الزبور وغيره من الكتب سوى التوراة والإنجيل. وقوله تعالى: ﴿(وَالْحِكْمَةَ)﴾ أي الفقه؛ وهو فهم المعاني. قوله تعالى: ﴿وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٤٨)؛قيل: علّمه الله تعالى التوراة في بطن أمّه، والإنجيل بعد خروجه. قوله تعالى: ﴿وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ؛﴾ أي ويجعله بعد ثلاثين سنة رسولا إلى بني اسرائيل؛ ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ؛﴾ بعلامة؛ ﴿مِنْ رَبِّكُمْ؛﴾ لنبوّتي، وقيل: ﴿(وَرَسُولاً)﴾ عطفا على ﴿(وَجِيهاً)﴾.وكان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف ﵇ وآخرهم عيسى ﵇. قوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ؛﴾ قرأ نافع «(إنّي)» بالكسر على الاستئناف وإضمار القول، وقرأ الباقون بالفتح. ومعنى الآية: أنّي أقدر لكم من الطين صورة كهيئة الطير فأنفخ في الطين كنفخ النائم فيصير طيرا يطير بين السماء والأرض بأمر الله ، ويقرأ «(طائرا)» إلاّ أنّ هذا أحسن؛ لأن الطائر يراد به الحال. قرأ الزهريّ وأبو جعفر «(كهيئة الطّير)» بالتشديد، وقرأ الآخرون بالهمز. والهيئة: الصورة المهيّئة من قولهم: هيّأت الشّيء إذا أصلحته. وقرأ أبو جعفر: «(كهيئة الطّائر)» بالألف. قوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ؛﴾ قرأ عامّة القرّاء (طيرا) على الجمع لأنه يخلق طيرا كثيرة، وقرأ أهل المدينة «(طائرا)» بالألف على الواحد ذهبوا إلى نوع واحد من الطّير لأنه لم يخلق إلاّ الخفّاش، وإنّما خصّ الخفّاش لأنّه أكمل الطير خلقا ليكون أبلغ في القدرة لأنّ لها ثديا وأسنانا؛ وهي تحيض وتطهر، قال وهب: (وهي تطير ما دام النّاس ينظرون إليها، فإذا غابت عن أعينهم سقطت، ولأنّها تطير

стр. 548

بغير ريش وتلد ولا تبيض) (١). وروي أنّهم ما قالوا لعيسى أخلق لنا خفّاشا إلا متعنّتين له؛ لأجل مخالفته الطيور بهذه الأخبار التي ذكرناها. فلمّا قالوا له أخلق لنا خفّاشا؛ أخذ طينا ونفخ فيه فإذا هو خفّاش يطير بين السماء والأرض، فقالوا: هذا سحر، فقال: أنا؛ ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ؛﴾ فقالوا: إنّ إبراء الأكمه والأبرص يفعله أطبّاؤنا، فذهبوا إلى جالينوس فأخبروه بذلك، فقال: إنّ الّذي ولد أعمى لا يبصر بالعلاج، والأبرص الذي لو غرزت إبرة لا يخرج منه الدم لا يبرأ بالعلاج، وإن كان يحيي الموتى فهو نبيّ. فجاءوا بأكمه وأبرص فمسح عليهما فبرءا، فقالوا: هذا سحر؛ فإن كنت صادقا فأحيي الموتى، فأحيا أربعة من الموتى: العازر وكان صديقا له، فأرسلت أخته إلى عيسى: أنّ أخاك العازر مات فأتاه، وكان بينهما مسيرة ثلاثة أيام، فأتى هو وأصحابه فوجدوه قد دفن منذ ثلاثة أيّام؛ فقام على قبره وقال: اللهمّ ربّ السموات السّبع والأرضين السّبع أحيي العازر من قبره وودكه يقطر، فخرج وبقي مدّة طويلة وولد له. وأحيا ابن العجوز، مرّ به وهو على سرير يحمل على أعناق الرّجال إلى المقابر، ودعا الله تعالى أن يجيبه، فجلس على سريره وأنزل عن أعناق القوم، ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه، ورجع إلى أهله فبقي مدّة وولد له. وأحيا ابنة العاشر بعد موتها بثلاثة ليال، فعاشت مدّة وولدت. فقالوا له: إنك تحيي من كان قريبا موته ولعلّهم لم يموتوا فأحيي لنا سام بن نوح، فقال: دلّوني على قبره فدلّوه، فدعا الله تعالى أن يحييه فخرج من قبره، فقال له عيسى ﵇: من أنت؟ قال: سام بن نوح، قال: ومن أنا؟ قال: عيسى روح الله وكلمته، قال: كيف شبت يا سام ولم يكن في زمانكم شيب، قال: سمعت صوتا يقول أجب روح الله فظننت أنّ القيامة قد قامت فشاب رأسي من هول ذلك، وكان سام قد عاش خمسمائة سنة، ومات وهو شابّ، فقال له عيسى ﵇: يا سام أتحبّ أن

стр. 549

أسأل الله حتى تعيش معنا؟ قال: لا، قال: لم لا؟ قال: لأنّ مرارة الموت لم تذهب من قلبي إلى الآن، وكان له من يوم مات أكثر من أربعة آلاف سنة ثم مات مكانه. فآمن بعيسى بعضهم وكذبه بعضهم، وقالوا: هذا سحر، فأخبرنا بأكلنا وادّخارنا، فكان يقول: أنت يا فلان أكلت كذا وادخرت كذا، وأنت يا فلان أكلت كذا وادخرت كذا. فذلك قوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ؛﴾ أي بما تأكلونه وما تدفعوه في بيوتكم حتى تأكلوه. قوله تعالى: ﴿(وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ)﴾ اختلفوا في الأكمه، قال مجاهد والضحّاك: (هو الّذي يبصر بالنّهار دون اللّيل) (١)،وقال ابن عبّاس وقتادة: (هو الّذي ولد أعمى ولم يبصر شيء قط) (٢).وقال الحسن والسدّي: (هو الأعمى المعروف) (٣). (والأبرص): هو الّذي به وضح. وقال وهب: (ربّما اجتمع على عيسى من المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفا من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق أتاه عيسى يمشي إليه، وإنّما كان يداويهم بالدّعاء على شرط الإيمان).قال الكلبيّ: (كان عيسى يحيي الموتى ب (يا حيّ يا قيّوم». قوله تعالى: ﴿(وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ)﴾ أي أخبركم بما تأكلون غدوة وعشيّا وما تدفعون من الغداء إلى العشاء، ومن العشاء الى الغداء. وقرأ مجاهد ﴿(وَما تَدَّخِرُونَ)﴾ بذال معجمة ساكنة وفتح الخاء. قال السديّ: (كان عيسى إذا كان في الصّبيان مع المعلّم يحدّث الصّبيان بما يصنع آباؤهم ويقول للصّبيّ: انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا وهم يأكلون السّاعة كذا، فينطلق الصّبيّ إلى أهله وهو يبكي ويطلب منهم ذلك الشّيء حتّى يعطوه إيّاه،

стр. 550

فيقولون له: من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى، فحبسوا أولادهم عنه وقالوا لا تلعبوا مع هذا السّاحر، فجمعوهم في بيت، فجاء عيسى يطلبهم، فقالوا له: ليسوا هنا، قال: فما في هذا البيت؟ قالوا: خنازير، فقال عيسى: كذلك يكونون إن شاء الله، ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير بأجمعهم، فهمّوا بعيسى أن يقتلوه، فلمّا خافت عليه أمّه حملته على حمار لها وخرجت به هاربة إلى مفازة) (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤٩)؛أي إنّ ما قلت لكم علامة لكم في نبوّتي إن كنتم مصدّقين بالله . قوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ؛﴾ معناه: وجئتكم ﴿(مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ)﴾ أي أتيت بالتوراة وأحكامها وصدّقتها، وقيل: يعني بالتصديق أنّ في التوراة البشارة بي، فإذا خرجت فقد صدّقت ذلك، ولا يجوز أن يكون ﴿(وَمُصَدِّقاً)﴾ عطفا على ﴿(وَرَسُولاً)﴾ لأنه لو كان ذلك لقال ومصدّقا لما بين يديه. قوله : ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ؛﴾ لأنه كان في التوراة أشياء محرّمة حلّل عيسى بعضها وهو العمل في يوم السبت؛ وشحوم البقر والغنم وسائر ما حرّم عليهم بظلمهم. وقيل: معناها: ولأحلّ لكم كلّ الذي حرّم عليكم أحباركم لا ما حرّم أنبياؤكم، ويكون البعض بمعنى الكلّ، واستدلّ صاحب هذا القول بقول لبيد: ترّاك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يعتلق بعض النّفوس حمامها قيل: معناه: كلّ النفوس. وقال الزجّاج: (لا يجوز أن يكون البعض عبارة عن الكلّ؛ لأنّ بعض الشّيء جزء منه).قال: (ومعنى قول لبيد: أو ما يعتلق نفسي حمامها؛ لأنّ نفسه بعض النّفوس) (٢).وقرأ النخعيّ: «(ولاحلّ لكم بعض الّذي حرم»

стр. 551

عليكم) (١) أي صار حراما. قوله : ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ؛﴾ أي أحلّ لكم شيئا مما حرّم عليكم من غير برهان، بل أتيتكم بعلامة نبوّتي. قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (٥٠)؛أي اتّقوا الله فيما أمركم ونهاكم وأطيعون فيما أبيّنه لكم؛ ﴿إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ؛﴾ أي قال لهم عيسى إنّ الله خالقي وخالقكم فوحّدوه؛ ﴿هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٥١)؛أي هذا الذي أدعوكم إليه طريقي في الدّين فلا عوج له، من سلكه أدّاه إلى الحقّ. قوله : ﴿*فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ؛﴾ أي لمّا وجد عيسى، وقيل: لمّا علم منهم الكفر والقصد إلى قتله؛ ﴿قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ؛﴾ أي من أعواني مع الله، وقيل: معناه: من أنصاري إلى سبيل الله، وقيل: من أنصاري لله، ﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ؛﴾ أي قال المخلصون في النّصرة والتّصديق: نحن أعوان دين الله معك؛ ﴿آمَنّا بِاللهِ؛﴾ أي صدّقنا بتوحيد الله؛ ﴿وَاشْهَدْ؛﴾ يا عيسى؛ ﴿بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (٥٢)؛ والإحساس هو العلم من خلجاتهم. واختلف المفسّرون في الحواريّين، قال بعضهم: هم المخلصون الخواصّ كما قال رسول الله ﷺ : [الزّبير ابن عمّتي وحواريّي من أمّتي] (٢) أي هو من أمّتي، وكان الحواريون لعيسى اثني عشر رجلا من أصحابه، مكان العشرة من النبيّ ﷺ ، سمّوا الحواريين من الحور وهو الخلوص. يقال: عين حوراء إذا اشتدّ بياض بياضها وقلص؛ واشتدّ سواد سوادها وخلص، ومنه وفيه يقال: دقيق حواريّ للّذي لم يبق منه إلاّ لبابه. وقال بعضهم: سمّوا حواريين من الحوار وهو البياض، إلاّ أنّهم اختلفوا في

стр. 552

بياضهم. قيل: كانوا قصّارين يبيّضون الثياب فمرّ بهم عيسى ﵇ فقال: ألا أدلّكم على تطهير أنفع من هذا؟ قالوا: نعم، قال: تعالوا حتّى نطهّر أنفسنا من الذّنوب، فبايعوه على ذلك. وقيل: كانوا بيض الثياب، وقيل: كانوا بيض القلوب من الفساد. وقال بعضهم: كانوا صيّادين، قال لهم عيسى ﵇: ألا أدلّكم على اصطياد أنفع من هذا؟ قالوا: بلى، قال: تعالوا حتى نصطاد أنفسنا من شرك إبليس؛ فبايعوه. كأنّهم ذهبوا في هذا إلى اشتقاقه من الحور الذي هو الرّجوع، ومنه سمّي المحور لأنه راجع إلى المكان الذي زال منه، وقيل: لأنه بدورانه ينصقل حتى يبيضّ. والمحور عود الخبّاز، وقيل: المحور الذي تدور عليه البكرة، وربّما كان من حديد. وأمّا ما روي في الحديث: [نعوذ بالله من الحور بعد الكور] (١) فمعناه: من الرجوع والخروج من الجماعة بعد أن كنّا فيها، يقال: كار عمامته إذا لفّها على رأسه؛ وحارها: اذا نقضها. قال مصعب: (لمّا اتّبع الحواريّون عيسى ﵇ وهم اثنا عشر رجلا، وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا، فيضرب بيده الأرض سهلا كان أو جبلا، فيخرج لكلّ إنسان رغيفين فيأكلهما. فإذا عطشوا قالوا: يا روح الله عطشنا، فيضرب بيده الأرض فيخرج الماء فيشربون، قالوا: يا روح الله؛ من أفضل منّا إذا شئنا أطعمنا وإن شئنا أسقينا، وآمنّا بك واتّبعناك؟ قال: أفضل منكم من يعمل بيده، ويأكل من كسبه، قال: فصاروا يغسلون الثّياب بالكري). وقال ابن المبارك: (سمّوا حواريّين لأنّه كان يرى بين أعينهم أثر العبادة ونورها وحسنها).قال النضر بن شميل: (الحواريّ خاصّة الرّجل الّذي يستعين به فيما ينوبه).وعن قتادة قال: (الحواريّ: الوزير) (٢).

стр. 553

قوله تعالى: ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ (٥٣)؛أي قالوا: ربّنا آمنّا بما أنزلت في كتابك؛ يعني: الإنجيل على عيسى، واتّبعنا عيسى ﴿(فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ)﴾ أي مع المصدّقين لأنبيائك الذين يشهدون بصدق الأنبياء من قبلنا، وقال عطاء: (معناه: فاكتبنا مع النّبيّين).وقال ابن عبّاس: (معناه: محمّد ﷺ وأمّته) (١). قوله : ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ (٥٤)؛ يعني مكر الكفار الذين لم يؤمنوا بقصدهم قتل عيسى ﵇. والمكر: هو الاحتيال في تدبير الشّرّ. وقوله: ﴿(وَمَكَرَ اللهُ)﴾ أي جازاهم الله على ما تقدّم أنّ الجزاء على المكر يسمى مكرا، كما في الاعتداء والسيّئة والاستهزاء. قوله تعالى: ﴿(وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ)﴾ أي هو أفضل الصانعين حين يجازي الكفار على صنعهم؛ وخلّص الممكور به؛ وذلك أنّ عيسى ﵇ بعد إخراج قومه إياه وأمّه من بين أظهرهم عاد إليهم مع الحواريّين، ودعاهم إلى الإسلام فهمّوا بقتله وتواطئوا عليه، وذلك مكرهم، فلمّا أجمعوا على قتله هرب منهم إلى بيت فدخله فرفعه جبريل من الكوّة إلى السّماء. فقال ملك اليهود واسمه يهودا، لرجل خبيث منهم يقال له طيطانوس: أدخل عليه البيت، فدخل فألقى الله عليه شبه عيسى ﵇، فلمّا لم يجد عيسى خرج؛ فرأوه على شبه عيسى فظنّوا أنه عيسى؛ فقتلوه وصلبوه، ثمّ قالوا: وجهه يشبه وجه عيسى، وبدنه يشبه بدن صاحبنا، فإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ وإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟،فوقع بينهم قتال، فقتل بعضهم بعضا. وقال وهب: (لمّا طرقوا عيسى في بعض اللّيل ونصبوا له خشبة ليقتلوه؛ أظلمت عليهم الأرض فصلبوا رجلا منهم يقال له يهودا ظنّوا أنّه عيسى ﵇، وهو الّذي دلّهم عليه، وذلك أنّ عيسى جمع الحواريّين في تلك اللّيلة ثمّ قال: ليمكرنّ بي أحدكم قبل أن يصيح الدّيك، ويبيعني بدراهم يسيرة. فخرجوا وتفرّقوا، وكانت

стр. 554

اليهود تطلبه، فأتى أحد الحواريّين وقال لليهود: ما تجعلون لمن يدلّكم على عيسى؟ فجعلوا له ثلاثين درهما، فأخذها ودلّهم عليه، فلمّا دخلوا البيت ورفع عيسى، ألقى الله شبه عيسى على الّذي دلّهم عليه؛ فقتلوه وصلبوه، فروي أنّه لمّا أخذوه ليقتلوه قال لهم: أنا الّذي دللتكم عليه، فلم يقبلوا منه ولم يلتفتوا إليه وصلبوه وهم يظنّونه عيسى). قال أهل التواريخ: (حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، وولدت عيسى لمضيّ خمس وستّين سنة من غلبة الاسكندر على أرض بابل، وأوحى الله إليه على رأس ثلاثين، ورفعه الله من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وعاشت أمّه بعد رفعه ستّ سنين) (١). والمكر: هو السّعي بالفساد في ستر ومناجاة، وأصله من قول العرب: مكر اللّيل وأمكر؛ إذا أظلم. والمكر من المخلوقين: الخبّ والخديعة والغيلة، وهو من الله استدراجه العباد، قال الله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) قال ابن عباس: (كلّما أحدثوا خطيئة تجدّدت لهم نعمة) (٣).وقال الزجّاج: (مكر الله مجازاتهم على مكرهم، فسمّي الجزاء باسم الابتداء كقوله تعالى: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (٤) وقوله: ﴿وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ (٥)).وقال عمرو بن كلثوم: ألا لا يجهلنّ أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا وسأل رجل جنيدا: كيف رضي الله المكر لنفسه وقد عاب به غيره؟ قال: لا أدري، ولكن أنشدني (٦):

стр. 555

فديتك قد جبلت على هواك ... فنفسي لا ينازعني سواكا أحبّك لا ببعض، بل بكلّ ... وإن لم يبق حبّك لي حراكا ويقبح من سواك الفعل عندي ... وتفعله فيحسن منك ذاكا فقال الرجل: أسألك عن آية في كتاب الله تعالى وتجيبني بشعر فلان؟! فقال: ويحك! قد أجبتك إن كنت تعقل، ومكر الله بهم خاصّة في هذه الآية إلقاؤه الشّبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى ﵇ (١). قوله : ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ؛﴾ أوّل هذه الآية متّصل بقوله: ﴿(خَيْرُ الْماكِرِينَ)﴾.وقيل: معناه: واذكروا ﴿(إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ)﴾.قال الضحّاك: (كسا الله عيسى الرّيش وألبسه النّور؛ وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فطار في الملائكة). واختلف المفسرون في معنى التّوفّي في هذه الآية؛ فقال الحسن والكلبي والضحّاك وابن جريج: (معناه: إنّي قابضك ورافعك من الدّنيا من غير موت) (٢). فعلى هذا القول للتّوفّي ثلاث تأويلات: أحدها: إنّي رافعك إليّ وافيا لن ينالوا منك شيئا؛ من قولهم: توفّيت كذا واستوفيته؛ إذا أخذته تامّا، والأخذ معناه: إنّي مسلّمك؛ من قولهم: توفّيت كذا إذا سلّمته. وقال الحسن: (معناه: إنّي منيّمك ورافعك إليّ من نومك).يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ (٣) أي ينيمكم؛ لأن النوم أخو الموت. وروي عن ابن عبّاس أنّ معنى الآية: (إنّي مميتك) (٤) يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ (٥) وله على هذا القول تأويلان؛ أحدها:

стр. 556

قال وهب بن منبه: (توفّاه الله ثلاث ساعات من النّهار ثمّ أحياه ورفعه إليه). والآخر: قال الضحّاك: (إنّ في الكلام تقديما وتأخيرا؛ معناه: إنّي رافعك ومطهّرك من الّذين كفروا؛ ومتوفّيك بعد إنزالك من السّماء) قال الشاعر: ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السّلام أي عليك السلام ورحمة الله. قال ﷺ : [أنا أولى النّاس بعيسى ﵇؛ لأنّه لم يكن بيني وبينه نبيّ، وإنّه نازل على أمّتي وخليفتي فيهم. فإذا رأيتموه فاعرفوه؛ وإنّه رجل مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الشّعر كأنّ شعره يقطر وإن لم يصبه بلل، يدقّ الصّليب ويقتل الخنزير، ويقاتل النّاس على الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلّها، ويهلك الله في زمانه الدّجّال، ويقع أمنه في الأرض حتّى ترتعي الأسود مع الإبل، والنّمور مع البقر، والذّئاب مع الغنم، ويلعب الصّبيان بالحيّات لا يضرّ بعضهم بعضا، ويلبث في الأرض أربعين سنة] (١). وفي رواية كعب: [أربعة وعشرين سنة، ثمّ يتزوّج ويولد له ثمّ يموت، ويصلّي عليه المسلمون ويدفنوه في بيت النّبيّ ﷺ ] (٢). وقيل للحسن بن الفضل: هل تجد نزول عيسى من السّماء في القرآن؟ قال: (نعم؛ قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ (٣) وهو لم يكتهل في الدّنيا، وإنّما رفع وهو شابّ، وإنّما معناه وكهلا بعد نزوله من السّماء). وعن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ : [كيف تهلك أمّة أنا في أوّلها؛ وعيسى في آخرها؛ والمهديّ من أهل بيتي في وسطها؟!] (٤) وقال ابن عمر: رأينا

стр. 557

النّبيّ ﷺ يتبسّم في الطّواف، فقيل له في ذلك؛ فقال: [استقبلني عيسى في الطّواف ومعه ملكان]. وقوله : ﴿(وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا)﴾ أي مخرجك من بين أظهرهم ومنجّيك منهم، فإنّهم كانوا أرجاسا. وكان تطهير عيسى منهم إزالتهم عنه برفعه، فإنّ التطهّر إزالة الأنجاس عن الثوب والبدن. قوله : ﴿(وَرافِعُكَ إِلَيَّ)﴾ أي إلى السّماء، وقيل: إلى كرامتي كما قال ابراهيم ﵇: ﴿(إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي)﴾ أي حيث أمرني ربي. قوله : ﴿(وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ)﴾ معناه: جاعل الذين آمنوا بك فوق الذين كذبوا بك؛ أي فوقهم في العزّ والغلبة؛ لا ترى يهوديا حيث كان إلاّ أذلّ من النصرانيّ. قالوا: وهذا يدلّ على أنه لا يكون لليهود ملك كما هو للنّصارى (١). وقيل: أراد بقوله ﴿(فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا)﴾ فوقهم بالحجّة والبرهان، قال ابن عباس والربيع وقتادة والشعبي ومقاتل والكلبيّ: (المراد بالّذين اتّبعوا عيسى أمّة محمّد ﷺ الّذين صدّقوه فيما قال؛ فو الله ما تبعه من ادّعاه ربّا؛ تعالى الله وتقدّس أن يكون له ولد).قال الضحّاك: (يعني الحواريّين). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٥٥)؛أي مرجع الكفّار والمؤمنين إليّ؛ (فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون) من أمر الدّين وأمر عيسى ﵇.

стр. 558

قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ؛﴾ أي أعاقبهم عقوبة شديدة في الدّنيا بالقتل والسّبي والجزية، وفي الآخرة بالنار، ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٥٦)؛أي مانعين يمنعونهم من عذاب الله. قوله : ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ؛﴾ قرأ الحسن وحفص ﴿(فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ)﴾ بالياء (١)،ومعناه: الذين صدقوا وعملوا الصالحات نكمل لهم ثواب أعمالهم بالطاعة؛ ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ (٥٧)؛أي لا يرحمهم ولا يغفر لهم. قوله : ﴿ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ (٥٨)؛ أي ما جرى من القصص ننزل به عليك يا محمّد فيتلوه عليك جبريل بأمرنا. وإنّما أضاف التلاوة إلى نفسه؛ لأنه حصل بأمره، ﴿(وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ)﴾ أي ومن القرآن ومن الحكمة بالتّأليف والنّظم، وسمّاه حكيما لأنه بما فيه من الحكمة كأنه ينطق بالحكمة. ويقال: معنى الحكيم المحكم وهو فعيل بمعنى مفعول. قوله : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٥٩)؛قال ابن عباس: وذلك أنّ وفد نصارى نجران: أسيد والعاقب وغيرهم من علمائهم جاءوا إلى رسول الله ﷺ فقال لهم النّبيّ ﷺ : [أسلموا] فقالوا: أسلمنا قبلك، فقال ﷺ : [يمنعكم من الإسلام ثلاث: أكلكم الخنزير؛ وعبادتكم الصّليب؛ وقولكم لله ولد] فقالوا له: ما لك تشتم صاحبنا؟ قال ﷺ : [وما أقول؟] قالوا: تقول إنّه عبد الله، قال [أجل؛ هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول] فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنسانا قطّ من غير أب؟! (٢) فأنزل الله : ﴿(إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ)﴾ أي صفة خلق عيسى بلا أب كصفة خلق آدم، خلقه من تراب من غير أب ولا أمّ ثم قال

стр. 559

لآدم: كن؛ فكان. وأراد الله تعالى بهذه الآية أنّ كون الولد من غير أب ليس بأعجب من كون الإنسان لغير أب وأمّ، وقد خلق الله آدم من غير أب وأمّ. وفي هذه الآية دلالة على صحّة القياس؛ لأنه لو لم يصح القياس لم يكن الله يجيب به، وفيها دليل على جواز قياس الشيء بالشّيء من وجه دون وجه؛ لأن الله إنّما شبّه عيسى بآدم في كونه من غير أب؛ لا في كونه من غير أمّ؛ ولا في خلقه من التّراب. فإن قيل: هلاّ قال الله تعالى: (كن فكان) فإنّ آدم قد انقضى كونه وقد أخبر عنه بالمستقبل؟ قيل: إنّ الفعل الماضي منقطع والمضارع متّصل؛ وذلك يقال: يروى عن النّبيّ ﷺ أنه فعل كذا فكان فعل كن لأنه لا يقتضي التّكرار، وما روي أنه كان يفعل كذا فإنه على التّكرار دون الانقطاع. ثم فعل الله يبنى على المهلة ويحدث على التّدريج، ألا ترى أنه خلق السموات والأرض في ستّة أيام، وكذلك بدت الحياة في آدم على التدريج، وكذلك أمر عيسى على التدريج كان يبدأ شيئا فشيئا؛ فأخبر الله عن ذلك بفعل دائم. قوله : ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (٦٠)؛قال الفرّاء: (رفع بخبر ابتداء محذوف تقديره: هو الحقّ أو هذا الحقّ).وقيل: تقديره: هذا الّذي أنبأتك به هو الحقّ والصّدق في أمر عيسى، ﴿(فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)﴾ أي من الشّاكّين؛ فالخطاب للنبيّ ﷺ والمراد به أمّته، لأنّ النبيّ ﷺ لم يكن شاكّا في أمر عيسى ﵇ قطّ، وهذا كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ (١).وقال بعضهم: معناه: لا تكن أيها السّامع لهذا النّبأ من الشّاكّين. قوله : ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ؛﴾ أي فمن خاصمك وجادلك يا محمّد في أمر عيسى من بعد ما جاءك من البيان بأنه عبد الله ورسوله، ولم يكن ابن الله ولا شريكه؛ ﴿فَقُلْ تَعالَوْا؛﴾ يا معشر النّصارى؛ ﴿نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ؛﴾ لنخرج إلى

стр. 560

فضاء من الأرض؛ ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ؛﴾ أي نلتعن، والبهلة: اللّعنة؛ يقال: بهله الله؛ أي لعنه الله وباعده. ويقال: معنى ﴿(نَبْتَهِلْ)﴾:نجتهد ونتضرّع في الدّعاء على الكاذب. ثم فسّر الابتهال فقال تعالى: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ﴾ (٦١)؛ أي نقول: لعنة الله على الكاذبين في أمر عيسى. قرأ الحسن وأبو واقد وأبو السمّال العدويّ: «(تعالوا)» بضمّ اللام. وقرأ الباقون: «(تعالوا)» بفتح اللاّم، والأصل فيه: تعاليوا؛ لأنه تفاعلوا من العلوّ، فاستثقلت الضمّة على الياء فسكّنت ثم حذفت وبقيت اللام على فتحها، ومن ضمّ فقد نقل حركة الياء المحذوفة إلى اللاّم. قال الفرّاء: (معنى تعال: ارتفع). فلمّا قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية على نصارى نجران وقال لهم: [إنّ الله أمرني أن أباهلكم إن لم تقبلوا] قالوا له: يا أبا القاسم؛ بل نرجع فننظر في أمرنا ثمّ نأتيك فنعلمك، فرجعوا وخلا بعضهم ببعض، وقال السّيّد للعاقب: قد والله علمت أنّ الرّجل نبيّ مرسل، ولئن لاعنتموه يا معشر النّصارى ليستأصلنّكم، وما لاعن نبيّ قوما قطّ فعاش كثيرهم ولا ثبت صغيرهم، وإن أنتم أبيتم إلاّ دينكم فواعدوه وارجعوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله ﷺ من الغدوّ وقد خرج بنفر من أهله محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن؛ وفاطمة تمشي على إثرهم وعليّ بعدها وهو يقول لهم: [إذا أنا دعوت فأمّنوا].فقال واحد من النّصارى: والله إنّي لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على الأرض نصرانيّ إلى يوم القيامة. فقالوا: يا أبا القاسم؛ قد رأينا أن لا نلاعنك ونتركك على دينك ونثبت على ديننا، فقال ﷺ : [فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم].فأبوا؛ فقال: [إنّي أنابذكم] فقالوا: ما لنا بحرب العرب من طاقة، ولكنّا نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردّنا عن ديننا؛ على أن نؤدّي إليك كلّ عام ألفي حلّة؛ ألف في صفر وألف في رجب. فصالحهم رسول الله ﷺ على ذلك وقال لهم: [وإن كان كيد باليمن أعنتمونا بثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا، والمسلمون ضامنون لها حتّى

стр. 561

يردّوها عليكم] (١). وكتب لهم كتاب الأمان والصّلح: [بسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا ما كتب محمّد رسول الله لنجران في كلّ صفراء وبيضاء وسوداء أو رقيق فاضلا عنهم؛ ترك ذلك كلّه على ألفي حلّة، في كلّ صفر ألف حلّة، وفي كلّ رجب ألف حلّة يمن كلّ حلّة وقيّة، وما زادت الحلل على الأواق فبحسابها، وما نقص من درع وخيل أو ركاب فبحسابه. وعليهم عارية ثلاثون درعا وثلاثون فرسا وثلاثون بعيرا إن كان كيدا باليمن، ولنجران وحاشيتها جوار الله تعالى وذمّة محمّد رسول الله ﷺ على أنفسهم ومالهم. وكلّ ما تحت أيديهم من قليل وكثير لا يغيّر ما كانوا عليه، ولا يغيّر أسقف من أسقفه، ولا راهب من رهبانيّته، ولا يحشرون من بلادهم، ولا يعشرون، ولا يطأ أرضهم حبش. وما سأل منهم حقّا فله النّصف غير ظالمين ولا مظلومين، ومن أكل الرّبا من ذي قبل فذمّتي منه بريّة، لا يؤخذ منهم رجل يطلب آخر، لهم جوار الله وذمّة رسوله أبدا حتّى يأتي الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا فيها عليهم غير مثقلين بظلم] (٢). شهد الشّهود أبو سليمان بن حرب، وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف وغيرهم. ثمّ بعث رسول الله ﷺ معهم معاذ بن جبل ليقضي بالحقّ فيما بينهم، ورجعوا إلى بلادهم. فقال ﷺ : [لو باهلوني لاضطرم الوادي عليهم نارا، ولم ير نصرانيّ ولا نصرانيّة إلى يوم القيامة].وفي بعض الرّوايات أنه قال: [لو التعنوا لهلكوا كلّهم حتّى العصافير في سقوفهم].وفي بعض الروايات أنّ النبيّ ﷺ قال: [والّذي نفسي بيده، إنّ العذاب يدلى على أهل نجران، ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير؛ ولاضطرم الوادي عليهم نارا؛ ولاستأصل الله نجران وأهله حتّى الطّير

стр. 562

والشّجر، وما حال الحول على النّصارى كلّهم حتّى هلكوا].فدلّ هذا الخبر على أن امتناعهم عن المباهلة لم يكن إلاّ لعلمهم أنّ الحقّ مع النبيّ ﷺ ، ولو لم يعلموا ذلك لباهلوه. قوله : ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ؛﴾ أي هذا الذي أوحينا إليك من الحجج والآيات لهو الخبر الحقّ بأنّ عيسى لم يكن إلها ولا ولد الله ولا شريكه. والقصص: هو الخبر الذي يتلوا بعضه بعضا. قوله تعالى: ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ؛﴾ أي ما إله إلاّ الله واحد بلا ولد ولا شريك. ودخول (من) في قوله ﴿(وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ)﴾ لتوكيد النّفي في جميع ما ادّعاه المشركون أنّهم آلهة. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٦٢)؛أي العزيز بالنقمة لمن لا يؤمن به، ذو الحكمة في خلق عيسى ﵇ من غير أب؛ وفي أمره ألاّ تعبدوا إلاّ الله تعالى. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ (٦٣)؛أي إن أعرضوا عمّا أتيت به من البيان؛ فإنّ الله عالم بالمفسدين الذين يعبدون غير الله ويدعون الناس إلى عبادة غير الله يجازيهم على ذلك. ثم دعاهم الله إلى التوحيد فقال : ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: يا أهل الكتاب هلمّوا إلى كلمة عدل بيننا وبينكم. وفي (سواء) ثلاث لغات: سواء وسوى وسوا، ولا يمدّ فيها إلاّ المفتوح، قال الله تعالى: ﴿مَكاناً سُوىً﴾ (١).ثم فسّر الكلمة فقال تعالى: ﴿(أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ)﴾ أحدا من المخلوقين، وموضع (أن) رفع على إضمار (هي).وقيل: موضعها نصب بنزع الخافض، وقيل: موضعها خفض بدلا من الكلمة؛ أي تعالوا إلى أن لا نعبد إلاّ الله.

стр. 563

قوله تعالى: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ أي نرجع إلى معبودنا وهو الله لا شريك له؛ وأنّ عيسى بشر كما أنّنا بشر فلا تتخذوه ربّا، وسمّى الله هذه الثلاثة الألفاظ كلمة لأنّ معناها: نرجع إلى واحد، وهي كلمة العدل: لا إله إلاّ الله. قال بعض المفسّرين: ولا يتّخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله كما فعلت اليهود والنّصارى؛ فإنّهم اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله؛ أي أطاعوهم في معصية الله. قال عكرمة: (هو سجود بعضهم لبعض) (١)،وقيل: معناه: لا نطيع أحدا في المعاصي، وفي الخبر: [من أطاع مخلوقا في معصية الله فكأنّما سجد سجدة لغير الله]. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (٦٤)؛ أي فإن أبوا التوحيد فقولوا اشهدوا بأنّا مقرّون بالتوحيد مسلمون لما أتانا به الأنبياء صلوات الله عليهم من الله تعالى. قوله تعالى: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ،﴾ قال الكلبيّ: (وذلك أنّ اليهود والنّصارى اجتمعوا في بيت مدرسة اليهود، وكلّ فريق يقول: إنّ إبراهيم منّا وعلى ديننا، فأتاهم رسول الله ﵇ فقالوا: اقض بيننا أيّنا أولى بإبراهيم ودينه، فقال ﷺ : [كلّ الفريقين منكم بريء من إبراهيم ودينه، إنّ إبراهيم كان حنيفا مسلما وأنا على دينه، فاتّبعوا دينه الإسلام] فأنزل الله هذه الآية).ومعناها: يا أيّها اليهود والنصارى لم تتخاصموا في ابراهيم ودينه (وما أنزلت التّوراة والانجيل إلاّ من بعده) ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٦٥)،أي أفليس لكم ذهن الإنسانيّة فتعلموا أن اليهوديّة ملّة محرّفة عن شريعة موسى ﵇، وأنّ اليهود سمّوا بهذا الاسم لأنّهم من ولد يهودا، والنصرانيّة ملّة محرّفة عن شريعة عيسى ﵇، سمّوا نصارى لأنّهم من قرية بالشام يقال لها: ناصرة. ويقال: معناه: أفلا تعقلون وتنظرون أنه ليس في التوراة والانجيل أنّ إبراهيم ﵇ كان يهوديّا أو نصرانيّا.

стр. 564

قوله تعالى: ﴿(وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ)﴾ أي من بعد مهلك إبراهيم ﵇ بزمان طويل، وكان بين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى ألف سنة. أفلا تعقلون دحوض حجّتكم وبطلان قولكم. قوله : ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ،﴾ معناه: وأنتم يا هؤلاء يا معشر اليهود والنصارى حاججتم فيما لكم به علم من بعث محمّد ﷺ وصفته في كتابكم، فلم تخاصمون فيما ليس لكم به علم وهو أمر إبراهيم ﵇، ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ،﴾ دين إبراهيم وشأنه، ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٦٦). و (الهاء) في (ها أنتم) تنبيه، و (أنتم) اسم للمخاطبين، و (هؤلاء) إشارة إليهم، كأنّه يقول: انتبهوا أنتم الذين حاججتم. قرأ أهل المدينة والبصرة بغير همز ولا مدّ إلاّ بقدر خروج الألف السّاكنة، وقرأ أهل مكة مهموز مقصور على وزن هعيتم، وقرأ أهل الكوفة وابن عامر بالمدّ والهمز، وقرأ الباقون بالمدّ دون الهمز. قوله : ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا؛﴾ هذا تكذيب من الله للفريقين في قولهم: إنّ إبراهيم كان يهوديّا أو نصرانيّا. وقوله تعالى: ﴿وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً؛﴾ أي مائلا عن اليهوديّة والنصرانيّة مخلصا مستسلما لأمر الله ؛ ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٦٧)؛على دينهم. والحنيف: هو المائل عن كلّ دين سوى الإسلام، يشبّه بالأحنف الذي تكون صدور قدميه مائلة عن جهة الخلقة. وقيل: الحنيف: الذي يوحّد الله ويحجّ ويضحّي ويختتن ويستقبل القبلة، وهو أسهل الأديان وأحبّها إلى الله تعالى، وأهله أكرم الخلق على الله. قوله : ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ قال ابن عبّاس والكلبيّ: (وذلك أنّ رؤساء اليهود قالوا للنّبيّ ﷺ : لقد علمت يا محمّد أنّا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك، وأنّه كان يهوديّا، وما بك إلاّ الحسد لنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية).ومعناها: إنّ أحقّ الناس بموالاة إبراهيم للّذين اتّبعوه في دينه في زمانه، ولم يغيّروا ولم يبدّلوا، ﴿(وَهذَا النَّبِيُّ)﴾ يعني

стр. 565

محمّدا ﷺ ﴿(وَالَّذِينَ آمَنُوا)﴾ يعني أصحابه الذي اتّبعوه. قوله : ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٨)؛أي في النّصر والمعرفة. قوله : ﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ؛﴾ يعني كعب بن الأشرف وأصحابه دعوا أصحاب رسول الله ﷺ : معاذ وحذيفة وعمّار بن ياسر الى دينهم اليهوديّة، وقد مضت قضيّتهم في سورة البقرة. ومعناه: تمنّت جماعة من أهل الكتاب أن يهلكوكم بإدخالكم في الضّلال، ﴿وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ؛﴾ أي وما يرجع وبال إضلالهم إلاّ على أنفسهم، ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ (٦٩)؛وما يعلمون أنّ وبال ذلك يعود عليهم، وقيل: ما يعلمون أنّ الله يطلع نبيّه ﷺ على فعلهم. قوله : ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (٧٠)؛أي لم تجحدون بمحمّد ﷺ والقرآن وأنتم تعلمون في كتابكم أنه نبيّ مرسل، يعني أنّ نعته مذكور في التوراة والإنجيل. والأصل في ﴿(لِمَ تَكْفُرُونَ)﴾:لما تكفرون؛ أي لأيّ شيء تكفرون، حذفت الألف للتخفيف وفتحت الميم دليلا على سقوط الألف، وعلى هذا ﴿لِمَ تَقُولُونَ﴾ و ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ و ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾. قوله : ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٧١)؛معناه: لم تخلطون الإسلام باليهوديّة والنصرانيّة، وقيل: إنّهم أقرّوا ببعض أمر النّبيّ ﷺ وكتموا بعضه، وقيل: معناه: لم تغطّون الحقّ بباطلكم، وتغطيتهم الحقّ بالباطل تحريفهم للتوراة والإنجيل وتأويلهم على غير وجهه. وقوله تعالى: ﴿(وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ)﴾ يعني صفة النّبيّ ﷺ كتموها وهم يعلمون أنه رسول الله ودينه حقّ. قرأ أبو مخلّد «(تلبّسون)» بالتشديد، وقرأ عبيد بن عمر: «(لم تلبسوا)» بغير نون ولا وجه له.
следующие страницы →