← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

قوله تعالى: ﴿(بِحَبْلِ اللهِ)﴾ أي تمسّكوا بدين الله، وقيل: بالجماعة (١).وقال مجاهد وعطاء: (بعهد الله) (٢).وقال قتادة والسديّ والضحّاك: (معناه: واعتصموا بالقرآن) (٣).وقال عليّ ﵁: قال رسول الله ﷺ : [كتاب الله هو الحبل المتين؛ والذّكر الحكيم؛ وهو الصّراط المستقيم].وقال ابن مسعود ﵁: قال رسول الله ﷺ : [إنّ هذا القرآن هو حبل الله المتين؛ وهو النّور المبين؛ والشّفاء النّافع؛ وعصمة من تمسّك به؛ ونجاة من تبعه] (٤).وقال مقاتل: (معنى الآية: واعتصموا بأمر الله وطاعته).وقال أبو العالية: (بإخلاص التّوحيد لله) (٥).وقال ابن زيد: (بالإسلام) (٦). قوله تعالى: ﴿(وَلا تَفَرَّقُوا)﴾ أي تناصروا في دين الله ولا تتفرّقوا فيه كما تفرّقت اليهود والنصارى. قال ﷺ : [إنّ بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، فإنّ أمّتي ستتفرّق على اثنين وسبعين فرقة، كلّها في النّار إلاّ فرقة واحدة] فقيل: يا رسول الله؛ وما هذه الفرقة الواحدة؟ فقبض يده وقال: [الجماعة] ثمّ قرأ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (٧).وقال ﷺ : [إنّ الله تعالى رضي لكم ثلاثا وكره لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا؛ واسمعوا وأطيعوا لمن ولاّه الله أمركم. وكره لكم قيل وقال؛ وإضاعة المال؛ وكثرة السّؤال] (٨).

стр. 597

قوله تعالى: ﴿(وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ)﴾ أي احفظوا منّة الله عليكم إذ كنتم أعداء في الجاهليّة، يقتل بعضكم بعضا، فجمع الله بين قلوبكم بالإسلام المحرّم للأنفس والأموال إلاّ بحقّها، فصرتم بنعمة الله إخوانا في الدّين. قال محمّد بن اسحاق: (كان الأوس والخزرج أخوين لأب وأمّ، فوقعت بينهم عداوة بسبب سمير وحاطب، وذلك أنّ سمير بن زيد أحد بني عمرو بن عوف قتل خليطا لمالك بن العجلان الخزرجيّ يقال له حاطب بن الحرث؛ فوقع الحرب بين القبيلتين؛ فتطاولت بينهم تلك العداوة مائة وعشرون سنة، ولم يسمع بقوم كان بينهم من العداوة والحرب مثل ما كان بينهم. واتّصلت تلك العداوة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام، وألّف بينهم رسول الله ﷺ ، وذلك أنّ رسول الله ﷺ لمّا بعث وظهر بمكّة آمن به الأوس والخزرج وهم بالمدينة، فلمّا هاجر إليهم النّبيّ ﷺ وقعت الألفة بينهم وزالت العداوة من قلوبهم وقد كادوا يتفانون، وقد كان سبب ألفتهم ما روي أنّ النّبيّ ﷺ خرج بالموسم وهو بمكّة يعرض نفسه على قبائل العرب، فبينما هو عند العقبة إذ لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا؛ وهم ستّة نفر: أسعد بن زرارة؛ وعوف بن عفراء؛ ورافع بن مالك؛ وقطبة بن عامر؛ وعقبة بن عامر؛ وجابر بن عبد الله، فقال لهم رسول الله ﷺ : [من أنتم؟] فقالوا: نفر من الخزرج، فقال: [أفلا تجلسون حتّى أكلّمكم؟] قالوا: بلى؛ فجلسوا؛ فدعاهم إلى الله فعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. وكان معهم بالمدينة يهود أهل كتاب ذكروا لهم أنّ نبيّا مبعوثا قد دنا زمانه، فلمّا كلّمهم رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الله ، قال بعضهم لبعض: هذا والله النّبيّ الّذي ذكره اليهود؛ فلا يسبقنّكم إليه أحد، فأجابوه وصدّقوه وأسلموا؛ وقالوا: يا رسول الله؛ إنّ معنا قوما بينهم من العداوة والشّرّ ما بينهم، وعسى الله أن يجمع كلمتهم بك؛ فأقدم إليهم وادعوهم إلى أمرك، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزّ منك، ثمّ انصرفوا راجعين إلى بلادهم وقد أسلموا، فلمّا وصلوا المدينة ذكروا لهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإسلام حتّى

стр. 598

فشا فيهم؛ فلم يبق دار من دور الأنصار (١) إلاّ فيها ذكر من رسول الله ﷺ . حتّى إذا كان العام المقبل وافى رسول الله ﷺ إلى الموسم منهم اثنا عشر رجلا: أسعد بن زرارة؛ وعوف ومعاذ ابنا عفراء (٢)،وعقبة بن عامر (٣)؛وقطبة بن عامر؛ ورافع بن مالك؛ وذكوان بن عبد قيس؛ وعبادة بن الصّامت (٤)؛ويزيد بن ثعلبة؛ والعبّاس بن عبادة (٥)،فهؤلاء الخزرجيّون، وأبو الهيثم بن التّيهان، وعويم (٦) ابن ساعدة من الأوس. فاجتمعوا برسول الله ﷺ بالعقبة الأولى؛ فبايعوه على أن لا يشركوا بالله شيئا، «قال:» فإن وفّيتم فلكم الجنّة. وكان ذلك قبل أن يفرض الجهاد، فلمّا رجعوا إلى المدينة بعث معهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير ابن هاشم، وأمره (٧) أن يقرأهم القرآن ويعلّمهم الإسلام ويفقّههم في الدّين. فكان مصعب يسمّى في المدينة (المقرئ) وكان نزوله في بيت أسعد بن زرارة، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: انطلق بنا إلى هذين الرّجلين اللّذين قد أتيا دارنا فسفّها ضعفاءنا وأخرجوهم؛ فإنّ أسعد ابن خالتي ولولا ذلك لكفيتك، وكان سعد وأسيد بن حضير سيّدا قومهما من بني عبد الأشهل وكلاهما مشركان.

стр. 599

فأخذ أسيد بن حضير حربته وأقبل إلى أسعد ومصعب وهما جالسان في حائط، فلمّا رأى أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيّد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلّمه. فلمّا وقف عليهما أسيد شتمهما وقال: ما جاء بكما تسفّهان ضعفاءنا؟ اعتزلا إن كان لكما في السّلامة حاجة، قال مصعب: اجلس واسمع؛ فإن رضيت أمرا قبلته؛ وإن كرهته كففنا عنك ما تكرهه، قال: أنصفت، ثمّ ركز حربته وجلس عندهما فكلّمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، قالا: فو الله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلّم، ثمّ قال: ما أحسن هذا وأجلّه! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدّين؟ قالا: اغتسل وطهّر ثوبك ثمّ اشهد شهادة الحقّ (لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله) ثمّ تصلّي ركعتين. فقام واغتسل وطهّر ثوبه وقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّدا رسول الله، ثمّ ركع ركعتين. ثمّ قال: إنّ ورائي رجلا إن اتّبعكما لم يتخلّف أحد من قومه-يعني سعد بن معاذ-وسأرسله إليكما، ثمّ أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلمّا نظر إليه سعد مقبلا؛ قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الّذي ذهب من عندكم، فلمّا وصل إلى عندهم، قال له سعد: ما فعلت؟! قال: كلّمت الرّجلين؛ فو الله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا: نفعل، وحدّثت أنّ بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه لمّا عرفوا أنّه ابن خالتك ليحقّروك. فقام سعد مغضبا مبادرا للّذي ذكره فأخذ الحربة منه ثمّ قال: والله ما رأيتك أغنيت شيئا؛ ومضى إليهما؛ فلمّا رآهما مطمئنّين عرف أنّ أسيدا ما فعل ذلك إلاّ ليستمع منهما، فوقف عليهما متبسّما، ثمّ قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة؛ لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا منّي تغشّانا في ديارنا بما نكره، فقال له مصعب: أقعد واسمع؛ فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عدلنا عنك ما تكرهه، فركز حربته وجلس؛ فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن، قال: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلّم به، ثمّ قال: كيف تصنعون إذا أسلمتم؟ قالوا: تغتسل؛ وتطهّر ثوبك؛ وتشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله؛ وتصلّي ركعتين، فقام واغتسل وغسل ثوبه وشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله وصلّى ركعتين.

стр. 600

ثمّ أخذ حربته ومضى إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير الأوسيّ، فلمّا وقف عليهم؛ قال: يا بني عبد الأشهل؛ كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيّدنا وأفضلنا رأيا (١)،قال: فإنّ كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتّى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فما أمسى في دار بني الأشهل رجل ولا امرأة إلاّ مسلما ومسلمة، ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقاما عنده يدعون النّاس إلى الإسلام، فلم يبق دار من الأنصار إلاّ وفيها رجال ونساء مسلمون. ثمّ إنّ مصعب بن عمير رجع إلى مكّة وخرج معه من الأنصار من المسلمين سبعون رجلا من حجّاج قومهم من أهل الشّرك حتّى قدموا مكّة، فواعدوا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيّام التّشريق؛ وهي بيعة العقبة الثّانية، قال كعب بن مالك: فلمّا فرغنا من الحجّ وكانت اللّيلة الّتي واعدنا فيها رسول الله ﷺ ومعنا عبد الله بن عمرو ابن حرام أبو جابر أخبرناه؛ وكنّا نكتم من معنا من المشركين من قومنا إيماننا، فكلّمناه وقلنا له: يا أبا جابر (٢)؛إنّك سيّد من ساداتنا وإنّا نرغب لك فيما نرغب لأنفسنا، ودعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ ، فشهد معنا العقبة وكان نقيّا، فبتنا تلك اللّيلة مع قومنا في رحالنا، حتّى إذا مضى ثلث اللّيل خرجنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلّل مستخفين؛ حتّى اجتمعنا في الشّعب عند العقبة، ونحن سبعون رجلا (٣) ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب من نساء بني النّجّار؛ وأسماء بنت عمرو بن عديّ من نساء بني سلمة، فاجتمعنا في الشّعب ننتظر رسول الله ﷺ . فجاء رسول الله ﷺ ومعه عمّه العبّاس وهو يومئذ مشرك إلاّ أنّه أحبّ أن يحضر مع ابن أخيه ويتوثّق له، فلمّا جلس كان أوّل من تكلّم العبّاس فقال: يا معشر الخزرج-وكانت العرب تسمّي الأوس والخزرج باسم الخزرج-اعلموا أنّ محمّدا منّا حيث قد علمتم؛ هو في عزّ من قومه ومنعة في بلده، وأراه قد أبى إلاّ اللّحوق بكم والانقطاع إليكم، فلمّا كنتم ترون أنّكم وافون له بما دعوتموه إليه

стр. 601

ومانعوه ممّن خالفه؛ فإنّكم وما تحمّلتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنّكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج (١) به إليكم؟ فمن الآن فدعوه؛ فإنّه في عزّ ورفعة ومنعة. قال: فقلنا: سمعنا قولك، فتكلّم يا رسول الله؛ وخذ لنفسك وربك ما شئت، فتكلّم رسول الله ﷺ وتلى القرآن ودعا إلى الله ورغّب في الإسلام، وقال: [أبايعكم على أن تمنعوني (٢) ما تمنعون أنفسكم ونساءكم وأبناءكم].قال: فأخذ البراء بن معرور (٣) بيده؛ ثمّ قال: والّذي بعثك بالحقّ نبيّا نمنعك ممّا نمنع أبناءنا، بايعنا يا رسول الله؛ فنحن أهل الحرب ونحن أهل الحلقة ورثناها صاغرا عن كابر (٤).ثمّ قال أبو الهيثم بن التّيهان: يا رسول الله؛ إنّ بيننا وبين النّاس عهودا ونحن قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثمّ أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسّم رسول الله ﷺ وقال: [بل الدّم الدّم؛ والهدم الهدم، وأنتم منّا وأنا منكم، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم]. ثمّ قال: [أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا كفلا على قومهم بما فيهم ككفالة الحواريّين بعيسى ﵇].فأخرجوا اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج؛ وثلاثة من الأوس، فلمّا اجتمعوا لبيعة رسول الله ﷺ قال عبّاس بن عبادة الأنصاريّ: يا معشر الخزرج؛ هل تدرون على ما تبايعون؛ إنّما تبايعونه على حرب (٥) الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون أنّكم إذا انتهكت أموالكم بالأخذ، وأشرافكم بالقتل أسلمتموه؟! فمن الآن؛ فهو والله إن فعلتم خزي الدّنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنّكم وافون له بما دعاكم إليه على نهيكة الأموال (٦) وقتل الأشراف، فخذوه فهو والله خير الدّنيا والآخرة. قالوا: فإنّا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف؛ فما لنا بذلك يا

стр. 602

رسول الله إن نحن وفّينا؟ قال: [لكم الجنّة].قالوا: أبسط يدك؛ فبسط يده، فبايعوه. فأوّل من ضرب على يده: البراء بن معرور؛ ثمّ بايع القوم واحدا واحدا، قال: فلمّا بايعنا صرخ الشّيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته أحياء كثيرة، فقال ﷺ : [هذا عدوّ الله شيطان العقبة] ثمّ قال رسول الله ﷺ : [أمضوا إلى رحالكم]. فقال العبّاس بن عبادة: والّذي بعثك بالحقّ نبيّا؛ لئن شئت لنميلنّ غدا على أهل منى بأسيافنا، فقال ﷺ : [لم اؤمر بذلك، ارجعوا إلى رحالكم]. قال: فرجعنا إلى مضاجعنا فبتنا، فلمّا أصبحنا غدت علينا جلّة قريش، فقالوا لنا: يا معشر الخزرج؛ بلغنا أنّكم جئتم صاحبنا هذا لتستخرجوا ابن أخينا من بين أظهرنا وبايعتموه على حربنا، وإنّه والله ما حيّ من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله ما كان هذا شيء وما علمنا، وصدقوا لأنّهم لم يعلموا على بيعتنا، فجعل بعضنا ينظر إلى بعض. ثمّ انصرف الأنصار إلى المدينة وقد شدّوا العقد، فلمّا قدموا أظهروا الإسلام بها، وبلغ ذلك قريشا، فآذوا أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فقال ﷺ لأصحابه: [إنّ الله قد جعل لكم إخوانا ومنزلا ودارا تأمنون فيها] (١).فأمرهم بالهجرة إلى المدينة واللّحوق بإخوانهم من الأنصار، فأوّل من هاجر إلى المدينة: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزوميّ؛ ثمّ عامر بن ربيعة ومعه امرأته ليلى بنت أبي خيثمة؛ ثمّ عبد الله بن جحش، ثمّ تتابع (٢) أصحاب رسول الله ﷺ أرسالا إلى المدينة، فأقام رسول الله ﷺ بمكّة ينظر أن يؤذن له في الهجرة إلى أن أذن له. فقدم المدينة؛ فجمع الله أهل المدينة أوسها وخزرجها بالإسلام، وأصلح ذات بينهم برسوله، ورفع عنهم العداوة القديمة، وألّف بينهم).وذلك قوله :

стр. 603

﴿(وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ)﴾ أي بالإسلام ﴿(فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً)﴾ أي فصرتم، ونظيره: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (١) ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ (٢) ﴿إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿(بِنِعْمَتِهِ)﴾ أي بدين الإسلام، وقوله تعالى: ﴿(إِخْواناً)﴾ أي في الدين والولاية، نظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٤)،قال ﷺ : [لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تنابزوا ولا تناجشوا؛ وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه ولا يخذله، التّقوى هاهنا -وأشار بيده إلى صدره-حسب امرئ من الشّرّ أن يحقر أخاه المسلم] (٥). قوله : ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها؛﴾ أي كنتم في الجاهليّة على طرف هوّة من النّار؛ أي كنتم أشرفتم على النار؛ وكدتم تقعون فيها، أو أدرككم الموت على الكفر؛ فأنقذكم الله منها؛ أي خلّصكم من النار والحفرة بالنّبيّ ﷺ والإيمان. قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٠٣)؛التي مثل هذا البيان الذي تلي عليكم يبيّن الله لكم الدّلالات والحجج في الأوامر والنّواهي لكي تهتدوا من الضلالة، وتكونوا على رجاء الهداية. قوله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ؛﴾ أي ليكن منكم جماعة يدعون إلى الصّلح والإحسان، ويأمرون بالتوحيد واتّباع محمّد ﷺ وسائر الطّاعات الواجبة؛ ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ؛﴾ والشّرك وسائر ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة، ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٠٤)،أي النّاجون من السّخط والعذاب، وإنّما قال: ﴿(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ)﴾ ولم يقل: وليكن منكم جميعكم؛

стр. 604

لأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين (١)،ويجوز أن يكون المراد بالأمّة العلماء في هذه الآية الذين يحسنون ما يدعون إليه. وذهب بعض المفسّرين الى أنّ المعنى: ولتكونوا كلّكم، لكن (من) هنا دخلت للتوكيد وتخصيص المخاطبين من سائر الأجناس كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ (٢) أي فاجتنبوا الأوثان فإنّها رجس؛ لا أنّ المراد: فاجتنبوا بعض الأوثان دون بعض، واللام في ﴿(وَلْتَكُنْ)﴾ لام الأمر. وقوله: ﴿(يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ)﴾ أي إلى الإسلام، ثم النهي عن المنكر على مراتب؛ أوّلها: الوعظ والتّخويف، فإن زال بذلك لم يجز للناهي أن يتعدّى عنه إلى غيره ما فوقه، ثم بالإيذاء والنّعال، ثم بالسّوط، ثم بالسّلاح والقتال؛ لأن المقصود زوال المنكر. فأمّا إذا كان النّاهي عن المنكر خائفا على نفسه، فقد قال ﷺ : [من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان] (٣).وقال ﷺ : [من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه؛ وخليفة رسوله؛ وخليفة كتابه] (٤).وقال ﷺ : [اؤمروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كلّه، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه كلّه] (٥).

стр. 605

وقال عليّ ﵁: (أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وشنئان الفاسقين) (١).وقال أبو الدّرداء: (لتأمرنّ بالمعروف وتنهونّ عن المنكر؛ وإلاّ ليسلّطنّ الله عليكم سلطانا ظالما لا يجلّ كبيركم ولا يرحم صغيركم، ويدعو أخياركم فلا يستجاب لهم؛ يستنصرون فلا ينصرون؛ ويستغفرون فلا يغفر لكم).وقال حذيفة: (يأتي على النّاس زمان لأن يكون فيهم جيفة حمار أحبّ إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر) (٢)،وقال الثوريّ: (إذا كان الرّجل محبوبا في جيرانه محمودا عند إخوانه، فاعلم أنّه مداهن) (٣). قوله : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ؛﴾ أي ولا تكونوا كاليهود والنصارى الذين اختلفوا فيما بينهم وصاروا فرقا وشيعا، ﴿(مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ)﴾ الكتاب في أمر محمّد ﷺ ؛ ﴿وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٠٥)؛على تفريقهم واختلافهم. قال بعضهم: لا تكونوا كالّذين تفرّقوا واختلفوا، قال: وهم المبتدعة من هذه الأمّة. ثم بيّن الله تعالى وقت العذاب العظيم الذي يصيبهم؛ فقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ؛﴾ معناه: (وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه) وهو يوم القيامة، وانتصب على الظّرف أي في يوم. قرأ يحيى بن وثّاب: «(تبيضّ)» «(وتسودّ)» بكسر التّاء على لغة تميم. وقرأ الزهريّ «(تبياضّ)» و «(تسوادّ)». ومعنى الآية: تبيضّ وجوه المخلصين لله بالتوحيد؛ أي تشرق فتصير كالثّلج بياضا والشّمس ضياء، وتسودّ وجوه الكفّار والمنافقين من الحزن حين يدعون إلى السّجود فلا يستطيعون. وعن ابن عبّاس قال: (معناه: يوم تبيضّ وجوه أهل العلم

стр. 606

والسّنّة، وتسودّ وجوه أهل البدعة) (١).وقال بعضهم: البياض من الوجوه إشراقها واستبشارها وسرورها بعملها (٢) وبثواب الله، واسودادها لحزنها وكآبتها وكسوفها بعملها وبعقاب ربها. قوله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (١٠٦)؛جوابه محذوف؛ أي يقال لهم: ﴿(أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ)﴾ قيل: هم قوم من أهل الكتاب كانوا مصدّقين بأنبيائهم مصدّقين بمحمّد ﷺ قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به، فذلك قوله تعالى: ﴿(أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ)﴾. وقيل: هم من كفر بالله يوم الميثاق حين أخرجوا من صلب آدم ﵇. وقيل: هم الخوارج وأهل البدع كلّها، وقيل: هم أهل الرّدّة. قوله : ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (١٠٧)؛وهم المؤمنون الذين ابيضّت وجوههم في الآخرة في جنّة الله تعالى، صاروا إليها برحمته هم فيها مقيمون دائمون. وفي الآية بيان أنّ الجنّة لا تنال إلاّ برحمة الله وإن اجتهد المجتهد في طاعته. قوله : ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ؛﴾ أي هذه حجج الله ينزل بها جبريل ﵇ فيقرأها عليك بالصدق؛ ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ﴾ (١٠٨)؛أي للجنّ والإنس. قوله : ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (١٠٩)؛معناه: جميع ما في السّماوات والأرض من الخلق عبيد الله ومخلوقه فلا يريد ظلمهم، فإنّ من بلغ غناه هذا المبلغ لا يحتاج إلى الظّلم. قوله تعالى: ﴿(وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)﴾ أي عواقب الأمور في الآخرة. قوله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ؛﴾ خطاب لأصحاب رسول الله ﷺ ،

стр. 607

وهم يعمّ سائر أمّته. قال الحسن: (نحن آخر الأمم وأكرمها على الله) (١).وقيل معنى ﴿(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ)﴾ أي كنتم في اللّوح المحفوظ، وقيل: كنتم مذ كنتم، وقيل: الكاف زائدة؛ أي أنتم خير أمّة. قوله تعالى: ﴿(تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)﴾ أي بالتّوحيد واتّباع الشّريعة، ﴿(وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)﴾ أي عن الشّرك والظّلم. وقوله تعالى: ﴿(وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ)﴾ أي توحّدون الله تعالى بالإيمان بالله وتصديق رسله ورسوله ﷺ ؛ لأنّ من كفر بالنّبيّ ﷺ لم يوحّد الله تعالى، ودليل هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ؛﴾ أي لو صدق اليهود والنصارى مع إيمانهم بالله تعالى إيمانهم بنبيّه ﷺ لكان خيرا لهم من الإقامة على دينهم. وعن النبيّ ﷺ أنّه قال: [أنتم تتمّون على سبعين أمّة؛ أنتم خيرها وأكرمها على الله ] (٢).وقال ﷺ : [أهل الجنّة عشرون ومائة صفّ، ثمانون منها من هذه الأمّة] (٣).وقال ﷺ : [إنّ الجنّة محرّمة على الأمم حتّى تدخلها أمّتي] (٤).وقال ﷺ : [أمّتي أمّة مرحومة؛ إذا كان يوم القيامة أعطي كلّ رجل من هذه الأمّة رجلا من الكفّار؛ فيقال له: هذا فداؤك من النّار] (٥). وقيل لعيسى ﵇: يا روح الله؛ هل بعد هذه الأمّة أمّة؟ قال: نعم؛ أمّة أحمد ﷺ علماء حكماء حلماء؛ أبرار أتقياء كأنّهم من العفّة أنبياء؛ يرضون من الله باليسير

стр. 608

من الرّزق؛ ويرضى الله تعالى منهم باليسير من العمل؛ يدخلهم الجنّة بشهادة أن لا إله إلاّ الله. قوله : ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ؛﴾ يعني أهل الكتاب منهم المؤمنون عبد الله بن سلام وأصحابه، وسائر من أسلم من أهل الكتاب. ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (١١٠)؛أي الكافرون الخارجون عن أمر الله، وهم الذين لم يسلموا منهم. قوله : ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً؛﴾ أي لن يصلوا إلى ضرركم أيّها المسلمون إلاّ أن يؤذوكم باللّسان بقولهم: عزير ابن الله؛ والمسيح ابن الله؛ وثالث ثلاثة؛ والبهت والتّحريف. وقال مقاتل: (إنّ رؤساء اليهود: كعب بن الأشرف؛ وأبو رافع؛ وأبو ياسر؛ وابن صوريّا وغيرهم عمدوا إلى مؤمنيهم كعبد الله ابن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم، فأنزل الله ﴿(لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً)﴾ أي باللّسان؛ يعني وعيدا وطعنا بألسنتهم ودعاء إلى الضّلالة وكلمة كفر تسمعونها منهم فتتأذون بها). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ (١١١)؛ أي يعطوكم الأدبار منهزمين؛ يعني لا يمنعكم أحد من سبيكم إيّاهم وقتلكم نفوسهم، وقوله تعالى: ﴿(ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ)﴾ جواب الشرط، إلاّ أنه استئناف لأجل رأس الآي؛ لأنّها على النون كقوله تعالى: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (١) وتقديره: ثمّ هم لا ينصرون، وقال في موضع آخر: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ (٢) إذ لم يكن رأس آية. قال الشاعر: ألم تسأل الرّبع القديم فينطق ... أي فهو ينطق. قوله : ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ؛﴾ معناه: جعلت عليهم مذلّة القتل والسّبي أينما وجدوا أخذوا. قوله

стр. 609

تعالى: ﴿(إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ)﴾ أي إلاّ أن يعتصموا بعهد الله وهو الإسلام. وقوله: ﴿(وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ)﴾ أي عهد وأمان وعقد ذمّة المسلمين عليهم؛ يؤدّون إليهم الخراج ليؤمّنوهم. وفي الآية اختصار؛ تقديره: إلاّ أن يعتصموا بحبل من الله. قوله تعالى: ﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ؛﴾ أي انصرفوا بغضب؛ أي استوجبوه من الله . قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ؛﴾ أي جعل عليهم زيّ الفقر والبؤس حتّى صاروا من الذّلّة إلى ما لا يبلغه أهل ملّة بعد أن كانوا ذوي عزّ ويسار ومنعة، فترى الرجل منهم عليه البؤس والمسكنة وأنه لغنيّ، ولم يبق لليهود منعة في موضع من المواضع. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (١١٢)؛أي ذلك الذّلّ والغضب عليهم من الله بكفرهم بمحمّد ﷺ والقرآن ورضاهم بقتل الأنبياء بغير حقّ وعصيانهم ومجاوزاتهم الحدّ. قوله : ﴿*لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (١١٣)؛قال ابن عبّاس ومقاتل: (لمّا أسلم عبد الله ابن سلام؛ وثعلبة بن سعية (١)؛وأسيد بن سعية؛ وأسد بن عبيد (٢) ومن أسلم من اليهود؛ قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمّد إلاّ أشرارنا، لو كانوا من أخيارنا ما تركوا دين آبائهم، ثمّ قالوا لهم: قد خسرتم حين استبدلتم دينكم بدين غيره. فأنزل الله هذه الآية) (٣). وقيل: لمّا ذكر الله في الآيات المتقدّمة من آمن من أهل الكتاب، ومن لم يؤمن. قال : ﴿(لَيْسُوا سَواءً)﴾ أي ليس الفريقان سواء، وهذا وقف تامّ، ثم استأنف

стр. 610

قوله تعالى: ﴿(مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ)﴾ أي عادلة مستقيمة مهتدية. وقال الأخفش: (ذو أمّة قائمة؛ أي ذي طريقة قائمة)،قال: (والأمّة الطّريقة). ومعنى قوله: ﴿(يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ)﴾ يعني يقرءون القرآن في ساعات اللّيل، ﴿(وَهُمْ يَسْجُدُونَ)﴾ أي وهم يصلّون؛ لأنّ القرآن لا يكون في السجود، نظيره قوله تعالى: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (١) أي يصلّون، وقوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ﴾ (٢) أي صلّوا. وإنّما ذكرت الصلوات باسم السجود؛ لأن السجود نهاية ما فيها من التواضع. قال ابن مسعود ﵁: (أراد به صلاة العتمة) (٣).وقيل: أراد به ما بين المغرب والعشاء. واختلف النّحاة في واحد الآناء؛ قال بعضهم: آناء مثل معاء وأمعاء. وقال بعضهم: إنّي مثل نحى وأنحى. وقال بعض المفسّرين: في الآية اختصار وحذف؛ تقديره: من أهل الكتاب أمة قائمة وأخرى غير قائمة، وترك الأخرى اكتفاء بذكر أحد الفريقين؛ قالوا: وهذا فعل مجموع مقدّم كقولهم: أكلوني البراغيث، وذهبوا أصحابك. وقال آخرون: تمام الكلام عند قوله ﴿(لَيْسُوا سَواءً)﴾ يعني المؤمنين والفاسقين؛ لأن ذكر الفريقين قد جرى في قوله: ﴿(مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ)﴾. ثم وصف الفاسقين فقال: ﴿(لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً)،﴾ ووصف المؤمنين فقال ﴿(أُمَّةٌ قائِمَةٌ)﴾ الآية. قوله : ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛﴾ قال ابن عباس: (لمّا أسلم عبد الله بن سلام ومن معه؛ قالت اليهود: ما آمن بمحمّد إلاّ أشرارنا، فأنزل الله هذه الآية؛ إلاّ أنّها وإن نزلت فيهم فمن حقّ كلّ مسلم أن يكون على هذه الصّفة).ومعنى الآية: يصدّقون بالله وبالبعث بعد الموت. ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ؛﴾ أي باتّباع محمّد ﷺ ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ؛﴾ أي عن اتّباع الجبت والطّاغوت ومخالفة النبيّ ﷺ .

стр. 611

قوله تعالى: ﴿وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ؛﴾ أي يبادرون إلى الطاعات والأعمال الصالحة، ﴿وَأُولئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١١٤)؛أي من المؤمنين المخلصين وهم أبو بكر وعمر وسائر الصحابة. قوله : ﴿وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ؛﴾ أي فلن تجحدوه، يعني تجزون به وتثابون عليه. قرأ الأعمش ويحيى وحمزة والكسائيّ وحفص وخلف: ﴿(وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ)﴾ بالياء فيهما إخبارا عن الأمّة القائمة. وقيل: راجع إلى قوله ﴿(الصّالِحِينَ)﴾. وقرأ الباقون بالتّاء فيهما على الخطاب كقوله ﴿(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ)﴾.قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (١١٥)؛أي عالم بأعمالهم وثواب أعمالهم. قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً؛﴾ معناه: إنّ الذين جحدوا بمحمّد والقرآن لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا، ﴿وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (١١٦)؛أي مقيمون دائمون. قوله : ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ؛﴾ معناه: مثل ما ينفق اليهود في اليهوديّة على رؤسائهم وعلمائهم، وما ينفق أهل الأوثان على أصنامهم في تظاهرهم على النبيّ ﷺ وإهلاكهم مال أنفسهم ﴿(كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها)﴾ برد شديد. ويقال: الصّرّ: صوت لهب النّار الّتي تحرق الزّرع، وقيل: الصّرّ: ريح فيها صوت ونار (١). قوله تعالى: ﴿(أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ)﴾ أي زرع قوم ﴿(ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ)﴾ بالكفر والمعصية، ومنع حقّ الله عليهم ﴿(فَأَهْلَكَتْهُ)﴾ أي أحرقته الريح فلم ينتفعوا منه بشيء في الدّنيا، كذلك من ينفق في غير طاعة الله لا ينتفع بنفقته في الآخرة، كما لا ينتفع صاحب هذا الزّرع من زرعه في الدّنيا. قوله تعالى: ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ؛﴾ بإهلاك زرعهم؛ ﴿وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١١٧)؛بمنع حقّ الله فيه وكفرهم ومعصيتهم.

стр. 612

قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً؛﴾ نزلت الآية في الأنصار؛ كانوا قد ظاهروا اليهود حتى صار كأنّ بينهم نسبا، وكانوا يواصلونهم ويعاطفونهم حتى كان الرجل من الأنصار يتزوّج فيهم فيختارهم على قومه، فلما جاء الله بمحمّد ﷺ والإسلام وآمن الأنصار بغضهم اليهود، وكان الأنصار يخالطونهم ويشاورونهم، كما كانوا يفعلون قبل الإسلام للرّضاعة والمصاهرة التي كانت بينهم، فنهى الله الأنصار بهذه الآية وما بعدها. ومعناها: لا تتّخذوا دخلا من غيركم يعني اليهود. وبطانة الرّجل: خاصّته وأهل سرّه الذين يستبطنون أمره، سمّوا بذلك على جهة التّشبّه ببطانة الثّوب التي تلي جلد الإنسان. وحرف ﴿(مِنْ)﴾ في قوله: ﴿(مِنْ دُونِكُمْ)﴾ للتّبيين؛ أي لا تتّخذوا الذين هم أسافل وأراذل بطانة. قوله تعالى ﴿(لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً)﴾ أي لا يبقون غاية، ولا يتركون الجهد في إلقائكم في الفساد، يقال: ما ألوت في الحاجة جهدا؛ أي ما قصّرت، ونصب ﴿(خَبالاً)﴾ على المفعول الثاني؛ لأنه يتعدّى إلى مفعولين (١)،وإن شئت على المصدر (٢)،وإن شئت بنزع الخافض؛ أي بالخبال. والخبال: الفساد، ومثله الخبل أيضا؛ يقال: رجل خبل الرّأي؛ فاسد الرّأي؛ والانخبال: أي الجنون. وقال مجاهد: (نزلت في قوم مؤمنين كانوا يصافحون المنافقين ويخالطوهم؛ فنهاهم الله عن ذلك) (٣). قوله : ﴿وَدُّوا ما عَنِتُّمْ؛﴾ أي تمنّوا إثمكم وضرّكم وهلاككم، والعنت في اللّغة: المشقّة، يقال: أكمة عنوت؛ أي طويلة شاقّة المسلك. وقرأ عبد الله: «(قد بدأ البغضاء من أفواههم)» بالتذكير؛ لتقدّم الفعل؛ ولأن معنى البغضاء: البغض. قوله تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ؛﴾ أي قد ظهرت العداوة من ألسنتهم بالشّتم والطّعن، ﴿وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ؛﴾ أي وما يضمرون في قلوبهم من القتل لو ظفروا بكم أعظم ممّا أظهروا لكم. قوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ؛﴾ أي أخبرناكم بما أخفوا وأبدوا بالدلالات والعلامات، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١١٨)؛العدوّ من الوليّ.

стр. 613

قوله تعالى: ﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ؛﴾ أي أنتم يا هؤلاء المؤمنين تحبّون اليهود الذين نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي بينكم من المصاهرة والرّضاع والقرابة والجوار، ﴿(وَلا يُحِبُّونَكُمْ)﴾ لما بينكم وبينهم من مخالفة الدين، هذا قول أكثر المفسّرين. وقال بعضهم: معناه: تحبّونهم؛ أي تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء، ولا يحبّونكم لأنّهم يدعونكم إلى الكفر وهو الهلاك. قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ؛﴾ أي تؤمنون بالتّوراة والانجيل وسائر كتب الله، ولا يؤمنون هم بذلك كلّه، يعني لا يؤمنون بكتابكم. قوله تعالى: ﴿وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنّا؛﴾ يعني منافقي أهل الكتاب، إذا لقوهم قالوا آمنّا بمحمّد أنه رسول صادق فيما يقول، ﴿وَإِذا خَلَوْا؛﴾ فيما بينهم؛ ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ؛﴾ أي أطراف الأصابع من الحنق عليكم لما يرون من ائتلافكم وإصلاح ذات بينكم، وهذا مثل ضربه الله لشدّة عداوة اليهود للمؤمنين. وواحد الأنامل: أنملة بفتح الميم وضمّها. قوله تعالى ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ؛﴾ ليس على طريق الإيجاب؛ لأنه لو كان على طريق الإيجاب لماتوا كلّهم من ساعتهم، لكنّ معناه: تموتون بغيظكم ولا تبلغون أمانيّكم من قهر محمّد ﷺ وأصحابه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (١١٩)؛ أي عالم بما في القلوب من البغض والعداوة وغير ذلك. وفي الحديث عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: [لا تستضيئوا بنار المشركين] (١) أي لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم. قوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها؛﴾ قرأ السلمي: بالياء، ومعنى الآية: إن تصبكم أيّها المؤمنون حسنة بظهوركم على عدوّكم وغلبتكم لهم أو الغنيمة والخصب تسؤهم تلك الحسنة؛ أي تحزنهم؛ يعني اليهود، وإن تصبكم محنة من جهة أعدائكم ونكبة أو جدب يعجبوا بها.

стр. 614

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا؛﴾ أي وإن تصبروا على أذى اليهود والمنافقين وتتّقوا معصية الله وتخافوا ربّكم، ﴿لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً؛﴾ أي لا يضرّكم احتيالهم لإيقاعكم في الهلاك، ﴿إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (١٢٠)؛أي أحاط علمه وقدرته بأعمالكم وبأعمالهم. قرأ أبو عمرو وابن كثير: «(لا يضركم)» بكسر الضّاد والتخفيف، وهو جزم على جواب الجزاء. وقرأ الضحّاك: «(لا يضركم)» بالضمّ وجزم الراء؛ من ضار يضار يضور. وذكر القرّاء عن الكسائيّ: أنّه سمع بعض أهل العالية يقول: لا ينفعني ولا يضورني. وقرأ الباقون بضمّ الضاد وتشديد الرّاء: من ضرّ يضرّ ضرّا. وفي رفع (يضرّكم) وجهان؛ أحدهما: أنه أراد الجزم؛ وأصله (يضرركم) فأدغمت الراء في الراء، ونقلت ضمّة الراء الأولى إلى الضّاد، وضمّت الراء الأخيرة اتّباعا لأقرب الحركات إليها وهي الضّاد طلبا للمشاكلة، والوجه الثاني: أنّ (لا) بمعنى (ليس)،ويضمر الفاء فيه؛ تقديره: وإن تصبروا فليس يضرّكم، والضّير والضّرّ والضّرر بمعنى واحد؛ قال الله تعالى: ﴿قالُوا لا ضَيْرَ﴾ (١) وقال: ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ (٢).وقوله تعالى ﴿(إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)﴾ أي عالم. قرأ الحسن والأعمش بالتّاء. وقرأ الباقون بالياء. قوله : ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ﴾ ﴿الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١٢١)؛قال مجاهد والكلبيّ: (غدا رسول الله ﷺ من منزل عائشة يمشي على رجليه إلى أحد، وصفّ أصحابه للقتال كما يصفّهم للصّلاة، وذلك أنّ المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء، فلمّا سمع رسول الله ﷺ بنزولهم استشار أصحابه؛ فقال أكثرهم: يا رسول الله؛ أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فإن أقاموا هناك أقاموا في شرّ مجلس، وإن دخلوا إلينا قاتلهم الرّجال في وجوههم ورماهم النّساء والصّبيان بالحجارة من فوقهم ورجعوا كما جاءوا، فأعجب رسول الله ﷺ هذا الرّأي. وقال بعض الصّحابة: يا رسول الله؛ أخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب

стр. 615

لا يرون أنّه جبنّا عنهم وضعفا. وأتاه النّعمان بن مالك الأنصاريّ فقال: يا رسول الله؛ لا تحرمني الجنّة، فو الّذي بعثك بالحقّ نبيّا لأدخلنّ الجنّة، فقال له: [بم؟] قال: بأنّي أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّي لا أفرّ من الزّحف، فقال: [صدقت] فقتل يومئذ شهيدا. فقال ﷺ : [إنّي قد رأيت في منامي أنّ في دبابة سيفي ثلما فأوّلتها هزيمة، ورأيت أنّي أدخل يدي في درع حصينة فأوّلتها المدينة، فكرهت الخروج إليهم، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم، فإن أقاموا أقاموا على شرّ مقام، وإن دخلوا المدينة قاتلناهم فيها] وكان ﷺ يعجبه أن يدخلوا المدينة فيقاتلوا في الأزقّة، فقال رجال من المسلمين ممّن فاتهم يوم بدر وأراد الله لهم الشّهادة يوم أحد: أخرج بنا إلى أعدائنا يا رسول الله، فكره الخروج إليهم وأمر بتبوئة المقاعد للقتال إلى أن يوافيهم المشركون-والمقاعد هي المواطن والأماكن-فلم يزالوا برسول الله ﷺ يحثّونه على لقائهم حتّى دخل بيته، فلبس لامته وعزم على الخروج، فندم المسلمون وقالوا: بئسما صنعنا؛ نشير على رسول الله ﷺ والوحي يأتيه، فقاموا واعتذروا إليه وقالوا: اصنع ما رأيت يا رسول الله، فقال: [لا ينبغي لنبيّ أن يلبس لامته فيضعها حتّى يقاتل]) (١). وكان قد أقام المشركون بأحد يوم الأربعاء والخميس، فخرج رسول الله ﷺ يوم الجمعة بعد ما صلّى بأصحابه الجمعة، فأصبح بالشّعب من أحد يوم السبت من النّصف من شوّال سنة ثلاث من الهجرة، وكان من أمر حرب أحد ما كان؛ فذلك قوله : ﴿(وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ)﴾ أي واذكر إذ غدوت من أهلك؛ من عند أهلك من المدينة تهيّئ للمؤمنين مواضع للحرب لقتال المشركين يوم أحد. وقال الحسن: (نزلت هذه الآية في يوم الأحزاب؛ الأكلب: موضع منها قريب من المدينة).

стр. 616

قوله : ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما؛﴾ أي أن تجبنا وتضعفا ويتخلّفا عن رسول الله ﷺ وهم: بنو سلمة من الخزرج؛ وبنو حارثة من الأوس، وكانوا جناحي العسكر، وذلك أنّ رسول الله ﷺ خرج إلى أحد في ألف رجل، وقيل: في تسعمائة وخمسين رجلا، وقد وعد أصحابه بالنصر والفتح إن صبروا، فلمّا بلغوا إلى بعض الطريق اعتزل عبد الله بن أبي سلول بثلث الناس ورجع بهم، فرجع في ثلاثمائة؛ وقال: علام نقتل أولادنا وأنفسنا، فتبعهم أبو (١) جابر وقال: أنشدكم الله في نبيّكم وأنفسكم، فقال عبد الله: لو نعلم قتالا لاتّبعناكم، وهمّت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف معه، فعصمهم الله تعالى ولم ينصرفوا، ومضوا مع رسول الله ﷺ وثبّت الله قلوبهما فلم يرجعا، فذكّرهم الله تعالى عظيم نعمته فقال: ﴿(إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما)﴾ أي حافظهما وناصرهما. وقرأ ابن مسعود: «(وليّهم)؛» لأنّ الطائفة جمع كقوله تعالى: ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (٢)، ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١٢٢)؛في أمورهم. قال جابر بن عبد الله: (والله ما سرّنا أنّا لم نهمّ بالّذي هممنا به؛ ولقد أخبرنا الله تعالى أنّه وليّنا) (٣). قوله : ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾. بدر: اسم موضع بين مكّة والمدينة وهو من بلاد غفار، كان وقعة بدر أوّل قتال قاتله رسول الله ﷺ بنفسه، وجملة مغازي رسول الله ﷺ ستة وعشرون غزوة، وكان غزوة بدر الخامسة منهنّ؛ قاتل رسول الله ﷺ في أحد عشر غزوة منهنّ بدر الكبرى؛ وأحد؛ والخندق، وغزوة بني قريظة؛ وغزوة بني المصطلق؛ وغزوة بني لحيان؛ وخيبر والفتح؛ وحنين؛ والطائف؛ وتبوك.

стр. 617

فأمّا بدر الكبرى فكانت يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة اثنتين من الهجرة على رأس تسعة عشر شهرا من هجرة النبيّ ﷺ . وغزوة أحد في شوّال سنة ثلاث، والخندق وبني قريظة في شوّال سنة أربع، وبني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس، وخيبر سنة ستّ، والفتح في رمضان سنة ثمان، وحنين والطائف في شوّال سنة ثمان. فأوّل غزوة غزاها بنفسه وقاتل فيها بدر الكبرى، وآخرها تبوك، وكانت سراياه ستّا وثلاثين سريّة. ومعنى الآية: ﴿(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ)﴾ وأنتم قليل في العدد، وذلك أنّ المسلمين كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، كان المهاجرون منهم سبعة وسبعين، ومن الأنصار مائتين وستّة وثلاثين، وكان عليّ ﵁ صاحب راية رسول الله ﷺ ، وسعد بن معاذ صاحب راية الأنصار، وكان عدد الكفّار تسعمائة ونيّفا. قوله : ﴿فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١٢٣)؛أي أطيعوه فيما يأمركم لتقوموا بشكر النّعم التي أنعمها الله عليكم. قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ (١٢٤)؛وذلك أنّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يوم أحد بعد انصراف عبد الله بن أبي سلول بثلث الناس: سبعمائة؛ وكان المشركون ثلاثة آلاف، فقال رسول الله ﷺ : [ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين من السّماء] (١).قرأ الحسن ومجاهد وابن عامر «(منزّلين)» بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف. قوله تعالى: ﴿بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (١٢٥)؛معنى قوله: ﴿(بَلى)﴾ تصديق لوعد الله تعالى، وقول رسول الله ﷺ ، ﴿(تَصْبِرُوا)﴾ لعدوّكم مع نبيّكم ﴿(وَتَتَّقُوا)﴾ مخالفته ﴿(وَيَأْتُوكُمْ)﴾ أهل مكّة من وجههم هذا؛ ﴿(يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾

стр. 618

﴿مُسَوِّمِينَ﴾) أي معلّمين (١) بالصوف الأبيض (٢)،وقيل: بالأحمر في نواصي الخيل وأذنابها؛ أي بيّن لهم من السّماء معلّمين بهذه العلامة. ويجوز أن يكون معنى ﴿(مُسَوِّمِينَ)﴾ مرسلين من الإسامة وهي الإرسال. ومن قرأ «(مسوّمين)» بكسر الواو فلأنّهم سوّموا خيولهم. وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال لأصحابه يوم أحد: [تسوّموا؛ فإنّ الملائكة قد تسوّمت بالصّوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهم] (٣).وقال قتادة: (كان على الملائكة يوم بدر سيماء القتال، وكانوا على خيل بلق) (٤).وقال ابن عبّاس: (كانت يوم بدر سيماء الملائكة عمائم بيض مرخيّة على أكتافهم)،قال: (ولم يصبر المؤمنون يوم أحد للقتال إلاّ قليل منهم، ولو صبروا لنزلت عليهم الملائكة وأتاهم ما وعدهم الله، ولكنّهم لم يصبروا، فلم تنزل عليهم الملائكة).قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: «(مسوّمين)» بكسر الواو، وقرأ الباقون بالفتح. قوله تعالى: ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ؛﴾ أي ما جعل الله إمدادكم بالملائكة إلاّ بشارة لكم؛ ولتطمئنّ قلوبكم به، فلا تجزع من كثرة عددهم وقلّة عددكم حتى تثبتوا لأعدائكم. قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١٢٦)؛أي وإن أمدّكم بالملائكة وقوّى قلوبكم، فليس النصر لكثرة العدد وقلّته، ولكنّه ﴿(مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)﴾ أي المنيع في سلطانه، الحكيم في أمره. وفي الآية بيان أنّ الإنسان لا يستغني في حال من الأحوال عن الله وإن كثر عدده واجتمع ماله. قال ابن عبّاس: (إنّ الملائكة لم يباشروا القتال إلاّ يوم بدر، فأمّا ما سوى ذلك فإنّها تحضر الصّفّ وتكثّره ولا تقاتل).وقال بعض المفسّرين: إنّ الملائكة لم تقاتل أصلا ولم يبعثوا إلاّ بالبشارة، فلو بعثوا للقتال لكان ملك واحد

стр. 619

يكفيهم، كما فعل جبريل ﵇ يوم لوط. وقال بعضهم: إنّ الملائكة كانت تقاتل وكان علامة ضربهم اشتعال النّار في موضع ضربهم، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ؛﴾ معناه: ينصركم ليقتل ويستأسر جماعة من الذين كفروا بنقضهم ذلك أو بهزمهم، ﴿فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ (١٢٧)؛أي فيرجعوا منقلبين منقطعين عن آمالهم. والكبت: هو الوهن في القلب، ويصرع المرء على وجهه لأجله. ونظم الآية: ولقد نصركم الله ببدر ﴿(لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا)﴾ أي لكي يهلك طائفة من الذين كفروا. وقال السّدّيّ: معناه: (ليهدم ركنا من أركان المشركين بالقتل والأسر، فقتل من ساداتهم يوم بدر سبعون وأسر منهم سبعون). وقوله تعالى: ﴿(فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ)﴾ أي لم ينالوا شيئا ممّا كانوا يرجون من الظّفر بكم. وقوله تعالى ﴿(أَوْ يَكْبِتَهُمْ)﴾ قال الكلبيّ: (أو يهزمهم)،وقال النّضر بن شميل: (يغيظهم).وقال السديّ: (يلعنهم).وقال أبو عبيدة: (يهلكهم).وقرئ في الشّاذّ: (أو يكبدهم)،يقال: كبده؛ إذا رماه فأصاب كبده، والمكبود: المتلهّف (١). قوله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾ (١٢٨)؛وذلك أنه لمّا شجّ النبي ﷺ يوم أحد وكسرت رباعيّته، وقتل سبعون من أصحابه، جعل يمسح الدّم عن وجهه وهو يقول: [كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيّهم، وهو يدعوهم إلى ربهم] وهمّ أن يلعنهم ويلعن الذين انصرفوا مع عبد الله بن أبي سلول، فأنزل الله هذه الآية ينهاه عن اللّعن، وبيّن أنّ فلاحهم ليس إليه وأنه ليس له من الأمر شيء إلاّ أن يبلّغ الرسالة ويجاهد حتى يظهر الدين (٢).

стр. 620

قال عكرمة وقتادة: (أدمى رجل من هذيل يقال له عبد الله بن قمئة وجه رسول الله ﷺ يوم أحد؛ فدعا عليه رسول الله ﷺ فسلّط الله عليه تيسا فنطحه حتّى قتله. وشجّ عتبة بن أبي وقّاص وجه رسول الله ﷺ وكسر رباعيّته؛ فدعا رسول الله ﷺ عليه فقال: [اللهمّ لا يحول عليه الحول حتّى يموت كافرا] قال: فما حال عليه الحول حتّى مات كافرا، فأنزل الله هذه الآية) (١). وقال الكلبيّ: (لمّا شجّ رسول الله ﷺ يوم أحد وأصيبت رباعيّته؛ همّ أن يلعن المشركين ويدعو عليهم، فأنزل الله هذه الآية لعلمه أنّ كثيرا منهم سيتوبون).يدلّ عليه ما روى أنس أنه قال: لمّا كان يوم أحد شجّ رسول الله ﷺ في قرن حاجبه، وكسرت رباعيّته، وجرح في وجهه، فجعل يمسح الدّم عن وجهه، وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدّم ورسول الله ﷺ يقول: [كيف يفلح قوم خضّبوا وجه نبيّهم بالدّم وهو يدعوهم إلى ربهم] فأنزل الله هذه الآية (٢). وقال سعيد بن المسيّب: لمّا قال رسول الله ﷺ : [اشتدّ غضب الله على من أدمى وجه نبيّه وعلت عالية من قريش على الجبل، فقال ﵇: [لا ينبغي لهم أن يعلونا] فأقبل عمر ﵁ ورهط من الأنصار حتّى أهبطوهم من الجبل، ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة ليعلوها وقد ظاهر بين درعين فلم يستطع، فجلس تحته طلحة، فنهض حتّى استوى عليها، فقال ﷺ : [أوجب طلحة] (٣). ووقفت هند والنّسوة اللاّتي معها يمثّلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ ، يجذعن الآذان والأنوف حتّى اتّخذت هند من ذلك قلائد وأعطتها وحشيّا، وبقرت عن كبد حمزة ﵁ فلاكتها؛ فلم تستطع فلفظتها ثمّ علت صخرة مشرفة؛

стр. 621

فصرخت ثمّ قالت (١): نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان عن عتبة لي من صبر ... ولا أخي وعمّه وبكري شفيت صدري وقضيت نذري ... شفيت وحشيّ غليل صدري فلمّا رأى رسول الله ﷺ والمسلمون ما نزل بأصحابهم من جذع الآذان والأنوف، وقطع المذاكير؛ قالوا: لئن أنالنا الله فيهم لنفعلنّ مثل ما فعلوا؛ ولنمثّلنّ مثلة بهم لم يمثّلها أحد قط، فأنزل الله هذه الآية) (٢). وقال عطاء: أقام رسول الله ﷺ بعد أحد يدعو على بطن من هذيل يقال لهم بني لحيان، وعلى بطن من سليم يقال لهم رعل وذكوان، وكان يقول: [اللهمّ اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف] (٣) فقحطوا حتّى أكلوا أولادهم، وأكلوا الميتة والعظام المحرّقة، ثمّ أنزل الله هذه الآية. وعن أبي سالم قال: (قال رسول الله ﷺ : [اللهمّ العن أبا سفيان، اللهمّ العن الحارث بن هشام، اللهمّ العن صفوان بن أميّة].فأنزل الله تعالى ﴿(لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)﴾ فأسلموا وحسن إسلامهم) (٤). ومعنى قوله ﴿(لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)﴾ أي ليس إليك من الأمر بهواك شيء، وقد تكون اللاّم بمعنى (إلى)،كقوله تعالى: ﴿مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ﴾ (٥) أي إلى الإيمان، وقوله: ﴿الَّذِي هَدانا لِهذا﴾ (٦) ونحوه. وقال بعضهم: قوله: ﴿(لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)﴾

стр. 622

اعتراض بين الكلام؛ وتقدير الآية: ليقطع طرفا من الّذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون؛ ليس لك من الامر شيء، وهذا وجه حسن. وقال بعضهم: (أو بمعنى (حتّى).وقال بعضهم: نصب بإضمار (أن) تقديره: أو أن يتوب عليهم. قوله : ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي له جميع ما فيهم من الخلائق؛ كلّهم عباد الله وفي ملكه، ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ؛﴾ على الذنب الصغير إذا أصرّ على ذلك، ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٢٩)؛ في قبول توبتهم، وتأخير العذاب عنهم، وإنّما ختم الله هذه الصفة بالمغفرة والرحمة؛ لأنه وإن كان على التعذيب قادرا، لكن الغالب على أمره ما يريد بخلقه الرحمة والمغفرة. قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في أهل الطّائف، كانت بنو المغيرة يربون لهم، فإذا حلّ الأجل وعجزوا عن ذلك، زادوا في المال، وازدادوا في الأجل؛ فنهاهم الله عن ذلك).ومعنى ﴿(مُضاعَفَةً)﴾:هو أنّ الرجل إذا كان له على آخر مال، فإذا حلّ الأجل طالبه به فيعجز عنه، فيقول المطلوب: أخّر عنّي وأزيدك في مالك، فيفعلان ذلك؛ فنهاهم الله عنه. ومعنى ﴿(أَضْعافاً):﴾ لا تأكلوا أضعاف ما أوتيتموه؛ أي لا تأخذوا إلاّ المثل. ومعنى ﴿(مُضاعَفَةً)﴾:لا تضعّفوا المال بالزيادة في الأجل. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٣٠)؛أي اتقوا الله في الرّبا، ولا تستحلّوه لكي تنجوا من العذاب في الآخرة، ثم صارت هذه الآية عامّة في جميع الناس، وإنّما أعاد الله تحريم الرّبا بعد ما ذكره في سورة البقرة لتأكيد التحريم بتصريح النّهي عنه، ويجوز أن يكون المراد في سورة البقرة: ربا النّسيئة؛ وهنا ربا الفضل. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (١٣١)؛أي اخشوا النار في أكل الرّبا التي خلقت للكافرين بالله، وبتحريم الربا. فإن قيل: إذا كانت النار معدّة للكافرين؛ فكيف يعذّب بها غير الكافرين؟ قيل: فائدة تخصيص الكافرين بالذّكر؛ لأنّهم هم العمدة في إعداد النار لهم وقد يدخلها غير الكافرين على طريق

стр. 623

التّبع، كما قال في الجنّة ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وإن كان الأطفال والمجانين يدخلونها تبعا للمتقين. وقيل: معناه: واتّقوا النار في استحلال الرّبا، فإنّ من استحلّه فهو كافر. قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١٣٢)؛ أي أطيعوا الله ورسوله في تحريم الرّبا لكي ترحموا فلا تعذبوا. قوله : ﴿*وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ؛﴾ معناه بادروا إلى ما يوجب لكم مغفرة من ربكم وهو التوبة. وقال ابن عبّاس: (الإسلام).وقال أبو العالية: (معناه: سارعوا إلى الهجرة).وقال عليّ ﵁: (إلى أداء الفرائض).وقال عثمان بن عفّان ﵁: (إلى الإخلاص) وقال أنس: (إلى التّكبيرة الأولى).وقال سعيد بن جبير: (إلى أداء الطّاعة).وقال الضحّاك: (إلى الجهاد).وقال عكرمة: (إلى التّوبة).وقال الورّاق: (إلى ائتمار الأوامر والانتهاء عن الزّواجر).وقال سهل بن عبد الله: (إلى السّنّة).وقال بعضهم: إلى الصلوات الخمس. وقال بعضهم: إلى الجمعة والجماعات. قرأ نافع وابن عامر: «(سارعوا)» بحذف الواو على سبيل الابتداء لا على سبيل العطف (١). قوله : ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ؛﴾ قال ابن عبّاس: (الجنان أربع: جنّة عدن وهي العليا، وجنّة المأوى، وجنّة الفردوس، وجنّة النّعيم، ثمّ في كلّ جنّة منها جنّات عدد نجوم السّماء، قطر المطر كلّ جنّة منها في العرض والسّعة لو ألصقت السّماوات السّبع والأرضون السّبع بعضهنّ ببعض لكانت الجنّة الواحدة أعرض منها) (٢). وإنّما خصّ العرض على المبالغة لأنّ طول كلّ شيء في الغالب أكثر من عرضه، يقول: هذه صفة عرضها فكيف طولها! يدلّ عليه قول الزهريّ: (إنّما

стр. 624

وصف عرضها، فأمّا طولها فلا يعلمه إلاّ الله).وهذا مثل قوله تعالى: ﴿عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ (١) فوصف البطانة بأحسن ما يعلم من الزينة، إذ معلوم أن الظواهر تكون أحسن وأنفس من البطائن. وقال بعض المفسّرين: ليس المراد بهذه الآية التقدير، لكنّ المراد بها أوسع شيء رأيتموه. قال إسماعيل السّدّيّ: (لو كسّرت السّماوات والأرض وصرن خردلا كان بكلّ خردلة لله تعالى عرضها السّماوات والأرض). قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١٣٣)؛أي خلقت للمتقين الشّرك والمعاصي، فإن قيل: إذا كانت الجنّة عرضها السّماوات والأرض، فأين النار؟ قيل: إن الله خلق الجنة عالية، والنار سافلة، والشيئان إذا كان أحدهما عاليا والآخر سافلا لا يمتنعان؛ لأنّهما يوجدان في مكانين متغايرين. وروي أنّ النبيّ ﷺ سئل عن هذا السّؤال فقال: [سبحان الله! إذا جاء النّهار فأين اللّيل] (٢). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ؛﴾ أول هذه الآية نعت للمتقين، ومعناها: الذين يتصدّقون في حال اليسر والعسر والضرّاء والشدّة والرخاء، يعني أنّهم ينفقون على الدّوام لا يمنعهم قلة المال ولا كثرته عن الإنفاق، فأول ما ذكر الله من أخلاق المتقين الموجبة لهم الجنة: السّخاء؛ قال ﷺ : [الجنّة دار الأسخياء، والسّخيّ قريب من الله؛ قريب من الجنّة؛ بعيد من النّار، والبخيل بعيد من الله؛ بعيد من الجنّة؛ قريب من النّار. والجاهل السّخيّ أحبّ إلى الله من العالم البخيل] (٣). قوله تعالى: ﴿(وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ)﴾ أي الكافين غيظهم عن إمضائه، يردّون غيظهم في أجوافهم ويصبرون، والكظم: الحبس والشّدّ، يقال: كظمت القربة؛ إذا

стр. 625

ملأتها ثمّ شددت رأسها على الامتلاء. والغيظ: هو انتفاض الطّبع ما يكرهه، ولهذا لا يجوز الغيظ على الله وإن كان يجوز عليه الغضب؛ لأنّ الغضب هو إرادة العقاب. قوله تعالى: ﴿(وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ)﴾ معناه: الذين يعفون عن المذنبين من الأحرار والمملوكين. وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [من كظم غيظا وهو يقدر على أن ينفذه فلم ينفذه؛ زوّجه الله من الحور العين حيث شاء، وما عفا رجل عن مظلمة إلاّ زاده الله بها عزّا، ولا نقصت صدقة مالا قطّ؛ فتصدّقوا، ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة إلاّ فتح الله عليه باب فقر، وأعظم النّاس عفوا من عفا عن قدرة] (١). قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٣٤)؛أي يثني على المحسنين إلى الناس، ويرضى عملهم. قال عيسى ﵇: ليس الأحسن أن تحسن إلى من أحسن إليك، ذاك مكافأة! إنّما الأحسن أن تحسن إلى من أساء إليك. وعن أبي هريرة ﵁: أنّ أبا بكر ﵁ كان مع رسول الله ﷺ في مجلس، فجاء رجل؛ فكان يشتم أبا بكر وهو ساكت والنّبيّ ﷺ يتبسّم، ثمّ ردّ أبو بكر على الرّجل بعض الّذي قال، فغضب رسول الله ﷺ وقام، فلحقه أبو بكر ﵁ فقال: يا رسول الله؛ شتمني وأنت تبتسم، فلمّا رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت؟! فقال: ﷺ : [إنّك حين كنت ساكتا كان معك ملك يردّ عليه، فلمّا تكلّمت وقع الشّيطان، فلم أكن لأقعد في مقعد فيه الشّيطان] (٢).وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [رأيت قصورا مشرفة على الجنّة، فقلت: يا جبريل لمن هذه!؟ قال: للكاظمين الغيظ والعافين عن النّاس والله يحبّ المحسنين].

стр. 626

قوله : ﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ؛﴾ متصل بقوله ﴿(وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ)﴾. قال ابن مسعود ﵁: قال المسلمون: يا رسول الله؛ كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منّا، كان أحدهم إذا أذنب ذنبا أصبحت كفّارة ذنبه مكتوبة على بابه: اجدع أنفك؛ اجدع أذنك؛ افعل كذا افعل كذا. فسكت رسول الله ﷺ ؛ فأنزل الله هذه الآية، فقال رسول الله ﷺ : [ألا أخبركم بخير من ذلك] وقرأ عليهم هذه الآيات) (١).وقال عطاء: (نزلت في أبي مقبل التّمّار؛ أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا، فقال: إنّ هذا التّمر ليس بجيّد وفي البيت أجود منه، فهل لك فيه؟ فقالت: نعم، فذهب بها إلى بيته وضمّها وقبّلها، فقالت له: اتّق الله سبحانه، فتركها وندم على ذلك، فأتى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك؛ فنزلت هذه الآية) (٢). وقال ابن عبّاس ومقاتل والكلبيّ: (آخا رسول الله ﷺ بين رجلين؛ أحدهما من الأنصار؛ والآخر من ثقيف، فخرج الثّقفيّ في غزاة مع رسول الله ﷺ واستخلف الأنصاريّ على أهله، فاشترى لهم لحما ذات يوم، فلمّا أرادت المرأة أن تأخذ منه؛ دخل على إثرها، فدخلت بيتا فتبعها، فاتّقته بيديها، فقبّل ظاهر كفّها، ثمّ ندم واستحيا؛ فانصرف، فقالت له: والله ما حفظت غيبة أخيك؛ ولا والله تنال حاجتك. فخرج الأنصاريّ ووضع التّراب على رأسه، وهام على وجهه يسيح في الجبال ويتعبّد، فلمّا رجع المسلمون من غزاهم لم ير الثّقفيّ أخاه، فسأل امرأته فقالت: لا كثّر الله في الإخوان مثله، وأخبرته فعله، فخرج الثّقفيّ في طلبه، فسأل عنه الرّعاء في الجبال والفيافي حتّى دلّ عليه، فوافاه ساجدا وهو يقول: رب ذنبي ذنبي، فقال: يا فلان؛ قم فانطلق إلى رسول الله ﷺ لعلّ الله أن يجعل لك مخرجا. فأقبل معه حتّى قدم المدينة، فسأل أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: لا توبة لك، أما تعلم أنّ الله يغار

стр. 627

للغازي في سبيله ما لا يغار للمقيم، فقام على باب رسول الله ﷺ وقال له: يا رسول الله؛ الذنب الذنب، فقال له مثل ما قال الصّحابة، فخرج يسيح في الجبال؛ لا يمرّ على حجر ولا مدر ولا سهلة حارّة إلاّ تجرّد وتمرّغ فيها، حتّى كان ذات يوم عند العصر نزل جبريل بتوبته بهذه الآية) (١). ومعناها: ﴿(وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا)﴾ كبيرة ﴿(أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ)﴾ بفعل الصّغيرة مثل النّظرة واللّمس والغمز والتقبيل، ذكروا مقامهم بين يديّ الله وعقابه. وقيل: معناه: ذكروا اسم الله، فقالوا ربّنا ظلمنا أنفسنا فاغفر لنا. وقال السّدّيّ: (قوله: ﴿(فَعَلُوا فاحِشَةً)﴾ يعني الزّنا) وقوله ﴿(أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ)﴾ قال الكلبيّ: (يعني لما دون الزّنا مثل القبلة واللّمس والنّظرة فيما لا يحلّ).وقيل: ﴿(فَعَلُوا فاحِشَةً)﴾ أي فعلوا الكبائر؛ وقوله ﴿(أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ)﴾ يعني الصّغار. وقيل: ﴿(فَعَلُوا فاحِشَةً)﴾ فعلا ﴿(أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ)﴾ قولا. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ؛﴾ أي ليس أحد يقدر على غفران الذنب إلاّ الله. قوله : ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١٣٥)؛معناه: ولم يقيموا على ما فعلوا من المعصية، فإنّ الاستغفار باللسان بغير ندامة القلب توبة الكذابين. قوله تعالى: ﴿(وَهُمْ يَعْلَمُونَ)﴾ أي يعلمون أنّها معصية، فإنّهم اذا لم يعلموا أنّها خطيئة كان إثما موضوعا عنهم؛ مثل أن يتزوّج أمّه من الرّضاعة أو أخته من الرّضاعة وهو لا يعلم، أو يشتري جارية فيطأها، ثم تستحقّ الجارية كان إثم ذلك موضوعا عنه. وقيل: معناه: وهم يعلمون أنّ لهم ربّا يغفر الذنوب. قال قتادة: (إيّاكم والإصرار، فإنّما هلك المصرّون الماضون قدما لا ينهاهم مخافة الله عن حرام حرّمه الله؛ ولا يتوبون من ذنب أصابوه حتّى أتاهم الموت وهم على ذلك) (٢).وقال السّدّيّ: (الإصرار السّكوت وترك الاستغفار) (٣).قال ﷺ : [لا

стр. 628

كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار] (١) وأصل الإصرار الثبات على الشّيء. وقال ﷺ : [من أذنب ذنبا وعلم أنّ له ربّا يغفر الذّنوب؛ غفر له الله وإن لم يستغفر] (٢).وقال ﷺ : [ما أصرّ من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرّة، يقول الله تعالى: من علم أنّي ذو قدرة على المغفرة غفرت له ولا أبالي] (٣). قوله : ﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ (١٣٦)؛أي أهل هذه الصّفة ثوابهم ستر من ربهم لذنوبهم؛ وحطّ العقاب عنهم، وبساتين تجري من تحت شجرها وغرفها الأنهار مقيمين دائمين فيها، ونعم أجر التّائبين في التوبة، فوضع عنهم ما كان مكتوبا على بني إسرائيل؛ فإنّه كان إذا أذنب أحدهم يرى توبته مكتوبة على بابه: اجدع أنفك؛ اجدع أذنك، فوضع ذلك عن هذه الأمّة واكتفى منهم بالنّدم والاستغفار. قوله تعالى: ﴿(وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ)﴾ أي ثواب المطيعين. قيل: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: (يا موسى؛ ما أقلّ حياء من يطمع في جنّتي بغير عمل، يا موسى؛ كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي).وقال شهر بن حوشب: (طلب الجنّة بلا عمل ذنب من الذّنوب).

стр. 629

قوله : ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (١٣٧)؛معناه: ﴿(قَدْ خَلَتْ)﴾ مضت ﴿(مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ)﴾ وهي الطرائق في الخير والشرّ. وقيل: معناه: ﴿(قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ)﴾ بإهلاك المكذّبين لرسلنا، فسافروا في الأرض، فانظروا كيف صار آخر المكذّبين بالرّسل والكتب؛ أي اتّعظوا بالآثار التي بقيت منهم في الأرض مثل ديار قوم لوط وعاد وغيرهم. قوله : ﴿هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١٣٨)؛ أي هذا القرآن بيان للناس من الضّلالة وهدى من العمى ونهي للمتقين من الفواحش. والبيان: كلّ ما يظهر به المعنى، والهدى: بيان طريق الرّشد دون طريق الغيّ، والموعظة: ما يدعو إلى فعل الحسنة من ترغيب أو ترهيب. قوله : ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ؛﴾ هذا عائد إلى ما تقدّم ذكره من حديث حرب أحد، معناه: لا تضعفوا ولا تجبنوا يا أصحاب محمّد عن قتال عدوّكم لما نالكم يوم أحد من القتل والجرح والهزيمة، وكان قتل يومئذ خمسة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطّلب؛ ومصعب بن عمير؛ وعبد الله بن جحش ابن عمّة النبيّ ﷺ ؛ وعثمان بن شمّاس؛ وسعد مولى عتبة، والأنصار سبعون رجلا. وقوله تعالى: ﴿(وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ)﴾ أي في الحجّة، وقيل: وأنتم الغالبون في العاقبة؛ أي تكون لكم العاقبة بالنّصر. قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٣٩)؛أي مصدّقين بوعد الله بالنّصر. قوله : ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ؛﴾ أي إن يمسسكم قرح يوم أحد فقد مسّ القوم قرح مثله يوم بدر، وذلك أنّ رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا قتلوا من المشركين يوم بدر سبعون رجلا وأسروا سبعين، وقتل يوم أحد من أصحاب النبيّ ﷺ سبعون وجرح سبعون. وقرأ محمّد بن السّميقع «(قرح)» بفتح القاف والراء على المصدر. وقرأ الأعمش وعاصم وحمزة والكسائيّ وخلف: بضمّ القاف فيهما؛ وهي قراءة ابن مسعود. وقرأ

стр. 630

الباقون بفتح القاف وهي قراءة عائشة ﵂، وهما لغتان مثل الجهد والجهد، وقال بعضهم: (القرح) بفتح القاف: الجراحات واحدتها قرحة، و (القرح) بالضمّ وجع، يقال: قرح الرجل إذا وجع. قوله : ﴿وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ؛﴾ أي تارة لهم وتارة عليهم، وأدال (١) المسلمون على المشركين يوم بدر، حتى قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، وأدال المشركون يوم أحد، حتى جرحوا سبعين وقتلوا خمسة وسبعين (٢).قال أنس بن مالك ﵁: (أتي رسول الله ﷺ بعليّ ﵁ يومئذ، وعليه نيّف وستّون جراحة من طعنة وضربة ورمية، فجعل رسول الله ﷺ يمسحها بيده وهي تلتئم بإذن الله فكأنّها لم تكن) (٣). قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ بيّن الله المعنى الذي لأجله يداول الأيّام بين المؤمنين والكفّار، فقال ﴿(وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا)﴾ معناه: ليرى من يقيم على الإيمان ممّن لا يقيم؛ فيظهر المؤمن المخلص؛ والذي في قلبه مرض. وقال الزجّاج: (معناه: ليعلم الله علم مشاهدة بعد ما كان علمه علم الغيب؛ لأنّ العلم الّذي علمه الله قبل وقوع الشّيء لا يجب به المجازاة ما لم يقع).وأما الواو في قوله: ﴿(وَلِيَعْلَمَ):﴾ واو العطف على خبر محذوف؛ تقديره: ﴿(وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ)﴾ بضروب من التّدبير، ﴿(وَلِيَعْلَمَ اللهُ)﴾ المؤمنين متميّزين من المنافقين. وقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ؛﴾ أي يكرمهم بالشّهادة، وقال بعضهم: معناه: ويجعلكم شهداء على الناس على معاصيهم لإجلالكم وتعظيمكم، ثم قال تعالى: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ (١٤٠)؛أي لا يفعل الله ذلك لحب الظالمين، فإنه لا يحبّ الظالمين، وفي هذا بيان أنّ الله لا ينصر الكافرين على المسلمين، إذ النّصرة تدلّ على المحبّة، والله لا يحبّ الكفّار، ولكن قد ينصر المسلمين في بعض الأوقات على الكفّار، وفي بعض الأوقات يكل المسلمين إلى حولهم وقوّتهم لذنب

стр. 631

كان حصل منهم، وإنّما جعل الله الدّنيا متقلبة لئلاّ يطمئنّ المسلمون إليها لتقلّبها، ولكنهم يسعون للآخرة الّتي يكون نعيمها إلى الأبد. قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ معطوف على قوله ﴿(وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ)؛﴾ ومعناه: ويطهّر الذين آمنوا من ذنوبهم، يقال: محّصت الشّيء أمحّصه محصا؛ إذا أخلصته من العيب، ومحص الجمل (١) يمحص محصا إذا ذهب عنه الوبر لكدّ العمل فصار أملس. قوله تعالى: ﴿وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ﴾ (١٤١)؛أي يعنّيهم ويهلكهم وينقصهم؛ لأنّهم يحتربون فيخرجوا للحرب مرّة أخرى فيستأصلهم، وهذا تأويل مداولة الأيّام. قوله : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ (١٤٢)؛معناه: أظننتم يا معشر المؤمنين ﴿(أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ)﴾ جهاد المجاهدين ولا صبر الصابرين واقعا فيهم مشاهدة، وهذا استفهام بمعنى الإنكار لظنّهم وحسبانهم. قوله تعالى: ﴿(وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ)﴾ أي ولم يعلم الله، يقول الرجل لما يفعل معناه: لم يفعل؛ انضمّ إليه حرف (ما)، وقرأ الحسن «(ويعلم الصّابرين)» بالكسر عطفا على قوله ﴿(وَلَمّا يَعْلَمِ)﴾ وأما قراءة النّصب فهو نصب على الظرف؛ يعني على صرف آخر الكلام عن أوّله على تقدير: وأن يعلم الصابرين، وهو قول الكوفيّين. وأمّا البصريّون فيسمّونه نصبا على الجمع. قال الشاعر (٢): لا تنه عن خلق وتأتى مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم أي لا يكن منك النّهي عن خلق مع إتيان مثله، ويقال: لا تأكل السّمك وتشرب اللّبن؛ أي لا يكون منك الجمع بينهما.

стр. 632

قوله : ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (١٤٣)؛قال ابن عبّاس: (ذلك لمّا أخبرهم الله على لسان نبيّه ﷺ ما فعل شهداؤهم يوم بدر من الكرامة والثّواب في الجنّة رغبوا في ذلك وقالوا: اللهمّ أرنا قتالا لعلّنا نستشهد به فنلحق بإخواننا في الجنّة، فأراهم الله تعالى يوم أحد فلم يثبتوا مع النّبيّ ﷺ وانهزموا إلاّ من شاء الله منهم ممّن ثبت مع رسول الله ﷺ ؛ فقتل بعضهم وجرح بعضهم؛ فأنزل الله هذه الآية). ومعناها: ولقد كنتم تمنّون الموت بعد وقعة بدر من قبل أن تنظروا إليه يوم أحد؛ ﴿(فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)﴾ إلى السّيوف فيها الموت، وهذا تعيير لهم لفشلهم عند الحرب مع صدق رغبتهم في الشّهادة. ومعنى ﴿(فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ)﴾ رأيتم أسبابه. قوله : ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ؛﴾ الآية، قال المفسّرون: خرج رسول الله ﷺ إلى أحد حتى نزل بالشّعب من أحد في سبعمائة رجل، وأمّر عبد الله بن جبير من بني عمرو بن عوف على الرّماة وهم خمسون رجلا، وقال: [أقيموا بأصل الجبل وأنضحوا عنّا بالنّبل لا يأتون من خلفنا، وإن كانت لنا أو علينا فلا تبرحوا من مكانكم، فإنّا لا نزال غالبين ما ثبتّم مكانكم] فجاءت قريش وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل ومعهم النساء يضربن بالدّفوف ويقلن الأشعار، وكانت هند تقول: نحن بنات طارق ... نمشي على النّمارق إن تغلبوا نعانق ... أو تدبروا نفارق فراق غير وامق فحمل رسول الله ﷺ وأصحابه على المشركين فهزموهم، وقتل عليّ بن أبي طالب طلحة بن أبي طلحة وهو يحمل لواء المشركين، وأنزل الله نصره على المؤمنين. قال الزّبير: فرأيت هندا وصواحباتها هاربات مصعدات في الجبل، فلما نظرت الرّماة إلى القوم قد انكشفوا ورأوا أصحاب النبيّ ﷺ ينتهبون الغنيمة؛ أقبلوا يريدون النّهب واختلفوا فيما بينهم، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم:

стр. 633

ما بقي في الأمر شيء. ثم انطلق عامّتهم ولحقوا بالعسكر، فلما رأى خالد بن الوليد قلّة الرّماة واشتغال المسلمين بالغنيمة؛ صاح في المشركين ثم حمل على أصحاب النبيّ ﷺ من خلفهم فهزموهم وقتلوهم، ورمى عبد الله بن قميئة الحارثيّ (١) رسول الله ﷺ بحجر فكسر أنفه ورباعيّته فشجّه في وجهه وأنفه، وتفرّق عنه أصحابه ﷺ . وكان مصعب بن عمير يذبّ عن رسول الله ﷺ فقتل، فظنّ قاتله أنه قتل النبيّ ﷺ ؛ فنادى: قتلت محمّدا، وأقبل عبد الله بن قميئة يريد قتل رسول الله ﷺ ؛ وقال: إنّي قتلت محمّدا؛ وصرخ إبليس لعنه الله: ألا إنّ محمّدا قد قتل. وانكفأ الناس عنه، وجعل رسول الله ﷺ يدعو الناس: [إليّ عباد الله؛ إليّ عباد الله] فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه وكشفوا المشركين عنه، وأصيبت يد طلحة بن عبد الله فيبست وبها كان يقي رسول الله ﷺ ، وأصيبت عينيّ قتادة بن النّعمان حتى وقعت على وجنته؛ فردّها رسول الله ﷺ مكانها فعادت أحسن ما كانت. فلما انصرف رسول الله ﷺ أدركه أبيّ بن خلف الجمحيّ وهو يقول: لا نجوت إن نجا، فقال القوم: ألا يعطف عليه رجل منّا يا رسول الله؟! فقال: [دعوه]. حتى إذا دنا منه تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصّمّة؛ ثم استقبله فطعنه في عنقه وخدشه خدشة فتدهده (٢) عن نفسه وهو يخور كما يخور الثّور، وهو يقول: قتلني محمّد، وحمله أصحابه وقالوا له: ليس عليك بأس، قال: لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلتهم، أليس قال: [أقتلك] فلو بزق عليّ بعد تلك المقالة قتلني، فلم يلبث إلاّ يوما حتّى مات. وكان أبيّ قد قال للنبيّ ﷺ قبل هذا: عندي فرس أعلفها كلّ يوم فرقا من ذرّة أقتلك عليها، فقال ﷺ : [بل أنا أقتلك إن شاء الله] فأصدق الله قول نبيّه ﷺ (٣).

стр. 634

وفشا في الناس أنّ رسول الله ﷺ قتل، قال بعض المسلمين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبيّ فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان؟! وبعض الصحابة جلسوا وألقوا بأيديهم. وقال أناس من أهل النّفاق: إن كان قد قتل محمّد فالحقوا بدينكم الأوّل، فقال أنس بن النّضر عمّ أنس بن مالك: يا قوم؛ إن كان محمّد قد قتل؛ فإنّ ربّ محمّد حيّ لم يقتل وهو الله ، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ﷺ ؛ فقاتلوا على ما قاتل عليه؛ وموتوا على ما مات عليه. ثم قال: اللهمّ إنّي أعتذر إليك ممّا يقول هؤلاء القوم-يعني المسلمين-وأبرأ ممّا جاء به هؤلاء المنافقون. ثم حمل سيفه فقاتل حتّى قتل (١). ثم إنّ رسول الله ﷺ انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس، وأول من عرف رسول الله ﷺ كعب بن مالك، قال: عرفت عينه تحت المغفر تزهران، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين؛ أبشروا هذا رسول الله ﷺ . فأشار إليّ: أن اسكت، فانحازت الطائفة إليه من أصحابه فلامهم على الفرار، فقالوا: يا رسول الله؛ أتانا الخبر بأنّك قتلت؛ فرغبت قلوبنا فولّينا مدبرين. فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿(وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)﴾ (٢). أكرم الله محمّدا ﷺ بهذا الاسم اشتقّ من اسمه المحمود، فسمّاه محمّدا وأحمد، وفيه يقول حسّان: ألم تر أنّ الله أرسل عبده ... ببرهانه والله أعلى وأمجد شقّ له من اسمه ليجلّه ... فذو العرش محمود وهذا محمّد نبيّ أتانا بعد يأس وفترة ... من الدّين والأوثان في الأرض تعبد فأرسله نورا منيرا وهاديا ... يلوح كما لاح الصّقيل المهنّد

стр. 635

روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [إذا سمّيتم محمّدا فأكرموه ووسّعوا له في المجلس ولا تقبحوا له وجها، وما من قوم كانت لهم مشورة؛ فحضر معهم من اسمه محمّد وأحمد فأدخلوه في مشورتهم إلاّ خار الله لهم، وما من يد وضعت مخصرها من كان اسمه محمّدا وأحمدا إلاّ قرّس (١) في كلّ يوم ذلك المنزل مرّتين] (٢).قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ معناه: أفإن مات على فراشه، أو قتل في طاعة الله رجعتم إلى دينكم الأوّل وقلتم: إن كان نبيّا لما قتل. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً؛﴾ أي من يرجع إلى دينه الشّرك فلن ينقص من ملك الله شيئا ومن سلطانه، وإنّما يضرّ نفسه، ﴿وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٤)؛أي المؤمنين المجاهدين، وإنّما سمي الارتداد انقلابا على العقب؛ لأن الردّة رجوع إلى أقبح الأديان، كما أنّ الانقلاب على القهقرى أقبح ما يكون من المشي. ويسمّى المطيع شاكرا؛ لأن الطّاعات كلّها شكر لله . قال أبو هريرة ﵁: (لمّا توفّي رسول الله ﷺ قام عمر ﵁ وقال: إنّ رجالا من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله ﷺ مات، وإنّ رسول الله لم يمت، والله ليرجعنّ رسول الله ﷺ فليقطّعنّ أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنّه مات، فأقبل أبو بكر ﵁ حين بلغه الخبر؛ فدخل على رسول الله ﷺ في بيت عائشة ﵂؛ ورسول الله ﷺ مسجّى بردة؛ فكشف عن وجهه ثمّ انكبّ عليه فقبّله؛ وقال: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله ﷺ ؛ أمّا الموتة الّتي كتبها الله عليك فقد دقتها، ثم ردّ
следующие страницы →