← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ومعناها: وسمع الله قول الّذين قالوا إنّ الله عهد إلينا، ومحلّ ﴿(الَّذِينَ)﴾ خفض ردّا على ﴿(الَّذِينَ)﴾ الأوّل؛ ومعناها: عهد إلينا: أمرنا وأوصانا في كتبه وعلى ألسنة رسله أن لا نصدّق رسولا يزعم أنّه جاء من عند الله ﴿(حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ)﴾ وهو ما يتقرّب به إلى الله من صدقة، وكانت القرابين والغنائم لا تحلّ لبني إسرائيل، وكانوا إذا قرّبوا قربانا أو غنموا غنيمة فتقبل منهم؛ جاءت من السّماء نار ولها دخان ولها دويّ وخفيق فتأكل ذلك القربان وتلك الغنيمة، فيكون ذلك علامة القبول، واذا لم يقبل بقي إلى حاله، فقال هؤلاء اليهود: (إنّ الله عهد إلينا ألاّ نؤمن لرسول حتّى يأتينا بقربان تأكله النّار) كما كان في زمن موسى وزكريّا ويحيى وغيرهم ﵈. وكان هذا القول منهم كذبا على الله واعتلالا ومدافعة في الإيمان بالنبيّ ﷺ لا احتجاجا صحيحا؛ فاحتجّ الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ؛﴾ أي قل يا محمّد قد جاءكم رسل من قبلي بالعلامات الواضحات والمعجزات ﴿(وَبِالَّذِي قُلْتُمْ)﴾ من أمر القربان، ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٨٣)؛في مقالتكم. وكانوا قتلوا زكريّا ويحيى وغيرهم، وأراد بذلك أسلافهم فخاطبهم بذلك لأنّهم رضوا بفعل أسلافهم. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ؛﴾ فإن كذبوك يا محمّد فلست بأوّل رسول كذّب، فقد كذّب نوح وهود وصالح وغيرهم؛ ﴿جاؤُ بِالْبَيِّناتِ؛﴾ أي بالعلامات الواضحات؛ ﴿وَالزُّبُرِ؛﴾ وهو جمع زبور؛ وهو كلّ كتاب ذي حكمة؛ يقال: زبرت إذا كتبت؛ وزبرت اذا قرأت. وأما ﴿وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ (١٨٤)؛فهو الكتاب المبيّن للحلال والحرام. قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ قرأ الأعمش: «(ذائقة)» بالتنوين، ونصب «(الموت)» قال ابن عبّاس: (لمّا نزل قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ (١) قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فلمّا نزلت هذه الآية أيقنت الملائكة بالهلاك).وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول

стр. 667

الله ﷺ : [لمّا خلق الله آدم اشتكت الأرض إلى ربها لما أخذ منها؛ فوعدها أن يردّ إليها ما أخذ منها، فما من أحد إلاّ يدفن في التّربة الّتي أخذ منها] ورأى أبو هريرة قبرا جديدا، فقال: (سبحان الله! انظروا كيف سبق هذا العبد إلى تربته الّتي خلق منها). قوله تعالى: ﴿(وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ)﴾ أي تعطون جزاء أعمالكم يوم القيامة، إن خيرا فخير؛ وإن شرّا فشرّ، لا تغترّوا بنعم الكفّار، ولا تحزنوا لشدائد المؤمنين، فإنّ كلا الفريقين يتفرّقون؛ فلا بؤس يبقى ولا نعيم في الدّنيا. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ؛﴾ أي أبعد عنها؛ ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ؛﴾ أي نجا وسعد وظفر بما يرجو. قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ (١٨٥)؛متاع الدّنيا مثل القدر والقصعة والفأس، يتمتّع بهذه الأشياء؛ أي ينتفع بها ثم تذهب فتفنى، كذلك الحياة الدّنيا. وقيل: ﴿(مَتاعُ الْغُرُورِ)﴾ ما يغرّ به الإنسان في الحال، فكما أنّ التاجر يهرب من متاع الغرور وهو ما يسرع إليه الفساد مثل الزّجاج، والذي يسرع إليه الكسر ويصلحه الجبر؛ كذلك ينبغي للحيّ أن يهرب من الدّنيا الفانية إلى متاع الآخرة. وعن عبد الله بن عمر؛ قال: (لمّا توفّي رسول الله ﷺ سجّيناه بثوب، وجلسنا حوله نبكي، فأتانا آت نسمع صوته ولا نرى شخصه، فقال: السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقلنا: وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته، فقال: ﴿(كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ)﴾ إلى آخر الآية، ثمّ قال: إنّ في الله خلفا لكلّ هالك؛ وعزاء من كلّ مصيبة؛ ودركا من كلّ فائت، فبالله فاتّقوا وإيّاه فارجوا، فإنّ المصاب من حرم الثّواب).قال: (فتحدّثنا أنّه جبريل ﵇ (١).

стр. 668

قوله تعالى: ﴿*لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ؛﴾ وذلك أنّ الله تعالى لمّا ذكر الجنّة أتى عقبها بما يدعو إليها ويوجبها فقال: ﴿(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ)﴾ أي لتختبرنّ بالنقص والذهاب في الأموال، وفي أبدانكم بالأمراض والأوجاع. ويقال: إنّ المراد بالابتلاء فرائض الدين مثل الجهاد في سبيل الله والإنفاق فيه. قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً؛﴾ معناه: ولتسمعنّ من اليهود والنصارى ومشركي العرب كلام أذى كثيرا. أمّا من اليهود فقولهم: عزير ابن الله، وقولهم: إنّ الله فقير ونحن أغنياء. ومن النصارى قولهم: المسيح ابن الله، وقولهم: إنّ الله ثالث ثلاثة. ومن المشركين قولهم: الملائكة بنات الله، وعبادتهم الأوثان ونصبهم الحرب لرسول الله ﷺ . والأذى: ما يكره الإنسان ويغتمّ به. قال الزهريّ: (نزلت في كعب بن الأشرف؛ وذلك أنّه كان يهجو النّبيّ ﷺ ، ويسبّ المسلمين ويحرّض المشركين على النّبيّ ﷺ وأصحابه في سمرة حتّى آذاهم، فقال ﷺ : [من لي بابن الأشرف؟] فقال محمّد بن مسلمة الأنصاريّ: أنا لك به يا رسول الله أنا أقتله، قال: [أفعل إن قدرت على ذلك]،قال: يا رسول الله ﷺ إنّه لا بدّ لنا أن نقول؟ قال: [قولوا ما بدا لكم فأنتم في حلّ من ذلك]. واجتمع محمّد بن مسلمة، وأبو نائلة وهو أخو كعب من الرّضاعة، وهو سلكان بن سلامة بن وقش، وعبّاد بن بشر بن وقش، والحارث بن أوس، وأبو عبس ابن جبر، ومشى معهم رسول الله ﷺ إلى بقيع الغرقد ثمّ وجّههم، فقال: [انطلقوا على اسم الله، اللهمّ أعنهم] (١). ثمّ رجع رسول الله ﷺ إلى بيته، وهو في ليلة مقمرة، فأتوا حتّى انتهوا إلى حصنه؛ فقوّموا أبا نائلة لأنّه أخوه من الرّضاعة، فجاءه فتحدّث معه ساعة ثمّ قال: يا كعب؛ إنّي جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتمها عليّ، قال: أفعل، قال: كان قدوم

стр. 669

هذا الرّجل بلادنا بلاء علينا؛ عادتنا العرب فرمونا عن قوس واحدة؛ وانقطعت عنّا السّبيل حتّى ضاعت العيال وجهدت الأنفس. فقال كعب ابن الأشرف: أما والله لقد أخبرتك أنّ الأمر سيصير إلى هذا. فقال أبو نائلة: إنّ معي أصحابا أردنا أن تبيعنا من طعامك ونرهنك ونوثق لك سلاحا، وقد علمت حاجتنا اليوم إلى السّلاح، فقال: هاتوا سلاحكم، وأراد أبو نائلة يذكر السّلاح حتّى لا ينكر السّلاح إذا رآه، فرجع أبو نائلة إلى أصحابه فأخبرهم خبره، فأقبلوا إليه حتّى انتهوا إليه، وكان كعب حديث عهد بعرس. فبادأه أبو نائلة فوثب في ملحفه؛ فأخذت امرأته بناصيته وقالت: إنّك رجل محارب وصاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه السّاعة، فقال: إنّ هؤلاء وجدوني نائما ما أيقظوني؛ وإنّه أبو نائلة أخي، قالت: فكلّمهم من فوق الحصن، فأبى عليها، فنزل إليهم فتحدّث معهم ساعة ثمّ قالوا له: يا ابن الأشرف؛ هل لك أن نتماشى ونتحدّث ساعة؟ فمشى معه ساعة، ثمّ إنّ أبا نائلة جعل يده على رأس كعب ثمّ شمّها وقال: ما شممت طيب عرس قطّ مثل هذا! قال كعب: إنّه طيب أمّ فلان؛ يعني امرأته. ثمّ مشى ساعة، فعاد أبو نائلة لمثلها حتّى اطمأنّ ثمّ مشى ساعة، ثمّ عاد بمثلها، ثمّ أخذ بفود رأسه حتّى استمكن، ثمّ قال لأصحابه: اضربوا عدوّ الله؛ فاختلفت عليه أسيافنا فلم تغن شيئا، قال محمّد بن مسلمة فركزت مغولا في ثنّته، ثمّ تحاملت عليه حتّى بلغت عانته، فصاح صيحة لم يبق من حولها حصن إلاّ وقد أوقد نارا، فوقع عدوّ الله على الأرض، وقد أصيب الحارث بن أوس بجرح في رأسه؛ أصابه بعض أسيافنا، فنزفه الدّم وأبطأ علينا؛ فوقفنا له ساعة، ثمّ احتملناه وجئنا به إلى رسول الله ﷺ آخر اللّيل وهو قائم يصلّي، فسلّمنا عليه فخرج إلينا؛ فأخبرناه بقتل كعب وجئنا برأسه إليه، وتفل على جرح صاحبنا فبرأ، ورجعنا إلى أهلنا، فأصبحنا وقد خافت اليهود لوقعتنا بعدوّ الله (١)،فقال ﷺ : [من ظفرتم به من رجل يهود فاقتلوه].

стр. 670

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١٨٦)؛ أي إن تصبروا على أذى الكفّار وتتّقوا معصية الله فإنّ ذلك من عزم الأمور وخيرها؛ أي من حقيقة الإيمان. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ؛﴾ أي قد أخذ الله ميثاق أهل الكتاب ليبيّن الكتاب بما فيه من نعت محمّد ﷺ وصفته للناس ولا يخفون شيئا من ذلك. قرأ عاصم وأبو عمرو وابن كثير بالياء فيهما. وقرأ الباقون بالتّاء فيها. قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ؛﴾ أي ضيّعوه وتركوا العمل به، يقال للذي ترك العمل به: جعله خلف ظهره. قوله تعالى: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً؛﴾ أي اختاروا بكتمان نعت النّبيّ ﷺ وصفته عرضا يسيرا من المآكل والهدايا التي كانت لعلمائهم من رؤسائهم، ﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ (١٨٧)؛أي يختارون الدنيا على الآخرة. قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا؛﴾ قرأ أهل الكوفة: «(يحسبنّ)» بالياء، وقرأ غيرهم بالتّاء، فمن قرأ بالياء فمعناه: لا يحسبنّ الفارحون فرحهم منجيا لهم من العذاب، ومن قرأ بالتاء فالخطاب للنّبيّ ﷺ ، وقوله: ﴿(فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ)﴾ إعادة توكيد. قرأ الضحّاك بالتاء وضمّ الباء أراد محمّدا وأصحابه. وقرأ مجاهد وابن كثير وأبو عمر بالياء وضمّ الباء خبرا عن الفارحين؛ أي لا يحسبنّ أنفسهم. واختلفوا فيمن نزلت، فقال مجاهد وعكرمة: (نزلت في اليهود وكانوا يقولون: نحن أهل الصّلاة والصّوم والكتاب الأوّل والعلم الأوّل، يريدون الفخر والسّمعة والرّياء لكي يثني عليهم ويحمدهم سفلتهم على ما يفعلون من بيان صفة كتابهم). وقال عطاء: (نزلت في المنافقين؛ كانوا يأتون النّبيّ ﷺ ويخالطون المسلمين ويراءون بالأعمال الّتي يحبّون أن يحمدوا ويمدحوا على ذلك) (١).

стр. 671

قوله تعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ؛﴾ أي لا تظنّهم يا محمّد بمنجاة؛ أي بعد من العذاب، ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٨٨)؛وجيع في الآخرة، وتكرار (لا تحسبن) لطول القصّة. ويجوز أن يكون خبر ﴿(لا تَحْسَبَنَّ)﴾ الأوّل مضمرا تقديره: لا يحسبنّ الذين يفرحون بما أوتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لن يفعلوا ناجين، ومن قرأ «(بما أوتوا)» بالمدّ؛ فمعناه: بما أعطوا من النفقة والصّدقة. ومن قرأ «(بما أتوا)» بما أعطوا من الدّنيا. قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٨٩)؛أي ولله خزائن السّماوات والأرض، فخزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات، ووجه اتّصال هذه الآية بما سبق أنّ في هذا تكذيب اليهود في قولهم: إنّ الله فقير، ونحن أغنياء، وبيان أنّ من كان مالك السّماوات والأرض قادر على الانتقام من الكفّار، والإثابة للمؤمنين وعلى كلّ شيء. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ (١٩٠)؛معناه: إنّ في خلق السّماوات بما فيها من الشّمس والقمر والنّجوم، والأرض بما فيها من الجبال والشّجر والنّبات والدواب واختلاف اللّيل والنّهار في المجيء والذهاب واللون لعلامات واضحات لذوي العقول على توحيد الله. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ؛﴾ بيان لصفة أولي الألباب، ومعنى الذّكر المطلق؛ أي يذكرون الله في جميع أحوالهم، وقيل: المراد به الصّلاة؛ أي لا يتركون الصّلاة؛ صحّوا أو مرضوا، يصلّون قياما إن استطاعوا؛ أو جلوسا إن لم يستطيعوا القيام؛ ومضطجعين إن لم يستطيعوا الجلوس. قوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي في عظم شأنهما ومن فيهما من الآيات والعبرات؛ القائلين: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً؛﴾ أي ما خلقت هذا الخلق للباطل والعبث؛ بل خلقته دليلا على وحدانيّتك وصدق ما أتت به أنبياؤك.

стр. 672

قوله تعالى: ﴿سُبْحانَكَ؛﴾ أي تنزيها لك وبراءة لك من أن تكون خلقتهما باطلا؛ ﴿فَقِنا؛﴾ فادفع؛ ﴿عَذابَ النّارِ﴾ (١٩١)؛قال ﷺ : [من أحبّ أن يرتع في رياض الجنّة فليكثر ذكر الله] (١).وقال ﷺ : [ذكر الله علم الإيمان؛ وبراءة من النّفاق؛ وحصن من الشّيطان؛ وحرز من النّيران]. قوله تعالى: ﴿(وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)﴾ أي لهما صانع قادر مريد حكيم، وكان سفيان الثوريّ يبول الدّم من طول حزنه وفكرته، وكان إذا رفع رأسه إلى السّماء فرأى الكواكب غشي عليه. وانتصب قوله ﴿(باطِلاً)﴾ بنزع الخافض؛ أي ما خلقته للباطل، فقيل على المفعول الثاني، وقوله: ﴿(ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً)﴾ ذاهبا به إلى لفظ الخلق، ولو ردّه إلى السّماء والأرض لقال: هذه (٢). قوله تعالى: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ؛﴾ أي فقد أهنته وذلّلته؛ وقيل: أهلكته؛ وقيل: فضحته؛ ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ (١٩٢)؛ أي ما لهم من مانع يمنعهم ممّا يراد دونهم من العذاب. قوله تعالى: ﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا؛﴾ أي يقولون ربّنا إنّنا سمعنا محمّدا ﷺ يدعو الخلق إلى الإيمان أن آمنوا بربكم فأجبنا إلى ما دعانا إليه وأمرنا به. وقال محمّد بن كعب القرظيّ: (المنادي هو القرآن؛ يدعو النّاس كلّهم إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله، وقوله: ﴿(لِلْإِيمانِ)﴾ أي إلى الإيمان، كقوله ﴿لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ (٣).

стр. 673

قوله تعالى: ﴿رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا؛﴾ أي اغفر لنا الكبائر وما دونها؛ ﴿وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا؛﴾ أي شركنا في الجاهليّة، ﴿وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ﴾ (١٩٣)؛ أي اجعل أرواحنا مع أرواح الأنبياء والصالحين الذين كانوا قبلنا. قوله تعالى: ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ؛﴾ أي أعطنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك، ﴿وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ أي لا تعذّبنا، ﴿إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (١٩٤)؛من الثّواب والجنّة للمؤمنين، فإن قيل: ما فائدة قولهم ﴿(رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ)﴾ وقد علموا أنّ الله لا يخلف الميعاد؟ قيل: فائدته التّعبّد والخضوع ورفع الحاجة إليه في عموم الأحوال. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ؛﴾ قال الكلبيّ: (معنى في الدّين والنّصرة والموالاة). وقيل: حكم جميعكم في الثّواب واحد، وقيل: كلّكم من آدم وحوّاء. وقال مجاهد: (قالت أمّ سلمة: يا رسول الله؛ إنّي أسمع الله يذكر الرّجال في الهجرة، ولا يذكر النّساء بشيء، فأنزل الله هذه الآية ﴿(فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ)﴾ (١).قال الضحّاك: (معناه: رجالكم شكل نسائكم في الطّاعة، ونساؤكم شكل رجالكم في الطّاعة). قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي؛﴾ الآية أي الذين هاجروا من مكّة إلى المدينة، وأخرجوا من أوطانهم وأوذوا في طاعتي، ﴿وَقُتِلُوا؛﴾ المشركين مع محمّد ﷺ ، وقتلهم العدوّ. قوله تعالى: ﴿وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ؛﴾ ذنوبهم، ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ أي بساتين تجري من تحت شجرها ومساكنها الأنهار، ﴿ثَواباً؛﴾ جزاء، ﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ؛﴾ انتصب ﴿(ثَواباً)﴾ على المصدر؛ معناه: لآتينّهم ثوابا. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ (١٩٥)؛أي حسن الجزاء للموحّدين المطيعين.

стр. 674

قرأ محارب بن دثار (١): «(وقاتلوا وقتلوا)» بالفتح. وقال يزيد بن حازم: (سمعت عمر بن عبد العزيز يقرأ: «وقتلوا وقتلوا»؛يعني أنّهم قتلوا المشركين، ثمّ قتلهم المشركون).وقرأ أبو رجاء وطلحة والحسن: «(وقتّلوا وقتّلوا)» بالتشديد. وقرأ عاصم وأبو عمرو ونافع: (وقاتلوا وقتلوا) بالتخفيف أي قاتلوا ثمّ قتلوا. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائيّ وخلف: «(وقتّلوا وقاتلوا)» أي وقاتل من بغى منهم، وقيل معناه: وقاتلوا وقد قاتلوا؛ وأضمر فيه (قد). قوله تعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ؛﴾ أي لا يحزنك ولا يعجبك، ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ؛﴾ امتداد هذه الآية خطاب للنبيّ ﷺ ؛ والمراد به أصحابه؛ كأنّه قال: لا يغرّنّك أيّها السامع ذهاب اليهود ومجيئهم في تجاراتهم ومكاسبهم في الأرض؛ منفعة يسيرة في الدّنيا تنقطع وتفنى؛ ﴿ثُمَّ مَأْواهُمْ؛﴾ مصيرهم إلى؛ ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (١٩٧)؛أي بئس الفراش النار. وقيل: كان النبيّ ﷺ لا يغرّه شيء لتحذير الله إيّاه عن الاغترار بشيء وتأديبه إيّاه (٢).وقيل: نزلت في مشركي العرب؛ كانوا في رخاء من العيش، وكانوا ينحرون ويتنعّمون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير؛ ونحن قد هلكنا من الجوع والجهد، فنزلت هذه الآية. وقرأ يعقوب: «(لا يغرّنك)» بإسكان النون. قوله تعالى: ﴿(لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ)﴾ أي تصرّفهم في الأرض للتجارات والبياعات وأنواع المكاسب. وقوله: ﴿(مَتاعٌ قَلِيلٌ)﴾ أي متاع قليل فان. قال النخعيّ: (إنّ الدّنيا جعلت قليلا؛ وما بقي منها إلاّ قليل من قليل).

стр. 675

قوله تعالى: ﴿لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ؛﴾ تقدير هذه الآية مع ما قبلها: لا يعجبك يا محمّد تقلّب أولئك الكفار في نعيم الدّنيا، بل ما أعطي المتّقون في الآخرة أفضل، فإنّ ﴿(الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ)﴾ أي وحّدوه وأطاعوه ﴿(لَهُمْ جَنّاتٌ)﴾ أي بساتين تجري من تحت أشجارها ومساكنها الأنهار مقيمين فيها. قوله تعالى: ﴿(نُزُلاً)﴾ أي رزقا وثوابا لهم، وهذا نصب على التفسير؛ كما يقال للشيء: هبة أو صدقة. ويجوز أن يكون نصبا على المصدر على معنى: انزلوا نزلا، والنّزل: ما يهيّأ للنّازل من كرامة وبرّ وطعام وشراب ومنظر حسن. قوله تعالى: ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ (١٩٨)؛أي من عند الله من الجزاء والثّواب خير للصالحين من ما لهم في الدّنيا. قرأ أبو جعفر: «(لكنّ الّذين)» بالتشديد. وقرأ الحسن والنخعيّ: «(نزلا)» ساكنة الزّاي. روى أنس بن مالك قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو على سرير، وتحت رأسه وسادة من أدم وحشوها ليف، فدخل عليه عمر رضى الله عنه فانحرف النّبيّ ﷺ انحرافة؛ فرأى عمر أثر الشّريط في جنبه فبكى، فقال له: [ما يبكيك يا عمر؟] فقال: وما لي لا أبكي يا رسول الله! وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدّنيا، وأنت على الحال الّذي أرى، فقال: [يا عمر! أما ترضى أن تكون لهم الدّنيا ولنا الآخرة؟ فقال: بلى، قال: [هو كذلك] (١). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ؛﴾ معناه: إنّ من أهل الكتاب لمن يصدّق بالله والقرآن والتّوراة والإنجيل والزّبور وسائر كتب الله، وهم: عبد الله بن سلام وأصحابه؛ ﴿خاشِعِينَ﴾

стр. 676

﴿بِاللهِ؛﴾ أي ذليلة أنفسهم لله؛ ﴿لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ؛﴾ بمحمّد والقرآن؛ ﴿ثَمَناً قَلِيلاً؛﴾ عرضا يسيرا كما فعله رؤساء اليهود؛ ﴿أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. وقال قتادة: (نزلت هذه الآية في النّجاشيّ ملك الحبشة؛ لمّا مات نعاه جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ ؛ أي في اليوم الّذي مات فيه؛ فقال ﷺ لأصحابه: [اخرجوا فصلّوا على أخ لكم مات بغير أرضكم] قالوا: ومن هو؟ قال: [النّجاشيّ] (١) فخرج رسول الله ﷺ إلى البقيع، وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة؛ فأبصر سرير النّجاشيّ فصلّى عليه واستغفر له؛ وقال لأصحابه: [استغفروا له].فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلّي على علج حبشيّ نصرانيّ لم يره قطّ، وليس على دينه!؟ فأنزل الله هذه الآية) (٢). قوله تعالى: ﴿(خاشِعِينَ لِلّهِ)﴾ تنصب على الحال. قوله تعالى: ﴿(لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً)﴾ أي لا يحرّفون كتبهم، ولا يكتمون صفة محمّد ﷺ لأجل المآكل والرئاسة، كما فعلت رؤساء اليهود. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (١٩٩)؛فقد تقدّم تفسيره. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ؛﴾ أي ﴿(اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا)﴾ أي اصبروا على أداء الفرائض، واجتناب المحارم، وصابروا أعداءكم في الجهاد في مقاتلتهم، ورابطوا خيولكم على الجهاد. والرّباط والمرابطة: أن يربط كلّ واحد من الفريقين خيولهم في الثّغر. وقيل المرابطة: المحافظة على الصلوات. قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : [ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدّرجات؟] قالوا: بلى يا رسول الله، قال: [إسباغ الوضوء على المكاره؛ وكثرة الخطا إلى المساجد؛ وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة، فذلكم الرّباط] (٣).

стр. 677

وقال الضحّاك: (معنى الآية: يا أيّها الّذين آمنوا اصبروا على أمر الله).وقال الكلبيّ: (اصبروا على البلاد)،وقالت الحكماء: الصّبر ثلاثة أشياء: ترك الشّكوى؛ وصدق الرّضا؛ وقبول القضاء. وقيل: الصّبر: هو الثّبات على أحكام الكتاب والسّنة. قوله تعالى: ﴿(وَصابِرُوا)﴾ الكفّار ﴿(وَرابِطُوا)﴾ بمعنى داوموا وأثبتوا. قال ﷺ : [من رابط يوما في سبيل الله كان كصيام شهر وقيامه، ومن توفّي في سبيل الله أجرى الله له أجره حتّى يقضي بينه وبين أهل الجنّة وأهل النّار، ومن رابط يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النّار سبعة خنادق؛ كلّ خندق منها كسبع سماوات وسبع أرضين] (١). قال بعضهم في هذه الآية ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا)﴾ عند قيام النّفير على احتمال الكرب، ﴿(وَصابِرُوا)﴾ على مقاساة العناء والتّعب، ﴿(وَرابِطُوا)﴾ في دار أعدائي بلا هرب، واتقوا عدوّكم من الالتفات الى السّبب لكي تفلحوا غدا بلقائي عند بساط القرب. وقال السري السقطي: (اصبروا على الدّنيا رجاء السّلامة، وصابروا عند القتال بالثّبات والاستقامة، ورابطوا هوى النّفس اللّوّامة، واتّقوا ما يعقب لكم النّدامة، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢٠٠)؛غدا على بساط الكرامة. وقيل: معناه: اصبروا على بلائي، وصابروا بالشّكر على نعمائي، ورابطوا في دار أعدائي، واتّقوا محبّة من سواي لعلّكم تفلحون بلقائي. وقيل: اصبروا على البغضاء؛ وصابروا على البأساء والضرّاء؛ ورابطوا في دار الأعداء؛ واتّقوا إله الأرض والسّماء؛ لعلّكم تفلحون في دار البقاء. وعن جعفر الصّادق قال: (معنى هذه الآية: اصبروا على المعاصي؛ وصابروا مع الطّاعات؛ ورابطوا الأرواح بالمساجد، واتّقوا الله لكي تبلغوا مواقف أهل الصّدق؛ فإنّها محلّ الفلاح).والله أعلم. آخر تفسير سورة (آل عمران) والحمد لله رب العالمين

стр. 678

سورة النّساء سورة النّساء مدنيّة (١)؛وهي ستّة عشر ألفا وثلاثون حرفا، وثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وأربعون كلمة، ومائة وستّ وسبعون آية. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها؛﴾ قال ابن عبّاس: (قد يكون ﴿(يا أَيُّهَا النّاسُ)﴾ عامّا؛ وقد يكون خاصّا لأهل مكّة؛ وهو هاهنا عامّ لجميع النّاس، ومعناه: أجيبوا ربّكم وأطيعوه).وقوله تعالى: ﴿(خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ)﴾ يعني آدم، وإنّما أتت النفس لاعتبار اللفظ دون المعنى. قال الشاعر: أبوك خليفة ولدته أخرى ... وأنت خليفة ذاك الكمال فقال: ولدته أخرى؛ لأن لفظ الخليفة مؤنّث. وإنّما منّ الله علينا بأن خلقنا من نفس واحدة؛ لأن ذلك أقرب إلى أن يعطف بعض على بعض، ويرحم بعضنا بعضا لرجوعنا في القرابة إلى أصل واحد. قوله تعالى: ﴿(وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها)﴾ أي وخلق من نفس آدم زوجها حوّاء؛ خلقها من ضلع من أضلاعه اليسرى وهي القصرى بعد ما ألقي عليه النوم فلم يؤذه، ولو آذاه لما عطف عليها أبدا. قال ﷺ : [إنّ المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن أردت

стр. 679

أن تقيمها كسرتها، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها على عوج] (١). قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً؛﴾ أي بشرا وفرقا، وأظهر من آدم وحوّاء خلقا كثيرا من الرّجال والنساء. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ؛﴾ أي اتّقوا معاصي الله، ﴿(الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ)﴾ أي يتساءل بعضكم بعضا من الجوارح والحقوق؛ يقول الرجل للرجل: أسألك بالله افعل لي كذا. قرأ أهل الكوفة: «(تساءلون)» (٢) مخفّفا، وقرأ الباقون بالتشديد. قوله تعالى: ﴿(وَالْأَرْحامَ)﴾ قرأ عامّة القرّاء بنصب ﴿(الْأَرْحامَ)﴾ على معنى: واتّقوا الأرحام أن تقطعوها. وقرأ النخعيّ وقتادة والأعمش وحمزة بالخفض على معنى: وبالأرحام على معنى: تساءلون بالله وبالأرحام؛ فيقول الرجل: أسألك بالله وبالرّحم. والقراءة الأولى أفصح؛ لأن العرب لا تعطف بظاهر على مضمر مخفوض إلاّ بإعادة الخافض، لا يقولون: مررت به وزيد، ويقولون: به وبزيد، وقد جاء ذلك في الشّعر، قال الشاعر (٣): قد كنت من قبل تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيّام من عجب قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (١)؛أي حفيظا لأعمالكم، والرّقيب هو الحافظ، وقال بعضهم: عليما؛ والعليم والحافظ متهاديان؛ لأن العليم بالشيء حافظ له.

стр. 680

قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ؛﴾ قال مقاتل والكلبيّ: (نزلت هذه الآية في رجل من غطفان؛ كان في يده مال كثير لابن أخ له يتيم، فلمّا بلغ اليتيم طلب ماله، فمنعه العمّ فترافعا إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآية إلى قوله تعالى: ﴿(إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً)﴾. فقرأها رسول الله ﷺ ، فقال الرّجل: أطعنا الله وأطعنا الرّسول ونعوذ بالله من الحوب الكبير، فدفع ماله إليه، فقال ﷺ : [من يوق شحّ نفسه ويطيع ربّه هكذا فإنّه يحلّ داره إلى جنّة] فلمّا قبض الصّبيّ ماله أنفقه في سبيل الله، فقال ﷺ : [ثبت الأجر وبقي الوزر] فقالوا: يا رسول الله ﷺ ، عرفنا أنّه ثبت الأجر، فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟ فقال: [ثبت الأجر للغلام؛ وبقي الوزر على والده] لأنّ الوالد كان مشركا) (١). وإنّما سمّى الله تعالى البالغ يتيما، ولا يتم بعد البلوغ استصحابا بالاسم الأوّل، كما قال تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ (٢) ولا سحر مع السّجود، ولأنه قريب عهد باليتم. قوله تعالى: ﴿(وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ)﴾ أي لا تبذّروا أموالكم الحلال وتأكلوا الحرام من أموال اليتامى. قال سعيد بن المسيّب والنخعيّ والزهريّ والسدي والضحّاك: (كان أوصياء اليتامى وأولياؤهم يأخذون الجيّد من مال اليتيم، ويجعلون مكانه الرّديء، وربّما كان أحدهم يأخذ الشّاة السّمينة من مال اليتيم، ويجعل مكانها المهزولة، ويأخذ الدّرهم الجيّد ويجعل مكانه الزّيف ويقول: درهم بدرهم؛ فذلك تبديلهم، فنهاهم الله تعالى عن ذلك) (٣). وقال مجاهد: (معنى الآية: لا تجعل رزقك الحلال حراما؛ تتعجّله بأن تستهلك مال اليتيم، فتنفقه على نفسك، وتحرّ فيه لنفسك وتعطيه غيره، فيكون ما

стр. 681

يأخذه من مال اليتيم حراما خبيثا، وتعطيه مالك الحلال، ولكن آتوهم أموالهم بأعيانها) (١).وفي هذا دليل على أنه لا يجوز لوليّ اليتيم أن يستقرض مال اليتيم ولا أن يستبدله من نفسه، وقيل: معنى ﴿(وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ)﴾ أي لا تجعل الزيف بدل الجيّد؛ ولا المهزول بدل السّمين. قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ؛﴾ كقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ (٢) أي مع الله، وقيل معناه: لا تأكلوا أموالهم مضيفين إلى أموالكم؛ لأنّهم كانوا يخلطون أموال اليتامى بأموالهم حتى يصير دينا عليهم، ثم كانوا يبيعونها مع أموالهم ويربحون عليها ويستبدّون بتلك الأرباح. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً﴾ (٢)؛أي إثما عظيما، وفيه ثلاث لغات: قراءة العامّة: «(حوبا)» بالضمّ وهي قراءة النبيّ ﷺ وهي لغة أهل الحجاز، وقراءة الحسن «(إنّه كان حوبا)» بفتح الحاء وهي لغة تميم، وقراءة أبيّ بن كعب: «(حابا)» على المصدر مثل القال، ويجوز أن يكون اسما مثل الزاد، ويقال للذنب: حوب وحوب وحاب. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ؛﴾ قال ابن عبّاس: (لمّا نزل قوله تعالى ﴿(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً)﴾ الآية، خاف النّاس أن لا يعدلوا في أموال اليتامى- وكانوا يتزوّجون من النّساء ما شاءوا-فنزلت هذه الآية) (٣). ومعناها: إن خفتم أن لا تعدلوا في أموال اليتامى؛ فخافوا في النّساء إذا اجتمعن عندكم أن لا تعدلوا بينهنّ، فتزوّجوا ما حلّ لكم من النّساء، ولا تنكحوا إلاّ ما يمكنكم إمساكهنّ: ثنتان ثنتان؛ وثلاث ثلاث؛ وأربع أربع، ولا يزيدوا على أربع حرائر. وقيل: معنى الآية: إن خفتم أن لا تعدلوا يا معشر الأولياء في اليتامى إذا

стр. 682

تزوجتم بهنّ؛ فانكحوا ما حلّ لكم من النساء غيرهنّ. وقال مجاهد: (معناه: إن خفتم في ولاية اليتامى إيمانا وتصديقا؛ فخافوا في الزّنا، وانكحوا الطّيّب من النّساء) (١). وقال بعضهم: كانوا يتحرّجون عن أموال اليتامى، ويترخّصون في النساء، ولا يعدلون فيهنّ ويتزوجون منهنّ ما شاءوا فربما عدلوا، وربّما لم يعدلوا، فلما سألوا عن أموال اليتامى، أنزل الله تعالى ﴿(وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ)،﴾ وأنزل ﴿(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى)،﴾ أي كما خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى وهمّكم ذلك؛ فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهنّ؛ ولا تزوّجوا أكثر مما يمكنكم إمساكهنّ والقيام بحقّهنّ؛ لأن النساء كاليتامى في الضّعف والعجز، فما لكم تراقبون الله في شيء، وتعصونه في مثله، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحّاك والسديّ، ورواية ابن عبّاس (٢). والإقساط في اللغة: العدل، يقال: أقسط؛ إذا عدل، وقسط؛ إذا جار، وإنّما قال: ﴿(ما طابَ)﴾ ولم يقل من طاب؛ لأن (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر، كأنه قال: فانكحوا الطيّب، يعني الحلال من النساء. وقرأ ابن أبي عبلة: «(من طاب)؛» لأن (ما) لما لا يعقل و (من) لمن يعقل، إلاّ أنّ عامّة القرّاء والعلماء يقولون: إن العرب تجعل (ما) بمعنى (من)؛و (من) بمعنى (ما)،وقد جاء القرآن بذلك: قال الله تعالى: ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ (٣)،وقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ (٤)،وقال تعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٥). قوله تعالى: ﴿(مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ)﴾ بدل من ﴿(طابَ لَكُمْ)﴾ وهو مما لا ينصرف، لأن ﴿(مَثْنى)﴾ معدول عن اثنين وذلك نكرة، و ﴿(ثُلاثَ)﴾ معدول عن ثلاثة. وذهب بعض الرّوافض إلى استحلال تسع استدلالا بهذه الآية، وليس ذلك بشيء، فإنّ الواو هنا بمعنى (أو)،وروي عن قيس بن الحارث: أنّه كان عنده ثماني نسوة، فلمّا نزلت هذه الآية أمره رسول الله ﷺ أن يمسك أربعا ويفارق أربعا، وقال

стр. 683

صلى الله عليه وسلم لغيلان حين أسلم وتحته عشر نسوة: [أمسك منهنّ أربعا؛ وفارق سائرهنّ] (١). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ؛﴾ معناه: وإن خفتم أن لا تعدلوا في القسمة والنّفقة بين النساء الأربع التي أحلّ الله لكم؛ فتزوّجوا امرأة واحدة لا تخافون الميل في أمرها، واقتصروا على الإماء حتى لا تحتاجوا إلى القسم بينهنّ يعني السّراري. وقول الحسن وأبي جعفر: ﴿(فَواحِدَةً)﴾ بالرّفع؛ أي فواحدة كافية؛ أو فلتكن واحدة. وقرأ العامّة نصبا أي فانكحوا واحدة. قوله تعالى: ﴿(أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)﴾ ذكر الأيمان توكيدا؛ تقديره: أو ما ملكتم. قوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا﴾ (٣)؛أي التّزوّج بالواحدة، والاقتصار على ملك اليمين أقرب إلى أن لا تعولوا. قال: أن لا تجوروا وأن لا تميلوا: ألاّ تجور. والعول: مجاوزة الحدّ، ومنه العول في الفرائض: مجاوزة مخرج الفرائض. روت عائشة ﵂ عن النّبيّ ﷺ قوله تعالى ﴿(أَلاّ تَعُولُوا)﴾ قال: [ألاّ تجوروا، أو أن لا تميلوا] (٢). وأما من قال معنى: أن لا تعولوا: لا تكثر عيالك، وهذا محكيّ عن الشّافعيّ ﵀، فقد قيل: إنه خطأ في اللغة؛ لأنه لا يقال في كثرة العيال: عال يعول، وإنّما يقال: عال يعيل إذا صار ذا عيال (٣)،وفي الآية ما يبطل هذا التأويل وهو قوله تعالى:

стр. 684

﴿(أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)﴾ لأن إباحة كلّ ما ملك اليمين أزيد في العيال من أربع نسوة. وقرأ طاوس: «(أن لا يعيلوا)» من العيلة؛ يقال: عال الرّجل يعيل؛ إذا افتقر، والعيلة: الفقر. قال الشاعر (١): وما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغنيّ متى يعيل قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ؛﴾ قال الكلبيّ: (هذا خطاب للأولياء، كان الوليّ إذا زوّج امرأة، فإن كان زوجها معهم في العشيرة لم يعطها الوليّ من مهرها قليلا ولا كثيرا، وإن كان زوجها غريبا حملوها على بعير إلى زوجها، ولا يعطونها من مهرها غير ذلك البعير، فنهاهم عن ذلك وأمرهم أن يعطوها الحقّ أهله) (٢).وقال مقاتل وأكثر أهل التّفسير: (هذا خطاب للأزواج، كان الرّجل يتزوّج المرأة فلا يعطيها مهرها، فأمروا أن يعطوا نساءهم مهورهنّ الّتي هي أثمان فروجهنّ) وهذا القول أصحّ وأوضح. والصّدقات: المهور، واحده صدقة بضمّ الدال. وقوله تعالى: ﴿نِحْلَةً﴾ قال قتادة: (فريضة واجبة)،وقال ابن جريج: (فريضة مسمّاة)،وقال الكلبيّ: (عطيّة وهبة)،وقال أبو عبيدة: (عن طيب نفس)،قال الزجّاج: (تديّنا).وقيل: معناه: عطيّة من الله تعالى للنّساء حيث جعل المهر لهنّ، ولم يوجب عليهنّ شيئا من القوم مع كون الاستمتاع مشتركا بينهنّ وبين الأزواج. وقيل معنى ﴿(نِحْلَةً):﴾ ديانة، فانتصب ﴿(نِحْلَةً)﴾ على المصدر، وقيل: على التفسير. وروي عن رسول الله أنه قال: [من ادّان دينا وهو ينوي أن لا يؤدّيه لقي الله سارقا، ومن أصدق امرأة صداقا وهو ينوي أن لا يوفّيها لقي الله زانيا] (٣) وقال ﷺ :

стр. 685

[إنّ أحقّ الشّروط أن توفّوا ما استحللتم به الفروج] (١). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ (٤)؛ أي إن أحللن لكم عن شيء من المهر، وإن وهبن لكم منه شيئا. ونصب ﴿(نَفْساً)﴾ على التّمييز إذا قيل ﴿(طِبْنَ لَكُمْ)﴾ لم يعلم في أيّ صنف وقع الطيب، فكأنه قال: إن طابت أنفسهن بهبة شيء من المهر فكلوا الموهوب لكم هنيئا لا إثم فيه، مريئا لا ملامة فيه. قال الحضرميّ (٢): (إنّ ناسا كانوا يتأثّمون أن يرجع أحدهم في شيء ممّا ساق إلى امرأته).قال الله تعالى: ﴿(فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً)﴾ من غير إكراه ولا خديعة ﴿(فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً)﴾ أي شافيا طيّبا. وقيل معناه: فكلوه دواء شافيا، وقيل: الهنيء: الطّيّب المساغ الّذي لا يغصّه شيء، والمريء: المحمود العاقبة الّذي لا يضرّ ولا يؤذي، تقول: لا تخافون في الدنيا منه مطالبة، ولا في الآخرة بتبعة، يقال: هنأني لي الطعام ومرّأني، فإذا أفرد يقال: أمرأني ولا يقال أهنأني، وهنيئا مصدر. وعن عليّ ﵁ أنه قال: (إذا كان أحدكم مريضا فليسأل امرأته درهمين من مهرها تهب له بطيبة نفسها؛ فليشتر بذلك عسلا، ويشربه مع ماء المطر، فقد اجتمع الهنيء والمريء والشّفاء والماء المبارك) (٣).لأنّ الله تعالى سمّى المهر هنيئا مريئا إذا وهبته المرأة لزوجها؛ وسمّى العسل شفاء؛ وسمّى المطر ماء مباركا، فإذا اجتمعت هذه الأشياء يرجى له الشّفاء.

стр. 686

قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً؛﴾ أي لا تعطوا الجهّال بمواضع الحقّ-وهم النساء والصّبيان-أموالكم التي جعل الله لكم قوام أمركم ومعيشتكم؛ أي جعلكم تقومون به قياما إذا علم الرجل أنّ امرأته سفيهة مفسدة، وأن ولده سفيه مفسد، فلا ينبغي له أن يسلّط أحدا منهما على ماله الذي هو قوام أمره. ومن قرأ «(قيما)» فمعناه: التي جعلها الله لكم قيمة للأشياء فبها تقوم أموركم. وقال مجاهد: (نهى الرّجال أن يؤتوا النّساء أموالهم وهنّ سفهاء؛ كنّ أزواجا، أو بنات أو أمّهات) (١).وعن الضحّاك: (النّساء من أسفه السّفهاء) (٢) يدلّ على هذا التأويل قوله ﷺ : [ألا إنّما خلقت النّار للسّفهاء-قالها ثلاثا-ألا إنّ السّفهاء النّساء إلاّ امرأة أطاعت قيّمها] (٣). وعن أنس ﵁ قال: جاءت امرأة سوداء جريئة المنطق إلى رسول الله ﷺ فقالت: بأبي وأمّي أنت يا رسول الله؛ بلغني أنّك تقول فينا كلّ شيء، قال: [أيّ شيء قلت فيكنّ؟] قالت: سمّيتنا السّفهاء، قال: [الله تعالى سمّاكنّ السّفهاء في كتابه] قالت: وسمّيتنا النّواقص، قال: [فكفى نقصا أن تترك كلّ واحدة منكنّ الصّلاة في كلّ شهر خمسة أيّام لا تصلّي فيها]-يعني أيّام حيضها-ثمّ قال ﷺ : [أما يكفي إحداكنّ إذا حملت كان لها كأجر المرابط في سبيل الله، وإذا وضعت كانت كالمتشحّط بدمه في سبيل الله، فإذا أرضعت كان لها بكلّ جرعة عتق رقبة من ولد إسماعيل، فإذا سهرت كان لها بكلّ سهرة عتق رقبة من ولد إسماعيل، وذلك

стр. 687

للمؤمنات الخاشعات الصّابرات اللاّتي لا يكفرن العشير] (١) فقالت السّوداء: أيا له فضلا لولا ما تبعه من الشّروط. وروي: أنّ امرأة مرّت بعبد الله بن عمر لها شارة وهيئة، فقال لها ابن عمر: ﴿(وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ)﴾ (٢).وقال معاوية بن مرّة: (عوّدوا نساءكم (لا) (٣)،فإنّهنّ سفيهات، إن أطعت المرأة أهلكتك). وعن أبي موسى الأشعريّ قال: (ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيّئة الخلق فلم يطلّقها، ورجل كان له على رجل دين فلم يشهد عليه، ورجل أعطى سفيها ماله، وقد قال الله تعالى: ﴿(وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ)﴾ أي الجهّال بمواضع الحقّ) (٤). قوله تعالى: ﴿(الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً)﴾. قرأ ابن عمر «(قواما)» بفتح القاف والواو، وقرأ عيسى بن عمر «(قواما)» بكسر القاف وهما لغات. وقرأ الأعرج ونافع وابن عامر «(قيما)» بكسر القاف من غير ألف. وقرأ الباقون «(قياما)» بالألف. قوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ؛﴾ أي أطعموا النساء والأولاد واكسوهم من أموالكم. ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ (٥)؛أي عدّوهم عدّة

стр. 688

حسنة، نحو أن يقول الرجل: سأفعل كذا إن شاء الله، وقيل: ردّوا عليهم ردّا جميلا، وقولوا لهم قولا ليّنا تطيب به أنفسهم. والرّزق من الله تعالى: العطيّة غير المحدودة، ومن العباد الشيء الموظّف لوقت محدود. وإنّما قال (فيها) ولم يقل: منها؛ لأنه أراد: اجعلوا لهم حظّا فيها أي رزقا فيها. قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتامى؛﴾ أي اختبروهم في عقولهم وتدبيرهم وديانتهم حتى إذا بلغوا مبلغ النّكاح وهو الحلم، وهذا دليل جواز الإذن للصبيّ في التجارة. قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً؛﴾ أي علمتم منهم ووجدتم إصلاحا في عقولهم وحفظا في أموالهم. ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ؛﴾ الّتي عندكم. نزلت هذه الآية في ابن رفاعة وعمّه، وكان رفاعة قد توفّي، وترك ابنه صغيرا، فأتى عمّه ثابت إلى النبيّ ﷺ ، فقال له: إنّ ابن أخي يتيم في حجري، فمتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله هذه الآية (١). قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا؛﴾ أي لا تأكلوا أموال اليتامى بغير حقّ. والإسراف: مجاوزة الحدّ. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ؛﴾ أي ليتورّع بغناه عن مال اليتيم، ولا ينقص شيئا من ماله، والعفّة: الامتناع عمّا لا يحلّ فعله. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ؛﴾ اختلفوا في معنى ذلك، قال عمر بن الخطاب وسعيد بن جبير وعبيدة السّلمانيّ: (معناه: فليأخذ من مال اليتيم على جهة القرض مقدار حاجته، فإذا أيسر ردّ عليه مثله) (٢).وهكذا روى الطّحاويّ عن أبي حنيفة، فمعنى قوله تعالى: ﴿(بِالْمَعْرُوفِ)﴾ بالقرض، نظيره قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ (٣) أي أو قرض.

стр. 689

وقال مكحول وعطاء وقتادة: (إنّ لوليّ اليتيم أن يأخذ من مال اليتيم قدر ما يستر عورته ويسدّ جوعته لا على جهة القرض) (١).قال الشّعبيّ: (لا يأكل إلاّ أن يضطرّ إليه كأن يضطرّ إلى الميتة) (٢).وقال بعضهم: ﴿(فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ)﴾ أي يأكل من غير إسراف، ولا قضاء عليه فيما أكل (٣). واختلفوا في كيفيّة هذا بالمعروف، فقال عكرمة والسّدّيّ: (يأكل ولا يسرف في الأكل ولا يكتسي منه) (٤).وقال النخعيّ: (لا يلبس الكتّان ولا الحلل، ولكن ما يسدّ الجوعة ويواري العورة) (٥).وقال بعضهم: معنى: ﴿(فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ)﴾ هو أن يأكل من تمر نخيله ولبن مواشيه بالمعروف ولا قضاء عليه، فأمّا الذهب والفضّة إذا أخذ منه شيئا ردّ بدله. قال الضحّاك: (المعروف ركوب الدّابّة وخدمة الخادم، وليس له أن يأكل من ماله شيئا (٦). وعن ابن عبّاس: (أنّ رجلا جاء إليه فقال له: إنّ في حجري أموال أيتام؛ أفتأذن لي أن أصيب منها؟ فقال: إن كنت تبغي ضالّتها، وتهنا جرباها، وتلوط حوضها فاشرب غير مضرّ بالنّسل ولا ناهك في الحلب) (٧).عن ابن عبّاس رواية أخرى أنّ معنى الآية: (فليأكل من مال نفسه بالمعروف حتّى لا يصيب من مال اليتيم شيئا).

стр. 690

وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (لا يأكل من مال اليتيم قرضا وغيره) وهذا قول أبي حنيفة. وروى بشر عن أبي يوسف أنه قال: (لا يأكل من مال اليتيم إذا كان مقيما، فإن خرج في تقاض دين لليتيم أو إلى ضياع له، فله أن ينفق ويكتسي ويركب، فإذا رجع ردّ الثّياب والدّابّة إلى اليتيم).وعنه لأبي يوسف رواية أخرى: (أنّ قوله ﴿(فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ)﴾ يجوز أن يكون منسوخا بقوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾ (١)). فحاصل هذه الروايات؛ أنّ الأصحّ على مذهب أبي حنيفة وأصحابه: أنه ليس للوصيّ أن يأكل من مال اليتيم قرضا ولا غيره؛ إلاّ أن يضطرّ إلى شيء منه فيأخذه بالضرورة، ثم يردّ إذا وجد. وعن ابن عبّاس قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إنّ في حجري يتيما فأضربه، قال: [ما كنت ضاربا منه ولدك] (٢). قوله تعالى: ﴿فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ؛﴾ إذا دفعتم إليهم أموالهم بعد بلوغهم وإيناس الرّشد، ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ؛﴾ وثيقة لكم، ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً﴾ (٦)؛أي شهيدا ومجازيا لها إلاّ أن الإشهاد فيما بين الناس من أحكام الدّنيا لضروب من المصلحة، وانتصب ﴿(حَسِيباً)﴾ على القطع، وكفى بالله الحسيب حسيبا. قوله تعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ (٧)؛ وذلك أنّ العرب كانت لا تورث إلاّ من طاعن بالرّماح وذاد عن المال وحاز الغنيمة، فأعلم الله تعالى أنّ حقّ الميراث للرّجال والنّساء. قال ابن عبّاس: (توفّي أوس بن

стр. 691

ثابت الأنصاريّ وترك ثلاث بنات له (١)،وترك امرأة يقال لها أمّ كجّة (٢) وهي أمّهنّ، فقام رجلان من بني عمّه قتادة وعرفطة وكانا وصيّين له فأخذا ماله، ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا من المال، فجاءت أمّ كجّة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله؛ إنّ أوس بن ثابت توفّي وترك ثلاث بنات، وليس عندي ما أنفق عليهنّ، وقد ترك أبوهنّ مالا حسنا وهو عند قتادة وعرفطة ولم يعطياني ولا لبناتي شيئا، هنّ في حجري لا يطعمن ولا يسقين ولا يرفع لهنّ رأس، فقال ﷺ : [ارجعي إلى بيتك حتّى أنظر ما يحدث الله فيهنّ] فرجعت إلى بيتها، فأنزل الله هذه لآية) (٣). ومعناه: للرجال حظّ ممّا ترك الوالدان والأقربون، وللنساء كذلك أيضا، مما قلّ من المال أو كثر، ﴿(نَصِيباً مَفْرُوضاً)﴾ أي معلوما مقدّرا، فأرسل النبيّ ﷺ إلى قتادة وعرفطة (٤): [أن لا تقربا من مال أوس شيئا، فإنّ الله قد أنزل لبناته نصيبا، ولم يبيّن كم هو، أنظركم يبيّن الله تعالى لهنّ] فأنزل الله بعد ذلك ﴿(يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ)﴾ إلى قوله ﴿(ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)﴾ فأرسل النبيّ ﷺ إلى قتادة وعرفطة: [أن ادفعا إلى أمّ كجّة ثمن جميع المال ادفعا إليها لبناتها الثّلثين ولكم باقي المال]. وانتصب قوله تعالى ﴿(نَصِيباً)﴾ لخروجه مخرج المصدر كقول القائل: عندي حقّا؛ ولك معي درهم هبة.

стр. 692

قوله تعالى: ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ؛﴾ أي حضر قسمة المواريث ذو قرابة الميّت في الرّحم الذين لا يورثون واليتامى المحتاجون والمساكين فأعطوهم شيئا من المال قبل القسمة، ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ (٨)؛أي عدوهم عدة حسنة، وقيل: اعتذروا عند قلّة المال وقولوا لهم: كنّا نحبّ أن يكون أكثر من ذلك. وعن ابن عبّاس روايتان؛ إحداهما: (أنّ هذه الآية محكمة غير منسوخة) (١) وهو قول عطاء ومجاهد والزهريّ وجماعة، حتى روي عن عبيدة السّلمانيّ: (أنّه ذبح للأقرباء شاة من أموال اليتامى وأعطاهم؛ وقال: إنّي أحبّ أن يكون ذلك من مالي لولا هذه الآية) (٢).وعن ابن سيرين أنّه فعل مثل ذلك. وقال قتادة عن الحسن: (ليست منسوخة، ولكنّ النّاس شحّوا وبخلوا، وكان التّابعون يعطون الأواني والشّيء الّذي يستحيا من قسمته) (٣). والرواية الثّانية: (أنّ هذه الآية منسوخة بآية المواريث) (٤) وهو قول سعيد بن المسيّب والسديّ وأبي مالك (٥) وأبي صالح والضحّاك؛ لأنّها لو كانت واجبة مع كثرة قسمة المواريث في عهد النبيّ ﷺ والصّحابة ومن بعدهم لنقل وجوب ذلك واستحقاقه لهؤلاء كما نقلت المواريث للزوم الحاجة إلى ذلك، لكن يستحبّ ذلك في حقّ الورثة لحضور البالغين. وحديث عبيدة السّلمانيّ محمول على أنّ الورثة كانوا بالغين؛ فذبح الشاة من جملة المال بإذنهم. قوله : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ (٩)؛قال عامّة المفسّرين: (كان

стр. 693

الرّجل إذا حضره الموت يقول له من حضره عند وصيّته: انظر لنفسك؛ فإنّ أولادك وذرّيّتك لا يغنون عنك شيئا، قدّم لنفسك، أعتق وتصدّق، أوص لفلان بكذا ولفلان بكذا، فلا يزالون كذلك حتّى يذهب عامّة ماله، ويبقى عياله بغير شيء، فنهاهم الله تعالى عن ذلك وأمرهم أن يتركوا أموالهم لورثتهم) (١). روي عن رسول الله ﷺ : أنّه دخل على سعد بن أبي وقّاص يزوره، فقال سعد: يا رسول الله؛ إنّي ذو مال وليس لي إلاّ بنت واحدة، أفأوصي بالثّلثين؟ قال: [لا] قال: فبالشّطر؟ قال: [لا] فبالثّلث؟ قال: [والثّلث كثير، إنّك إن تدع ورثتك أغنياء خيرا من أن تدعهم فقراء يتكفّفون النّاس] (٢). قال بعض المفسّرين: هذه الآية خطاب لمن يتصرّف بأموال اليتامى؛ معناه: وليخش الذين يخافون الضّياع على ورثتهم الضعاف بعد موتهم، فلا يفعلون في أموال اليتامى إلاّ بما يحبّون أن يفعل في أولادهم من بعد موتهم. والقول السّديد: هو الذي لا خلاف فيه من جهة الفساد، مأخوذ من سدّ الثّلمة، وهو العدل والصّواب من القول. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً؛﴾ نزلت في حنظلة بن الشّمردل؛ كان يأكل من مال اليتيم في حجره ظلما. ومعناها: إنّ الّذين يأكلون أموال اليتامى بغير حقّ، إنّما يأكلون في بطونهم حراما. ويسمّى الحرام نارا؛ لأن الحرام يوجب النّار فسمّاه باسمها على معنى أنّ أجوافهم تمثّل نارا في الآخرة. قال السديّ: (من أكل من مال اليتيم ظلما يبعث يوم القيامة، ولهب النّار يخرج من فيه وأذنيه وعينيه وأنفه، كلّ من رآه عرف أنّه أكل مال اليتيم ظلما) (٣).

стр. 694

قوله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ (١٠)؛أي سيصلون النار في الآخرة ويلزمونها، والصّلاء: ملازمة النّار للاحتراق والإنضاج. قرأ العامّة: «(وسيصلون)» بفتح الياء أي يدخلونها كقوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى﴾ (٢). وقرأ أبو رجاء والحسن وابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضمّ الياء على معنى: وسيدخلون النّار على ما لم يسمّ فاعله، ونظيره ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ (٣) و ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً﴾ (٤).وقرأ حمزة بن قيس: «(وسيصلّون)» بتشديد اللاّم من التّصلية لكثرة الفعل؛ أي مرّة بعد مرة، نظيره ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ (٥) والكلّ صواب، يقال: صلت شياء إذا شويته. وفي الحديث: [أتي بشاة مصليّة] (٦) وأصليته: ألقيته في النّار، وصلّيته مرّة بعد مرّة. السّعير: النّار المسعورة أي الموقودة. قال ﷺ : [رأيت ليلة أسري بي قوما لهم مشافر كمشافر الإبل؛ إحداهما قالصة على منخره، والأخرى على بطنه، وخزنة النّار يلقّمونهم جمر جهنّم وصخرها ثمّ يخرج من أسافلهم، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الّذين يأكلون أموال اليتامى ظلما] (٧). قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ؛﴾ قال ابن عبّاس: (كان المال للبنتين؛ وكانت الوصيّة للوالدين والأقربين إلى أن نزلت هذه الآية ثمّ صار ذلك منسوخا بها).ومعناها: يعهد الله إليكم ويفرض عليكم في أولادكم إذا متّم: للذكر الواحد من الأولاد مثل نصيب الأنثيين في الميراث، واسم

стр. 695

الولد يتناول ولده من صلبه حقيقة ولد ولده في النّسبة والتعصيب، ولكنّهم من ذوي الأرحام مجازا، فإذا كان للميّت ولد من صلبه وجب حمل اللفظ على الحقيقة، وإن لم يكن له ولد من صلبه حمل على من كان من صلب بنيه مجازا، وأمّا ولد البنات فلا يعدّ من ولده في النّسبة والتعصب، ولكنّهم من ذوي الأرحام. قال الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد وعن هذا قال أصحابنا: فمن أوصى لولد فلان أنّ ذلك لولده لصلب، فإن لم يكن له ولد من صلبه فهو ولد ابنه، ولا يدخل أولاد البنات في هذه الوصيّة على أظهر الرّوايتين. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ؛﴾ أي إن كان الأولاد نساء أكثر من اثنتين ليس معهنّ ذكر؛ ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ؛﴾ من المال، والباقي للعصبة. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ؛﴾ قرأ العامّة بالنصب على خبر كان، وقرأ نافع وحده بالرفع على أنّ معناه: وإن وقعت واحدة؛ فحينئذ لا خبر له، وقراءة النصب أجود، وتقديره: فإن كانت المولودة واحدة. فإن قيل: لم أعطيتم البنتين الثّلثين وفي الآية إيجاب الثّلثين لأكثر من الابنتين؟ قيل: في فحوى الآية دليل على أن فرض الابنتين الثّلثان؛ لأنّ في أوّلها ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ،﴾ فيقتضي أنّ للابنة الواحدة مع الابن الثّلث، فإن كان لها معه الثّلث كانت تأخذ الثّلث مع عدمه أولى، فاحتجنا إلى بيان حكم ما فوق الأنثيين؛ فذلك نصّ على حكم ما فوقهما، ويدلّ عليه أنه اذا كان للابن الثّلثان، وللابنة الثّلث دلّ أن نصيب الأنثيين الثّلثان بحال؛ لأنّ الله تعالى جعل للذكر مثل حظّ الأنثيين. وجواب آخر: أنّ الله تعالى جعل للأخت من الأب والأمّ النصف في آخر هذه السورة، كما جعل للابنة النصف في هذه الآية، وجعل للأختين هناك الثّلثين، فأعطينا الاثنين الثّلثين قياسا على الأختين في تلك الآية، وأعطينا جملة الأخوات الثّلثين قياسا على البنات في هذه الآية.

стр. 696

قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ؛﴾ أي لأبوي الميّت كناية عن غير المذكور لكلّ واحد منهما السّدس؛ ﴿إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ؛﴾ أو ولد ابن. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ؛﴾ أي إن لم يكن للميّت ولد ذكر ولا أنثى، ولا ولد ولد فلأمّه الثّلث، والباقي للأب. وروي عن ابن مسعود: (أنّ الولد يحجبون الأمّ من الثّلث إلى السّدس، وإن لم يرثوا نحو أن يكونوا كفّارا أو مملوكين أو قاتلين؛ لأنّ الله لم يفرّق في الآية بين الولد الكافر والمسلم، فقال: ﴿(وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ)﴾. وقال عمر وعليّ وزيد بن ثابت: (للأمّ الثّلث)،وجعلوا الكافر والرقيق بمنزلة الميّت، وحملوا الآية على ولد يحوز الميراث. قرأ أهل الكوفة إلاّ عاصما وخلفا: «(فلإمّه)» بكسر الهمزة استثقالا لضمّة بعد كسر. وقرأ الباقون بالضمّ على الأصل. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ؛﴾ ذكره بلفظ الجمع، وأقلّه ثلاثة ولا خلاف، وإن الحجب يقع بثلاثة من الإخوة والأخوات وإن ذلك لا يقع بالواحد، ثم قال عامّة الصحابة: (إنّ حكم الاثنين في هذا حكم الثّلاثة كما في أنثيين والأختين).وعن ابن عبّاس: (أنّه كان لا يحجب الأمّ عن الثّلث إلى السّدس بأقلّ من ثلاثة إخوة)،وهذا القول غير مأخوذ به. وروي عنه أيضا: (أنّه جعل للابنتين النّصف كنصيب الواحدة بظاهر قوله تعالى ﴿(فَوْقَ اثْنَتَيْنِ)﴾ ولم يقل بهذا آخر غيره فلا يعتدّ به. وروي أنّ جدّة جاءت إلى أبي بكر ﵁، وطلبت ميراثها؛ فقال أبو بكر ﵁: (لا أجد لك في كتاب الله شيئا) فقام المغيرة بن شعبة وشهد أنّ رسول الله ﷺ أعطى جدّة أمّ الأمّ السّدس، فقال: (ائت معك بشاهد آخر) فجاء محمّد بن مسلمة وشهد بمثل شهادته، فأعطى أبو بكر ﵁ السّدس (١).

стр. 697

قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ؛﴾ إنّ هذه القسمة بعد فضل المال على الدّين، وبعد إمضاء الوصيّة من الثّلث إن كان الميت أوصى بها. قرأ ابن كثير وابن عامر: «(يوصى بها)» بفتح الصّاد. وقرأ الباقون بكسر الصّاد. فإن قيل: كيف ذكر الله الوصيّة قبل الدّين؛ والدّين مقدّم على الوصيّة؟ قيل: إنّ كلمة (أو) لا توجب الترتيب، لكنّها توجب تأخير قسمة الميراث في هذه الآية عن أحدهما إذا انفرد، وعن كلّ واحد منهما إذا اجتمعا. روى عليّ كرّم الله وجهه عن رسول الله [أنّه قضى بالدّين قبل الوصيّة] (١) وهذا شيء قد اجتمعت عليه الأمّة حتى روي عن ابن عبّاس: أنه قيل له: ما لنا نقدّم أفعال العمرة على أفعال الحجّ وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ (٢)؟ كما تقدّمون الدّين على الوصيّة، وقد قال الله تعالى ﴿(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ)﴾. قوله تعالى: ﴿آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً؛﴾ معناه: إنّ المذكورين في الآية آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيّهم أقرب لكم نفعا في الدّنيا ولا في الآخرة، أمّا في الدّنيا فقد يكون الولد أكثر نفعا لوالده، وقد يكون الوالد أكثر نفعا لولده. وأمّا في الآخرة، فإنّ الأب أرفع درجة في الجنّة يسأل الله تعالى أن يرفع ابنه إليه فيرفع، وإن كان الابن أرفع سأل الله أن يرفع أباه إليه. وفي هذا جواب طعن الملحدين عن قولهم: هلاّ كان الرجال أولى بالميراث لكونهم قوّامين على النّساء؟ وعن جواب آخرين منهم لم جاز تفضيل الذكر على الأنثى في قسمتها الميراث؛ والأنثى أولى بالزيادة بعجزها عن التصرّف؟ فبيّن الله تعالى أنه فرض الفرائض على ما هو عنده حكمة ومصلحة لهم، ولو وكّل ذلك إليكم لما تعلموا أيّهم أنفع، فوضعتم الأموال في غير حكمة. وقيل معناه: لا يدري أحدكم أهو أقرب وفاة فينتفع ولده بماله، أم الولد أقرب وفاة فينتفع والده بماله.

стр. 698

قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ؛﴾ نصب على الحال والتوكيد من قوله ﴿(يُوصِيكُمُ)،﴾ وقيل: مصدر. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١١)؛ أي لم يزل عالما بالمواريث وغيرها، حكيما حين بيّن قسمة المواريث على الحكمة. وعن الحسن أنّ معناه: (كان الله عالما بالأشياء قبل خلقها، حكيما فيما يقدّر من تدبيره فيها). قوله تعالى: ﴿*وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ؛﴾ أي لكم يا معشر الرجال: نصف ما ترك نساؤكم إن لم يكن لهنّ ولد ذكر أو أنثى أو من غيركم أو ولد ولده؛ ﴿فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ؛﴾ أي ذكر أو أنثى منكم أو من غيركم أو ولد ولده؛ ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ؛﴾ من المال، ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ؛﴾ أي من بعد قضاء الدّين عليهنّ أو إمضاء وصيّة أوصين بها من الثّلث. قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ؛﴾ أي ممّا تركتم أيّها الأزواج من المال، ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ،﴾ ذكر أو أنثى أو ولد ابن منهنّ أو غيرهن؛ ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ؛﴾ ذلك، ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ؛﴾ قضاء دين عليكم، أو إمضاء وصيّة أوصيتم بها من الثّلث. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ؛﴾ الآية وإن كان رجل، أو امرأة يورث (كلالة) وهو نصب على المصدر، وقيل على الحال، وقيل: على خبر ما لم يسمّ فاعله؛ تقديره: وإن كان رجل يورث ماله كلالة، قاله ابن عبّاس. وقرأ الحسن: «(يورث)» بكسر الراء؛ جعل الفعل له. واختلفوا في الكلالة، قال ابن عبّاس: (هو من لا ولد له ولا والد).وعن ابن عبّاس وعمر وجابر وأبي بكر وقتادة والزهريّ: (الكلالة اسم لما عدا الوالد والولد) (١).وقال الشعبيّ: (سمعت أنّ أبا بكر ﵁ قال في الكلالة: أقضي فيها، فإن

стр. 699

كان صوابا فمن الله تعالى، وإن يكن خطأ فمنّي ومن الشّيطان، والله بريء منه: هو ما دون الوالد والولد، يقول كلّ وارث دونهما كلالة).قال: (فلمّا كان عمر بعده، قال: إنّي أستحي من الله أن أخالف أبا بكر ﵁، هو ما خلا الوالد والولد) (١).وقال طاوس: (هو ما دون الولد) وقال الحكم: (هو ما دون الأب) (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ؛﴾ إنّما لم يقل ولهما؛ لأن من عادة العرب أنّ الرجل والمرأة ربّما أضافت إليهما، وربما أضافت إلى أحدهما، وكلاهما جائز (٣)،ومعنى: وله أخ أو أخت من أمّ، وفي قراءة أبيّ وسعد بن أبي وقّاص: «(وله أخ أو أخت من أمّ)»، ﴿فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ؛﴾ مما ترك الميت من المال. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ؛﴾ أي أكثر من واحد فهم كلّهم سواء في الثّلث لا يفضّل الذكر على الأنثى. قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ؛﴾ قد تقدّم. قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ؛﴾ نصب على الحال؛ أي يوصي بها الميت غير مضارّ في حال وصيّة بأن يزيد على الثّلث، ويفضّل بعض الورثة على بعض. قال ﷺ : [إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه؛ فلا وصيّة لوارث إلاّ أن يجيزها الورثة] (٤).

стр. 700

قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللهِ؛﴾ نصب على المصدر؛ ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (١٢)؛عليم بما دبّره من هذه الفرائض؛ حليم على من عصاه بأن أخّره وقبل التوبة. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ؛﴾ أي هذه فرائض الله التي أمركم بها في المواريث وأموال اليتامى. والحدود: هي الأمكنة الّتي لا ينبغي أن يتجاوزها. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ؛﴾ أن من يقيم حدود الله، وحدود رسوله في أمر الميراث وغيره، ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ قرئ (ندخله) بالنون في الموضعين، والياء أقرب من لفظ الآية. قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها؛﴾ نصب على الحال أي ندخل المقدّرين للخلود فيها. ﴿وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٣)؛أي النّجاة الوافرة فازوا بها في الجنّة. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ؛﴾ أي قسمة الميراث فلم يقسمها؛ لأنّ المنافقين كانوا لا يقرّون للنساء والصّبيان الصّغار من قسمة المواريث بشيء. قوله تعالى: ﴿يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (١٤)؛ظاهر المعنى. قوله تعالى: ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ؛﴾ أي اللاّتي يزنين من حرائركم الثيّبات المحصنات، ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ،﴾ فاطلبوا عليهنّ أربعة من الشّهود من أحراركم المسلمين العدول، ﴿فَإِنْ شَهِدُوا؛﴾ عليهنّ بالزّنا، فاحبسوهنّ في البيوت، وهي السّجون، بيوت معروفة في المدينة، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ،﴾ بالحبس، ﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ (١٥)،مخرجا من الحبس قبل الموت.

стр. 701

وإنّما كان هذا قبل نزول الحدود؛ كانت المرأة في أوّل الإسلام إذا زنت حبست في البيت حتى تموت (١)،وإن كان لها زوج كان مهرها له، حتى نزل قوله تعالى: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢) فقال رسول الله ﷺ : [خذوا عنّي؛ خذوا عنّي: قد جعل الله لهنّ سبيلا، الثّيّب بالثّيّب جلد مائة والرّجم، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام] (٣) فنسخت تلك الآية بعض هذه الآية، وهو الإمساك في البيوت، وبقي منها محكما وهو الإشهاد. وكان في هذا النّسخ نسخ القرآن بالسّنّة، ثم تغريب في البكر بقوله تعالى ﴿(الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ)﴾ لأن ظاهر تلك الآية يقتضي أنّ الجلد بيان لجميع الحكم المتعلّق بالزّنا، إذ لو لم يجعل ذلك كذلك لكان قصورا في البيان في مواضع الحاجة، ونسخ جلد الزّنا المحصن الثّيّب بحديث ماعز: [أنّ النّبيّ ﷺ رجمه ولم يجلده] (٤). وعن عمر ﵁ أنّه قال: (لولا أنّ النّاس يقولون زاد عمر في كتاب الله؛ لكتبت في حاشية المصحف: الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما نكالا من الله ويتوب الله على من تاب) (٥).وقال الشّافعيّ ﵀: (جلد الثّيّب المحصن منسوخ، وتغريب البكر غير منسوخ)،وعند داود ومن تابعه من أصحاب الظّواهر: (ليس بشيء منهما منسوخ).

стр. 702

قوله تعالى: ﴿وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما؛﴾ يعني الرجل والمرأة إلاّ أنّ المذكّر والمؤنّث إذا اجتمعا غلّب المذكّر، والهاء راجعة إلى الفاحشة. قال المفسّرون: (هاء) البكر إن يزنيان فآذوهما بالشّتم والتّعيير؛ يقال لهما: زنيتما؛ فجرتما؛ انتهكتما حرمات الله. وقيل: بهاء اللّذين لم يحصنا. وقال عطاء وقتادة: (معنى: ﴿(فَآذُوهُما)﴾ أي عنّفوهما باللّسان: أما خفتما الله! أما استحييتما منه!) (١).قال ابن عبّاس: (أراد بالأذى الضّرب بالنّعال والأيدي) (٢). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما؛﴾ أي فإن تابا عن الزّنا واصلحا العمل بعد التوبة فأعرضوا عنهما؛ لا تسبّوهما ولا تعيّروهما. وعن أبي هريرة ﵁: (أنّ رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ ؛ فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر: أجل يا رسول الله ﷺ ؛ اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلّم، قال: [تكلّم] فقال: إنّ ابني كان عسيفا على هذا-أي أجيرا-فزنا بامرأته، فأخبروني أنّ على ابني الرّجم فافتديته بمائة شاة وجارية، ثمّ سألت أهل العلم فأخبروني أنّ على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنّما الرّجم على امرأته! فقال ﷺ : [أما والّذي نفسي بيده؛ لأقضينّ بينكما بكتاب الله، أمّا غنمك وجاريتك فردّ عليك] وجلد ابنه بمائة وغرّبه عاما، وأمر أنيسا الأسلميّ أن يأتي امرأة الرّجل؛ فاعترفت فرجمها) (٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ تَوّاباً رَحِيماً﴾ (١٦)؛أي لم يزل متجاوزا عن النّاس رحيما بهم بعد التوبة. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ؛﴾ معناه: إنّما التّجاوز من الله للذين يعملون المعصية بجهالة، ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ﴾

стр. 703

﴿قَرِيبٍ؛﴾ أي ثم يتوبون من قبل أن ينزل بهم سلطان الموت لا في وقت المعاينة، ﴿فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ؛﴾ يقبل الله توبتهم؛ ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً؛﴾ بأهل التوبة؛ ﴿حَكِيماً﴾ (١٧)؛حكم بقبول التوبة، قيل: إنّ (على) في قوله: ﴿(عَلَى اللهِ)﴾ بمعنى (عند) أي إنّما التوبة عند الله. وقيل: بمعنى (من) أي من الله. واختلفوا في قوله: ﴿(بِجَهالَةٍ)﴾. قال مجاهد والضحّاك: (الجهالة العمد) (١).وقال الكلبيّ: (لم يجهل أنّه ذنب، ولكنّه جهل عقوبته).قال سائر المفسّرين: (يعني المعاصي كلّها، فكلّ من عصى ربّه فهو جاهل حتّى ينزع عن معصيته).وقال قتادة: (أجمع الصّحابة أنّ كلّ من عصى ربّه فهو جاهل عمدا كان أو خطأ) (٢).وقال الزجّاج: (معنى قوله (بجهالة):اختيارهم اللّذة الفانية). قوله تعالى: ﴿(ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ)﴾ أي ثم يتوبون قبل إصابتهم بأسباب الموت، سمّى ذلك قريبا لأنّ كلّ ما هو آت قريب؛ لأنّ المرء لا يأمنه في كلّ وقت وساعة، وكلّ ما يكون هذا صفته فهو موصوف بالقرب. قال ﷺ : [من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه] ثمّ قال: [إنّ السّنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه] ثمّ قال: إنّ الشّهر لكثير، ثمّ قال: [من تاب قبل موته بجمعة تاب الله عليه] ثمّ قال: [إنّ الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه] ثمّ قال: [إنّ اليوم لكثير، من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه] ثمّ قال: [إنّ السّاعة لكثير، من تاب من قبل أن يغرغر نفسه تاب الله عليه] (٣). وقال الكلبيّ: (قوله: ﴿(مِنْ قَرِيبٍ)﴾ القريب ما دام في الصّحّة قبل المرض والموت).وقال أبو موسى الأشعريّ: (هو أن يتوب قبل موته بفواق (٤) ناقة).

стр. 704

قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ؛﴾ أي وليس قبول التوبة للذين يعملون المعاصي مقيمين عليها حتّى إذا عاين أحدهم أسباب الموت والسّوق والنّزع ومعاينة الموت، قال: إنّي تبت الآن، ولا على الّذين يموتون على الكفر، ﴿أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ؛﴾ هيّأنا لهم، ﴿عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٨)؛ مؤلما وهو النار التي مصيرهم إليها. وذهب الربيع إلى أنّ المراد بالذين يعملون السيئات: المنافقون، ثم عطف الكافرين المجاهرين بالكفر على المنافقين. وحاصل هذه الآية أنّ من وقع في النّزع وقال: إنّي تبت الآن، فحينئذ لا يقبل من كافر إيمانه، ولا من عاص توبته، وقوله: ولا الّذين يموتون موضع خفض. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً؛﴾ الآية، قال ابن عبّاس: (كانوا في الجاهليّة وأوّل الإسلام إذا مات رجل وله امرأة؛ جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته الّذي يرثه، فألقى ثوبه على تلك المرأة فورث نكاحها بصداق الأوّل، يقول: أنا وليّ زوجك فورثتك، فإن كانت جميلة أمسكها ودخل بها، وإن لم تكن جميلة طوّل عليها لتفتدي بنفسها منه بما ترث من الميّت أو تموت فيرثها، فإن ذهبت إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ثوبه فهي أحقّ بنفسها. فكانوا يفعلون ذلك حتّى توفّي أبو قيس بن الأسلت، وترك امرأته كبشة بنت معن الأنصاريّة، فقام لها ابن من غيرها يقال له حصين بن أبي قيس؛ فطرح ثوبه عليها فولي نكاحها ثمّ تركها ولم يقربها ولم ينفق عليها فضارّها بذلك لتفتدي منه بمالها، فأتت كبشة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله؛ إنّ أبا قيس توفّي وورث ابنه نكاحي؛ وقد أضرّني وطوّل عليّ، فلا هو ينفق عليّ، ولا هو يخلي سبيلي، فقال ﷺ : [أقعدي في بيتك حتّى يأتيني فيك أمر الله] فانصرفت، وسمع بذلك نساء المدينة، فأتينا رسول الله ﵇ فقلن: يا رسول الله؛ ما نحن إلاّ كهيئة كبشة، فأنزل الله هذه الآية (١).

стр. 705

ومعناها: يا أيّها الذين أقرّوا وصدّقوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء جبرا؛ ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ؛﴾ أي لا تمنعوهنّ تخلية سبيلهنّ حتى يفتدين ببعض ما لهنّ؛ ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ؛﴾ فحينئذ يحلّ لكم ضرارهنّ ليفتدين منكم، وهو أنّها إذا زنت المرأة جاز لزوجها أن يسألها الخلع. قال عطاء: (كان الرّجل إذا زنت امرأته أخذ منها ما يساق إليها وأخرجها، فنسخ الله ذلك بالحدود).قال قتادة والضحّاك: (الفاحشة النّشوز؛ يعني إذا نشزت المرأة حلّ لزوجها أن يأخذ منها الفدية) (١).وقوله تعالى: ﴿(مُبَيِّنَةٍ)؛﴾ بخفض الياء أي مبيّنة فحشها. قرأ حمزة والكسائيّ وخلف والأعمش: «(كرها)» بضمّ الكاف هنا وفي التوبة، وقرأ الباقون بالفتح وهما لغتان. وعن الضحّاك: (أنّ هذه الآية نزلت في الرّجل يكون في حجره يتيمة؛ فيكره أن يزوّجها لمالها، فيتزوّجها لأجل مالها، أو يكون تحته عجوز، ونفسه تتوق إلى شابّة فيكره فراق العجوز ويتوقّع موتها ليرثها وهو يعزل فراشها). قوله تعالى: ﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ؛﴾ أمر للأزواج بعشرة نسائهم بالجميل، وهو أن يوفّيها حقّها من المهر والنّفقة والمبيت وترك أذاها بالكلام الغليظ، والإعراض عنها والعبوس في وجهها بغير ذنب منها. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ (١٩)؛فيه بيان أنّ الخيّرة ربّما كانت للعبد في الصّبر على ما يكرهه؛ يقول: لعلكم أيّها الأزواج أن تكرهوا صحبتهنّ ويجعل الله في ذلك خيرا كثيرا بأن يرزقكم منهنّ الأولاد، فتظهر بعد ذلك الألفة والموافقة، وتنقلب الكراهة صحبة؛ والنفور ميلا. وقيل: يعني بالخير الكثير: ما يحصل له من الثّواب في الآخرة في الإنفاق عليها. وقيل: معناه: عسى الله أن يقضي بالفراق على وجه يحمد، فيستبدل به المرأة من هو خير لها منه، ويستبدل هو بها من هي خير له منها.
следующие страницы →