← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أي حيث وجدتموهم، ﴿وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً﴾ (٩١)؛ أي أهل هذه الصفة جعلنا لكم عليهم حجة ظاهرة بالقتال معهم، قوله تعالى: ﴿(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً)﴾ أي ما كان لمؤمن في حكم الله أن يقتل مؤمنا بغير حقّ إلاّ أن يكون وقوع القتل منه على وجه الخطأ، وهو ألاّ يكون قاصدا قتله فيكون مرفوع الإثم والعقاب. واختلف المفسّرون فيمن نزلت هذه الآية؛ قال ابن مسعود: (في عيّاش بن ربيعة المخزوميّ؛ أتى رسول الله ﷺ بمكّة قبل أن يهاجر إلى المدينة فأسلم معه، فخاف أن يعلم أهله بإسلامه، فخرج هاربا إلى المدينة؛ فاختفى في جبل من جبالها؛ فجزعت أمّه جزعا شديدا حين بلغها إسلامه وخروجه إلى المدينة؛ فقالت لأبيها الحريث (١) وأبي جهل بن هشام-وهما أخواه لأمّه-:والله لا يظلّني سقف ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتّى تأتوني به، فخرجا في طلبه، وخرج معهما الحرث بن زيد حتّى أتيا المدينة، فوجدا عيّاشا في أطم-أي جبل-فقالا له: انزل؛ فإنّ أمّك لم يأوها سقف بيت بعدك، وقد حلفت لا تأكل طعاما ولا تشرب شرابا حتّى ترجع إليها، ولك علينا ألاّ نكرهك على شيء؛ ولا نحول بينك وبين دينك، فحلفوا له على ذلك فنزل إليهم، فأوثقوه بنسعة (٢) ثمّ جلده كلّ واحد منهما مائة جلدة. ثمّ قدموا به على أمّه، فلمّا أتاها قالت له: والله لا أحلّك من وثاقك حتّى تكفر بالّذي آمنت به، ثمّ تركوه مطروحا موثوقا في الشّمس ما شاء الله، ثمّ أعطاهم الّذي أرادوا، فأتاه الحريث بن زيد، فقال له: يا عيّاش؛ هذا الّذي كنت عليه، فو الله لئن كان الهدى لقد تركت الهدى، ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها، فغضب عيّاش من مقالته، قال: والله لا ألقاك خاليا إلاّ قتلتك. ثمّ إنّ عيّاشا أسلم بعد ذلك، وهاجر إلى رسول الله ﷺ في المدينة، ثمّ أسلم بعد ذلك الحريث بن زيد وهاجر إلى المدينة، ولم يعلم عيّاش بإسلامه، فبينما عيّاش يسير بظهر قباء إذ لقي الحريث بن زيد فقتله، فقال النّاس: ويحك يا عيّاش!

стр. 772

إنّه قد أسلم، فرجع عيّاش إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ قد كان من أمري وأمر الحريث ما علمت؛ وإنّي لم أعلم بإسلامه حتّى قتلته (١)،فنزل قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ؛﴾ أي ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتّة إلاّ خطأ ولا عمدا بحال، لكن إن قتله خطأ على غير قصد، أو قتله على ظنّ أنه مباح الدّم فعليه عتق رقبة مؤمنة في ماله، وعليه وعلى عاقلته تسليم ديّة كاملة إلى أولياء المقتول، ويكون القاتل كواحد من العاقلة، وإذا لم يكن له عاقلة كانت الدّية في بيت المال في ثلاث سنين. قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا؛﴾ معناه: إلاّ أن يتصدّق أولياء المقتول، فيتركوا الدّية ويعفوا. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ؛﴾ أي إن كان المقتول خطأ من قوم حرب لكم، فقتل في دار الحرب وهو مؤمن أسلم في دار الحرب ولم يهاجر حتى قتل، فعلى قاتله عتق رقبة مؤمنة، ولم يذكر الدّية لأن دم المقتول لا قيمة له، إذ لم يحرّز نفسه بدار الإسلام، وليس هو في صلح المسلمين. وقيل: إنّما لم يذكر الدّية؛ لئلاّ يسلّم إلى أهل الحرب دية فيقوون بها علينا، وهذا القول يقتضي أنّ الدّية واجبة، إلاّ أنّها لا تسلّم إليهم. وفي وجوب هذه الدّية خلاف بين العلماء. قوله : ﴿وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ؛﴾ أي إن كان المقتول خطأ من قوم بينكم وبينهم عهد أو صلح، فعلى القاتل وعاقلته تسليم ديّة كاملة إلى أولياء المقتول،

стр. 773

وعلى القاتل عتق رقبة مؤمنة. والفائدة في إعادة ذكر المؤمنة: أنه لو لم يعد ذكرها لكان يتوهّم متوهّم أنه لمّا وجب في المؤمن رقبة في مثل صفته تجب أيضا في قتل الكافر رقبة في مثل صفة المقتول. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ؛﴾ أي من لم يجد رقبة مؤمنة، فعليه صيام شهرين متواليين لا يفصل بين صيامهما. وقوله تعالى: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللهِ؛﴾ أي اعملوا ما أمركم الله به للتوبة يتوب الله عليكم، وهذا نصب على ما يقال: فعلت كذا حذرا من الشّراء. وإنّما سميت الكفارة توبة؛ لأن قاتل الخطأ كان عاصيا في سبب القتل من حيث إنه لم يحترز، وإن لم يكن عاصيا في نفس القتل. ويقال: معنى التّوبة: التّوسعة والتخفيف من الله. قوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٩٢)؛أي عليم بكلّ شيء حكيم بما يأمركم به من الدّية والكفّارة، وقال بعضهم: نزلت الآية في أبي الدّرداء حين قتل راعيا خطأ (١). قوله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت في مقيس بن خبابة؛ وجد أخاه قتيلا في بني النّجّار؛ فأتى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك، فأرسل معه رجلا من بني فهر، وقال له: [ائت بني النّجّار فأقرئهم منّي السّلام؛ وقل لهم: رسول الله ﷺ يأمركم إن علمتم قاتل هشام أن تدفعوه إلى مقيس يقتصّ منه، وإن لم تعلموا له قاتلا أن تدفعوا إليه ديّته] فأبلغهم الفهريّ ذلك، فقالوا: سمعا وطاعة لله ولرسوله؛ والله ما نعلم له قاتلا؛ ولكنّا نؤدّي ديته، فأعطوه مائة من الإبل، وانصرفا راجعين نحو المدينة وبينهما وبين المدينة قريب، فوسوس الشّيطان إلى مقيس وقال له: أيّ سبب صنعت بقبول ديّة أخيك فتكون عليك سبّة، أقتل الّذي معك تكون نفس مكان نفس وفضل الدّية، فرمى الفهريّ بصخرة فشدخ رأسه فقتله، ثمّ ركب بعيرا منهما وساق بقيّتها راجعا إلى مكّة كافرا، وجعل يقول:

стр. 774

قتلت به فهرا وحمّلت عقله ... سراة بني النّجّار وأرباب فارع فأدركت ثأري واضطجعت موسّدا ... وكنت إلى الأوثان أوّل راجع فنزلت هذه الآية، وقتل مقيس يوم فتح مكّة (١). ومعناها: ومن يقتل مؤمنا متعمّدا في قتله مستحلاّ له فجزاؤه جهنّم خالدا فيها باستحلاله له وارتداده عن إسلامه، ﴿وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ؛﴾ بقتله غير قاتل أخيه، ﴿وَلَعَنَهُ؛﴾ أي باعده من رحمته، ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً﴾ (٩٣)؛ بجرأته على الله بقتل نفس بغير حقّ. واختلف الناس في حكم هذه الآية، قالت الخوارج والمعتزلة: (إنّها في المؤمن إذا قتل مؤمنا، وهذا الوعيد لاحق به).وقالت المرجئة: (إنّها نزلت في كافر قتل مؤمنا، فأمّا المؤمن إذا قتل مؤمنا فإنّه لا يخلّد في النّار) (٢). وقالت طائفة من أصحاب الحديث: كلّ مؤمن قتل مؤمنا فهو خالد في النّار غير مؤبّد يخرج بشفاعة الشّافعين، وزعمت: أنّه لا توبة لمن قتل مؤمنا متعمّدا. والصحيح: أنّ المؤمن إذا قتل مؤمنا متعمّدا لا يكفر بذلك ولا يخرج من الإيمان؛ إلاّ إذا فعل ذلك مستحلا له، فإن أقيد بمن (٣) قتله فذلك كفارة له، وإن كان تائبا من ذلك ولم يكن معادا كانت التوبة أيضا كفّارة له، فإن مات بلا توبة ولا قود فأمره إلى الله؛ إن شاء غفر له وإن شاء عذبه على فعله ثم يخرجه بعد ذلك إلى الجنّة

стр. 775

التي وعده بإيمانه؛ لأنّ الله تعالى لا يخلف الميعاد، وترك المجازاة بالوعيد يكون منه تفضّلا، وترك المجازاة بالوعد يكون خلفا، تعالى الله عن الخلف علوّا كبيرا. والدليل على أنّ المؤمن لا يصير بقتله المؤمن كافرا، ولا خارجا عن الإيمان قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ﴾ ولا يكون القصاص إلاّ في قتل العمد، فبينما هم مؤمنين وآخى بينهم بقوله ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (١) ولم يرد به إلاّ الأخوّة في الإيمان، والكافر لا يكون أخا للمؤمن، ثم قال: ﴿ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ ولا يجعل ذلك للكافر، ثم أوجب على المعتدي بعد ذلك عذابا أليما لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ ولم يوقع الغضب ولا التخليد في النار ولا يسمّي هذا العذاب نارا، والعذاب قد يكون نارا، وقد يكون غيرها في الدّنيا، قال الله تعالى: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ (٢) يعني القتل والأسر، ولو كان القتل يخرجهم من الإيمان لما خاطبهم بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا،﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٣) الآية واقتتالهم على وجه العمد. وروي: أنّ مؤمنا قتل مؤمنا على عهد رسول الله ﷺ فلم يأمر القاتل بالإيمان، ولو كان كافرا لأمره أوّلا بالإيمان، وقال لطالب الدّم: [أتعفو؟] قال: لا، قال: [أتأخذ الدّية؟] قال: لا، فأمر بقتله، ثمّ أعاد عليه مرّتين أو ثلاثا حتّى قبل الدّية (٤)، ولم يحكم عليه بالكفر، فلو كان ذلك كفرا لبيّنه رسول الله ﷺ ؛ لأن ذلك كان ردّة تحرم بها زوجته عليه، ولم يجز على رسول الله ﷺ الإغفال عنه؛ لأنّه النّاصح الشّفيق المنعوت بالتّأديب والتعليم.

стр. 776

ودليل آخر أن القاتل لا يصير كافرا: هو أنّ الكفر والجحود والإباء والشّرك إضافة، والقاتل لم يجحد ولم يأب قبول الفرائض، ولا أضاف إلى الله تعالى شريكا، ولو جاز أن يكون كافرا ولم يأت بالكفر لجاز أن يكون مؤمنا من لم يأت بالإيمان. قال: تعلّقت الخوارج والمعتزلة بهذه الآية؛ وقالوا: إنّ المؤمن إذا قتل مؤمنا متعمّدا يبقى في النّار مؤبّدا؛ لأن الله تعالى قال ﴿(خالِداً فِيها)﴾. يقال لهم: إنّ هذه الآية نزلت في كافر قتل مؤمنا متعمّدا وقد ذكرنا القصّة فيه، وسياق الآية يدلّ عليه؛ وروايات المفسّرين تدلّ على أنّها لو سلّمنا بأنّها نزلت في مؤمن قتل مؤمنا فإنّا نقول لهم: لو قلتم إنّ الخلود التأبيد فأخبرونا عن قوله تعالى: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ (١) هنا في الدّنيا، فإن قلتم: إنّه أراد التأبيد؛ فالدّنيا تزول وتفنى، ومثله ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ (٢)،وقوله تعالى ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ (٢). وإن قلتم: لم يرد به التأبيد؛ وذلك القول منكم لا بدّ منه؛ فقد ثبت أن معنى الخلود غير معنى التّأبيد، وكذلك العرب تقول: لأدخلنّ فلانا في السّجن، فإن قلتم: المراد به التأبيد؛ فالسجن ينقطع ويفنى ويموت المسجون أو يخرج منه، فإن قالوا: إنّ الله تعالى لمّا قال ﴿(وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ)﴾ دلّ على كفره؛ لأن الله تعالى لا يغضب إلاّ على من كان كافرا، قلنا: هذه الآية لا توجب عليه الغضب؛ لأنّ معناه: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ،﴾ وجزاؤه أن يغضب الله عليه ويلعنه، وما ذكره الله وجعله جزاء الشيء فليس يكون ذلك واجبا؛ لأنه لو كان على الوجوب لكان كقوله: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ (٣) وهي لغة العرب إذا قال القائل: جزاؤه كذا؛ ثم لم يجازه لم يكن كاذبا، وإذا قال: أجزيه ذلك ولم يفعل كان كاذبا، فعلم أنّ بينهما فرقا واضحا. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ في قوله تعالى ﴿(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ)﴾ قال: [هي جزاؤه أن جازاه] (٤).فإن قيل: قوله: ﴿(وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ﴾

стр. 777

﴿وَلَعَنَهُ)﴾ من الأفعال الماضية، ومتى قلتم إنّ المراد به: فجزاؤه ذلك أن جازاه كان من الأفعال المستقبلة؟ يقال لهم: قد يرد الخطاب باللفظ الماضي والمراد منه المستقبل كقوله تعالى ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ﴾ (١) أي إلاّ أن آمنوا بالله، ومثله كثير. وأما قول من زعم: أنه لا توبة لمن قتل مؤمنا متعمّدا، فإنه مخالف للكتاب والسّنة، وذلك أن الله تعالى يغفر الذنوب جميعا، وأمر بالتوبة منها، فقال ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢) ولم يفصل بين ذنب وذنب، وإذا كان الله تعالى يقبل التوبة من الكفر فقبولها من القتل أولى، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ .. ﴾. إلى قوله تعالى ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً﴾ الآية (٣) وقال إخوة يوسف: ﴿اُقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ (٤) ثم قالوا ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ﴾ أي تائبين. وسئل النبيّ ﷺ : أمن كلّ ذنب يقبل التّوبة؟ قال: [نعم]. ثم المقتول اذا اقتصّ منه الوليّ فذلك جزاؤه في الدّنيا، وفيما بين المقتول والقاتل الأحكام باقية في الآخرة؛ لأن الوليّ وإن قتله فإنّما أخذ حقّ نفسه، وأمّا المقتول فلم يكن له في القصاص منفعة. قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت في مرداس بن نهيك؛ كان مسلما لم يسلم من قومه غيره، فسمعوا بسريّة لرسول الله ﷺ تريدهم فهربوا كلّهم، وأقام الرّجل في غنمه؛ لأنّه كان على دين المسلمين، فلمّا رأى الخيل خاف أن يكونوا من غير أصحاب رسول الله

стр. 778

صلى الله عليه وسلم؛ فألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل وهو العوج (١)،فلمّا سمعهم يكبرون عرف أنّهم الصّحابة؛ فكبّر ونزل وهو يقول: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله؛ السّلام عليكم، فغشاه أسامة بن زيد فقتله وساق غنمه، وكان أمير السّريّة غالب بن فضالة اللّيثيّ، ثمّ رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه الخبر، فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وجدا شديدا وقال: [قتلتموه إرادة ما معه] فأنزل الله هذه الآية؛ فقرأها رسول الله ﷺ على أسامة فقال: يا رسول الله؛ استغفر لي، قال: [فكيف بلا إله إلاّ الله!؟] قال ذلك ثلاث مرّات، ثمّ استغفر له بعد ثلاث مرّات، وأمره أن يعتق رقبة) (٢). وعن الحسن: (أنّ أناسا من المسلمين لقوا أناسا من المشركين فحملوا عليهم، فشدّ رجل منهم ومعه متاع، فلمّا غشيه السّيف قال: إنّي مسلم، فكذبه ثمّ أوجر السّنان وأخذ متاعه، وكان والله قليلا، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ . قال جندب بن سفيان (٣):ولقد كنت عند رسول الله ﷺ حين جاء السّيف، وقال: يا رسول الله؛ بينما نحن نطلب القوم وقد هزمهم الله تعالى إذ لحقت رجلا بالسّيف، فلمّا أحسّ السّيف واقع به، قال: إنّي مسلم؛ إنّي مسلم؛ فقتلته، فقال رسول الله ﷺ : [قتلت مسلما!] قال: يا نبيّ الله؛ إنّه قال ذلك متعوّذا، فقال: [فهلاّ شققت عن قلبه! فنظرت أصادقا هو أم كاذبا] قال: لو شققت عن قلبه ما كان يعلمني؛ هل قلبه إلاّ بضعة من لحم، قال: [فأنت قتلته؛ لا ما في قلبه علمت؛ ولا لسانه صدّقت؛ إنّما يعبر عنه لسانه] فقال: يا رسول الله؛ استغفر لي، قال: [لا أستغفر لك] قال: فما لبث القاتل أن مات فدفنوه؛ فأصبح على ظهر الأرض إلى جانب قبره، فعادوا فحفروا له وأمكنوا فدفنوه؛ فأصبح على ظهر الأرض ثلاث مرّات، فلمّا رأى ذلك قومه استحيوا وحزنوا وأخذوا برجله فألقوه في شعب من

стр. 779

الشّعاب، فقال ﷺ : [لا؛ إنّها لتنطبق على من هو أعظم جرما منه، ولكن أراد الله أن يبيّن لكم حرمة الدّم] (١). ومعنى الآية: يا أيّها الّذين آمنوا إذا خرجتم مسافرين في طاعة الله فتبيّنوا؛ أي ميّزوا الكافر من المؤمن بالدلائل والعلامات، ولا تعجلوا بالقتل حتى يتبيّن لكم ذلك. ومن قرأ «(فتثبّتوا)» بالثّاء فمعناه: قفوا في أمر من أظهر لكم الإسلام ولا تعجلوا بقتله، ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ؛﴾ أي الانقياد والمتابعة وأسمعكم كلام الإسلام؛ ﴿لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ فتقتلوه وتطلبون بردّ إسلامه استغنام ما معه من المال، ﴿فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ؛﴾ يظهركم عليها، ويبيح لكم أخذها. ومن قرأ «(السّلام)» بالألف فمعناه: لا تقولوا لمن سلّم عليكم، ودعاكم لست مؤمنا، والتسليم من علامات الإسلام، به يتعارف المسلمون، وبه يحيّي بعضهم بعضا. قوله تعالى: ﴿(تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا)؛﴾ يعني تطلبون بذلك الغنم والغنيمة وسلبه، وعرض الدنيا منافعها ومتاعها. قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ؛﴾ أي من قبل الهجرة تأمنون في قومكم بين المؤمنين بلا إله إلاّ الله؛ فكيف تخيفون وتقتلون من قالها، فنهاهم الله تعالى أن يخيفوا أحد يأمن بما كانوا يأمنون بمثله وهم في قومهم. وقيل: معناه: كنتم تقتلون وتؤخذ أموالكم قبل الهجرة، ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ؛﴾ بتوفيق الإيمان والهجرة، ﴿فَتَبَيَّنُوا؛﴾ ولا تخيفوا أحدا بأمر كنتم تأمنون بمثله، ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (٩٤)؛ من القتل وغير ذلك خبيرا. قوله : ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ؛﴾ أي لا يستوي في الفضل والثّواب القاعدون عن الجهاد من المؤمنين الأصحّاء؛ الذين لا ضرر بهم من المرض والزّمانة؛ ولا عذر يمنعهم من الجهاد، ﴿وَالْمُجاهِدُونَ؛﴾ في طاعة الله بالإنفاق من أموالهم والخروج بأنفسهم.

стр. 780

روي: أنّه نزل أوّلا (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) فجاء ابن أمّ مكتوم ورجل آخر معه وهما أعميان، فقالا: يا رسول الله؛ أمر الله بالجهاد وفضّل المجاهدين على القاعدين، وحالنا على ما ترى، فهل لنا من رخصة؟ والله لو استطعنا لجاهدنا، فأنزل الله ﴿(غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ)﴾ أي غير أولي الضرر في البصر، فجعل لهم من الأجر ما للمجاهدين. وروى ابن أبي ليلى؛ قال: (لمّا نزل قوله ﴿(لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ)﴾ قال ابن أمّ مكتوم: اللهمّ أنزل عذري، فنزل قوله ﴿(غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ)﴾ فوضعت بينهما، وكان بعد ذلك يغزو ويقول: ادفعوا إليّ اللّواء؛ ويقول: أقيموني بين الصّفّين) (١). وعن زيد بن ثابت قال: (كنت جالسا عند النّبيّ ﷺ وفخذه على فخذي، وقد أملى عليّ قوله: ﴿(لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)﴾ فعرض ابن أمّ مكتوم فثقلت فخذ رسول الله ﷺ على فخذه حتّى كادت تنحطم، فنزل عليه ﴿(غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ)﴾ (٢). ومن قرأ «(غير أولي الضّرر)» بالنصب فهو نصب على الاستثناء، كأنّه قال: إلاّ أولي، كما يقال: جاءني القوم غير زيد. ويجوز أن يكون على الحال؛ أي لا يستوي القاعدون في حال صحّتهم والمجاهدون، وهذا كما يقال: جاءني زيد غير مريض؛ أي صحيحا. ومن قرأ «(غير)» بالرفع، فيجوز الرفع في استثناء الإثبات من النّفي، ويجوز أن يكون (غير) صفة للقاعدين، وإن كان أصل (غير) أن تكون صفة كما هو نكرة. المعنى: لا يستوي القاعدون الذي هم غير أولي الضّرر والمجاهدون في الفضل والثّواب، وإن كانوا كلّهم مؤمنين. واختار بعضهم قراءة الرفع؛ لأنّ معنى الصّفة على لفظة (غير) أغلب من معنى الاستثناء، واختار بعضهم قراءة النصب لأن قوله ﴿(غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ)﴾ نزل بعد

стр. 781

قوله: ﴿(لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ)﴾ فيكون معنى الاستثناء به أليق. قوله تعالى: ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً؛﴾ أي فضيلة ومنزلة؛ ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى؛﴾ أي وكلا الفريقين المجاهد والقاعد وعدهم الله الحسنى يعني الجنّة بالإيمان. وفي هذا دليل أنّ الجهاد فرض على الكفاية؛ لأنه لو كان فرضا على الأعيان لم يجز أن يكون القاعد عنه موعود بالحسنى. قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ (٩٥)؛ أي فضّل الله المجاهدين على القاعدين عن الجهاد بغير عذر ثوابا حسنا في الجنّة، فقوله تعالى: ﴿(أَجْراً)﴾ نصب على التّفسير. وقال الأخفش: (على المقدّر؛ تقديره: آجرهم الله أجرا). والفائدة في تكرار لفظ التفضيل: أنّ في الأول بيان تفضيل من جاهد بالمال والنفس جميعا؛ وفي آخر الآية بيان تفضيل المجاهد مطلقا، ويدخل فيه المجاهد بالمال والنّفس، والمجاهد بالمال دون النفس، وبالنفس دون المال. قوله تعالى: ﴿دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً؛﴾ هذا بدل من قوله تعالى ﴿(أَجْراً)﴾ أو صفة له؛ وهو موضع نصب. وعن ابن محيريز أنه قال: (فضّل الله المجاهدين على القاعدين سبعين درجة؛ بين كلّ درجتين مسيرة سبعين خريفا للجواد المضمّر) (١). قوله: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٩٦)؛أي غفورا لذنب من جاهد، رحيما إذ ساوى في وعد الحسنى بين من له العذر وبين من جاهد. فإن قيل: كيف ذكر التفضيل في هذه الآية بدرجات، وفي الآية التي قبلها بدرجة؟ قلنا: قال بعضهم: أراد بذكر الدرجة في الآية الأولى: الفضيلة والكرامة في الدّنيا، وبذكر الدرجات درجات الجنّة منال في النّعيم، بعضها أعلى من بعض، وذكر

стр. 782

المغفرة لبيان خلوص نعيمهم عن الكدر، كما روي في الخبر: (أنّ الله ينسيهم في الجنّة ما كان منهم من الذّنوب في الدّنيا حتّى لا يلحقهم الحياء)،وذكر الدرجة لبيان أنّ الله أعطاهم ذلك النفع العظيم على جهة النّعمة مع ما يضاف إليه من الفضل بالزيادة في النّعمة. وقال بعضهم: أراد بالتفضيل في الدرجة في الآية الأولى تفضيل المجاهدين على القاعدين المعذورين، وبالآية الثانية تفضيلهم على القاعدين الذين لا عذر لهم. قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت في قوم من أهل مكّة تكلّموا بالإسلام ولم يهاجروا-أي أظهروا الإسلام وأسرّوا النّفاق-فلمّا كان يوم بدر خرجوا مع المشركين إلى المسلمين، فلمّا رأوا قلّة المسلمين قالوا وهم مع المشركين: غرّ هؤلاء دينهم، فقتلوا يومئذ فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم) (١)،وقالت لهم: لماذا خرجتم مع المشركين وتركتم الهجرة؟! فكان سؤال الملائكة لهم بهذا على سبيل التّقريع. ويجوز أن يكون معناه: فيم كنتم في المشركين أم في المسلمين؟ ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي مقهورون في أرض مكّة، فأخرجونا معهم كارهين، قالت الملائكة: ﴿قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً؛﴾ يعني أرض المدينة واسعة أمينة، ﴿فَتُهاجِرُوا فِيها؛﴾ أي إليها، وتخرجوا من بين أظهر المشركين. وقوله تعالى: ﴿(ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ)﴾ نصب على الحال بمعنى تتوفّاهم الملائكة في حال ظلمهم لأنفسهم بالشّرك والنّفاق، والأصل (ظالمين) إلاّ أن النون حذفت استخفافا وهي ثانية في المعنى، فيكون هذا في معنى النكرة وإن أضيف إلى المعرفة، كما في قوله تعالى: ﴿هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٢).وقوله تعالى: ﴿(تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ)﴾ أي تقبض أرواحهم عند الموت، وإنّما حذفت التاء الثانية لاجتماع التّاءين.

стр. 783

قوله تعالى: ﴿فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ؛﴾ أي أهل هذه الصّفة مصيرهم ومنزلتهم جهنم؛ ﴿وَساءَتْ مَصِيراً﴾ (٩٧)؛لمن صار إليها، واختلفوا في خبر: ﴿(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ)؛﴾ قال بعضهم: خبره: ﴿(قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ)،﴾ أي قالوا لهم: فيما كنتم، قال بعضهم خبره: ﴿(فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ)﴾. وفي قوله تعالى: ﴿(أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها)﴾ دليل أنه لا عذر لأحد في المقام على المعصية في بلده لأجل المال والولد والأهل، بل ينبغي أن يفارق وطنه إن لم يمكنه إظهار الحقّ فيه، ولهذا روي عن سعيد بن جبير أنه قال: (إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها) (١)،وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [من فرّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرا استوجب به الجنّة، وكان رفيق ابراهيم ومحمّد ﷺ ] (٢). قوله : ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً؛﴾ استثناء من قوله تعالى: ﴿(فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ)﴾ والمعنى: إلاّ من صدق أنه مستضعف من الشّيوخ والولدان ونساء لا يجدون نفقة الخروج إلى المدينة ولا يمكنهم الخروج إليها، ولا يعرفون الطريق حتى يهاجروا، والمعنى: إلاّ المستضعفين المخلصين المقهورين بمكّة لم يستطيعوا الهجرة، ومنعوا من اللّحوق بالنبيّ ﷺ وهم يريدون اللّحوق به. وقوله تعالى: ﴿وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ (٩٨)؛قال مجاهد: (معناه لا يعرفون طريق المدينة) (٣).وقال ابن عبّاس: (كنت أنا وأمّي من الّذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، وكنت غلاما صغيرا يومئذ، فنحن ممّن استثنانا الله (٤).

стр. 784

قوله تعالى: ﴿فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ؛﴾ أي أهل هذه الصّفة من المستضعفين، عسى الله أن يتجاوز عنهم، و ﴿(عَسَى)﴾ من الله كلمة إيجاب؛ لأنه أرحم الرّاحمين، والفائدة في ذكر هذا اللفظ أن يكون العبد بين الخوف والرّجاء. وقوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُوراً﴾ (٩٩)؛أي لم يزل عفوّا عن عباده غفورا لهم. قوله : ﴿وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً؛﴾ أي من يخرج في سبيل الله الذي أمر الله بالهجرة فيه وهو سبيل المدينة؛ يجد في الأرض متحوّلا كثيرا ومتزحزحا عمّا يكره (١).وقوله تعالى: ﴿(وَسَعَةً)﴾ أي سعة في الرّزق. وقال قتادة: (سعة في إظهار الدّين) (٢) وإنّما قال ذلك لما كان يلحقهم من الضّيق من جهة الكفّار في إظهار دينهم. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ؛﴾ قال ابن عبّاس: (لمّا نزل قوله تعالى: ﴿(وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً)﴾ سمعها رجل من بني اللّيث شيخ كبير يقال له جندع بن ضمرة (٣) فقال: أنا والله ممّن استثنانا الله تعالى فإنّي لا أجد حيلة، والله لا أبيت ليلة بمكّة، فخرجوا به يحملونه على سريره؛ فأتوا به التّنعيم فأدركه الموت، فصفّق بيمينه على شماله ثمّ قال: اللهمّ إن كان هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسول الله ﷺ ؛ فمات حميدا.

стр. 785

فبلغ ذلك أصحاب النّبيّ ﷺ وكانوا يقولون: لو بلغ إلينا لتمّ أجره، وضحك المشركون وقالوا: ما أدرك ما طلب، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿(وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً)﴾ (١).أي مهاجرا قومه وأهله وولده إلى طاعة الله وطاعة رسوله؛ ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ؛﴾ في الطريق؛ ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ؛﴾ فقد وجب ثوابه على الله المليء الوفيّ بوعده، ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً؛﴾ بما كان منه في الشّرك؛ ﴿رَحِيماً﴾ (١٠٠)؛به في الإسلام. قوله : ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ؛﴾ أي إذا سافرتم في الأرض؛ لأن الخروج إلى الصحراء أو القصد إلى القرية القريبة لا يسمّى ضربا في الأرض، وقوله تعالى: ﴿(فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ)﴾ أي ليس عليكم حرج ومأثم في أن تقصروا من الصلاة، يعني من أربع ركعات إلى ركعتين، ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ؛﴾ أي إن علمتم أن يغتالكم، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ ويقتلوكم، ﴿إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً﴾ (١٠١)؛أي عدوّا ظاهر العداوة، يبدون عداوتهم لكم. وفي الآية ذكر القصر من الصلاة بين شرطين، وأجمعت الأمّة أن أصل القصر لا يتعلّق بهما وأن كلّ واحد منهما يؤثّر في القصر نوع تأثير، فتأثير السّفر في القصر في العدد في الصّلاة الرباعيّة، وتأثير الخوف في القصر في أركان الصّلاة إذا خاف إن قام في الصلاة أن يراه العدوّ، أو خاف أن ينزل عن الدابّة أن يدركه العدوّ، وكان له ترك القيام، وأن يومئ على الدابّة، فيحتمل أن حرف العطف مضمرا في قوله: ﴿(إِنْ خِفْتُمْ)﴾ كأنه قال: وإن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصّلاة.

стр. 786

وقال الحسن: (صلاة السّفر ركعتان، فإذا قام الحرب فركعة) وهذا اللفظ يقتضي القصر الذي هو في غاية في القصر متعلق بشرطين على مذهبه. وروي: أنّ رجلا سأل عمر ﵁ عن هذه الآية فقال: كيف يقصر النّاس وقد أمنوا؟ فقال عمر: عجبت ممّا عجبت منه؛ حتّى سألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: [صدقة تصدّق بها عليكم ألا فاقبلوا صدقة الله علينا] (١).يقتضي إسقاط الفرض عنّا. وفي قوله ﷺ : [فاقبلوا صدقته] دليل أنّ القصر عزيمة لا رخصة؛ لأن ظاهر الأمر على الوجوب، ولهذا قال أصحابنا: إنّ المسافر إذا صلّى الظهر أربعا، ولم يقعد في الثانية قدر التّشهّد فسدت صلاته، كمصلّي الفجر أربعا. قوله : ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ؛﴾ الآية، قال ابن عبّاس: (لمّا رأى المشركون رسول الله ﷺ وأصحابه قاموا إلى صلاة الظّهر وهو يؤمّهم؛ ندموا على تركهم الإقدام على قتالهم، فقال بعضهم: دعوهم؛ فإنّ بعدها صلاة هي أحبّ إليهم من آبائهم وأولادهم-يريدون العصر-فإذا رأيتموهم قاموا إليها فشدّوا عليهم، فنزل جبريل ﵇ بهذه الآية وأطلع الله النّبيّ ﷺ على قصدهم ومكرهم، وعن هذا كان إسلام خالد بن الوليد حين عرف أنّ رسول الله ﷺ اطّلع على ما كان من قصد المشركين في السّرّ فيما بينهم) (٢). ومعنى الآية: وإذا كنت يا محمّد مع المؤمنين في الغزو فابتدأت في صلاة الخوف؛ فليقم جماعة منهم معك في الصلاة؛ ولتكن أسلحتهم معهم في صلاتهم؛ لأنّ ذلك أهيب للعدوّ، فإذا سجدت الطائفة التي معك وصلّت ركعة، فلينصرفوا إلى

стр. 787

المصاف وليقفوا بإزاء العدوّ؛ ﴿وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ؛﴾ وهم الذين كانوا بإزاء العدوّ، ولم يصلّوا معك في الركعة الأولى؛ فليصلّوا معك الركعة الأخرى، ولتكن أسلحتهم معهم في الصّلاة، ولم يذكر في الآية لكلّ طائفة إلاّ ركعة واحدة. وفي صلاة الخوف خلاف بين العلماء؛ قال بعضهم: إنّها غير مشروعة بعد رسول الله ﷺ ؛ وهو رواية عن أبي يوسف وهو قول الحسن بن زياد؛ لأنّ في هذه الآية ما يدلّ على كون النبيّ ﷺ شرط في إقامة صلاة الخوف؛ ولأنّها إنّما جازت للنبيّ ﷺ ليستدرك الناس فضيلة الصلاة خلفه؛ لأنّ إمامة غيره لم تكن لتقوم مقام إمامته. وذهب أكثر العلماء إلى أنّ صلاة الخوف مشروعة بعد النبيّ ﷺ ، وأنّ الخطاب في هذه الآية وإن كان للنبيّ ﷺ فالأئمّة بعده يقومون مقامه كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (١) ونحو ذلك من الآيات. واختلفوا في كيفيّة صلاة الخوف، فقال أبو حنيفة ومحمد: (يجعل الإمام النّاس طائفتين؛ طائفة بإزاء العدوّ؛ وطائفة معه؛ فيصلّي بهما ركعة ركعة، ثمّ تنصرف هذه الطّائفة إلى وجه العدوّ، وتجيء الأخرى فيصلّي بهم ركعة، ويتشهّد ويسلّم. ثمّ ترجع هذه الطّائفة إلى وجه العدوّ بغير سلام، وتأتي الأولى فتقضي الرّكعة الثّانية وحدانا بغير قراءة، فإذا سلّمت وقفت بإزاء العدوّ، وجاءت تلك الطّائفة فتقضي الرّكعة الأولى وحدانا بقراءة. وعن أبي يوسف: (إذا كان العدوّ في وجه القبلة؛ وقف الإمام وجعل النّاس خلفه صفّين؛ فافتتح بهم الصّلاة معا، فصلّى بهم ركعة؛ فإذا سجد الإمام سجد معه الصّفّ الأوّل، ووقف الثّاني يحرسونهم، فإذا رفعوا رءوسهم من السّجود سجد الصّفّ الثّاني؛ وتأخّر الأوّل، ويقوم الصّفّ الثّاني فيركع بهم جميعا، ثمّ يرفعون رءوسهم ويسجد الصّفّ المتقدّم سجدتين، والصّفّ الآخر يحرسونهم، ثمّ يسجد

стр. 788

الصّفّ المؤخّر سجدتين لأنفسهم؛ ثمّ يتشهّد الإمام ويسلّم بهم جميعا).وهكذا قال ابن أبي ليلى. وقال مالك: (يجعل الإمام النّاس طائفتين، فيصلّي بطائفة ركعة وسجدتين، ثمّ ينتظر الإمام حتّى يصلّوا بقيّة صلاتهم ويسلّموا وينصرفوا إلى وجه العدوّ، وتأتي الطّائفة الأخرى فيصلّي بهم ركعة وسجدتين، ويسلّم الإمام، ويقومون فيتمّون صلاتهم).وقال الشّافعيّ مثل ذلك إلاّ أنه قال في الطائفة الأخرى: (لا يسلّم بهم الإمام؛ ولكن ينتظر حتّى يقوموا فيتمّوا صلاتهم، ثمّ يسلّم بهم). وإنّما وقع بهم هذا الاختلاف لاختلاف الأخبار الواردة في هذا الباب. روى عليّ وابن مسعود وجماعة من الصحابة أنّ النّبيّ ﷺ صلاّها كما قال أبو يوسف، ذكرنا عن أبي حنيفة ومحمد وعن ابن عبّاس: أنّ النّبيّ ﷺ صلاّها كما قال أبو يوسف، وعن سهل بن أبي حثمة (١) أنه ﷺ صلاّها كما قال الشّافعيّ. فدلّت هذه الأخبار على جواز الجميع، وإنّما يقع الكلام في الأوّل، والأقرب إلى ظاهر القرآن وظاهره يشهد للرواية التي رواها عليّ وابن مسعود؛ لأنّ في قوله تعالى: ﴿(فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ)﴾ دليل على أن الإمام لا يصلّي بالطائفتين معا، وفي قوله تعالى: ﴿(فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ)﴾ دليل على أنّ الطائفة الأولى تنصرف عقب السجود. وعند مالك والشافعيّ: لا تنصرف الطائفة الأولى إلاّ بعد تمام الصلاة. وفي قوله: ﴿(وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا)﴾ دليل أنّ الطائفة الثانية تأتي وهي غير مصلّية، وهذا خلاف ما قال أبو يوسف. وهذا كلّه إذا أمكنهم إقامة الصلاة بالجماعة، أمّا إذا لم يمكنهم الجماعة لقيام القتال وكثرة العدوّ، وصلّى كلّ واحد لنفسه على حسب ما أمكنه، إمّا إلى القبلة وإما إلى غيرها إذا لم يمكنه التوجّه إليها أو راكبا يومئ إيماء، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً﴾ (٢).

стр. 789

قوله : ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ؛﴾ قال ابن عبّاس: (غزا رسول الله ﷺ محاربا بني أنمار فهزمهم الله تعالى؛ فنزل النّبيّ ﷺ والمسلمون ولا يرون من العدوّ أحدا، فوضعوا أسلحتهم وخرج رسول الله ﷺ يمشي لحاجة له قد وضع سلاحه، حتّى قطع الوادي والسّماء ترشّ، فحال الوادي بين رسول الله ﷺ وأصحابه، فجلس رسول الله ﷺ في ظلّ شجرة، فبصر به غورث بن الحارث المحاربيّ، فانحدر من الجبل ومعه السّيف، وقال لأصحابه: قتلني الله إن لم أقتل محمّدا، فلم يشعر به رسول الله ﷺ إلاّ وهو قائم على رأسه وفي يده السّيف مسلولا. فقال: يا محمّد؛ من يعصمك منّي الآن؟ فقال: [الله ] ثمّ قال ﷺ : [اللهمّ اكفني غورث بن الحرث بما شئت] فأهوى بالسّيف إلى رسول الله ﷺ ليضربه، فانكبّ لوجهه وبدر سيفه، فقام رسول الله ﷺ فأخذ السّيف وقال: [من يمنعك ويعصمك منّي يا غورث؟] قال: لا أحد. قال: [أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّي رسول الله وأعطيك سيفك] قال: لا، ولكن لا أقاتلك أبدا، ولا أعين عليك عدوّا، فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه، فقال غورث للنّبيّ ﷺ : أجل؛ لأنت خير منّي، فقال: [أجل؛ أنا أحقّ بذلك منك]. فرجع إلى أصحابه؛ قالوا له: ويلك! رأيناك قد أهويت بالسّيف قائما على رأسه، ما منعك منه؟ فقال: لقد أهويت لكن والله لا أدري من زلخني بين كتفيّ، فخررت لوجهي، وخرّ سيفي من يدي، فسبقني إلى سيفي فأخذه. ثمّ رجع رسول الله ﷺ فقطع الوادي وأتى أصحابه فأخبرهم بالقصّة، فأنزل الله تعالى: ﴿(وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ)﴾ (١).أي لا

стр. 790

مأثم عليكم في ذلك، وخذوا حذركم من عدوّكم؛ ﴿إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً﴾ (١٠٢)؛يهانون فيه وهو القتل في الدّنيا والنار في الآخرة. قوله : ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ؛﴾ يعني صلاة الخوف إذا فرغتم منها فاذكروا الله؛ أي صلّوا قياما للصحيح؛ وقعودا للمريض؛ وعلى جنوبكم للمرضى والجرحى الذين لا يستطيعون الجلوس. وقيل: معناه: فاذكروا الله بتوحيده وتسبيحه وشكره على كلّ حال. قال ابن عبّاس: (لم يعذر الله أحدا في ترك ذكره إلاّ المغلوب على عقله). وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ؛﴾ أي رجعتم من سفركم وزال عنكم الخوف والمرض والقتال ﴿(فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ)﴾ أي أتمّوها أربعا بركوعها وسجودها وسائر شروطها، ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً﴾ (١٠٣)؛أي فرضا مفروضا موقّتا أوقاته، ويقال: معلوما فرضه للمسافرين ركعتان وللمقيم أربع ركعات. وقال الأعمش: (موقوتا؛ أي مؤقّتا). قوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ؛﴾ أي لا تضعفوا في طلب ابتغاء القوم أبي سفيان وأصحابه لما أصابكم من القتل والجراحات يوم أحد. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ؛﴾ أي إن كنتم تألمون من الجراح فلهم مثل ذلك، والمعنى: إن كان لكم صارف عن الحرب وهو أنكم تألمون من الجراح فلهم مثل ذلك من الصّارف، ولكم أسباب داعية إلى الحرب ليست لهم، وهو أنّكم ترجون الثواب والنّصر من الله، ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً؛﴾ بمصالحكم ﴿حَكِيماً﴾ (١٠٤)؛فيما يأمركم به. قوله : ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يقال له طعمة بن أبيرق؛ سرق درعا من جار له يقال له: قتادة بن النّعمان، وكانت الدّرع في غرارة وجراب فيه دقيق، فانتثر الدّقيق من المكان الّذي سرقه إلى باب منزله، ففطن به أنّه هو السّارق؛ فمضى بالدّرع إلى يهوديّ يقال له زيد بن السّمين فأودعه إيّاها، فالتمست الدّرع عند طعمة فلم توجد عنده، فحلف لهم ما أخذها ولا له علم، فقال

стр. 791

أصحاب الدّرع: لقد أدلج علينا وأخذها، وطلبنا أثره حتّى دخلنا داره، ولقينا الدّقيق منتثرا، فلمّا حلف تركوه واتّبعوا أثر الدّقيق حتّى انتهوا إلى منزل اليهوديّ وطلبوه، فقال: دفعها إليّ طعمة بن أبيرق، وشهد له ناس من اليهود على ذلك، فقال قوم طعمة: انطلقوا إلى رسول الله ﷺ فنكلّمه في صاحبنا نعذره ونتجاوز عنه، فإنّ صاحبنا بريء معذور. فأتوا رسول الله ﷺ وكانوا أهل لسان وبيان، فسألوه أن يعذره عند النّاس؛ فهمّ رسول الله ﷺ أن يعذره ويعاقب اليهوديّ، فأنزل الله هذه الآية) (١). وفي رواية عن ابن عبّاس: (أنّ طعمة سرق درعا؛ وكان الدّرع في جراب فيه نخالة، فخرق الجراب حتّى كان يتناثر النّخالة بطول الطّريق، فجاء به إلى دار زيد بن السّمين اليهوديّ وتركه على باب داره، وحمل الدّرع إلى بيته، فلمّا أصبح صاحب الدّرع جاء إلى زيد بن السّمين على أثر النّخالة، وحمله إلى رسول الله ﷺ فهمّ رسول الله ﷺ أن يقطع يده، فأنزل الله هذه الآية).إنا أنزلنا إليك يا محمّد القرآن إنزالا بالحقّ، وقيل: ﴿(بِالْحَقِّ)﴾ أي بالأمر والنّهي والفصل لتحكم بين الناس بما أعلمك الله وأوحى إليك، ﴿وَلا تَكُنْ؛﴾ يا محمّد؛ ﴿لِلْخائِنِينَ خَصِيماً﴾ (١٠٥)؛ أي لطعمة وقومه معينا. قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللهَ؛﴾ أي تب إلى الله واستغفره ممّا هممت به من قطع يد زيد بن السّمين. وقال الكلبيّ: (من همّك باليهوديّ أن تضربه).وقال مقاتل: (واستغفر الله من جدالك الّذي جادلت عن طعمة)، ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً؛﴾ لمن يستغفره؛ ﴿رَحِيماً﴾ (١٠٦)؛بالتّائبين. قوله : ﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ؛﴾ ولا تخاصهم عن الذين يظلمون أنفسهم بالخيانة والسّرقة ورمي اليهوديّ بها، ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ﴾

стр. 792

﴿مَنْ كانَ خَوّاناً؛﴾ أي خائنا في الدّرع؛ ﴿أَثِيماً﴾ (١٠٧)؛في رميه اليهوديّ. وقيل: الخوّان: المكتسب للإثم، والآثم الفاجر بالكذب ورمي البريء، وإنّما قال: (يختانون أنفسهم) وإن كانوا خانوا غيرهم؛ لأن مضرّة خيانتهم راجعة إليهم، كما يقال: فمن ظلم غيره ما ظلم إلاّ نفسه، وإنّما قال: ﴿(خَوّاناً)﴾ ولم يقل خائنا لعظيم أمر الخيانة. قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ؛﴾ معناه: يستخفي قوم طعمة؛ أي يسرّون من الناس وهم يعلمون أنه سارق ولا يستترون من الله؛ أي لا يمكنهم الاستخفاء منه، فإنّ سرّهم وعلانيتهم عند الله ظاهر. قوله تعالى: ﴿(وَهُوَ مَعَهُمْ)﴾ وهو شاهد لأفعالهم ﴿(إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ)﴾ أي يدبرون، ويقولون بالليل قولا لا يرضاه الله؛ وهو اتّفاق قول طعمة على أن يرموا اليهوديّ. وقوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ (١٠٨)؛أي عالما لا يفوته شيء كما لا يفوت المحيط بالشيء. قوله : ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ وذلك أنّ النبيّ ﷺ أراد أن يقطع طعمة في السرقة بعد هذه الآيات؛ فجاء قومه شاكّين في السّلاح فجادلوا عنه وهربوا به، فأنزل الله هذه الآية، ومعناها: ها أنتم يا قوم طعمة خاصمتم النبيّ ﷺ عن طعمة وعن خيانته في دار الدّنيا. وفي قراءة أبيّ: «(جادلتم عنه فمن يجادل الله عالم الغيب والشّهادة يوم القيامة إذا أخذه بعذابه وأدخله النّار)»؛ ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ (١٠٩)؛ يتوكّل بهم ويصلح أمرهم ويحفظهم من عذاب الله. قوله : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؛﴾ أي ومن يعمل سوءا «ويرمي» (١) به غيره نحو السّرقة والقتل والقذف، أو أنه يظلم نفسه نحو الكذب

стр. 793

الكذب واليمين الفاجرة وشرب الخمر وترك الفرائض؛ ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ؛﴾ بالتوبة؛ ﴿يَجِدِ اللهَ غَفُوراً؛﴾ للمستغفرين التائبين؛ ﴿رَحِيماً﴾ (١١٠)؛ بهم بعد التوبة. وإنّما شرطت التوبة؛ لأن الاستغفار لا يكون توبة بالإجماع ما لم يقل معه: تبت وأسأت ولا أعود إليه أبدا؛ فاغفر لي يا رب. وقيل: معناه: من يعمل سوءا بسرقة الدرع، أو يظلم نفسه برميه البريء بالسرقة. وقيل: معناه: من يعمل سوءا أو شركا ﴿(أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ)﴾ يعني بما دون الشّرك، ﴿(ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ)﴾ أي يتوب إلى الله، ﴿(يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً)﴾. وقيل: أراد بالسّوء: الكبيرة، ويظلم النفس: الصغيرة. وعن عليّ كرّم الله وجهه؛ قال: (حدّثني أبو بكر وصدق أبو بكر ﵁ قال: ما من عبد يذنب ذنبا ثمّ يتوضّأ ويصلّي ركعتين ويستغفر الله إلاّ غفر الله له، وتلا هذه الآية ﴿(وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ)﴾ الآية) (١). قوله : ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ؛﴾ أي من يعمل معصية فإنّما عقوبته على نفسه، ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١١١)؛أي لم يزل عليما بكلّ ما يكون، حكيما فيما حكم به من القطع على السارق. وقيل: معنى الآية: ﴿(وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً)﴾ يعني بيمينه بالباطل، فإنّما يضرّ به نفسه، ﴿(وَكانَ اللهُ عَلِيماً)﴾ بسارق الدّرع، ﴿(حَكِيماً)﴾ حكم بالقطع على طعمة بالسّرقة. وقد روي: أنّه لمّا نزلت هذه الآية؛ عرف قوم طعمة كلّهم أنّه هو الظّالم، فأقبلوا عليه وقالوا له: اتّق الله وائت رسول الله ﷺ تبوء بالذنب، فقال: لا؛ والّذي يحلف به ما سرقها إلاّ اليهوديّ. فنزل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ (١١٢)؛أي ومن يعمل معصية بغير عمد

стр. 794

أو متعمّدا ثمّ يرم بريئا؛ فقد استوجب عقوبة البهتان برميه غيره بشيء لم يفعله ﴿(وَإِثْماً مُبِيناً)﴾ أي ذنبا بيّنا ظاهرا. وقيل: معناه: ﴿(وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً)﴾ أي بيمينه الكاذبة ﴿(أَوْ إِثْماً)﴾ بسرقة الدّرع ورمي اليهودي. والبهتان: بهت الرّجل بما لم يفعله. وقال الزجّاج: (البهتان الكذب الّذي يتحيّر من عظمه). قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ؛﴾ أي لولا فضل الله عليك يا محمّد بالنبوّة والإسلام؛ ورحمته بإرسال جبريل ﵇ إليك بالقرآن الذي فيه خبر ما غاب عنك لقصدت من قوم طعمة أن يخطئوك ويحملوك أن تحكم بما هو غير واجب في الباطن، وأن تبرّئ الخائن من غير حقيقة؛ ﴿وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ؛﴾ أي وما يكون إضلالهم إلاّ على أنفسهم، ﴿وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ ولا ينقصونك شيئا مع عصمة الله تعالى إيّاك؛ ﴿وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ؛﴾ أي القرآن ومعرفة الحلال والحرام؛ ﴿وَعَلَّمَكَ؛﴾ بالوحي؛ ﴿ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ؛﴾ قبله؛ ﴿وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ (١١٣)؛بالنبوّة والإسلام. وفي هذه الآيات دلالة أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن غيره في إثبات حقّ أو نفيه وهو غير عالم بحقيقة أمره، وأنه لا يجوز للحاكم الميل إلى أحد الخصمين، وإن كان أحدهما مسلما والآخر كافرا، وأن وجود السرقة في يديّ إنسان لا يوجب الحكم بها عليه. قوله : ﴿*لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ؛﴾ أي لا خير في كثير من إسرار قوم طعمة فيما يريدون بينهم إلاّ نجوى من أمر بصدقة فتصدّق بها، ويجوز أن يكون معنى ﴿(إِلاّ مَنْ أَمَرَ)﴾ الاستثناء ليس من الأوّل على معنى (لكن) فيكون موضع ﴿(مَنْ أَمَرَ)﴾ نصبا على الإضمار، والأوّل موضعه خفض (١).

стр. 795

وذهب الزجّاج: (إلى أنّ النّجوى في اللّغة: ما تفرّد به الجماعة والاثنان؛ سرّا كان ذلك أو ظاهرا).وقال: (معنى: نجوت الشّيء إذا خلّصته وأفردته، ونجوت فلانا إذا استسرته) (١). قوله تعالى: ﴿(أَوْ مَعْرُوفٍ)﴾ أي أو أمر بمعروف، ويسمى البرّ كله معروفا، قال ﷺ : [كلّ معروف صدقة، وأوّل أهل الجنّة دخولا أهل المعروف، وصنائع المعروف تقي مصارع السّوء] (٢). قوله تعالى: ﴿(أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ)﴾ يعني الإصلاح بين المتخاصمين، وإصلاح ذات البين، قال ﷺ : [ألا أخبركم بأفضل درجة من الصّلاة والصّدقة؟] قالوا: بلى يا رسول الله، قال: [إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين هي الحالقة، فلا أقول تحلق الشّعر ولكن تحلق الدّين] (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ؛﴾ معناه: من يفعل ذلك البرّ والصلاح والصدقة لطلب مرضاة الله تعالى، لا للرّياء والسّمعة، ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ؛﴾ نعطيه؛ ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ (١١٤)؛أي ثوابا وافرا في الجنّة. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ؛﴾ نزلت في طعمة؛ وذلك أنّه لمّا نزل فيه القرآن، وعلم قومه أنّه ظالم، وخاف هو على نفسه القطع والفضيحة؛ هرب إلى مكّة؛ فأنزل الله هذه الآية، ومعناها: ومن يخالف الرسول في التوحيد والحدود معاندا من بعد ما تبيّن له حكم الله، ويتّبع دينا غير دين المؤمنين وهو دين أهل مكّة؛ ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى؛﴾ أي نكله

стр. 796

في الآخرة إلى ما تولّى. قيل: ونتركه إلى ما اختار لنفسه في الدّنيا؛ أي لا يتولّى الله نصره ولا معونته، ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ؛﴾ أي ونلزمه دخول جهنّم في الآخرة، ﴿وَساءَتْ؛﴾ جهنّم؛ ﴿مَصِيراً﴾ (١١٥)؛أي لمن صار اليها. فلم يتب طعمة ولم يندم، وأقام على كفره، ثمّ إنّه نقب بيت رجل من بني سليم من أهل مكّة؛ فسقط عليه حجر فنشب فيه، فلم يستطع أن يدخل ولا يخرج حتّى أصبح؛ فأخذه ليقتله، فقال بعضهم: دعوه؛ فإنّه قد لجأ إليكم وتحرّم بكم فاتركوه؛ فأخرجوه من مكّة، فخرج مع قوم من التّجّار نحو الشّام؛ فنزلوا منزلا فسرق بعض متاعهم وهرب، فطلبوه فوجدوه؛ فرموه بالحجارة حتّى قتلوه؛ فصار قبره تلك الحجارة. قوله : ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في وحشيّ قاتل حمزة ﵁.والمعنى: إنّ الله لا يغفر شرك المشرك به إن مات بغير توبة؛ ويغفر ما دون الشّرك لمن يشاء من أهل الإسلام من غير توبة. وقال الضحّاك عن ابن عبّاس: (إنّ شيخا من الأعراب جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا نبيّ الله؛ إنّي شيخ منهمك في الذّنوب والخطايا؛ إلاّ أنّي لا أشرك به شيئا مذ عرفته وآمنت به؛ ولم أتّخذ من دونه وليّا، ولم أقع على المعاصي جرأة على الله ولا مكابرة له، ولا توهّمت طرفة عين أن أعجز الله هربا، إنّي لنادم تائب مستغفر، فما لي عند الله؟.فأنزل الله هذه الآية ﴿(إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)﴾ (١). ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ (١١٦)؛أي فقد ذهب عن الصواب والهدى ذهابا بعيدا، وحرم الخير كلّه. والفائدة في قوله ﴿(بَعِيداً)﴾ أنّ الذهاب عن الجنّة على مراتب أبعدها الشّرك بالله تعالى.

стр. 797

قوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً؛﴾ أي إن يعبد أهل مكّة من دون الله إلاّ الأصنام والأوثان، وسمّاها إناثا؛ لأنّهم سمّوها باسم الإناث: اللاّت والعزّى ومنات، فعبدوها مع اعتقادهم بنقصان مراتب الإناث عن الذّكور؛ لأنّ الإناث من كلّ جنس أراذله (١)،ويقال: إناثا؛ أي مواتا؛ لأنّ الموات كلّها يخبر عنها كما يخبر عن الإناث، يقال: هذه الأحجار تعجبني؛ «كما تقول: هذه المرأة تعجبني». قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطاناً مَرِيداً﴾ (١١٧)؛أي ما يريدون بعبادة الأوثان إلاّ عبادة الشّيطان، والمريد: العاتي الخارج عن الطّاعة، ويسمّى المريد مريدا لتعرّيه عن الخير، يقال: شجرة مرداء؛ أي لا ورق عليها، وغلام أمرد: إذا لم يكن على وجهه شعر. قوله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ (١١٨) أراد به الشيطان أبعده من رحمته إلى عقابه بالحكم له بالخلود في جهنّم، ويسقط بهذا قول من قال: كيف يصحّ أن يقال: ﴿(لَعَنَهُ اللهُ)﴾ وهو في الدّنيا لا يخلو من نعمة تصل إليه من الله في كلّ حال؟ الجواب لا يعتدّ بتلك النعمة مع الحكم له بالخلود في النّار. قوله تعالى ﴿(لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً)﴾ أي قال إبليس: لأتّخذنّ من عبادك نصيبا معلوما، فكلّ ما أطيع فيه إبليس فهو مفروض له. والفرض في اللغة: القطع؛ ومنه الفرضة أي الثّلمة (٢)،والفرض في القوس: ما شدّ به الوتر، والفريضة في العبادات: الأمر الحتم القاطع، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٣) أي جعلتم لهنّ قطيعة من المال، وأما قول الشاعر: إذا أكلت سمكا وفرضا ... ذهبت طولا وذهبت عرضا

стр. 798

فالفرض هنا التّمر (١)،سمي فرضا لأنه يؤخذ من فرائض الصّدقة. قوله تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ؛﴾ حكاية قول إبليس؛ أي لأضلّنّهم عن الحقّ ولأمنّينّهم أنّه لا جنّة ولا نار ولا بعث ولا حساب، ولأريحنّهم طول الحياة في الدّنيا، ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ؛﴾ أي بتشقيق آذان الأنعام؛ وهي البحيرة التي كانوا يفعلونها نسكا وعبادة للأوثان، والقطع. ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ؛﴾ قال ابن عبّاس (٢) ومجاهد (٣) وقتادة والحسن (٤) والضحّاك (٥): (فليغيّرنّ دين الله) نظيره ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ (٦) أي لدين الله، كقوله: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. وقال عكرمة: (معناه: فليغيّرنّ خلق الله بالخصي والوشم وقطع الآذان وفقئ العيون) (٧).قال مجاهد: (كذب عكرمة؛ إنّما هو دين الله) (٨). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً﴾ (١١٩)؛أي من يتّخذه ناصرا من دون الله فقد غبن غبنا ظاهرا؛ لأنه خسر الجنّة والنعيم الذي فيها. فإن قيل: كيف علم إبليس أنه يتّخذ من عباد الله نصيبا؟ فيه أجوبة؛ منها: أنّ الله لمّا خاطبه بقوله ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٩) علم إبليس أنه ينال من ذرّية آدم ما تمنّى. ومنها: أنه لمّا وسوس لآدم فنال منه ما نال، طمع في ذرّيته. ومنها: أن إبليس لمّا عاين الجنّة والنار علم أنّ لها سكّانا من الناس).

стр. 799

وقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ؛﴾ أي يعدهم أن لا جنّة ولا نار؛ ويمنّيهم طول البقاء في الدّنيا ودوام نعيمها ويؤثروها على الآخرة، ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً﴾ (١٢٠)؛أي باطلا، والغرور: إيهام النّفع فيما فيه ضرر. قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ؛﴾ أي أهل هذه الصّفة مستقرّهم جهنّم، ﴿وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً﴾ (١٢١)؛أي مخلصا، يقال: حاص يحيص حيصا؛ إذا عدل عن الشيء. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ أي أنهار الماء واللّبن والخمر والعسل؛ ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً؛﴾ أي مقيمين في الجنّة إلى الأبد، وإنّما ذكر الطاعة مع الإيمان وجمع بينهما: فقال: ﴿(الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ)﴾ يبيّن بطلان من يتوهّم أنه لا يضرّ المعصية والإخلال بالطاعة مع الإيمان؛ كما لا تنفع الطاعة مع الكفر أو ليبيّن استحقاق الثواب على كلّ واحد من الأمرين. قوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا؛﴾ انتصب (وعد) على المصدر، تقديره: وعد لهم الله هذا وعدا حقّا كائنا؛ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ (١٢٢)؛أي ليس أحد أصدق من الله قولا ووعدا. قوله : ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ؛﴾ أي ليس ثواب الله تعالى بأمانيّكم، فإنّ ﴿(لَيْسَ)﴾ يقتضي اسما، واختلفوا في المخاطبين بهذه الآية. قال قتادة والضحّاك: (إنّ أهل الكتاب والمسلمين افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبيّنا قبل نبيّكم؛ وكتابنا قبل كتابكم؛ ونحن أولى بالله منكم. وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم؛ نبيّنا خاتم النّبيّين؛ وكتابنا يقضي على الكتب الّتي كانت قبله، فأنزل الله تعالى هذه الآية) (١).

стр. 800

وقال مجاهد: (المخاطبون بها عبدة الأوثان؛ فإنّهم قالوا: لا نبعث ولا نحاسب، وقال أهل الكتاب: لن تمسّنا النّار إلاّ أيّاما معدودة، فأنزل الله تعالى: ﴿(لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ)﴾ (١). ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ؛﴾ ولا ينفعه تمنّيه، والمراد بالسّوء الكفر. وقال بعضهم: المخاطب بها المسلمون؛ أي ﴿(مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)﴾ أي ليس بأمانيّكم يا معشر المسلمين أن لا تؤاخذوا بسوء بعد الإيمان، ﴿(وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ):﴾ لا يدخل الجنّة إلاّ من كان هودا أو نصارى، من يعمل معصية يجز بذلك ولا ينفعه تمنّيه. روي: أنّه لمّا نزلت هذه الآية؛ قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله؛ كيف الفلاح بعد هذه الآية؟ فقال ﷺ : [غفر الله لك يا أبا بكر؛ ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تصيبك اللّأواء؟] قال: بلى، [فهو ما تجزون به] (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: لمّا نزلت هذه الآية شقّ ذلك على المسلمين، فشكوا إلى رسول الله ﷺ فقال: [قاربوا وسدّدوا].يقال: كلّ ما يصيب المؤمن كفّارة حتى الشّوكة يشاكها في قدميه، والنّكبة ينكبها (٣). قال عطاء: (لمّا نزل قوله تعالى: ﴿(مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)﴾ قال أبو بكر ﵁: هذه قاصمة الظّهر يا رسول الله؛ وأيّنا لم يعمل سوءا، وإنّا لمجزيّون بكلّ سوء عملناه؟! قال: [إنّما هي المصيبات تكون في الدّنيا] (٤).فقال أبو هريرة:

стр. 801

فلمّا نزل قوله تعالى: ﴿(مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)﴾ بكينا وحزنّا وقلنا: يا رسول الله؛ ما أبقت هذه الآية من شيء، [أما والّذي نفسي بيده؛ لكما أنزلت؛ ولكن يسّروا وقاربوا وسدّدوا؛ إنّه لا يصيب أحدكم مصيبة في الدّنيا إلاّ كفّر عنه بها خطيئة؛ حتّى الشّوكة يشاكها في قدمه]) (١). وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿(مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)﴾ قال: (الكافر، وأمّا المؤمن فلا يجازى يوم القيامة إلاّ بأحسن عمله ويتجاوز عنه سيّئاته) ثمّ قرأ ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) وقرأ ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ (٣). ولولا السّنة لأمكن أن يقال: إنّ الآية نزلت في الكفّار؛ لأنّ في سياق الآية: ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (١٢٣)؛ومن لم يكن له يوم القيامة وليّ ولا نصير كان كافرا؛ لأنّ الله تعالى قد ضمن نصر المؤمنين في الدّارين فقال تعالى: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ (٤). ولكنّ الخطاب إذا ورد مجملا، وبيّن الرّسول ﵇ كان الحكم لبيانه لا للآية؛ إذ البيان إليه ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٥). قوله : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ؛﴾ أي وهو مصدّق بالثواب والعقاب، ﴿فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؛﴾ في الآخرة، ﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ (١٢٤)؛أي ولا ينقصون مما استحقوه من جزاء أعمالهم مقدار النّقير، وهو النّقرة التي تكون في ظهر النّواة. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً؛﴾ معناه: أيّ أحد منكم أصوب طريقة وسيرة، ممّن أخلص عمله وطاعته لله وهو محسن في الاعتقاد والعمل فيما بينه وبين ربه واتّبع دين إبراهيم حنيفا؛ أي مائلا عن كلّ دين سوى الإسلام.

стр. 802

وقيل: الحنيف: المستقيم في سلوك الطّريق الذي أمر بسلوكه. ومعنى المحسن: ما روي عن النبيّ ﷺ سئل عن الإحسان فقال: [أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك] (١). قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً﴾ (١٢٥)؛قال الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس: (خليلا أي صفيّا).وقيل: في معنى قوله: ﴿(خَلِيلاً)﴾ وجهان: أحدهما: الاصطفاء بالمحبّة، والاختصاص بالإسراء دون من لم تكن له تلك المنزلة، والثاني: من الخلّة وهو الحاجة، فخليل الله: المحتاج إليه؛ المنقطع بحوائجه إلى الله تعالى دون غيره، وقد يسمّى الفقير خليلا، قال زهير: وإن أتاه خليل يوم مسغبة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم أي ولا ممنوع. فإذا أريد به الوجه الأول؛ جاز أن يقال: إبراهيم خليل الله؛ والله خليل إبراهيم. وإذا أريد الوجه الثاني؛ لم يجز أن يوصف الله تعالى بأنه خليل إبراهيم، وجاوز وصفه بأنّه خليل الله. وعن جابر بن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: [اتّخذ الله إبراهيم خليلا لإطعامه الطّعام؛ وإفشائه السّلام؛ وصلاته باللّيل والنّاس نيام] (٢).فإن قيل: لم كان اتّباع ملّة إبراهيم أولى من اتّباع ملّة غيره من الأنبياء مثل عيسى وموسى؟ قيل: إنّ الفرق كلّهم متّفقون على تعظيمه، ووجوب اتّباع ملّته، وهو كان يدعو إلى الحنيفيّة دون اليهوديّة والنصرانيّة.

стр. 803

قوله : ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ إمّا قال هكذا ليبيّن أنّ إبراهيم مع كونه خليل الله وأنه لم يتّخذه لحاجته إليه، لكنّه اتّخذه خليلا جزاء على عمله. وقال بعضهم: إنّما قال ذلك لأنّه لمّا أمر الناس بطاعته حثّهم على الطّاعة بما يوجب الرغبة فيها؛ وهو كونه مالك السّماوات والأرض. قوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً﴾ (١٢٦)؛أي عالما بكلّ شيء، قادرا على كلّ شيء من كلّ وجه، فلا يخرج شيء عن مقدوره. قوله : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت في أمّ كجّة امرأة أوس بن ثابت وبناتها منه؛ لمّا أمر رسول الله ﷺ بتوريثهنّ من أوس، أقبل عيينة بن حصين الفزاريّ إلى رسول الله ﷺ ؛ فقال: يا رسول الله؛ إنّك قد ورّثت النّساء والبنات والصّغار؛ ولم نكن نحن نورّث إلاّ من قاتل على ظهور الخيل وحاز الغنيمة، فأنزل الله هذه الآية) (١). ويقال: إنّها نزلت بعد نزول قوله تعالى: ﴿(يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ)﴾ إلى قوله ﴿(عَلِيماً حَكِيماً)﴾ قبل نزول فرض الزّوجات، فجاءوا إلى رسول الله ﷺ يستفتونه في ميراث أمّ كجة امرأة المتوفّى، فأنزل الله هذه الآية ووعدهم أن يفتيهم في ميراث الزوجات؛ فأفتاهم في ذلك بقوله تعالى (ولكم نصف ما ترك أزواجكم) إلى آخر الآية. ومعنى الآية: يستفتونك يا محمّد في أمر النّساء وما يجب لهنّ من الميراث، قل الله يبيّن لكم ميراثهن، والذي يقرأ عليكم في كتاب الله في أوّل هذه السّورة، يفتيكم ويبيّن لكم ما سألتم عنه في بنات أمّ كجة اللاّتي لا تعطوهنّ ما فرض لهنّ من الميراث وهو قوله تعالى: ﴿(يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ)﴾. قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ؛﴾ أي ترغبون عن نكاحهنّ لدمامتهنّ فلا تعطوهنّ نصيبهن من الميراث لمن يرغب فيهنّ غيركم؛ وذلك أنّ بني أعمام تلك البنات كانوا أولياءهنّ؛ وكانوا لا يعطونهنّ حظّهنّ من الميراث، ويرغبون

стр. 804

أن يتزوّجونهنّ، وهذا قول ابن عبّاس وابن جبير وقتادة ومجاهد. وعن عائشة ﵂ والحسن: (أنّ معناه: وترغبون في أن تتزوّجونهنّ لجمالهنّ ولا تعطوا لهم ما أوجب الله لهنّ من الصّداق).وفي كلا القولين دليل على جواز نكاح الأولياء لليتامى. قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ؛﴾ أي وفي ﴿(الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ)﴾ أي في ميراث اليتامى. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ؛﴾ أي وفي ﴿(أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ)﴾ في أموالهم وحقوقهم بالعدل. قوله تعالى: ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيماً﴾ (١٢٧)؛أي ما تفعلوا من خير في أمر اليتامى والضّعاف؛ ﴿(فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيماً)﴾ يجزيكم على ذلك. واختلف أهل النّحو في موضع (وما يتلى عليكم) فذهب أكثرهم إلى أنه موضع رفع؛ تقديره: وما يتلى عليكم في الكتاب يفتيكم. وقال بعضهم: هو في موضع خفض تقديره: وفي ما يتلى عليكم، إلاّ أن هذا الوجه أضعف من الأوّل؛ لأنه لا يصحّ عطف الظاهر على المضمر بحرف الجرّ من دون إعادة حرف الجرّ. قوله : ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً؛﴾ الآية نزلت في خويلة ابنة محمد بن مسلمة وفي زوجها سعد بن الربيع؛ تزوّجها وهي شابّة؛ فلما علاها الكبر جفاها وتزوّج عليها شابّة آثرها عليها، فشكت إلى رسول الله ﷺ ؛ فنزلت هذه الآية (١)،هذا قول الكلبيّ وجماعة من المفسّرين. وقال سعيد بن جبير: (كان رجل له امرأة قد كبرت؛ وكان لها ستّة أولاد، فأراد أن يطلّقها ويتزوّج عليها، فقالت: لا تطلّقني ودعني على أولادي؛ واقسم لي

стр. 805

في كلّ شهرين أو أكثر إن شئت، وإن شئت لا تقسم، فقال: إن كان يصلح ذلك فهو أحبّ إليّ، فأتى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك، فأنزل الله هذه الآية) (١). ومعناها: (وإن امرأة خافت) أي علمت من زوجها بغضا، أو إعراضا بوجهه عنها لإيثار غيرها عليها. قال الكلبيّ: (يعني: ترك مجامعتها ومضاجعتها ومجالستها ومحادثتها؛ فلا جناح على الزّوج والمرأة أن يصالحا بينهما صلحا معلوما بتراضيهما؛ وهو أن يقول لها الزّوج: إنّك امرأة قد دخلت في السّنّ؛ وأنا أريد أن أتزوّج عليك امرأة شابّة أوثرها عليك في القسم لها لشبابها أو أزيد في نصيبها من القسم، فإن رضيت وألاّ سرّحتك بالأحسن وتزوّجت أخرى. فإن رضيت بذلك فهي المحسنة، وحلّ للزّوج ذلك) (٢). كما روي عن رسول الله ﷺ أنّه طلّق امرأته سودة؛ فسألته لوجه الله أن يراجعها وتجعل يومها لعائشة ففعل (٣).ومثل هذا الصّلح لا يقع لازما؛ لأنّها إذا أبت بعد ذلك إلى المقاسمة على السؤال كان لها ذلك. قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ؛﴾ أي خير من الإقامة على النّشوز. وقيل: خير من الفرقة. ودخول حرف الشّرط على الاسم في قوله تعالى: ﴿(وَإِنِ امْرَأَةٌ)﴾ فعلى تقدير فعل مضمر؛ أي: وإن خافت امرأة خافت، أو على التقديم والتأخير، كأنه قال: وإن خافت امرأة من بعلها نشوزا، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (٤)، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ (٥) وهذا لا يكون إلاّ في الفعل الماضي؛ كما يقال: إن الله أمكنني ففعلت كذا، فأمّا في المستقبل فيصحّ أن يفرّق بين الّتي للجزاء وبين لفظ الاستقبال، فيقال: إن امرأة تخف؛ لأنّ (إن) تحرم المستقبل فلا يفصل بين العامل والمعمول.

стр. 806

قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ؛﴾ أي جبلت الأنفس على الشحّ، فشحّ المرأة الكبيرة منعها من الرّضا بدون حقّها، وترك بعض نصيبها من الرجل لغيرها، وشحّ الرجل بنصيبه من الشّابّة يمنعه من توقير نصيب الكبيرة من القسم عليها. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا؛﴾ أي إن تحسنوا العشرة وتتّقوا الظّلم على النساء؛ ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (١٢٨)؛من الإحسان والجود، عالما بخير عملكم، والسوء فيجزيكم على ذلك. قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ؛﴾ أي ولن تقدروا أن تساووا بين النساء ولو اجتهدتم في العدل، كما روي أنّ النّبيّ ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل ثمّ يقول: [اللهمّ إنّ هذا قسمي فيما أملك؛ فلا تؤاخذني بما لا أملك] (١) وأراد به التسوية والمحبّة. قوله تعالى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ؛﴾ أي لا تميلوا إلى الشابّة والجميلة بالفعل كلّ الميل في النفقة والقسمة والإقبال عليها، فتتركوا العجوز بغير قسمة كالمنبوذة والمحبوسة لا أيم ولا ذات بعل. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما؛ جاء يوم القيامة وأحد شقّيه مائل] (٢). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا؛﴾ أي وإن تصلحوا ما أفسدتموه بإفراد الميل، فتعدلوا في القسمة بينهنّ، وتتّقوا الجور والعقوبة فيه، ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (١٢٩)؛لما سلف منكم من الظّلم عليهنّ رحيما بكم بعد التوبة. قوله : ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ؛﴾ أي معناه: أنّ الزوج والمرأة إذا تفرّقا دون ترك حقوق الله التي أوجبها عليهما؛ أغنى الله كلاّ من سعته من رزقه؛ الزوج بامرأة أخرى، والمرأة بزوج آخر؛ ﴿وَكانَ اللهُ واسِعاً؛﴾

стр. 807

لهما في النّكاح؛ ﴿حَكِيماً﴾ (١٣٠)؛حكم على الزوج بالإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان. وقيل: معناه: وكان الله واسع الملك جوادا لا يعجزه شيء، وحكمه فيما يحكم من الفرقة يجعل لكلّ واحد منهما من يسكن إليه ويتسلّى به عن الأوّل. ومن حكم هذه الآية: أنّ الرجل إذا قسم لنسائه لا يجب عليه وطئ واحدة منهنّ، لأنّ الوطء لذة له فهي حقّه، فإذا تركه لم يجبر عليه، وليس هو كالمقام والنفقة. وعماد القسم الليل، ولا يجامع المرأة في غير يومها، ولا يدخل بالليل على التي لم يقسم لها، ولا بأس أن يدخل عليها بالنهار في حاجة ويعودها في مرضها في ليلة غيرها، فإن فعلت فلا بأس أن يقيم حتى تشفى أو تموت، فإن أراد أن يقسم ليلتين ليلتين أو ثلاثا ثلاثا كان له ذلك. قوله : ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ كلّهم عبيده وإماؤه، ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ؛﴾ أي أمرنا أهل التوراة في التّوراة، وأهل الإنجيل في الإنجيل، وأهل كل كتاب في كتابهم، ﴿وَإِيّاكُمْ﴾ أي ووصّيناكم يا أمّة محمّد في كتابكم؛ ﴿أَنِ اتَّقُوا اللهَ؛﴾ وأطيعوه في النّساء واليتامى وأحكامهم. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا؛﴾ أي وإن تجحدوا وصيّة الله فلم تعملوا بها، ﴿فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ؛﴾ من الملائكة، ﴿وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ من الجنّ والإنس وسائر الخلق، ﴿وَكانَ اللهُ غَنِيًّا؛﴾ عن عبادتكم، لا يضرّه كفر من كفر منكم، ولا ينفعه طاعة من أطاع منكم، ﴿حَمِيداً﴾ (١٣١)؛ محمودا في ذاته وفي خواصّ ملائكته وعباده، حمدتموه أو لم تحمدوه. وقيل: حامدا لمن وحّده وأطاعه. قوله : ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ تنبيه بعد تنبيه؛ كأنه تعالى نبّههم عن غفلتهم بأنه حفيظ على أعمالهم كي يتحفّظوا ولا يتهاونوا لما أمروا من أمر الله تعالى، وليس شيء من هذه الألفاظ تكرار في كتاب الله تعالى، ولكن كلّ واحد منها مقرون بفائدة جديدة، والفائدة في قوله تعالى: ﴿(وَلِلّهِ ما فِي﴾

стр. 808

﴿السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ)﴾ بأنّها الأمر بالاتّكال على الله تعالى، والثّقة به وتفويض الأمور إليه، ولذلك عقّبه بقوله تعالى: ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (١٣٢)؛أي حافظا لأعمالكم كفيلا بأرزاقكم. قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ؛﴾ أي كما يملك الموجود من السّماوات والأرض يملك أيضا الاستبدال بإفناء الخلق وإنشاء الآخرين. وقيل: هو خطاب للكفار؛ لأنه تعالى قال من قبل: ﴿(إِنْ تَكْفُرُوا)﴾ فكأنه قال: إن يشأ يذهبكم أيّها الكفّار ويأت بقوم آخرين أطوع منكم، ﴿وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً﴾ (١٣٣)؛وكان الله على إهلاككم وخلق غيركم قادرا. قوله : ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ؛﴾ أي من كان يريد بعمله منفعة الدّنيا، فليعمل لله ولا يقتصر على طلب الدّنيا، فإنّ ثواب الدّنيا واصل إلى البرّ والفاجر، والمؤمن والكافر، ولكن ليتكلّف طلب الآخرة التي لا تنال إلاّ بالعمل، ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعاً؛﴾ لكلام عباده، ﴿بَصِيراً﴾ (١٣٤)؛بما في قلوبهم، وفي الآية تهديد للمنافقين المرائين. وفي الحديث: [إنّ في النّار واديا تتعوّذ منه جهنّم كلّ يوم أربعمائة مرّة أعدّ للقرّاء المرائين] (١).وقيل: معنى الآية: من كان يريد بعمله عوضا من الدّنيا ولا يريد به وجه الله؛ أثابه الله عليه من عرض الدّنيا ما أحبّه؛ ودفع منه فيها ما أحبّ. قوله : ﴿*يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ؛﴾ أي قوموا بالعدل وقولوا الحقّ، والقوّام بالقسط المستعمل له على حسب ما يجب من إنصافه من نفسه، وإنصاف كلّ مظلوم من ظالمه، ومنع كلّ ظالم من ظلمه، ولفظ القوّام لا يكون إلا للمبالغة.

стр. 809

والقسط والإقساط: العدل، يقال: أقسط الرجل إقساطا إذا عدل، وأتى بالقسط وقسط يقسط قسطا إذا جار، قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١) أي اعدلوا، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ (٢) أي الجائرون. وقوله تعالى: ﴿(شُهَداءَ لِلّهِ)﴾ نصب على أحد ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه خبر ثان، كما يقال: هذا حلو حامض. والثاني: على الحال، كما يقال: هذا زيد راكبا. والثالث: على أنه صفة القوّامين، فإن قوّامين نكرة، وشهداء نكرة، والنكرة تنعت بالنّكرة. ومعنى ﴿(شُهَداءَ لِلّهِ)﴾ أي شهدوا بالحقّ لله على ما كان من قريب أو بعيد. وقيل: معنى الآية: كونوا قوّامين بالعدل في الشّهادة على من كانت ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين في الرّحم؛ فأقيموها عليهم لله ولا تخافوا غنّيا لغناه، ولا ترحموا فقيرا لفقره؛ فذلك قوله تعالى: ﴿(إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً)؛﴾ أي فلا تتركوا الحقّ. قوله تعالى: ﴿(وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ)﴾ أي قولوا الحقّ ولو على أنفسكم، والشهادة على النفس إقرار. قوله تعالى: ﴿(أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)﴾ أي على والديكم وعلى أقربائكم، وفي هذا بيان أنّ شهادة الابن على الوالدين لا تكون عقوقا، ولا يحلّ للابن الامتناع عن الشهادة على أبويه؛ لأنّ في الشهادة عليهما بالحقّ منعا لهما عن الظّلم. قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما؛﴾ معناه: إن يكن المشهود عليه غنيّا أو فقيرا فالله أحقّ بالغنيّ والفقير من عباده من أحدهم بوالديه وقراباته وأرحم وأرأف، فأقيموا الشهادة لله، لا تميلوا في الشهادة رحمة للفقير، ولا تقصدوا إقامتها لاحتمال غنى الغنيّ؛ أي لأجل غناه، وعن هذا قال ﷺ : [أنصر أخاك ظالما أو مظلوما] قيل: يا رسول الله؛ كيف ينصره ظالما؟ قال: [أن تردّه عن ظلمه فإنّ ذلك نصره] (٣).

стр. 810

قوله تعالى: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا؛﴾ معناه: ولا تتّبعوا الهوى لتعدلوا، وهذا كما يقال: لا تتّبع الهوى لرضى ربك. ويقال: معناه: لا تتّبعوا أن لا تعدلوا، ويقال: كراهة أن تعدلوا، وهذا كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (١) ويقال: معنى تعدلوا: تميلوا من الحقّ إلى الهوى. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا؛﴾ من قرأ «(تلووا)» بواوين فمعناه: أن تماطلوا في إقامة الشّهادة وتقلّبوا اللسان لتفسدوا الشهادة، أو تعرضوا عن إقامة الشّهادة مأخوذ من لوى فلان في دينه؛ أي دافع، ومنه قوله ﷺ : [ليّ الواجد ظلم] (٢).والمعنى: ﴿(إِنْ تَلْوُوا)﴾ اللّسان لتحرّفوا الشهادة لتبطلوا الحقّ، وتعرضوا عنها فتكتموها ولا تقيموها عند الحكّام، ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ،﴾ من إقامتها وكتمانها، ﴿خَبِيراً﴾ (١٣٥). ومن قرأ «(تلوا)» بواو واحدة فهو من الولاية، معناه: إن أقمتم الشهادة وأعرضتم، وعن ابن عبّاس: (أنّ المراد بالآية: القاضي؛ يتقدّم إليه الخصمان، فيعرض عن أحدهما ويدافع في إمضاء الحقّ؛ أو لا يسوّي بينهما في المجلس والنّظر والإشارة) (٣).ولا يمنع أن يكون المراد بالآية القاضي والشاهد وعامّة الناس؛ لاحتمال اللّفظ للجميع. وعن رسول الله ﷺ أنه قال عند نزول هذه الآية: [من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقم شهادته على من كانت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجحد حقّا هو عليه؛ وليؤدّيه عفوا ولا يلجئوه إلى سلطان وخصومة فليقطع بها حقّه. وأيّما رجل خاصم إليّ فقضيت له على أخيه بحقّ ليس عليه فلا يأخذ به؛ فإنّما أقطع له قطعة من نار جهنّم] (٤).
следующие страницы →