← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

يردّوها عليكم] (١). وكتب لهم كتاب الأمان والصّلح: [بسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا ما كتب محمّد رسول الله لنجران في كلّ صفراء وبيضاء وسوداء أو رقيق فاضلا عنهم؛ ترك ذلك كلّه على ألفي حلّة، في كلّ صفر ألف حلّة، وفي كلّ رجب ألف حلّة يمن كلّ حلّة وقيّة، وما زادت الحلل على الأواق فبحسابها، وما نقص من درع وخيل أو ركاب فبحسابه. وعليهم عارية ثلاثون درعا وثلاثون فرسا وثلاثون بعيرا إن كان كيدا باليمن، ولنجران وحاشيتها جوار الله تعالى وذمّة محمّد رسول الله ﷺ على أنفسهم ومالهم. وكلّ ما تحت أيديهم من قليل وكثير لا يغيّر ما كانوا عليه، ولا يغيّر أسقف من أسقفه، ولا راهب من رهبانيّته، ولا يحشرون من بلادهم، ولا يعشرون، ولا يطأ أرضهم حبش. وما سأل منهم حقّا فله النّصف غير ظالمين ولا مظلومين، ومن أكل الرّبا من ذي قبل فذمّتي منه بريّة، لا يؤخذ منهم رجل يطلب آخر، لهم جوار الله وذمّة رسوله أبدا حتّى يأتي الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا فيها عليهم غير مثقلين بظلم] (٢). شهد الشّهود أبو سليمان بن حرب، وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف وغيرهم. ثمّ بعث رسول الله ﷺ معهم معاذ بن جبل ليقضي بالحقّ فيما بينهم، ورجعوا إلى بلادهم. فقال ﷺ : [لو باهلوني لاضطرم الوادي عليهم نارا، ولم ير نصرانيّ ولا نصرانيّة إلى يوم القيامة].وفي بعض الرّوايات أنه قال: [لو التعنوا لهلكوا كلّهم حتّى العصافير في سقوفهم].وفي بعض الروايات أنّ النبيّ ﷺ قال: [والّذي نفسي بيده، إنّ العذاب يدلى على أهل نجران، ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير؛ ولاضطرم الوادي عليهم نارا؛ ولاستأصل الله نجران وأهله حتّى الطّير

стр. 562

والشّجر، وما حال الحول على النّصارى كلّهم حتّى هلكوا].فدلّ هذا الخبر على أن امتناعهم عن المباهلة لم يكن إلاّ لعلمهم أنّ الحقّ مع النبيّ ﷺ ، ولو لم يعلموا ذلك لباهلوه. قوله : ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ؛﴾ أي هذا الذي أوحينا إليك من الحجج والآيات لهو الخبر الحقّ بأنّ عيسى لم يكن إلها ولا ولد الله ولا شريكه. والقصص: هو الخبر الذي يتلوا بعضه بعضا. قوله تعالى: ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ؛﴾ أي ما إله إلاّ الله واحد بلا ولد ولا شريك. ودخول (من) في قوله ﴿(وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ)﴾ لتوكيد النّفي في جميع ما ادّعاه المشركون أنّهم آلهة. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٦٢)؛أي العزيز بالنقمة لمن لا يؤمن به، ذو الحكمة في خلق عيسى ﵇ من غير أب؛ وفي أمره ألاّ تعبدوا إلاّ الله تعالى. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ (٦٣)؛أي إن أعرضوا عمّا أتيت به من البيان؛ فإنّ الله عالم بالمفسدين الذين يعبدون غير الله ويدعون الناس إلى عبادة غير الله يجازيهم على ذلك. ثم دعاهم الله إلى التوحيد فقال : ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: يا أهل الكتاب هلمّوا إلى كلمة عدل بيننا وبينكم. وفي (سواء) ثلاث لغات: سواء وسوى وسوا، ولا يمدّ فيها إلاّ المفتوح، قال الله تعالى: ﴿مَكاناً سُوىً﴾ (١).ثم فسّر الكلمة فقال تعالى: ﴿(أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ)﴾ أحدا من المخلوقين، وموضع (أن) رفع على إضمار (هي).وقيل: موضعها نصب بنزع الخافض، وقيل: موضعها خفض بدلا من الكلمة؛ أي تعالوا إلى أن لا نعبد إلاّ الله.

стр. 563

قوله تعالى: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ أي نرجع إلى معبودنا وهو الله لا شريك له؛ وأنّ عيسى بشر كما أنّنا بشر فلا تتخذوه ربّا، وسمّى الله هذه الثلاثة الألفاظ كلمة لأنّ معناها: نرجع إلى واحد، وهي كلمة العدل: لا إله إلاّ الله. قال بعض المفسّرين: ولا يتّخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله كما فعلت اليهود والنّصارى؛ فإنّهم اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله؛ أي أطاعوهم في معصية الله. قال عكرمة: (هو سجود بعضهم لبعض) (١)،وقيل: معناه: لا نطيع أحدا في المعاصي، وفي الخبر: [من أطاع مخلوقا في معصية الله فكأنّما سجد سجدة لغير الله]. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (٦٤)؛ أي فإن أبوا التوحيد فقولوا اشهدوا بأنّا مقرّون بالتوحيد مسلمون لما أتانا به الأنبياء صلوات الله عليهم من الله تعالى. قوله تعالى: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ،﴾ قال الكلبيّ: (وذلك أنّ اليهود والنّصارى اجتمعوا في بيت مدرسة اليهود، وكلّ فريق يقول: إنّ إبراهيم منّا وعلى ديننا، فأتاهم رسول الله ﵇ فقالوا: اقض بيننا أيّنا أولى بإبراهيم ودينه، فقال ﷺ : [كلّ الفريقين منكم بريء من إبراهيم ودينه، إنّ إبراهيم كان حنيفا مسلما وأنا على دينه، فاتّبعوا دينه الإسلام] فأنزل الله هذه الآية).ومعناها: يا أيّها اليهود والنصارى لم تتخاصموا في ابراهيم ودينه (وما أنزلت التّوراة والانجيل إلاّ من بعده) ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٦٥)،أي أفليس لكم ذهن الإنسانيّة فتعلموا أن اليهوديّة ملّة محرّفة عن شريعة موسى ﵇، وأنّ اليهود سمّوا بهذا الاسم لأنّهم من ولد يهودا، والنصرانيّة ملّة محرّفة عن شريعة عيسى ﵇، سمّوا نصارى لأنّهم من قرية بالشام يقال لها: ناصرة. ويقال: معناه: أفلا تعقلون وتنظرون أنه ليس في التوراة والانجيل أنّ إبراهيم ﵇ كان يهوديّا أو نصرانيّا.

стр. 564

قوله تعالى: ﴿(وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ)﴾ أي من بعد مهلك إبراهيم ﵇ بزمان طويل، وكان بين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى ألف سنة. أفلا تعقلون دحوض حجّتكم وبطلان قولكم. قوله : ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ،﴾ معناه: وأنتم يا هؤلاء يا معشر اليهود والنصارى حاججتم فيما لكم به علم من بعث محمّد ﷺ وصفته في كتابكم، فلم تخاصمون فيما ليس لكم به علم وهو أمر إبراهيم ﵇، ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ،﴾ دين إبراهيم وشأنه، ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٦٦). و (الهاء) في (ها أنتم) تنبيه، و (أنتم) اسم للمخاطبين، و (هؤلاء) إشارة إليهم، كأنّه يقول: انتبهوا أنتم الذين حاججتم. قرأ أهل المدينة والبصرة بغير همز ولا مدّ إلاّ بقدر خروج الألف السّاكنة، وقرأ أهل مكة مهموز مقصور على وزن هعيتم، وقرأ أهل الكوفة وابن عامر بالمدّ والهمز، وقرأ الباقون بالمدّ دون الهمز. قوله : ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا؛﴾ هذا تكذيب من الله للفريقين في قولهم: إنّ إبراهيم كان يهوديّا أو نصرانيّا. وقوله تعالى: ﴿وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً؛﴾ أي مائلا عن اليهوديّة والنصرانيّة مخلصا مستسلما لأمر الله ؛ ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٦٧)؛على دينهم. والحنيف: هو المائل عن كلّ دين سوى الإسلام، يشبّه بالأحنف الذي تكون صدور قدميه مائلة عن جهة الخلقة. وقيل: الحنيف: الذي يوحّد الله ويحجّ ويضحّي ويختتن ويستقبل القبلة، وهو أسهل الأديان وأحبّها إلى الله تعالى، وأهله أكرم الخلق على الله. قوله : ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ قال ابن عبّاس والكلبيّ: (وذلك أنّ رؤساء اليهود قالوا للنّبيّ ﷺ : لقد علمت يا محمّد أنّا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك، وأنّه كان يهوديّا، وما بك إلاّ الحسد لنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية).ومعناها: إنّ أحقّ الناس بموالاة إبراهيم للّذين اتّبعوه في دينه في زمانه، ولم يغيّروا ولم يبدّلوا، ﴿(وَهذَا النَّبِيُّ)﴾ يعني

стр. 565

محمّدا ﷺ ﴿(وَالَّذِينَ آمَنُوا)﴾ يعني أصحابه الذي اتّبعوه. قوله : ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٨)؛أي في النّصر والمعرفة. قوله : ﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ؛﴾ يعني كعب بن الأشرف وأصحابه دعوا أصحاب رسول الله ﷺ : معاذ وحذيفة وعمّار بن ياسر الى دينهم اليهوديّة، وقد مضت قضيّتهم في سورة البقرة. ومعناه: تمنّت جماعة من أهل الكتاب أن يهلكوكم بإدخالكم في الضّلال، ﴿وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ؛﴾ أي وما يرجع وبال إضلالهم إلاّ على أنفسهم، ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ (٦٩)؛وما يعلمون أنّ وبال ذلك يعود عليهم، وقيل: ما يعلمون أنّ الله يطلع نبيّه ﷺ على فعلهم. قوله : ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (٧٠)؛أي لم تجحدون بمحمّد ﷺ والقرآن وأنتم تعلمون في كتابكم أنه نبيّ مرسل، يعني أنّ نعته مذكور في التوراة والإنجيل. والأصل في ﴿(لِمَ تَكْفُرُونَ)﴾:لما تكفرون؛ أي لأيّ شيء تكفرون، حذفت الألف للتخفيف وفتحت الميم دليلا على سقوط الألف، وعلى هذا ﴿لِمَ تَقُولُونَ﴾ و ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ و ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾. قوله : ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٧١)؛معناه: لم تخلطون الإسلام باليهوديّة والنصرانيّة، وقيل: إنّهم أقرّوا ببعض أمر النّبيّ ﷺ وكتموا بعضه، وقيل: معناه: لم تغطّون الحقّ بباطلكم، وتغطيتهم الحقّ بالباطل تحريفهم للتوراة والإنجيل وتأويلهم على غير وجهه. وقوله تعالى: ﴿(وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ)﴾ يعني صفة النّبيّ ﷺ كتموها وهم يعلمون أنه رسول الله ودينه حقّ. قرأ أبو مخلّد «(تلبّسون)» بالتشديد، وقرأ عبيد بن عمر: «(لم تلبسوا)» بغير نون ولا وجه له.

стр. 566

قوله : ﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ؛﴾ قال مجاهد ومقاتل والكلبيّ: (هذا في شأن القبلة لمّا صرفت القبلة إلى الكعبة، شقّ ذلك على اليهود، فقال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بالّذي أنزل على محمّد في شأن الكعبة وصلّوا إليها أوّل النّهار ثمّ اكفروا بالكعبة آخر النّهار، وارجعوا إلى قبلتكم صخرة بيت المقدس). ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٧٢)؛أي لعلّهم يقولون هؤلاء أصحاب كتاب، وهم أعلم منّا، فربّما يرجعون إلى قبلتنا، فحذر الله نبيّه محمّدا ﷺ مكر هؤلاء القوم وأطلعه على سرّهم. وقال بعضهم: إنّ علماء اليهود قالوا فيما بينهم: كنّا نخبر أصحابنا بأشياء قد أتى بها محمّد ﷺ ، فإن نحن كفرنا بها كلّها اتّهمنا أصحابنا، ولكن نؤمن ببعض ونكفر ببعض لنوهمهم أنّا نصدّقه فيما نصدّقه، ونريهم أنّا نكذّبه فيما ليس عندنا. ويقال: إنّهم أتوا النبيّ ﷺ في صدر النّهار، فقالوا: أنت الذي أخبرنا في التوراة إنك مبعوث، ولكن أنظرنا إلى العشيّ لننظر في أمرنا. فلمّا كان العشيّ أتوا الأنصار فقالوا لهم: كنّا أعلمناكم أنّ محمّدا هو النبيّ الذي هو مكتوب في التوراة، إلاّ أنّا نظرنا في التوراة فإذا هو من ولد هارون ﵇ ومحمد ﷺ من ولد إسماعيل بن إبراهيم، فليس هو النبيّ الذي هو عندنا. وإنّما فعلوا ذلك لعلّ من آمن به منهم يرجع، لأنّ هذا يكون أقرب عندهم إلى تشكيك المسلمين. ووجه الشّيء أوّله، يقال لأوّل الثوب وجه الثوب، ويسمّى أوّل النهار وجهه لأنه أحسنه. قوله : ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ؛﴾ حكاية قول كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا لليهود: لا تصدّقوا إلاّ لمن تبع دينكم اليهوديّة، وصلّى إلى قبلتكم نحو بيت المقدس. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ؛﴾ قال بعضهم: هذا كلام معترض بين كلامي اليهود، ويجوز دخول العارض بين الكلامين اذا احتيج إليه كما

стр. 567

دخل على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ (١) ثم عاد إلى أوّل الكلام فقال تعالى: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ (٢) كذا قوله تعالى: ﴿(قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ)﴾ عارض ثم عاد إلى كلام اليهود، فقال تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ؛﴾ أي قالوا لا تصدّقوا أن يعطى أحد من الكتاب والعلم مثل ما أعطيتم؛ ﴿أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ؛﴾ أي يحاجكم أحد، ﴿قُلْ؛﴾ لهم يا محمّد إنّ الهدى هدى الله و؛ ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ؛﴾ فلا تنكروا أن يؤته غيركم. وقال بعضهم: ليس في الآية تقديم وتأخير، ومعناه: قالت اليهود: ولا تؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم، قل يا محمّد إنّ الهدى هدى الله؛ فلا تجحدوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو يحاجّكم أحد عند ربّكم، ﴿(قُلْ)﴾:إنّ الفضل بيد الله، ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ؛﴾ أي النبوة والكتاب والهدى بقدرة الله تعالى يعطيه من يشاء، ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٧٣)؛أي واسع الفضل والقدرة، عليم بمن هو من أهل الفضل. وقيل معنى الآية: ولا تؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم أي ملّتكم، ولا تؤمنوا إلاّ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم والحكمة؛ والكتاب والحجة؛ والمنّ والسّلوى؛ وفلق البحر وغيرها من الكرامات، ولا تؤمنوا إلاّ أن يجادلوكم عند ربكم لأنكم أصحّ دينا منهم، وهذا قول مجاهد. وقال ابن جريج: (معناه: أنّ اليهود قالت لسفلتهم: لا تؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ فأيّ فضل يكون لكم عليهم حيث عملوا ما عملتم، وحينئذ يحاجّوكم عند ربكم فيقولون: عرفتم أنّ ديننا حقّ؛ فلا تصدّقوهم لئلاّ يعلموا مثل ما علمتم فلا يحاجّوكم عند ربكم) (٣).ويجوز أن تكون (إلاّ) على هذا القول مضمرة لقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (٤) ويكون تقديره: ولا تؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم؛ لئلاّ يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ لئلا يحاجّوكم به عند ربكم.

стр. 568

وقرأ الحسن والأعمش «(إن يؤتى)» بكسر الألف، وجه هذه القراءة: أنّ هذا من قول الله بلا اعتراض، وأن يكون كلام اليهود منتهيا عند قوله ﴿(إِلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ)﴾.ومعنى الآية: قل يا محمّد إنّ الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أمّة محمّد أو يحاجّوكم؛ يعني: إلاّ أن يحاجّوكم أي يجادلوكم اليهود بالباطل فيقولوا نحن أفضل منكم. وقوله تعالى: ﴿(عِنْدَ رَبِّكُمْ)﴾ أي عند فعل ربكم ذلك، وتكون (أن) على هذا القول بمعنى الجحد والنّفي؛ أي لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، وما أعطي أحد مثل ما أعطيتم يا أمّة محمّد ﷺ من الدّين والحجّة حتى يجادلوكم عند ربكم. قرأ ابن كثير: «(أأن يؤتى أحد)» بالمدّ (١)،وحينئذ في الكلام اختصار تقديره: ألأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب تحسدونهم ولا تؤمنون به، وهذا قول قتادة والربيع؛ قالا: (هذا من قول الله : قل يا محمّد إنّ الهدى هدى الله؛ لمّا أنزل كتابا مثل كتابكم ونبيّا مثل نبيّكم حسدتموه وكفرتم به) (٢). ويحتمل أن يكون تمام الخبر عن اليهود عند قوله تعالى: ﴿(لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)،﴾ فيكون قوله تعالى: ﴿(وَلا تُؤْمِنُوا إِلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ)﴾ إلى آخر الآية من كلام الله ، وذلك أنّ الله تعالى قال مثبتا لقلوب المؤمنين لئلاّ يشكّوا عند تلبّس اليهود في دينكم، ولا تصدّقوا يا معشر المؤمنين إلاّ لمن تبع دينكم، ولا تصدّقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدّين والفضل، ولا تصدّقوا أن يحاجّوكم في دينكم عند ربكم، أو يقدرون عليه، فإن الهدى هدى الله، وإن عند تلبّس اليهود عليهم لئلاّ يزلّوا أو يرتابوا، يدلّ عليه قول الضحّاك: (إنّ اليهود قالوا: إنّا نحاجّ عند ربنا من خالفنا في ديننا).بيّن الله أنّهم هم المدحضون المغلوبون، وأنّ المؤمنين هم الغالبون. وقال أهل الإشارة في هذه الآية: لا تعاشروا إلاّ من يوافقكم على أحوالكم وطريقتكم، فإنّ من لم يوافقكم لا يرافقكم.

стр. 569

قوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ؛﴾ أي يختصّ بدينه الإسلام من يشاء، وقيل: يختصّ بالنبوّة من يشاء؛ ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٧٤)، على من اختصّه بالإسلام والنبوّة. قوله : ﴿*وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً؛﴾ في الآية دليل وبيان أنّ أهل الكتاب فيهم أمانة وفيهم خيانة، فمنهم من إن تأمنه تبايعه بملء مشك ثور تؤدّه ذهبا، يؤدّه إليك بلا عناء ولا تعب، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدّه إليك إلاّ بعد عناء وتعب. وقال الضحّاك: (هو فنحاص بن عازوراء اليهوديّ؛ أودعه رجل دينارا فخانه) (١).والقنطار عبارة عن المال الكثير، والدّينار عبارة عن المال القليل. وقال الضحّاك عن ابن عبّاس: (معنى الآية: ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤدّه إليك؛ وهو عبد الله بن سلام؛ أودعه رجل ألفا ومائتي أوقيّة من ذهب فأدّاه إليه؛ فمدحه الله تعالى، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدّه إليك؛ وهو فنحاص ابن عازوراء اليهوديّ؛ أودعه رجل من قريش دينارا فخانه).وفي بعض التفاسير: أنّ الذي يؤدّي الأمانة في هذه الآية هم النّصارى؛ والذين لا يؤدّونها هم اليهود. قرأ الأشهب العقيلي «(تيمنه بقنطار)» بكسر التّاء وهي لغة بكر وتميم، وفي حرف ابن مسعود: (ما لك لا تيمنّا)،وقراءة العامّة «(تأمنه)» بالألف. وقوله تعالى ﴿(يُؤَدِّهِ)﴾ فيه خمس قراءات، فقرأها كلّها أبو عمرو وعاصم والأعمش وحمزة ساكنة الهاء، وقرأ أبو جعفر ويعقوب مختلسة مكسورة مشبعة، وقرأ سلام مضمومة مختلسة، وقرأ الزهريّ مضمومة مشبعة، وقرأ الآخرون مكسورة مشبعة. قوله تعالى: ﴿(إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً)﴾ قرأ الأعمش ويحيى بن وثّاب وطلحة بكسر الدّال، ومعنى الآية: ﴿(إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً)﴾ أي ملحّا، كذا قال ابن عباس،

стр. 570

وقال مجاهد: ﴿(إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً)﴾ ملازما. وقال ابن جبير: (مرابطا).وقال الضحّاك: (مواظبا) (١).وقال قتادة: (معناه: إلاّ ما دمت عليه قائما: بقبضه).وقال السديّ: (قائما على رأسه، فإن سألته إيّاه حين دفعته إليه ردّه عليك، وإن أخّرته أنكر) (٢).وذهب به ذلك إلى الاستحلال والخيانة، ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا؛﴾ أي فإنّهم قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ؛﴾ أي وقال العرب نظيره قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ (٣).والسبيل هو الإثم والحرج؛ دليله قوله تعالى: ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٤) وذلك أنّ اليهود قالوا: لا حرج علينا في حبس أموال العرب قد أحلّها الله لنا؛ لأنّهم ليسوا على ديننا، وكانوا يستحلّون ظلم من خالفهم في دينهم (٥). وقال الكلبيّ: (قالت اليهود: إنّ الأموال كلّها لنا؛ وما كان في أيدي العرب منها فهو لنا، وإنّما ظلمونا وغصبونا عليها ولا سبيل علينا في أخذنا إيّاها منهم). فأكذبهم الله بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧٥)؛ فلمّا نزلت هذه الآية قال النّبيّ ﷺ : [كذب أعداء الله، ما من شيء كان في الجاهليّة إلاّ وهو تحت قدمي إلاّ الأمانة؛ فإنّها مؤدّاة إلى البرّ والفاجر] (٦). قوله تعالى: ﴿(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ)﴾ أي ذلك الاستحلال والخيانة منهم بقولهم: ليس علينا في مال العرب والذين لا كتاب لهم حجة ولا مأثم. وقوله تعالى: ﴿(وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ)﴾ أي يقولون لم يجعل لهم علينا في كتابنا حرمة كحرمتنا، ﴿(وَهُمْ يَعْلَمُونَ)﴾ أنّ الله تعالى قد أنزل عليهم في كتابهم الوفاء وأداء الأمانة لمن ائتمنهم وخالطهم (٧).

стр. 571

قوله : ﴿بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٧٦)؛أي ليس الأمر كما يزعمون، لكن من أتمّ عهد الله الذي عاهده الله تعالى في التوراة واتّقى ظلم الناس في ترك الوفاء ونقض العهد، فإنّ الله يحبّ المتّقين لنقض العهد وترك الوفاء. قال ﷺ : [ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صلّى وصام: من إذا حدّث كذب، وإذا أوعد أخلف، وإذا ائتمن خان] (١) وقال ﷺ : [من ائتمن على أمانة فأدّاها ولو شاء لم يؤدّها؛ زوّجه الله من الحور العين ما شاء]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية فيما كان بين امرئ القيس (٢) وعبدان بن الأشوع من الخصومة في أرض غلبه عليها امرؤ القيس؛ فاستحلفه عبدان فهمّ بالحلف؛ فنزلت هذه الآية فامتنع أن يحلف، وأقرّ لعبدان بحقّه ودفعه إليه، فقال ﷺ : [لك عليها الجنّة]).وقيل: نزلت هذه الآية في اليهود لكتمانهم مبعث النّبيّ ﷺ . ومعنى الآية: إنّ الذين يجتازون على عهدي الذي عهدت به في الدنيا، أولئك لا نصيب لهم في الآخرة؛ ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ؛﴾ بكلام خير ولا رحمة، وقيل: لا يسمعهم كلامه كما يكلّم أولياءه بغير سفير. قوله تعالى: ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ أي لا يرحمهم ولا يعطف عليهم ولا يقول لهم خيرا؛ ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ؛﴾ أي لا يثني عليهم خيرا؛ ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧٧)؛في أنّها هذه الأحوال ﴿(عَذابٌ أَلِيمٌ)﴾ أي موجع. روي عن رسول الله ﷺ : [من اقتطع شيئا من مال مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النّار وحرّم عليه الجنّة] قال رجل: ولو كان شيئا يسيرا؟ قال: [ولو كان قضيبا من أراك] (٣).وقال ﷺ : [أكبر الكبائر الشّرك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس] (٤).

стр. 572

وقال ﷺ : [إيّاكم واليمين الفاجرة، فإنّها تدع الدّيار بلاقع] (١) وقال ﷺ : [اليمين الفاجرة تسقم الرّحم] (٢)،وهي [منفقة للسّلعة ممحقة للكسب] (٣). قوله : ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ؛﴾ روي: أنّ جماعة من اليهود أولي فاقة وفقر قدموا المدينة من الشّام ليسلموا، فلقيهم كعب بن الأشرف فقال لهم: أتعلمون أنّ محمّدا نبيّ؟ قالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟ قال: لا، قالوا: فإنّه يشهد أنّه عبد الله ورسوله، فقال كعب بن الأشرف: لقد منعكم الله خيرا كثيرا، كنت أريد أن أمير لكم وأكسو عيالكم فحرمكم الله، فقالوا: رويدك حتّى نلقاه، فانطلقوا وكتبوا صفة سوى صفته ونعتا سوى نعته، ثمّ انتهوا إلى رسول الله ﷺ ، فكلّموه وسألوه، ثمّ رجعوا إلى كعب فقالوا: كنّا نرى أنّه رسول الله ﷺ ، فإذا هو ليس بالنّعت الّذي نعت لنا؛ وجدنا نعته مخالفا للّذي عندنا؛ وأخرجوا الّذي كتبوه فنظر إليه كعب ففرح وأخذ إقرارهم وخطوطهم ثمّ بعث إلى كلّ واحد منهم ثمانية قمص من الكرباس وخمسة آصع من الشّعير، فنزلت الآية. ومعناها: وإنّ من أهل الكتاب طائفة يحرّفون الكتاب ثم يقرءون ما حرّفوه ليظنّ المسلمون أنّ ذلك من التوراة؛ وما هو منها، ويقولون هو من عند الله نزل وما هو من عند الله نزل؛ ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ؛﴾ بادّعائهم أنّ ذلك المحرّف من التوراة؛ ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧٨)؛أنّهم يكذبون، وليّ اللّسان هو العدول عن الصدق والصواب.

стр. 573

وقوله : ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ وذلك أنّه لمّا كثرت دعوة النّبيّ ﷺ إيّاهم إلى الإسلام وقامت عليهم الحجج؛ قالوا: إنّ هذا الرجل يريد أن نتّبعه ونعبده كما كان عيسى من قومه حتى عبدوه، فكذا كلّم الله بهذه الآية، ومعناها: ما كان بشر من الأنبياء مثل عيسى وعزير وغيرهم أن يعطيه الله الكتاب وعلم الحلال والحرام والنبوّة؛ ﴿(ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ)﴾ أي لا يجمع لأحد النبوّة والقول للناس: كونوا عبادا لي، وليس هذا على وجه النّهي، ولكنه على وجه التّنزيه لله ؛ لأنه لا يختار نبيّا يقول مثل هذا القول للناس. ويجوز أن يكون هذا على وجه تعظيم الأنبياء صلوات الله عليهم. وقال الضحّاك ومقاتل: (معناه: ﴿(ما كانَ لِبَشَرٍ)﴾ يعني عيسى ﵇ ﴿(أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ)﴾ يعني الإنجيل؛ نزلت في نصارى نجران).وقال ابن عبّاس وعطاء: «﴿ما كانَ لِبَشَرٍ)﴾ يعني محمّدا ﷺ ﴿(أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ)﴾ يعني القرآن. وذلك أنّ أبا رافع القرظيّ من اليهود، والرّيّس من نصارى نجران، قالوا: يا محمّد؛ نريد أن نصيّرك ونتّخذك ربّا؟! فقال ﷺ : [معاذ الله أن يعبد غير الله أو نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني الله ولا بذلك أمرني] فأنزل الله هذه الآية) (١).والبشر جمع بني آدم لا واحد له من لفظه، كالقوم والجيش، ويوضع موضع الواحد والجمع. قوله تعالى ﴿(وَالْحُكْمَ)﴾ يعني الفهم والعلم، وقيل: الأحكام (٢). قوله : ﴿وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٧٩)،أي ولكن يقول: ﴿(كُونُوا رَبّانِيِّينَ)﴾ أي علماء عاملين، وقيل: فقهاء معلّمين. قال مرّة بن شرحبيل: (كان علقمة من الرّبّانيّين يعلّمون النّاس القرآن).وعن سعيد بن جبير: (معناه: حكماء أتقياء) (٣).وقيل: متعبدين مخلصين. وقيل: علماء نصحاء لله في خلقه.

стр. 574

وقيل: (الرّبّانيّ: هو العالم بالحلال والحرام والأمر والنّهي؛ والعارف بأنباء الأمّة وما كان وما يكون).وقال عليّ كرّم الله وجهه: (هو الّذي يربّ علمه بعمله) أي يصلح علمه بعمله وعمله بعلمه. وقال محمّد بن الحنفية يوم مات ابن عبّاس: (مات ربّانيّ هذه الأمّة). قوله تعالى: ﴿(بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ)﴾ معناه: بما أنتم تعلّمون كقوله: ﴿وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً﴾ (١) أي وامرأتي عاقر. وقوله: ﴿مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ﴾ (٢) أي من هو في المهد صبيّا. وقوله تعالى: ﴿(تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ)،﴾ قرأ السّلمي والنخعيّ وابن جبير والضحّاك وابن عامر والكوفيّون: «(بما كنتم تعلّمون)» بالتشديد من التّعليم، وقرأ الباقون بالتخفيف: من العلم. قال أبو عمرو: (وتصديق هذه القراءة: ﴿(وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ)﴾ ولم يقل: تدرّسون).وقرأ الحسن: «(بما كنتم تعلّمون)» بفتح التاء والعين وتشديد اللاّم؛ على معنى: تتعلّمون. وقرأ أبو حيوة: «(تدرّسون)» بالتشديد (٣)،وقرأ الباقون «(تدرسون)»:من الدّرس. وعن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ : [ما من مؤمن ذكر ولا أنثى ولا مملوك إلاّ ولله عليه حقّ أن يتعلّم من القرآن ويتفقّه فيه] ثمّ تلا هذه الآية: ﴿(وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ)﴾ (٤).وإنّما قيل للفقهاء: ربّانيّين؛ لأنّهم يربّون بالعلم؛ أي يقومون به. وزيدت الألف والنون للمبالغة، كما يقال رجل كثير اللّحية: لحيانيّ، والذي جمعه جمّانيّ. وعن ثعلب أنه قال: (يقال: رجل ربّي وربّانيّ؛ أي عالم عامل معلّم). قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٨٠)،قرأ الحسن وعاصم وحمزة وابن عامر: «(ولا يأمركم)» بنصب الراء عطفا على (ثمّ يقول) مردود على البشر، وقرأ الباقون

стр. 575

بالرفع والاستئناف والانقطاع من الكلام الأوّل. واختلفوا فيه على هذه القراءة. فقال الزجّاج: (معناه: ولا يأمركم الله).وقال ابن جريج وجماعة: (ولا يأمركم محمّد ﷺ ،وقيل: ولا يأمركم البشر أن تتخذوا الملائكة والنبيّين أربابا كفعل قريش وخزاعة؛ حيث قالوا: الملائكة بنات الله. واليهود والنّصارى حيث قالوا: عزير والمسيح ابن الله. قوله تعالى: ﴿(أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ)﴾ استفهام بمعنى الإنكار؛ أي الله بعث النبيّ ﷺ ليدعو الناس إلى الإسلام؛ فكيف يدعو إلى الكفر بعد أن كانت فطرتكم على الإسلام؟.ويقال: إن كنتم مقرّين بالتوحيد. قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ؛﴾ قرأ سعيد بن جبير «(لمّا)» بتشديد الميم، وقرأ حمزة «(لما)» بكسر اللام والتخفيف، وقرأ الباقون بالفتح والتخفيف. فمن فتح وخفّف فهي لام الابتداء أدخلت على (ما) (١)، كقول القائل: لزيد أفضل من عمرو، و ﴿(لَما آتَيْتُكُمْ)﴾ اسم، والذي بعده صلة (٢). وجوابه: ﴿(لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ)،﴾ وإن شئت جعلت خبر (ما) من كتاب، وتكون (من) زائدة معناه: لما آتيتكم كتابا وحكمة. ثم ابتدأ فقال: ﴿(ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ)﴾ أي ثم إن جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به، اللام لام القسم؛ تقديره: والله لتؤمننّ به، فوكّده في أول الكلام بلام التوكيد وفي أجزاء الكلام بلام القسم كأنه استحلفهم: والله لتؤمننّ به. وأخذ الميثاق في معنى التّحليف؛ لأن الحلف وثيقة، وموضع (ما) في قوله ﴿(لَما)﴾ نصب بقوله ﴿(آتَيْتُكُمْ)،﴾ كأنه قال: للّذي اتيتكموه من كتاب. وقال الزجّاج: (هذه لام التّخفيف دخلت على (ما) للجزاء؛ ومعناه: لهما آتيتكم).ودخول اللاّم في الشّرط والجواب للتوكيد كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي﴾

стр. 576

والجواب للتوكيد كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ (١) وكما يقول: لئن جئتني لأكرمتك. ومن قرأ «(لما)» بالكسر والتخفيف فهي لام الإضافة دخلت على (ما) التي هي بمعنى الّذي؛ ومعناه: للّذي أتيتكم؛ يعني: الذي أخذ ميثاق النبيين لأجل الذي آتيناهم من كتاب وحكمة؛ ثمّ جاءكم رسول مصدّق لما معكم. قوله تعالى: ﴿(لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ):﴾ قرأ نافع بالألف والنّون على التّعظيم؛ لأنّ عظم الشّأن قد يعبر عن نفسه بلفظ الجمع. وقرأ الآخرون ﴿(آتَيْتُكُمْ)﴾. واختلف المفسّرون في المعنيّ بهذه الآية، فقال قوم: إنّما أخذ الميثاق على الأنبياء ﵈: أن يصدّق بعضهم بعضا، ويأمر بعضهم بالإيمان ببعض، فذلك معنى النّصرة بالتصديق، وهذا قول ابن جبير وطاوس وقتادة والحسن والسديّ؛ يدلّ عليه ظاهر الآية. قال عليّ ﵁: (لم يبعث الله نبيّا إلاّ أخذ عليه العهد من محمّد وأمّته، وأخذ العهد على قومه ليؤمننّ به؛ ولئن بعث وهم أحياء لينصرنّه) (٢). وقال بعضهم: إنّما أخذ الميثاق على أهل الكتاب؛ وهو قول مجاهد والربيع قالوا: (ألا ترى إلى قوله: ﴿(ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ)﴾ إنّما كان محمّد مبعوثا إلى أهل الكتاب دون النّبيّين) (٣).وقال بعضهم: إنّما أخذ العهد على النبيّين وأممهم؛ واكتفى بذكر الأنبياء عن ذكر الأمم؛ لأنّ أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على الأتباع، وهذا قول ابن عباس وهو أولى بالصواب (٤). قوله : ﴿قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي؛﴾ أي قال الله تعالى لأنبيائه: أقررتم بما أمرتكم به على ما قلت لكم وقبلتم على ذلكم عهدي. ومعنى ﴿(أَخَذْتُمْ)﴾ أي قبلتم؛ نظيره قوله تعالى: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ﴾ (٥) أي

стр. 577

فاقبلوه، وقوله: ﴿لا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ﴾ (١) أي لا يقبل، وقوله: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ (٢) أي يقبلها. والإصر في اللّغة: الثّقل؛ لكن يراد به العهد لما فيه من الثّقل. وقال بعضهم: لفظ الأخذ يحتمل وجهين؛ أحدهما: قبلتم على ذلكم عهدي، والثاني: أخذتم العهد على ذلكم بذلك على أممكم. قوله تعالى: ﴿قالُوا أَقْرَرْنا؛﴾ أي قالت الأنبياء صلوات الله عليهم: أقررنا بالعهد، ﴿قالَ﴾ الله؛ تعالى؛ ﴿فَاشْهَدُوا؛﴾ أي يشهد بعضكم على بعض بذلك، واشهدوا على أتباعكم. وقيل: معنى ﴿(فَاشْهَدُوا)﴾ أي بيّنوا لمن يكون بعدكم؛ لأن الشاهد هو الذي يصحّح دعوى المدّعي، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ (٨١)؛أي أنا من الشاهدين عليكم وعلى أممكم. وقيل: معنى ﴿(فَاشْهَدُوا)﴾ أي قال للملائكة: فاشهدوا على إقرارهم. وشهادة الله للنبيين تبينة أمر نبوّتهم بالمعجزات، ﴿فَمَنْ تَوَلّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٨٢). قوله : ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (٨٣)؛قرأ أبو عمرو: «(يبغون)» بالياء (٣)،و «(ترجعون)» بالتاء، قال: (لأنّ الثّاني أعمّ، والأوّل خاصّ، ففرّق بينهما لافتراقهما في المعنى).وقرأ الحسن ويعقوب وسلام وحفص: «(يبغون)» بالياء، و «(يرجعون)» بالياء أيضا. وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب. ومعنى الآية: أبعد هذه الوثائق الجارية بينهم وبين الله في أمر النبيّ ﷺ يطلبون دينا سوى ما عهده الله إليهم. قال الكلبيّ: (وذلك أنّه لمّا قال لهم النّبيّ ﷺ حين اختلفوا في دين إبراهيم عليه؛ كلّ فرقة قد زعمت أنّها أولى بدينه، فقال ﷺ : [كلا

стр. 578

الفريقين بريء من دين إبراهيم] فغضبوا وقالوا: والله ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية) (١). قوله تعالى: ﴿(وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً)﴾ أي له أخلص وخضع. قال الكلبيّ: (أمّا أهل السّماوات ومن ولد في الإسلام من أهل الأرض أسلموا طائعين، ومن أبى قوتل حتّى يدخل في الإسلام كرها؛ يجاء بهم أسارى في السّلاسل ويكرهون على الإسلام).وفي الخبر عن رسول الله ﷺ أنّه قال: [عجب (٢) ربّكم من قوم يقادون إلى الجنّة بالسّلاسل] (٣). قوله تعالى: ﴿(وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)﴾ أي إلى جزائه ترجعون في الآخرة، فبادروا إلى دينه ولا تطلبوا غير ذلك، وقيل معنى: (وله أسلم من في السّماوات والارض) أي أقرّوا له بالألوهيّة كما قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ (٤). وقال الزجّاج: (معناه: أنّ كلّهم خضعوا لله من جهة ما فطرهم الله عليه).قال الضحّاك: (هذا حين أخذ منه الميثاق وأقرّ به). وقال الكلبيّ: (معناه: الّذي أسلم طوعا أي الّذي ولد في الإسلام، وبالذي أسلم كرها يعني الّذي أجبر على الإسلام، فيؤتى بهم في السّلاسل فيكرهون على الإسلام)،قال رسول الله ﷺ : [كلّ الملائكة أطاعوا في السّماء؛ والأنصار في

стр. 579

الأرض] (١).وقال ﷺ : [ولا تسبّوا أصحابي فإنّهم أسلموا من خوف الله، وأسلم النّاس من خوف سيوفهم] (٢). وقال الحسن: (الطّوع: لأهل السّماوات خاصّة، وأهل الأرض منهم من أسلم طوعا؛ ومنهم من أسلم كرها). وقرأ الأعمش: «(كرها)» بضمّ الكاف. وأما انتصاب (طوعا) و (كرها) فلأنّهما مصدران وضعا موضع الحال كما يقال: جئت ركضا وعدوا؛ أي راكضا وماشيا بسرعة؛ كأنّه قال: وله أسلم من في السموات والأرض طائعين وكارهين. وعن ابن عبّاس أنه قال: (إذا استصعبت دابّة أحدكم أو كانت شموسا (٣) فليقرأ في أذنها هذه الآية: ﴿(أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ)﴾ إلى آخرها) (٤). قوله : ﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ؛﴾ الآية خطاب للنبيّ ﷺ وأمر له أن يقول عن نفسه وعن أمّته ﴿(آمَنّا بِاللهِ)﴾. قوله : ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ؛﴾ أي من الرّسل، لا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم كما فعلت اليهود، بل نؤمن بهم جميعا. قوله : ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٨٤)؛أي مخلصون لله في التوحيد والطّاعة. قوله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية، قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿(لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ)﴾ في عشرة رهط ارتدّوا عن الإسلام ولحقوا بمكّة، منهم طعمة بن أبيرق (٥) ووحوح بن

стр. 580

الأسلت (١) والحارث بن سويد (٢) وغيرهم، وندم الحارث وأرسل إلى أخيه الحلّاس ابن سويد المسلم: أنّي قد ندمت على ما صنعت، فسل لي رسول الله ﷺ : هل من توبة وإلاّ أذهب في الأرض. فأنزل الله هذه الآيات) (٣). ومعناها: من يطلب دينا غير دين الإسلام فلن يقبل منه ما أقام عليه؛ أي لن يثاب ولن يثنى عليه. ويقال: هذه الآية نزلت في المرتدّين. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٨٥)؛أي من المغبونين حيث ترك منزله في الجنّة، واختار منزله في النار. قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ؛﴾ أي كيف يهديهم وقد كفروا بعد إذ آمنوا؛ و؛ بعد أن؛ ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ يعني محمّدا ﷺ ؛ ﴿وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ؛﴾ أي دلالات صدقه ونبوّته، فكيف يستحقّون هداية الله تعالى. قوله تعالى: ﴿(وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ)﴾ عطف على قوله ﴿(إِيمانِهِمْ)﴾ دون قوله ﴿(كَفَرُوا)،﴾ وقد يعطف الفعل على المصدر، كما يقال: أعجبني ضرب زيد وإن غضب، وتقدير الآية: بعد أن آمنوا وبعد أن شهدوا أنّ الرسول حقّ. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٨٦)؛أي لا يرشد المشركين ومن لم يكن أهلا لذلك، فإنّ ظاهر الآية يقتضي أنّ من كفر بعد إسلامه لا يهديه الله، وأنّ الظالمين لا يهديهم الله. وكثير من المرتدّين أسلموا ومن الظالمين تابوا. وقيل: معناه: لا يهديهم الله ما داموا مقيمين على كفرهم، فإذا جاهدوا وقصدوا الرجوع إلى الحقّ وفّقهم الله كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ (٤). وقيل: معنى الآية: كيف يرحمهم الله وينجّيهم من العقوبة.

стр. 581

قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ؛﴾ أي أهل هذه الصّفة ﴿(جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ)﴾ أي عذابه، واللّعنة من الله الإبعاد، وأمّا لعنة الملائكة والناس فدعاؤهم على الكفّار بأن يبعدهم الله من رحمته. فإن قيل: كيف قال الله: ﴿وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٨٧) ومن الناس من يوالي الكافر ويوافقه ولا يلعنه؟ قيل: إنّهم في الآخرة يلعن بعضهم بعضا. وقوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها؛﴾ أي مقيمين في اللّعنة، وقيل: في العذاب؛ ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (٨٨)؛حين ينزل بهم. قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا؛﴾ استثناء من قول الله ﴿(أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ)؛﴾ ومعناه: ﴿(إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ)﴾ الكفر والشّرك بعد ارتدادهم؛ ﴿(وَأَصْلَحُوا)﴾ أي لم يكتفوا بمجرّد الإيمان. ويقال: أصلحوا أعمالهم بالتوبة، وقيل: أصلحوا ما أفسدوه من الناس ممّن تبعهم، ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٨٩)؛أي يتجاوز عنهم، رحيم بهم بعد التوبة. قال ابن عبّاس: (لمّا نزلت قال للحارث بن سويد: [الرّخصة في التّوبة] أرسل أخوه الجلاّس إليه: أنّ الله قد فرض عليكم التّوبة؛ فارجع إلى رسول الله ﷺ فاعتذر إليه. فرجع وتاب، وقبل ذلك النّبيّ ﷺ ، فبلغ ذلك أصحابه الّذين بمكّة؛ فقالوا: نتربّص بمحمّد ريب المنون؛ فإن بدا لنا الرّجعة إليه ذهبنا كما ذهب الحارث فيقبل توبتنا) (١) فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ؛﴾ إنّ الذين كفروا بالله وبالرسول بعد تصديقهم ثمّ ازدادوا كفرا بقولهم: نقيم بمكّة ما بدا لنا، لن تقبل توبتهم، ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ (٩٠)؛أي عن الإسلام. وفي هذه الآية دليل على أنّ هؤلاء لم يكونوا محقّقين؛ لأنه قال: ﴿(وَأُولئِكَ هُمُ الضّالُّونَ)﴾. وكانت هذه الآية خاصّة في قوم علم الله أنّهم لا يتوبون إلاّ عند حضور

стр. 582

الموت، ومات طعمة كافرا، ولو كانوا يحقّقون التوبة قبل المعاينة لقبلت توبتهم. ويجوز أن يكون بمعنى: ﴿(لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ)﴾ أي التوبة التي يتوبونها عند الموت. قوله : ﴿(ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً)﴾. قال الحسن وقتادة وعطاء: (نزلت هذه الآية في اليهود الّذين كفروا بعيسى ﵇ والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم؛ ثمّ ازدادوا كفرا بمحمّد ﷺ والقرآن) (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ؛﴾ أي إنّ الذين كفروا وماتوا على كفرهم لو كان لأحدهم في الآخرة ملء الأرض ذهبا فافتدى به لن يقبل منه، كما روي: أنه يقال للكافر يوم القيامة: لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به من العذاب؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد سئلت ما هو أيسر عليك من هذا فلم تفعل؟ وقوله تعالى: ﴿(ذَهَباً)﴾ نصب على التفسير في قول الفرّاء، ومعنى التفسير: أن يكون الكلام تامّا وهو مبهم كقوله: عندي عشرون، فالعدد معلوم والمعدود مبهم، فإذا قلت: عشرون درهما؛ فسّرت العدد؛ ولذلك إذا قلت: هو أحسن الناس؛ فقد أخبرت عن حسنه ولم تبيّن في أيّ شيء، فاذا قلت: وجها أو فعلا؛ فقد بيّنته ونصبت على التّفسير، وإنّما نصبته لأنّه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه، فلمّا خلا من هذين نصب؛ لأن النصب أخفّ الحركات؛ فجعل لكلّ ما لا عامل له. وقال الكسائيّ: (نصب على إضمار (من ذهب) كقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً﴾ (٢) أي من صيام).وقد يقال: نصب على التمييز ثلاثة أشياء: تمييز جملة مبهمة كما في قوله: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ (٣)،وتمييز عدد مبهم كقولك: عشرون درهما، وتمييز مقدار مبهم كما يقال: عندي ملء زقّ عسلا.

стр. 583

وأمّا دخول الواو في قوله: ﴿(وَلَوِ افْتَدى بِهِ)؛﴾ فقال بعضهم: هي زائدة. وقال الزجّاج: (ليست بزائدة؛ وإنّما هي لتعميم النّفي لوجوه القبول، ولو لم تكن واوا لأوهم الكلام؛ لأنّ ذلك لا يقبل في الافتداء، ويقبل على غير وجه الافتداء). قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ؛﴾ أي أهل هذه الصّفة لهم عذاب وجيع في الآخرة، ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٩١)؛أي من مانع يمنعهم من العذاب. قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ؛﴾ قال ابن عبّاس: (معناه: لن تنالوا الجنّة)،وقال عطاء: (لن تنالوا الطّاعة).وقال أبو روق: (معناه: لن تنالوا الخير)،وقال مقاتل: (لن تنالوا التّقوى)،وقال الحسن: (لن تكونوا أبرارا حتّى تتصدّقوا ممّا تحبّون من الأموال؛ أي من كرائم أموالكم وأحبها إليكم، طيّبة بها أنفسكم؛ صغيرة في أعينكم) (١)،وقال مجاهد والكلبيّ: (هذه الآية منسوخة؛ نسختها الزّكاة).وروى الضحّاك عن ابن عبّاس: (أراد بهذه الآية: حتّى تخرجوا زكاة أموالكم)،وقال عطاء: (معناه: لن تنالوا شرف الدّين والتّقوى حتّى تتصدّقوا وأنتم أصحّاء تأملون الغنى وتخشون الفقر).ويقال: معناه: لن تبلغوا حقيقة التوكّل والتقوى حتى تخرجوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم. وذهب أكثر المفسّرين إلى أنّ المقصود من هذه الآية: الحثّ على صدقة النّفل والفرض بأبلغ وجوه القرب؛ لأن قوله: ﴿(مِمّا تُحِبُّونَ)﴾ يدلّ على المبالغة فيه. روي عن عبد الله بن عمر: أنّه اشترى جارية كان يهواها، فلمّا ملكها أعتقها ولم يصب منها، فقيل له في ذلك، فقال: ﴿(لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ)﴾ (٢).وعن عمر بن

стр. 584

عبد العزيز أنه كان يشتري أعدال السّكّر فيتصدّق بها، فقيل له: هلاّ تصدّقت بثمنه؟ فقال: (لا؛ لأنّ السّكّر أحبّ إليّ؛ فأردت أن أنفق ممّا أحبّ) (١). وروي: أنّ سائلا وقف على باب الرّبيع بن خيثم؛ فقال: أطعموه سكّرا، فقيل له: ما يصنع بالسّكّر؟ هلاّ تطعمه خبزا أنفع له؟ قال: ويحكم! أطعموه سكّرا فإنّ الربيع يحبّ السّكّر. ووقف سائل على باب الربيع في ليلة باردة؛ فخرج إليه فرآه كأنه مقرور (٢)،فقال: لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبّون، فنزع برنسا فأعطاه إيّاه. قوله : ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٩٢)؛ أي ما تتصدّقوا من صدقة فإنّ الله بها وبزيادتكم عليم يجزيكم على ذلك في الآخرة. قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ؛﴾ قال ابن عباس: (معناه: كلّ الطّعام الحلال اليوم وهو ما سوى الميتة والدّم ولحم الخنزير كان حلاّ لبني يعقوب ﵇ من قبل أن تنزّل التّوراة على موسى ﵇؛ إلاّ الطّعام الّذي حرّمه يعقوب على نفسه؛ وهو لحم الإبل وألبانها) (٣). وذلك أنّ يعقوب ﵇ كان يمشي إلى بيت المقدس فلقيه ملك من الملائكة وهو خلف الأثقال، فظنّ يعقوب أنه لصّ؛ فعالجه ليصارعه فكان كذلك حتى أضاء الفجر، فضمّر الملك فخذ يعقوب فهاج به عرق النّسا، فصعد الملك إلى السّماء، وجاء يعقوب يعرج حتى لحق الأثقال؛ فكان يبيت الليل ساهرا من وجعه وينصب نهاره، فأقسم لئن شفاه الله ليحرّمنّ أحبّ الطعام والشراب على نفسه؛ فشفاه الله من ذلك،

стр. 585

فحرّم أحبّ الطعام والشراب إليه، وكان ذلك لحوم الإبل وألبانها، ثم استنّ ولده سبيله. فذلك قوله: (إلاّ ما حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزّل التّوراة). فلمّا نزلت هذه الآية؛ قال النبيّ ﷺ لليهود: [ما الّذي حرّم إسرائيل على نفسه؟] قالوا: كلّ شيء حرّمناه اليوم على أنفسنا؛ فإنّه كان محرّما على نوح ﵇ فهلمّ جرّا حتّى انتهى إلينا، وأنت يا محمّد وأصحابك تستحلّونه، وادّعوا أنّ ذلك مسطور في التّوراة. وقال الكلبيّ: (كان هذا حين قال النّبيّ ﷺ : [أنا على ملّة إبراهيم ﵇] قال اليهود: كيف وأنت تأكل الإبل وألبانها؟! فقال ﷺ : [كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحلّه].قالت اليهود: كلّ شيء أصبحنا اليوم نحرّمه؛ فإنّه كان حراما على إبراهيم ونوح، وهلمّ جرّا حتّى انتهى إلينا. فأنزل الله تعالى هذه الآية تكذيبا لهم: ﴿(كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ)﴾. قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٩٣)، وذلك أنّ اليهود قال لهم النّبيّ ﷺ : [ما الّذي حرّم إسرائيل على نفسه؟] قالوا: كلّ شيء نحرّمه اليوم على أنفسنا. قال الله تعالى للنّبيّ ﷺ : ﴿(قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)﴾.أي فاقرءوها؛ هل تجدون فيها تحريم كلّ ذي ناب وظفر وتحريم شحوم البقر والغنم وغير ذلك ممّا حرّم الله عليكم من الطيّبات بعد نزول التوراة بظلمكم وبغيكم، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (١). فأبوا أن يأتوا بالتوراة خوفا من الفضيحة لعلمهم بصدق النّبي ﷺ فأنزل الله تعالى قوله تعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٩٤)؛أي من اختلق على الله الكذب بأن ينزّل عليه ما لم ينزّله في كتاب من بعد ذلك، يقال من بعد قيام الحجّة عليه: فأولئك هم الظّالمون لأنفسهم.

стр. 586

قوله : ﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً؛﴾ أي قل لهم يا محمّد صدق الله في أنّ كلّ الطعام كان حلاّ لبني إسرائيل إلاّ ما حرّم إسرائيل على نفسه، ﴿(فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ)﴾ في استباحة لحوم الإبل وألبانها وافعلوا ما كان يفعله من الصلاة إلى الكعبة وحجّ البيت، ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٩٥)؛ أي لم يكن إبراهيم على دين المشركين، ولم يفعل كما كان يفعله اليهود في ادّعائهم أنّ عزيرا ابن الله؛ ولا كما يقول النصارى إنّ المسيح ابن الله. وهذه الآيات حجّة على اليهود في إنكارهم نسخ الشريعة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ﴾ (٩٦)؛قال مجاهد: (تفاخر المسلمون واليهود؛ فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة؛ لأنّها مهاجر الأنبياء وهي الأرض المقدّسة، وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله هذه الآية: ﴿(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ)﴾. وقرأ ابن السميقع: «(وضع)» بفتح الواو والضّاد بمعنى وضعه الله. ﴿(لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ)﴾ ﴿(فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ)؛﴾ وليس ذلك بيت المقدس، وكتب على الناس حجّ البيت وليس ذلك بيت المقدس. واختلفوا في قوله تعالى: ﴿(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ)؛﴾ قال بعضهم: هو أوّل بيت وضع على وجه الماء عند خلق الله السّماوات والأرض، خلقه الله تعالى قبل الأرض بألفي عام، وكان ربوة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحته، وهذا قول ابن عمر ومجاهد وقتادة والسديّ. وقيل: معناه: أوّل بيت بناه آدم في الأرض، قاله ابن عبّاس. وقال الضحّاك: (معناه: أوّل بيت وضع فيه البركة واختير من الفردوس الأعلى). وقيل: هو أوّل بيت جعل قبلة للمسلمين. وعن أبي ذرّ قال: سئل النّبيّ ﷺ عن أوّل بيت وضع للنّاس، فقال: [المسجد الحرام؛ ثمّ بيت المقدس] فقيل له: كم بينهما؟ قال: [أربعون عاما] (١).

стр. 587

وقال الحسن: (معناه: إنّ أوّل بيت وضع لعبادة النّاس على وجه الأرض الكعبة؛ بناها إبراهيم ﵇ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ﴾ (١).وأمّا بناء بيت المقدس فقد كان بعد الكعبة بدهر طويل؛ بناه سليمان بن داود ﵉. قال الكلبيّ: (كان آدم ﵇ حين أخرج من الجنّة بنى الكعبة فطاف بها، فلمّا كان في زمن طوفان نوح ﵇ رفعها الله إلى السّماء السّادسة بحيال موضع الكعبة؛ وهي البيت المعمور يقال له الضّراح؛ يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك).وروي أنّ الله تعالى أنزل الكعبة من السّماء وهي من ياقوتة حمراء، وكانت الملائكة تحجّها قبل آدم ﵇، فلمّا كثرت الخطايا رفعها الله تعالى. وعن رسول الله ﷺ أنّه قال: [إنّ الكعبة كانت خشعة على وجه الماء فدحيت الأرض من تحتها] والخشعة: مثل الصّبرة متواضعة (٢). قوله تعالى: ﴿(بِبَكَّةَ)،﴾ قال الضحّاك: (هي مكّة، والعرب تعاقب بين الباء والميم فتقول: ضربة لازب، وضربة لازم).وقال ابن شهاب: (بكّة المسجد والبيت، ومكّة الحرم كلّه) ومثله قال الزهريّ. وسمّي المسجد بكّة؛ لأنّ البكّ هو الرّحمة، في اللغة يقال: بكّه إذا رحمه. وسمّي المسجد بكّا لأن الناس يتباكّون فيه؛ أي يزدحمون للطواف. وقال أبو عبيد: (بكّة اسم لبطن مكّة، ومكّة لما بقي).وقال عبد الله بن الزّبير: (سمّيت البلد بكّة لأنّها تبكّ أعناق الجبابرة؛ ما قصدها جبّار إلاّ قصمه الله كأصحاب الفيل وغيرهم).وسميت مكّة لاجتذابها النّاس من كلّ أفق. يقال امتكّ الفصيل في ضرع النّاقة اذا استقصى فلم يدع شيئا منه. قال ابن عبّاس ﵁: (ما أعلم على وجه الأرض بلدة الحسنة فيها بمائة ألف إلاّ مكّة، ولا درهما يتصدّق به يكتب لديه ألف درهم إلاّ بمكّة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة فيها شراب الأبرار ومصلّى الأخيار إلاّ مكّة، وما أعلم على وجه

стр. 588

الأرض بلدة إذا دعا الرّجل فيها بدعاء أمّن الملائكة على دعائه إلاّ مكّة، ولا أعلم على وجه الأرض بلدة يموت فيها الميّت فيكون تكفيرا لخطاياه إلاّ مكّة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة صدر إليها جميع النّبيّين والمرسلين إلاّ مكّة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة ينزل فيها كلّ يوم من روح الجنّة ورائحتها ما ينزل إلاّ بمكّة، والرّكعة الواحدة فيها بمائة ألف ركعة). قوله تعالى: ﴿(مُبارَكاً)﴾ نصب على الحال؛ أي الذي استقرّ بمكّة، والبركة بثوب الخير ونموّه. وقوله تعالى: ﴿(وَهُدىً لِلْعالَمِينَ)﴾ أي قبلة للمؤمنين. وقيل: بيان ودلالة للعالمين على الله بإهلاك من قصده من الجبابرة، وباستئناس الطّير فيه بالناس، وبأن لا يعلوه طائر إعظاما له، وبإمحاق ما يرمى فيه من الجمار في كلّ سنة، فلولا أنّ ما يقبل منها يرفع كما قال ابن عبّاس، وإلاّ كان قد اجتمع هناك من الحجارة مثل الجبال. ويجوز أن يكون المراد بالهدى أنه طريق الجنّة. قوله : ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ؛﴾ أي فيه علامات واضحات، وهنّ ما تقدّم ذكره ومقام إبراهيم أيضا، والآية في مقام إبراهيم: أن قدميه دخلتا في حجر صلد بقدرة الله تعالى صار الحجر كالطين حتى غاصت قدماه فيه ثم عاد حجرا صلدا ليكون ذلك دلالة على صدق نبوّته ﵇. قرأ ابن عبّاس: «(فيه آية بيّنة)» على الواحد وأراد مقام إبراهيم وحده. وقرأ الباقون بالجمع أرادوا مقام إبراهيم والحجر الأسود والحطيم وزمزم والمشاعر كلّها. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً؛﴾ قال الحسن: (عطف الله قلوب العرب في الجاهليّة على أنّ كلّ من لاذ بالحرم وإن كان جانيا لا يهاج فيه، وذلك بدعاء إبراهيم ﵇ حيث قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً﴾ (١) وكان في الجاهليّة من دخله أمن من القتل؛ ولم يزده الإسلام إلاّ شدّة. وقيل: إن أوّل من لاذ بالحرم: الحيتان الصغار من الكبار في الطّوفان، وقيل: من دخله عام عمرة القضاء مع النبيّ ﷺ كان آمنا، بيانه: قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ (٢).

стр. 589

قال أهل المعاني: صورة الآية خبر؛ ومعناها: أمر؛ تقديرها: ومن دخله فأمّنوه، لقوله: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ﴾ (١) أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا. وقيل: معناه: من دخله لقضاء النّسك معظّما لله عارفا بحقوقه متقرّبا إلى الله تعالى كان آمنا يوم القيامة. وقال الضحّاك: (معناه: من حجّه فدخله كان آمنا من الذّنوب الّتي اكتسبها قبل ذلك).وقال جعفر الصّادق: (من دخله على الصّفاء كما دخله الأنبياء والأولياء كان آمنا من عذابه). قال أبو النّجم القرشيّ: كنت أطوف بالبيت؛ فقلت: (يا سيّدي قد قلت: (ومن دخله كان آمنا) من أيّ شيء؟ فسمعت قائلا من ورائي يقول: آمنا من النار؛ فالتفتّ فلم أر شيئا).يدلّ على هذا ما روى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [من مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين] (٢).وقال ﷺ : [الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينتشران في الجنّة] وهما مقبرتا مكّة والمدينة. وقال ﷺ : [من صبر على حرّ مكّة ولو ساعة من نهار تباعدت عنه جهنّم مسيرة مائتي عام؛ وتقرّبت منه الجنّة مسيرة مائة عام] (٣). وقال وهب بن منبه: (مكتوب في التّوراة: أنّ الله بعث سبعمائة ألف من الملائكة المقرّبين إلى البيت، بيد كلّ واحد منهم سلسلة من ذهب، فيقول لهم: اذهبوا إلى البيت الحرام، فزموه بهذه السّلاسل ثمّ قودوه إلى المحشر؛ فيأتون به بسبعمائة سلسلة من ذهب؛ ثمّ يقودونه وملك ينادي: يا كعبة الله سيري، فتقول: لست سائرة حتّى أعطى سؤلي، فينادي ملك من جوّ السّماء سلي، فتقول: يا ربّ شفّعني في جيرتي الّذين دفنوا حولي من المؤمنين، فيقول الله: قد أعطيتك سؤلك،

стр. 590

فيحشر موتى مكّة من قبورهم بيض الوجوه كلّهم محرمون؛ فيجتمعون حول الكعبة ثمّ يلبّون، ثمّ تقول الملائكة: سيري يا كعبة الله؛ فتقول: لست سائرة حتّى أعطى سؤلي، فينادي ملك من جوّ السّماء: سلي، فتقول: يا ربّ؛ عبادك المذنبين الّذين وفدوا إليّ من كلّ فجّ عميق شعثا غبرا؛ قد تركوا الأهلين والأولاد والأحباب، وخرجوا شوقا زائرين مسلّمين طائعين حتّى قضوا مناسكهم كما أمرتهم، فأسألك أن تؤمّنهم من الفزع الأكبر وشفّعني فيهم وتجمّعهم حولي، فينادي مناد: إنّ منهم من ارتكب الذّنوب بعدك وأصرّ على الكبائر حتّى وجبت له النّار، فتقول الكعبة: إنّما أسألك الشّفاعة لأهل الذّنوب العظام، فيقول الله تعالى: قد شفّعتك فيهم وأعطيتك سؤلك. ثمّ ينادي مناد: ألا من زار الكعبة، فيعزل من بين النّاس فيعتزلون؛ فيجمعهم الله حول البيت الحرام بيض الوجوه آمنين من النّار، يطوفون ويلبّون. ثمّ ينادي ملك من جوّ السّماء يا كعبة الله سيري، فتقول الكعبة: لبّيك لبّيك؛ والخير في يديك؛ لبّيك لا شريك لك لبّيك؛ إنّ الحمد والنّعمة لك والملك؛ لا شريك لك. ثمّ يشيّعونها إلى المحشر). قوله : ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ؛﴾ قال عكرمة: (لمّا نزل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ قالت اليهود: نحن مسلمون؛ فأمروا أن يحجّوا إن كانوا مسلمين).واللاّم في قوله ﴿(لِلّهِ)﴾ لام الإيجاب والإلزام؛ أي لله فرض واجب على النّاس حجّ البيت. قرأ أبو جعفر والأعمش وحمزة والكسائيّ وخلف وحفص: «(حجّ البيت)» بكسر الحاء هذا الحرف وحده خاصّة. وقرأ ابن أبي إسحاق جميع ما في القرآن بالكسر، وهي لغة نجد. وقرأ الباقون بالفتح في كلّ القرآن، وهي لغة أهل الحجاز، وهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد. وقال بعضهم هو بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم. قوله : ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً؛﴾ بدل من الناس، وهو بدل البعض من الكلّ، قال عبد الله بن عمر: سئل رسول الله ﷺ عن الاستطاعة في هذه

стр. 591

الآية فقال: [السّبيل إلى البيت: الزّاد والرّاحلة] (١) ومثله عن ابن مسعود وابن عبّاس وعائشة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ (٩٧)؛معناه: من أنكر فريضة الحجّ فلم ير واجبا فإنّ الله غنيّ عن من حجّ وعن من لم يحجّ؛ أي لم يتعبّد الناس بالعبادات لحاجته إليها، وإنّما تعبّدهم به لعلمه بمصالحهم فيها. وقد روي: أنّه لمّا نزل فرض الحجّ؛ جمع رسول الله ﷺ مع المسلمين اليهود والنّصارى ومشركي العرب، فقال ﷺ : [إنّ الله قد فرض عليكم الحجّ فحجّوا] فلم يقبله إلاّ المسلمون فأنزل الله تعالى: ﴿(وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ)﴾ (٢). وأمّا ما روي عن رسول الله ﷺ أنّه قال: [من أدرك حجّة الإسلام فلم يحجّ؛ ولم يمنعه حاجة ظاهرة؛ ولا إمام جائر ظالم؛ ولا سجن حابس حتّى يموت على ذلك؛ فليمت على أيّ حال شاء يهوديّا أو نصرانيّا] (٣) ولا يجوز الحكم بكفره بأخبار الآحاد، وتأويل الخبر: أنّه لم ير الحجّ فرضا عليه وقد وجد الاستطاعة. وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [معنى ومن كفر؛ أي ومن كفر بالله واليوم الآخر] (٤).وقال ﷺ : [من مات ولم يحجّ لم يقبل الله له يوم القيامة عملا] (٥).

стр. 592

قوله : ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ (٩٨)؛أي قل يا محمّد لليهود والنصارى: لم تكفرون بالحجّ ومحمّد والقرآن والله عالم بما تعملون، وإنّما قال في هذا الموضع: ﴿(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ)،﴾ وقال من قبل: ﴿(يا أَهْلَ الْكِتابِ)﴾ أنه تعالى خاطبهم أوّلا على جهة التّلطّف في استدعائهم إلى الإيمان ثم أعرض عن خطابهم إدلالا وإهانة لهم، وأمر غيره بمخاطبتهم. قوله : ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ؛﴾ نزلت يوم بدر في اليهود كانوا يدعون عمّارا وأصحابه ﵃ إلى اليهوديّة، وكانوا يسعون في إحياء الضّغائن التي كانت بين الأوس والخزرج في الجاهليّة وكانت قد ماتت في الإسلام (١).ومعنى الآية: قل يا محمّد: لم تصرفون من آمن عن دين الله وعن الطريق التي هي الموصلة إلى رضا الله من الإسلام والحجّ وغير ذلك، ﴿(تَبْغُونَها عِوَجاً)﴾ أي تطلبون لها ميلا. قال أبو عبيد: (العوج بالكسر في الدّين والقول والعمل، والعوج بالفتح في الجدار والحائط والعصا). قوله تعالى: ﴿(وَأَنْتُمْ شُهَداءُ)﴾ أي وأنتم شهداء تقديم البشارة بمحمّد ﷺ في كتبكم، وقيل: معناه: وأنتم عقلاء كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٢).قوله تعالى: ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٩٩)؛تهديد لهم على الكفر أي لا يخفى على الله شيء ممّا تعملون من الجحد والكتمان. قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ﴾ (١٠٠)؛قال زيد بن أسلم: (أنّ شاس بن قيس اليهوديّ وكان شيخا كبيرا عظيم الكفر؛ شديد الطّعن على المسلمين؛ شديد الحسد لهم، مرّ على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج في

стр. 593

مجلس قد جمعهم يتحدّثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام بعد الّذي كان بينهم في الجاهليّة من العداوة، فقال: والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار، فأمر شابّا من اليهود كان معهم؛ فقال: اعمد إليهم واجلس إليهم؛ ثمّ ذكّرهم يوم بعاث وما كان قبله؛ وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار؛ وما كان يعلن-بالعين المهملة-يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظّفر فيه للأوس على الخزرج؛ ففعل. فتكلّم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتّى تواثب رجلان من الحيّ؛ أحدهما من الأوس والآخر من الخزرج، وتقوّلا ثمّ قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها جذعة الآن، وغضب الفريقان جميعا وقالا: موعدكم الحرّة، فخرجوا إليها بالسّلاح، وانضمّت الأوس إلى الأوس، والخزرج إلى الخزرج، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ؛ فخرج بمن معه من المهاجرين إليهم فقال: [يا معشر المسلمين أتدعون إلى الجاهليّة وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام، وقطع عنكم أمر الجاهليّة، وألّف بينكم].فعلموا أنّها نزغة من الشّيطان، وكيد من عدوّهم، وألقوا السّلاح من أيديهم وبكوا وتعانق بعضهم بعضا، ثمّ رجعوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين. فأنزل الله هذه الآية) (١). ومعناها: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)﴾ يعني الأوس والخزرج، ﴿(إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ)﴾ يعني شاسا وأصحابه، إن تطيعوهم في إحياء الضّغائن التي كانت بينكم بالعصبية وجهالة وحميّة الجاهليّة يردّوكم الى الشّرك والكفر بعد تصديقكم بمحمّد ﷺ والقرآن. قال جابر بن عبد الله: (ما كان من طالع أكرم إلينا من رسول الله ﷺ ؛ فما رأيت يوما قطّ أقبح أوّلا ولا أحسن آخرا من ذلك اليوم). قوله : ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ؛﴾ هذا على طريق التعجّب والاستبعاد أن يقع منهم الكفر مع معرفتهم بدلالات الله؛ أي كيف تكفرون وأنتم يتلى عليكم القرآن ومعكم رسول الله ﷺ بيّن

стр. 594

لكم الآيات؟! قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ؛﴾ أي يستمسك بدينه وطاعته ويمتنع به من غيره؛ ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ؛﴾ أي أرشد إلى طريق؛ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ (١٠١)؛قائم يرضاه الله وهو الإسلام، والعصمة: المنع، فكلّ مانع شيئا فهو عاصم، قال الفرزدق: أنا ابن العاصمين بني تميم ... إذا ما أعظم الحدثان نابا (١) قال : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٠٢)؛معناه: يا أيّها الّذين صدّقوا بمحمد ﷺ والقرآن أطيعوا الله حقّ طاعته، واثبتوا على الإسلام حتّى لا يدرككم الموت إلاّ وأنتم مسلمون. قال الكلبيّ: (حقّ تقاته: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر) (٢).وقال ابن عبّاس: (هو أن لا يعصى طرفة عين).وقال مجاهد: (معناه: جاهدوا في الله حقّ جهاده؛ ولا يأخذكم في الله لومة لائم؛ وقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم وأبنائكم) (٣). فلما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من يقوى على تقوى الله حقّ تقاته، وشقّ ذلك عليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤) فصار ابتداء هذه الآية منسوخا به، وإلى هذا ذهب قتادة ومقاتل وجماعة من المفسّرين. قال قتادة (٥): (وليس في آل عمران من المنسوخ إلاّ هذه الآية).وقال بعضهم: لا يجوز أن يكلّف الله عباده ما لا يطيقون، وليست هذه الآية منسوخة، وإنّما معناه: اتّقوا الله فيما يحقّ عليكم أن تتّقوه فيه؛ وهو ما فسّره الله تعالى في كتابه في مواضع شتّى.

стр. 595

قوله تعالى: ﴿(وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)﴾ (١) أي مؤمنون، وقيل: مخلصون مفوّضون أمركم إلى الله تعالى. وقال الفضيل: (محسنون الظّنّ بالله).وعن أنس ﵁ قال: (لا يتّقي الله عبد حقّ تقاته حتّى يخزن لسانه) (٢). قوله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً﴾ الآية. قال مقاتل: (كان بين الأوس والخزرج عداوة في الجاهليّة وقتال؛ حتّى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة فأصلح بينهم، فافتخر بعد ذلك رجلان: ثعلبة بن غنم الأوسيّ؛ وسعد بن زرارة الخزرجيّ، فقال الأوسيّ: منّا خزيمة ذو الشّهادتين؛ ومنّا حنظلة غسلته الملائكة؛ ومنّا عاصم بن ثابت حمى الدّين؛ ومنّا سعد بن معاذ الّذي اهتزّ العرش لموته ورضي بحكمه في بني قريظة. وقال الخزرجيّ: منّا أربعة أحكموا القرآن: أبيّ بن كعب؛ ومعاذ بن جبل؛ وزيد بن ثابت؛ وأبو زيد سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم. فجرى الحديث بينهم؛ فغضبوا، فقال الخزرج: أما والله لو تأخّر الإسلام قليلا وقدوم النّبيّ ﷺ لقتلنا سادتكم واستعبدنا أبناءكم ونكحنا نساءكم بغير مهر، فقال الأوس: قد كان والله الإسلام متأخّرا كثيرا، فهلاّ فعلتم ذلك حين ضربناكم حتّى أدخلناكم البيوت، وتكاثرا وتشاتما ثمّ تبادءا واقتتلا حتّى اجتمع الأوس والخزرج ومعهم السّلاح، فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ فخرج إليهم في أناس من المهاجرين وقد نهض بعضهم إلى بعض. قال جابر: فما كان طالع يومئذ أكرم علينا من رسول الله ﷺ فأومأ إلينا فكففنا فوقف بيننا، فقرأ: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فألقى الفريقان السّلاح وأطفئوا الحرب، فلم يكن في الأرض شخص أحبّ إليهم من رسول الله ﷺ بعد نزول الآية، ومشى بعضهم إلى بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وعانق بعضهم بعضا يبكون، فما رأيت باكيا أكثر من يومئذ).

стр. 596

قوله تعالى: ﴿(بِحَبْلِ اللهِ)﴾ أي تمسّكوا بدين الله، وقيل: بالجماعة (١).وقال مجاهد وعطاء: (بعهد الله) (٢).وقال قتادة والسديّ والضحّاك: (معناه: واعتصموا بالقرآن) (٣).وقال عليّ ﵁: قال رسول الله ﷺ : [كتاب الله هو الحبل المتين؛ والذّكر الحكيم؛ وهو الصّراط المستقيم].وقال ابن مسعود ﵁: قال رسول الله ﷺ : [إنّ هذا القرآن هو حبل الله المتين؛ وهو النّور المبين؛ والشّفاء النّافع؛ وعصمة من تمسّك به؛ ونجاة من تبعه] (٤).وقال مقاتل: (معنى الآية: واعتصموا بأمر الله وطاعته).وقال أبو العالية: (بإخلاص التّوحيد لله) (٥).وقال ابن زيد: (بالإسلام) (٦). قوله تعالى: ﴿(وَلا تَفَرَّقُوا)﴾ أي تناصروا في دين الله ولا تتفرّقوا فيه كما تفرّقت اليهود والنصارى. قال ﷺ : [إنّ بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، فإنّ أمّتي ستتفرّق على اثنين وسبعين فرقة، كلّها في النّار إلاّ فرقة واحدة] فقيل: يا رسول الله؛ وما هذه الفرقة الواحدة؟ فقبض يده وقال: [الجماعة] ثمّ قرأ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (٧).وقال ﷺ : [إنّ الله تعالى رضي لكم ثلاثا وكره لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا؛ واسمعوا وأطيعوا لمن ولاّه الله أمركم. وكره لكم قيل وقال؛ وإضاعة المال؛ وكثرة السّؤال] (٨).

стр. 597

قوله تعالى: ﴿(وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ)﴾ أي احفظوا منّة الله عليكم إذ كنتم أعداء في الجاهليّة، يقتل بعضكم بعضا، فجمع الله بين قلوبكم بالإسلام المحرّم للأنفس والأموال إلاّ بحقّها، فصرتم بنعمة الله إخوانا في الدّين. قال محمّد بن اسحاق: (كان الأوس والخزرج أخوين لأب وأمّ، فوقعت بينهم عداوة بسبب سمير وحاطب، وذلك أنّ سمير بن زيد أحد بني عمرو بن عوف قتل خليطا لمالك بن العجلان الخزرجيّ يقال له حاطب بن الحرث؛ فوقع الحرب بين القبيلتين؛ فتطاولت بينهم تلك العداوة مائة وعشرون سنة، ولم يسمع بقوم كان بينهم من العداوة والحرب مثل ما كان بينهم. واتّصلت تلك العداوة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام، وألّف بينهم رسول الله ﷺ ، وذلك أنّ رسول الله ﷺ لمّا بعث وظهر بمكّة آمن به الأوس والخزرج وهم بالمدينة، فلمّا هاجر إليهم النّبيّ ﷺ وقعت الألفة بينهم وزالت العداوة من قلوبهم وقد كادوا يتفانون، وقد كان سبب ألفتهم ما روي أنّ النّبيّ ﷺ خرج بالموسم وهو بمكّة يعرض نفسه على قبائل العرب، فبينما هو عند العقبة إذ لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا؛ وهم ستّة نفر: أسعد بن زرارة؛ وعوف بن عفراء؛ ورافع بن مالك؛ وقطبة بن عامر؛ وعقبة بن عامر؛ وجابر بن عبد الله، فقال لهم رسول الله ﷺ : [من أنتم؟] فقالوا: نفر من الخزرج، فقال: [أفلا تجلسون حتّى أكلّمكم؟] قالوا: بلى؛ فجلسوا؛ فدعاهم إلى الله فعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. وكان معهم بالمدينة يهود أهل كتاب ذكروا لهم أنّ نبيّا مبعوثا قد دنا زمانه، فلمّا كلّمهم رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الله ، قال بعضهم لبعض: هذا والله النّبيّ الّذي ذكره اليهود؛ فلا يسبقنّكم إليه أحد، فأجابوه وصدّقوه وأسلموا؛ وقالوا: يا رسول الله؛ إنّ معنا قوما بينهم من العداوة والشّرّ ما بينهم، وعسى الله أن يجمع كلمتهم بك؛ فأقدم إليهم وادعوهم إلى أمرك، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزّ منك، ثمّ انصرفوا راجعين إلى بلادهم وقد أسلموا، فلمّا وصلوا المدينة ذكروا لهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإسلام حتّى

стр. 598

فشا فيهم؛ فلم يبق دار من دور الأنصار (١) إلاّ فيها ذكر من رسول الله ﷺ . حتّى إذا كان العام المقبل وافى رسول الله ﷺ إلى الموسم منهم اثنا عشر رجلا: أسعد بن زرارة؛ وعوف ومعاذ ابنا عفراء (٢)،وعقبة بن عامر (٣)؛وقطبة بن عامر؛ ورافع بن مالك؛ وذكوان بن عبد قيس؛ وعبادة بن الصّامت (٤)؛ويزيد بن ثعلبة؛ والعبّاس بن عبادة (٥)،فهؤلاء الخزرجيّون، وأبو الهيثم بن التّيهان، وعويم (٦) ابن ساعدة من الأوس. فاجتمعوا برسول الله ﷺ بالعقبة الأولى؛ فبايعوه على أن لا يشركوا بالله شيئا، «قال:» فإن وفّيتم فلكم الجنّة. وكان ذلك قبل أن يفرض الجهاد، فلمّا رجعوا إلى المدينة بعث معهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير ابن هاشم، وأمره (٧) أن يقرأهم القرآن ويعلّمهم الإسلام ويفقّههم في الدّين. فكان مصعب يسمّى في المدينة (المقرئ) وكان نزوله في بيت أسعد بن زرارة، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: انطلق بنا إلى هذين الرّجلين اللّذين قد أتيا دارنا فسفّها ضعفاءنا وأخرجوهم؛ فإنّ أسعد ابن خالتي ولولا ذلك لكفيتك، وكان سعد وأسيد بن حضير سيّدا قومهما من بني عبد الأشهل وكلاهما مشركان.

стр. 599

فأخذ أسيد بن حضير حربته وأقبل إلى أسعد ومصعب وهما جالسان في حائط، فلمّا رأى أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيّد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلّمه. فلمّا وقف عليهما أسيد شتمهما وقال: ما جاء بكما تسفّهان ضعفاءنا؟ اعتزلا إن كان لكما في السّلامة حاجة، قال مصعب: اجلس واسمع؛ فإن رضيت أمرا قبلته؛ وإن كرهته كففنا عنك ما تكرهه، قال: أنصفت، ثمّ ركز حربته وجلس عندهما فكلّمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، قالا: فو الله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلّم، ثمّ قال: ما أحسن هذا وأجلّه! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدّين؟ قالا: اغتسل وطهّر ثوبك ثمّ اشهد شهادة الحقّ (لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله) ثمّ تصلّي ركعتين. فقام واغتسل وطهّر ثوبه وقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّدا رسول الله، ثمّ ركع ركعتين. ثمّ قال: إنّ ورائي رجلا إن اتّبعكما لم يتخلّف أحد من قومه-يعني سعد بن معاذ-وسأرسله إليكما، ثمّ أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلمّا نظر إليه سعد مقبلا؛ قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الّذي ذهب من عندكم، فلمّا وصل إلى عندهم، قال له سعد: ما فعلت؟! قال: كلّمت الرّجلين؛ فو الله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا: نفعل، وحدّثت أنّ بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه لمّا عرفوا أنّه ابن خالتك ليحقّروك. فقام سعد مغضبا مبادرا للّذي ذكره فأخذ الحربة منه ثمّ قال: والله ما رأيتك أغنيت شيئا؛ ومضى إليهما؛ فلمّا رآهما مطمئنّين عرف أنّ أسيدا ما فعل ذلك إلاّ ليستمع منهما، فوقف عليهما متبسّما، ثمّ قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة؛ لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا منّي تغشّانا في ديارنا بما نكره، فقال له مصعب: أقعد واسمع؛ فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عدلنا عنك ما تكرهه، فركز حربته وجلس؛ فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن، قال: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلّم به، ثمّ قال: كيف تصنعون إذا أسلمتم؟ قالوا: تغتسل؛ وتطهّر ثوبك؛ وتشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله؛ وتصلّي ركعتين، فقام واغتسل وغسل ثوبه وشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله وصلّى ركعتين.

стр. 600

ثمّ أخذ حربته ومضى إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير الأوسيّ، فلمّا وقف عليهم؛ قال: يا بني عبد الأشهل؛ كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيّدنا وأفضلنا رأيا (١)،قال: فإنّ كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتّى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فما أمسى في دار بني الأشهل رجل ولا امرأة إلاّ مسلما ومسلمة، ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقاما عنده يدعون النّاس إلى الإسلام، فلم يبق دار من الأنصار إلاّ وفيها رجال ونساء مسلمون. ثمّ إنّ مصعب بن عمير رجع إلى مكّة وخرج معه من الأنصار من المسلمين سبعون رجلا من حجّاج قومهم من أهل الشّرك حتّى قدموا مكّة، فواعدوا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيّام التّشريق؛ وهي بيعة العقبة الثّانية، قال كعب بن مالك: فلمّا فرغنا من الحجّ وكانت اللّيلة الّتي واعدنا فيها رسول الله ﷺ ومعنا عبد الله بن عمرو ابن حرام أبو جابر أخبرناه؛ وكنّا نكتم من معنا من المشركين من قومنا إيماننا، فكلّمناه وقلنا له: يا أبا جابر (٢)؛إنّك سيّد من ساداتنا وإنّا نرغب لك فيما نرغب لأنفسنا، ودعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ ، فشهد معنا العقبة وكان نقيّا، فبتنا تلك اللّيلة مع قومنا في رحالنا، حتّى إذا مضى ثلث اللّيل خرجنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلّل مستخفين؛ حتّى اجتمعنا في الشّعب عند العقبة، ونحن سبعون رجلا (٣) ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب من نساء بني النّجّار؛ وأسماء بنت عمرو بن عديّ من نساء بني سلمة، فاجتمعنا في الشّعب ننتظر رسول الله ﷺ . فجاء رسول الله ﷺ ومعه عمّه العبّاس وهو يومئذ مشرك إلاّ أنّه أحبّ أن يحضر مع ابن أخيه ويتوثّق له، فلمّا جلس كان أوّل من تكلّم العبّاس فقال: يا معشر الخزرج-وكانت العرب تسمّي الأوس والخزرج باسم الخزرج-اعلموا أنّ محمّدا منّا حيث قد علمتم؛ هو في عزّ من قومه ومنعة في بلده، وأراه قد أبى إلاّ اللّحوق بكم والانقطاع إليكم، فلمّا كنتم ترون أنّكم وافون له بما دعوتموه إليه
следующие страницы →