قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ؛﴾ أي جبلت الأنفس على الشحّ، فشحّ المرأة الكبيرة منعها من الرّضا بدون حقّها، وترك بعض نصيبها من الرجل لغيرها، وشحّ الرجل بنصيبه من الشّابّة يمنعه من توقير نصيب الكبيرة من القسم عليها. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا؛﴾ أي إن تحسنوا العشرة وتتّقوا الظّلم على النساء؛ ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (١٢٨)؛من الإحسان والجود، عالما بخير عملكم، والسوء فيجزيكم على ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ؛﴾ أي ولن تقدروا أن تساووا بين النساء ولو اجتهدتم في العدل، كما روي أنّ النّبيّ ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل ثمّ يقول: [اللهمّ إنّ هذا قسمي فيما أملك؛ فلا تؤاخذني بما لا أملك] (١) وأراد به التسوية والمحبّة.
قوله تعالى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ؛﴾ أي لا تميلوا إلى الشابّة والجميلة بالفعل كلّ الميل في النفقة والقسمة والإقبال عليها، فتتركوا العجوز بغير قسمة كالمنبوذة والمحبوسة لا أيم ولا ذات بعل. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما؛ جاء يوم القيامة وأحد شقّيه مائل] (٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا؛﴾ أي وإن تصلحوا ما أفسدتموه بإفراد الميل، فتعدلوا في القسمة بينهنّ، وتتّقوا الجور والعقوبة فيه، ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (١٢٩)؛لما سلف منكم من الظّلم عليهنّ رحيما بكم بعد التوبة.
قوله : ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ؛﴾ أي معناه:
أنّ الزوج والمرأة إذا تفرّقا دون ترك حقوق الله التي أوجبها عليهما؛ أغنى الله كلاّ من سعته من رزقه؛ الزوج بامرأة أخرى، والمرأة بزوج آخر؛ ﴿وَكانَ اللهُ واسِعاً؛﴾
стр. 807
لهما في النّكاح؛ ﴿حَكِيماً﴾ (١٣٠)؛حكم على الزوج بالإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان. وقيل: معناه: وكان الله واسع الملك جوادا لا يعجزه شيء، وحكمه فيما يحكم من الفرقة يجعل لكلّ واحد منهما من يسكن إليه ويتسلّى به عن الأوّل.
ومن حكم هذه الآية: أنّ الرجل إذا قسم لنسائه لا يجب عليه وطئ واحدة منهنّ، لأنّ الوطء لذة له فهي حقّه، فإذا تركه لم يجبر عليه، وليس هو كالمقام والنفقة. وعماد القسم الليل، ولا يجامع المرأة في غير يومها، ولا يدخل بالليل على التي لم يقسم لها، ولا بأس أن يدخل عليها بالنهار في حاجة ويعودها في مرضها في ليلة غيرها، فإن فعلت فلا بأس أن يقيم حتى تشفى أو تموت، فإن أراد أن يقسم ليلتين ليلتين أو ثلاثا ثلاثا كان له ذلك.
قوله : ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ كلّهم عبيده وإماؤه، ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ؛﴾ أي أمرنا أهل التوراة في التّوراة، وأهل الإنجيل في الإنجيل، وأهل كل كتاب في كتابهم، ﴿وَإِيّاكُمْ﴾ أي ووصّيناكم يا أمّة محمّد في كتابكم؛ ﴿أَنِ اتَّقُوا اللهَ؛﴾ وأطيعوه في النّساء واليتامى وأحكامهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا؛﴾ أي وإن تجحدوا وصيّة الله فلم تعملوا بها، ﴿فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ؛﴾ من الملائكة، ﴿وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ من الجنّ والإنس وسائر الخلق، ﴿وَكانَ اللهُ غَنِيًّا؛﴾ عن عبادتكم، لا يضرّه كفر من كفر منكم، ولا ينفعه طاعة من أطاع منكم، ﴿حَمِيداً﴾ (١٣١)؛ محمودا في ذاته وفي خواصّ ملائكته وعباده، حمدتموه أو لم تحمدوه. وقيل: حامدا لمن وحّده وأطاعه.
قوله : ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ تنبيه بعد تنبيه؛ كأنه تعالى نبّههم عن غفلتهم بأنه حفيظ على أعمالهم كي يتحفّظوا ولا يتهاونوا لما أمروا من أمر الله تعالى، وليس شيء من هذه الألفاظ تكرار في كتاب الله تعالى، ولكن كلّ واحد منها مقرون بفائدة جديدة، والفائدة في قوله تعالى: ﴿(وَلِلّهِ ما فِي﴾
стр. 808
﴿السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ)﴾ بأنّها الأمر بالاتّكال على الله تعالى، والثّقة به وتفويض الأمور إليه، ولذلك عقّبه بقوله تعالى: ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (١٣٢)؛أي حافظا لأعمالكم كفيلا بأرزاقكم.
قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ؛﴾ أي كما يملك الموجود من السّماوات والأرض يملك أيضا الاستبدال بإفناء الخلق وإنشاء الآخرين. وقيل: هو خطاب للكفار؛ لأنه تعالى قال من قبل: ﴿(إِنْ تَكْفُرُوا)﴾ فكأنه قال: إن يشأ يذهبكم أيّها الكفّار ويأت بقوم آخرين أطوع منكم، ﴿وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً﴾ (١٣٣)؛وكان الله على إهلاككم وخلق غيركم قادرا.
قوله : ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ؛﴾ أي من كان يريد بعمله منفعة الدّنيا، فليعمل لله ولا يقتصر على طلب الدّنيا، فإنّ ثواب الدّنيا واصل إلى البرّ والفاجر، والمؤمن والكافر، ولكن ليتكلّف طلب الآخرة التي لا تنال إلاّ بالعمل، ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعاً؛﴾ لكلام عباده، ﴿بَصِيراً﴾ (١٣٤)؛بما في قلوبهم، وفي الآية تهديد للمنافقين المرائين. وفي الحديث: [إنّ في النّار واديا تتعوّذ منه جهنّم كلّ يوم أربعمائة مرّة أعدّ للقرّاء المرائين] (١).وقيل: معنى الآية: من كان يريد بعمله عوضا من الدّنيا ولا يريد به وجه الله؛ أثابه الله عليه من عرض الدّنيا ما أحبّه؛ ودفع منه فيها ما أحبّ.
قوله : ﴿*يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ؛﴾ أي قوموا بالعدل وقولوا الحقّ، والقوّام بالقسط المستعمل له على حسب ما يجب من إنصافه من نفسه، وإنصاف كلّ مظلوم من ظالمه، ومنع كلّ ظالم من ظلمه، ولفظ القوّام لا يكون إلا للمبالغة.
стр. 809
والقسط والإقساط: العدل، يقال: أقسط الرجل إقساطا إذا عدل، وأتى بالقسط وقسط يقسط قسطا إذا جار، قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١) أي اعدلوا، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ (٢) أي الجائرون.
وقوله تعالى: ﴿(شُهَداءَ لِلّهِ)﴾ نصب على أحد ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه خبر ثان، كما يقال: هذا حلو حامض. والثاني: على الحال، كما يقال: هذا زيد راكبا. والثالث:
على أنه صفة القوّامين، فإن قوّامين نكرة، وشهداء نكرة، والنكرة تنعت بالنّكرة.
ومعنى ﴿(شُهَداءَ لِلّهِ)﴾ أي شهدوا بالحقّ لله على ما كان من قريب أو بعيد.
وقيل: معنى الآية: كونوا قوّامين بالعدل في الشّهادة على من كانت ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين في الرّحم؛ فأقيموها عليهم لله ولا تخافوا غنّيا لغناه، ولا ترحموا فقيرا لفقره؛ فذلك قوله تعالى: ﴿(إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً)؛﴾ أي فلا تتركوا الحقّ.
قوله تعالى: ﴿(وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ)﴾ أي قولوا الحقّ ولو على أنفسكم، والشهادة على النفس إقرار. قوله تعالى: ﴿(أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)﴾ أي على والديكم وعلى أقربائكم، وفي هذا بيان أنّ شهادة الابن على الوالدين لا تكون عقوقا، ولا يحلّ للابن الامتناع عن الشهادة على أبويه؛ لأنّ في الشهادة عليهما بالحقّ منعا لهما عن الظّلم.
قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما؛﴾ معناه: إن يكن المشهود عليه غنيّا أو فقيرا فالله أحقّ بالغنيّ والفقير من عباده من أحدهم بوالديه وقراباته وأرحم وأرأف، فأقيموا الشهادة لله، لا تميلوا في الشهادة رحمة للفقير، ولا تقصدوا إقامتها لاحتمال غنى الغنيّ؛ أي لأجل غناه، وعن هذا قال ﷺ : [أنصر أخاك ظالما أو مظلوما] قيل: يا رسول الله؛ كيف ينصره ظالما؟ قال: [أن تردّه عن ظلمه فإنّ ذلك نصره] (٣).
стр. 810
قوله تعالى: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا؛﴾ معناه: ولا تتّبعوا الهوى لتعدلوا، وهذا كما يقال: لا تتّبع الهوى لرضى ربك. ويقال: معناه: لا تتّبعوا أن لا تعدلوا، ويقال: كراهة أن تعدلوا، وهذا كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (١) ويقال: معنى تعدلوا: تميلوا من الحقّ إلى الهوى.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا؛﴾ من قرأ «(تلووا)» بواوين فمعناه:
أن تماطلوا في إقامة الشّهادة وتقلّبوا اللسان لتفسدوا الشهادة، أو تعرضوا عن إقامة الشّهادة مأخوذ من لوى فلان في دينه؛ أي دافع، ومنه قوله ﷺ : [ليّ الواجد ظلم] (٢).والمعنى: ﴿(إِنْ تَلْوُوا)﴾ اللّسان لتحرّفوا الشهادة لتبطلوا الحقّ، وتعرضوا عنها فتكتموها ولا تقيموها عند الحكّام، ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ،﴾ من إقامتها وكتمانها، ﴿خَبِيراً﴾ (١٣٥).
ومن قرأ «(تلوا)» بواو واحدة فهو من الولاية، معناه: إن أقمتم الشهادة وأعرضتم، وعن ابن عبّاس: (أنّ المراد بالآية: القاضي؛ يتقدّم إليه الخصمان، فيعرض عن أحدهما ويدافع في إمضاء الحقّ؛ أو لا يسوّي بينهما في المجلس والنّظر والإشارة) (٣).ولا يمنع أن يكون المراد بالآية القاضي والشاهد وعامّة الناس؛ لاحتمال اللّفظ للجميع.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال عند نزول هذه الآية: [من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقم شهادته على من كانت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجحد حقّا هو عليه؛ وليؤدّيه عفوا ولا يلجئوه إلى سلطان وخصومة فليقطع بها حقّه. وأيّما رجل خاصم إليّ فقضيت له على أخيه بحقّ ليس عليه فلا يأخذ به؛ فإنّما أقطع له قطعة من نار جهنّم] (٤).
стр. 811
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ؛﴾ قال الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في عبد الله بن سلام؛ وأسد بن كعب وأخيه أسيد؛ وثعلبة بن قيس؛ وسلام ابن أخت عبد الله بن سلام؛ وسلمة ابن أخيه؛ ويامين بن يامين، فهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب، أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله؛ إنّا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتّوراة وبعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرّسل، فقال رسول الله ﷺ : [بل آمنوا بالله وبرسوله محمّد وبالرّسل كلّهم وبكتابه القرآن وبكلّ كتاب أنزله الله] قالوا: لا (١) نفعل، فأنزل الله هذه الآية (٢).
ومعناها: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)﴾ بمحمّد والقرآن وموسى والتّوراة ﴿(آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ)﴾ محمّد ﴿(وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ)﴾ يعني الكتب المتقدّمة التّوراة والإنجيل والزّبور وسائر الكتب المنزّلة، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ (١٣٦)؛أي أخطأ خطأ بعيدا، فلمّا نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله؛ إنّا نؤمن بالله وبرسوله والقرآن؛ وكلّ كتاب كان قبل القرآن؛ وكلّ رسول كان من قبل؛ والملائكة واليوم الآخر لا نفرّق بين أحد منهم، كما فرّقت اليهود والنصارى.
ومعنى الآية: يا أيّها الّذين آمنوا بموسى والتوراة وعيسى والإنجيل آمنوا بمحمّد والقرآن. قال أبو العالية وجماعة من المفسّرين: (هذه الآية خطاب للمؤمنين، وتأويلها:
يا أيّها الّذين آمنوا آمنوا؛ أي أقيموا واثبتوا على الإيمان).وقال بعضهم: إنّها خطاب للمنافقين؛ ومعناها: يا أيّها الذين آمنوا في الملأ آمنوا في الخلاء. وقوله تعالى: ﴿(وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ)﴾ أي من يجحد بوحدانيّة الله تعالى وبملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت؛ فقد أخطأ خطأ بعيدا عن الحقّ والصواب.
стр. 812
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً؛﴾ اختلف المفسّرون في هذه الآية، فقيل: إنّ المراد بهم اليهود. قال الكلبيّ: (آمنوا بموسى؛ ثمّ كفروا بعد موته، ثمّ آمنوا بعزير ﵇، ثمّ كفروا بعد عزير بعيسى ﵇، ثمّ ازدادوا كفرا بمحمّد ﷺ والقرآن).وقال مقاتل: (آمنوا بموسى ﵇، ثمّ كفروا بعد موته، ثمّ آمنوا بعيسى ﵇، ثمّ كفروا بعد ما رفع إلى السّماء، ثمّ أقاموا على كفرهم بمحمّد ﷺ والقرآن).وقيل: آمنوا بموسى ﵇، ثم كفروا بعده بعيسى ﵇، ثم كفروا بمحمّد ﷺ قبل أن يبعث، ثم كفروا به بعد ما بعث، ثم أقاموا على كفرهم. وقال قتادة: (آمن اليهود بموسى ثمّ كفروا به بعبادة العجل، ثمّ آمنوا بالتّوراة، ثمّ كفروا بعد ذلك بعيسى، ثمّ ازدادوا كفرا بنبيّنا محمّد ﷺ (١).
قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ؛﴾ أي ما داموا على كفرهم؛ ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ (١٣٧)؛أي ولا يوفّقهم طريقا إلى الإسلام، ولكن يخذلهم مجازاة لهم على كفرهم. فإن قيل: إنّ الله لا يغفر كفر مرّة؛ فما الفائدة في قوله ﴿(ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا)﴾؟ قيل: إنّ الكافر إذا آمن غفر له كفره، فإذا كفر بعد إيمانه لم يغفر له كفره الأول، وهو مطالب بجميع كفره.
قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٣٨)؛خوّف المنافقين عبد الله بن أبيّ وأصحابه، ومن يكون على سبيلهم إلى يوم القيامة بأنّ لهم عذابا وجيعا يخلص وجعه إلى قلوبهم.
قوله : ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ؛﴾ أي هم الذين يتّخذون اليهود أحبّاء في العون والنّصرة من دون المؤمنين المخلصين الموحّدين. قوله تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ؛﴾ هذا استفهام بمعنى الإنكار؛ أي كيف يطلبون عند الكفّار العزّة وهم أذلاّء في حكم الله تعالى، ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً﴾ (١٣٩)؛أي فإنّ القوة والمنعة لله جميعا، فمن أراد طلب العزّة فليطلبها من الله تعالى؛ لأنه المقدّر بجميع من له العزّة من خلقه لجميع العزّة له.
стр. 813
قوله : ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ؛﴾ أي قد نزّل عليكم في القرآن سورة الأنعام بمكّة أن إذا سمعتم آيات الله يجحد بها، ويسخر منها فلا تجلسوا معهم حتّى يكون خوضهم في حديث غير القرآن، وأراد بذلك المذكور في الأنعام قوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ؛﴾ أي من جالسهم راضيا بما هم عليه من الكفر والاستهزاء بآيات الله فهو مثلهم في الكفر؛ لأن الرّضا بالكفر والاستهزاء كفر، ومن جلس معهم ساخطا لذلك منهم لم يكفر، ولكنه يكون عاصيا بالقعود معهم؛ فيكون معنى قوله تعالى: ﴿(إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ)﴾ أي في أصل العصيان وإن لم تبلغ معصية المؤمنين معصية الكفّار، إذا لم يكن جلوس المؤمنين معهم لإقامة فرض أو سنّة، أما إذا كان جلوسه هنالك لإقامة عبادة وهو ساخط لتلك الحال لا يقدر على تغييرها، فلا بأس بالجلوس. كما روي عن الحسن: (أنّه حضر هو وابن سيرين جنازة وهناك نوح (٢)؛فانصرف ابن سيرين؛ فذكر ذلك للحسن فقال: إنّا كنّا متى رأينا باطلا تركنا حقّا؛ أشرع ذلك في ديننا!).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ (١٤٠)؛ أي يجمعهم في جهنّم مجازاة لهم لاجتماعهم في الدّنيا للاستهزاء، فمن شاء لا يكون معهم في جهنّم فلا يكون معهم في الدّنيا.
стр. 814
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ؛﴾ أي هم الذين ينتظرون بكم الدّوائر، ويرامون أحوالكم يعني المنافقين، والمتربص للشّيء: هو المتوقّع لأسبابه، ويسمّى المحتكر متربصا لتوقّعه غلاء السّعر.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ؛﴾ أي اذا كان لكم ظفر ودولة وغنيمة، ﴿قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؛﴾ أي قال المنافقون: ألم نكن معكم على دينكم فأعطونا من الغنيمة، ﴿وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ؛﴾ أي ظهور على المسلمين؛ ﴿قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؛﴾ أي قال المنافقون:
ألم نخبركم بعزيمة محمّد ﷺ وأصحابه، ونطلعكم على سرّهم ونكتب ذلك إليكم ونحذّركم عنهم ونجبهم عنكم ونواليكم، ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ فالله يقضي بين المؤمنين والمنافقين والكفار ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (١٤١)؛أي لم يجعل الله لليهود ظهورا على المؤمنين.
وقيل: السبيل: الحجّة، ولن يجعل الله للكافرين من اليهود وغيرهم حجّة على المسلمين في الدّنيا والآخرة، وقيل: معنى السّبيل: الدّولة الدّائمة. وقيل: معناه: لن يدخل الله الكافرين الجنة؛ فيقولون للمؤمنين: ما أغنى عنكم تعبكم في الدّنيا، وما ضرّنا كفرنا بعد أن تساوينا.
قوله : ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ؛﴾ أي يخادعون أولياء الله بإظهارهم الإيمان وإبطانهم الكفر؛ ليحقنوا بذلك دماءهم ويشاركوا المسلمين في غنائمهم، وجعل الله مخادعة أوليائه مخادعة له كما قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿(وَهُوَ خادِعُهُمْ)﴾ أي مجازيهم جزاء أعمالهم؛ وذلك أنّهم على الصّراط يعطون نورا كما يعطى المؤمنون؛ فإذا مضوا به على الصّراط طفئ نورهم، ويبقى المؤمنون ينظرون بنورهم، فينادون المؤمنين: انظرونا نقتبس من نوركم، فيناديهم الملائكة على الصّراط: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا، وقد علموا أنّهم لا
стр. 815
يستطيعون الرجوع، قال: فيخاف المؤمنون حينئذ أن يطفأ نورهم، فيقولون: ربّنا أتمم لنا نورنا، واغفر لنا إنّك على كل شيء قدير.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ؛﴾ يعني المنافقين؛ ﴿قامُوا كُسالى؛﴾ أي متثاقلين لا يريدون بها وجه الله تعالى، ﴿يُراؤُنَ النّاسَ﴾ ولا يريدون الصلاة إلاّ مراءة للناس خوفا منهم، ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (١٤٢)؛أي لا يصلّون لله إلاّ قليلا رياء وسمعة، ولو كانوا يريدون بذلك القليل وجه الله لكان كثيرا.
قوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ؛﴾ نصب على الذمّ؛ ومعناه: متردّدين بين كفر السّرّ وإيمان العلانية، ليسوا من المؤمنين فيجب لهم ما يجب للمسلمين؛ وليسوا من الكفّار فيجب عليهم ما يجب على الكفّار. وقيل: معناه: متحيّرين بين الكفر والإيمان، ﴿لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ؛﴾ أي ليسوا من المؤمنين فيجب عليهم ما يجب عليهم، وليسوا من الكفّار فيؤخذ منهم ما يؤخذ من الكفّار؛ أي ما هم بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرّحين بالشّرك.
وكان ﷺ يضرب مثلا للمؤمنين والمنافقين والكافرين كمثل ثلاثة دفعوا إلى نهر؛ فقطعه المؤمن؛ ووقف الكافر؛ ونزل فيه المنافق، حتّى إذا توسّطه عجز؛ فناداه الكافر: هلمّ إليّ لا تغرق، وناداه المؤمن: هلمّ إليّ لتخلص. فما زال المنافق يتردّد بينهما حتّى إذا أتى عليه ماء فغرّقه، فكان المنافق لم يزل في شكّ حتّى يأتيه الموت.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ (١٤٣)؛أي من يخذله الله عن الهدى، فلن تجد له يا محمّد طريقا إلى الهدى.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ؛﴾ أي لا تفعلوا أيّها المؤمنون كفعل المنافقين، ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً﴾ (١٤٤)؛أي أتريدون أن تجعلوا لله عليكم حجّة ظاهرة توجب العقوبة عليكم في الدّنيا والآخرة. والسّلطان في اللغة: هو الحجّة؛ يقال للأمير: سلطان؛ يراد بذلك أنه حجّة.
стр. 816
قوله : ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ؛﴾ أي في الطّبق الأسفل؛ وهي الهاوية لمكرهم وخيانتهم للنبيّ ﷺ مع إبطان الكفر، قال أبو عبيد: (جهنّم أدراك منازل، كلّ منزلة منه درك).ومن قرأ «(الدّرك)» بإسكان الرّاء، وهو لغة؛ وأكثر القرّاء على فتحها. والدّركات في النّار مثل الدرجات في الجنّة، كل ما كان من درجات الجنّة أعلى؛ فثواب من فيه أعظم، وما كان من دركات النار أسفل؛ فعقاب من فيه أشدّ. وسئل ابن مسعود عن الدّرك الأسفل؛ فقال: (هو توابيت من حديد؛ مبهمة عليهم لا أبواب لها) (١).
قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ (١٤٥)؛أي مانعا يمنع عنهم العذاب، وعن عبد الله بن عمر؛ (أنّ أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون؛ ومن كفر من أصحاب المائدة؛ وآل فرعون).قال الله تعالى في أصحاب المائدة:
﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (٢) وقال: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ (٣) وقال: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾.
فإن قيل: ما وجه التّوفيق بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾؟ قيل: لا يمتنع أن يجتمع القوم في موضع واحد ويكون عذاب بعضهم أشدّ من عذاب بعض، ألا ترى أن البيت الداخل في الحمّام يجتمع فيه الناس، فيكون بعضهم أشدّ أذى بالنار؛ لكونه أدنى إلى موضع الوقود. وكذلك يجتمع القوم في القعود في الشّمس، ويتأذى الصّفراويّ منها أشدّ وأكثر من تأذّي السّوداويّ.
والمنافق في اللغة: مأخوذ من النّفق؛ وهو السّرب؛ أي استتر بالإسلام كما يستتر الرجل بالسّرب. وقيل: هو مأخوذ من قولهم: نافق اليربوع؛ إذا دخل نافقاءه؛ فإذا طلب من النّافقاء خرج من النافقاء؛ والنّفقاء؛ والقاصعة؛ والرّاهطاء؛ والدّامّاء حجرة اليربوع (٤).
стр. 817
قوله : ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ؛﴾ أي إلا الذين تابوا من النّفاق، وأصلحوا العمل فيما بينهم وبين ربهم وتمسّكوا بتوحيد الله ودينه، ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ؛﴾ وأخلصوا توحيدهم وعملهم، ﴿بِاللهِ؛﴾ أي أخلصوا ذلك من شوب الرّياء، وطلب عرض الدّنيا، ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ؛﴾ في الجنّة والثواب، لا يضرّهم النفاق السابق إذا أصلحوا وتابوا.
قوله : ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً؛﴾ وهو الجنّة.
ولمّا حذفت الياء من ﴿(يُؤْتِ)﴾ في الخطّ، كما حذفت في اللفظ بسكونها وسكون اللام في اسم الله، فكذلك ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ (١) و ﴿يَدْعُ الدّاعِ﴾ (٢).ويحتمل أن يكون معنى الآية: بيان زيادة الثواب لمن يسبق منه كفر ولا نفاق، فذلك قوله تعالى: ﴿(وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً)﴾. ﴿(وَسَوْفَ)﴾ كلمة ترجية وإطماع؛ وهي من الله إيجاب؛ لأنه أكرم الأكرمين، ووعد الكريم إنجاز.
قوله تعالى: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ؛﴾ يبيّن الله تعالى أنّ المنافقين هم الذين أوقعوا أنفسهم في الدّرك الأسفل من النار، واستحقّوا ذلك بنفاقهم، وإنه ليس في حكمة الله تعذيب من شكر وآمن، وإنّما في حكمته أن
стр. 818
يجزي كلّ عامل بما عمل، فذلك قوله تعالى: ﴿(ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ)﴾ أي ما حاجته إلى تعذيبكم أيّها المنافقون إن وحّدتم في السّرّ وصدقتم في إيمانكم.
ويقال معنى: ﴿(إِنْ شَكَرْتُمْ)﴾ نعم الله ﴿(وَآمَنْتُمْ)﴾ به وبكتبه ورسله. وقيل: فيه تقديم وتأخير؛ أي إن آمنتم وشكرتم؛ لأنّ الشّكر لا يقع مع عدم الإيمان. وبيّن الله تعالى أن تعذيب عباده لا يزيد في ملكه، وأن ترك عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه.
قوله : ﴿وَكانَ اللهُ شاكِراً عَلِيماً﴾ (١٤٧)؛أي شاكرا للقليل من أعمالكم؛ مثيبا عليها؛ يقبل اليسير؛ ويعطي الجزيل عليها بأضعافها لكم؛ واحدة إلى عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله من الأضعاف. والشّكر من العبد: هو الاعتراف بالنّعمة الواصلة إليه مع صدق من التّعظيم، والشّكر من الله تعالى: هو مجازاته العبد على طاعته.
قوله : ﴿*لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ؛﴾ قال ابن عبّاس: (معناه: لا يحبّ الله الجهر بالدّعاء الشّرّ على أحد إلاّ أن يظلم فيه؛ فيدعو على ظالمه فلا يعاب على ذلك، وهو مأذون له في أن يشكو ظالمه ويدعو عليه) (١).
ويقال: ﴿(إِلاّ مَنْ ظُلِمَ)﴾ استثناء منقطع؛ معناه: لكن المظلوم يجهر بظلامته تشكّيا.
وفي تفسير الحسن: (لا يحبّ الله المشتّم في الانتصار إلاّ من ظلم، فلا بأس له أن ينتصر ممّن ظلمه بما يجوز له الانتصار به في الدّين).ونظيره قوله تعالى: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ (٢).قال الحسن: (لا يجوز للرّجل «إذا قيل له» (٣):يا زاني، أن يقول بمثل ذلك أو نحوه من أنواع الشّتم).وقال مجاهد: (نزلت هذه الآية في الضّيف إذا لم يضف ومنع حقّه، فقد أذن له أن يشكو) (٤)،والضّيافة ثلاثة أيّام.
стр. 819
ومن قرأ «(إلاّ من ظلم)» بنصب الظّاء، فمعناه: لكن الظالم يجهر بذلك ظلما واعتداء. وقيل: لكن الظالم اجهروا له بالسّوء من القول. قوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾ (١٤٨)؛أي ﴿(سَمِيعاً)﴾ لدعاء المظلوم؛ ﴿(عَلِيماً)﴾ بعقوبة الظالم.
ويقال: ﴿(سَمِيعاً)﴾ لجميع المسموعات؛ ﴿(عَلِيماً)﴾ لجميع المظلومات. فقوله تعالى: ﴿(إِلاّ مَنْ ظُلِمَ)﴾ في موضع نصب على الاستثناء المنقطع.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً﴾ (١٤٩)؛معناه: إن تظهروا خيرا أو تسرّوه أو تعفوا عن مظلمة ظلمتم بها؛ فإنّ الله كان عفوّا. العفوّ: كثير العفو من غير حصر، والقدير والقادر بمعنى واحد؛ أي أنّ الله قادر على العقوبة به، ثم يعفو عن عباده مع قدرته على الانتقام. وقيل: معنى الآية: إن تردّوا جوابا حسنا أو تسكتوا عن الظالم ولا تحقّروه ولا تؤاخذوه بظلمه؛ فإن يعف عن الظالم (١) ذنوبه؛ فإن عفو الله عن معاصيكم أكثر من عفوكم عمن ظلمكم.
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ (١٥٠)؛نزلت هذه الآية في اليهود والنّصارى؛ آمنت اليهود بموسى والتوراة؛ وكفرت بعيسى والإنجيل، وآمنت النصارى بعيسى والإنجيل؛ وكفرت بموسى والتوراة وبمحمّد والقرآن؛ وكلّهم كفر بمحمّد والقرآن، فأعلم الله: أن ليس من الإيمان بالبعض، والكفر بالبعض دين يتّخذ ذلك طريقا.
قوله : ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً﴾ (١٥١)؛أي أهل هذه الصّفة هم الكافرون البتّة، وانتصب قوله ﴿(حَقًّا)﴾ على المصدر، والفائدة في قوله: ﴿(حَقًّا)﴾ بيان أنّ إيمانهم بالبعض لا ينفعهم، ولا يسلب اسم الكفر عنهم.
стр. 820
قوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ؛﴾ يعني في الإيمان والتصديق؛ ﴿أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ؛﴾ أي ثوابهم، وسمّي الثواب أجرا؛ لأنه مستحقّ كالأجرة، ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (١٥٢).
قوله : ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ؛﴾ أي يسألك يا محمّد كعب بن الأشرف وجماعة من اليهود أن تنزّل عليهم كتابا من السّماء جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى، وهذا حين قالوا للنبيّ ﷺ : لن نؤمن لك حتّى تنزّل علينا كتابا نقرؤه.
قوله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ؛﴾ أي لا تعجب من مسألتهم إنزال الكتاب من السماء بعد أن جاءتهم البيّنات على نبوّتك، فإنّهم سألوا موسى بعد ما رأوا الآيات أعظم من ذلك، ﴿فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً؛﴾ أي معاينة ظاهرة مكشفة؛ وهم السّبعون الذين كانوا معه عند الجبل حين كلّمه الله، فسألوه أن يروا ربّهم رؤية يدركونه بأبصارهم في الدّنيا. وقال أبو عبيد: (معنى الآية: قالوا جهرة أرنا الله) فجعل جهرة صفة لقولهم؛ قال: (لأنّ الرّؤية لا تكون إلاّ جهرة).قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ؛﴾ أي أخذتهم النار عقوبة لهم بسؤالهم موسى ما لم يستحقّوه.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ؛﴾ أي عبدوا العجل من بعد ما جاءتهم الدّلالات على توحيد الله، وفي هذا بيان جهل اليهود وتعنّتهم وعنادهم، وأيّ جهل أعظم من اتّخاذ العجل إلها، بعد ظهور المعجزات وثبوت الآيات البيّنات.
قوله تعالى: ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ؛﴾ أي تجاوزنا عنهم بعد توبتهم مع عظم جنايتهم وجريمتهم ولم نستأصلهم، دلّ الله تعالى بذلك على سعة رحمته ومغفرته وتمام نعمته ومنّته، بيّن ذلك أنه لا جريمة تضيق عنها مغفرة الله، وفي هذا منع من القنوط واستدعاء إلى التوبة. قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً﴾ (١٥٣)؛ أي أعطيناه حجّة على من خالفه بيّنة ظاهرة؛ وهي اليد والعصا.
стр. 821
قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ؛﴾ أي ورفعنا فوق رءوسهم الجبل بإقرارهم بالله وبنبوّة موسى، وذلك حين أبوا قبول التّوراة، فرفع الله فوقهم الطّور، فقبلوها فخرّوا سجّدا، فرفع الله الطّور عنهم.
قوله تعالى: ﴿وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً؛﴾ أي قلنا لهم: ادخلوا باب أريحيا إذا دخلتموها خاشعين لله منحنية أصلابكم، فدخلوا زحفا وبدّلوا ما قيل لهم.
ويقال: أراد بالباب: الباب الذي عبدوا فيه العجل، أمرهم الله أن يدخلوه بعد توبتهم عن عبادة العجل ساجدين لله ، فيصير ذلك كفّارة لعبادة العجل.
قوله تعالى: ﴿وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ؛﴾ أي قلنا لهم مع هذا أيضا:
لا تستحلّوا أخذ السّمك في يوم السّبت. ومن قرأ «(لا تعدّوا)» بتشديد الدّال؛ فأصله:
لا تعتدوا؛ فأدغمت الدال في الدال وأقيم التشديد مقامه. والقراءة بالتخفيف من عدا يعدو عدوانا. قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ (١٥٤)؛أي إقرارا وثيقا شديدا يعني العهد الذي أخذه الله في التّوراة فأبوا إلاّ مضيّا على المعصية وخروجا عن الطاعة استخفافا بأمر الله.
قوله : ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛﴾ أي فبنقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم في التّوراة وبجحدهم القرآن والإنجيل وبما في التّوراة من نعت الإسلام وصفة النبيّ ﷺ وقتلهم الأنبياء بغير جرم، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ؛﴾ أي في أوعية لا تعي شيئا، يقول الله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ؛﴾ أي ليس كما قالوا، ولكن ختم الله على قلوبهم مجازاة على كفرهم، ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (١٥٥)؛أي إلاّ إيمانا قليلا لا يجب أن يسمّوا به مؤمنين، فذلك أنّهم آمنوا ببعض الرّسل والكتب دون البعض.
وقال الحسن: (في هذا تقديم وتأخير؛ معناه: بل طبع الله عليها بكفرهم إلاّ قليلا فلا يؤمنون، والمراد بالقليل عبد الله بن سلام ومن تابعه).أما دخول (ما) في قوله تعالى ﴿(فَبِما نَقْضِهِمْ)﴾ فمعناه التأكيد؛ كأنه قال: فبنقضهم العهد، وجواب قوله تعالى ﴿(فَبِما نَقْضِهِمْ)﴾ مضمر في الآية؛ تقديره: فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم، هذا لأنّ أول الآية ذمّ على الكفر، ومن ذمّه الله فقد لعنه، يعني من ذمّه على الكفر. ويقال: إن
стр. 822
الجالب للباقي قوله: ﴿فَبِما﴾ قوله تعالى من بعد ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ فقوله تعالى ﴿(فَبِظُلْمٍ)﴾ بدل من ﴿(فَبِما نَقْضِهِمْ)،﴾ وجوابهما جميعا ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾.
قوله : ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً﴾ (١٥٦)؛عطف على ما تقدّم؛ أي وبجحدهم عيسى والإنجيل ومحمّدا ﷺ ورميهم مريم بالزّنا؛ وهو البهتان العظيم.
وذلك: أنّ عيسى ﵇ استقبل رهطا من اليهود؛ فقال بعضهم لبعض: قد جاء السّاحر بن السّاحرة؛ والفاعل بن الفاعلة، فقذفوه وأمّه، فلمّا سمع بذلك عيسى، قال: اللهمّ أنت ربي وأنا عبدك؛ بقدرتك خرجت وبكلمتك خلقتني، ولم أتّهم من تلقاء نفسي، اللهمّ العن من سبّني وسبّ والدتي. فاستجاب الله دعاءه ومسخ ذلك الرّهط الّذين سبّوه وسبّوا أمّه خنازير، وكانوا رموا أمّه بيوسف بن يعقوب بن مانان.
قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّه لمّا مسخ الرّهط الّذين سبّوا عيسى وأمّه، فمسخ الله من سبّهما قردة وخنازير؛ فزعت اليهود وخافت دعوته؛ فاجتمعوا على قتله؛ فثاروا إليه ليقتلوه؛ فهرب منهم ودخل بيتا في سقفه روزنة-أي كوّة-فرفعه جبريل ﵇ إلى السّماء؛ وأمر يهوديّا ملك اليهود رجلا يقال له طيطانوس أن يدخل البيت فيقتله؛ فدخل فلم يجده، فألقى الله عليه شبه عيسى ﵇، فلمّا خرج إلى أصحابه قتلوه وهم يظنّون أنّه عيسى، ثمّ صلبوه.
فقال بعضهم: قتلناه، وقال بعضهم: إنّ وجهه وجه عيسى وجسده جسد صاحبنا، فإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ فاشتبه عليهم واختلفوا فيه، ثمّ بعث عليهم طاطوس بن استيبانيوس الرّوميّ فقتل منهم مقتلة عظيمة).
وقوله تعالى: ﴿(رَسُولَ اللهِ)﴾ قول الله خاصّة لا قول اليهود، وكانت اليهود تقول: عيسى بن مريم، قال الله تعالى: ﴿(رَسُولَ اللهِ)﴾ أي يعنون الذي هو رسول الله.
стр. 823
قوله تعالى: ﴿وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ؛﴾ أي وما قتلوا عيسى وما صلبوه ولكن ألقى الله على طيطانوس شبه عيسى فقتلوه؛ ورفع عيسى إلى السّماء. قال الحسن: (إنّ عيسى ﵇ قال للحواريّين: أيّكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل فيدخل الجنّة؛ فقام رجل من الحواريّين فقال: أنا يا رسول الله، فألقى الله عليه شبه عيسى؛ فقتل وصلب، ورفع الله عيسى إلى السّماء) (١).
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ؛﴾ أي من قتله، قال الكلبيّ: (اختلافهم فيه: أنّ اليهود قالوا: نحن قتلناه وصلبناه، وقال طائفة من النّصارى: بل نحن قتلناه وصلبناه، فما قتله هؤلاء ولا هؤلاء، بل رفعه الله إليه إلى السّماء).
ويقال: إنّ الله تعالى لمّا ألقى شبه عيسى على طيطيانوس ألقاه على وجهه دون جسده، فلمّا قتلوا طيطيانوس؛ نظروا إليه فإذا وجهه وجه عيسى وجسده غير جسد عيسى، فقالوا: إن كان هذا عيسى، فأين صاحبنا؟ وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟ فقال الله تعالى: ﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ (١٥٧)؛نعت كمصدر محذوف تقديره: وما علموه علما يقينا.
قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ؛﴾ أي بل رفعه الله إلى السّماء، وإنّما سمّى ذلك رفعا إليه؛ لأنه رفع إلى موضع لا يملك فيه أحد شيئا إلاّ (الله). قوله : ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (١٥٨)؛قد ذكرنا معناه غير مرّة، وفائدة ذكره هاهنا: بيان قدرة الله على نجاة من يشاء، وبيان حكمته فيما فعل ويفعل وحكم ويحكم، فلما رفع الله عيسى ﵇ كساه الرّيش وألبسه النور وقطع عنه شهوات المطعم والمشرب وطار مع الملائكة؛ فهو معهم حول العرش فكأنه إنسيّا ملكيا سماويّا أرضيّا. قال وهب بن منبه: (يبعث عيسى على رأس ثلاثين سنة، ورفعه الله وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وكانت نبوّته ثلاث سنين).
стр. 824
قوله : ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ؛﴾ لما ذكر الله تعالى اختلاف اليهود والنّصارى في عيسى؛ بيّن بعده أن هذا الشّكّ سيزول عن كل كتابيّ، فقال تعالى: ﴿(وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ)﴾ أي ما أحد من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ بعيسى قبل أن يموت الكتابيّ يعني: إذا عاين اليهوديّ أمر الآخرة وحضرته الوفاة؛ ضربت الملائكة وجهه ودبره؛ وقالت: أتاك عيسى نبيّا فكذبت به؛ فيؤمن حين لا ينفعه إيمانه، ويقول للنصرانيّ: أتاك عيسى ﵇ نبيّا فكذبت عبد الله ورسوله، فزعمت أنه هو الله وابن الله، فيؤمن بأنه عبد الله حين لا ينفعه إيمانه.
وقيل: معناه: قبل موت عيسى، وهذا قول الحسن وقتادة والربيع؛ جعلوا هاتين الكنايتين في ﴿(بِهِ)﴾ و ﴿(مَوْتِهِ)﴾ راجعين إلى عيسى ﵇، والقول الأول هو قول عكرمة ومجاهد والسّدّيّ؛ جعلوا الهاء في قوله ﴿(بِهِ)﴾ راجعة إلى عيسى، وفي قوله ﴿(مَوْتِهِ)﴾ راجعة إلى الكتابيّ الذي يؤمن به إذا عاين الموت، وهي رواية عن ابن عبّاس؛ قالوا: (لا يموت يهوديّ ولا صاحب كتاب حتّى يؤمن بعيسى؛ وإن احترق أو غرق أو تردّى أو سقط عليه جدار أو أكله سبع أو أيّ ميتة كانت) (١) حتّى قيل لابن عبّاس: (أرأيت إن خرّ من فوق بيت؟ قال: تكلّم به في الهوي؛ قيل له: رأيت لو ضربت عنق أحدهم؟ قال: تلجلج به لسانه) (٢).يدلّ على صحّة هذا التأويل قراءة أبيّ «(قبل موتهم).»
قال شهر بن الحوشب: (قال لي الحجّاج يوما: إنّ آية من كتاب الله ما قرأتها إلاّ تلجلج لي في نفسي منها شيء، قلت: وما هي؟ قال: ﴿(وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ)﴾ وإنّي لأوتى بالأسير من اليهود والنّصارى فأضرب عنقه؛ فما أسمعه يقول شيئا.
قلت: إنّ اليهوديّ إذا حضره الموت؛ ضربت الملائكة وجهه ودبره؛ وتقول له: يا عدوّ الله؛ أتاك عيسى عبدا نبيّا فكذبت به، فيقول: إنّي آمنت به إنّه عبد نبيّ، فيؤمن به حين لا ينفعه إيمانه، وتقول الملائكة للنّصرانيّ: يا عدوّ الله؛ أتى عيسى
стр. 825
عبدا نبيّا فكذبت به وقلت: إنّه الله وابن الله، فيقول: إنّه عبد الله ورسوله حين لا ينفعه إيمانه.
قال الحجّاج: ومن حدّثك بهذا الحديث؟ قلت: حدّثني به محمّد بن الحنفيّة، قال:-وكان متّكئا فجلس-،ثمّ نكث في الأرض بقضيبة ساعة، ثمّ رفع رأسه إليّ وقال: أخذتها من عين صافية، أخذتها من معدنها.
قال الكلبيّ: فقلت لشهر بن حوشب: وما الّذي أردت بقولك للحجّاج:
حدّثني بذلك ابن الحنفيّة وهو يكرهه، ويكره من جاء من قبله؟ قال: أردت أن أغيظه) (١).
وحجّة من قال: إنّ الهاء في قوله ﴿(مَوْتِهِ)﴾ راجعة إلى عيسى: ما روي في الخبر عن النبيّ ﷺ أنّه قال: [أنا أولى النّاس بعيسى؛ لأنّه لم يكن بيني وبينه نبيّ، ويوشك أن ينزل فيكم حكما عدلا، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنّه رجل مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، كأنّ رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيقتل الخنزير؛ ويريق الخمر؛ ويكسر الصّليب؛ ويذهب السّحرة؛ ويقاتل النّاس على الإسلام؛ وتكون السّجدة واحدة لله رب العالمين، ويهلك الله في زمانه مسيح الضّلالة الكذاب الدّجّال؛ حتّى لا يبقى أحد من أهل الكتاب وقت نزوله إلاّ يؤمن به، وتقع الأمنة في زمانه حتّى ترتع الإبل مع الأسود؛ والبقر مع النّمور؛ والغنم مع الذّئاب، ويلعب الصّبيان بالحيّات، لا يؤذي بعضهم بعضا، ثمّ يلبث في الأرض أربعين سنة ثمّ يموت، ويصلّي عليه المسلمون ويدفنوه] (٢).وقال ﷺ : [إنّ المسيح جاء، فمن لقيه فليقرئه منّي السّلام] (٣).
стр. 826
وروي: أنه خليفة رسول الله ﷺ في أمّته ينزل على ثمانية جبال بيت المقدس وفي يده عصى من حديد، فيمكث في الأرض أربعين سنة إماما مهديا، وقيل: إنّ المراد بقوله ﴿(لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ)﴾ محمّد ﷺ يؤمن به أهل الكتاب في وقت المشاهدة ولكن لا ينفعهم، والقول الأوّل أصحّ؛ لأن الآية في قصّة عيسى ﵇.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ (١٥٩)؛أي يشهد عيسى ﵇ على نفسه يوم القيامة بالعبوديّة، وعلى النصارى بأنّهم عبدوه بغير حقّ، وعلى اليهود بأنّهم كذبوه.
قوله : ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ؛﴾ أي فبكفر اليهود وجرمهم حرّمنا عليهم أشياء كانت طيّبة لهم في التوراة؛ منها: لحوم الإبل وألبانها والشّحوم، وكانوا إذا أصابوا ذنبا عظيما حرّم الله عليهم طعاما طيّبا، ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً﴾ (١٦٠)؛معناه: بسبب منعهم الناس عن دين الله وهو الإسلام، و؛ بسبب؛ ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ؛﴾ وقد نهوا عن ذلك في التّوراة، و؛ بسبب؛ ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ؛﴾ أكل أموال الناس بالظّلم، وأخذ الرّشا في الحكم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٦١)؛أي خلقنا وهيّأنا للكافرين منهم عذابا وجيعا يخلص وجعه إلى قلوبهم، وإنّما خصّ الكافرين لبيان أن من يؤمن منهم غير داخل في هذا الوعيد.
ثمّ استثنى الله تعالى منهم من آمن، فقال تعالى: ﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ؛﴾ أي لكن التائبون من أهل الكتاب وهم عبد الله بن سلام وأصحابه، وسمّاهم ﴿(الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)﴾ لثباتهم في العلم وتبحّرهم فيه؛ لا يضطربون ولا تميل بهم الشّبه، بمنزلة الشجرة الرّاسخة بعروقها في الأرض.
قوله تعالى: ﴿(وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ)﴾ أي والمؤمنون من غير أهل الكتاب من أصحاب رسول الله ﷺ يصدّقون بما أنزل إليك من الفرقان، وما فيه من تحريم هذه
стр. 827
الأشياء عليهم، ويصدّقون بما أنزل من قبلك على الأنبياء من الكتب، ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ؛﴾ يجوز أن يكون معناه: يؤمنون بالنبيّين المقيمين الصلاة، فيكون قوله ﴿(وَالْمُقِيمِينَ)﴾ نسقا على قوله ﴿(بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ)﴾.
ويجوز أن يكون نصبا على المدح على معنى: أعني المقيمين الصّلاة؛ وهم:
﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ؛﴾ كما يقال: جاءني قومك المطعمون في المحلّ؛ والمعينون في الشّدائد (١).وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ (١٦٢)؛أي المصدّقون بالله وبالبعث بعد الموت أولئك سنعطيهم ثوابا وافرا في الجنّة.
قوله جلّ وعزّ: ﴿*إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ؛﴾ أي أنزلنا جبريل عليك بهذا القرآن كما أوحينا إلى نوح؛ فأمر بالاستقامة على التّوحيد ودعوة الخلق إليه، وكما أوحينا إلى النبيّين من بعد نوح أوحينا إليك.
قيل: إنّ نوحا ﵇ عمّر ألف سنة لم تنقص له سنّ ولا قوّة، ولم يشب له شعر، ولم يبلغ أحد من الأنبياء في الدّعوة ما بلغ، ولم يصبر على أذى قومه ما صبر، وكان يدعو قومه ليلا ونهارا، وسرّا وإعلانا، وكان الرجل من قومه يضربه فيغمى عليه، فإذا أفاق دعا وبلّغ، وقيل: هو أوّل من تنشقّ عنه الأرض يوم القيامة بعد محمّد ﷺ .
قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ؛﴾ وهم بنو يعقوب ﵇ وهم اثنا عشر رجلا، و؛ إلى؛ ﴿وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا؛﴾ أي أعطينا؛ ﴿داوُدَ زَبُوراً﴾ (١٦٣)؛ والزّبور: هو الكتاب، مأخوذ من الزّبر؛ وهو الكتابة، ومن قرأ «زبورا» بضمّ الزّاي وهو الأعمش وحمزة وابن وثّاب؛ فمعناه: الكتب على الجمع.
فإن قيل: كيف قدّم الله ذكر عيسى على ذكر أيّوب ويونس وهارون وسليمان وداود، وهو من بعدهم؟ قيل: لأنّ الواو للجمع دون الترتيب، فتقديم ذكره في الآية
стр. 828
لا يوجب تقديمه في الخلق والإرسال، والفائدة في تقديمه في الذكر: الردّ على اليهود، ولغلوّهم في الطّعن فيه وفي نسبه، فقدّمه الله في الذكر؛ لأن ذلك أبلغ في كتب اليهود وفي تنزيهه ممّا رمي به ونسب إليه.
قوله جلّ وعزّ: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ؛﴾ عطف على ﴿(إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ)،﴾ كأنه قال: إنا أرسلناك موحين إليك، وأرسلنا رسلا قد قصصنا عليك، ويجوز أن يكون منصوبا بالفعل الذي بعده، كأنه قال: وقد قصصنا رسلا عليك، ومعناه: قصصناهم؛ أي سمّيناهم لك في القرآن، وعرّفناك قصّتهم، ﴿وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ،﴾ أي وأرسلنا رسلا لم نسمّهم لك وأمرناهم بالاستقامة على التّوحيد ودعوة الخلق إلى الله.
وعن أبي ذرّ قال: قلت: يا رسول الله؛ كم كانت الأنبياء؟ وكم كان المرسلون؟ قال: [كانت الأنبياء صلوات الله عليهم مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا، وكان المرسلون ثلاثمائة وثلاثة عشر] (١).
وعن كعب الأحبار أنه قال: (الأنبياء صلوات الله عليهم ألفا ألف ومائتا ألف وخمسة وعشرون ألفا، والمرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر. وكان داود ﵇ قد أنزل عليه الزبور، وكان ينزل إلى البرّية ويقرأ الزبور؛ فيقوم معه علماء بني إسرائيل خلفه؛ ويقوم الناس خلف العلماء، وتقوم الجنّ خلف الناس، وتجيء الدوابّ التي في الجبال إذا سمعت صوت داود فيقمن بين يديه تعجّبا لما يسمعن من صوته، وتجيء الطير حتى يظلّلن على داود في خلائق لا يحصيهنّ إلاّ الله يرفرفن على رأسه، وتجيء السّباع حتى تحيط بالدواب والوحش لما يسمعن، ولما قارن الذنب لم ير ذلك، فقيل له: ذلك أنس الطاعة، وهذه وحشة المعصية.
وعن أبي موسى الأشعريّ قال: قال لي رسول الله ﷺ : [لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك، لقد أعطيت مزمارا من مزامير آل داود] فقال: فقلت: أما والله
стр. 829
يا رسول الله؛ لو علمت أنّك تستمع لحبّرته تحبيرا (١).وكان عمر ﵁ اذا رأى أبا موسى ﵇ قال: (ذكّرنا يا أبا موسى) فيقرأه عنده) (٢).وعن أبي عثمان النّهديّ؛ قال: (ما سمعت قطّ بربطا ولا مزمارا ولا عودا أحسن من صوت أبي موسى، وكان يؤمّنا في صلاة الغداة فنودّ أنّه يقرأ سورة البقرة من حسن صوته) (٣).
وفي تفسير الكلبيّ: (أنّ الله تعالى لمّا أنزل الآية الّتى قبل هذه الآية؛ وقرأها رسول الله ﷺ على النّاس؛ قال اليهود فيما بينهم: ما نرى محمّدا يقرأ بما أنزل الله على موسى؛ ولقد أوحي إليه كما أوحي إلى النّبيّين من قبله. فأنزل الله هذه الآية فقراها رسول الله ﷺ ؛ فقالوا: إنّ محمّدا قد ذكره فيمن ذكره وفضّله بالكلام عليهم).
قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى،﴾ وفائدة تخصيص موسى ﵇ بالكلام مع أنّ الله تعالى كلّم غيره من الأنبياء؛ لأنه تعالى كلّمه من غير واسطة؛ وكلّم غيره من الأنبياء بالوحي إليهم على لسان بعض الملائكة. قوله تعالى:
﴿تَكْلِيماً﴾ (١٦٤)؛يدلّ على التأكيد كيلا يحمل كلام الله إياه على معنى الوحي إليه.
стр. 830
قوله : ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ؛﴾ معناه: فأرسلنا هؤلاء رسلا مبشّرين بالجنّة لمن أطاع ومخوّفين بالنار لمن عصى؛ ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ؛﴾ لئلاّ يكون للنّاس على الله حجّة يوم القيامة بعد إرسال الرّسل إليهم؛ فيقولوا: ربّنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتّبع آياتك، ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (١٦٥)؛ظاهر المراد.
قوله تعالى: ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ؛﴾ قال ابن عبّاس:
(وذلك أنّ رؤساء مكّة أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: سألنا اليهود عن نعتك وصفتك؛ فزعموا أنّهم لا يعرفونك في كتبهم، فأتنا بمن يشهد لك أنّ الله بعثك إلينا رسولا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأنزل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ (١)) (٢).
قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ؛﴾ أي على علم منه بأنّك أهل لإنزاله عليك، وعلم من يقبل ومن لا يقبل كما قال الله تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ (٣).وقيل: معناه: ﴿(أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ)﴾ أي علم ما فيه من الأحكام وما تحتاج إليه العباد من أمر دينهم ودنياهم ثمّ أنزله. وقيل: معناه: أنزله اليك من عنده لم يبدّل ولم يغيّر، بل وصل إليك كما كان في اللّوح المحفوظ.
قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ؛﴾ أي يشهدون على شهادة الله، وعلى شهادتك بأنّ الذي شهدت به حقّ، وقوله تعالى: ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ (١٦٦)؛ أي اكتفوا بالله شهيدا في شهادته أن تشهد اليهود بما في كتابهم.
стр. 831
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً﴾ (١٦٧)؛معناه: إنّ الذين جحدوا وحدانيّة الله ومحمّدا ﷺ والقرآن، وصرفوا الناس عن دين الله وطاعته فقد أخطئوا خطأ بعيدا عن الهدى والثواب. بيّن الله تعالى في هذه الآية ضلالتهم في الدّنيا.
ثم بيّن عقوبتهم في الآخرة فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ؛﴾ أي إنّ الذين كفروا بما يجب الإيمان به وظلموا أنفسهم بكفرهم لم يكن الله ليغفر لهم ما داموا على كفرهم، ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً﴾ (١٦٨)؛إلى الإسلام،
﴿إِلاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ؛﴾ لكن تركهم على طريق جهنّم وهو الكفر.
وقيل: معناه: لا يرشدهم في الآخرة إلى طريق غير طريق جهنم، كما في قوله تعالى:
﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ (١)، ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً؛﴾ التّخليد والتعذيب، ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ (١٦٩)؛سهلا هيّنا.
قوله : ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ؛﴾ خطاب لعامّة الخلق، ﴿(قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ)﴾ يعني محمّدا ﷺ بكلمة التّوحيد والقرآن من عند ربكم، ﴿فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ،﴾ فصدّقوا بالله ورسوله، وبما جاء به من عنده يكن خيرا لكم من التّكذيب.
قال الخليل والبصريّون: (انتصب قوله تعالى ﴿(خَيْراً)﴾ لأنّك إذا أمرت بفعل دخل في معناه؛ تقديره: ائتوا خيرا لكم، وإذا نهيت عن فعل دخل في معناه؛ تقديره:
ائت بدله خيرا لكم).وقال الفرّاء: (انتصب لأنّه متّصل بالأمر وهو من صفته) (٢) تقديره: هو خير لكم، فلمّا سقط هو اتّصل بما قبله، وعلى هذا: انتهوا خيرا لكم.
وقال الكسائيّ: (انتصب لخروجه من الكلام) وقال: (هذا إنّما تقوله العرب في الكلام التّامّ، نحو قولك: لتقومنّ خيرا لك، وانته خيرا لك، وإذا كان الكلام ناقصا رفعوا، فقال: أن انتهوا خير لكم).
стр. 832
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي إن تكفروا يعاقبكم الله، فإنّ لله ما في السّماوات والأرض. وقيل: إن تكفروا فإنّ الله غنيّ عنكم، لكونه مالك السّماوات والأرض، ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١٧٠)؛أي لم يزل عليما بخلقه، بمن يؤمن وبمن لا يؤمن، حكيما في أمره، حكم بالإسلام على عباده.
قوله تعالى: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ؛﴾ نزلت في نصارى نجران وهم: النّسطوريّة: الذين يقولون عيسى ابن الله، والماريعقوبيّة: الذين يقولون عيسى هو الله، والمرقوسيّة: الذين يقولون ثالث ثلاثة؛ ويقال هم الملكانيّة. ومعنى الآية: يا أهل الكتاب لا تجاوزوا الحدّ في الدين فتغيّروا فيه. والغلوّ في الدين: مجاوزة الحدّ فيه، وقد غلت النصارى في أمر عيسى حتى جاوزوا به منزلة الأنبياء فجعلوه إلها.
ويقال: إنّ الآية خطاب لليهود والنصارى؛ لأنّ اليهود أيضا غلوا في أمر عيسى حتى جاوزوا به منزلة من ولد على غير الطّهارة فجعلوه لغير رشده. قوله تعالى:
﴿(وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ)﴾ أي لا تصفوا الله إلاّ بالحقّ، والحقّ أن يقال: إله واحد لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد، وينزّهه عن القبائح والنّقائص وعن جميع صفات المحدثين.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ؛﴾ أي ليس المسيح إلاّ رسول الله؛ لأن ﴿(إِنَّمَا)﴾ تقتضي تحقيق المذكور وتمحيق ما سواه، كقوله تعالى: ﴿(إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ)،﴾ وفي قوله: ﴿(عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)﴾ بيان أنه لا يجوز أن يكون إلها؛ أي كيف يكون إلها وهو ابن مريم أمة الله؟ وكيف يكون إلها وأمه قبله. قوله تعالى:
﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ؛﴾ أي إنه كان بكلمته وهو قوله: (كن) فكان.
قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ؛﴾ قال ابن عبّاس: (معناه: أمر من الله ؛ أتاها جبريل بأمر الله فنفخ في جيب درعها؛ فدخلت تلك النّفخة بطنها؛ فخلق الله عيسى بنفخة جبريل ﵇.والنّفخ في اللغة: يسمّى روحا. وقيل: سمّاه الله تعالى روحا؛ لأنه كان يحيي به الناس في الدين كما يحيون بالأرواح. وقيل: لأنه روح من
стр. 833
الأرواح أضافه الله إليه تشريفا له، كما يقال: بيت الله. وقال السّدّيّ: (معناه ﴿(وَرُوحٌ مِنْهُ)﴾ أي مخلوق منه؛ أي من عنده).
وقيل: معناه: ورحمة منه؛ أي جعله الله رحمة لمن آمن به، يدلّ عليه قوله تعالى:
﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (١) أي قوّاهم برحمة منه. وقيل: الرّوح: الوحي؛ أوحى إلى مريم بالبشارة، وأوحى إلى جبريل بالنّفخ، وأوحى إليه أن كن؛ فكان، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ (٢) أي بالوحي، ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا﴾ (٣) أي وحيا.
وروي: أنّه كان لهارون الرّشيد طبيب نصرانيّ، وكان غلاما حسن الوجه جدّا، وكان كامل الأدب جامعا للخصال الّتي يتوسّل بها إلى الملك، وكان الرّشيد مولعا بأن يسلم وهو يمتنع، وكان الرّشيد يمنّيه الأمانيّ إن أسلم، فقال له ذات يوم: ما لك لا تؤمن؟ قال: إنّ في كتابكم حجّة على من انتحله، قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿(وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ)﴾ فعبّر بهذا أنّ عيسى جزء منه.
فضاق قلب الرّشيد، وجمع العلماء فلم يكن فيهم من يزيل شبهته حتّى قيل له: قد وفد حجّاج خراسان وفيهم رجل يقال له عليّ بن الحسين بن واقد من أهل مرو؛ وهو إمام في علم القرآن؛ فدعاه؛ فجمع بينه وبين الغلام، فسأله الغلام عن ذلك، فاستعجم عليه الجواب في الوقت، وقال: قد علم الله؛ يا أمير المؤمنين؛ في سابق علمه أنّ الخبيث يسألني في مجلسك عن هذا؛ وأنّه لم يخل كتابه من جوابه، وأنّه ليس يحضرني الآن، ولله عليّ أن لا أطعم ولا أشرب حتّى أؤدّي الّذي يجب من الحقّ إن شاء الله.
ودخل بيته مظلما؛ وأغلق عليه بابه؛ واندفع في قراءة القرآن؛ حتّى بلغ سورة الجاثية إلى قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ (٤) فصاح بأعلى صوته: افتحوا الباب؛ فقد وجدت الجواب، ففتحوا ودعا الغلام؛ فقرأ
стр. 834
عليه الآية بين يدي الرّشيد وقال: إن كان قوله ﴿رُوحٌ مِنْهُ﴾ يوجب أن يكون عيسى بعضا منه؛ وجب أن يكون ما في السّماوات وما في الأرض بعضا منه.
فانقطع النّصرانيّ وأسلم؛ وفرح الرّشيد فرحا شديدا، ووصل عليّ بن الحسين بصلة جيّدة. فلمّا عاد عليّ بن الحسين إلى مرو؛ صنّف كتابا سمّاه (كتاب النّظائر في القرآن) وهو كتاب لا يوازيه كتاب.
قوله : ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ؛﴾ أي صدّقوا بوحدانيّة الله بما جاءكم به الرّسل من الله؛ ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ؛﴾ أي تقولوا آلهتنا ثلاثة: أب؛ وابن؛ وروح قدس، ﴿اِنْتَهُوا؛﴾ عن الكفر، عن هذه المقالة، وتوبوا إلى الله هو؛ ﴿خَيْراً لَكُمْ؛﴾ من الإصرار على الكفر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ؛﴾ أي ما الله إلاّ إله واحد؛ ﴿سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ؛﴾ كلمة تنزيه عن السّوء؛ أي تنزيها له أن يكون له ولد؛ ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ كلّهم عبيده وإماؤه وفي قبضته؛ ويستحيل أن يكون المملوك ابنا للمالك؛ أي لا يجتمع الملك مع الولادة، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ (١).قوله تعالى: ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (١٧١)؛أي اكتفوا بربوبيّته وبكفالته، فلا ولد له ولا شريك؛ سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا.
قوله : ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ؛﴾ نزل في وفد نجران؛ ناظروا النّبيّ ﷺ في أمر عيسى، فقال لهم: [هو عبد الله ورسوله].فقالوا: لا تقل هكذا؛ فإنّ عيسى يأنف من هذا القول؛ فنزل تكذيبا لقولهم: ﴿(لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ)﴾ (٢) أي لن يأنف، ولن يتعظّم عن الإقرار والعبوديّة لله ، ﴿(وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)﴾ أي ولن يستنكف الملائكة المقرّبون عن العبوديّة وهم حملة العرش. وإنّما خصّ الملائكة بعد عيسى؛ لأن
стр. 835
النّصارى كانوا يقولون: عيسى ابن الله، وبنو مدلج كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، فردّ الله على الفريقين جميعا.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾ (١٧٢)؛أي من يأنف ويمتنع عن توحيده وطاعته ويتعظّم عن الإيمان؛ فسيجمعهم إليه جميعا: المستنكف والمستكبر؛ والمقرّ والمطيع.
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ؛﴾ أي فالذين آمنوا بمحمّد والقرآن وعملوا الصّالحات فيوفر عليهم جزاء أعمالهم في الجنّة، ويزيدهم من عطائه ما لا عين رأت؛ ولا أذن سمعت؛ ولا خطر على قلب بشر.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا؛﴾ أي وأما الذين أبوا وامتنعوا عن الإيمان بمحمّد ﷺ والقرآن؛ ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً؛﴾ وجيعا، ﴿وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (١٧٣)؛ولا يجدون لهم سوى الله قريبا ينفعهم، ولا مانعا يمنعهم من النار.
قوله : ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾ (١٧٤)؛خطاب للناس كلّهم، والبرهان هو النّبيّ ﷺ ، سمّاه برهانا لظهور المعجزة، والنور المبين القرآن؛ سمّاه نورا مبينا؛ لأن النور هو الذي يبيّن الأشياء حتى ترى، والقرآن مبيّن الأشياء كلّها.
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ؛﴾ أي فأمّا الذين صدّقوا بوحدانيّة الله وتمسّكوا بدينه وكتابه، وسألوا العصمة من معاصيه؛ فسيدخلهم في الآخرة جنّته وكراماته التي أعدّها لهم فيها، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ (١٧٥)؛أي ويعرّفهم في الدّنيا سبيل الهدى وهو الإسلام، ويثبتهم عليه، وتقدير الآية: ويهديهم في الدّنيا ويرحمهم في الآخرة.
قوله : ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ؛﴾ نزلت في جابر بن عبد الله حين جاء إلى النّبيّ ﷺ فقال: إنّ لي
стр. 836
أختا؛ فما لي فيها بعد موتها، فأنزل الله هذه الآية (١)،وقد تقدّم تفسير الكلالة، وابتدأ بالرجل، فيقال: إنه مات قبل أخته. قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ؛﴾ يعني من أمّ وأب أو من أب.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ؛﴾ وحكم الثّلاث والأربع فصاعدا حكم الاثنين كالبنات، وإن كانوا إخوة؛ ﴿وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً؛﴾ أي وإن كان الورثة إخوة من أمّ وأب، أو من أب ذكورا وإناثا؛ ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا؛﴾ أي يبيّن الله لكم قسمة المواريث؛ لئلاّ تخطئوا في قسمتها، وقد حذف (لا) في الكلام ويراد إثباتها كما في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (٢)،ويقال في القسم: والله أبرح قاعدا؛ أي لا أبرح، وتذكر (لا) ويراد طرحها كما في قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ (٣) و ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ﴾ (٤).
وذهب البصريّون إلى أنّ معناه: كراهة أن تضلّوا، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كما في قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٥).وقال الفرّاء: (موضعه نصب بنزع الخافض).قوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١٧٦)؛ظاهر المعنى.
وعن رسول الله ﷺ أنّه قال: [من قرأ سورة النّساء: أعطي من الأجر كمن اشترى ذا رحم واعتقه، وبرّئ من الشّرك، وكان في مشيئة الله من الّذين يتجاوز عنهم] (٦).
آخر تفسير سورة (النساء) والحمد لله رب العالمين
стр. 837
سورة المائدة
سورة المائدة مدنيّة إلاّ قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فإنّ هاتين الآيتين نزلتا بمكّة بعد الفتح، وحكمهما حكم المدنيّة لنزولهما بعد الهجرة. وعدد حروفها أحد عشر ألفا وتسعمائة وثلاثة وثلاثون حرفا، وعدد كلماتها ألفان وثمانمائة وأربع كلمات، وعدد آياتها مائة وعشرون آية عند الكوفيّين، واثنان وعشرون عند الحجازيّين، وثلاث وعشرون عند البصريّين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ؛﴾ أي أوفوا بالعقود التي كتبها الله عليكم مما أحلّه لكم وحرّمه عليكم، وقيل: معناه: أتمّوا العهود التي بينكم وبين المشركين ولا تنقضوها حتى يكون النّقض من قبلهم، هكذا روي عن ابن عبّاس والضّحاك وقتادة. وقال الحسن: (معناه أوفوا بعقود الدّين؛ يعني أوامر الله ونواهيه) (١).وقيل: معناه: أوفوا بكلّ عقد تعقدونه على أنفسكم من نذر أو يمين.
وقيل: أوفوا بالعقود التي يعقدها بعضكم لبعض، نحو عقد البيع والإجارة والنّكاح والشّركة، ولا تنافي بين هذه الأقوال؛ إذ كلّ هذه العقود يجب الوفاء بها.
قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ؛﴾ أي رخّصت لكم الأنعام نفسها، وأضاف البهيمة إلى الأنعام، كما يقال: مسجد الجامع؛ ونفس الإنسان. والأنعام:
هي الإبل والبقر والغنم، ودخل في هذه الآية إباحة الظّباء وبقر الوحش وحمار الوحش؛
стр. 838
لأنّها أبهم في التّميّز من الأهليّة، ولهذا استثنى الله الصيد في حالة الإحرام في قوله تعالى: ﴿(غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)﴾. والبهيمة في اللغة يتناول كلّ حيّ لا يميّز، استبهم عليه الجواب؛ أي استغلق.
قوله تعالى: ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ؛﴾ أي إلاّ ما يقرأ عليكم في القرآن ممّا حرّم عليكم في هذه السورة من الميتة والدّم ولحم الخنزير والموقوذة والمتردّية والنّطيحة الآية.
قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ؛﴾ نصب على الحال من الكاف والميم التي في قوله: ﴿(أُحِلَّتْ لَكُمْ)﴾ كما يقال: جاء زيد راكبا؛ وجاء غير راكب. والمعنى: أحلّت لكم بهيمة الأنعام غير محلّي الصّيد؛ أي من أن تستحلّوا قتل الصّيد وأنتم محرمون.
وقيل: نصب على الحال من قوله ﴿(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)﴾ أي أوفوا بالمعقود غير محلّي الصّيد، هذا قول الأخفش، والأوّل قول الكسائيّ.
ومعنى الآية: أحلّت لكم الأنعام إلاّ ما كان وحشيا، فإنّه صيد لا يحلّ لكم إذا كنتم محرمين، فذلك قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ (١)؛أي يقضي على عباده بما شاء من التحليل والتحريم على ما توجبه الحكمة.
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ؛﴾ أراد به المناسك؛ أي لا تستحلّوا مخالفة شيء منها، ولا تجاوزوا مواقيت الحرم غير مؤدّين حقوقها، وذلك: أنّ الأنصار كانوا لا يسعون بين الصّفا والمروة، وكان أهل مكّة لا يخرجون إلى عرفة فأمر الله تعالى أن لا يتركوا شيئا من المناسك. وقال الحسن:
(شعائر الله دين الله)؛أي لا تحلّوا في دين الله شيئا ممّا لم يحلّه الله. ويقال: هي حدود الله في فرائض الشرع.
والشّعائر في اللغة: المعالم، والإشعار: الإعلام، والشّعيرة واحدة الشّعائر؛ وهي كلّ ما جعل علما لطاعة الله تعالى.
стр. 839
قوله تعالى: ﴿وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ؛﴾ أي ولا تستحلّوا القتل والغارة في الشّهر الحرام، وأراد بذلك الأشهر الحرم كلّها؛ وهي: رجب؛ وذو القعدة؛ وذو الحجّة؛ والمحرّم، إلاّ أنه ذكر باسم الجنس كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (١) أراد به جنس الإنسان، ولذلك استثنى المطيع بقوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
وكان في ابتداء الإسلام لا تجوز المحاربة في الأشهر الحرم كما قال تعالى: ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ (٢)،ثم نسخ حرمة القتال في الشهر الحرام بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٣).
قوله تعالى: ﴿وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ؛﴾ أي لا تحلّوا الهدي؛ أي لا تذبحوه قبل محلّه؛ ولا تنتفعوا به بعد أن جعلتموه لله، ولا تمنعوه أن يبلغ البيت.
قوله تعالى: ﴿(وَلا الْقَلائِدَ)﴾ أي ولا تحلّوا القلائد التي تكون في أعناق الهدايا؛ أي لا تقطعوها قبل الذبح وتصدّقوا بها بعد الذبح كما قال ﷺ لعليّ ﵁: [تصدّقوا بجلالها وخطامها، ولا تعطي الجزّار منها شيئا] (٤).
قوله تعالى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ؛﴾ معناه: ولا تستحلّوا القتل والغارة على القاصدين المتوجّهين نحو البيت الحرام، وعن ابن عبّاس ﵁: (أنّ الآية وردت في شريح بن ضبيعة بن هند اليماميّ (٥)،دخل على النّبيّ ﷺ بالمدينة وقال:
أنت محمّد النّبيّ؟ قال: [نعم] قال: إلام تدعو؟ قال: [أدعو إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله؛ وأنّي رسول الله].فقال: إنّ لي أمراء أرجع إليهم وأشاورهم، فإن قبلوا
стр. 840
قبلت. ثمّ انصرف من عند النّبيّ ﷺ ، فلمّا خرج قال النّبيّ ﷺ : [لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر].فمرّ بسرح لأهل المدينة فاستاقها، وانطلق نحو اليمامة وهو يرتجز يقول:
باتوا نياما وابن هند لم ينم ... بات يقاسيها غلام كالزّلم
خدلّج السّاقين خفّاق القدم ... قد لفّها اللّيل بسوّاق حطم
ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزّار على ظهر وضم
هذا أوان الحرب فاشتدّي زلم (١) ...
وقد كان عند دخوله على النّبيّ ﷺ خلّف خيله خارج المدينة ودخل وحده.
فلمّا كان في العام القابل؛ خرج شريح نحو مكّة في تجارة عظيمة في حجّاج بكر بن وائل من أهل اليمامة وهم مشركون، وكانت العرب في الجاهليّة يغير بعضهم على بعض، فإذا كان أشهر الحجّ أمن النّاس بعضهم بعضا، وإذا سافر أحدهم في غير الأشهر الحرم نحو مكّة قلّد هديه من الشّعر والوبر، ومن لم يكن له هدي قلّد راحلته، ومن لم يكن معه راحلة جعل في عنقه قلادة، وكانوا يأمنون بذلك، فإذا رجعوا من مكّة جعلوا شيئا من لحاء شجر الحرم في عنق الرّاحلة فيأمنوا، فلمّا سمع أصحاب رسول الله ﷺ بخروج شريح وأصحابه استأذنوا النّبيّ ﷺ ، فأنزل الله هذه الآية) (٢).
قوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً؛﴾ في موضع نصب على الحال، معناه: قاصدين طالبين رزقا بالتّجارة، ﴿(وَرِضْواناً)﴾ أي رضى من الله تعالى على عملهم، ولا يرضى عنهم حتّى يسلموا. وقال الحسن وقتادة: (معنى رضوانا؛ أي يرضى الله عنهم؛ فيصلح معاشهم ويصرف عنهم العقوبات في الدّنيا إذا كانوا لا يقرّون بالبعث، ثمّ نسخ قوله تعالى بعد ذلك تعرّض المشركين بقوله تعالى:
стр. 841
﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) كافّة، وبقوله تعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا﴾ (٢)).وقرأ الأعمش «(ولا آمّين)» أي البيت الحرام بالإضافة.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا؛﴾ أي لا يحملنّكم ويكسبنّكم بغض قوم وعداوتهم بأن صرفوكم عام الحديبية عن المسجد الحرام على أن تظلموهم، وتتجاوزوا الحدّ للمكافأة. وموضع: ﴿(أَنْ تَعْتَدُوا)﴾ نصب لأنه مفعول، و ﴿(أَنْ صَدُّوكُمْ)﴾ مفعول له، كأنه قال: لا يكسبنّكم بغض قوم الاعتداء عليهم بصدّهم إيّاكم.
قرأ أهل المدينة إلاّ قالون ابن عامر والأعمش: ﴿(شَنَآنُ)﴾ بجزم النّون الأولى. وقرأ الآخرون بالفتح وهما لغتان؛ إلاّ أنّ الفتح أجود لأنه أفهم اللّغتين، ولأنّ المصادر أكثر ما تجيء على (فعلان) مثل النّفيان (٣) والرّتقان (٤) والعسلان (٥) ونحو ذلك (٦).
قال ابن عبّاس: (معنى: ﴿(وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ)﴾ أي ولا يحملنّكم) (٧).وقال الفرّاء:
(ولا يكسبنّكم)،قال: (يقال: فلان جريمة أهله؛ أي كاسبهم).قوله تعالى: ﴿(أَنْ صَدُّوكُمْ)﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الألف على الاستئناف والجزاء، وقرأ الباقون بالفتح؛ أي لئن صدّوكم، والفتح أجود؛ لأن الصدّ كان واقعا من الكفّار يوم الحديبية قبل نزول هذه السورة.
стр. 842
قوله تعالى: ﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى؛﴾ أي تحاثّوا على الطّاعة وترك المعصية، قال أبو العالية: (البرّ: ما أمرت به، والتّقوى: ترك ما نهيت عنه) (١).وظاهر الأمر يقتضي وجوب المعاونة على الطّاعة، وظاهر الأمر على الوجوب.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ؛﴾ أي لا يعن بعضكم بعضا على شيء من المعاصي والظّلم، وقال بعضهم: سألت رسول الله ﷺ عن الإثم والبرّ؛ فقال: [البرّ: حسن الخلق، والإثم: ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطّلع عليه النّاس] (٢).قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٢)؛أي اخشوه وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه، ﴿(إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)﴾ إذا عاقب، فعقابه شديد.
قوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ؛﴾ الميتة: اسم لكلّ ذي روح فارقه روحه حتف أنفه، والمراد بالدّم: الدّم المسفوح، وحرّم عليكم لحم الخنزير لعينه لا لكونه ميتة حتى لا يحلّ تناوله مع وجود الذكاة فيه.
وفائدة تخصيص لحم الخنزير بالذّكر دون لحم الكلب وسائر السّباع: أنّ كثيرا من الكفّار ألفوا لحم الخنزير، واعتادوا أكله وأولعوا به ما لم يعتادوا به أكل غيره.
وقيل: فائدته: أنّ مطلق لفظ التحريم يدلّ على نجاسة عينه مع حرمة أكله، ولحم الخنزير مختص بهذا الحكم؛ وذلك: أنّ سائر الحيوانات المحرّم أكلها إذا ذبحت كان لحمها طاهرا لا يفسد الماء إذا وقع فيه، وإن لم يحلّ أكله بخلاف لحم الخنزير.
قوله تعالى: ﴿(وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ)﴾ أي وحرّم عليكم ما ذكر عليه عند الذبح اسم غير الله، وذلك أنّهم كانوا يذبحون لأصنامهم يتقرّبون بذبحها إليهم، فحرّم الله كلّ ذبيحة يتقرّب بذبحها إلى غير الله تعالى، ولذلك قال الفقهاء: إنّ الذابح لو سمّى النبيّ ﷺ مع الله تعالى فقال: بسم الله ومحمّد؛ حرمت الذبيحة (٣).
стр. 843
قوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ؛﴾ أي حرّم عليكم أكل لحم المنخنقة؛ وهي التي تنخنق بحبل أو شبكة فتموت من غير ذكاة، وأمّا الموقوذة؛ فهي المضروبة بالخشب حتّى تموت، قوله تعالى: ﴿(وَالْمُتَرَدِّيَةُ)﴾ هي التي تتردّى من جبل أو سطح أو في بئر فتموت قبل الذكاة. والتّردّي: هو السّقوط، مأخوذ من الرّداء وهو الهلاك، قال ﷺ لعديّ بن حاتم: [إذا تردّت رميتك من جبل فوقعت في ماء فلا تأكل؛ فإنّك لا تدري أسهمك قتلها أم الماء] (١).
فصار هذا الكلام أصلا في كلّ موضع اجتمع فيه معنيان: أحدها حاظر، والآخر مبيح فأنّه تغلب جهة الحظر، ولهذا قال ﷺ : [الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشبّهة، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك، ألا وإنّ لكلّ ملك حمى، وإنّ حمى الله محارمه، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه] (٢) وعن عمر ﵁ أنه قال: (كنّا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الرّبا) (٣).
стр. 844
قوله : ﴿وَالنَّطِيحَةُ؛﴾ هي التي تنطح حتى تموت، وإذا تناطحت الحيوانات فقتل بعضها بعضا في النّطاح فهي حرام بالآية، قال ابن عبّاس: (كان أهل الجاهليّة يخنقون الشّاة حتّى إذا ماتت أكلوها وكذلك الموقوذة) (١)،قال قتادة: (كان أهل الجاهليّة يضربون الشّاة بالبعض حتّى إذا ماتت أكلوها) (٢)،يقال منه: وقده يقده إذا ضربه حتى أشفى على الهلاك. قال الفرزدق:
شغّارة تقذ الفصيل برجلها ... فطّارة لقوادم الأبكار (٣)
قوله تعالى: ﴿(النَّطِيحَةُ)﴾ إنّما دخلت الهاء فيها وإن كان الفعل بمعنى المفعول يسوّى فيه المذكّر والمؤنّث كقولهم: لحية دهين وعين كحيل وكفّ خضيب؛ لأنّ النطيحة لم يتقدّمها اسم، فلو أسقطت الهاء منها لم يدر أهي مذكّر أم مؤنث، فنظير ذلك لو قيل: شاة نطيح لم تذكّر الهاء المذكّر الشاة (٤).
قوله تعالى: ﴿وَما أَكَلَ السَّبُعُ،﴾ وقرأ ابن أبي زائدة: «(وأكيلة السّبع)».
وقرأ الحسن وطلحة: «(السّبع)» بسكون الباء وهي لغة في السّبع، ومعنى قوله تعالى:
﴿(وَما أَكَلَ السَّبُعُ)﴾ هو فريسته.
стр. 845
قوله تعالى: ﴿إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ؛﴾ أي إلاّ ما ذكرتم ذكاته مما أكل منه السّبع فذكّيتم، فإنّ ذلك يحلّ لكم، أو ما أبين من الصّيد قبل الذكاة فهو ميّت، ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿(إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ)﴾ راجعا إلى المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة وما أكل السّبع، فإنّها كلّها في الحكم بمعنى واحد. وعن الحسن أنه كان يقول في هذه الجملة: (إذا طرفت بعينها؛ أو وكصت برجلها؛ أو حرّكت بدنها فذكّها وكل) (١).
وشرط أكثر العلماء في إباحة أكلها بالذكاة: أن تكون حياتها وقت الذكاة أكثر من حياة المذبوح، فإن كانت بهذه الصّفة أثّرت الذكاة في إباحتها وإلاّ فلا.
والتّذكية: تمام فري الأوداج وإنهار الدّم، ومنه الذكاء في الفم إذا كان تامّ العقل، وذكّيت النّار إذا أتممت إشعالها.
قوله تعالى: ﴿وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ؛﴾ أي وحرّم عليكم ما ذبح على النّصب، هي جمع النّصب، والنّصاب: وهي الحجارة، كانوا ينصبونها فيعبدونها من دون الله تعالى ويقرّبون لها الذبائح، والفرق بين النّصب والأصنام: أنّ الصنم اسم لما كان على صورة الإنسان، والنّصب ما لا نقش له ولا صورة ولكنه يعبد. والوثن ما كان منقوشا، والحائط لا شخص له. وقيل: النّصب واحد وجمعه أنصاب، مثل عنق وأعناق.
وقرأ الحسن بن صالح وطلحة بن مصرف: (على النّصب) بجزم الصاد، وقرأ الجحدريّ: بفتح النون والصاد؛ جعله اسما موحدا كالجبل والجمل، والجمع الأنصاب كالأجبال والأجمال، وكلّها لغات وهي الشيء المنصّب، ومنه قوله تعالى:
﴿كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ (٢).
واختلفوا في معنى النّصب هاهنا؛ قال ابن جريج ومجاهد وقتادة: (كان حول البيت ثلاثمائة وستّون حجرا، وكان أهل الجاهليّة يذبحون عليها، ويشرّحون اللّحم عليها، وكانوا يعظّمونها ويعبدونها ويذبحون لها، وكانوا مع هذا يبدلونها إذا رأوا حجارة