← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وإنّما كان هذا قبل نزول الحدود؛ كانت المرأة في أوّل الإسلام إذا زنت حبست في البيت حتى تموت (١)،وإن كان لها زوج كان مهرها له، حتى نزل قوله تعالى: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢) فقال رسول الله ﷺ : [خذوا عنّي؛ خذوا عنّي: قد جعل الله لهنّ سبيلا، الثّيّب بالثّيّب جلد مائة والرّجم، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام] (٣) فنسخت تلك الآية بعض هذه الآية، وهو الإمساك في البيوت، وبقي منها محكما وهو الإشهاد. وكان في هذا النّسخ نسخ القرآن بالسّنّة، ثم تغريب في البكر بقوله تعالى ﴿(الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ)﴾ لأن ظاهر تلك الآية يقتضي أنّ الجلد بيان لجميع الحكم المتعلّق بالزّنا، إذ لو لم يجعل ذلك كذلك لكان قصورا في البيان في مواضع الحاجة، ونسخ جلد الزّنا المحصن الثّيّب بحديث ماعز: [أنّ النّبيّ ﷺ رجمه ولم يجلده] (٤). وعن عمر ﵁ أنّه قال: (لولا أنّ النّاس يقولون زاد عمر في كتاب الله؛ لكتبت في حاشية المصحف: الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما نكالا من الله ويتوب الله على من تاب) (٥).وقال الشّافعيّ ﵀: (جلد الثّيّب المحصن منسوخ، وتغريب البكر غير منسوخ)،وعند داود ومن تابعه من أصحاب الظّواهر: (ليس بشيء منهما منسوخ).

стр. 702

قوله تعالى: ﴿وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما؛﴾ يعني الرجل والمرأة إلاّ أنّ المذكّر والمؤنّث إذا اجتمعا غلّب المذكّر، والهاء راجعة إلى الفاحشة. قال المفسّرون: (هاء) البكر إن يزنيان فآذوهما بالشّتم والتّعيير؛ يقال لهما: زنيتما؛ فجرتما؛ انتهكتما حرمات الله. وقيل: بهاء اللّذين لم يحصنا. وقال عطاء وقتادة: (معنى: ﴿(فَآذُوهُما)﴾ أي عنّفوهما باللّسان: أما خفتما الله! أما استحييتما منه!) (١).قال ابن عبّاس: (أراد بالأذى الضّرب بالنّعال والأيدي) (٢). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما؛﴾ أي فإن تابا عن الزّنا واصلحا العمل بعد التوبة فأعرضوا عنهما؛ لا تسبّوهما ولا تعيّروهما. وعن أبي هريرة ﵁: (أنّ رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ ؛ فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر: أجل يا رسول الله ﷺ ؛ اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلّم، قال: [تكلّم] فقال: إنّ ابني كان عسيفا على هذا-أي أجيرا-فزنا بامرأته، فأخبروني أنّ على ابني الرّجم فافتديته بمائة شاة وجارية، ثمّ سألت أهل العلم فأخبروني أنّ على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنّما الرّجم على امرأته! فقال ﷺ : [أما والّذي نفسي بيده؛ لأقضينّ بينكما بكتاب الله، أمّا غنمك وجاريتك فردّ عليك] وجلد ابنه بمائة وغرّبه عاما، وأمر أنيسا الأسلميّ أن يأتي امرأة الرّجل؛ فاعترفت فرجمها) (٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ تَوّاباً رَحِيماً﴾ (١٦)؛أي لم يزل متجاوزا عن النّاس رحيما بهم بعد التوبة. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ؛﴾ معناه: إنّما التّجاوز من الله للذين يعملون المعصية بجهالة، ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ﴾

стр. 703

﴿قَرِيبٍ؛﴾ أي ثم يتوبون من قبل أن ينزل بهم سلطان الموت لا في وقت المعاينة، ﴿فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ؛﴾ يقبل الله توبتهم؛ ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً؛﴾ بأهل التوبة؛ ﴿حَكِيماً﴾ (١٧)؛حكم بقبول التوبة، قيل: إنّ (على) في قوله: ﴿(عَلَى اللهِ)﴾ بمعنى (عند) أي إنّما التوبة عند الله. وقيل: بمعنى (من) أي من الله. واختلفوا في قوله: ﴿(بِجَهالَةٍ)﴾. قال مجاهد والضحّاك: (الجهالة العمد) (١).وقال الكلبيّ: (لم يجهل أنّه ذنب، ولكنّه جهل عقوبته).قال سائر المفسّرين: (يعني المعاصي كلّها، فكلّ من عصى ربّه فهو جاهل حتّى ينزع عن معصيته).وقال قتادة: (أجمع الصّحابة أنّ كلّ من عصى ربّه فهو جاهل عمدا كان أو خطأ) (٢).وقال الزجّاج: (معنى قوله (بجهالة):اختيارهم اللّذة الفانية). قوله تعالى: ﴿(ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ)﴾ أي ثم يتوبون قبل إصابتهم بأسباب الموت، سمّى ذلك قريبا لأنّ كلّ ما هو آت قريب؛ لأنّ المرء لا يأمنه في كلّ وقت وساعة، وكلّ ما يكون هذا صفته فهو موصوف بالقرب. قال ﷺ : [من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه] ثمّ قال: [إنّ السّنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه] ثمّ قال: إنّ الشّهر لكثير، ثمّ قال: [من تاب قبل موته بجمعة تاب الله عليه] ثمّ قال: [إنّ الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه] ثمّ قال: [إنّ اليوم لكثير، من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه] ثمّ قال: [إنّ السّاعة لكثير، من تاب من قبل أن يغرغر نفسه تاب الله عليه] (٣). وقال الكلبيّ: (قوله: ﴿(مِنْ قَرِيبٍ)﴾ القريب ما دام في الصّحّة قبل المرض والموت).وقال أبو موسى الأشعريّ: (هو أن يتوب قبل موته بفواق (٤) ناقة).

стр. 704

قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ؛﴾ أي وليس قبول التوبة للذين يعملون المعاصي مقيمين عليها حتّى إذا عاين أحدهم أسباب الموت والسّوق والنّزع ومعاينة الموت، قال: إنّي تبت الآن، ولا على الّذين يموتون على الكفر، ﴿أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ؛﴾ هيّأنا لهم، ﴿عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٨)؛ مؤلما وهو النار التي مصيرهم إليها. وذهب الربيع إلى أنّ المراد بالذين يعملون السيئات: المنافقون، ثم عطف الكافرين المجاهرين بالكفر على المنافقين. وحاصل هذه الآية أنّ من وقع في النّزع وقال: إنّي تبت الآن، فحينئذ لا يقبل من كافر إيمانه، ولا من عاص توبته، وقوله: ولا الّذين يموتون موضع خفض. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً؛﴾ الآية، قال ابن عبّاس: (كانوا في الجاهليّة وأوّل الإسلام إذا مات رجل وله امرأة؛ جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته الّذي يرثه، فألقى ثوبه على تلك المرأة فورث نكاحها بصداق الأوّل، يقول: أنا وليّ زوجك فورثتك، فإن كانت جميلة أمسكها ودخل بها، وإن لم تكن جميلة طوّل عليها لتفتدي بنفسها منه بما ترث من الميّت أو تموت فيرثها، فإن ذهبت إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ثوبه فهي أحقّ بنفسها. فكانوا يفعلون ذلك حتّى توفّي أبو قيس بن الأسلت، وترك امرأته كبشة بنت معن الأنصاريّة، فقام لها ابن من غيرها يقال له حصين بن أبي قيس؛ فطرح ثوبه عليها فولي نكاحها ثمّ تركها ولم يقربها ولم ينفق عليها فضارّها بذلك لتفتدي منه بمالها، فأتت كبشة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله؛ إنّ أبا قيس توفّي وورث ابنه نكاحي؛ وقد أضرّني وطوّل عليّ، فلا هو ينفق عليّ، ولا هو يخلي سبيلي، فقال ﷺ : [أقعدي في بيتك حتّى يأتيني فيك أمر الله] فانصرفت، وسمع بذلك نساء المدينة، فأتينا رسول الله ﵇ فقلن: يا رسول الله؛ ما نحن إلاّ كهيئة كبشة، فأنزل الله هذه الآية (١).

стр. 705

ومعناها: يا أيّها الذين أقرّوا وصدّقوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء جبرا؛ ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ؛﴾ أي لا تمنعوهنّ تخلية سبيلهنّ حتى يفتدين ببعض ما لهنّ؛ ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ؛﴾ فحينئذ يحلّ لكم ضرارهنّ ليفتدين منكم، وهو أنّها إذا زنت المرأة جاز لزوجها أن يسألها الخلع. قال عطاء: (كان الرّجل إذا زنت امرأته أخذ منها ما يساق إليها وأخرجها، فنسخ الله ذلك بالحدود).قال قتادة والضحّاك: (الفاحشة النّشوز؛ يعني إذا نشزت المرأة حلّ لزوجها أن يأخذ منها الفدية) (١).وقوله تعالى: ﴿(مُبَيِّنَةٍ)؛﴾ بخفض الياء أي مبيّنة فحشها. قرأ حمزة والكسائيّ وخلف والأعمش: «(كرها)» بضمّ الكاف هنا وفي التوبة، وقرأ الباقون بالفتح وهما لغتان. وعن الضحّاك: (أنّ هذه الآية نزلت في الرّجل يكون في حجره يتيمة؛ فيكره أن يزوّجها لمالها، فيتزوّجها لأجل مالها، أو يكون تحته عجوز، ونفسه تتوق إلى شابّة فيكره فراق العجوز ويتوقّع موتها ليرثها وهو يعزل فراشها). قوله تعالى: ﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ؛﴾ أمر للأزواج بعشرة نسائهم بالجميل، وهو أن يوفّيها حقّها من المهر والنّفقة والمبيت وترك أذاها بالكلام الغليظ، والإعراض عنها والعبوس في وجهها بغير ذنب منها. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ (١٩)؛فيه بيان أنّ الخيّرة ربّما كانت للعبد في الصّبر على ما يكرهه؛ يقول: لعلكم أيّها الأزواج أن تكرهوا صحبتهنّ ويجعل الله في ذلك خيرا كثيرا بأن يرزقكم منهنّ الأولاد، فتظهر بعد ذلك الألفة والموافقة، وتنقلب الكراهة صحبة؛ والنفور ميلا. وقيل: يعني بالخير الكثير: ما يحصل له من الثّواب في الآخرة في الإنفاق عليها. وقيل: معناه: عسى الله أن يقضي بالفراق على وجه يحمد، فيستبدل به المرأة من هو خير لها منه، ويستبدل هو بها من هي خير له منها.

стр. 706

وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [اتّقوا الله في النّساء؛ فإنّهنّ عوان (١) عندكم، أخذتموهنّ بأمانة الله؛ واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله؛ لكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهنّ ضربا غير مبرّح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف] (٢) وقال ﷺ : [أبغض الحلال إلى الله تعالى الطّلاق] (٣) قال ﷺ : [تزوّجوا ولا تطلّقوا، فإنّ الله لا يحبّ الذوّاقين والذوّاقات (٤)] (٥). قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ؛﴾ الآية؛ أي إن أردتم تخلية امرأة، ولم يكن من قبلها نشوز وإتيان فاحشة؛ ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً؛﴾ أي مالا عظيما، وتقدّم تفسير القنطار؛ ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً؛﴾ ممّا أعطيتموها، ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ (٢٠)؛أي ظلما وذنبا ظاهرا، والبهتان: هو الباطل الّذي يتحيّر من بطلانه، ومن ذلك سمّي الكذب العظيم لأنّه يباهت به محيّره، ويتحيّر المكذوب عليه لعظمه، وأصل البهت: التّحيّر. قال الله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ (٦) أي تحيّر لانقطاع حجّته، وإنّما سمّى الله تعالى أخذ المهر بغير حقّ بالبهتان؛ لأن الزوج لمّا استعمل المكر والخداع في أخذ ما أعطاها، صار في الوزر بمنزلة من يكذّبوهم أنّ الذي قاله حقّ.

стр. 707

قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ (٢١)؛أي كيف تستحلّون أخذ شيء منه، وقد وصل بعضكم إلى بعض. قال ابن عبّاس: (الإفضاء كناية عن الجماع) (١). وقال جماعة من أهل التّفسير: (إذا كان معها في لحاف واحد، جامعها أو لم يجامعها؛ فقد وجب المهر. وعن زرارة بن أوفى أنه قال: (قضى الخلفاء الرّاشدون المهديّون: أنّه من أغلق على امرأة بابا، أو أرخى سترا، وكشف خمارا فقد وجب المهر والعدّة) (٢).وذكر الفرّاء: (الإفضاء هو الخلوة وإن لم يقع دخول) كأنّه ذهب إلى أن الإفضاء مأخوذ من الفضاء، وهو المكان المتّسع الذي ليس فيه بناء ولا حاجز عن إدراك ما فيه، فسمّيت الخلوة فضاء لحصول الزوج إلى جميع ما يقصده من الوطء، والدّخول في موضع لا مانع فيه من ذلك. قوله تعالى: ﴿(وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً)﴾ أي عهدا وثيقا وهو ذكر المهر في النّكاح، وقيل: هو ما أشرط الله تعالى للنّساء على الرجل من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وقال الشعبيّ وعكرمة والربيع: (هو قول النّبيّ ﷺ : [أخذتموهنّ بأمانة الله؛ واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله] (٣). فصل: فيما ورد من الأخبار في الرّخصة في المغالاة بالمهور، قال عطاء: (خطب عمر ﵁ إلى عليّ كرّم الله وجهه ابنته أمّ كلثوم وهي من فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فقال له عليّ ﵁: إنّها صغيرة، فقال عمر: إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إنّ كلّ نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلاّ نسبي وصهري] فلذلك رغبت في هذا، فقال عليّ كرّم الله وجهه: فإنّي مرسلها إليك حتّى تنظر إلى صغرها، فأرسلها إليه،

стр. 708

فجاءته فقالت: إنّ أبي يقول لك هل رضيت هذه الحلّة؟ فقال: قد رضيتها، فأنكحه عليّ؛ فأصدقها عمر أربعين ألف درهم) (١).وعن نافع عن ابن عمر ﵁: (أنّه كان يزوّج المرأة من بناته على عشرة آلاف درهم) (٢).وتزوّج ابن عبّاس ﵁ امرأة على عشرة آلاف درهم. فصل: في أقلّ المهر. روي عن عمر ﵁: أنّه خطب النّاس؛ فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: (ألا لا تغالوا في صداق النّساء؛ فإنّها لو كانت مكرمة في الدّنيا، أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ (٣).من يمن المرأة أن يسّر صداقها وأن يسّر رحمها (٤).وعن أبي هريرة قال: (كان صداقنا منذ كان فينا رسول الله ﷺ عشر أواق أربعمائة درهم) (٥).وعن أبي سعيد الخدريّ: [أنّ رسول الله ﷺ تزوّج أمّ سلمة على عشرة دراهم] (٦). قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ؛﴾ روي أنّهم كانوا بعد قوله: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً)﴾ إذا رضيت المرأة أمسكها وليّ الميت، وبرضاها على حكم النّكاح، فإذا سخطت تركها فحرّم الله ذلك عليهم بهذه الآية. ومعناها: لا تزوّجوا ما تزوّج آباؤكم من النساء، ويقال: لا تطأوا ما وطئ آباؤكم. واسم النّكاح يقع على العقد والوطء جميعا. قوله تعالى: ﴿(إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ)﴾ معناه إلا ما قد سلف في الجاهليّة من نكاح منكوحة الأب كان ذلك معفوّا لكم لا

стр. 709

تؤاخذون به. وقال قطرب: (هو استثناء منقطع؛ تقديره: لكن ما قد سلف فدعوه فاجتنبوا). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً؛﴾ يعني أنّ نكاح امرأة الأب كان فاحشة فيما سلف؛ لأنّهم كانوا يسمّونه في الجاهليّة (نكاح المقت) وكان المولود يقال له المقتيّ، فأعلمهم الله تعالى أنّ هذا الذي حرّم عليهم لم يزل منكرا في قلوبهم ممقوتا عندهم، والمقت: هو البغض على أمر قبيح ركبه صاحبه، وقيل المقت: هو أشدّ البغض، والفاحشة اسم لما يرتفع ذكر قبيحته فيما بين الناس. قوله تعالى: ﴿وَساءَ سَبِيلاً﴾ (٢٢)؛أي نكاح امرأة الأب طريق سوء؛ لأنه يؤدّي إلى جهنّم، و (سبيلا) نصب على التمييز. قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ،﴾ قال ابن عبّاس: «حرّم الله من النّساء أربعة عشر صنفا؛ سبعة بالنّسب؛ وسبعة بالسّبب، وتلا هذه الآية ثمّ قال: والسّابعة في قوله تعالى: ﴿(وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ» (١).والجدّات -وإن بعدت-محرّمات؛ لأنّ اسم الأمّهات يشملهنّ، كما أن اسم الآباء يتناول الأجداد وإن بعدوا، واسم البنات يتناول بنات الأولاد وإن سفلن، وقوله تعالى: ﴿(وَأَخَواتُكُمْ)﴾ يشمل الأخوات من الأب والأمّ ومن الأب ومن الأمّ، قوله تعالى: ﴿(وَعَمّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ)﴾ يتناول عمّات الأب والأمّ وخالات الأمّ والأب. قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ؛﴾ قال ﷺ : [يحرم من الرّضاع ما يحرم من النّسب] (٢) وقال ﷺ : [تحرّم الجرعة والجرعتان ما يحرّم الحولان الكاملان].

стр. 710

وعن عائشة ﵂: أنّ أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها بعد نزول آية الحجاب وكان عمّها من الرّضاعة؛ قالت: فأبيت أن آذن له حتّى أخبرت النّبيّ ﷺ فقال: [ليلج عليك؛ فإنّه عمّك] فقالت: إنّما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرّجل! فقال ﷺ : [ليلج عليك فإنّه عمّك]،وكان أبو القعيس زوج المرأة الّتي أرضعت عائشة ﵂ (١). قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ؛﴾ قال ابن عبّاس وعطاء وسعيد بن جبير: (إنّ أمّ المرأة مبهمة (٢) تحرم على زوج ابنتها بنفس العقد) (٣).قوله تعالى: ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ؛﴾ لا خلاف بين أهل العلم أنّ كونها في حجوره لا يكون شرطا في تحريمها وإنّما ذكره الله تعالى على عادة الناس أنّ الرّبيبة تكون في حجر زوج الأمّ، فخرج الكلام على وفق العادة دون الشرط، وهذا كقوله: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ﴾ (٤) ومعلوم أن المعتكف لا يحلّ له الجماع وإن كان قد خرج من المسجد لحاجة، إلاّ أنّ الغالب من حال العاكف أن يكون في المسجد، فقرنه بذكر المسجد. وأما قوله تعالى: ﴿(مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)﴾ فمن الناس من ردّ هذا الشرط على قوله ﴿(مِنْ نِسائِكُمُ)﴾ وعلى قوله ﴿(وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ)﴾ فشرط الدخول بالنّساء في المسألتين في بيوت التحريم المذكور في الآية؛ على معنى أنّ الله عطف حكما على حكم وعقّبهما بشرط الدّخول بقوله: ﴿(اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)﴾ وهو قول بشر بن غيّاث؛ إلاّ أنّ هذا لا يصحّ؛ لأنّ قوله ﴿(وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ)﴾ جملة مستقلة (٥) بنفسها.

стр. 711

وقوله تعالى: ﴿(وَرَبائِبُكُمُ)﴾ بما فيه من شرط الدّخول جملة أخرى مستقلة بنفسها فلم يجز بناء إحدى الجملتين على الأخرى، ولو جعلنا شرط الدخول راجعا إلى الأوّل، لخصّصنا عموم اللفظ الأول بالشّكّ. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ؛﴾ أي فإن لم تكونوا دخلتم نساءكم، فلا حرج عليكم في تزويج الرّبائب إذا طلقتم أمّهاتهنّ قبل الدخول، أو ماتت أمّهاتهنّ قبل دخول الزوج بهنّ. قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ؛﴾ أي ونكاح نساء أبنائكم؛ ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ؛﴾ وإنّما سميت امرأة الابن حليلة؛ لأنّها تحلّ معه في الفراش، وقيل: لأنّها حلال له، وأمّا أمة الابن فلا تسمى حليلة، ولا تحرم على الأب ما لم يطأها الابن. وقوله تعالى: ﴿(مِنْ أَصْلابِكُمْ)﴾ ليس هو على ما ظنّ بعض الناس أنه من شرط الصّلب في هذه الآية؛ أخرج امرأة الابن في الرّضاع من التحريم، بل امرأة الابن في الرّضاع بمنزلة امرأة الابن من الصّلب في الحرمة، وإنّما شرط الله تعالى كون الابن من صلبه لإخراج امرأة الابن من التّبنّي عن التحريم. فإنّ النبيّ ﷺ لمّا تزوّج امرأة زيد بن الحارثة بعد ما فارقها زيد؛ تكلّم فيه المشركون وقالوا: إنّ محمّدا تبنّى هذا ثمّ تزوّج امرأته، وكانوا يجعلون المتبنّى بمنزلة ابن الصّلب في الميراث والحرمة، فأنزل الله هذه الآية (١)،وقوله: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ؛﴾ في موضع رفع، ومعناه: وحرّم عليكم أن تجمعوا بين الأختين، وصورة الجمع أن يتزوّج أختين، أو في عقدين لا يدري أيّتهما كانت هي الأولى، وأمّا إذا تزوّج امرأة ثم تزوّج بعد ذلك أختها وهو يعلم الثانية؛ فنكاح الثانية حرام دون الأولى؛ لأنّ الجمع حصل بالثانية، ويحرم عليه أيضا بين وطئ الأختين بملك اليمين، ويحرم عليه أيضا تزوّج إحداهما والأخرى

стр. 712

معتدّة منه في طلاق بائن، أو رجعيّ. قوله تعالى: ﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ؛﴾ إلاّ ما مضى في الجاهليّة فإنه معفوّ لكم إذا تبتم عنه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٢٣)؛أي لا يؤاخذكم بما كان منكم قبل التحريم. قوله تعالى: ﴿*وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ؛﴾ هذه الآية عطف على ما تقدّم؛ أي وحرّم عليكم المحصنات وهنّ ذوات الأزواج اللاّتي أحصنّ بالأزواج، ﴿(إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)﴾ أي إلاّ ما أفاء الله عليكم من السّبايا. وروي عن أبي سعيد الخدريّ: أنّ المسلمين أصابوا يوم أوطاس سبايا لهنّ أزواج من المشركين؛ فتأثّم المسلمون من وطئهنّ؛ وقالوا: لهنّ أزواج في دار الحرب فأنزل هذه الآية، فنادى منادي رسول الله ﷺ : [ألا لا توطأ الحبال حتّى يضعن، ولا غير الحبال حتّى يستبرئن بحيضة] (١). وذهب بعض الصحابة وهو أبيّ بن كعب، وأنس وجابر ﵃: (أنّ الأمة إذا خرجت من ملك مولاها إلى ملك رجل آخر؛ حرمت على زوجها بأيّ سبب خرجت) (٢) حتى روي عن ابن عبّاس أنه قال: (طلاق الأمة يثبت طلاقها وبيعها وهبتها وميراثها وسبيها وصدقتها) (٣). وأنكر ذلك عليّ وعمر وعبد الرحمن بن عوف ﵃؛ وقالوا: (إنّما نزلت الآية في السّبايا خاصّة بدليل ما روي أنّ عائشة ﵂ اشترت بريرة وأعتقتها؛ فخيّرها رسول الله ﷺ ، وكان زوجها عبدا أسود يسمّى مغيثا).

стр. 713

قوله تعالى: ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ؛﴾ نصب على المصدر؛ أي كتب الله عليكم كتاب الله، وقيل نصب على الإغراء؛ أي الزموا كتاب الله، واتّبعوا كتاب الله. قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ؛﴾ قرأ أهل الكوفة «(وأحلّ)» على ما لم يسمّ فاعله، نسقا على قوله ﴿(حُرِّمَتْ)﴾،وقرأ الباقون بالفتح على أنه قد ذكر الله بقوله: ﴿(كِتابَ اللهِ،)﴾ والمعنى: أحلّ لكم نكاح ما سوى ما ذكرت لكم من المحرّمات. قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ؛﴾ بدل من (ما)،فمن رفع أحلّ فموضعها رفع، ومن نصب فموضعها نصب. وقال الكسائيّ: (موضعه نصب في القراءتين بنزع الخافض، يعني لئن تبتغوا بأموالكم؛ أي تطلبوا بأموالكم إمّا بنكاح أو بملك يمين محصنين؛ أي ناكحين أعفّاء غير زناة، وأصله من: سفح المذيّ والمنيّ).في هذا دليل أن بدل البضع لا يجوز أن يكون صداقا، وكذلك خدمة الزّوج لا يكون صداقا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وأصل الإحصان في اللغة: ما يمنع، ومنه يسمّى الحصن حصنا؛ لأنه يمنع من العدوّ، ومنه الدّرع الحصينة؛ أي المنيعة، والحصان بكسر الحاء: الفحل من الخيل يمنعه راكبه من الهلاك، والحصان بفتح الحاء: العفيفة من النّساء لمنعها فرجها؛ منه قال حسان في عائشة: حصان رزان ما تزنّ بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل والإحصان في القرآن يقع على معان مختلفة منها: نكاح كما في أوّل هذه الآية؛ ومنها: الجزية كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١)،ومنها: الإسلام كما في قوله تعالى: ﴿(فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ)﴾ أي اذا أسلمن، ومنها: الفقه كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ؛﴾ اختلفوا في معنى ذلك. قال الحسن ومجاهد: (يعني فما استمتعتم وتلذذتم بالجماع من النّساء

стр. 714

بالنّكاح الصّحيح فآتوهنّ مهورهنّ) وهو قول ابن عبّاس: أنّه سئل عن المتعة؛ أسفاح أم نكاح؟ فقال: (لا سفاح ولا نكاح) قيل: فما هي؟ قال: (المتعة كما قال الله تعالى) قيل له: هل لها من عدّة؟ قال: نعم؛ حيضة) قيل: هل يتوارثان؟ قال: (لا) (١).ثم روي عنه أنه رجع عن القول بالمتعة، وقال عند موته: (اللهمّ إنّي أتوب إليك من قولي بالمتعة، وقولي من الصّرف في درهم بدرهمين يدا بيد). وعن عمر ﵁ أنّه خطب حين ولّي فقال: (أيّها النّاس؛ إنّ الله تعالى أحلّ لنا المتعة ثلاثا ثمّ حرّمها؛ وأنا أقسم بالله لا أحد تمتّع إلاّ رجمته).وعنه أيضا أنه قال: (لا أوتى برجل تزوّج امرأة إلى أجل إلاّ رجمته بالحجارة) (٢).وعن ابن مسعود: (أنّ المتعة كانت رخصة لأصحاب محمّد ﷺ في غزاة شكوا فيها الغربة، ثمّ نسختها آية النّكاح) (٣). وقد أجمع سائر الفقهاء والعلماء والتابعين والسّلف الصالحين على أنّ هذه الآية منسوخة، ومتعة النّساء حرام. روى الربيع عن سبرة الجهنيّ عن أبيه قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في غزوة؛ فشكونا إلى رسول الله ﷺ الغربة، فإذا هو يقول: [يا أيّها النّاس؛ إنّ الله سبحانه حرّم ذلك إلى يوم القيامة] (٤).قال بعضهم: سألت الحسن عن نكاح المتعة، فقال: (إنّما كان ثلاثة أيّام على عهد رسول الله ﷺ ، ثمّ نهى عنه). قوله: ﴿(فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)﴾ أي مهورهنّ، يسمّى المهر أجرا؛ لأنه ثمن البضع، أو لأنه بدل من المنافع، كما يسمّى بدل منفعة الدار والدابّة أجرا. وقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً؛﴾ أي أعطوهنّ أجورهن فريضة من الله لهنّ عليكم، والفرض ما يكون في أعلى مراتب الإيجاب عن الله تعالى، ولهذا لا يجوز إسقاط المهر في ابتداء العقد.

стр. 715

قوله تعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ؛﴾ أي لا إثم عليكم فيما تراضيتم به من الزيادة والنقصان في المهر من بعد الفريضة في ابتداء النّكاح. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٢٤)؛أي عليما بما يصلح أمر العباد، حكيم فيما أمركم به ونهاكم عنه. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ؛﴾ قال ابن عبّاس وابن جبير وقتادة ومجاهد: (الطّول الغنى والسّعة) أي ومن لم يستطع منكم غنى وقدرة، ولم يجد مالا يتزوج به الحرائر؛ فليتزوّج بعضكم من إماء بعض. وقال جابر ابن زيد وربيعة والنخعيّ: (الطّول الهوى) أي من لم يقدر منكم على نكاح الحرائر هوى وعشقا بأمة من الإماء لا يتّسع قلبه لنكاح الحرّة، فليتزوّج بالأمة التي يهواها من الإماء المؤمنات. قرأ الكسائيّ: «(المحصنات)» بكسر الصّاد في كلّ قراءة إلاّ الأوّل وهو قوله: ﴿(وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ)﴾. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ؛﴾ أي بحقيقة الإيمان وأنتم تعرفون الظّاهر، وليس عليكم أن تبحثوا عن الباطن. قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ؛﴾ أي في الدّين، وقيل: من النّسب؛ أي كلّكم ولد آدم ﵇، وإنّما قال ذلك؛ لأن العرب كانت تطعن في الأنساب، وتفخر بالأحساب وتعيّر بالهجنة، وتسمّي ابن الأمة (الهجين)،فأعلم الله أنّ الأمة في جواز نكاحها كالحرّة لذلك. قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ؛﴾ أي انكحوا الإماء بإذن مواليهنّ واعطوهنّ مهورهن؛ يعني بإذن أهلهنّ، وقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ؛﴾ أي مهر غير مهر البغيّ وهو أن يكون عشرة دراهم فما فوقها. قوله تعالى: ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ؛﴾ أي عفائف غير زوان معلنات بالزّنا، ﴿وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ؛﴾ أي أخلاّء في السّرّ؛ وذلك لأنّ أهل الجاهليّة كان فيهم زوان بالعلانية لهنّ رايات مضروبة، وبعضهن اتخذت أخدانا في السّرّ حتّى قال

стр. 716

ابن عبّاس: (كان فيهم من يحرّم ما ظهر من الزّنا، ويستحلّ ما خفي فيه، فنهى الله تعالى عن نكاح الفريقين جميعا) (١). قوله تعالى: ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ؛﴾ معناه: أن الإماء اذا أسلمن وتزوّجن، ومن قرأ «(أحصنّ)» بضمّ الهمزة فمعناه: اذا زوّجن وأحصنّ بالأزواج، ﴿(فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ)﴾ يعني الزّنا فعليهنّ نصف قدر الحرائر: خمسون جلدة. والمراد بهذه الآية: نصف الجلد؛ لأن الرجم لا نصف له. وذهب عامّة الفقهاء إلى أنّ الإسلام والتّزوّج لا يكونا شرطا في وجوب الجلد على الأمة؛ فإنّها وإن لم تكن محصنة بالإسلام والتزويج أقيم عليها نصف حدّ الحرّة إن زنت (٢)؛فقال ﷺ : [إن زنت فاجلدوها؛ ثمّ إن زنت فاجلدوها؛ ثمّ إن زنت فبعها]. واستدلّوا بما روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ : (أنّه سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن [فبيعوها]) (٣). قوله تعالى: ﴿ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ؛﴾ أي تزويج الإماء والرّضا بنكاحهنّ عند عدم طول الحرّة لمن خشي الزّنا منكم، وقيل: لمن خشي الضرر في الدّين والدنيا، (منكم)؛عن نكاح الإماء، ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ،﴾ وإنّما قال ذلك؛ لأن ولد الأمة رقيقا لمولى الأمة، وله استخدام الأمة في الحاجات وبين أيدي الرّجال الأجانب. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٥)؛أي غفور لما أصبتم من الحرمات يغفر لكم بعد التوبة، رحيم لا يعجّل بالعقوبة على المذنبين.

стр. 717

فإن قيل: ما فائدة شرط الإحصان في قوله تعالى: ﴿(فَإِذا أُحْصِنَّ)﴾ والأمة تحدّ حدّ الزنا سواء كانت محصنة بالإسلام والزوج أم لا؟ قيل: فائدة ذكر إحصان الإماء في الآية: أنّ حدّ الحرّة يختلف بالإحصان وعدم الإحصان، فكان يجوز أن يتوهّم متوهّم أنّ حدّ الأمة يختلف أيضا بالإحصان بالإسلام والزوج، كما يختلف حدّ الحرّة بذلك؛ فأوجب الله تعالى ذلك الحدّ بالجلد في الحالة التي يوجب فيها الرجم على الحرّة؛ ليعلم أنّ الإماء لا مدخل لهن في الرجم. قوله تعالى: ﴿(مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ)﴾ الفتاة في اللغة: الشّابّة؛ إلاّ أنّ الأمة تسمى فتاة؛ عجوزا كانت أم شابّة؛ لأنّها لا توقّر توقّر الحرّة الكبيرة. والأخدان: جمع الخدن؛ والخدين: الصّديق. والعنت في اللغة: المشقّة، ويسمّى الزنا به لأن فاعله يلقى الإثم العظيم في الآخرة، ويقام عليه الحدّ في الدّنيا. وقد تعلّق أصحاب الشّافعيّ بظاهر هذه الآية؛ فقالوا: إذا كان عند الرجل من المال ما يمكّنه أن يتزوج به الحرّة؛ لا يجوز له أن يتزوّج أكثر من أمة واحدة. وقالوا: ويجوز للعبد أن يتزوّج الأمة. قالوا: لا يجوز أن يتزوج الأمة اليهوديّة ولا النصرانيّة، ولا يجوز أن يتزوج أكثر من أمة واحدة. قالوا: ويجوز للعبد أن يتزوج أمة على الحرّة؛ لأن هذه الآية خطاب للأحرار، قال الله تعالى: ﴿(فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)﴾. وليست هذه الآية عند أصحابنا على طريقة الشّرط، ولكن معناها: من لم يبسط الله له في الرّزق فليرض بما قسم الله له، وليعقد أدون نكاحين إن لم يقدر على أعلاهما، وفي قوله ﴿(مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ)﴾ بيان أنّ المؤمنة خير من الحرّة الكتابيّة، ولو كان جواز نكاح الأمة للحرّ مقيّدا لحال الضرورة وخوف العنت لكان الحرّ إذا تزوج حرّة على الأمة يبطل نكاح الأمة، ولا خلاف إن كان نكاح الحرّة إذا طرأ على نكاح الأمة لم يبطل النكاح. وعن أبي يوسف أنه تأوّل هذه الآية: على أنّ وجود الطّول هو كون الحرّة في نكاحه على ما ورد به الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: [لا تنكح الأمة على الحرّة، وتنكح الحرّة على الأمة] (١) وهذا تأويل صحيح؛ لأن

стр. 718

من لا يكون عنده حرّة فهو غير مستطيع للطّول إليها؛ لأن القدرة على المال لم يوجب له ملك الوطء إلاّ بعد وجود النكاح. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ؛﴾ أي يريد الله أن يبيّن لكم ما تحتاجون إلى معرفته من الحلال والحرام، وكيفيّة الطاعة، ويبصّركم طريق الذين من قبلكم من أهل التّوراة والانجيل، يدلّكم على طاعة الله، كما دلّ من قبلكم، ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ؛﴾ أي يتجاوز عنكم ما كان منكم في الجاهليّة؛ ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ؛﴾ بما فعلتم وبمن يتوب؛ ﴿حَكِيمٌ﴾ (٢٦)؛ فيما أمركم به ونهاكم عنه في قوله (ليبيّن) بمعنى (أن)،والعرب تعاقب بين لام كي وبين (أن)،فيقع أحدهما مكان الآخر، كقوله ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ (١) وقوله ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ (٢) وفي موضع آخر: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ﴾ (٣) وقال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا﴾ (٤) وفي موضع آخر ﴿أَنْ يُطْفِؤُا﴾ (٥)،وقال الشاعر (٦): أريد لأنسى ذكرها فكأنّما ... تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل يريد أنّ أنسى. ومعنى الآية: يريد الله ليبيّن لكم شرائع دينكم ومصالح أمركم. وقال الحسن: (معناه: يبيّن لكم ما تأتون وما تذرون).وقال عطاء: (يبيّن لكم ما يقرّبكم إليه). وقال الكلبيّ: (معناه: يبيّن لكم أنّ الصّبر على نكاح الإماء خير لكم ﴿(وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)﴾ أي شرائع الّذين من قبلكم في تحريم البنات والأمّهات والأخوات). قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ؛﴾ أي يريد أن يدلّكم على ما يكون سببا لتوبتكم، ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ (٢٧)؛اختلفوا في ﴿(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ)﴾ من هم؟ قال السّدّيّ:

стр. 719

(هم اليهود والنّصارى) (١)،وقال بعضهم: هم المجوس لأنّهم كانوا يحلّون نكاح الأخوات وبنات الأخ وبنات الأخت، فلمّا حرّمه الله تعالى؛ قالوا: إنّكم تنكحون بنات الخالة وبنات العمّة، والخالة حرام عليكم، فانكحوا بنات الأخ وبنات الأخت كما تنكحوا بنات الخالة والعمّة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مجاهد: (هم الزّناة؛ يريدون أن تميلوا عن الحقّ فتكونوا مثلهم تزنون كما يزنون) (٢). قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ؛﴾ أي في نكاح الأمة إذا لم تجدوا طول الحرّة، وفي كلّ أحكام الشّرع. وقيل: معناه: يريد الله ليسهّل عليكم فيضع أوزاركم ويحطّ ذنوبكم، ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾ (٢٨)؛أي أسيرا للشهوة، وقيل: ضعيفا في كلّ شيء. وقال طاوس والكلبيّ: (معناه لا يصبر على النّساء، ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النّساء) (٣).وقال سعيد بن المسيّب: (ما آيس الشّيطان من ابن آدم إلاّ أتاه من قبل النّساء، وقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ، وأنا أخوف ما أخاف على فتنة النّساء) (٤).وقال عبادة بن الصّامت: (ألا تروني ما آكل إلاّ ما لوّق لي-أي ليّن وسخّن-ولا أقوم إلاّ ما قد مات صاحبي-يعني ذكره-وما يسرّني أنّي خلوت بامرأة لا تحلّ لي مخافة أن يأتيني الشّيطان فيحرّكه عليّ؛ أنّه لا سمع له ولا بصر) (٥). وقال الحسن: (معنى ﴿(وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً)﴾ أي خلق من ماء مهين).وقال ابن كيسان: (معناه: تستميله شهوته ويستلينه خوفه وحزنه).قال ابن عبّاس: (ثماني آيات في سورة النّساء؛ هنّ خير لهذه الأمّة ممّا طلعت عليه الشّمس وغربت: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ؛﴾ ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ،﴾ ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ؛﴾ ﴿أَنْ﴾

стр. 720

﴿تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ؛﴾ ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ؛﴾ ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ؛﴾ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؛﴾ ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ؛﴾ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾) (١). قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ؛﴾ أي لا يأكل بعضكم مال بعض بالظلم وشهادة الزّور واليمين الفاجرة والرّبا والقمار وغير ذلك من الغصب والسرقة والخيانة، وقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ؛﴾ استثناء منقطع؛ لأن الاستثناء خلاف المستثنى منه؛ لأن التجارة ليست بباطل، كأنّه قال: لكن كلوا ما ملكتم بالمبايعة عن تراض منكم. قرأ أهل الكوفة «(تجارة)» بالنصب على معنى: إلاّ أن تكون الأموال تجارة، وقرأ الباقون بالرفع على معنى: إلاّ أن تقع تجارة. روي (٢):أنّه لمّا نزلت هذه الآية امتنع النّاس عن أكل الأموال بالهبة والهديّة والضّيافة حتّى نزل قوله تعالى: ﴿وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ﴾ الآية (٣). قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ؛﴾ أي لا يقتل بعضكم بعضا فإنّكم أهل دين واحد، وأنتم كنفس واحدة. قال ﷺ : [المؤمنون كلّهم كنفس واحدة؛ إذا ألم عضو تداعى سائر الأعضاء للحمّى والسّهر] (٤).وقيل: معناه: لا يقتلنّ الرجل نفسه عند الضّجر والغضب. قال ﷺ : [إنّ رجلا ممّن كان قبلكم أخذته قرحة في يده فقطعها فأراق دمها حتّى مات، فقال الله تعالى: بادرني ابن آدم بنفسه فقتلها

стр. 721

بيده، فقد حرّمت عليه الجنّة] (١).وعن جابر بن سمرة: [أنّ رجلا ذبح نفسه فلم يصلّ عليه ﷺ ] (٢). وقال بعضهم: معنى الآية: لا تقتلوا أنفسكم لطلب المال بما يؤدّي إلى التلف. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ (٢٩)؛لا يرضى منكم قتل بعضكم بعضا، ولا أكل المال بالباطل، فيرجع ضرره عليكم في الدّنيا والدّين. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً؛﴾ أي من يأكل المال بالباطل أو يقتل النفس بغير الحقّ (عدوانا) أي اعتداء وجورا بغير حلّ. والعدوان: بأن يعدو غير «ما» أمر به، والظّلم: أن يضع الشّيء في غير موضعه، معنى: إذا فعل ذلك على وجه التعدّي ﴿(فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً)﴾ أي ندخله النار، ﴿وَكانَ ذلِكَ؛﴾ التعذيب، ﴿عَلَى اللهِ يَسِيراً؛﴾ (٣٠) لا يمنع كثرة رحمته من تعذيب من يستحقّ العذاب. قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ؛﴾ معناه: إن تتركوا كبائر الذّنوب نكفّر عنكم الصغائر، كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [الصّلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفّارات لما بينهنّ ما جنّبت عن الكبائر] (٣)، ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ (٣١)؛يعني الجنّة. قرأ أهل المدينة: «(مدخلا)» بفتح الميم، وهو موضع الدخول. وقرأ الباقون بالضمّ على المصدر، بمعنى الإدخال. واختلفوا في الكبائر التي جعل الله تعالى اجتنابها تكفيرا للصغائر، فقال ابن عبّاس: (هي كلّ شيء سمّى الله فيه النّار لمن عمل بها أو شيء نزل فيه حدّ في

стр. 722

الدّنيا) (١).ويروى: أنّ رجلا أتى ابن عمر ﵁ فقال: إنّي أصبت ذنبا فأحبّ أن تعدّ عليّ الكبائر؛ فعدّ عليه سبعا؛ فقال: (الإشراك بالله؛ وعقوق الوالدين؛ وقتل النّفس؛ وأكل الرّبا؛ وأكل مال اليتيم؛ وقذف المحصنات؛ واليمين الفاجرة) (٢).وعن ابن مسعود قال: (الكبائر أربع: اليأس من روح الله؛ والقنوط من رحمة الله؛ والأمن من مكر الله؛ والشّرك) (٣). قال مقاتل: (الكبائر: ما نهى الله تعالى عنه من أوّل هذه السّور).ويقال: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار. وعن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله؛ أيّ الذنب أعظم؟ قال: [أن تجعل لله أندادا وهو خلقك] قلت: ثمّ ماذا؟ قال: [أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك] قلت: ثمّ ماذا؟ قال: [أن تزني بحليلة جارك].وتصديق ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً، يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً﴾ (٤). وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [أكبر الكبائر الإشراك بالله؛ واليمين الغموس؛ وعقوق الوالدين؛ وقتل النّفس].وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [أربع من الكبائر: الشّرك بالله؛ وقتل النّفس وعقوق الوالدين؛ وشهادة الزّور] (٥). وسئل ابن عبّاس ﵁ عن الكبائر: أسبع هي؟ قال: (هنّ إلى سبعين لأقرب منهنّ إلى السّبع) (٦) ثم قال: (الكبائر: الشّرك؛ وعقوق الوالدين؛ وقتل المؤمن؛

стр. 723

والقنوط من رحمة الله؛ والأمن من مكر الله؛ واليأس من روح الله؛ والسّحر؛ والرّبا؛ والزّنا؛ والسّرقة؛ وأكل مال اليتيم؛ وترك الصّلوات؛ ومنع الزّكاة؛ وشهادة الزّور؛ وقتل الولد خشية أن يأكل معه؛ والحسد؛ والكبر؛ والحيف في الوصيّة؛ وتحقير المسلمين).وقال سعيد بن جبير: (كلّ ذنب أوعد الله تعالى عليه النّار فهو كبيرة). قال الضحّاك: (ما وعد الله عليه حدّا في الدّنيا وعذابا في الآخرة فهو كبيرة) (١). قال بعضهم: ما سمّاه الله في القرآن كبيرا أو عظيما فهو كبيرة، نحو قوله: ﴿(إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً)﴾ ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً﴾ (٢) ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) ﴿سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ (٤) ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (٥) ﴿إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً﴾ (٦). وقال سفيان الثوريّ: (الكبائر ما كان من المظالم بينكم وبين العباد، والصّغائر ما كان بينك وبين الله لأنّ الله كريم يعفو).وقيل: الكبير ما نهى الله عنه من الذنوب الكبائر والسيّئات مقدماتها وأتبعها مثل النظرة واللّمسة والقبلة وأشباهها. وقيل: الكبيرة ما قبح في العقل والطبع مثل القتل والظّلم والزنا والكذب والنميمة ونحوها. وقال بعضهم: الكبائر ما يستحقره العبد، والصغائر ما يستقطعه فيخاف منه. قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ؛﴾ أي لا يتمنّى الرجل مال أخيه ولا شيئا من الذي لغيره، ولكن ليقل: اللهمّ ارزقني مثله، ولا يتمنّى الرجل امرأة أخيه ولا خادمه ولا دابّته. قوله تعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا؛﴾ أي حظّ من الأجر ما اكتسبوا من العمل الصالح ﴿وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ؛﴾ حظّ من الأجر مما عملن من العمل الصالح.

стр. 724

قوله تعالى: ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ؛﴾ أي من رزقه، ﴿إِنَّ اللهَ كانَ؛﴾ لم يزل ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ،﴾ من أعمال الرجال والنّساء، ﴿عَلِيماً﴾ (٣٢)؛عالما. وعن جابر بن عبد الله قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو في نفر من الصّحابة؛ إذ أقبلت امرأة حتّى قامت عند رسول الله ﷺ ؛ ثمّ قالت: يا رسول الله ﷺ ؛ أنا وافدة النّساء إليك، إنّ الله ربّ النّساء وربّ الرّجال، وآدم أبو النّساء وأبو الرّجال، وحوّاء أمّ النّساء وأمّ الرّجال، وأنت بعثك الله رسولا إلى النّساء والرّجال، ثمّ الرّجال إذا خرجوا في سبيل الله، فقتلوا فهم أحياء عند ربهم فرحين، ونحن نحتبس عليهم ونخدمهم، فهل لنا من الأجر شيء؟ فقال رسول الله ﷺ : [أقرئي النّساء منّي السّلام؛ وقولي لهنّ: إنّ طاعة الزّوج واعترافا لحقّه يعدل ما هنالك، وقليل منكنّ يفعله] (١). وقال قتادة والسّدّيّ: (لمّا نزل قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فقالت الرّجال: إنّا لنرجوا أن يفضّلنا الله على النّساء بحسناتنا في الآخرة كما فضّلنا عليهنّ بالميراث؛ فيكون أجرنا مثلي أجر النّساء، وقال النّساء: إنّا لنرجوا أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرّجال كما لنا في الميراث النّصف من نصيبهم، فأنزل الله تعالى ﴿(وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ)﴾ (للرّجال نصيب ممّا اكتسبوا) من الميراث والعقاب، وللنّساء نصيب كذلك منه) (٢).قال قتادة: (يجزى الرّجل بالحسنة عشر أمثالها، والمرأة تجزى عشر أمثالها أيضا).

стр. 725

قوله تعالى: ﴿(وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ)﴾ وقرأ ابن كثير والكسائيّ وخلف: «(وسلوا الله من فضله)» «وسل من أرسلنا» و «فسل الّذين» يقرءون بغير الهمزة، وقرأ الباقون بالهمزة. قال ﷺ : [من لم يسأل الله من فضله غضب عليه] (١) وقال سفيان بن عيينة: (لم يأمر بالمسألة إلاّ ليعطي) (٢). قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ؛﴾ أي ولكلّ واحد من الرجال والنساء جعلنا موالي عصبة يرثونه ممّا تركه والده وأقرباؤه من ميراثهم، والوالدان والأقربون على هذا التأويل هم الموروثون. وقيل: معناه: ولكلّ جعلنا موالي؛ أي ورثة من الذين تركهم، ثم فسّرهم فقال: الوالدان والأقربون، على هذا التأويل هم الوارثون. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ؛﴾ في محلّ الرفع بالابتداء، والمعاقدة هي المعاهدة بين اثنين. وقرأ أهل الكوفة ﴿(عَقَدَتْ)﴾ بغير ألف أراد عقدت لهم أيمانهم. قال ابن عبّاس: (كان الرّجل في الجاهليّة إذا أعجبه ظرف الرّجل عاقده وحالفه؛ وقال: أنت ابني ترثني؛ خدمتي خدمتك؛ وذمّتي ذمّتك؛ وثأري ثأرك، فيكون به ببعض ورثته مثل نصيب أحدهم، إلاّ أن ينقص نصيبه عن السّدس لكثرة الورثة؛ فيعطى السّدس خاصّة لا ينقص منه شيء، ثمّ نسخت بقوله تعالى ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ (٣)) (٤). قال قتادة: (أراد بقوله: ﴿(الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ):﴾ الحلفاء؛ كان الرّجل يعاقد الرّجل فيقول: ديني دينك؛ وثأري ثارك؛ وحزبي حزبك؛ وسلمي سلمك؛ ترثني وأرثك؛ تعقل عنّي وأعقل عنك؛ وتطلب بي وأطلب بك، فيكون للحليف السّدس

стр. 726

ثمّ نسخ ذلك بقوله: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾) (١).وقال مجاهد: (أراد بقوله: ﴿(فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ)﴾ النّصر والعقل والرّفادة دون الميراث) (٢). فعلى هذا تكون الآية غير منسوخة لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣) ولقوله ﷺ : [أوفوا للحلفاء بعهودهم الّتي عقدت أيمانكم].وليس معنى قول ابن عبّاس أنّ هذه الآية منسوخة، نسخ حكمها من الأصل، ولكن معناه: تقديم ذوي الأرحام على أهل العقد، وهو كحدوث ابن لمن له أخ لا يخرج الأخ من أن يكون أهلا للميراث إلاّ أن يكون الابن أولى منه، كذلك أولي الأرحام أولى من الحليف، فإذا لم يكن للميت رحم ولا عصبة فالميراث للحليف، ولهذا قال أصحابنا: فمن أسلم على يدي رجل ووالاه-عاقده-ثم مات ولا وارث له غيره أن ميراثه له، ولهذا قالوا: إنّ من أوصى بجميع ماله ولا وارث له صحّت الوصية. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ (٣٣)؛أي لم يزل شاهدا على كلّ شيء من إعطاء النصيب ومنعه. قوله تعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ؛﴾ قال ابن عبّاس ومقاتل: (نزلت هذه الآية في سعد بن الرّبيع-وكان من النّقباء-وفي امرأته ابنة محمّد بن مسلمة وهما من الأنصار (٤)،نشزت عليه فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ أفرشته كريمتي فلطمها، فقال لها رسول الله ﷺ : [اقتصّي منه] وكان القصاص يومئذ بينهم في اللّطمة والشّجّة والجراح، فانصرفت مع أبيها ليقتصّ منه،

стр. 727

فقال ﷺ : [ارجعوا؛ هذا جبريل أتاني] فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال ﷺ : [أردنا أمرا؛ وأراد الله أمرا، والّذي أراد الله خير] ورفع القصاص) (١). ومعناها: الرجال مسلّطون على أدب النّساء بالحقّ، والقوّامون المبالغون بالقيام عليهنّ بتعليمهنّ وتأديبهنّ وإصلاح أمورهن، وقوله تعالى: ﴿(بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ)﴾ أي جعل الله ذلك للرجال بفضلهم على النساء في العقل والرّأي، وقيل: بزيادة الدّين واليقين، وقيل: بقوة العبادة والجهاد، وقيل: بالجمعة والجماعة وبإنفاقهم أموالهم في المهور وأقوات النساء. قوله تعالى: ﴿فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ؛﴾ أي فالمحصنات المطيعات لله في أمر أزواجهن، وقيل: قائمات بحقوق أزواجهن. وأصل القنوت: مداومة الطّاعة، وقوله تعالى: ﴿(حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ)﴾ أي يحفظن فروجهنّ وأموال أزواجهنّ في حال غيبة أزواجهنّ. ويدخل في حفظ المرأة لغيب الزوج أن تكتم عليه ما لا يحسن إظهاره مما يقف عليه أحد الزوجين على الآخر. وقوله تعالى: ﴿(بِما حَفِظَ اللهُ)﴾ أي يحفظ الله إياهنّ من معاصيه وبتوفيقه لهنّ، ويقال: بما حفظهنّ الله تعالى في مهورهن وإلزام الزوج النفقة عليهن. قال ﷺ : [خير النّساء من إذا نظرت إليها سرّتك؛ وإذا أمرتها أطاعتك؛ وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها] (٢).

стр. 728

قوله تعالى: ﴿وَاللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ؛﴾ أي النساء التي تعلمون عصيانهنّ لأزواجهن فعظوهنّ، والنّشوز: الرّفع عن الصّاحب، مأخوذ من النّشز وهو المكان المرتفع، المراد من الوعظ والهجر والضّرب في الآية أن يكون ذلك على الترتيب المذكور فيها؛ لأن هذا من باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، إذا أمكن الاستدراك بالأسهل والأخفّ لا يصار إلى الأثقل، فالأولى أن يبدأ الزوج فيقول لامرأته الناشزة: اتّق الله وارجعي إلى فراشي (١)، فأطاعته وإلاّ سبّها، هكذا قال ابن عبّاس ﵁ (٢). والهجر: الكلام الفاحش، يقال: هجر الرّجل يهجر، إذا هدأ، وأهجر الرجل في منطقه بهجر هجارا إذا تكلّم بقبيح. وقال الحسن وقتادة: (قوله: ﴿(وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ)﴾ من الهجر؛ وهو أن لا يقرب فراشها ولا ينام معها؛ لأنّ الله تعالى قرنه بقوله تعالى ﴿(فِي الْمَضاجِعِ)﴾ (٣).إذا لم ينفعها الوعظ هجرها زوجها في المضجع، فإن كانت تحبّ زوجها شقّ عليها الهجران، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك، فكان دليلا على النّشوز من قبلها؛ فيضربها الزوج ضربا غير مبرّح ولا شائن، كما يؤدّب الرجل ولده، ويكون ذلك موكولا إلى رأيه واجتهاده على ما يرى من المصلحة، ولهذا قيل: إن هذا الضرب مقيّد بشرط السّلامة، فالأولى أن يضربها بالنعل واللّطم ضربتين أو ثلاثا على حسب ما يراه. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ؛﴾ أي فيما تلتمسون منهنّ؛ ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً؛﴾ أي لا تطلبوا عليهنّ عللا ولا تكلفوهنّ الحبّ لكم، فإنّهن لا يملكن ذلك، ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً﴾ (٣٤)؛أي علا فوق كلّ شيء كبيرا فلا شيء أكبر منه، أراد بالعليّ: العلوّ في القهر والقدر لا علوّ المكان، وأراد

стр. 729

بالكبير الجلال والعظمة. والمعنى: أنّي مع علوّي وكبريائي، أرضى من عبادي بالطاعة ولا آخذهم بالحب الذي لا غاية بعده، فإن أكبر عبادي من يؤثر نفسه عليّ، ولا يخلص حبّه لي كلّ الإخلاص. وقد روي: أنّه لمّا شكا الرّجال نساءهم إلى رسول الله ﷺ فأمرهم بالضّرب؛ أصبح بباب رسول الله ﷺ سبعون امرأة يشكون أزواجهنّ، فأقبل على أصحابه بعد الصّلاة وقال: [إنّ المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن أردتم إقامتها كسرتموها، وإن رفقتم بها استمتعتم بها على عوج] (١) ثمّ قال: [خيركم خيركم لأهله] (٢). قوله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما؛﴾ أي وإن علمتم أيّها المؤمنون بعد العظة والهجران تباعد الزوجين عن الحقّ، وهو أن يكون كلّ واحد منهما في شقّ على حدة، ولم يدروا من أيّهما جاء النّشوز فابعثوا عدلا ذا رأي وعقل من أهل الزّوج؛ وعدلا من أهل المرأة؛ يختار الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها، فيخلوا حكم الزوج به؛ فيقول: أخبرني ما في نفسك أتهواها أم لا؟ فأنا لا أدري ما أقول وما أعمل به حتى أرى ما تريد، فإن قال: أهواها؛ ولكنها تسيء معاشرتي، فعظها وأرضها عنّي، علم أنّ الرجل ليس بناشز، وإن قال: لا حاجة لي بها؛ فرّق بيني وبينها وخذ لي منها ما استطعت؛ علم أنه ناشز، وكذلك يفعل حكم المرأة بالمرأة. ثم يلتقي الحكمان، فيصدّق كلّ واحد منهما صاحبه فيما سمع، فيقبلان على الزوج إن كان ناشزا فيقولان له: يا عدوّ الله؛ أنت العاصي لله، الظالم على امرأتك، ويعظانه ويزجرانه، وكذلك يفعلان بالمرأة إن كانت هي النّاشزة، فذلك قوله: ﴿(إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما)﴾ أي أنّ الحكمين إذا أرادا عدلا ونصيحة ألّف الله بين

стр. 730

الزوجين، ويقال: وفّق الله بين أقوال الحكمين، ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً؛﴾ بأمر الحكمين، ﴿خَبِيراً﴾ (٣٥)؛بنصيحتهما، ويقال: عليما بما فيه صلاح الحقّ، خبيرا بذلك. وذهب بعض العلماء: إلى أنّ الحكمين إذا رأيا أن يفرّقا بينهما فرّقا بينهما، وكذلك إذا رأى الحاكم أن يفرّق فعل إذا وقع اليأس عن زوال الشّقاق، واعتبروا بالغاية فما عند أصحابنا ﵏ فليس للحكمين أن يفرّقا إلاّ أن يكونا وكيلين في الخلع من جانبين، أو يرضى الزوج بتفريقها. وقوله : ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً؛﴾ أي وحّدوا الله تعالى، وأطيعوه ولا تعبدوا معه غيره، فإن ذلك يفسد عبادته. قالت الحكماء: العبوديّة ترك الاختيار وملازمة الافتقار. وقيل: العبوديّة أربعة أشياء: الوفاء بالعهود؛ والحفظ للحدود؛ والرّضا بالموجود؛ والصّبر على المفقود. قوله تعالى: ﴿(وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً)﴾ أي أحسنوا بالوالدين إحسانا، وقيل: استوصوا بالوالدين إحسانا، وقد يذكر المصدر المنصوب على تقدير فعل محذوف كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ (١)،ومعناه الأمر. قوله تعالى: ﴿وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ؛﴾ أي وأحسنوا بذوي القرابة واليتامى والمساكين. والإحسان إلى ذوي القربى هو مواساة الفقير منهم إذا خاف عليه ضرر الجوع والعريّ وحسن العشرة وكفّ الأذى عنه والمحاباة دونه ممّن يريد ظلمه. وعن أبي هريرة ﵁: أنّ رجلا شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة في قلبه؛ فقال: [إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المساكين وامسح برأس اليتيم وأطعمه] (٢). قوله تعالى: ﴿وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ؛﴾ قال ﷺ : [الجيران ثلاثة: جار له ثلاثة حقوق؛ وهو الجار القريب المسلم، وجار له

стр. 731

حقّان؛ وهو الجار الأجنبيّ المسلم، وجار له حقّ واحد؛ وهو الجار الكافر] (١) فعلى هذا يكون معنى (الجار الجنب):هو الجار الذي هو من قوم آخرين لا قرابة بينك وبينه. ويقال: إن الجار ذوي القربى هو الذي يقاربك في الجوار، تعرفه ويعرفك، والجار الجنب: هو الجار الغريب المتباعد. والجنب في اللغة: البعيد. وقرأ الأعمش: «(والجار الجنب)» بفتح الجيم وإسكان النّون، وهما لغتان. يقال: رجل جنب وجنب؛ إذا لم يكن قريبا، وجمعه: أجانب، وقيل للجنب جنب لاعتزاله الصلاة وبعده من المسجد حتى يغتسل. وقال بعضهم: (الجار الجنب) الكافر. قوله تعالى: ﴿(وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ)﴾ هو الرفيق في السفر؛ المنقطع إلى الرجل رجاء خيره، كذا قال ابن عبّاس ومجاهد وابن جبير وعكرمة وقتادة (٢)،وقال بعضهم: الصاحب بالجنب هو الملاصق داره بدارك؛ فهو إلى جنبك، ويقال: هو جار الرجل في البيت الواحد. وقال عليّ وعبد الله وابن أبي ليلى والنخعيّ: (هي الزّوجة تكون معه إلى جنبه) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [ليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه، وأيّما رجل أغلق بابه دون جاره مخافة على أهله وماله فليس جاره ذلك

стр. 732

بمؤمن] (١) قالوا: يا رسول الله؛ ما حقّ الجار؟ قال: [إن دعاك أجبته؛ وإن أصابته فاقة عدت عليه؛ وإن استقرضك أقرضته؛ وإن أصابه خير هنّيته؛ وإن مرض عدته؛ وإن أصابته مصيبة عزّيته؛ وإن مات شهدت جنازته، ولا تستعلي عليه بالبنيان لتحجب عنه الرّيح إلاّ بإذنه، ولا تؤذه بقتّار قدرك (٢) إلاّ أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فاهد له منها؛ وإن لم تفعل فأدخلها سرّا ولا يخرج ولدك منها شيئا فيغيظ ولده به] (٣).قال ﷺ : [من آذى جاره فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله] (٤). قوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ؛﴾ قال مجاهد والربيع: (هو المسافر) (٥)، ومعناه: صاحب الطريق. وقال قتادة والضحّاك: (هو الضّيف ينزل بك، سمّي ابن السّبيل لأنّه كالمجتاز الّذي لا يقيم، والضّيافة ثلاثة أيّام وما زاد صدقة).وقال الشافعيّ: (هو الّذي يريد السّفر ولا نفقة له). قوله : ﴿وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ؛﴾ يعني المماليك أحسنوا إليهم ولا تكلّفوهم إلاّ طاقتهم، قال ﷺ : [أطعموهم ممّا تأكلون؛ واكسوهم ممّا تلبسون؛ ولا تكلّفوهم ما لا يطيقون؛ فإنّهم لحم ودم وخلق أمثالكم] (٦).وقال

стр. 733

أنس: كانت وصيّة رسول الله ﷺ عند وفاته: [الصّلاة وما ملكت أيمانكم] جعل رسول الله ﷺ يغرغر بهذه الكلمة في صدره وما يفيض بها لسانه (١). قوله : ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً﴾ (٣٦)؛أي لا يرضى عمل من يختال في مشيته ويفتخر على الناس بكبره، وإنّما ذكر المختال في آخر هذه الآية؛ لأن المختال يأنف من ذوي القربى قرابته إذا كانوا فقراء؛ ومن جيرانه إذا كانوا كذلك ولا يحسن عشرتهم. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً﴾ (٣٧)؛يجوز أن يكون أوّل هذه الآية في موضع نصب بدلا من قوله ﴿(مَنْ كانَ)﴾ ويحتمل أن يكون نصبا على الذمّ، على معنى: أعني الّذين يبخلون، ويحتمل أن يكون رفعا على الاستئناف على إضمار (هم) الذين يبخلون. قال ابن عبّاس ومجاهد: (المراد بالآية اليهود، بخلوا بما كان عندهم من العلم بأمر النّبيّ ﷺ وأمروا قومهم بالبخل وهو الكتمان) (٢)،ويقال: كانوا لا يعطون من أموالهم شيئا، ويأمرون الناس بذلك. وقال بعضهم: الآية عامّة في كل من يبخل بما أوتي من المال ويكتم ما أعطاه الله من النعيم لا يخرج زكاته، فعلى هذا يكون المراد بالكافرين في هذه الآية: كافري النّعم دون الكفار بالله. فأمّا على التأويل الأوّل فالمراد بالكافرين اليهود. والبخل: منع الواجب. قرأ يحيى بن يعمر ومجاهد وحمزة والكسائي وخلف: «(بالبخل)» بفتح الباء والخاء، وقرأ قتادة وأيوب بفتح الباء وسكون الخاء، وقرأ عيسى

стр. 734

ابن يعمر: بضمّ الباء والخاء، وقرأ الباقون بضم الباء وسكون الخاء، وكذلك في سورة الحديد، وكلّها لغة معروفة فيه إلاّ أن اللغة العالية: ضمّ الباء وسكون الخاء، وبفتح الباء والخاء لغة الأنصار. قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ؛﴾ في محل نصب عطفا على ﴿(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ)﴾ وإن شئت جعلته عطفا على قوله: ﴿(وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ)﴾. قال السّدّيّ: (نزلت هذه الآية في المنافقين الّذين يراءون النّاس في الإنفاق، ولا يتصدّقون في السّرّ).قيل: المراد به كفار مكّة أنفقوا على الناس وقت خروجهم إلى حرب بدر. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً﴾ (٣٨)؛أن من يفعل ما يدعوه إليه الشيطان وسوّل له فبئس قرينه الشيطان يغويه في الدّنيا ويكون قرينا معه في السلسلة في النار. و ﴿(قَرِيناً)﴾ نصب على التمييز، وقيل: على القطع؛ أي قطع الألف واللام. قوله : ﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ؛﴾ أي ماذا عليهم لو صدّقوا الله واليوم الآخر وتصدّقوا مما رزقهم الله من الأموال، وما فرض عليهم من الصدقة، ﴿وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً﴾ (٣٩)؛أي أنّهم لا يؤمنون، وفي الآية بيان أنّهم إنّما كفروا لسوء اختيارهم وقلّة تأمّلهم مع قدرتهم على الإيمان؛ لأنه لا يحسن أن يقال لمن لا يقدر على الشيء: ماذا عليك لو فعلت كذا. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ؛﴾ أي لا ينقص من جزاء الأعمال زنة نملة حميراء صغيرة (١).والمثقال مفعال من الثّقل؛ وهو ما يوزن به الشيء، من ذلك يسمّى ما يوزن به الدينار مثقالا؛ لأنه يعادله في الثّقل. وقرأ عبد الله: «(إنّ الله لا يظلم مثقال نملة)» (٢) والمعنى: إنّ الله لا ينقص أحدا من خلقه من ثواب

стр. 735

عمله وزن ذرّة، بل يجازيه عليها ويثيبه بها. وقال بعضهم: الذرّ الهباء في الكوّة، فكلّ جزء منها ذرّة. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها؛﴾ قرأ العامّة «(حسنة)» بالنصب على معنى: وإن تك الفعلة حسنة. وقرأ أهل الحجاز: بالرفع على معنى: إن تقع حسنة، أو يؤخذ حسنة. قوله تعالى: ﴿(يُضاعِفْها)﴾ قرأ الحسن بالنون، والباقون بالياء، وهو الصحيح لقوله: ﴿(وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ)﴾؛وقرأ أبو رجاء وابن كثير وابن عامر: «(يضعّفها)» بتشديد العين وهما لغتان. وقال أبو عبيد: (يضاعفها؛ أي يجعلها أضعافا كثيرة، ويضعّفها بالتّشديد يجعلها ضعفين).وقال الضّحاك: (أراد بالحسنة: التّوبة ومن لم يكن له إلاّ حسنة واحدة مقبولة غفر الله له).وقيل: معناه: إن أزاد على سيّئاته مثقال ذرّة من الحسنة يضاعفه الله حتى يجعله مثل أحد، ويوجب له الجنّة، ويعطيه من عنده الزيادة على ما يستحقّه من جزاء عمله، فذلك الأجر العظيم لا يعلم مقداره إلاّ الله. قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ (٤٠)؛وهو الجنة. قوله : ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ؛﴾ معناه: كيف يصنع الكفّار؟ وكيف يكون حالهم يوم القيامة؟ إذا جئنا من كل جماعة بنبيّها شهيدا عليهم ولهم، ﴿وَجِئْنا بِكَ؛﴾ يا محمّد ﴿عَلى هؤُلاءِ؛﴾ الذين أرسلت إليهم؛ ﴿شَهِيداً﴾ (٤١)؛أتشهد لمن صدّق بالتصديق، وعلى كل من كذب بالتكذيب. قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ (٤٢)؛معناه: يوم وقوع الشهادة تمنّى الذين كفروا بالله، وعصوا الرسول أن الأرض تسوّى بهم: يمشي عليها أهل الجمع ويودّون أنّهم لم يكتموا الله حديثا؛ وذلك حين ميّز الله أصحاب اليمين من أصحاب الشّمال، ويقول للوحوش والطيور والبهائم: كوني ترابا؛ أي ويرى الكفّار ذلك ويرون ما أكرم الله به المسلمين، فيقول بعض الكفّار لبعض: هلمّوا نقول إذا سئلنا: والله ربنا ما كنّا مشركين، فيقولون ذلك، فيختم الله على ألسنتهم، ويأذن لجوارحهم في الكلام،

стр. 736

فتشهد عليهم عند ذلك؛ فيقولون: يا ليتنا كنّا ترابا، ويتمنّون أنّهم لم يكتموا الله حديثا؛ لأنّهم كانوا كذبوا في قولهم: ما كنّا مشركين. وقال بعضهم: معنى: ﴿(لا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً)﴾ كلام مستأنف غير داخل في التّمنّي؛ ومعناه: لا يقدرون على كتمان شيء مما عملوه؛ لظهور ذلك عند الله؛ أي لا يفيد كتمانهم. وقال الكلبيّ: (يقول الله للبهائم والوحوش والطّير: كوني ترابا؛ فتسوّى بهم الأرض؛ فعند ذلك يتمنّى الكافر أن يكون كذلك).وقال عطاء: (معناه: يودّ الّذين كفروا لو تسوّى بهم الأرض، ولم يكتموا أمر محمّد ﷺ ولا نعته). قرأ أهل المدينة والشام «(تسّوّى)» بفتح التاء والتشديد على معنى وتتسوّى؛ فأدغمت التاء الثانية في السين. وقرأ أهل الكوفة إلاّ عاصما بفتح التاء والتخفيف على حذف أحد التاءين مثل قوله: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ (١) وقرأ الباقون بضمّ التاء والتخفيف على المجهول؛ أي لو سوّيت بهم الأرض وصاروا هم والأرض شيئا واحدا. قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في جماعة من الصّحابة؛ كانوا يشربون الخمر قبل التّحريم، ثمّ يأتون الصّلاة مع النّبيّ ﷺ فيصلّون معه؛ فنهاهم الله تعالى عن ذلك) (٢). وتأويل الآية على هذا: لا تقربوا مواضع الصلاة وهو المسجد وأنتم سكارى، حتّى تعلموا ما تقولون وما يقرأ إمامكم في الصلاة. وسكارى: جمع سكران، وهذا خطاب لمن لم يبلغ به السّكر إلى حدّ لا يفهم الكلام كلّه، لأنّ الذي لا يفهم شيئا لا يصحّ أن يخاطب، فكانوا بعد نزول هذه الآية يجتنبون السّكر أوقات الصلاة حتى نزل تحريم الخمر في سورة المائدة.

стр. 737

وقال مقاتل: (نزلت في جماعة من الصّحابة؛ كانوا يشربون الخمر في دار عبد الرّحمن بن عوف قبل التّحريم؛ فحضرت صلاة المغرب؛ فقدّموا رجلا فقرأ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ وقال: أعبد ما تعبدون؛ وحذف (لا) في جميع السّورة، فأنزل الله هذه الآية). فمعناها على هذا: لا تقربوا نفس الصلاة، وأنتم سكارى حتّى تعلموا ما تقرءون. وعن عمر ﵁ أنه قال بعد نزول هذه الآية: (اللهمّ إنّ الخمر يضرّ بالعقول والأموال؛ فأنزل فيها أمرك) فصبّحهم الوحي بآية المائدة. قوله تعالى: ﴿(وَلا جُنُباً)﴾ أي لا تقربوا مواضع الصلاة وأنتم جنبا، ﴿إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا،﴾ إلاّ أن تكونوا مجتازين، وإذا لم يكن الماء إلاّ في المسجد، تيمّم الجنب ودخل المسجد وأخذ الماء ثم خرج واغتسل. وقال الشافعيّ: (يجوز للجنب العبور في المسجد بغير تيمّم، ولا تجوز له الإقامة فيه).وقيل: معنى الآية: لا تصلّوا وأنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين لا تجدون الماء فتيمّمون وتصلّون، هكذا روي عن عليّ كرّم الله وجهه ومجاهد والحاكم. وانتصب قوله ﴿(جُنُباً)﴾ على الحال؛ أي لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ؛﴾ أي إذا كنتم مرضى فخفتم الضرر باستعمال الماء أو كنتم مسافرين، ﴿أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ؛﴾ معناه: وجاء أحدكم من الغائط: هو المكان المطمئنّ من الأرض؛ يقال: تغوّط الرجل إذا دخل المكان المطمئنّ لقضاء الحاجة، ويجعل هذا اللفظ كناية عن ذلك. قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ؛﴾ قال عليّ وابن عبّاس ﵄: (معناه: أو جامعتم النّساء) (١) وبه قال الحسن ومجاهد وقتادة. وقال ابن مسعود وابن عمر والنخعيّ والشعبيّ: (أراد به اللّمس باليد، وكانوا لا يبيحون للجنب التّيمّم).

стр. 738

واختلف العلماء في هذا، فقال الشافعيّ: (إذا مسّ الرّجل بدن المرأة نقض وضوءه سواء كان باليد أم بغيرها من الأعضاء).وقال الأوزاعيّ: (إن مسّها باليد نقض؛ وإن كان بغير اليد لم تنقض). وقال مالك وابن حنبل والليث بن سعد: (إن كان اللّمس بشهوة نقض وإلاّ فلا).وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: (إن كان ملامسة فاحشة يحدث الانتشار في التّجرّد نقض؛ وإلاّ فلا).وقال محمد: (لا تنقض الملامسة بحال)،وبه قال ابن عبّاس والحسن البصريّ. دليل الشافعيّ ما روي [أنّ النّبيّ ﷺ نهى عن بيع الملامسة] (١) واللّمس أكثر ما استعمل في لمس اليد. وحجّة من لم يوجب الوضوء بالملامسة ما روي عن عائشة ﵂ قالت: [كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ وهو يصلّي ورجلاي في قبلته، فإذا سجد وغمزني فضممت رجلاي فإذا قام بسطتهما]،والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح (٢). وعن عائشة ﵂ أيضا قالت: افتقدت النّبيّ ﷺ ذات ليلة؛ فجعلت أطلبه بيديّ؛ فوقعت يديّ على قدميه وهما منصوبتان وهو ساجد يقول: [أعوذ برضاك من سخطك؛ وبمعافاتك من عقوبتك؛ وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك] فلمّا فرغ من الصّلاة فقال لي: [أتاك شيطانك؟] (٣). قالوا: فلمسته عائشة وهو في الصلاة فمضى فيها. وعن عائشة ﵂: [أنّ النّبيّ ﷺ كان يقبل بعض أزواجه ثمّ يصلّي ولا يتوضّأ] (٤).

стр. 739

ومذهب الشافعيّ في الملامسة على ثلاثة أوجه: اللّمس ينقض الوضوء قولا واحدا؛ وهو لمس الشابّة الأجنبيّة بأيّ جزء من أجزائه؛ ساهيا كان أم متعمّدا؛ حيّة كانت أم ميّتة. ولمس لا ينقض قولا واحدا؛ وهو مسّ الشّعر والظّفر والسّنّ. ولمس فيه قولان: وهو لمس الصغيرة والعجوز الكبيرة وذوات محارمه؛ أحدهما: ينقض الوضوء؛ لأنّهن من جملة النساء، والثاني: أنه لا ينقض؛ لأنه لا مدخل للشهوة فيهنّ، دليله: [أنّ النّبيّ ﷺ كان يصلّي وهو حامل لأمامة بنت زينب وأبوها أبو العاص] (١).ولو كان اللّمس من خلف حائل لا ينقض؛ سواء كان الحائل صفيقا أم رقيقا. وفي الملموس للشافعيّ قولان؛ أحدهما: ينقض؛ لاشتراكهما في الالتذاذ به، والثاني: لا ينقض؛ لخبر عائشة (فوقعت يديّ على أخمص رسول الله ﷺ . قوله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا؛﴾ أي إذا لم تقدروا على استعمال الماء وقد يذكر الموجود، ويراد به القدرة على استعمال الماء، فإن كان بينه وبين الماء سبع أو عدوّ لم يكن واجدا للماء في الحكم. ومعناه: فتيمّموا، ﴿صَعِيداً طَيِّباً؛﴾ أي فاقصدوا ترابا طاهرا، ويقال: إن الصعيد ما يتصاعد على وجه الأرض ترابا كان أم صخرة ولا تراب عليها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ (٢) وإذا كان على الصخرة تراب لا يكون زلقا، ولهذا جوّز أبو حنيفة ومحمّد التّيمّم بكلّ ما كان من جنس الأرض. وقال مالك: (يجوز التّيمّم بالأرض وبكلّ ما اتّصل بها؛ حتّى لو ضرب بيده على شجرة ثمّ تيمّم بها أجزاه).وقال الشافعيّ: (لا يجوز إلاّ بالتّراب الّذي يعلق باليد).والتّيمّم من خصائص هذه الأمّة. وسبب نزول هذه الآية ما روي عن عائشة ﵂ قالت: (كنّا مع رسول الله ﷺ وكان معي عقد استعرته من أسماء؛ فانقطع؛ حتّى إذا كنّا بالبيداء افتقدته؛ فأخبرت رسول الله ﷺ فأناخ وأناخ النّاس معه؛ فأمرنا بالتماسه فلم يوجد؛ فباتوا ليلتهم تلك وليس عنده ماء. فجاء النّاس إلى أبي بكر ﵁ فقالوا: ألا ترى إلى

стр. 740

عائشة حبست النّاس على غير ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام؛ فعاتبني وقال: قبّحها الله من قلادة حبست المسلمين على غير ماء وقد حضرت الصّلاة، ثمّ طعن بيده على خاصرتي فما منعني من التّخوّف إلاّ أنّ رسول الله ﷺ كان واضعا رأسه على فخذي، فأصبحنا على غير ماء، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ثمّ وجدنا القلادة تحت البعير الّذي كنت عليه، فقال أسيد بن حضير: ما هذا بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر، جزاك الله خيرا؛ فو الله ما نزل بك أمر تكرهينه إلاّ جعل الله لك وللمسلمين فيه خيرا) (١). قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ؛﴾ معناه بعد ضرب الأيدي على الصّعيد الطيّب، قوله : ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً﴾ [٤٣)؛أي متفضّلا عليكم بتسهيل الأوامر وتخفيفا؛ لأنّه نقلكم من الوضوء إلى التّيمّم، غفورا متجاوزا عنكم، يغفر لكم بهذه الطاعات السّهلة ذنوبكم. وروى جابر قال: خرجنا في سفرنا فأصاب رجلا منّا شجّة في رأسه ثمّ احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة؟ قالوا: لا؛ أنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلمّا قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه بذلك، فقال: [قتلوه قتلهم الله، هلاّ سألوا إذا لم يعلموا؛ إنّما شفاء العيّ السّؤال، إنّما كان يكفيه أن يتيمّم] (٢). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ؛﴾ قال ابن عبّاس: (هم اليهود؛ كانوا يستبدلون الضّلالة بأخذ الرّشا بكتمان صفة النّبيّ ﷺ ، يأخذون الرّشوة على كتمانهم بعد ما أوتوا العلم).قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ (٤٤)؛أي يريدون أن تضلّوا أنتم طريق الهدى كما ضلّوا هم بأنفسهم.
следующие страницы →