فتشهد عليهم عند ذلك؛ فيقولون: يا ليتنا كنّا ترابا، ويتمنّون أنّهم لم يكتموا الله حديثا؛ لأنّهم كانوا كذبوا في قولهم: ما كنّا مشركين.
وقال بعضهم: معنى: ﴿(لا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً)﴾ كلام مستأنف غير داخل في التّمنّي؛ ومعناه: لا يقدرون على كتمان شيء مما عملوه؛ لظهور ذلك عند الله؛ أي لا يفيد كتمانهم. وقال الكلبيّ: (يقول الله للبهائم والوحوش والطّير: كوني ترابا؛ فتسوّى بهم الأرض؛ فعند ذلك يتمنّى الكافر أن يكون كذلك).وقال عطاء: (معناه:
يودّ الّذين كفروا لو تسوّى بهم الأرض، ولم يكتموا أمر محمّد ﷺ ولا نعته).
قرأ أهل المدينة والشام «(تسّوّى)» بفتح التاء والتشديد على معنى وتتسوّى؛ فأدغمت التاء الثانية في السين. وقرأ أهل الكوفة إلاّ عاصما بفتح التاء والتخفيف على حذف أحد التاءين مثل قوله: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ (١) وقرأ الباقون بضمّ التاء والتخفيف على المجهول؛ أي لو سوّيت بهم الأرض وصاروا هم والأرض شيئا واحدا.
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في جماعة من الصّحابة؛ كانوا يشربون الخمر قبل التّحريم، ثمّ يأتون الصّلاة مع النّبيّ ﷺ فيصلّون معه؛ فنهاهم الله تعالى عن ذلك) (٢).
وتأويل الآية على هذا: لا تقربوا مواضع الصلاة وهو المسجد وأنتم سكارى، حتّى تعلموا ما تقولون وما يقرأ إمامكم في الصلاة. وسكارى: جمع سكران، وهذا خطاب لمن لم يبلغ به السّكر إلى حدّ لا يفهم الكلام كلّه، لأنّ الذي لا يفهم شيئا لا يصحّ أن يخاطب، فكانوا بعد نزول هذه الآية يجتنبون السّكر أوقات الصلاة حتى نزل تحريم الخمر في سورة المائدة.
стр. 737
وقال مقاتل: (نزلت في جماعة من الصّحابة؛ كانوا يشربون الخمر في دار عبد الرّحمن بن عوف قبل التّحريم؛ فحضرت صلاة المغرب؛ فقدّموا رجلا فقرأ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ وقال: أعبد ما تعبدون؛ وحذف (لا) في جميع السّورة، فأنزل الله هذه الآية).
فمعناها على هذا: لا تقربوا نفس الصلاة، وأنتم سكارى حتّى تعلموا ما تقرءون. وعن عمر ﵁ أنه قال بعد نزول هذه الآية: (اللهمّ إنّ الخمر يضرّ بالعقول والأموال؛ فأنزل فيها أمرك) فصبّحهم الوحي بآية المائدة.
قوله تعالى: ﴿(وَلا جُنُباً)﴾ أي لا تقربوا مواضع الصلاة وأنتم جنبا، ﴿إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا،﴾ إلاّ أن تكونوا مجتازين، وإذا لم يكن الماء إلاّ في المسجد، تيمّم الجنب ودخل المسجد وأخذ الماء ثم خرج واغتسل. وقال الشافعيّ: (يجوز للجنب العبور في المسجد بغير تيمّم، ولا تجوز له الإقامة فيه).وقيل: معنى الآية: لا تصلّوا وأنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين لا تجدون الماء فتيمّمون وتصلّون، هكذا روي عن عليّ كرّم الله وجهه ومجاهد والحاكم. وانتصب قوله ﴿(جُنُباً)﴾ على الحال؛ أي لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ؛﴾ أي إذا كنتم مرضى فخفتم الضرر باستعمال الماء أو كنتم مسافرين، ﴿أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ؛﴾ معناه: وجاء أحدكم من الغائط: هو المكان المطمئنّ من الأرض؛ يقال: تغوّط الرجل إذا دخل المكان المطمئنّ لقضاء الحاجة، ويجعل هذا اللفظ كناية عن ذلك.
قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ؛﴾ قال عليّ وابن عبّاس ﵄: (معناه: أو جامعتم النّساء) (١) وبه قال الحسن ومجاهد وقتادة. وقال ابن مسعود وابن عمر والنخعيّ والشعبيّ: (أراد به اللّمس باليد، وكانوا لا يبيحون للجنب التّيمّم).
стр. 738
واختلف العلماء في هذا، فقال الشافعيّ: (إذا مسّ الرّجل بدن المرأة نقض وضوءه سواء كان باليد أم بغيرها من الأعضاء).وقال الأوزاعيّ: (إن مسّها باليد نقض؛ وإن كان بغير اليد لم تنقض).
وقال مالك وابن حنبل والليث بن سعد: (إن كان اللّمس بشهوة نقض وإلاّ فلا).وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: (إن كان ملامسة فاحشة يحدث الانتشار في التّجرّد نقض؛ وإلاّ فلا).وقال محمد: (لا تنقض الملامسة بحال)،وبه قال ابن عبّاس والحسن البصريّ.
دليل الشافعيّ ما روي [أنّ النّبيّ ﷺ نهى عن بيع الملامسة] (١) واللّمس أكثر ما استعمل في لمس اليد. وحجّة من لم يوجب الوضوء بالملامسة ما روي عن عائشة ﵂ قالت: [كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ وهو يصلّي ورجلاي في قبلته، فإذا سجد وغمزني فضممت رجلاي فإذا قام بسطتهما]،والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح (٢).
وعن عائشة ﵂ أيضا قالت: افتقدت النّبيّ ﷺ ذات ليلة؛ فجعلت أطلبه بيديّ؛ فوقعت يديّ على قدميه وهما منصوبتان وهو ساجد يقول: [أعوذ برضاك من سخطك؛ وبمعافاتك من عقوبتك؛ وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك] فلمّا فرغ من الصّلاة فقال لي: [أتاك شيطانك؟] (٣).
قالوا: فلمسته عائشة وهو في الصلاة فمضى فيها. وعن عائشة ﵂: [أنّ النّبيّ ﷺ كان يقبل بعض أزواجه ثمّ يصلّي ولا يتوضّأ] (٤).
стр. 739
ومذهب الشافعيّ في الملامسة على ثلاثة أوجه: اللّمس ينقض الوضوء قولا واحدا؛ وهو لمس الشابّة الأجنبيّة بأيّ جزء من أجزائه؛ ساهيا كان أم متعمّدا؛ حيّة كانت أم ميّتة. ولمس لا ينقض قولا واحدا؛ وهو مسّ الشّعر والظّفر والسّنّ. ولمس فيه قولان: وهو لمس الصغيرة والعجوز الكبيرة وذوات محارمه؛ أحدهما: ينقض الوضوء؛ لأنّهن من جملة النساء، والثاني: أنه لا ينقض؛ لأنه لا مدخل للشهوة فيهنّ، دليله: [أنّ النّبيّ ﷺ كان يصلّي وهو حامل لأمامة بنت زينب وأبوها أبو العاص] (١).ولو كان اللّمس من خلف حائل لا ينقض؛ سواء كان الحائل صفيقا أم رقيقا. وفي الملموس للشافعيّ قولان؛ أحدهما: ينقض؛ لاشتراكهما في الالتذاذ به، والثاني: لا ينقض؛ لخبر عائشة (فوقعت يديّ على أخمص رسول الله ﷺ .
قوله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا؛﴾ أي إذا لم تقدروا على استعمال الماء وقد يذكر الموجود، ويراد به القدرة على استعمال الماء، فإن كان بينه وبين الماء سبع أو عدوّ لم يكن واجدا للماء في الحكم. ومعناه: فتيمّموا، ﴿صَعِيداً طَيِّباً؛﴾ أي فاقصدوا ترابا طاهرا، ويقال: إن الصعيد ما يتصاعد على وجه الأرض ترابا كان أم صخرة ولا تراب عليها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ (٢) وإذا كان على الصخرة تراب لا يكون زلقا، ولهذا جوّز أبو حنيفة ومحمّد التّيمّم بكلّ ما كان من جنس الأرض. وقال مالك: (يجوز التّيمّم بالأرض وبكلّ ما اتّصل بها؛ حتّى لو ضرب بيده على شجرة ثمّ تيمّم بها أجزاه).وقال الشافعيّ: (لا يجوز إلاّ بالتّراب الّذي يعلق باليد).والتّيمّم من خصائص هذه الأمّة.
وسبب نزول هذه الآية ما روي عن عائشة ﵂ قالت: (كنّا مع رسول الله ﷺ وكان معي عقد استعرته من أسماء؛ فانقطع؛ حتّى إذا كنّا بالبيداء افتقدته؛ فأخبرت رسول الله ﷺ فأناخ وأناخ النّاس معه؛ فأمرنا بالتماسه فلم يوجد؛ فباتوا ليلتهم تلك وليس عنده ماء. فجاء النّاس إلى أبي بكر ﵁ فقالوا: ألا ترى إلى
стр. 740
عائشة حبست النّاس على غير ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام؛ فعاتبني وقال: قبّحها الله من قلادة حبست المسلمين على غير ماء وقد حضرت الصّلاة، ثمّ طعن بيده على خاصرتي فما منعني من التّخوّف إلاّ أنّ رسول الله ﷺ كان واضعا رأسه على فخذي، فأصبحنا على غير ماء، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ثمّ وجدنا القلادة تحت البعير الّذي كنت عليه، فقال أسيد بن حضير: ما هذا بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر، جزاك الله خيرا؛ فو الله ما نزل بك أمر تكرهينه إلاّ جعل الله لك وللمسلمين فيه خيرا) (١).
قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ؛﴾ معناه بعد ضرب الأيدي على الصّعيد الطيّب، قوله : ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً﴾ [٤٣)؛أي متفضّلا عليكم بتسهيل الأوامر وتخفيفا؛ لأنّه نقلكم من الوضوء إلى التّيمّم، غفورا متجاوزا عنكم، يغفر لكم بهذه الطاعات السّهلة ذنوبكم.
وروى جابر قال: خرجنا في سفرنا فأصاب رجلا منّا شجّة في رأسه ثمّ احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة؟ قالوا: لا؛ أنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلمّا قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه بذلك، فقال: [قتلوه قتلهم الله، هلاّ سألوا إذا لم يعلموا؛ إنّما شفاء العيّ السّؤال، إنّما كان يكفيه أن يتيمّم] (٢).
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ؛﴾ قال ابن عبّاس: (هم اليهود؛ كانوا يستبدلون الضّلالة بأخذ الرّشا بكتمان صفة النّبيّ ﷺ ، يأخذون الرّشوة على كتمانهم بعد ما أوتوا العلم).قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ (٤٤)؛أي يريدون أن تضلّوا أنتم طريق الهدى كما ضلّوا هم بأنفسهم.
стр. 741
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ؛﴾ أي هو أعلم بهم، يعلمهم ما هم عليه، ﴿وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيراً﴾ (٤٥)؛أي أنّ عداوة اليهود لا تضرّ المسلمين إذ ضمن لهم النصر والولاية؛ أي اكتفوا بولاية الله ونصرته. وقرأ الحسن:
«(أن تضلّوا السّبيل)» بفتح الضّاد؛ أي عن السّبيل، وقيل: معناه: ﴿(وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ)﴾ أي أعلم بهم منكم فلا تستنصحوهم، ويجوز أن يكون أعلم بمعنى علم.
قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا؛﴾ إن شئت جعلته متّصلا بقوله ﴿(الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ)﴾ ﴿(مِنَ الَّذِينَ هادُوا)،﴾ وإن شئت جعلتها منقطعة مستأنفة. قال ابن عبّاس: (كانوا يأتون رسول الله ﷺ فيسألونه عن الأمر فيخبرهم، ويرى أنّهم كانوا يأخذون به فإذا انصرفوا حرّفوا كلام رسول الله ﷺ ويقولون له: سمعنا قولك، ويقولون في أنفسهم: وعصينا أمرك).وقال بعضهم ﴿(مِنَ الَّذِينَ هادُوا)﴾ راجع إلى قوله ﴿(وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ)﴾ على جهة التبيين للأعداء كما يقال: هذا الثوب من القطن.
قوله تعالى: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا؛﴾ معناه: أنّهم كانوا إذا كلّموا رسول الله ﷺ بشيء قالوا: اسمع؛ وقالوا في أنفسهم: لا أسمعت ولا سمعت. وقيل معناه: غير مجاب له بشيء مما يدعو إليه، وكانوا يقولون: راعنا؛ يوهمون أنّهم يريدون بهذا القول: انظرنا حتّى نكلّمك بما نريد، وكانوا يريدون بذلك السّبّ بالرّعونة بلغتهم. ويقال: كانوا يقولون هذه الكلمة على وجه التّجبّر والتّكبّر، كما يقول المتكبر لغيره: افهم كلامي واسمع قولي، وكانوا يقولون: أرعنا سمعك وتأمّل كلامنا ومثل هذا ممّا لا يخاطب به الأنبياء صلوات الله عليهم، إنّما يخاطبون بالإجلال والإعظام.
قوله تعالى: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ؛﴾ أي كانوا يلوون ألسنتهم بالسّب والتّعيير والطّعن في الدّين. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا؛﴾ معناه: لو قالوا سمعنا قولك وأطعنا أمرك مكان قولهم سمعنا وعصينا، وقالوا: واسمع وانظرنا نسمع قولك ونفهم كلامك مكان قولهم: واسمع غير مسمع، ﴿لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ؛﴾ وأصوب، ﴿وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ؛﴾ أي خذلهم وأبعدهم من رحمته مجازاة بكفرهم. ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٤٦)؛فلا يؤمنون
стр. 742
إيمانا إلاّ قليلا، وقيل: معناه: لا يؤمنون إلاّ قليلا منهم وهم: عبد الله بن سلام ومن تابعه.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ؛﴾ أي يا أيّها الّذين أعطوا علم التّوراة، صدّقوا بهذا القرآن الذي نزّلنا على محمّد ﷺ موافقا لما معكم من التوراة، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً؛﴾ أي من قبل أن نمحو آثارا لوجوه منها: فنخسف بالعين والأنف وغير ذلك من آثار الوجوه فنحوّلها إلى الأقفية فتمشون القهقرى.
روي: أنّه لمّا نزلت هذه الآية قدم عبد الله بن سلام من الشّام؛ فأتى رسول الله ﷺ قبل أن يأتي أهله، فقال: يا رسول الله؛ ما كنت أرى أن أصل إليك حتّى تحوّل وجهي في قفاء.
ويقال معنى: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها؛﴾ نجعل وجوههم على هيئة أقفائهم، ومعنى: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ؛﴾ أو نجعلهم قردة كما مسخنا أصحاب السبت، ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾ (٤٧)؛قضاؤه كائنا لا شكّ فيه، فإن قيل: كيف قال الله تعالى آمنوا ﴿(مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً)﴾ وأوعدهم بطمس الوجوه إن لم يؤمنوا، ثمّ لم يؤمنوا، ولم يقع الطّمس؟ قيل: يحتمل أن يكون هذا وعيدا لهم على ترك جميعهم الإسلام، وقد آمن منهم جماعة بعد هذه الآية كعبد الله بن سلام وعبد الله بن ثعلبة وأسيد بن ثعلبة وأسيد بن عبيد وغيرهم، ويحتمل أن يكون المراد بالآية: الطّمس في الآخرة، وسيفعل الله ذلك بهم.
قوله : ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ؛﴾ قال الكلبيّ: (نزلت في المشركين؛ في شأن وحشيّ وابن حرب وأصحابه، وكان قد جعل لوحشيّ إن قتل حمزة أن يعتقه مولاه، فلم يوفّ له بذلك، فلمّا قدم مكّة ندم هو وأصحابه على ما فعلوا من قتل حمزة؛ فكتبوا إلى رسول الله ﷺ : أنّا قد ندمنا على ما صنعنا، وأنّه ليس يمنعنا عن الإسلام إلاّ أنّا سمعناك تقول إذ كنت عندنا بمكّة ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً. يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾
стр. 743
﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً﴾ (١) وقد دعونا مع الله إلها آخر وقتلنا النّفس وزنينا، ولولا هذه الآية لاتّبعناك، فنزل ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً﴾ (٢) الآية، فبعث بها رسول الله ﷺ إلى وحشيّ وأصحابه، فلمّا قرءوها كتبوا إليه: إنّ هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملا صالحا فلا نكون من أهل هذه الآية، فنزل قوله: ﴿(إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)﴾ فبعث بها إليهم فقالوا: نخاف أن لا نكون من أهل المشيئة، فنزل قوله تعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ (٣) فبعث بها إليهم فوجدوها أوسع ممّا كان قبلها، فدخل هو وأصحابه في الإسلام ورجعوا إلى رسول الله ﷺ فقبل منهم ثمّ قال ﷺ لوحشي: [أخبرني كيف قتلت حمزة؟] فلمّا أخبره، قال له: [ويحك! غيّب وجهك عنّي] فلحق وحشيّ بالشّام فكان فيها إلى أن مات. قالوا: مات وفي بطنه الخمر (٤).
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً﴾ (٤٨)؛أي ومن يشرك بالله سواه فقد اختلق على الله ذنبا عظيما غير مغفور له.
قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في بحرى بن عمرو ومرحب بن زيد؛ أتيا رسول الله ﷺ ومعهما طائفة من اليهود بأطفالهم؛ فقالوا: يا محمّد؛ هل على أولادنا هؤلاء من ذنب؟ قال: [لا] فقالوا: والّذي نحلف به؛ ما نحن إلاّ كهيئتهم ما من ذنب نعمله بالنّهار إلاّ كفّر عنّا باللّيل، وما من ذنب نعمله باللّيل إلاّ كفّر عنّا بالنّهار.
فهؤلاء الّذين يزكّون أنفسهم، برّءوها من الذّنوب، وزعموا أنّهم أزكياء) (٥).يقول الله تعالى: ﴿(بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ)﴾ أي يطهّر من الذنوب من يشاء من كان أهلا لذلك.
стр. 744
قوله تعالى: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ (٤٩)؛أي لا ينقصون من جزاء ما يستحقّونه قدر الفتيل وهو ما تفتله بين إصبعيك من الوسخ إذا مسحت إحداهما بالأخرى، وقيل: الفتيل: ما في بطن النّواة في شقّها من لحائها (١).
قوله : ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ؛﴾ أي انظر يا محمّد كيف يختلق اليهود الكذب على الله، ﴿وَكَفى بِهِ؛﴾ بما يفعلونه، ﴿إِثْماً مُبِيناً﴾ (٥٠)،ذنبا بيّنا.
قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ؛﴾ قرأ السلمي: «(ألم تر)» ساكنة الراء في كلّ القرآن كما قال الشاعر (٢):
من يهده الله يهتد لا مضلّ له ... ومن أضلّ فما يهديه من هادي
قال ابن عبّاس: (ركب كعب بن الأشرف في تسعين راكبا من اليهود؛ فيهم حييّ بن أخطب وجدي بن أخطب ومالك بن الصّيف وغيرهم إلى أهل مكّة ليحالفوهم على رسول الله ﷺ ، وينقضوا العهد الّذي كان بينهم وبينه قبل أجله، فقال أبو سفيان: يا معشر أهل الكتاب؛ أنشدكم بالله أيّهم أقرب للهدى؛ نحن أم محمّد وأصحابه، فإنّا نعمّر مسجد الله، ونسقي الحجيج، ونحجب الكعبة، ونصل الرّحم، ومحمّد قطع أرحامنا واتّبعه شرار الحجيج بنو غفار، فنحن أهدى أم هم؟ فقالت اليهود: أنتم أهدى منهم. فأنزل الله هذه الآية) (٣).
ومعناه: ألم ينته علمك يا محمّد إلى (الّذين أوتوا نصيبا من الكتاب) أي علما بالتّوراة وما فيها من نعت محمّد وصفته يصدّقون بالجبت والطّاغوت. قال ابن عبّاس: (الجبت: حييّ بن أخطب، والطّاغوت كعب بن الأشرف) (٤).وقيل الجبت:
стр. 745
الكهنة، والطّاغوت: الشّياطين. وقيل: الجبت والطاغوت: صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله (١).وقيل الجبت: الصنم، والطّاغوت: مترجمة الصنم على لسانه (٢).
وقال أهل اللغة: كلّ معبود سوى الله تعالى من حجر أو مدر أو صورة فهو جبت وطاغوت، دليله قال تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ (٣) وقوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها﴾ (٤).وقال مجاهد: (الجبت: السّحر، والطّاغوت: الشّيطان) (٥).يدلّ عليه قوله ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ (٦) (والّذين كفروا يقاتلون في سبيل الطّاغوت فقاتلوا أولياء الشّيطان).
وقال بعض المفسّرين: لمّا خرج كعب بن الأشرف هو ومن معه إلى مكّة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشا على عداوة رسول الله ﷺ ؛ نزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزل اليهود في دور قريش، فقال أهل مكّة: إنّكم أهل كتاب ومحمّد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكر منكم، فإن أردت يا كعب أن نخرج معك فاسجد لهذين الصّنمين وآمن بهما؛ ففعل هو وأصحابه، فذلك قوله تعالى: ﴿(يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ)﴾.
قال كعب لأهل مكّة: يجيء منكم ثلاثون؛ ومنّا ثلاثون؛ فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد ربّ البيت لنجهدنّ على قتال محمّد، ففعلوا ذلك، ثمّ قال أبو سفيان: يا كعب؛ إنّك امرؤ تقرأ الكتاب ونحن أمّيّون لا نعلم، فمن أهدى سبيلا، وأقرب إلى الحقّ نحن أم محمّد، فقال كعب: والله أنتم أهدى سبيلا من الّذي عليه محمّد.
فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ)﴾. يعني كعبا وأصحابه يؤمنون بالجبت والطّاغوت يعني الصّنمين، ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ أي لأبي سفيان وأصحابه: ﴿هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ (٥١).
стр. 746
قوله : ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ؛﴾ أي أبعدهم من رحمته، ومن يبعده الله من رحمته، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ (٥٢).
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيراً﴾ (٥٣)؛ أي ألهم نصيب، والميم زائدة، وهذا على وجه الإنكار؛ أي ليس لهم من الملك شيء، ﴿(فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيراً)﴾ يعني محمّدا وأصحابه لا يعطونهم شيء من حسدهم وبخلهم وبغضهم، ورفع قوله: ﴿(يُؤْتُونَ)﴾ لاعتراض (لا) بينه وبين (إذا) (١).وفي قراءة عبد الله: «(فإذا لا يؤتوا)» بالنصب، ولم يعمل ب (لا) (٢).وقال بعضهم: معناه: أنّ اليهود
стр. 747
لو كان لهم نصيب من الملك ما أعطوا الناس مقدار النّقير؛ وهو النقطة التي تكون في ظهر النّواة.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ؛﴾ أي بل يحسدون محمّدا ﷺ على ما أعطاه الله تعالى من النبوّة. وقيل: على ما أحلّ الله له من النساء، وقالوا: لو كان نبيّا لشغلته النبوّة عن النساء. وقال قتادة: (أراد بالنّاس العرب، حسدوهم على النّبوّة أكرمهم الله بها بمحمّد ﷺ ،وقال عليّ ﵁:
(أراد بالنّاس رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄.
قوله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ؛﴾ أي لمّا قالت اليهود: لو كان محمّد نبيّا ما رغب في كثرة النّساء؛ حسدوه على كثرة نسائه وعابوه بذلك فأكذبهم الله بقوله ﴿(فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ)﴾ أراد بالحكمة النبوّة، ﴿وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ (٥٤)؛قال ابن عبّاس: (هو ملك سليمان بن داود، وكان لسليمان سبعمائة مهريّة-أي ممهورة-وثلاثمائة سريّة ولداود مائة امرأة، فأقرّت اليهود لرسول الله ﷺ بذلك، فقال لهم: [ألف امرأة عند رجل ومائة امرأة عند رجل أكثر أم تسع نسوة عند رسول الله] فسكتوا) (١).
قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ؛﴾ معناه: من اليهود من آمن بمحمّد ﷺ : عبد الله بن سلام وأصحابه؛ ومنهم من أعرض عن الإيمان به. وقيل: معناه: منهم من آمن بهذا الخبر عن داود وسليمان، ومنهم من كذب به، ﴿وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾ (٥٥)؛أي وقودا لمن كفر به؛ أي إن صرف الله عن اليهود بعض العذاب في الدّنيا مثل الطّمس وغيره، فقد أبدلهم عذاب جهنّم في الآخرة.
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً؛﴾ أي إنّ الّذين كفروا بمحمّد والقرآن سوف ندخلهم نارا. وقرأ حميد بن قيس: «(نصليهم)» بفتح النون؛ أي نشويهم من قولهم: شاة مصليّة؛ أي مشويّة، ونصبت النار بنزع الخافض على هذه القراءة؛ تقديره: بنار.
стр. 748
قوله تعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها؛﴾ أي كلّما أحرقت جلودهم جدّدنا لهم جلودا غيرها بيضاء كالقراطيس، وذلك أنّهم كلّما احترقوا حسّت عليهم النار ساعة ثم تزايدت سعيرا وبدءوا خلقا جديدا فيهم الرّوح ثم عادت النّار تحرقهم؛ فهذا دأبهم أبدا. قال الحسن: (تنضج جلودهم كلّ يوم سبعين ألف مرّة، كلّما أكلتهم النّار وأنضجتهم؛ قيل لهم: عودوا؛ فيعودون كما كانوا).وعن مجاهد قال: (ما بين جلده ولحمه دود لها حلبة كحلبة حمر الوحش).وعن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: [غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا، وضرسه مثل أحد] (١).
قيل: كيف جاز أن يعذّب الله جلدا لم يعصه؟ قيل: إنّ العاصي والمتألّم واحد وهو الإنسان لا الجلد؛ لأن الجلود إنّما تألم بالأرواح، والدليل على أنّ القصد تعذيب الإنسان لا تعذيب الجلود قوله تعالى: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذابَ؛﴾ ولم يقل ليذوق العذاب، وقيل: معناه: تبدل جلود هي تلك الجلود المتحرقة، وذلك أنّ (غير) على ضربين: بتضادّ و (غير) بلا تضادّ، فالتضادّ مثل قولك: الليل غير النّهار، والذكر غير الأنثى، والثاني مثل قولك لصائغ: صغ لي من هذا الخاتم خاتما غيره، فيكسره ويصوغ لك خاتما، والخاتم المصوغ هو الأوّل، إلاّ أن الصياغة قد تغيّرت، والقصة واحدة.
وقالت الحكماء: كما أنّ الجلد بلي قبل البعث كذلك يبدل بعد النّضج. وقال السّدّيّ: (يبدل من لحم الكافر يعاد الجلد لحما ويخرج من اللّحم جلد آخر؛ لأنّه جلد لم يعمل خطيئة).قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (٥٦)؛أي غالبا في أمره، لا يملك أحد منعه من إنزال وعده، ذو حكمة فيما حكم من النار للكفّار.
стр. 749
قوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ أي بساتين تجري من تحت شجرها وغرفها الأنهار، ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ؛﴾ في الخلق، ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ (٥٧)؛ أي ظلا دائما وهو ظلّ الأشجار والقصور؛ ظلّ لا حرّ معه ولا برد، وليس كلّ ظلّ يكون ظليلا. وقيل: الظّليل الكثيف الذي لا تنسخه الشّمس.
قوله تعالى: ﴿*إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها؛﴾ وذلك: أنّ النبيّ ﷺ لمّا فتح مكّة أتى البيت ليدخله؛ فسأل عن المفتاح، فقيل: هو مع عثمان بن طلحة بن عبد الدّار وكان سادن الكعبة، فأرسل إليه؛ فقال له: [هات المفتاح] فأبى، فلوى عليّ ﵁ يده وأخذه منه وفتح الباب ودخل رسول الله ﷺ البيت، وصلّى فيه ركعتين، فلمّا خرج قال له عمّه العبّاس: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؛ اجعل لي السّدانة مع السّقاية-يعني اجعل لي مفتاح البيت-فأنزل الله هذه الآية ﴿(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها)﴾ فأمر رسول الله ﷺ عليّا ﵁ أن يردّ المفتاح إلى عثمان بن طلحة؛ فردّ عليه فقال عثمان: أنا أشهد أنّ محمّدا رسول الله؛ وأسلم، فقال جبريل للنّبيّ ﷺ : ما دام هذا البيت أرى اللّبنة من لبناته قائمة؛ فإنّ المفتاح في أولاد عثمان بن أبي طلحة.
روي: أنّه لمّا طلب المفتاح من عثمان أبى، فقال ﷺ : [يا عثمان؛ إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فهات المفتاح] فقال: هاك أنت يا رسول الله؛ خذه بأمانة الله. فأخذ النّبيّ ﷺ المفتاح ففتح الباب ومكث في البيت ما شاء الله، فلمّا خرج نزل جبريل بهذه الآية (١).ويدخل في هذا جملة الأمانة.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ؛﴾ خطاب للأئمّة؛ أي ويأمركم الله أن تحكموا بين الناس بالحقّ، ﴿إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ؛﴾ أي
стр. 750
نعم الذي يأمركم به من أداء الأمانة والحكم بالحقّ؛ ﴿إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً؛﴾ لمقالة العبّاس؛ ﴿بَصِيراً﴾ (٥٨)؛بأمانة عثمان.
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ؛﴾ أي أطيعوا الله تعالى فيما أمر؛ وأطيعوا الرسول فيما بيّن. وقيل: أطيعوا الله في الفرائض، وأطيعوا الرسول في السّنن.
وقوله تعالى: ﴿(وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)﴾ قال عكرمة: (هو أبو بكر وعمر) (١) لقوله ﷺ :
[اقتدوا من بعدي بأبي بكر وعمر] (٢)، [وإنّ لي وزيرين في الأرض؛ ووزيرين في السّماء، فبالسّماء جبريل وميكائيل، وبالأرض أبو بكر وعمر] (٣)، [عندي بمنزلة الرّأس من الجسد] (٤).وقال الورّاق: (هم أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ لقوله ﷺ :
стр. 751
[الخلافة بعدي في أربعة من أمّتي: أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ] (١) وقال عطاء: (هم المهاجرون والأنصار والتّابعون بإحسان لقوله تعالى: ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ﴾ (٢) الآية. وقيل: هم أصحاب رسول الله ﷺ كما قال: [أصحابي كالنّجوم؛ بأيّهم اقتديتم اهتديتم] (٣).
وقال جابر بن عبد الله (٤) والحسن (٥) والضحّاك ومجاهد (٦): (هم الفقهاء والعلماء أهل الدّين والفضل) الّذين يعلّمون النّاس معالم دينهم؛ ويأمرونهم بالمعروف وينهون عن المنكر، فأوجب الله على العباد طاعتهم. قال ابن الأسود:
(ليس شيء أعزّ من العلم، فالملوك حكّام على النّاس، والعلماء حكّام على الملوك).وقال أبو هريرة: (هم ولاة المسلمين).وقال الكلبيّ ومقاتل: (هم أمراء السّرايا، كان ﷺ إذا بعث سريّة أمّر عليهم رجلا، وأمرهم أن يطيعوه ولا يخالفوه).
والأظهر من هذه الأقاويل: أن المراد بهم العلماء لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ؛﴾ أي فإن اختلفتم في شيء من الحلال والحرام والشرائع والأحكام، فردّوه إلى أدلّة الله وأدلّة رسوله، وهذا الردّ لا يكون إلاّ بالاستدلال والاستخراج بالقياس؛ لأن الموجود في نصّ الكتاب اذا علم وعمل به لا
стр. 752
يوصف بأنه ردّ إلى الكتاب، وإنّما يقال: هو اتّباع للنّصّ، وغير العلماء لا يعلمون كيفيّة الردّ إلى الكتاب والسّنة ولا دلائل الأحكام، والجواب قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛﴾ دليل على أن الإيمان اتّباع الكتاب والسّنة والإجماع.
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (٥٩)؛أي ردّ الخلاف إلى الله والرسول خير من الإصرار على الاختلاف وأحسن عاقبة لكم، ويقال: أحسن تأويلا من تأويلكم الذي تؤوّلونه من غير ردّ ذلك إلى الكتاب والسّنة. وعن عمر ﵁ أنه قال: (الرّجوع إلى الحقّ خير من التّمادي في الباطل).
قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ؛﴾ الآية. قال الكلبيّ: (نزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر، كان بينه وبين يهوديّ خصومة، فقال اليهوديّ: انطلق نتحاكم إلى محمّد-لأنّه علم أنّه لا يقبل الرّشوة ولا يجوز في الحكم-.وقال المنافق: ننطلق إلى كعب بن الأشرف-وهو الّذي سمّاه الله الطّاغوت-فأبى اليهوديّ أن يخاصمه إلاّ إلى رسول الله ﷺ ، فمضى معه المنافق إلى رسول الله ﷺ فقضى لليهوديّ، فلمّا خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: انطلق بنا إلى عمر رضى الله عنه فقال اليهوديّ: يا عمر؛ اختصمت أنا وهذا إلى محمّد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه، وزعم أنّه يخاصمني إليك، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، قال: رويدكما حتّى أخرج إليكما، فدخل عمر وأخذ السّيف واشتمل عليه، ثمّ خرج إليهما؛ فضرب به المنافق حتّى مات؛ وقال: هكذا قضائي فيمن لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله، وهرب اليهوديّ فنزلت هذه الآية. وقال جبريل: إنّ عمر فرّق بين الحقّ والباطل فسمّي الفاروق) (١).
стр. 753
ومعنى الآية: ألم تر يا محمّد إلى الّذين يزعمون أنّهم آمنوا بالقرآن وبالكتب التي أنزلت من قبلكم وهم المنافقون، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ؛﴾ وهو كعب بن الأشرف، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ؛﴾ بالطّاغوت، ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ (٦٠)؛عن الحقّ.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ (٦١)؛قال ابن عبّاس: (اختصم الزّبير بن العوّام وثعلبة بن حاطب إلى النّبيّ ﷺ في أمر بينهما؛ فقضى للزّبير؛ فخرجا من عنده؛ فمرّا على المقداد فقال: لمن كان القضاء يا ثعلبة؟ فقال: قضى لابن عمّته؛ ولوى شدقه، ففطن يهوديّ كان مع المقداد فقال: قاتل الله هؤلاء؛ يشهدون أنّه رسول الله ثمّ يتّهمونه في قضاء بينهم، وأيم الله لقد أذنبنا في حياة موسى ﵇ فقال لنا: اقتلوا أنفسكم؛ فقتلنا فبلغ قتالنا سبعين ألفا في طاعة الله حتّى رضي عنّا.
فأنزل الله تعالى في شأن ثعلبة وليّه شدقه ﴿(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ)﴾ أي هلمّوا إلى التّحاكم إلى أوامر الله في كتابه وإلى الرسول ﷺ ليحكم بينكم رأيت المنافقين يعرضون عن حكمك إعراضا (١).
قوله : ﴿فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ؛﴾ أي كيف يكون حالهم من ندم وجرأة إذا أصابتهم مصيبة بقتل عمر لصاحبهم وظهور نفاقهم بما فعلوه من ردّ حكم النبيّ ﷺ وليّ الشّدق، ﴿ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ؛﴾ معتذرين، ﴿إِنْ أَرَدْنا إِلاّ إِحْساناً؛﴾ تسهيلا كيلا تشغلك خصومتنا، ﴿وَتَوْفِيقاً﴾ (٦٢)؛بين الخصوم بالالتماس ما يقارب التوسط دون الحمل على الإعراض عن الحكم.
стр. 754
قال الله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ؛﴾ عن عقوبتهم في الدّنيا، ويقال: أعرض عن قبول عذرهم، ﴿وَعِظْهُمْ؛﴾ مع ذلك بلسانك ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ (٦٣) وأعلمهم أنّهم إن عادوا فحقّهم العقوبة والقتل، والقول البليغ أن يبلغ صاحبه بعبارته كنه ما في قلبه.
قوله : ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ؛﴾ أي ليطاع ذلك الرسول بأمر الله، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ؛﴾ بمطالبة الحكم إلى الطاغوت، ﴿جاؤُكَ؛﴾ أيّها الرسول، ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ؛﴾ وتابوا إليه، ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ؛﴾ عند ذلك، ﴿لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً؛﴾ قابلا للتوبة، ﴿رَحِيماً﴾ (٦٤)؛بهم بعد التوبة.
قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ؛﴾ أي لا يكونوا مؤمنين عند الله حتى يحكّموك فيما وقع من الاختلاف بينهم، ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ؛﴾ أي ثمّ لا تضيق صدورهم ممّا قضيت، وقيل: لا يجدون شكّا في حكمك، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٦٥)؛أي يقادوا لحكمك انقيادا.
والمشاجرة في المخاصمة مأخوذ من الشّجر؛ تشبيها للخصومة في دخول بعض الكلام في بعض الأشجار بالتفاف بعضها على بعض.
قوله : ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ؛﴾ (نزلت في ثابت بن قيس لأنه قال: أما والله إنّ الله يعلم منّي الصّدق أنّ محمّدا ﷺ لو أمرني بقتل نفسي لقتلت نفسي) (١)،وكان ثابت من القليل الذين استثناهم الله في الآية.
ومعنى الآية: لو أنّا فرضنا عليهم كما فرضنا على بني إسرائيل أن اقتلوا أنفسكم، أو أمرناهم أن يخرجوا من ديارهم لشقّ ذلك عليهم ولم يفعله إلاّ قليل
стр. 755
منهم. ورفع ال (قليل) على البدل من الواو، ومعنى ما فعله إلاّ قليل منهم، وقرأ أبيّ ابن كعب وابن عامر «(إلاّ قليلا منهم)» بالنصب على معنى استثنى قليلا منهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ؛﴾ أي لو فعل المنافقون ما يؤمرون به من الرّضى بحكمك، ﴿لَكانَ خَيْراً لَهُمْ؛﴾ من المحاكمة إلى غيرك، ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ (٦٦)؛لقلوبهم على الصّواب؛ لأن الحقّ يبقى والباطل يذهب.
قوله تعالى: ﴿وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنّا أَجْراً عَظِيماً﴾ (٦٧)؛أي إذ لو يفعلون ما يؤمرون به لأعطيناهم من عندنا ثوابا جزيلا في الجنّة،
﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ (٦٨)؛أي إلى صراط مستقيم، وقيل: معناه: لهديناهم في الآخرة إلى طريق الجنّة.
قوله : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ؛﴾ نزلت في ثوبان مولى النبيّ ﷺ وكان شديد الحب لرسول الله ﷺ قليل الصّبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغيّر لونه ونحل جسمه، فقال ﷺ : [ما غيّر لونك؟] فقال: يا رسول الله؛ ما بي مرض ولا وجع، غير أنّي لم أرك فاشتقت إليك فاستوحشت، فهذا الّذي نزل بي من أجل ذلك، ثمّ ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك هناك فإنّك ترفع مع النّبيّين، وإنّي إذا دخلت الجنّة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنّة فذاك حين لا أراك أبدا، فأنزل الله هذه الآية، فقال ﷺ : [والّذي نفسي بيده؛ لا يؤمن عبد حتّى أكون أحبّ إليه من نفسه وابنه وأهله وولده والنّاس أجمعين] (١).
ومعنى الآية: ومن يطع الله في الفرائض والرسول في السّنن؛ فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصدّيقين، وهم أفاضل الصّحابة،
стр. 756
﴿وَالشُّهَداءِ؛﴾ هم الذين استشهدوا في سبيل الله، ﴿وَالصّالِحِينَ؛﴾ وهم الذين استقامت أحوالهم بحسن عملهم، والمصلح المقوّم بحسن عمله. وقال عكرمة:
(النّبيّون: هاهنا محمّد ﷺ ، والصّدّيقون: أبو بكر، والشّهداء: عمر وعثمان وعليّ، والصّالحون: سائر الصّحابة) (١).
فإن قيل فكيف يكون المطيعون لله ورسوله مع النبيّين ودرجتهم في أعلى علّيّين؟ قيل: إنّ الأنبياء ولو كانوا في أعلى علّيّين؛ فإنّ غيرهم من المؤمنين يرونهم ويزورونهم ويستمتعون برؤيتهم، فيصلح اللفظ أن يقال إنّهم معهم.
قوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ (٦٩)؛أي حسن الأنبياء ومن معهم رفقاء في الجنّة؛ أي ما أحسن مرافقتهم فيها، فذكر الرفيق بلفظ التوحيد؛ لأنه نصب على التمييز، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً﴾ ويجوز أن يكون معناه: حسن كلّ واحد من أولئك رفيقا، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ (٢) ولم يقل أطفالا.
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ؛﴾ أي ذلك المنّ من الله على المطيعين، ﴿وَكَفى بِاللهِ عَلِيماً﴾ (٧٠)؛بهم وبأعمالهم ومجازيا لهم بما يستحقّونه من ثواب وكرامة.
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ؛﴾ أي أسلحتكم، ﴿فَانْفِرُوا ثُباتٍ؛﴾ أي من عدوّكم بالأسلحة والرّجال، ولا تخرجوا متفرّقين، ولكن اخرجوا ثبات، ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً﴾ (٧١)؛أي اخرجوا جماعات جماعات؛ سريّة سريّة كما يأمركم رسول الله ﷺ في جهاد عدوّكم، واخرجوا كلّكم جميعا مع النبيّ ﷺ إن أراد الخروج، والثّبات: الجماعات في تفرقة واحدها ثبة؛ أي انفروا جماعة بعد جماعة، ويجوز أن يكون معنى: الحذر: السّلاح.
стр. 757
واستدلّ أهل القدر بهذه الآية قالوا: إنّ الحذر ينفع ويمنع عنكم مكايدة العدوّ، وإلاّ لم يكن لأمره تعالى آتاهم بالحذر، معناه: فيقال لهم الائتمار بأمر الله والانتهاء بنهيه واجب عليهم؛ لأنّهم به يسلمون من معصية الله تعالى؛ لأن المعصية ترك الأوامر والنواهي. وليس في الآية دليل على أن حذرهم ينفع من القدر شيئا، بل المراد منه طمأنينة النفس لا أنّ ذلك يدفع القدر.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ؛﴾ أي ممّن أظهر الإيمان ليتشاغلنّ عن الجهاد، ويثقلنّ غيره وهو عبد الله بن أبيّ وجدّ بن قيس، وأصحابهما من المنافقين الذين كانوا يشاركون المسلمين في ظاهر الإسلام كانوا ينتظرون هلاك المسلمين وهزيمتهم ويتثاقلون عن الجهاد، يقال: أبطأ الرجل اذا تأخّر عن العمل بإطالة المدّة.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً﴾ (٧٢)؛أي إن أصابتكم نكبة أو هزيمة أو قتل، قال هذا المبطئ: قد منّ الله عليّ إذ لم أكن معهم حاضرا في تلك الغزوة فيصيبني مثل الذي أصابهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ؛﴾ أي وإن أصابكم أيّها المؤمنون ظفر وغنيمة، ﴿لَيَقُولَنَّ؛﴾ هذا المبطئ نادما، ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ؛﴾ في الغزو فأصيب حظّا وافرا وغنائم كثيرة.
قوله تعالى: ﴿(كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ)؛﴾ قال بعضهم: هو معرض بين اليمين وما قبله؛ تقديره: ولئن أصابكم فضل من الله ليقولنّ يا ليتني كنت معهم، ﴿فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٧٣)؛كأن لم يكن بينكم وبينه مودّة؛ أي يتمنّى أن ينال من غير أن يريد الجهاد والقتال، وقيل: هو متصل بقوله ﴿(قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً)﴾ كأن لم يكن بينكم وبينه مودّة؛ أي صلة في الدّين ومعرفة في الصّحبة، كأنه لم يعاقدكم قبل أن يجاهد معكم.
ثمّ أمر الله تعالى كلّ من عقد الإيمان بالقتال؛ فقال : ﴿*فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ؛﴾ أي ليقاتل في طاعة الله ورضائه الذين يبيعون الحياة الدّنيا بالآخرة وهم المؤمنون. وقيل: معناه: إنّ الخطاب للمبطئين؛ ومعنى ﴿(يَشْرُونَ):﴾ يختارون الحياة الدّنيا على الآخرة. وهذا اللفظ
стр. 758
من الأضداد، يقال: شريت بمعنى بعت، وشريت بمعنى اشتريت، فيكون معنى الآية على هذا: آمنوا ثمّ قاتلوا، لأنه لا يجوز أن يكون الكافر مأمورا بشيء يتقدّم على الإيمان.
ثم ذكر الله تعالى فضل المجاهدين؛ فقال: ﴿وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ؛﴾ أي في الجهاد الذي هو طاعة الله تعالى؛ ﴿فَيُقْتَلْ؛﴾ هو؛ ﴿أَوْ يَغْلِبْ؛﴾ العدوّ؛ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (٧٤)؛فسوف نعطيه في كلا الوجهين ثوابا وافرا في الجنّة، وسمّى الله تعالى الثواب عظيما؛ لأنه نال ثمنا من العزيز بأغلى الأثمان، وقد يكون ثمن الشيء مثله، ويكون وسطا من الأثمان.
قوله تعالى: ﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ؛﴾ معناه: أيّ شيء لكم أيّها المؤمنون في ترك الجهاد مع اجتماع الأسباب الموجبة للتحريض عليه، وقوله تعالى: ﴿(لا تُقاتِلُونَ)﴾ في موضع نصب على الحال كأنه قال: وما لكم تاركين الجهاد؟ كما قال تعالى في آية أخرى ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ؛﴾ في موضع خفض بإضمار (في)؛معناه:
وفي بيان المستضعفين؛ أي وفي نصرة المستضعفين، ويجوز أن يكون معناه: وعن المستضعفين؛ أي للذب عن المستضعفين، ﴿مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ؛﴾ الذين هم بمكّة ويلقون فيها أذى كثيرا وهم: سلمة بن هشام والوليد بن الوليد وعبّاس بن ربيعة وغيرهم، كانوا أسلموا بمكّة فأراد عشائرهم من أهل مكّة بعد هجرة النبيّ ﷺ أن يفتنوهم عن الإسلام. يقول الله تعالى: ما تقاتلون المشركين في خلاص هؤلاء الضّعفاء، ﴿الَّذِينَ؛﴾ يسألون الله؛ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ؛﴾ أي خلّصنا من هذه القرية؛ يعنون مكّة؛ ﴿الظّالِمِ أَهْلُها؛﴾ أي الكفّار أهلها، ﴿وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا؛﴾ أي من عندك؛ حافظا يحفظنا من أذاهم، ﴿وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ؛﴾ من عندك؛ ﴿نَصِيراً﴾ (٧٥)؛أي مانعا يمنعنا منهم. فاستجاب الله دعاءهم، وجعل لهم النبيّ ﷺ حافظا وناصرا بفتح مكة على يديه، واستعمل عليهم عتّاب بن أسيد، عتاب ينصف الضعيف من الشديد.
стр. 759
قوله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ؛﴾ معناه: الذين آمنوا بمحمّد والقرآن، يقاتلون في طاعة الله بأمر الله، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ أبو سفيان وأصحابه، ﴿يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ؛﴾ يقاتلون في طاعة الشيطان، ﴿فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً؛﴾ (٧٦) وضعفه بالوسوسة إلى أوليائه بأنّ الظفر يكون لهم كيد ضعيف، وإنّما أدخل على هذا اللّفظ (كان) لتبين أن صفة الضّعف لازمة له، وأنه ﴿(كانَ ضَعِيفاً)﴾ فخذل أولياءه، كما خذلهم يوم بدر حيث قال لهم: إنّي بريء منكم إنّي أرى ما لا ترون.
قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ؛﴾ قال ابن عبّاس (١) وقتادة (٢) والحسن والكلبيّ (٣): (نزلت هذه الآية في قوم من الصّحابة وهم: عبد الرّحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص وطلحة بن عبد الله والمقداد وغيرهم، كانوا يلقون من المشركين أذى كثيرا وهم بمكّة قبل أن يهاجروا إلى المدينة؛ فشكوا إلى رسول الله ﷺ ؛ وقالوا: يا رسول الله ائذن لنا في قتال هؤلاء فإنّهم قد آذونا، فقال ﷺ : [كفّوا أيديكم؛ فإنّي لم اؤمر بقتالهم، وأقيموا الصّلاة الخمس، وأدّوا زكاة أموالكم] فلمّا خرجوا إلى المدينة وأمرهم الله تعالى بقتال المشركين، وأمرهم رسول الله ﷺ بالمسير إلى بدر، كره بعضهم وشقّ ذلك عليهم).
ومعنى الآية: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ؛﴾ بالمدينة أي فرض؛ ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ؛﴾ وقيل معناه: ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً؛﴾ كقوله ﴿مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٤).
стр. 760
قوله تعالى: ﴿وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ؛﴾ يعني مشركي مكّة لم فرضت علينا القتال؛ أي الجهاد؛ ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ؛﴾ أي هلاّ تركتنا حتى نموت بآجالنا. قال الحسن: (لم يقولوا هذه لكراهة أمر الله، ولكن لدخول الخوف عليهم بذلك)،وقال بعضهم: نزلت في المنافقين، لأن قوله: ﴿(لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ)﴾ لا يليق بالمؤمنين، وكذلك الحسنة من غير الله. وقيل: نزلت في قوم من المؤمنين لم يكونوا راسخين في العلم، قالوا هذا القول؛ لأنّهم ركنوا إلى الدّنيا وآثروا نعيمها على القتال.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: منفعة الدّنيا يسيرة تنقطع وتقضى، والاستمتاع بها قليل؛ لأن الجديد منها إلى البلى، والشابّ منها إلى الهرم والانقضاء.
قوله تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى؛﴾ أي وثواب الآخرة أفضل لمن اتّقى المعاصي، ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ (٧٧)؛أي ولا ينقصون من جزاء أعمالهم الذي استحقّوه مقدار الفتيل، وقد تقدّم تفسير الفتيل.
قوله تعالى: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ؛﴾ أي أينما تكونوا يا معشر المؤمنين والمنافقين في برّ أو بحر أو سفر أو حضر يلحقكم الموت، وإن كنتم في حصون محصّنة من حديد وغيره، مرتفعة إلى عنان السّماء، والمعنى:
أنكم وإن سومحتم وأخذتم بترك القتال، فإن آخر أعماركم موت لا تنجون منه.
وقال عكرمة: (مشيّدة: محصّنة).وقال العينيّ: (مطوّلة).
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ؛﴾ هذا حكاية قول المنافقين واليهود، كانوا يقولون: ما زلنا نعرف النّقص في ثمارنا ومراعينا مذ قدم هذا الرجل علينا-يعنون النبيّ ﷺ -بعد قدومه المدينة، فذلك قوله: ﴿(وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ)﴾ أي إن يصبهم خصب ورخص سعر وتتابع أمطار يقولوا:
هذه من فضل الله؛ ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ؛﴾ قحط وجدوبة وغلاء سعر، ﴿يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ؛﴾ هذه من شؤم محمّد وأصحابه.
стр. 761
يقول الله تعالى ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ؛﴾ أي قل لهم يا محمّد:
الحسنة والسيّئة كلّها بقضاء الله وتقديره، ﴿فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ (٧٨)؛اليهود والمنافقين لا يقربون من فهم حديث عن الله. والفقه: هو الفهم، ثم اختصّ من جهة العرف بعلم الفتوى. وقال الحسن: (أراد بالحسنة في هذه الآية: الظّفر والغنيمة، وبالسّيّئة: القتل والهزيمة) وكانوا إذا غلبوا قالوا: هذه من عند الله، وإذا غلبهم العدوّ قالوا: هذه من خطأ رأيك وتدبيرك.
قوله تعالى: ﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ؛﴾ واختلف المفسّرون في المخاطب بهذه الآية، قال أكثرهم: هو النّبيّ ﷺ والمراد له عامّة النّاس. وقال قتادة: (المخاطب بها الإنسان) (١) كأنّه قال: ما أصابك أيّها الإنسان من حسنة؛ أي من خصب ورخص سعر وفتح وغنيمة فالله تعالى هداك له وأعانك عليه ووفّقك له، وما أصابك من قحط وجدبة وهزيمة ونكبة وكلّ أمر تكرهه؛ فإنّما أصابك ذلك بما كسبت يداك بقضاء الله وقدره، كما قال تعالى ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٢).وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [ما من خدشة عود ولا اختلاج عرق ولا عثرة قدم إلاّ بذنب، وما يعفو الله أكثر] (٣).
وقال بعض المفسّرين: بين هذه الآية وبين التي قبلها إضمار تقديره: فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا يقولون ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيّئة فمن نفسك؛ لأنّه مستحيل أن يأمر الله تعالى بإضافة الحسنة والسيّئة إلى أمره وقضائه في آية ثم يتلوها بآية تفرّق بينهما بعد أن ذمّ قوما على التفرقة في الأولى، فكيف يجوز أن يذمّ على الجمع في الآية الثانية، ومثل هذا الإضمار كثير في القرآن.
стр. 762
وقرئ في الشواذّ بنصب الميم ﴿(فَمِنْ نَفْسِكَ)﴾ أي كلّ من الله، فمن أنت ونفسك حتى يضاف إليك شيء، غير أنّ القراءة سنّة متّبعة؛ فلا يقرأ إلاّ بما تصحّ به الرواية، وحاصل المعنى على قراءة العامّة: أي: ما أصابك من خير ونعمة فمن الله، وما أصابك من بليّة، أو شيء تكرهه فمن نفسك؛ أي بذنوبكم، وأنا الذي قدّرتها عليك.
قال الضحّاك: (ما حفظ الرّجل القرآن ثمّ نسيه إلاّ بذنب) ثم قرأ ﴿(وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)،﴾ قال: (فنسيان القرآن من أعظم المصائب).
قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً؛﴾ أي ومن نعمة الله عليك إرساله إياك رسولا إليهم، ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ (٧٩)؛على أنك رسول صادق يشهد لك بالرسالة والصّدق، وقيل: شهد على مقالة القوم أنّ الحسنة من الله، والسيئة من عندك، وقيل: معناه: يشهد أنّ الحسنة والسيّئة كلّها من الله.
قوله : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ؛﴾ أي من يطع الرسول فيما يأمره فقد أطاع الله؛ لأنّ الرسول إنّما يأمر به من عند الله، ﴿وَمَنْ تَوَلّى؛﴾ أي أعرض عن طاعته، ﴿فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ (٨٠)؛أي ليس عليك إلاّ البلاغ وما أرسلناك عليهم مسلّطا تجبرهم على الإيمان والطاعة وتمنعهم عن الكفر والمعصية؛ فإنك مبلّغ وأنا العالم بسرائرهم، وهذه الكلمة من آخر الآية منسوخة بآية السّيف.
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ؛﴾ معناه: أنّ المنافقين كانوا يقولون للنبيّ ﷺ أمرك طاعة وقولك متّبع، ﴿فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ؛﴾ فإن خرجوا من عندك يا محمّد، ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ؛﴾ أي غيّرت جماعة منهم الأمر الذي أمرتهم به على وجه التكذيب، يقال لكلّ أمر قضي بليل: قد بيّت به، وإنّما لم يقل للبيت؛ لأنّ كل تأنيث غير حقيقي يجوز تعبيره بلفظ التذكير، وقيل: معناه: قدّروا ليلا غير ما أعطوك نهارا.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ؛﴾ أي يحفظ عليهم ما يفترون من أمرك، وقيل: ما يسرّون من النفاق. قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ؛﴾ أي لا تعاقبهم يا محمّد واستر عليهم إلى أن يستقيم أمر الإسلام ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ؛﴾ أي ثق
стр. 763
بالله وفوّض أمرك إليه، ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (٨١)؛أي حافظا، والوكيل: هو العالم بما يفوّض إليه من التدبير.
قوله : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ؛﴾ أي أفلا يتفكّرون في القرآن أنه يشبه بعضه بعضا ويصدّق بعضه بعضا، وأنّ أحدا من الخلائق لا يقدر على مثله، فيعلمون أنه حقّ ويعلمون أنه من عند الله، ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (٨٢)؛أي تعارضا وتباينا وبعضه بليغا وبعضه ساقطا.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ؛﴾ يعني المنافقين كانوا إذا أتاهم خبر من أمر السّرايا الذين بعثهم رسول الله ﷺ من ظفر ودولة وغنيمة؛ أو أتاهم عنهم خبر نكبة أو هزيمة أفشوا ذلك الخبر، وأظهروه قبل أن يحدّث به رسول الله ﷺ ليحذر بخبر الظّفر من ينبغي أن يحذر من الكفّار ويقوى بخبر هزيمة المسلمين قلب من كان يبتغي نكبة المسلمين منهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ومعناه: اذا جاء المنافقين ﴿(أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ)؛﴾ يعني الغنيمة والفتح، ﴿(أَوِ الْخَوْفِ)﴾ أي الهزيمة والقتل ﴿(أَذاعُوا بِهِ)؛﴾ أي أشاعوه وأفشوه، ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ؛﴾ أي لم يتحدّثوا به ولم يفشوه حتى يكون النبيّ ﷺ هو الذي يتحدّث به. والمعنى: لو تركوا أمر السّرايا والعسكر إلى النّبيّ ﷺ وإلى أولي الأمر من المؤمنين وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وأكابر الصّحابة حتى يكونوا هم الذين يفشونه، ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ؛﴾ يطلبون الخبر ويستخبرونه من النبيّ ﷺ وأكابر الصّحابة أن ذلك الخبر صحيح أم لا.
قال الكلبيّ: ﴿(لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)﴾ أي يتّبعونه. وقال عكرمة: (يسألون عنه؛ أي لو تركوا إذاعته حتّى يتحدّث به النّبيّ لعلمه الّذين يسألون عنه).وقال القتيبيّ:
(لعلمه الّذين يستخرجونه، يقال: استنبطت الماء إذا أخرجته).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ؛﴾ أي لولا ما أنزل الله عليكم من القرآن، وبيّن لكم الآيات على لسان نبيّه ﷺ ، ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٨٣)؛أي كان أقلّكم ينجوا من الكفر، والمراد بالفضل هاهنا النبيّ صلى الله عليه وسلم
стр. 764
والقرآن، وقيل: في الآية تقديم وتأخير؛ معناه: أذاعوا به إلاّ قليلا من الخبر لم يذيعوه، أو قليلا من المنافقين لم يذيعوه.
قوله تعالى: ﴿فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ؛﴾ وذلك أنّ رسول الله ﷺ لمّا التقى هو وأبو سفيان يوم أحد وكان من أمرهم ما كان، ورجع أبو سفيان إلى مكّة وواعده رسول الله ﷺ بدر الصّغرى في ذي القعدة، فلمّا بلغ النّبيّ ﷺ الميعاد، قال للنّاس: اخرجوا إلى العدوّ، فكرهوا ذلك كراهة شديدة أو بعضهم، فأنزل الله هذه الآية ﴿(فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ)﴾ أي لا تدع بجهاد العدو ولو وحدك.
وقيل: لا تؤاخذ بفعل غيرك، وإنّما تؤاخذ بفعل نفسك وليس عليك ذنب غيرك، ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ؛﴾ على القتال لعلّ الله أن يكفّ عنك قتال الكفّار، وعسى من الله واجب؛ لأنه في اللغة الإطماع، وإطماع الكريم لا يكون إلا إنجازا.
والفاء في قوله: ﴿(فَقاتِلْ)﴾ جواب عن قوله: ﴿(وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)﴾ فقاتل وحرّض المؤمنين على القتال؛ أي حرّضهم على القتال ورغّبهم فيه. فتثاقلوا ولم يخرجوا معه؛ فخرج رسول الله ﷺ في سبعين راكبا حتّى أتي بدر الصّغرى؛ فكفاهم الله بأس العدوّ ولم يوافقهم أبو سفيان؛ ولم يكن قتال يومئذ، فرجع رسول الله ﷺ وأصحابه، فذلك قوله تعالى: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ أي قتال المشركين وصولتهم، ﴿وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً﴾ (٨٤)؛أي عقوبة.
قوله : ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ؛﴾ أي من يصلح بين اثنين يكن له أجر وثواب من ذلك الإصلاح، ومن يمشي بالغيبة والنّميمة له حظّ من وزرها وعقوبتها، هكذا روي عن ابن عبّاس، وقيل: معناه: من يوحّد ويأمر بالتوحيد يكن له أجر من ذلك، ومن يشرك ويأمر بالشّرك يكن له وزر من ذلك. ويقال: الشّفاعة الحسنة هي للمؤمنين، والشفاعة السيّئة الدعاء عليهم، فإنّ اليهود كانوا يدعون على المؤمنين فتوعّدهم الله بذلك.
стр. 765
قوله تعالى: ﴿كِفْلٌ مِنْها؛﴾ قال ابن عبّاس وقتادة: (الكفل: الإثم والوزر) (١).وقال الفرّاء وأبو عبيد: (الكفل: الحظّ والنّصيب).
قوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ (٨٥)؛قال الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس: (مقيتا أي مقتدرا مجازيا بالحسنة والسّيّئة)،قال الشاعر (٢):
وذي ضغن كففت النّفس عنه ... وكنت على مساءته مقيتا
أي مقتدرا.
وقال الزجّاج: (المقيت: الحفيظ).قال الشاعر (٣):
ألي الفضل أم عليّ إذا حو ... سبت أنّي على الحساب مقيت
وقال مجاهد: (المقيت الشّاهد) (٤).وقال الفرّاء: (المقيت الّذي يعطي كلّ إنسان قوته).وجاء في الحديث: [كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يقوّت -أو يقيت-] (٥).
قوله : ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها؛﴾ قال ابن عبّاس: (أراد بالتّحيّة السّلام؛ أي إذا سلّم عليكم أحد فأجيبوا بتحيّة أحسن منها؛ وهو أن تزيدوا في التّحيّة فتقولوا: وعليك السّلام ورحمة الله وبركاته، يحيّي بذلك المسلّم عليه، والملكين الحافظين معه بأبلغ التّحيّة).
قوله تعالى: ﴿(أَوْ رُدُّوها)﴾ معناه: وأجيبوا بمثل الذي سلّم عليكم. وقال بعضهم:
معناه: وإذا حيّيتم بتحيّة؛ أي إذا أهدي إليكم هدية فكافئوا بأفضل منها أو مثلها؛ لأن
стр. 766
التحيّة في اللغة الملك، وكانوا يقولون قبل الإسلام: حيّاك الله؛ أي ملّكك الله، ثم أبدلوا بهذا اللفظ بالسّلام بعد الإسلام، وأقيم السلام مقام قولهم: حيّاك الله. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ (٨٦)؛أي مجازيا يعطي كلّ شيء من العلم والحفظ والجزاء مقدارا يحسبه؛ أي يكفيه، يقال: حسبك هذا؛ أي اكتف به، وقوله تعالى: ﴿عَطاءً حِساباً﴾ (١) أي كافيا.
قوله تعالى: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ؛﴾ أي لا إله في الأرض وفي السّماء غيره، واللام في ﴿(لَيَجْمَعَنَّكُمْ)﴾ لام أنفسهم، كأنه قال الله: يجمعكم في الحياة والموت في قبوركم، إلى يوم القيامة لا ريب فيه؛ أي لا شكّ فيه أنه كائن لا محالة. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ (٨٧)؛ استفهام بمعنى النّفي، ليس أحد أوفى من الله تعالى وعدا ولا أصدق منه قولا، ولا صادقا إلاّ ويوجد غيره على خلاف مخبره وقتا من الأوقات (٢) إلاّ الله ؛ فمن أصدق من الله حديثا.
قوله : ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ؛﴾ قال ابن هشام:
(هاجر أناس من قريش فقدموا على رسول الله ﷺ المدينة فأسلموا، ثمّ ندموا على ذلك وأرادوا الرّجعة، فقال بعضهم لبعض: كيف نخرج؟ قالوا: نخرج كهيئة المتنزّهين، فقالوا للمسلمين: إنّا قد اجتوينا المدينة فنخرج ونتنزّه-أي نتفسّح- فصدّقوهم، فخرجوا فجعلوا يباعدون قليلا حتّى بعدوا، ثمّ أسرعوا في السّير إلى مكّة حتّى لحقوا بها، وكتبوا إلى رسول الله ﷺ : أنّا على ما فارقناكم عليه من التّصديق، ولكنّا اشتقنا إلى أرضنا واجتوينا المدينة.
ثمّ أنّهم أرادوا أن يخرجوا في تجارتهم إلى الشّام، فاستبضعهم أهل مكّة وقالوا: أنتم على دين محمّد، فإن لقوكم فلا بأس عليكم منهم. فخرجوا من مكّة
стр. 767
متوجّهين إلى الشّام، فبلغ ذلك المسلمين، فقالت طائفة منهم: ما يمنعنا أن نخرج إلى هؤلاء الّذين رغبوا عن ديننا وتركوه، نخرج إليهم فنقتلهم ونأخذ ما معهم، وقالت طائفة: كيف نقتل قوما على دينكم، وكان بحضرة رسول الله ﷺ وهو ساكت لا ينهى أحد الفريقين. فأنزل الله تعالى هذه الآية والّتي بعدها يبيّن لرسول الله ﷺ شأنهم) (١).
ومعناها: فما لكم من هؤلاء المنافقين حتى صرتم في أمرهم فرقتين من محلّ لأموالهم ومحرّم، ﴿وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا؛﴾ أي ردّهم إلى كفرهم وضلالتهم بما كسبوا من أعمالهم السيّئة، ونفاقهم وخبث نيّاتهم، وانتصاب (فئتين) على الحال؛ يقال: ما لك قائما؛ أي لم قمت في هذه الحالة، وقيل: على خبر (صار).
قوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ؛﴾ أي تريدون يا معشر المخلصين أن ترشدوا من خذله الله عن دينه وحجّته، وقيل: معناه: أتقولون إنّ هؤلاء مهتدون، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ (٨٨)؛أي لن تجد له هاديا، وقيل: لن تجد له طريقا إلى الهدى. وقرأ عبد الله وأبيّ: «(والله ركّسهم)» بالتشديد.
قوله : ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً؛﴾ أي تمنّى المنافقون والكفار أن تكفروا أنتم بمحمّد ﷺ والقرآن كما كفروا، فتكونوا أنتم وهم سواء في الكفر، ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ؛﴾ أي أحبّاء، ﴿حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ؛﴾ في طاعة الله، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا،﴾ فإن أعرضوا عن الإيمان والهجرة فأسروهم، ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ،﴾ في الحلّ والحرم، ﴿وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (٨٩)؛أي حبيبا في العون والنّصرة.
وهذه الآية محمولة على حال ما كانت الهجرة فرضا كما قال ﷺ : [أنا بريء من كلّ مسلم أقام بين أظهر المشركين] (٢) ثم نسخ ذلك يوم فتح مكّة كما روى ابن
стр. 768
عبّاس قال: قال رسول الله ﵇ يوم الفتح: [لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة، وإن استنفرتم فانفروا] (١).
وقوله تعالى: ﴿(فَتَكُونُونَ سَواءً)﴾ لم يدخل جواب التّمنّي؛ لأن جوابه بالفاء منصوب، وإنّما أراد العطف على معنى: ودّوا لو تكفرون وودّوا لو تكونوا سواء، مثل قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (٢) أي ودّوا لو تدهن وودّوا لو تدهنون، ومثله ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ﴾ (٣) أي وودّوا لو تميلون.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ؛﴾ هذا استثناء لمن اتّصل من الكفار بقوم بينهم وبين المسلمين ميثاق، قال ابن عبّاس: (أراد بالقوم الأسلميّين، وادع رسول الله ﷺ أبا بردة هلال بن عويمر الأسلميّ وأصحابه على أن لا يعينوه ولا يعينوا عليه، فمن وصل إليهم ولحق بهم بالأنساب أو بالولاء) يعني: لجأ أحد من الكفار في عهد الأسلميّين على حسب ما كان بين يدي رسول الله ﷺ وبين قريش من الموادعة (٤)؛فدخلت خزاعة في عهد النبيّ ﷺ ، ودخلت بنو كنانة في عهد قريش (٥).
стр. 769
قوله تعالى: ﴿أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ؛﴾ معناه: ويصلون إلى قوم جاؤكم ضاقت صدورهم أن يقاتلوكم مع قومهم، ﴿أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ؛﴾ معكم وهم بنو مدلج، ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ؛﴾ لسلّط قوم هلال بن عويمر، وبني مدلج عليكم، ﴿فَلَقاتَلُوكُمْ؛﴾ كما قتلتموهم ظالمين لهم، ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ؛﴾ أي فإن تركوكم فلم يقاتلوكم مع قومهم، واستسلموا أو خضعوا بالصّلح والوفاء، ﴿فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ (٩٠)؛أي حجّة في القتال وقال أهل النّحو: معنى ﴿(أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ)﴾ أي حصرت. و ﴿(حَصِرَتْ)﴾ لا يكون حالا إلاّ بعد (١)؛قالوا:
ويجوز أن يكون ﴿(حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ)﴾ خبرا بعد خبر؛ كأنه قال: أو جاؤكم، ثم أخبر بعد فقال: ﴿(حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ)﴾. وفي الشواذّ: «(أو جاؤكم حصرة صدورهم)» (٢).
وأمّا اللام في ﴿(لَسَلَّطَهُمْ)﴾ فجواب ﴿(لَوْ شاءَ اللهُ)،﴾ واللاّم في ﴿(فَلَقاتَلُوكُمْ)﴾ للبدلية، والفاء فاء عطف بمنزلة الواو.
وقد روي عن عطاء عن ابن عبّاس: (أنّ هذه الآية منسوخة بقوله ﴿(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)﴾ بآية السّيف؛ هي معاهدة المشركين وموادعتهم منسوخة بقوله:
﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٣)) (٤).ولأن الله تعالى أعزّ الإسلام
стр. 770
وأهله؛ فلا يقبل من مشركي العرب إلاّ الإسلام أو السّيف بهذه الآية، وقد أمرنا الله تعالى في أهل الكتاب بقتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية بقوله تعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ (١) فلا يجوز مداهنة الكفّار وترك أحدهم على الكفر من غير جزية إذا كان بالمسلمين قوّة على القتال، وأما إذا عجزوا عن مقاومتهم وخافوا على أنفسهم وذراريهم جاز لهم مهادنة العدوّ من غير جزية يؤدّونها إليهم؛ لأن حظر الموادعة كان لسبب القوّة؛ فإذا زال السبب زال الحظر.
قوله : ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ؛﴾ معناه: ستجدون قوما آخرين يريدون أن يأمنوكم، أي يظهرون لكم الصّلح، يريدون أن يأمنوكم بكلمة التّوحيد، يظهرونها لكم، ﴿وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ؛﴾ أي ويأمنوا من قومهم بالكفر في السرّ، ﴿كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها؛﴾ كلّما دعوا إلى الكفر رجعوا فيه.
قال ابن عبّاس: (هم أسد وغطفان؛ كانوا حاضري المدينة، وكانا يتكلّمان بالإسلام وهما غير مسلمين، وكان الرّجل منهم يقول له قومه: بماذا آمنت؟ ولماذا أسلمت؟ فيقول: آمنت برب العود، وبربّ العقرب وبربّ الخنفساء. يريدون به الاستهزاء، فإذا لقوا محمّدا ﷺ وأصحابه قالوا: إنّا على دينكم؛ وأظهروا الإسلام، فأطلع الله نبيّه ﷺ والمؤمنين على ذلك بهذه الآية) (٢).
قوله : ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ؛﴾ أي فان لم يتركوا قتالكم ولم يستديموا لكم في الصّلح، ولم يمنعوا أيديهم عن قتالكم، ﴿فَخُذُوهُمْ؛﴾ أي اسروهم، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ؛﴾
стр. 771
أي حيث وجدتموهم، ﴿وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً﴾ (٩١)؛ أي أهل هذه الصفة جعلنا لكم عليهم حجة ظاهرة بالقتال معهم،
قوله تعالى: ﴿(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً)﴾ أي ما كان لمؤمن في حكم الله أن يقتل مؤمنا بغير حقّ إلاّ أن يكون وقوع القتل منه على وجه الخطأ، وهو ألاّ يكون قاصدا قتله فيكون مرفوع الإثم والعقاب.
واختلف المفسّرون فيمن نزلت هذه الآية؛ قال ابن مسعود: (في عيّاش بن ربيعة المخزوميّ؛ أتى رسول الله ﷺ بمكّة قبل أن يهاجر إلى المدينة فأسلم معه، فخاف أن يعلم أهله بإسلامه، فخرج هاربا إلى المدينة؛ فاختفى في جبل من جبالها؛ فجزعت أمّه جزعا شديدا حين بلغها إسلامه وخروجه إلى المدينة؛ فقالت لأبيها الحريث (١) وأبي جهل بن هشام-وهما أخواه لأمّه-:والله لا يظلّني سقف ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتّى تأتوني به، فخرجا في طلبه، وخرج معهما الحرث بن زيد حتّى أتيا المدينة، فوجدا عيّاشا في أطم-أي جبل-فقالا له: انزل؛ فإنّ أمّك لم يأوها سقف بيت بعدك، وقد حلفت لا تأكل طعاما ولا تشرب شرابا حتّى ترجع إليها، ولك علينا ألاّ نكرهك على شيء؛ ولا نحول بينك وبين دينك، فحلفوا له على ذلك فنزل إليهم، فأوثقوه بنسعة (٢) ثمّ جلده كلّ واحد منهما مائة جلدة.
ثمّ قدموا به على أمّه، فلمّا أتاها قالت له: والله لا أحلّك من وثاقك حتّى تكفر بالّذي آمنت به، ثمّ تركوه مطروحا موثوقا في الشّمس ما شاء الله، ثمّ أعطاهم الّذي أرادوا، فأتاه الحريث بن زيد، فقال له: يا عيّاش؛ هذا الّذي كنت عليه، فو الله لئن كان الهدى لقد تركت الهدى، ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها، فغضب عيّاش من مقالته، قال: والله لا ألقاك خاليا إلاّ قتلتك.
ثمّ إنّ عيّاشا أسلم بعد ذلك، وهاجر إلى رسول الله ﷺ في المدينة، ثمّ أسلم بعد ذلك الحريث بن زيد وهاجر إلى المدينة، ولم يعلم عيّاش بإسلامه، فبينما عيّاش يسير بظهر قباء إذ لقي الحريث بن زيد فقتله، فقال النّاس: ويحك يا عيّاش!
стр. 772
إنّه قد أسلم، فرجع عيّاش إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ قد كان من أمري وأمر الحريث ما علمت؛ وإنّي لم أعلم بإسلامه حتّى قتلته (١)،فنزل قوله تعالى:
﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ؛﴾ أي ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتّة إلاّ خطأ ولا عمدا بحال، لكن إن قتله خطأ على غير قصد، أو قتله على ظنّ أنه مباح الدّم فعليه عتق رقبة مؤمنة في ماله، وعليه وعلى عاقلته تسليم ديّة كاملة إلى أولياء المقتول، ويكون القاتل كواحد من العاقلة، وإذا لم يكن له عاقلة كانت الدّية في بيت المال في ثلاث سنين. قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا؛﴾ معناه: إلاّ أن يتصدّق أولياء المقتول، فيتركوا الدّية ويعفوا.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ؛﴾ أي إن كان المقتول خطأ من قوم حرب لكم، فقتل في دار الحرب وهو مؤمن أسلم في دار الحرب ولم يهاجر حتى قتل، فعلى قاتله عتق رقبة مؤمنة، ولم يذكر الدّية لأن دم المقتول لا قيمة له، إذ لم يحرّز نفسه بدار الإسلام، وليس هو في صلح المسلمين. وقيل: إنّما لم يذكر الدّية؛ لئلاّ يسلّم إلى أهل الحرب دية فيقوون بها علينا، وهذا القول يقتضي أنّ الدّية واجبة، إلاّ أنّها لا تسلّم إليهم.
وفي وجوب هذه الدّية خلاف بين العلماء.
قوله : ﴿وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ؛﴾ أي إن كان المقتول خطأ من قوم بينكم وبينهم عهد أو صلح، فعلى القاتل وعاقلته تسليم ديّة كاملة إلى أولياء المقتول،
стр. 773
وعلى القاتل عتق رقبة مؤمنة. والفائدة في إعادة ذكر المؤمنة: أنه لو لم يعد ذكرها لكان يتوهّم متوهّم أنه لمّا وجب في المؤمن رقبة في مثل صفته تجب أيضا في قتل الكافر رقبة في مثل صفة المقتول.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ؛﴾ أي من لم يجد رقبة مؤمنة، فعليه صيام شهرين متواليين لا يفصل بين صيامهما. وقوله تعالى:
﴿تَوْبَةً مِنَ اللهِ؛﴾ أي اعملوا ما أمركم الله به للتوبة يتوب الله عليكم، وهذا نصب على ما يقال: فعلت كذا حذرا من الشّراء.
وإنّما سميت الكفارة توبة؛ لأن قاتل الخطأ كان عاصيا في سبب القتل من حيث إنه لم يحترز، وإن لم يكن عاصيا في نفس القتل. ويقال: معنى التّوبة: التّوسعة والتخفيف من الله. قوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٩٢)؛أي عليم بكلّ شيء حكيم بما يأمركم به من الدّية والكفّارة، وقال بعضهم: نزلت الآية في أبي الدّرداء حين قتل راعيا خطأ (١).
قوله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت في مقيس بن خبابة؛ وجد أخاه قتيلا في بني النّجّار؛ فأتى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك، فأرسل معه رجلا من بني فهر، وقال له: [ائت بني النّجّار فأقرئهم منّي السّلام؛ وقل لهم: رسول الله ﷺ يأمركم إن علمتم قاتل هشام أن تدفعوه إلى مقيس يقتصّ منه، وإن لم تعلموا له قاتلا أن تدفعوا إليه ديّته] فأبلغهم الفهريّ ذلك، فقالوا: سمعا وطاعة لله ولرسوله؛ والله ما نعلم له قاتلا؛ ولكنّا نؤدّي ديته، فأعطوه مائة من الإبل، وانصرفا راجعين نحو المدينة وبينهما وبين المدينة قريب، فوسوس الشّيطان إلى مقيس وقال له: أيّ سبب صنعت بقبول ديّة أخيك فتكون عليك سبّة، أقتل الّذي معك تكون نفس مكان نفس وفضل الدّية، فرمى الفهريّ بصخرة فشدخ رأسه فقتله، ثمّ ركب بعيرا منهما وساق بقيّتها راجعا إلى مكّة كافرا، وجعل يقول:
стр. 774
قتلت به فهرا وحمّلت عقله ... سراة بني النّجّار وأرباب فارع
فأدركت ثأري واضطجعت موسّدا ... وكنت إلى الأوثان أوّل راجع
فنزلت هذه الآية، وقتل مقيس يوم فتح مكّة (١).
ومعناها: ومن يقتل مؤمنا متعمّدا في قتله مستحلاّ له فجزاؤه جهنّم خالدا فيها باستحلاله له وارتداده عن إسلامه، ﴿وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ؛﴾ بقتله غير قاتل أخيه، ﴿وَلَعَنَهُ؛﴾ أي باعده من رحمته، ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً﴾ (٩٣)؛ بجرأته على الله بقتل نفس بغير حقّ.
واختلف الناس في حكم هذه الآية، قالت الخوارج والمعتزلة: (إنّها في المؤمن إذا قتل مؤمنا، وهذا الوعيد لاحق به).وقالت المرجئة: (إنّها نزلت في كافر قتل مؤمنا، فأمّا المؤمن إذا قتل مؤمنا فإنّه لا يخلّد في النّار) (٢).
وقالت طائفة من أصحاب الحديث: كلّ مؤمن قتل مؤمنا فهو خالد في النّار غير مؤبّد يخرج بشفاعة الشّافعين، وزعمت: أنّه لا توبة لمن قتل مؤمنا متعمّدا.
والصحيح: أنّ المؤمن إذا قتل مؤمنا متعمّدا لا يكفر بذلك ولا يخرج من الإيمان؛ إلاّ إذا فعل ذلك مستحلا له، فإن أقيد بمن (٣) قتله فذلك كفارة له، وإن كان تائبا من ذلك ولم يكن معادا كانت التوبة أيضا كفّارة له، فإن مات بلا توبة ولا قود فأمره إلى الله؛ إن شاء غفر له وإن شاء عذبه على فعله ثم يخرجه بعد ذلك إلى الجنّة
стр. 775
التي وعده بإيمانه؛ لأنّ الله تعالى لا يخلف الميعاد، وترك المجازاة بالوعيد يكون منه تفضّلا، وترك المجازاة بالوعد يكون خلفا، تعالى الله عن الخلف علوّا كبيرا.
والدليل على أنّ المؤمن لا يصير بقتله المؤمن كافرا، ولا خارجا عن الإيمان قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ﴾ ولا يكون القصاص إلاّ في قتل العمد، فبينما هم مؤمنين وآخى بينهم بقوله ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (١) ولم يرد به إلاّ الأخوّة في الإيمان، والكافر لا يكون أخا للمؤمن، ثم قال: ﴿ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ ولا يجعل ذلك للكافر، ثم أوجب على المعتدي بعد ذلك عذابا أليما لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ ولم يوقع الغضب ولا التخليد في النار ولا يسمّي هذا العذاب نارا، والعذاب قد يكون نارا، وقد يكون غيرها في الدّنيا، قال الله تعالى: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ (٢) يعني القتل والأسر، ولو كان القتل يخرجهم من الإيمان لما خاطبهم بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا،﴾ وقال تعالى:
﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٣) الآية واقتتالهم على وجه العمد.
وروي: أنّ مؤمنا قتل مؤمنا على عهد رسول الله ﷺ فلم يأمر القاتل بالإيمان، ولو كان كافرا لأمره أوّلا بالإيمان، وقال لطالب الدّم: [أتعفو؟] قال: لا، قال:
[أتأخذ الدّية؟] قال: لا، فأمر بقتله، ثمّ أعاد عليه مرّتين أو ثلاثا حتّى قبل الدّية (٤)، ولم يحكم عليه بالكفر، فلو كان ذلك كفرا لبيّنه رسول الله ﷺ ؛ لأن ذلك كان ردّة تحرم بها زوجته عليه، ولم يجز على رسول الله ﷺ الإغفال عنه؛ لأنّه النّاصح الشّفيق المنعوت بالتّأديب والتعليم.