← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

كان حصل منهم، وإنّما جعل الله الدّنيا متقلبة لئلاّ يطمئنّ المسلمون إليها لتقلّبها، ولكنهم يسعون للآخرة الّتي يكون نعيمها إلى الأبد. قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ معطوف على قوله ﴿(وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ)؛﴾ ومعناه: ويطهّر الذين آمنوا من ذنوبهم، يقال: محّصت الشّيء أمحّصه محصا؛ إذا أخلصته من العيب، ومحص الجمل (١) يمحص محصا إذا ذهب عنه الوبر لكدّ العمل فصار أملس. قوله تعالى: ﴿وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ﴾ (١٤١)؛أي يعنّيهم ويهلكهم وينقصهم؛ لأنّهم يحتربون فيخرجوا للحرب مرّة أخرى فيستأصلهم، وهذا تأويل مداولة الأيّام. قوله : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ (١٤٢)؛معناه: أظننتم يا معشر المؤمنين ﴿(أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ)﴾ جهاد المجاهدين ولا صبر الصابرين واقعا فيهم مشاهدة، وهذا استفهام بمعنى الإنكار لظنّهم وحسبانهم. قوله تعالى: ﴿(وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ)﴾ أي ولم يعلم الله، يقول الرجل لما يفعل معناه: لم يفعل؛ انضمّ إليه حرف (ما)، وقرأ الحسن «(ويعلم الصّابرين)» بالكسر عطفا على قوله ﴿(وَلَمّا يَعْلَمِ)﴾ وأما قراءة النّصب فهو نصب على الظرف؛ يعني على صرف آخر الكلام عن أوّله على تقدير: وأن يعلم الصابرين، وهو قول الكوفيّين. وأمّا البصريّون فيسمّونه نصبا على الجمع. قال الشاعر (٢): لا تنه عن خلق وتأتى مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم أي لا يكن منك النّهي عن خلق مع إتيان مثله، ويقال: لا تأكل السّمك وتشرب اللّبن؛ أي لا يكون منك الجمع بينهما.

стр. 632

قوله : ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (١٤٣)؛قال ابن عبّاس: (ذلك لمّا أخبرهم الله على لسان نبيّه ﷺ ما فعل شهداؤهم يوم بدر من الكرامة والثّواب في الجنّة رغبوا في ذلك وقالوا: اللهمّ أرنا قتالا لعلّنا نستشهد به فنلحق بإخواننا في الجنّة، فأراهم الله تعالى يوم أحد فلم يثبتوا مع النّبيّ ﷺ وانهزموا إلاّ من شاء الله منهم ممّن ثبت مع رسول الله ﷺ ؛ فقتل بعضهم وجرح بعضهم؛ فأنزل الله هذه الآية). ومعناها: ولقد كنتم تمنّون الموت بعد وقعة بدر من قبل أن تنظروا إليه يوم أحد؛ ﴿(فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)﴾ إلى السّيوف فيها الموت، وهذا تعيير لهم لفشلهم عند الحرب مع صدق رغبتهم في الشّهادة. ومعنى ﴿(فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ)﴾ رأيتم أسبابه. قوله : ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ؛﴾ الآية، قال المفسّرون: خرج رسول الله ﷺ إلى أحد حتى نزل بالشّعب من أحد في سبعمائة رجل، وأمّر عبد الله بن جبير من بني عمرو بن عوف على الرّماة وهم خمسون رجلا، وقال: [أقيموا بأصل الجبل وأنضحوا عنّا بالنّبل لا يأتون من خلفنا، وإن كانت لنا أو علينا فلا تبرحوا من مكانكم، فإنّا لا نزال غالبين ما ثبتّم مكانكم] فجاءت قريش وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل ومعهم النساء يضربن بالدّفوف ويقلن الأشعار، وكانت هند تقول: نحن بنات طارق ... نمشي على النّمارق إن تغلبوا نعانق ... أو تدبروا نفارق فراق غير وامق فحمل رسول الله ﷺ وأصحابه على المشركين فهزموهم، وقتل عليّ بن أبي طالب طلحة بن أبي طلحة وهو يحمل لواء المشركين، وأنزل الله نصره على المؤمنين. قال الزّبير: فرأيت هندا وصواحباتها هاربات مصعدات في الجبل، فلما نظرت الرّماة إلى القوم قد انكشفوا ورأوا أصحاب النبيّ ﷺ ينتهبون الغنيمة؛ أقبلوا يريدون النّهب واختلفوا فيما بينهم، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم:

стр. 633

ما بقي في الأمر شيء. ثم انطلق عامّتهم ولحقوا بالعسكر، فلما رأى خالد بن الوليد قلّة الرّماة واشتغال المسلمين بالغنيمة؛ صاح في المشركين ثم حمل على أصحاب النبيّ ﷺ من خلفهم فهزموهم وقتلوهم، ورمى عبد الله بن قميئة الحارثيّ (١) رسول الله ﷺ بحجر فكسر أنفه ورباعيّته فشجّه في وجهه وأنفه، وتفرّق عنه أصحابه ﷺ . وكان مصعب بن عمير يذبّ عن رسول الله ﷺ فقتل، فظنّ قاتله أنه قتل النبيّ ﷺ ؛ فنادى: قتلت محمّدا، وأقبل عبد الله بن قميئة يريد قتل رسول الله ﷺ ؛ وقال: إنّي قتلت محمّدا؛ وصرخ إبليس لعنه الله: ألا إنّ محمّدا قد قتل. وانكفأ الناس عنه، وجعل رسول الله ﷺ يدعو الناس: [إليّ عباد الله؛ إليّ عباد الله] فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه وكشفوا المشركين عنه، وأصيبت يد طلحة بن عبد الله فيبست وبها كان يقي رسول الله ﷺ ، وأصيبت عينيّ قتادة بن النّعمان حتى وقعت على وجنته؛ فردّها رسول الله ﷺ مكانها فعادت أحسن ما كانت. فلما انصرف رسول الله ﷺ أدركه أبيّ بن خلف الجمحيّ وهو يقول: لا نجوت إن نجا، فقال القوم: ألا يعطف عليه رجل منّا يا رسول الله؟! فقال: [دعوه]. حتى إذا دنا منه تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصّمّة؛ ثم استقبله فطعنه في عنقه وخدشه خدشة فتدهده (٢) عن نفسه وهو يخور كما يخور الثّور، وهو يقول: قتلني محمّد، وحمله أصحابه وقالوا له: ليس عليك بأس، قال: لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلتهم، أليس قال: [أقتلك] فلو بزق عليّ بعد تلك المقالة قتلني، فلم يلبث إلاّ يوما حتّى مات. وكان أبيّ قد قال للنبيّ ﷺ قبل هذا: عندي فرس أعلفها كلّ يوم فرقا من ذرّة أقتلك عليها، فقال ﷺ : [بل أنا أقتلك إن شاء الله] فأصدق الله قول نبيّه ﷺ (٣).

стр. 634

وفشا في الناس أنّ رسول الله ﷺ قتل، قال بعض المسلمين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبيّ فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان؟! وبعض الصحابة جلسوا وألقوا بأيديهم. وقال أناس من أهل النّفاق: إن كان قد قتل محمّد فالحقوا بدينكم الأوّل، فقال أنس بن النّضر عمّ أنس بن مالك: يا قوم؛ إن كان محمّد قد قتل؛ فإنّ ربّ محمّد حيّ لم يقتل وهو الله ، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ﷺ ؛ فقاتلوا على ما قاتل عليه؛ وموتوا على ما مات عليه. ثم قال: اللهمّ إنّي أعتذر إليك ممّا يقول هؤلاء القوم-يعني المسلمين-وأبرأ ممّا جاء به هؤلاء المنافقون. ثم حمل سيفه فقاتل حتّى قتل (١). ثم إنّ رسول الله ﷺ انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس، وأول من عرف رسول الله ﷺ كعب بن مالك، قال: عرفت عينه تحت المغفر تزهران، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين؛ أبشروا هذا رسول الله ﷺ . فأشار إليّ: أن اسكت، فانحازت الطائفة إليه من أصحابه فلامهم على الفرار، فقالوا: يا رسول الله؛ أتانا الخبر بأنّك قتلت؛ فرغبت قلوبنا فولّينا مدبرين. فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿(وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)﴾ (٢). أكرم الله محمّدا ﷺ بهذا الاسم اشتقّ من اسمه المحمود، فسمّاه محمّدا وأحمد، وفيه يقول حسّان: ألم تر أنّ الله أرسل عبده ... ببرهانه والله أعلى وأمجد شقّ له من اسمه ليجلّه ... فذو العرش محمود وهذا محمّد نبيّ أتانا بعد يأس وفترة ... من الدّين والأوثان في الأرض تعبد فأرسله نورا منيرا وهاديا ... يلوح كما لاح الصّقيل المهنّد

стр. 635

روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [إذا سمّيتم محمّدا فأكرموه ووسّعوا له في المجلس ولا تقبحوا له وجها، وما من قوم كانت لهم مشورة؛ فحضر معهم من اسمه محمّد وأحمد فأدخلوه في مشورتهم إلاّ خار الله لهم، وما من يد وضعت مخصرها من كان اسمه محمّدا وأحمدا إلاّ قرّس (١) في كلّ يوم ذلك المنزل مرّتين] (٢).قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ معناه: أفإن مات على فراشه، أو قتل في طاعة الله رجعتم إلى دينكم الأوّل وقلتم: إن كان نبيّا لما قتل. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً؛﴾ أي من يرجع إلى دينه الشّرك فلن ينقص من ملك الله شيئا ومن سلطانه، وإنّما يضرّ نفسه، ﴿وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٤)؛أي المؤمنين المجاهدين، وإنّما سمي الارتداد انقلابا على العقب؛ لأن الردّة رجوع إلى أقبح الأديان، كما أنّ الانقلاب على القهقرى أقبح ما يكون من المشي. ويسمّى المطيع شاكرا؛ لأن الطّاعات كلّها شكر لله . قال أبو هريرة ﵁: (لمّا توفّي رسول الله ﷺ قام عمر ﵁ وقال: إنّ رجالا من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله ﷺ مات، وإنّ رسول الله لم يمت، والله ليرجعنّ رسول الله ﷺ فليقطّعنّ أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنّه مات، فأقبل أبو بكر ﵁ حين بلغه الخبر؛ فدخل على رسول الله ﷺ في بيت عائشة ﵂؛ ورسول الله ﷺ مسجّى بردة؛ فكشف عن وجهه ثمّ انكبّ عليه فقبّله؛ وقال: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله ﷺ ؛ أمّا الموتة الّتي كتبها الله عليك فقد دقتها، ثم ردّ

стр. 636

الثّوب على وجهه وخرج، فإذا هو بعمر يكلّم النّاس، فقال له: على رسلك يا عمر؛ أنصت، فأبى إلاّ أن يتكلّم، فلمّا رآه أبو بكر لا ينصت؛ أقبل على النّاس؛ فحمد الله وأثنى عليه؛ وقال: أيّها النّاس؛ من كان يعبد محمّدا فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لا يموت، ثمّ تلا هذه الآية ﴿(وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)﴾ قال عمر: ما هو إلاّ أن سمعت أبا بكر يتلوها إلاّ عقرت حتّى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي؛ وعرفت أنّ رسول الله ﷺ قد مات) (١). قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً؛﴾ قال الأخفش: (اللاّم في النّفس منقولة)،تقديره: وما كانت نفس لتموت إلاّ بإذن الله، كتب الله ﴿(كِتاباً مُؤَجَّلاً)﴾ أي إلى أجل لرزقه وعمره، فكلّ نفس لها أجلّ تبلغه ورزق تستوفيه؛ لا يقدر أحد على تقديمه وتأخيره. في هذه تحريض للمؤمنين على القتال؛ أي لا تتركوا الجهاد خشية الموت والقتل؛ فإنّهم لم يملكوا قتلكم. وانتصب قوله ﴿(كِتاباً مُؤَجَّلاً)﴾ على المصدر كقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ (٢) و ﴿رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٣) و ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ (٤) و ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ (٥). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها؛﴾ يعني من يرد بعمله وطاعته المدحة والرّياء لا يحرم حظّه المقسوم له في الدّنيا من غير أن يكون له حظّ في الآخرة، يعني نؤته من الدّنيا ما شاء ممّا قدّرنا له، نزل ذلك في الذين تركوا المركز يوم أحد طلبا للغنيمة. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها؛﴾ أي من يرد بعمله الآخرة نعطه منها ما نقسم له في الدّنيا من الرّزق، نزل في الذين

стр. 637

ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى قتلوا (١).قوله تعالى: ﴿وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٥)؛أي المطيعين، يجزيهم الجنّة في الآخرة. وقرأ الأعمش: «(وسيجزي الشّاكرين)» بالياء، يعني الله . قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ؛﴾ قرأ الحسن وأبو جعفر: «(وكاين)» مقصورا من غير همز ولا تشديد حيث وقع. وقرأ مجاهد وابن كثير ممدودا مهموزا خفيفا على وزن فاعل. وقرأ الباقون مشدّدا مهموزا على وزن كعيّن، وكلّها لغات صحيحة بمعنى واحد. ومعناه: وكم من نبيّ قاتل معه جماعات كثيرة، ﴿فَما وَهَنُوا؛﴾ أي فما فرّوا فيما بينهم ﴿لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ؛﴾ في طاعة الله، ﴿وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا؛﴾ أي ما جبنوا عن قتال عدوّهم وما خضعوا لعدوّهم؛ ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ (١٤٦)؛على قتال عدوّهم لدين الإسلام. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: «(قتل معه)».وقرأ الباقون: ﴿(قاتَلَ مَعَهُ)﴾،لقوله ﴿(فَما وَهَنُوا)﴾ ويستحيل وصفهم بقلّة الوهن بعد ما قتلوا. وأمّا تأويل قتله فله ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن يكون القتل واقعا على النبيّ ﷺ وحده؛ وحينئذ يكون تمام الكلام عند قوله (قتل)،ويكون هناك إضمار، وتقديره: و (معه ربيّون كثير).والثّاني: أن يكون القتل بالنبيّ ومن معه من الرّبيّين، ويكون معناه: قتل بعض من كان معه. يقول العرب: قتلنا بني تميم؛ وإنّما قتل بعضهم. وقوله ﴿(فَما وَهَنُوا)﴾ راجع إلى الباقين. والثالث: أن يكون القتل للرّبيّين لا غير.

стр. 638

وقوله تعالى ﴿(رِبِّيُّونَ):﴾ قرأ ابن مسعود والحسن وعكرمة: «(ربيّون)» بضمّ الراء، وقرأ الباقون بالكسر وهي لغة فاشية، وهي جمع الرّبّة (١) وهي الفرقة. قال ابن عبّاس ومجاهد وقتادة والسّدي: (جموع كثيرة).وقال ابن مسعود: (الرّبيّون: الألوف).وقال الضحّاك: (الرّبيّة الواحدة ألف).وقال الكلبيّ: (الرّبيّة الواحدة عشرة آلاف).وقال الحسن: (الرّبيّون هم العلماء الفقهاء الصّبراء).وقال ابن زيد: (الرّبّانيّون الولاة، والرّبيّون الرّعيّة).وقال بعضهم: الرّبيّون الذين يعبدون الرّبّ، كما ينسب البصريّون إلى البصرة. وقيل: الرّبيّون المنيبون إلى الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا؛﴾ حكاية قول الرّبيّين؛ أي ما كان قولهم عند قتالهم (إلاّ أن قالوا: ربّنا اغفر لنا ذنوبنا) الصغائر والكبائر. والإسراف في اللغة: مجاوزة الحدّ بارتكاب الذّنوب العظام (٢).قوله تعالى: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدامَنا؛﴾ أي ثبتها للقتال بتقوية قلوبنا. ﴿وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ (١٤٧)؛أي أعنّا عليهم بإلقاء الرّعب في قلوبهم أي هلاّ قلتم أيّها المؤمنون كما قال الرّبيّون؛ وهلاّ قاتلتم كما قاتلوا. قرأ الأعمش: «(وما كان قولهم)» بالرفع على أنه اسم (كان) والخبر ما بعد (إلاّ).وقرأ الباقون بالنصب على خبر (كان)،والاسم ما بعد (إلاّ) كما في قوله: ﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ (٣) و ﴿ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ (٤) ونحوهما. قوله تعالى: ﴿فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ؛﴾ أي أعطاهم الله النصر والغنيمة والفتح والثناء الحسن في الدنيا؛ والجنّة في الآخرة.

стр. 639

﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٤٨)؛أي المجاهدين. وفي الآية دلالة: أنه قد يجوز اجتماع الدّنيا والآخرة لواحد، وعن عليّ ﵁ أنه قال: (من عمل لدنياه أضرّ بآخرته، ومن عمل لآخرته أضرّ بدنياه، وقد يجمعهما الله تعالى لأقوام) (١). قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ يعني اليهود والنصارى فيما يقولون لكم أنّ محمّدا ﷺ لو كان حقّا لما ظهر عليه المشركون، ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ؛﴾ أي دين الشّرك، ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ (١٤٩)؛أي فترجعوا مغبونين إلى دينكم الأوّل؛ ﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ؛﴾ أي وليّكم وناصركم، ﴿وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ (١٥٠)؛ المانعين من الكفّار، لأنّ أحدا لا يقدر أن ينصر كنصره، ولا أن يدفع كدفاعه. وقرئ في الشواذّ: «(بل الله)» بالنصب على معنى: بل أطيعوا الله. قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً؛﴾ قال السّدّيّ: (ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجّهين نحو مكّة، فلمّا بلغوا بعض الطّريق ندموا؛ وقالوا: بئس ما صنعنا؛ قتلناهم حتّى لم يبق منهم إلاّ اليسير ثمّ تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم. فلمّا عزموا على ذلك؛ ألقى الله الرّعب في قلوبهم حتّى رجعوا عمّا همّوا به-وستأتي هذه القصة بتمامها إن شاء الله تعالى-فأنزل الله هذه الآية) (٢). وقرأ أبو أيّوب: «(سيلقي)» بالياء يعني (الله مولاكم).وقرأ الباقون بالنّون على التّعظيم؛ أي سنقذف في قلوب الذين كفروا الخوف، وثقّل «(الرّعب)» ابن عامر والكسائيّ، وخفّفه الآخرون. قوله تعالى: ﴿(بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ)﴾ بإشراكهم بالله ما لم ينزّل به كتابا فيه عذر وحجّة لهم. وقيل: معنى قوله ﴿(سُلْطاناً)﴾ أي حجّة وبيانا وبرهانا.

стр. 640

قوله تعالى: ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ﴾ (١٥١)؛ أي مصيرهم في الآخرة النار، وبئس مقام الظالمين النار في الآخرة. وروي في الخبر: أنّ أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد؛ فقال ﷺ : [اللهمّ إنّه ليس لهم أن يعلونا] فمكث أبو سفيان ساعة، ثمّ قال: أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطّاب؟ أين محمّد؟ فقال عمر ﵁: هذا رسول الله ﷺ ، وهذا أبو بكر، وها أنا عمر، فقال أبو سفيان: نشدتك الله يا ابن الخطّاب؛ أمحمّد في الأحياء؟ قال: إي والله يسمع كلامك، فقال: أين الموعد؟ يعني أين نحارب بعد هذا؟ فقال ﷺ : [قل: ببدر الصّغرى].وكانت وقعة بدر الصّغرى بعد أحد بسنة، فخرج النّبيّ ﷺ لبدر الصّغرى على الموعد، ورعب المشركون فلم يتجاسروا على الحضور (١). وروي أنّ أبا سفيان ركب الجبل يوم أحد فقال: اعل هبل؛ اعل هبل! فقال عمر ﵁: الله أعلى وأجلّ، فقال أبو سفيان: يوم بيوم؛ وإنّ الأيّام دولة والحرب سجال، فقال عمر: لا سواء (٢) قتلانا في الجنّة وقتلاكم في النّار (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ؛﴾ وذلك: أنّه لمّا رجع رسول الله ﷺ وأصحابه إلى المدينة وقد أصابهم ما أصابهم، قال أناس منهم: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النّصر؟! فأنزل الله هذه الآية ﴿(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ)﴾ الذي وعد بالنصر والظّفر يوم أحد وهو قوله: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ (٤) الآية (٥).

стр. 641

وقول النّبيّ ﷺ للرّماة: [لا تبرحوا من مكانكم] (١)،وكان ﷺ قد جعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة، وأقام الرّماة فيما يلي خيل المشركين، وأمّر عليهم عبد الله بن جبير الأنصاريّ، وقال لهم: [احموا ظهورنا، وإن رأيتمونا قد عشنا فلا تشركونا، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا].وأقبل المشركون وأخذوا في القتال، فجعل الرّماة يترشّقون خيل المشركين بالنّبل، والمسلمون يضربونهم بالسّيف؛ حتّى ولّوا هاربين وانكشفوا مهزومين، فذلك قوله ﴿(إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ)﴾ أي تقتلونهم قتلا ذريعا شديدا في أوّل الحرب بأمره وعلمه ﴿(حَتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ)﴾ أي إلى أن فشلتم جعلوا (حتى) بمعنى (إلى) فحينئذ لا جواب له، وقيل (حتى) بمعنى: فلمّا، وفي الكلام تقديم وتأخير. قالوا: وفي قوله ﴿(وَتَنازَعْتُمْ)﴾ مقحمة تقديره: حتّى اذا تنازعتم في الأمر وعصيتم فشلتم؛ أي جبنتم وضعفتم. وكان ﴿(تَنازَعْتُمْ)﴾ أنّ الرّماة لمّا انهزم المشركون وقع المسلمون في الغنائم؛ قالوا: قد انهزم القوم وأمنّا، وقال بعضهم: لا تجاوزوا أمر رسول الله ﷺ ، فثبت عبد الله بن جبير في نفر يسير من الصّحابة دون العشرة؛ قيل: ثمانية، وانطلق الباقون ينتهبون، فلمّا نظر خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل إلى ذلك؛ حملوا على الرّماة من قبل ذلك الشّعب في مائتين وخمسين فارسا من المشركين، وكان خالد يومئذ مشركا؛ فقتل عبد الله بن جبير ومن بقي معه من الرّماة، وأقبلوا على المسلمين من خلفهم، وتفرّق المسلمون وانتقضت صفوفهم واختلطوا، وحمل عليهم المشركون حملة رجل واحد، وصار المسلمون من بين قتيل وجريح ومنهزم ومدهوش (٢)،ونادى إبليس: ألا إنّ محمّدا قد قتل، فذلك قوله تعالى: ﴿(حَتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ)﴾ أي لمّا اختلفتم في الأمر الذي أمركم رسول الله ﷺ من الثبات على المركز، وعصيتم الرسول من بعد ما أراكم ما تحبّون من النّصر على عدوّكم والظفر والغنيمة. قال بعض المفسّرين: جواب ﴿(إِذا فَشِلْتُمْ)﴾ هاهنا مقدّر، كأنه قال: إذا فشلتم وتنازعتم امتحنتم بما رأيتم من القتل والبلاء.

стр. 642

قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ؛﴾ معنى: من الرّماة من يريد الحياة؟ وهم الذين تركوا المركز ولم يثبتوا فيه ووقعوا في الغنائم، ﴿(وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ)﴾ يعني: الذين ثبتوا في المركز مع عبد الله بن جبير وباقي الرّماة حتّى قتلوا. قال ابن مسعود ﵁: (ما شعرنا أنّ أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدّنيا وعرضها حتّى كان يوم أحد) (١). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ؛﴾ أي صرفكم الله عن المشركين بالهزيمة ليبتليكم، قيل: المراد بالصّرف في هذه المواضع رفع النّصر. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ؛﴾ أي لم يعاقبكم عند ذلك فلم تقتلوا جميعا. وقال الكلبيّ: (تجاوز عنكم فلم يؤاخذكم بذنبكم)، ﴿وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٥٢)؛أي ذو منّ عليهم بالعفو والتّجاوز. قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ؛﴾ راجع إلى قوله ﴿(وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ)﴾ لأنّ عفوه عنهم لا بدّ أن يتعلّق بذنب منهم؛ وذلك الذنب ما بيّنه بقوله ﴿(إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ)﴾ أي ولقد عفا عنكم ﴿(إِذْ تُصْعِدُونَ)﴾ أي إذ تبعدون هربا في الأرض بالهزيمة. والإصعاد: السّير في مستوى الأرض. وقرأ الحسن وقتادة: «(تصعدون)» بفتح التاء والعين (٢).قال أبو حاتم: يقال: أصعدت؛ إذا مضيت حيال وجهك، وصعدت؛ إذا رقيت على جبل أو غيره. والإصعاد: السّير في مستوى الأرض وبطون الأودية والشّعاب. والصّعود: الارتفاع على الجبل والسّطوح والسّلالم والمدرج، وكلا القراءتين صواب. وقد كان يومئذ منهم

стр. 643

صاعد مصعد؛ أي صاعد إلى الجبل، ومصعد هارب على وجهه، والرّسول يدعوهم: [إليّ يا معشر المسلمين؛ ويا أصحاب البقرة وآل عمران أنا رسول الله] (١) فلم يلتفت إليه منهم أحد حتّى أتوا على الجبل. ويحتمل أنّهم ذهبوا في بطن الوادي أوّلا؛ ثمّ صعدوا الجبل، فلا تنافي حينئذ بين القراءتين. قوله تعالى: ﴿(وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ)﴾ أي لا تعرّجون ولا تقيمون على رسول الله ﷺ فلا يقيم بعضكم على بعض ولا يلتفت بعضكم إلى بعض. وقرأ الحسن: «(ولا تلون)» بواو واحدة، كما يقال: استحيت واستحييت. قال الكلبيّ: (يعني بقوله ﴿(عَلى أَحَدٍ)﴾ النّبيّ ﷺ .قوله تعالى: ﴿(وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ)﴾ أي من خلفكم، وذلك أنّه لمّا انهزم المسلمون لم يبق مع رسول الله ﷺ إلاّ ثلاثة عشر رجلا، خمسة من المهاجرين: أبو بكر؛ وعليّ؛ وعبد الرّحمن بن عوف؛ وطلحة بن عبد الله؛ وسعد، وثمانية من الأنصار. قوله تعالى: ﴿(فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ)﴾ أي جزاكم غمّا متّصلا بغمّ؛ فأحد الغمّين الهزيمة وقتل أصحابهم، والثّاني: إشراف خالد في فم الشّعب مع خيل المشركين. وقيل: الغمّ الأوّل: هو القتل والجراح، والثاني: سماعهم بأنّ النبيّ ﷺ قتل؛ فأساءهم الغمّ الأوّل بقوله ﴿(لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ)﴾ أي إذ أنالكم غمّ النبيّ ﷺ نلتم به كل غمّ من فوت الغنيمة والهزيمة. وقيل: معناه: من ترادفت عليه الغموم واعتاد في ذلك يقلّ حزنه وتأسّفه على ما يفوته من الدّنيا. وقال الزجّاج: (معنى قوله ﴿(غَمًّا بِغَمٍّ)﴾ أي جزاكم غمّا بما غممتم النّبيّ ﷺ بمفارقة المكان الذي أمركم بحفظه).وقال الحسن: (معنى هذا الغمّ بغمّ المشركين يوم بدر).ويقال: ﴿(لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ)﴾ متّصل بقوله ﴿(وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ)،﴾ وقيل: معناه: ﴿(لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ)﴾ بمعنى الغنيمة والفتح. ﴿(لا ما أَصابَكُمْ):﴾ (ما) في موضع خفض؛ أي ولا ما أصابكم من القتل والهزيمة. وقال بعضهم: (لا)

стр. 644

زائدة؛ معناه: لكي تحزنوا على ما فاتكم وما أصابكم؛ عقوبة لكم في خلافكم وترككم المركز. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (١٥٣)؛أي عالم بأعمالكم من اغتمام المسلمين وشماتة المنافقين. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً؛﴾ الآية؛ وذلك أنّه لمّا افترق الفريقان؛ بعث رسول الله ﷺ عليّا ﵁ في إثر المشركين وقال له: [انظر؛ فإن هم جنبوا الخيل وركبوا الإبل فهم يريدون مكّة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة] (١).فخرج عليّ في إثرهم فإذا هم ركبوا الإبل وقادوا الخيل، فرجع عليّ ﵁ وأخبر رسول الله ﷺ : سمعتهم يقولون إنّا قد اجتمعنا لنحارب ثانيا، فقال ﷺ : [كذبوا؛ فإنّهم أرادوا الانصراف إلى مكّة] فكان كما قال رسول الله ﷺ وأمن المسلمون، وألقى الله عليهم النّوم؛ فما بقي منهم أحد إلاّ وقد ضرب ذقنه صدره؛ إلاّ معتّب بن قشير وأصحابه الّذين كانوا يشكّون في أمر النّبيّ ﷺ ؛ لمّا علم الله من باطنهم خلاف ما علم من باطن المؤمنين منعهم ما أعطى المؤمنين؛ فتردّدوا في الخوف على أنفسهم وسوء الظّنّ بربهم؛ يئسوا من نصره وشكّوا في صادق وعده وصادق عهده. ومعنى الآية: ﴿(ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ)﴾ الذي كنتم فيه أمنا. قوله: ﴿(نُعاساً)﴾ بدل من ﴿(أَمَنَةً)﴾ أي أمّنكم أمنا تنامون معه؛ لأنّ الخائف لا ينام، ومن هنا قال ابن مسعود ﵁: (النّعاس في الصّلاة من الشّيطان، وفي القتال من الرّحمن) (٢). قوله تعالى: ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ؛﴾ قرأ الأعمش وحمزة والكسائيّ وخلف: (تغشى) بالتاء؛ ردّوه إلى الأمنة، وقرأ الباقون بالياء؛ ردّوه إلى النّعاس؛ لأن النعاس يلي الفعل، فالتذكير أوفى منه ممّا بعد منه، وهذا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى﴾ (٣) بالياء والتّاء، والمراد بالطائفة التي غشيهم النّعاس أهل الصدق

стр. 645

واليقين. قال أبو طلحة رضى الله عنه: (رفعت رأسي يوم أحد؛ فجعلت ما أرى أحدا من النّاس إلاّ وهو يميل تحت حجفته من النّعاس) (١) قال أبو طلحة: (كنت ممّن أنزل الله عليه النّعاس يومئذ؛ وكان السّيف يسقط من يدي ثمّ آخذه؛ ثمّ يسقط من يدي ثمّ آخذه) (٢). والمراد بقوله تعالى: ﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ؛﴾ المنافقون: معتّب ابن قشير وأصحابه أمرتهم أنفسهم وحملتهم على الغمّ (٣)،يقال لكلّ من خاف وحزن في غير موضع الحزن والخوف: أهمّته نفسه. قوله: ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ؛﴾ يعني هذه الطائفة التي قد أهمّتهم أنفسهم؛ يظنّون بالله أن لا ينصر محمّدا وأصحابه، وقيل: ظنّوا أنّ محمّدا ﷺ قد قتل، وقوله تعالى: ﴿(ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ)﴾ أي كظنّ أهل الجاهليّة والشّرك، وقيل: كظنّهم في الجاهليّة، ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ؛﴾ أي ما لنا من الأمر من شيء، لفظة استفهام ومعناها: الجحد؛ يعنون النّصر. وقيل: معناه: هل نطمع أن يكون لنا شيء من الظّفر والدولة. وقيل: معناه: لو كان الأمر إلينا ما خرجنا، ولكن أخرجنا إلى القتال مكرهين. قوله تعالى: ﴿قُلْ،﴾ لهم يا محمّد: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ،﴾ إن النّصر والظّفر والدولة كلّ ذلك لله . من نصب ﴿(كُلَّهُ)﴾ جعله توكيدا للأمر، ومن رفعه جعله خبر ﴿(إِنَّ)﴾. قرأ أبو عمرو ويعقوب «(كلّه)» بالرفع على الإبتداء؛ وخبره ﴿(بِاللهِ)،﴾ وهذا المبتدأ وخبره خبر ل ﴿(إِنَّ)﴾. وقرأ الباقون بالنّصب.

стр. 646

وروى الضحّاك عن ابن عبّاس في قوله ﴿(يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ):﴾ (يعني التّكذيب بالقدر) لأنّهم تكلّموا بالقدر فقال الله تعالى: ﴿(قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ)﴾ يعني القدر خيره وشرّه من الله؛ وهو قولهم: (لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا). وذلك أنّ المنافقين قال بعضهم لبعض: لو كان لنا عقول ما خرجنا مع محمّد لقتال أهل مكّة؛ ولم يقتل رؤساؤنا، فقال الله: ﴿(قُلْ)﴾ لهم: ﴿(لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ)﴾ أي لخرج الذين قضي عليهم القتل (إلى مضاجعهم) إلى مصارعهم. قوله تعالى: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ؛﴾ أي المنافقون يسرّون ويضمرون في قلوبهم ما لا يظهرون لك بألسنتهم؛ ﴿يَقُولُونَ؛﴾ سرّا: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ،﴾ من النّصر والدولة، ﴿شَيْءٍ،﴾ وكان دين محمّد حقّا، ﴿ما قُتِلْنا هاهُنا،﴾ ما قتل أصحابنا هنا في اتّباعه. وقيل: معناه: لو لم يخرجنا رؤساؤنا إلى الحرب ﴿(ما قُتِلْنا)﴾. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ؛﴾ أي قل للمنافقين: لو تخلّفتم أنتم في بيوتكم، ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ؛﴾ لخرج الذين كتب عليهم القتل إلى مصارعهم ومواضع قتلهم لا محالة لنفوذ قضاء الله. ويقال: معناه: لو كنتم في بيوتكم لما أخطأكم ما كتب عليكم. وقيل: معناه: لو كنتم أيّها المنافقين في بيوتكم لبرز الذين فرض عليهم القتال وهم المؤمنون المخلصون إلى مواضع القتال صابرين محتسبين. قرأ أبو عبلة: لبرّز بضمّ الباء وتشديد الراء. قرأ قتادة: «(القتال)». قوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ؛﴾ أي وليختبر الله ويظهر ما في قلوبكم بأعمالكم؛ لأنه علمه غيبا فيعلمه مشاهدة. ومعنى ﴿(وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ)﴾ أي يبيّن ما في قلوبكم، فيذهب نفاق من شاء منكم، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (١٥٤)؛أي بما في القلوب من خير وشرّ.

стр. 647

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا؛﴾ أي إنّ الذين انهزموا منكم يا معشر المؤمنين يوم التقى الجمعان؛ جمع المسلمين وجمع المشركين، إنّما استزلّهم الشيطان عن أماكنهم ببعض ما كسبوا؛ وهو مفارقة المكان الذي أمر رسول الله ﷺ بحفظه. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ؛﴾ حين لم يستأصلهم. ويقال في معنى هذه الآية: إنّهم لم يفرّوا على جهة المعاندة والفرار من الزّحف، ولكن أذكرهم الشيطان خطاياهم التي كانت منهم؛ فكرهوا لقاء الله إلاّ على حالة يرضونها، ولذلك عفا الله عنهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١٥٥)؛أي متجاوز لذنوبهم لم يعجّل بالعقوبة عليهم. روي: «أنّ رجلا من الخوارج أتى عبد الله بن عمر ﵁ فسأله عن عثمان ﵁: أكان شهد بدرا؟ قال: (لا)،قال: شهد بيعة الرّضوان؟،قال: (لا)،قال: فكان من الّذين تولّوا يوم التقى الجمعان؟ قال: (نعم).فولّى الرّجل يهزّ فرحا، فلمّا علم ابن عمر بغضه لعثمان قال له: (ارجع)؛فرجع، فقال له: (أمّا تخلّفه يوم بدر؛ فإنّ النّبيّ ﷺ خلّفه على ابنته رقيّة يقوم عليها، كانت مريضة فتوفّيت يوم بدر، فكان رسول الله ﷺ وأصحابه في الغزو، وعثمان ﵁ في تكفين ابنة رسول الله ودفنها والصّلاة عليها، فلمّا رجع النّبيّ ﷺ جعل أجره كأجرهم وسهمه كسهمهم. وأمّا بيعة الرّضوان؛ فقد بايع له رسول الله ﷺ بيده اليسرى على اليمنى، وقال: [هذه عن عثمان] ويسار رسول الله ﷺ خير من يمين عثمان ﵁» (١).وأمّا الّذين تولّوا يوم التقى الجمعان؛ فقد عفا الله عنهم والله غفور حليم؛ فاجهد على جهدك، فقام الرّجل حزنان ناكسا رأسه. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا؛﴾ معناه:

стр. 648

﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا)﴾ كمنافقي أهل الكتاب عبد الله بن أبيّ وأصحابه؛ قالوا لإخوانهم في النّفاق إذا ساروا في الأرض تجّارا مسافرين فماتوا في سفرهم أو كانوا في الغزو فقتلوا لو كانوا عندنا ما ماتوا في سفرهم، وما قتلوا في الغزو. وغزّى جمع غاز مثل راكع وركّع، وقد يجمع غاز على غزاة، مثل قاض وقضاة. وقوله: ﴿لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ؛﴾ أي ليجعل الله ما ظنّوا حزنا يتردّد في أجوافهم. ثم أخبر الله أنّ الموت والحياة إليه لا يقدّمان لسفر ولا يؤخّران لحضر. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ؛﴾ يحذّرهم عن التّخلّف عن الجهاد وخشية الموت والقتل؛ لأن الإحياء والإماتة إلى الله تعالى في السّفر والحضر؛ وحال القتال وحال غير القتال. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١٥٦)؛ترغيب في الطاعة، وتحذير من المعصية. قرأ ابن كثير والأعمش والحسن وحمزة والكسائي وخلف: بالياء، والباقون بالتاء. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ (١٥٧)؛معناه: لو قتلتم في طاعة الله أو متّم فيها ﴿(لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ)﴾ من الأموال. وإنّما قال هكذا وإن كان هو معلوما؛ لأن من الناس من آثر الدّنيا على الجهاد وخشية القتل. قرأ حفص: «(يجمعون)» بالياء على الخبر؛ خير لكم أيّها المؤمنون ممّا يجمع المنافقون في الدّنيا. وقرأ نافع وأكثر أهل الكوفة: «(متّم)» بكسر الميم من مات يمات. وقرأ الباقون بضمّها من مات يموت. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ﴾ (١٥٨)؛معناه: لئن متّم على فرشكم، أو قتلتم في الغزو فإلى الله ترجعون في الآخرة، كيف ما دارت القصّة فإنّ مصيركم إلى الله، ولئن تصيروا إلى الله بالقتل الذي تستحقّون عليه العوض خير من أن تصيروا إليه بالموت الذي لا يستحقّون عليه العوض. قال عليّ ﵁:

стр. 649

فإن تكن الأبدان للموت أنشئت ... فمقتلها بالسّيف في الله أفضل واللاّم في ﴿(لَئِنْ)﴾ لام القسم، وتصلح أن تكون للابتداء والتأكيد، واللام في ﴿(لَمَغْفِرَةٌ)﴾ جواب القسم، وتصلح أن تكون مؤكّدة جواب الشرط. قوله تعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ؛﴾ أي فبرحمة عظيمة من الله لنت لهم حتى صار لينك لهم سببا لدخولهم في الدّين؛ لأنه ﷺ أتاهم بالحجج والبراهين مع لين وخلق عظيم، ولهذا قال ﷺ : [إنّما أنا لكم مثل الوالد لولده] (١). و (ما) في قوله زائدة لا يمنع الباء من عملها، مثل قولهم ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ (٢) قال بعضهم: يحتمل أن تكون (ما) استفهامية للتعجّب؛ تقديره: فبما رحمة من الله سهلت لهم أخلاقك وكثرة احتمالك؛ فلم تغضب عليهم فيما كان منهم يوم أحد. قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ؛﴾ أي لو كنت يا محمّد خشنا في القول سيّء الخلق قاسي القلب لتفرّقوا من حولك، فلم تر منهم أحدا، ولكنّ الله جعلك سمحا سهلا طلقا لطيفا ليّنا برّا رحيما. قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ؛﴾ أي فاعف عنهم ما أتوه يوم أحد؛ وتجاوز عنهم الجريمة التي تكون بينك وبينهم، وكانوا عصوا النّبيّ ﷺ في ترك المركز، وترك الآية لدعوته: [ارجعوا ارجعوا]،فندب الله النبيّ ﷺ إلى العفو عنهم. قوله تعالى: ﴿(وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ)﴾ أي في الذنب الذي يكون منهم حتى أشفّعك فيهم. قوله تعالى: ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ؛﴾ أي اذا أردت أن تعمل عملا ممّا لم يكن عندك فيه وحي فشاورهم فيه، واعمل أبدا بتدبيرهم ومشورتهم، وكان ﷺ مستغنيا عن مشورتهم، فإنّه كان أرشدهم وأكملهم رأيا، لكنّ الله إنّما أمره بالمشاورة

стр. 650

لتقتدي به الأمّة، وليكون فيه تطييب لنفوس المؤمنين، ورفع لأقدارهم وثناء عليهم (١). قال مقاتل وقتادة: (كانت سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شقّ عليهم، فأمر النّبيّ ﷺ بمشاورتهم في الأمر؛ فإنّه أطيب لأنفسهم، وإذا شاوروا عرفوا إكرامه لهم) (٢). قوله تعالى: ﴿فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ؛﴾ أي أعزمت على شيء فثق بالله، وفوّض إليه ولا تتّكل على مشورتهم، ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١٥٩)؛ على الله. واختلف العلماء في معنى التّوكّل، فقال سهل بن عبد الله: (أوّل مقام التّوكّل: أن يكون العبد بين يدي الله كالميّت بين يدي الغاسل، يقلّبه كيف يشاء، والرّجاء لا يكون له حركة ولا تدبير، والمتوكّل لا يسأل ولا يردّ ولا يحبس).وقال إبراهيم الخوّاص: (التّوكّل إسقاط الخوف والرّجاء ممّا سوى الله). قال بعضهم: المتوكّل الذي إذا أعطي شكر، وإذا منع صبر، وأن يكون العطاء والمنع عنده سواء، والمنع مع الشّكر أحبّ إليه لعلمه باختيار الله ذلك. وقال ذو النّون: (التّوكّل انقطاع المطامع ممّا سوى الله)،وقال: (هو معرفة معطي أرزاق الخلائق، ولا يصحّ لأحد حتّى تكون السّماء عنده كالصّفر؛ والأرض كالحديد؛ لا ينزل من السّماء مطر؛ ولا يخرج من الأرض نبات، ويعلم أنّ الله لا ينسى له ما

стр. 651

ضمن من رزقه بين هذين).قال بعضهم: حسبك من التوكّل أن لا تطلب لنفسك ناصرا غير الله؛ وأن تقبل بالكليّة على ربك، وتعرض عمّن دونه. وقال الثوريّ: (إن تيقّن تدبيرك في تدبيره، وترضى بالله وكيلا ومدبرا).وقال بعضهم: هو السّكون عن الحركات اعتمادا على خالق السّماوات. وقيل لحاتم الأصمّ: على ما بنيت أمرك هذا من التّوكّل؟ قال: (على أربع خصال؛ علمت أنّ رزقي ليس يأكله غيري؛ فلست أشتغل به، وعلمت أنّ عملي ليس يعمله غيري فأنا مشغول به، وعلمت أنّ الموت يأتيني بغتة فأنا أبادره، وعلمت أنّي بعين الله في كلّ حال فأنا أستحي منه). قوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ؛﴾ معناه: إن يمنعكم الله تعالى من عدوّكم فلا غالب لكم من العدوّ، مثل يوم بدر؛ ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ؛﴾ بأن يكلكم إلى أنفسكم ويرفع نصره عنكم كيوم أحد؛ ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ؛﴾ أي من بعد خذلانه إيّاكم، ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١٦٠)؛ في النّصرة. قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ؛﴾ وذلك أنّهم اتّهموا رسول الله ﷺ في الغنائم يوم أحد حين وقعوا في عسكر المشركين يأخذون الغنائم فظنّوا أنّ من أخذ شيئا فهو له، وأنّ النبيّ لا يقسم لهم كما لم يقسم يوم بدر، ولهذا ترك الرّماة المركز فوقعوا في الغنيمة. وعن ابن عبّاس وابن جبير أنّهما قالا: (نزلت هذه الآية في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر؛ فقال بعض النّاس: لعلّ رسول الله ﷺ أخذها. فأنزل الله هذه الآية) (١). ومعناها: ما كان النبيّ أن يخون أصحابه فيستأثر شيئا من الغنيمة، وهذا على قراءة من قرأ بفتح الياء وضمّ الغين، وهي قراءة مجاهد وابن كثير وأبي عمرو وعاصم. وقرأ الباقون بضمّ الياء وفتح الغين؛ ومعناها: ما كان لنبيّ أن ينسب إلى

стр. 652

الغلول ولا يخون أصحابه. وقيل: معناه: ما كان لنبيّ أن يخان، وقيل: معناه: ليس من حقّ النبيّ أن يستر عنه شيء من الغنائم. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ أي من يخن يأت بما خان يوم القيامة. قال الكلبيّ: (يمثّل له ذلك الشّيء في النّار، ثمّ يقال له: انزل فخذه؛ فينزل فيحمله على ظهره، فإذا بلغ موضعه وقع إلى النّار؛ ثمّ (١) يكلّف أن ينزل إليه فيخرجه، فإذا بلغ به موضعه وقع في أسفل جهنّم؛ فيكلّف أن ينزل إليه؛ فلا يزال ذلك دأبه ما شاء الله). والغلول في اللّغة: أخذ الشّيء في الخفية. وعن عبادة بن الصّامت قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ إلى جنب بعير من المغنم؛ ثمّ تناول وبرة من سنام بعير وقال: [يا أيّها النّاس؛ إنّ هذا من غنائمكم؛ فأدّوا الخيط والمخيط وما دون ذلك وما فوق ذلك، فإنّ الغلول عار على أهله ونار وشنار يوم القيامة] (٢). وسئل رسول الله ﷺ هل أحد أحقّ بالغنيمة من أحد؟ فقال: [لا؛ ولا السّهم الّذي تستخرجه من جسدك لست أحقّ به من أخيك المسلم] (٣).وروي أنّ رجلا من الصّحابة توفّي يوم خيبر فقال ﷺ : [صلّوا على صاحبكم] فتغيّرت وجوه النّاس لذلك! فقال: [إنّه غلّ في سبيل الله] ففتّش متاعه، فوجدوا فيه خرزا من خرز اليهود لا يساوي درهمين (٤).

стр. 653

وروي أنّ رسول الله ﷺ أهدي له عبد أسود يقال له مدعم، فبينما هو ذات يوم يحطّ رحل رسول الله ﷺ إذ جاعه سهم فقتله، فقال النّاس: هنيئا له الجنّة، فقال ﷺ : [كلاّ؛ والّذي نفسي بيده إنّ الشّملة الّتي أخذها يوم خيبر لم يضمّها المقاسم لتشعل عليه نارا] (١). وروي عن عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: [إذا وجدتم الرّجل قد غلّ؛ فاحرقوا متاعه واضربوه] (٢).وعن عمرو بن شعيب؛ عن أبيه عن جدّه؛ عن رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر: [أحرقوا متاع الغالّ، واضربوه وامنعوه سهمه]. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ؛﴾ أي جزاء ما عملت من خير أو شرّ، ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١٦١)؛أي لا ينقص من حسناتهم، ولا يزاد من سيئاتهم. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ؛﴾ استفهام بمعنى تقدير حال الفريقين، يقول: ليس من اتّبع رضوان الله؛ أي من ترك الغلول والحرام وأخذ الحلال من الغنيمة كمن استوجب سخط الله بأخذ الغلول والحرام، وقيل: معنى الآية: ﴿(أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ)﴾ بالجهاد في سبيل الله ﴿(كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ)﴾ بالفرار من الجهاد. قوله تعالى: ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ؛﴾ راجع إلى ﴿(كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ)﴾. ﴿وَبِئْسَ؛﴾ النّار؛ ﴿الْمَصِيرُ﴾ (١٦٢).

стр. 654

قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ؛﴾ معناه: إنّ الذين يتّبعون رضوان الله ذوو درجات رفيعة، والآخرون ذوو دركات خسيسة، فإنّ لأحد الفريقين درجات في الجنّة، وللآخر دركات في النّار، والمعنى: أنّ من اتبع رضوان الله، ومن باء بسخط من الله مختلفو المنازل عند الله، فلمن اتبع رضوان الله الكرامة والثواب العظيم، ولمن باء بسخط من الله المهانة والعذاب الأليم. وقال بعضهم: هذه الآية خاصّة في المؤمنين؛ أي هم طبقات بعضهم أرفع من بعض في الجنّة. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ (١٦٣)؛أي عالم بمن غلّ ومن لا يغلّ. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛﴾ أي لقد أنعم على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا منهم، وهو النبيّ ﷺ ؛ بعثه الله من العرب، معروف النّسب، عرفوه بالصّدق والأمانة، وكان يسمّى (الأمين) قبل الوحي، وقيل: بعثه الله من جنس بني آدم، ولم يبعثه من الملائكة؛ لأنه إذا كان من جنسهم كان تعلّمهم منه أسهل عليهم. وقرأ في الشّواذ: «(من أنفسهم)» بنصب الفاء؛ أي أشرفهم؛ لأن العرب أفضل من غيرهم، وقريش أفضل العرب. قوله تعالى: ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ؛﴾ أي يقرأ عليهم القرآن بما فيه من أقاصيص الأمم السّالفة، وهو أمّيّ لم يقرأ الكتب. قوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ؛﴾ أي يطهّرهم من الشّرك والذّنوب، ويأخذ منهم الزّكاة التي يطهّرهم بها. قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ؛﴾ أي القرآن والفقه، ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ؛﴾ أن يأتيهم محمّد ﷺ ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١٦٤)؛من الهدى. والخطاب يبيّن قوله تعالى: ﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها؛﴾ أي لمّا أصابتكم مصيبة يوم أحد قد أصبتم مثليها يوم بدر؛ أي قتلتم يوم بدر سبعين، وأسرتم سبعين، وقتل منكم يوم أحد سبعون، ولم يؤسر منكم أحد. قوله تعالى: ﴿قُلْتُمْ أَنّى هذا؛﴾ القتل والهزيمة ونحن مسلمون ورسول الله ﷺ فينا والوحي ينزل علينا، وهم مشركون، ﴿قُلْ؛﴾ يا محمّد: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ؛﴾ لمخالفتكم أمر رسول الله ﷺ بالخروج عن المدينة، وقد كان أمركم بالمقام فيها ليدخل عليكم الكفّار فتقتلوهم في أزقّتها. وقيل: إنّما أصابكم هذا من

стр. 655

عند قومكم بمعصية الرّماة بتركهم ما أمرهم به النبيّ ﷺ ، ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٦٥)؛أي على كلّ شيء من النّصر وغير ذلك قادر. قوله تعالى: ﴿وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ؛﴾ معناه: ما أصابكم يا معشر المسلمين يوم أحد يوم التقى جيش المسلمين، وجيش المشركين يوم أحد من القتل والجروح والهزيمة فبعلم الله وقضائه وإرادته، ويقال: أراد بالإذن: التّخلية بين المؤمنين والكفّار، وإلاّ فالله لا يؤذن بالمعصية. قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا؛﴾ أي ليري المؤمنين، وقيل: لتعلموا أنتم أنّ الله قد علم نفاقهم، وأنتم لم تكونوا تعلمون ذلك، والمعنى: ليرى الله إيمان المؤمنين بثبوتهم على ما نالهم، ويرى المنافقين بفشلهم، وقلّة صبرهم على ما ينزل به في ذات الله تعالى. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ؛﴾ ذلك أنّ عبد الله بن أبيّ وأصحابه لمّا رجعوا إلى المدينة قال لهم عبد الله بن جبير: (تعالوا إلى أحد وقاتلوا في طاعة الله وادفعوا في أنفسكم وأهلكم وحريمكم)،فقال المنافقون: لا يكون قتال اليوم، ولو نعلم أن يكون قتال لكنّا معكم (١). قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ؛﴾ أي كانوا قبل ذلك القول عند المؤمنين أقرب إلى الإيمان بظاهر حالهم؛ ثم هتكوا سترهم وأظهروا ميلهم إلى الكفر؛ فصاروا في ذلك اليوم أقرب إلى الكفر. قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ؛﴾ كناية عن كذبهم في قولهم ﴿(لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ)﴾. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ (١٦٧)؛أي بما يخفون من الشّرك. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا؛﴾ معناه: الذين قالوا لإخوانهم من المنافقين بالمدينة وقعدوا بأنفسهم عن الجهاد: لو أطاعونا

стр. 656

المسلمون الذين خرجوا إلى القتال ما قتلوا في الغزو، ﴿قُلْ؛﴾ لهم يا محمّد: ﴿فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٦٨)؛في مقالتكم: لو لم يخرجوا إلى القتال ما قتلوا. قال الفقيه أبو اللّيث: (سمعت بعض المفسّرين يقول: لمّا نزلت هذه الآية مات يومئذ سبعون نفسا من المنافقين). قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (١٦٩)؛قال ابن عبّاس وابن مسعود وجابر ﵃: قال رسول الله ﷺ : [لمّا أصيب إخوانكم يوم أحد؛ جعل الله أرواحهم في أجواف طيور خضر ترد أنهار الجنّة؛ وتأكل من ثمارها؛ وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش، فلمّا رأوا طيب منقلهم ومطعمهم ومشربهم، وما أعطى الله من الكرامة؛ قالوا: يا ليت إخواننا علموا ما أعدّ الله لنا من الكرامة، وما نحن فيه من النّعيم، فلم ينكلوا عند اللّقاء ولم يجبنوا في الحرب، قال الله تعالى: أنا أبلّغهم عنكم؛ فأنزل الله هذه الآية] (١). وقال جابر بن عبد الله الأنصاريّ: قتل أبي يوم أحد وترك عليّ ثلاث بنات؛ فقال ﷺ : [ألا أبشّرك يا جابر؟!] قلت: بلى يا رسول الله، قال: [إنّ أباك حين قتل أحياه الله تعالى وكلّمه كفاحا (٢)؛فقال: يا عبد الله؛ سلني ما شئت، قال: أسألك أن تعيدني إلى الدّنيا فأقتل فيها ثانية، فقال: يا عبد الله؛ إنّي قضيت أن لا أعيد إلى الدّنيا خليقة قبضتها، قال: يا رب فمن يبلّغ قومي ما أنا فيه من الكرامة؟ قال الله: أنا، فأنزل الله هذه الآية] (٣).

стр. 657

ومعنى الآية: ولا تظنّنّ يا محمّد الشهداء المقتولين في طاعة الله. ﴿(أَمْواتاً)﴾ نصب على المفعول؛ لأن الحسبان يتعدّى إلى مفعولين، ﴿(بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)﴾ الجنّة، سمّاهم أحياء؛ لأنّهم يأكلون ويتمتّعون ويرزقون كالأحياء. وقيل: سمّاهم أحياء؛ لأنّهم يكتب لهم في كلّ سنة ثواب غزوة، ويشركون في فضل كلّ جهاد إلى يوم القيامة. وقيل: لأنّ أرواحهم تركع وتسجد كلّ ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة كأرواح الأحياء. وقيل: لأنّ الشهيد لا يبلى في الأرض ولا يتغيّر في القبر. ويقال: أربعة لا تبلى أجسادهم: الأنبياء؛ والعلماء؛ والشّهداء؛ وحملة القرآن. وعن عبد الله بن عبد الرّحمن: (أنّه بلغه أنّ عمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو بن الحرام الأنصاريّين كانا قد أخرب السّيل قبريهما وكانا في قبر واحد؛ وهما ممّن استشهد يوم أحد، وكان قبرهما ممّا يلي السّيل، فوجدا في قبرهما لم يتغيّرا كأنّما ماتا بالأمس، وكان بين أحد وبين خراب السّيل ستّ وأربعون سنة). وقيل: سموا أحياء؛ لأنّهم لم يغسّلوا كما تغسّل الأحياء. قال ﷺ : [زمّلوهم بدمائهم وكلومهم؛ فإنّهم يحشرون يوم القيامة بدمائهم؛ اللّون لون الدّم؛ والرّيح ريح المسك] (١).قرأ الحسن وابن عامر «(قتّلوا)» بالتشديد. قوله تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ؛﴾ أي من رزقه وثوابه، وانتصب على الحال. وقرأ ابن السميقع: «(فرحين)» وهما لغتان كالفرة والفارة، والطمع والطّامع، والحذر والحاذر. قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١٧٠)؛أي يطلبون السّرور بقدوم من لم يقدم عليهم من إخوانهم، يقولون: ليت إخواننا قتلوا كما قتلنا؛ فينالوا من الكرامة والثواب ما نلنا. وقال السديّ: (يؤتى الشّهيد بكتاب فيه من يقدم عليه من إخوانه وأهله؛ فيقال: يقدم عليك فلان يوم كذا؛ ويقدم عليك فلان يوم كذا؛ فيستبشر بذلك كما بشّر إنسان بقدوم غائب؛ يتعجّل السّرور به قبل قدومه).

стр. 658

وأصل الاستبشار: من البشرة؛ لأنّ الإنسان إذا فرح ظهر أثر السرور في بشرة وجهه. ومعنى الآية: يستبشرون بأن لا خوف عليهم وعلى إخوانهم الذين يأتونهم من بعدهم؛ وأنّهم لا يحزنون في الآخرة. قوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ؛﴾ أي بجنّة وكرامة، ويستبشرون أنّ الله لا يضيع ثواب الموحّدين. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٧١)؛قرأ الكسائيّ والفرّاء: «(وإنّ الله)» بالكسر على الاستئناف ودليله قراءة ابن مسعود «(والله لا يضيع أجر المؤمنين)». وفي الحديث عن النبيّ ﷺ أنّه قال: [ما يجد الشّهداء من القتل في سبيل الله إلاّ كما يجد أحدكم من القرصة] (١).وفي حديث آخر: [عضّة النّملة أشدّ على الشّهيد من مسّ السّلاح] (٢).وفي حديث آخر: [إنّ الضّربة والطّعنة على الشّهيد مثل شرب الماء البارد] (٣). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ؛﴾ يجوز أن يكون أوّل هذه الآية في موضع الخفض على النّعت للمؤمنين، والأحسن أن يكون في موضع الرّفع على الإبتداء أو خبره للذين أحسنوا. ومعنى الآية: الذين أجابوا الله بالطاعة والرسول بالخروج إلى بدر الصّغرى من بعد ما أصابهم الجراح؛ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ؛﴾ أي وافوا الميعاد، ﴿وَاتَّقَوْا؛﴾ سخط الله ومعصيته، ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١٧٢)،لهم ثواب وافر في الجنّة. قال ابن عباس: (وذلك أنّهم تواعدوا يوم أحد أن يجتمعوا ببدر الصّغرى في العام القابل، فلمّا حضر الأجل ندم المشركون، فلقي أبو سفيان نعيم بن مسعود؛ وكان يخرج إلى المدينة للتّجارة؛ فقال: إذا أتيت المدينة فخوّفهم كيلا يخرجوا ولك

стр. 659

عشر من الإبل إن رددتهم، فلمّا قدم نعيم إلى المدينة؛ وكان أصحاب رسول الله يريدون موافاة أبي سفيان؛ قال: بئس الرّأي رأيتم، أتوكم في دياركم وقراركم، ولم ينفلت منهم إلاّ الشّريد؛ تريدون أن تأتوهم في ديارهم وقد جمعوا لكم، أما إنّ الرّجل الواحد منهم يطيق عشرة منكم، إذا والله ما ينفلت منكم إلاّ الشّريد. فكره أصحاب رسول الله ﷺ الخروج إليهم وتثاقلوا، فلمّا رأى رسول الله ﷺ ذلك منهم قال: [والّذي نفسي بيده لأخرجنّ إليهم، وإن لم يخرج معي منكم أحد] فمضى رسول الله ﷺ للميعاد، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزّبير وسعد وعبد الله بن مسعود وحذيفة وأبو عبيدة في سبعين رجلا حتى انتهوا إلى بدر؛ فلم يخرج أبو سفيان ولم يلقوا بها أحدا من المشركين، فتسوّقوا من السّوق حاجتهم ثمّ انصرفوا، فذلك قوله تعالى: ﴿(الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ)﴾ (١).قالت عائشة ﵂ لعبد الله بن الزّبير: (يا ابن أختي؛ أما والله إنّ أباك وجدّك-تعني أبا بكر-لمن الّذين قال الله فيهم ﴿(الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ)﴾ الآية) (٢). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً؛﴾ معناه: الذين قال لهم نعيم بن مسعود إنّ أبا سفيان وأصحابه قد جمعوا لكم فاخشوهم ولا تخرجوا إليهم؛ فزادهم هذا القول تصديقا ويقينا وجرأة على القتال. ﴿وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ؛﴾ أي يقينا بالله، وكافينا الله أمرهم. ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١٧٣)؛أي النّاصر الحافظ، وموضع ﴿(الَّذِينَ)﴾ خفض مردود على ﴿(الَّذِينَ)﴾ الأوّل. وقد ذكر الله نعيما بلفظ النّاس؛ لأن الواحد قد يذكر بلفظ الجماعة على معنى الحسن، ولهذا قالوا: من حلف وقال: إن كلّمت الناس فعبدي حرّ، فكلّم رجلا واحدا حنث. قوله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ؛﴾ أي فانصرفوا بأجر من الله وفضل؛ وهو ما تسوّقوا به من السّوق. وروي أنّهم اشتروا

стр. 660

أدما وزيتا وأشياء وغير ذلك بسعر رخيص فربحوا على ذلك. ومعنى (لم يمسسهم سوء) لم تصبهم جراحة ولا قتل، ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ؛﴾ في الخروج إلى المشركين؛ ﴿وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (١٧٤)؛بدفع المشركين عن المؤمنين. قوله تعالى: ﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ؛﴾ أراد بالشيطان نعيم بن مسعود؛ وكلّ عات متمرّد فهو شيطان. وقيل: معناه: ذلك التخويف من عمل الشّيطان ووسوسته، وقوله ﴿(يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ)﴾ يعني المنافقين ومن لا حقيقة في إيمانه. ﴿فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٧٥)؛أي خافوني في ترك أمري. وذهب بعض المفسّرين إلى أنّ قوله تعالى: ﴿(الَّذِينَ اسْتَجابُوا)﴾ أنزلت في حرب أحد، وذلك: أنه لمّا رجع المسلمون إلى رسول الله ﷺ بعد الهزيمة؛ قال لهم: [رحم الله قوما انتدبوا لهؤلاء المشركين ليعلموا أنّا لم نستأصل] فانتدب قوم ممّن أصابهم الجراح في ذلك اليوم فشدّوا على المشركين حتّى كشفوهم عن القتلى بعد أن مثّلوا بحمزة، وقد كان همّوا بالمثلة بقتلى المسلمين، فقذف الله في قلوبهم الرّعب؛ فانهزموا. وصلّى رسول الله ﷺ على القتلى ودفنهم، فجاء أناس من العرب وقد مرّوا بأبي سفيان وأصحابه بموضع يسمّى حمراء الأسد، فقالوا للمسلمين: تركناهم متأهّبين للرّجوع إلى المدينة لقتل بقيّتكم، فعند ذلك قال المسلمون: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأمر رسول الله ﷺ أصحابه بالمسير إليهم، فلمّا ساروا إلى حمراء الأسد وهي على رأس ثمانية أميال من المدينة لم يروا المشركين هناك؛ فانصرف المسلمون إلى المدينة بنعمة من الله وفضل؛ وهي كفايته لهم شرّ قريش حتّى لم ينلهم منهم سوء. وفي قوله ﴿(وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ)﴾ بيان أنه تعالى تفضّل عليهم من بعد بنعيم الدنيا والآخرة. قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً؛﴾ قرأ نافع «(يحزنك)» بضمّ الياء وكسر الزّاي في جميع ما كان في هذا الفعل في

стр. 661

جميع القرآن إلاّ آية في الأنبياء ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ﴾ (١).وقرأ الباقون بفتح الياء وضمّ الزّاي وهما لغتان. وقرأ طلحة بن مصرّف: «(يسرعون في الكفر)» والباقون ﴿(يُسارِعُونَ)﴾. ومعنى الآية: لا يحزنك يا محمد الذين يبادرون الجحد والتكذيب؛ وهم اليهود كانوا يكتمون صفة النبيّ ﷺ في التوراة، وكان يشقّ على النبيّ ﷺ . وقيل: يعني كفار قريش كانوا يكذّبونه، وكان الناس يقولون: لو كان حقّا لاتّبعه أقرباؤه، وكان ذلك يشقّ عليه. وقيل: نزلت هذه الآية في قوم ارتدّوا عن الإسلام فاغتمّ النبيّ ﷺ . قوله تعالى: ﴿(إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً)﴾ أي لم ينقصوا شيئا من ملك الله وسلطانه؛ ﴿يُرِيدُ اللهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ؛﴾ نصيبا من الجنّة؛ ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٧٦). قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً؛﴾ أي الذين اختاروا الكفر على الإيمان لا ينقص من ملك الله شيئا، وإنّما أضرّ من أنفسهم حيث استوجبوا العذاب؛ ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٧٧)؛أي وجع في الآخرة. قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ؛﴾ قرأ حمزة بالتّاء على الخطاب للنبيّ ﷺ ؛ أي لا تظنّنّ يا محمّد اليهود والنصارى والمنافقين أنّ إملاءنا لهم خير لهم من أن يموتوا كما مات شهداء أحد. وقيل: معناه: لا تحسبنّ يا محمّد أملى لهم لخير وتوبة تقع منهم، ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً،﴾ إنّما إملاؤنا لهم لتكون عاقبة أمرهم أن يزدادوا بذلك معصية على معصية؛ ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (١٧٨)؛يهانون فيه. وقيل: إنّ المراد بالذين كفروا كفّار مكّة؛ أي لا تظنّنّ ما أصابوه يوم أحد من الظّفر خير لأنفسهم، وإنّما كان ذلك ليزدادوا معصية فيزاد في عقوبتهم. وقرأ الباقون: «(ولا تحسبن)» بالتاء معناه: لا تحسبنّ الكفار إملاءنا إياهم خير لهم، والإملاء

стр. 662

في اللّغة: إطالة المدّة والإمهال والتّأخير، ومنه قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (١) أي دهرا طويلا. قال ابن مسعود: (ما من نفس برّة ولا فاجرة إلاّ والموت خير لها من الحياة، أمّا الفاجرة فقد قال الله: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً؛﴾ وأمّا البرّة فقد قال الله تعالى: ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ؛﴾ اختلفوا في تأويلها؛ قال الكلبيّ: (قالت قريش: يا محمّد؛ تزعم أنّ من خالفك فهو في النّار؛ والله عليه غضبان، ومن اتّبعك على دينك فهو في الجنّة؛ والله عنه راض، فخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن بك، فأنزل الله هذه الآية).ومعناها: لم يكن الله ليترك من كان في علمه السّابق أنه يؤمن، على ما أنتم عليه من الكفر حتى يميّز الكافر والمنافق من المؤمن المخلص ﴿(وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ)﴾ يا أهل مكّة على من يصير منكم مؤمنا قبل أن يؤمن، ولكنّ الله يصطفي بالنبوّة والرسالة من يشاء فيوحي إليه بما يشاء؛ لأنّ الغيب لا يطّلع عليه إلاّ الرّسل بوحي من الله ليقيموا البرهان على أنّ ما أتوا به من عند الله؛ ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ؛﴾ أي صدّقوا، ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا؛﴾ الشّرك والمعصية؛ ﴿فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١٧٩)؛في الجنّة. وقال بعضهم: الخطاب للكافرين والمنافقين، معنى الآية: ﴿(ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ)﴾ يا معشر الكفّار والمنافقين من الكفر والنّفاق ﴿(حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)﴾. وقيل: الخطاب للمؤمنين؛ أي ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق حتّى يميز الخبيث. قرأ الحسن وقتادة والكوفيون إلاّ عاصما: «(يميّز)» بضمّ الياء والتشديد، وكذلك في الأنفال. والباقون بالتخفيف وفتح الياء من الميز وهو الفرق، ويسمّى العاقل مميّزا لأنه يفرّق بين الحقّ والباطل، معناه: حتّى تميّز المنافق من المخلص، فيميّز الله

стр. 663

المؤمنين يوم أحد من المنافقين حين أظهروا النفاق وتخلّفوا عن رسول الله ﷺ . وقال بعضهم: معنى الآية: ﴿(ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ)﴾ من الإقرار حتى يفرض عليهم الجهاد والفرائض ليميز بها من يثبت على إيمانه ممّن ينقلب على عقبيه، وما كان ليطلعكم على الغيب؛ لأنه لا يعلمه إلاّ الله، ولكنّ الله يختار من رسله من يشاء، فيطلعه على بعض علم الغيب. وروي: أنّ الحجّاج بن يوسف كان عنده منجّم، فأخذ الحجاج حصيّات بيده قد عرف عددها، فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب المنجّم فأصاب، ثم اغتفله الحجاج فأخذ حصيّات لم يعدّها، قال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب المنجّم فأخطأ، ثم حسب فأخطأ، فقال: أيّها الأمير: أظنّك لا تعرف عدده، قال: لا، فقال: إنّ ذلك الأوّل أحصيت عدده فخرج عن حدّ الغيب، فأصبت في حسابه، وهذا لم تعرف عدده فصار غيبا، والغيب لا يعلمه إلاّ الله. قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ؛﴾ من قرأ: «(ولا تحسبنّ)» بالتّاء فمعناه: ولا تظنّنّ يا محمّد بخل الذين يبخلون بما أعطاهم الله من المال؛ فيمنعون من ذلك حقّ الله في الزّكاة والجهاد وسائر وجوه البرّ التي وجبت عليهم، لا تظنّنّ ذلك خيرا لهم. وقوله ﴿(هُوَ خَيْراً)﴾ للفصل، ويسمّيه الكوفيّون العماد، ومعنى ﴿(بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ)﴾ أي بخلهم بحقّ الله شرّ لهم. ومن قرأ بالياء والفعل المباخلين؛ كأنّه قال: ولا يحسبنّ الذين يبخلون البخل خيرا لهم. قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ أي سيأتون يوم القيامة بما بخلوا به من الزّكاة ونفقة الجهاد كهيئة الطّوق في أعناقهم، قال ﷺ : [يأتي كنز أحدكم شجاعا أقرع فيتطوّق في عنقه يلدغه؛ حيّة في عنقه يطوّق بها؛ وتقول: أنا الزّكاة الّتي بخلت بي في الدّنيا] (١).وقال بعضهم: يجعل ما بخل به من الزّكاة حيّة في عنقه يطوّق بها-أي يوم القيامة-تنهشه من قرنه إلى قدمه؛ وتنقر رأسه وتقول:

стр. 664

أنا مالك، ولا يزال كذلك حتى يساق إلى النار ويغلّ، وهذا قول ابن مسعود وابن عبّاس والشعبيّ والسّدّيّ. وقال ﷺ : [ما من ذي رحم يأتي إلى ذي رحمه يسأله من فضل ما أعطاه الله فيبخل به عليه؛ إلاّ أخرج الله له من جهنّم شجاعا يتلمّظ حتّى يطوّقه. ثمّ تلا هذه الآية] (١).وقال ﷺ : [مانع الزّكاة في النّار] وذهب بعضهم إلى أنّ المراد بهذه الآية اليهود؛ بخلوا بيان صفة النبيّ ﷺ ، ومعنى ﴿(سَيُطَوَّقُونَ)﴾ على هذا القول: وزره ومأثمه. والأظهر في هذه الآية: أنّه البخل بالمال. قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ تحريض الإنفاق؛ ومعناه: يموت أهل السّماوات وأهل الأرض كلّهم من الملائكة والجنّ والإنس ولا يبقى إلاّ الله، وإذا كانت الأموال لا تبقى للإنسان ولا يحملها مع نفسه إلى قبره؛ فالأولى به أن ينفقها في الوجوه التي أمر الله بها؛ فيستوجب بها الحمد والثواب. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١٨٠)؛أي عالم بمن يؤدّي الزّكاة ومن يمنعها. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ؛﴾ قال مجاهد: (لمّا نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ (٢) قالت اليهود: إنّ الله يستقرض منّا ونحن أغنياء).قال الحسن: (إنّ قائل هذه المقالة حييّ ابن أخطب) (٣).قال عكرمة والسّدّيّ ومقاتل: (كتب النّبيّ ﷺ مع أبي بكر ﵁ إلى اليهود يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة وأن يقرض الله قرضا حسنا، فدخل أبو بكر مدارسهم؛ فوجد ناسا كثيرا منهم قد اجتمعوا على رجل يقال له فنحاص بن عازورا؛ وكان من علمائهم، فقال أبو بكر ﵁ لفنحاص: اتّق الله وأسلم، فو الله إنّك تعلم أنّ محمّدا رسول الله تجدونه مكتوبا عندكم في التّوراة والإنجيل؛ فآمن وصدّق وأقرض الله قرضا حسنا يدخلك الجنّة. فقال فنحاص: يا أبا بكر تزعم أنّ ربّنا يستقرض منّا أموالنا، وما يستقرض إلاّ الفقير من الغنيّ، فإن

стр. 665

كان ما تقول حقّا فإنّ الله فقير ونحن أغنياء. فغضب أبو بكر ﵁ وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، وقال: والّذي نفسي بيده؛ لولا العهد الّذي بيننا وبينكم لضربت عنقك يا عدوّ الله. فذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ وقال: يا محمّد؛ انظر ما صنع بي صاحبكم؟ فقال ﷺ لأبي بكر: [ما حملك على ما صنعت؟] فقال: يا رسول الله ﷺ ؛ قال قولا عظيما زعم أنّ الله فقير وهم أغنياء، فغضبت لله تعالى وضربت وجهه. فجحد فنحاص، فأنزل الله هذه الآية ردّا على فنحاص، وتصديقا لأبي بكر ﵁: ﴿(لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ)﴾ (١). قوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا؛﴾ أي سيكتب الكاتبون الكرام عليهم بأمرنا قولهم؛ ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛﴾ بلا جرم لهم فيجازيهم به. وقرأ حمزة والأعمش «(سيكتب)» بياء مضمومة وفتح التاء «(وقتلهم الأنبياء)» بالرفع. «ونقول؛» بالياء اعتبارا بقراءة ابن مسعود، وقال: ﴿ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ (١٨١)؛أي النّار، وإنّما قال ﴿(الْحَرِيقِ)﴾ لأنّ النار اسم للملتهبة وغير الملتهبة، والحريق اسم منها. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١٨٢)؛أي يقال للكافرين ذلك بما قدّمت أيديكم على الكفر وقتل الأنبياء صلوات الله عليهم، وقوله: ﴿(وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ)﴾ لا يعذّب أحدا بغير ذنب ولا يمنع أحدا جزاءه حسب استحقاقه خيرا فعله أو شرّا. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ؛﴾ قال الكلبيّ: (نزلت في كعب بن الأشرف ومالك ابن الصّيف ووهب بن يهوذا وفنحاص بن عازورا؛ أتوا رسول الله ﷺ وقالوا: أتزعم يا محمّد أنّ الله بعثك إلينا رسولا، وأنزل عليك كتابا، وأنّ الله قد عهد إلينا في التّوراة: أن لا نؤمن لرسول حتّى يأتينا بقربان تأكله النّار، فإن جئتنا به صدّقناك. فأنزل الله هذه الآية) (٢).

стр. 666

ومعناها: وسمع الله قول الّذين قالوا إنّ الله عهد إلينا، ومحلّ ﴿(الَّذِينَ)﴾ خفض ردّا على ﴿(الَّذِينَ)﴾ الأوّل؛ ومعناها: عهد إلينا: أمرنا وأوصانا في كتبه وعلى ألسنة رسله أن لا نصدّق رسولا يزعم أنّه جاء من عند الله ﴿(حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ)﴾ وهو ما يتقرّب به إلى الله من صدقة، وكانت القرابين والغنائم لا تحلّ لبني إسرائيل، وكانوا إذا قرّبوا قربانا أو غنموا غنيمة فتقبل منهم؛ جاءت من السّماء نار ولها دخان ولها دويّ وخفيق فتأكل ذلك القربان وتلك الغنيمة، فيكون ذلك علامة القبول، واذا لم يقبل بقي إلى حاله، فقال هؤلاء اليهود: (إنّ الله عهد إلينا ألاّ نؤمن لرسول حتّى يأتينا بقربان تأكله النّار) كما كان في زمن موسى وزكريّا ويحيى وغيرهم ﵈. وكان هذا القول منهم كذبا على الله واعتلالا ومدافعة في الإيمان بالنبيّ ﷺ لا احتجاجا صحيحا؛ فاحتجّ الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ؛﴾ أي قل يا محمّد قد جاءكم رسل من قبلي بالعلامات الواضحات والمعجزات ﴿(وَبِالَّذِي قُلْتُمْ)﴾ من أمر القربان، ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٨٣)؛في مقالتكم. وكانوا قتلوا زكريّا ويحيى وغيرهم، وأراد بذلك أسلافهم فخاطبهم بذلك لأنّهم رضوا بفعل أسلافهم. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ؛﴾ فإن كذبوك يا محمّد فلست بأوّل رسول كذّب، فقد كذّب نوح وهود وصالح وغيرهم؛ ﴿جاؤُ بِالْبَيِّناتِ؛﴾ أي بالعلامات الواضحات؛ ﴿وَالزُّبُرِ؛﴾ وهو جمع زبور؛ وهو كلّ كتاب ذي حكمة؛ يقال: زبرت إذا كتبت؛ وزبرت اذا قرأت. وأما ﴿وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ (١٨٤)؛فهو الكتاب المبيّن للحلال والحرام. قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ قرأ الأعمش: «(ذائقة)» بالتنوين، ونصب «(الموت)» قال ابن عبّاس: (لمّا نزل قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ (١) قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فلمّا نزلت هذه الآية أيقنت الملائكة بالهلاك).وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول

стр. 667

الله ﷺ : [لمّا خلق الله آدم اشتكت الأرض إلى ربها لما أخذ منها؛ فوعدها أن يردّ إليها ما أخذ منها، فما من أحد إلاّ يدفن في التّربة الّتي أخذ منها] ورأى أبو هريرة قبرا جديدا، فقال: (سبحان الله! انظروا كيف سبق هذا العبد إلى تربته الّتي خلق منها). قوله تعالى: ﴿(وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ)﴾ أي تعطون جزاء أعمالكم يوم القيامة، إن خيرا فخير؛ وإن شرّا فشرّ، لا تغترّوا بنعم الكفّار، ولا تحزنوا لشدائد المؤمنين، فإنّ كلا الفريقين يتفرّقون؛ فلا بؤس يبقى ولا نعيم في الدّنيا. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ؛﴾ أي أبعد عنها؛ ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ؛﴾ أي نجا وسعد وظفر بما يرجو. قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ (١٨٥)؛متاع الدّنيا مثل القدر والقصعة والفأس، يتمتّع بهذه الأشياء؛ أي ينتفع بها ثم تذهب فتفنى، كذلك الحياة الدّنيا. وقيل: ﴿(مَتاعُ الْغُرُورِ)﴾ ما يغرّ به الإنسان في الحال، فكما أنّ التاجر يهرب من متاع الغرور وهو ما يسرع إليه الفساد مثل الزّجاج، والذي يسرع إليه الكسر ويصلحه الجبر؛ كذلك ينبغي للحيّ أن يهرب من الدّنيا الفانية إلى متاع الآخرة. وعن عبد الله بن عمر؛ قال: (لمّا توفّي رسول الله ﷺ سجّيناه بثوب، وجلسنا حوله نبكي، فأتانا آت نسمع صوته ولا نرى شخصه، فقال: السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقلنا: وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته، فقال: ﴿(كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ)﴾ إلى آخر الآية، ثمّ قال: إنّ في الله خلفا لكلّ هالك؛ وعزاء من كلّ مصيبة؛ ودركا من كلّ فائت، فبالله فاتّقوا وإيّاه فارجوا، فإنّ المصاب من حرم الثّواب).قال: (فتحدّثنا أنّه جبريل ﵇ (١).

стр. 668

قوله تعالى: ﴿*لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ؛﴾ وذلك أنّ الله تعالى لمّا ذكر الجنّة أتى عقبها بما يدعو إليها ويوجبها فقال: ﴿(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ)﴾ أي لتختبرنّ بالنقص والذهاب في الأموال، وفي أبدانكم بالأمراض والأوجاع. ويقال: إنّ المراد بالابتلاء فرائض الدين مثل الجهاد في سبيل الله والإنفاق فيه. قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً؛﴾ معناه: ولتسمعنّ من اليهود والنصارى ومشركي العرب كلام أذى كثيرا. أمّا من اليهود فقولهم: عزير ابن الله، وقولهم: إنّ الله فقير ونحن أغنياء. ومن النصارى قولهم: المسيح ابن الله، وقولهم: إنّ الله ثالث ثلاثة. ومن المشركين قولهم: الملائكة بنات الله، وعبادتهم الأوثان ونصبهم الحرب لرسول الله ﷺ . والأذى: ما يكره الإنسان ويغتمّ به. قال الزهريّ: (نزلت في كعب بن الأشرف؛ وذلك أنّه كان يهجو النّبيّ ﷺ ، ويسبّ المسلمين ويحرّض المشركين على النّبيّ ﷺ وأصحابه في سمرة حتّى آذاهم، فقال ﷺ : [من لي بابن الأشرف؟] فقال محمّد بن مسلمة الأنصاريّ: أنا لك به يا رسول الله أنا أقتله، قال: [أفعل إن قدرت على ذلك]،قال: يا رسول الله ﷺ إنّه لا بدّ لنا أن نقول؟ قال: [قولوا ما بدا لكم فأنتم في حلّ من ذلك]. واجتمع محمّد بن مسلمة، وأبو نائلة وهو أخو كعب من الرّضاعة، وهو سلكان بن سلامة بن وقش، وعبّاد بن بشر بن وقش، والحارث بن أوس، وأبو عبس ابن جبر، ومشى معهم رسول الله ﷺ إلى بقيع الغرقد ثمّ وجّههم، فقال: [انطلقوا على اسم الله، اللهمّ أعنهم] (١). ثمّ رجع رسول الله ﷺ إلى بيته، وهو في ليلة مقمرة، فأتوا حتّى انتهوا إلى حصنه؛ فقوّموا أبا نائلة لأنّه أخوه من الرّضاعة، فجاءه فتحدّث معه ساعة ثمّ قال: يا كعب؛ إنّي جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتمها عليّ، قال: أفعل، قال: كان قدوم

стр. 669

هذا الرّجل بلادنا بلاء علينا؛ عادتنا العرب فرمونا عن قوس واحدة؛ وانقطعت عنّا السّبيل حتّى ضاعت العيال وجهدت الأنفس. فقال كعب ابن الأشرف: أما والله لقد أخبرتك أنّ الأمر سيصير إلى هذا. فقال أبو نائلة: إنّ معي أصحابا أردنا أن تبيعنا من طعامك ونرهنك ونوثق لك سلاحا، وقد علمت حاجتنا اليوم إلى السّلاح، فقال: هاتوا سلاحكم، وأراد أبو نائلة يذكر السّلاح حتّى لا ينكر السّلاح إذا رآه، فرجع أبو نائلة إلى أصحابه فأخبرهم خبره، فأقبلوا إليه حتّى انتهوا إليه، وكان كعب حديث عهد بعرس. فبادأه أبو نائلة فوثب في ملحفه؛ فأخذت امرأته بناصيته وقالت: إنّك رجل محارب وصاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه السّاعة، فقال: إنّ هؤلاء وجدوني نائما ما أيقظوني؛ وإنّه أبو نائلة أخي، قالت: فكلّمهم من فوق الحصن، فأبى عليها، فنزل إليهم فتحدّث معهم ساعة ثمّ قالوا له: يا ابن الأشرف؛ هل لك أن نتماشى ونتحدّث ساعة؟ فمشى معه ساعة، ثمّ إنّ أبا نائلة جعل يده على رأس كعب ثمّ شمّها وقال: ما شممت طيب عرس قطّ مثل هذا! قال كعب: إنّه طيب أمّ فلان؛ يعني امرأته. ثمّ مشى ساعة، فعاد أبو نائلة لمثلها حتّى اطمأنّ ثمّ مشى ساعة، ثمّ عاد بمثلها، ثمّ أخذ بفود رأسه حتّى استمكن، ثمّ قال لأصحابه: اضربوا عدوّ الله؛ فاختلفت عليه أسيافنا فلم تغن شيئا، قال محمّد بن مسلمة فركزت مغولا في ثنّته، ثمّ تحاملت عليه حتّى بلغت عانته، فصاح صيحة لم يبق من حولها حصن إلاّ وقد أوقد نارا، فوقع عدوّ الله على الأرض، وقد أصيب الحارث بن أوس بجرح في رأسه؛ أصابه بعض أسيافنا، فنزفه الدّم وأبطأ علينا؛ فوقفنا له ساعة، ثمّ احتملناه وجئنا به إلى رسول الله ﷺ آخر اللّيل وهو قائم يصلّي، فسلّمنا عليه فخرج إلينا؛ فأخبرناه بقتل كعب وجئنا برأسه إليه، وتفل على جرح صاحبنا فبرأ، ورجعنا إلى أهلنا، فأصبحنا وقد خافت اليهود لوقعتنا بعدوّ الله (١)،فقال ﷺ : [من ظفرتم به من رجل يهود فاقتلوه].

стр. 670

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١٨٦)؛ أي إن تصبروا على أذى الكفّار وتتّقوا معصية الله فإنّ ذلك من عزم الأمور وخيرها؛ أي من حقيقة الإيمان. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ؛﴾ أي قد أخذ الله ميثاق أهل الكتاب ليبيّن الكتاب بما فيه من نعت محمّد ﷺ وصفته للناس ولا يخفون شيئا من ذلك. قرأ عاصم وأبو عمرو وابن كثير بالياء فيهما. وقرأ الباقون بالتّاء فيها. قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ؛﴾ أي ضيّعوه وتركوا العمل به، يقال للذي ترك العمل به: جعله خلف ظهره. قوله تعالى: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً؛﴾ أي اختاروا بكتمان نعت النّبيّ ﷺ وصفته عرضا يسيرا من المآكل والهدايا التي كانت لعلمائهم من رؤسائهم، ﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ (١٨٧)؛أي يختارون الدنيا على الآخرة. قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا؛﴾ قرأ أهل الكوفة: «(يحسبنّ)» بالياء، وقرأ غيرهم بالتّاء، فمن قرأ بالياء فمعناه: لا يحسبنّ الفارحون فرحهم منجيا لهم من العذاب، ومن قرأ بالتاء فالخطاب للنّبيّ ﷺ ، وقوله: ﴿(فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ)﴾ إعادة توكيد. قرأ الضحّاك بالتاء وضمّ الباء أراد محمّدا وأصحابه. وقرأ مجاهد وابن كثير وأبو عمر بالياء وضمّ الباء خبرا عن الفارحين؛ أي لا يحسبنّ أنفسهم. واختلفوا فيمن نزلت، فقال مجاهد وعكرمة: (نزلت في اليهود وكانوا يقولون: نحن أهل الصّلاة والصّوم والكتاب الأوّل والعلم الأوّل، يريدون الفخر والسّمعة والرّياء لكي يثني عليهم ويحمدهم سفلتهم على ما يفعلون من بيان صفة كتابهم). وقال عطاء: (نزلت في المنافقين؛ كانوا يأتون النّبيّ ﷺ ويخالطون المسلمين ويراءون بالأعمال الّتي يحبّون أن يحمدوا ويمدحوا على ذلك) (١).
следующие страницы →