← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) كافّة، وبقوله تعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا﴾ (٢)).وقرأ الأعمش «(ولا آمّين)» أي البيت الحرام بالإضافة. قوله تعالى: ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا؛﴾ أي لا يحملنّكم ويكسبنّكم بغض قوم وعداوتهم بأن صرفوكم عام الحديبية عن المسجد الحرام على أن تظلموهم، وتتجاوزوا الحدّ للمكافأة. وموضع: ﴿(أَنْ تَعْتَدُوا)﴾ نصب لأنه مفعول، و ﴿(أَنْ صَدُّوكُمْ)﴾ مفعول له، كأنه قال: لا يكسبنّكم بغض قوم الاعتداء عليهم بصدّهم إيّاكم. قرأ أهل المدينة إلاّ قالون ابن عامر والأعمش: ﴿(شَنَآنُ)﴾ بجزم النّون الأولى. وقرأ الآخرون بالفتح وهما لغتان؛ إلاّ أنّ الفتح أجود لأنه أفهم اللّغتين، ولأنّ المصادر أكثر ما تجيء على (فعلان) مثل النّفيان (٣) والرّتقان (٤) والعسلان (٥) ونحو ذلك (٦). قال ابن عبّاس: (معنى: ﴿(وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ)﴾ أي ولا يحملنّكم) (٧).وقال الفرّاء: (ولا يكسبنّكم)،قال: (يقال: فلان جريمة أهله؛ أي كاسبهم).قوله تعالى: ﴿(أَنْ صَدُّوكُمْ)﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الألف على الاستئناف والجزاء، وقرأ الباقون بالفتح؛ أي لئن صدّوكم، والفتح أجود؛ لأن الصدّ كان واقعا من الكفّار يوم الحديبية قبل نزول هذه السورة.

стр. 842

قوله تعالى: ﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى؛﴾ أي تحاثّوا على الطّاعة وترك المعصية، قال أبو العالية: (البرّ: ما أمرت به، والتّقوى: ترك ما نهيت عنه) (١).وظاهر الأمر يقتضي وجوب المعاونة على الطّاعة، وظاهر الأمر على الوجوب. قوله تعالى: ﴿وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ؛﴾ أي لا يعن بعضكم بعضا على شيء من المعاصي والظّلم، وقال بعضهم: سألت رسول الله ﷺ عن الإثم والبرّ؛ فقال: [البرّ: حسن الخلق، والإثم: ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطّلع عليه النّاس] (٢).قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٢)؛أي اخشوه وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه، ﴿(إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)﴾ إذا عاقب، فعقابه شديد. قوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ؛﴾ الميتة: اسم لكلّ ذي روح فارقه روحه حتف أنفه، والمراد بالدّم: الدّم المسفوح، وحرّم عليكم لحم الخنزير لعينه لا لكونه ميتة حتى لا يحلّ تناوله مع وجود الذكاة فيه. وفائدة تخصيص لحم الخنزير بالذّكر دون لحم الكلب وسائر السّباع: أنّ كثيرا من الكفّار ألفوا لحم الخنزير، واعتادوا أكله وأولعوا به ما لم يعتادوا به أكل غيره. وقيل: فائدته: أنّ مطلق لفظ التحريم يدلّ على نجاسة عينه مع حرمة أكله، ولحم الخنزير مختص بهذا الحكم؛ وذلك: أنّ سائر الحيوانات المحرّم أكلها إذا ذبحت كان لحمها طاهرا لا يفسد الماء إذا وقع فيه، وإن لم يحلّ أكله بخلاف لحم الخنزير. قوله تعالى: ﴿(وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ)﴾ أي وحرّم عليكم ما ذكر عليه عند الذبح اسم غير الله، وذلك أنّهم كانوا يذبحون لأصنامهم يتقرّبون بذبحها إليهم، فحرّم الله كلّ ذبيحة يتقرّب بذبحها إلى غير الله تعالى، ولذلك قال الفقهاء: إنّ الذابح لو سمّى النبيّ ﷺ مع الله تعالى فقال: بسم الله ومحمّد؛ حرمت الذبيحة (٣).

стр. 843

قوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ؛﴾ أي حرّم عليكم أكل لحم المنخنقة؛ وهي التي تنخنق بحبل أو شبكة فتموت من غير ذكاة، وأمّا الموقوذة؛ فهي المضروبة بالخشب حتّى تموت، قوله تعالى: ﴿(وَالْمُتَرَدِّيَةُ)﴾ هي التي تتردّى من جبل أو سطح أو في بئر فتموت قبل الذكاة. والتّردّي: هو السّقوط، مأخوذ من الرّداء وهو الهلاك، قال ﷺ لعديّ بن حاتم: [إذا تردّت رميتك من جبل فوقعت في ماء فلا تأكل؛ فإنّك لا تدري أسهمك قتلها أم الماء] (١). فصار هذا الكلام أصلا في كلّ موضع اجتمع فيه معنيان: أحدها حاظر، والآخر مبيح فأنّه تغلب جهة الحظر، ولهذا قال ﷺ : [الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشبّهة، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك، ألا وإنّ لكلّ ملك حمى، وإنّ حمى الله محارمه، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه] (٢) وعن عمر ﵁ أنه قال: (كنّا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الرّبا) (٣).

стр. 844

قوله : ﴿وَالنَّطِيحَةُ؛﴾ هي التي تنطح حتى تموت، وإذا تناطحت الحيوانات فقتل بعضها بعضا في النّطاح فهي حرام بالآية، قال ابن عبّاس: (كان أهل الجاهليّة يخنقون الشّاة حتّى إذا ماتت أكلوها وكذلك الموقوذة) (١)،قال قتادة: (كان أهل الجاهليّة يضربون الشّاة بالبعض حتّى إذا ماتت أكلوها) (٢)،يقال منه: وقده يقده إذا ضربه حتى أشفى على الهلاك. قال الفرزدق: شغّارة تقذ الفصيل برجلها ... فطّارة لقوادم الأبكار (٣) قوله تعالى: ﴿(النَّطِيحَةُ)﴾ إنّما دخلت الهاء فيها وإن كان الفعل بمعنى المفعول يسوّى فيه المذكّر والمؤنّث كقولهم: لحية دهين وعين كحيل وكفّ خضيب؛ لأنّ النطيحة لم يتقدّمها اسم، فلو أسقطت الهاء منها لم يدر أهي مذكّر أم مؤنث، فنظير ذلك لو قيل: شاة نطيح لم تذكّر الهاء المذكّر الشاة (٤). قوله تعالى: ﴿وَما أَكَلَ السَّبُعُ،﴾ وقرأ ابن أبي زائدة: «(وأكيلة السّبع)». وقرأ الحسن وطلحة: «(السّبع)» بسكون الباء وهي لغة في السّبع، ومعنى قوله تعالى: ﴿(وَما أَكَلَ السَّبُعُ)﴾ هو فريسته.

стр. 845

قوله تعالى: ﴿إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ؛﴾ أي إلاّ ما ذكرتم ذكاته مما أكل منه السّبع فذكّيتم، فإنّ ذلك يحلّ لكم، أو ما أبين من الصّيد قبل الذكاة فهو ميّت، ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿(إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ)﴾ راجعا إلى المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة وما أكل السّبع، فإنّها كلّها في الحكم بمعنى واحد. وعن الحسن أنه كان يقول في هذه الجملة: (إذا طرفت بعينها؛ أو وكصت برجلها؛ أو حرّكت بدنها فذكّها وكل) (١). وشرط أكثر العلماء في إباحة أكلها بالذكاة: أن تكون حياتها وقت الذكاة أكثر من حياة المذبوح، فإن كانت بهذه الصّفة أثّرت الذكاة في إباحتها وإلاّ فلا. والتّذكية: تمام فري الأوداج وإنهار الدّم، ومنه الذكاء في الفم إذا كان تامّ العقل، وذكّيت النّار إذا أتممت إشعالها. قوله تعالى: ﴿وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ؛﴾ أي وحرّم عليكم ما ذبح على النّصب، هي جمع النّصب، والنّصاب: وهي الحجارة، كانوا ينصبونها فيعبدونها من دون الله تعالى ويقرّبون لها الذبائح، والفرق بين النّصب والأصنام: أنّ الصنم اسم لما كان على صورة الإنسان، والنّصب ما لا نقش له ولا صورة ولكنه يعبد. والوثن ما كان منقوشا، والحائط لا شخص له. وقيل: النّصب واحد وجمعه أنصاب، مثل عنق وأعناق. وقرأ الحسن بن صالح وطلحة بن مصرف: (على النّصب) بجزم الصاد، وقرأ الجحدريّ: بفتح النون والصاد؛ جعله اسما موحدا كالجبل والجمل، والجمع الأنصاب كالأجبال والأجمال، وكلّها لغات وهي الشيء المنصّب، ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ (٢). واختلفوا في معنى النّصب هاهنا؛ قال ابن جريج ومجاهد وقتادة: (كان حول البيت ثلاثمائة وستّون حجرا، وكان أهل الجاهليّة يذبحون عليها، ويشرّحون اللّحم عليها، وكانوا يعظّمونها ويعبدونها ويذبحون لها، وكانوا مع هذا يبدلونها إذا رأوا حجارة

стр. 846

هي أعجب إليهم منها).وقالوا: (ليست أصناما إنّما الصّنم ما ينقش).وقال آخرون: النّصب هي الأصنام المنصوبة. قال الأعشى: وذا النّصب المنصوب لا تنسكنّه ... ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا قال قطرب: (معنى الآية: وما يذبح للنّصب؛ أي لأجلها، واللاّم و (على) يتعاقبان في الكلام، قال الله تعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ (١) أي عليك، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها﴾ (٢) أي فعليها).وقال بعضهم: معناه: وما ذبح على اسم النّصب. قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ؛﴾ وهي القداح؛ أي حرّم عليكم الاستقسام؛ وهو طلب القسم بالأزلام؛ وهي القداح الّتي كانوا يجلبونها عند العزم على الميسر ويقتسمون بها لحم الجزور على ما تقدم ذكره في قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (٣). وقال الحسن: (كانوا يتّخذون السّهام؛ فإذا أراد الرّجل أن يخرج إلى سفر أو تجارة أو سروح؛ أجال السّهام بيده، وكان مكتوبا على بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها: نهاني ربي، فإن خرج الّذي عليه: أمرني ربي؛ قال: قد أمرت بالخروج ولا بدّ لي من ذلك؛ فيخرج، وإن كره الخروج خرج غير بعيد ثمّ رجع، ولا يدخل من باب بيته، ولكن ينقب ظهر بيته منه يدخل ومنه يخرج إلى أن يتّفق له الخروج. وإن خرج الّذي عليه: نهاني ربي، قال: قد نهيت عن الخروج، ولا يسعني. فنهى الله تعالى عن ذلك) (٤). فعلى هذا لا يجوز أن يكون معنى الاستقسام طلبهم في الخروج والجلوس، والخروج في قسم الرّزق والحوائج، وظاهر هذه الآية يقتضي أنّ العمل على قول المنجّمين: لا تخرج من أجل نجم كذا؛ واخرج من أجل نجم كذا؛ فسق لأنّ ذلك دخول في علم الغيب، ولا يعلم الغيب إلاّ الله.

стр. 847

ومعنى الفسق: الخروج من الطاعة؛ وقوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ فِسْقٌ؛﴾ إشارة إلى ما تقدّم ذكره من المعاصي والحرام. قوله تعالى: ﴿(وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا)﴾ في موضع رفع؛ أي وحرّم عليكم الاستقسام بالأزلام، والأزلام: هي القداح الّتي لا ريش لها ولا نصل، واحدها زلم، مثل عمر وزفر، وقيل: زلم مثل قلم. وقال ابن جبير: (هي حصى بيضاء كانوا يضربون بها). قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية يوم دخل رسول الله ﷺ مكّة ومعه المسلمون وهو يوم الفتح، يئس الكفّار يومئذ من رجوع المسلمين إلى دينهم بما ظهر من علوّ الإسلام والمسلمين على سائر الأديان).وقال بعضهم: أراد به يوم حجّة الوداع، وقال الحسن: (أراد باليوم جميع زمان النّبيّ ﷺ وعصره، كما يقال: كانت حادثة كذا في يوم فلان، يراد به عصره). وقوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ؛﴾ أي ليكن خوفكم لله وحده؛ فقد أمنتم، وحوّل الله الخوف الذي كان يلحقكم إليهم بإظهار الإسلام. وقيل: معناه: لا تخشوهم بإظهار تحريم ما كانوا يبيحونه، وأسرعوا في ترك إظهار المحرّمات. قوله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية على النّبيّ ﷺ وهو واقف بعرفة يوم عرفة؛ والنّاس وقوف رافعون أيديهم بالدّعاء، فبركت ناقة النّبيّ ﷺ من ثقل هذه الآية بعد أن كاد عضدها يندقّ، ولم ينزل بعدها آية حلال ولا حرام، وعاش النّبيّ ﷺ بعدها واحدا وثمانين يوما، ثمّ قبضه الله تعالى إلى رحمته) (١). قال طارق بن شهاب: (جاء يهوديّ إلى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين! آية تقرءونها لو أنزلت علينا لاتّخذنا يوم نزولها عيدا، فقال: وأيّ آية؟ قال: ﴿(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)﴾ الآية، قال عمر: هل علمت في أيّ يوم نزلت وفي أيّ مكان نزلت؟ إنّها نزلت يوم الجمعة يوم عرفة ونحن مع رسول الله

стр. 848

صلى الله عليه وسلم وهو واقف، وكلاهما بحمد الله لنا عيد، ولا يزال ذلك اليوم عيدا) (١).قال ابن عبّاس: (إنّها نزلت في يوم عيدين: يوم جمعة ويوم عرفة) (٢). روي عن عمر ﵁ أنّه بكى يوم نزلت هذه الآية، فقال له النّبيّ ﷺ : [ما يبكيك يا عمر؟!] قال: أبكاني أنّا كنّا في زيادة من ديننا، فأمّا إذا أكمل، فإنّه لا يكمل شيء إلاّ نقص، قال: [صدقت] (٣). واختلفوا في معنى الآية؛ قال بعضهم: معناها: اليوم أكملت لكم شرائع دينكم من الفرائض والسّنن والأحكام والحدود والحلال والحرام، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض، وثبت لكم جميع ما كنت أريد أن أبيّنه لكم في الأزل، فأمّا دين الله فلم يزل كاملا لا ينقص فيه، وهذا قول ابن عبّاس والسّدّيّ. وقال قتادة وسعيد: (معناه: أكملت لكم دينكم؛ فلم يحجّ معكم مشرك).ويحتمل أن يكون المراد بالأكمل للدين أظهره على سائر الأديان بالنّصرة والغلبة، و (اليوم) نصب على الظّرف، كما يقال: الآن، وفي هذا الزّمان. قوله تعالى: ﴿(وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)﴾ أي أتممت عليكم منّتي بإظهار الدّين حتى لم يحجّ معكم مشرك، وقيل: نعمة الله بيان فرائضه، وقيل: هي إيجاب الجنّة، وقيل: معناه: وأنجزت لكم وعدي في قولي: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ (٤)،فكان من تمام نعمته أن دخلوا مكّة آمنين وعليها ظاهرين، وحجّوا مطمئنّين، ولم يخالطهم أحد من المشركين.

стр. 849

قوله تعالى: ﴿(وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً)﴾ أي اخترت لكم الإسلام من الأديان كلّها دينا، فمن دان بالإسلام، فقد استحقّ ثوابي ورضاي. والدّين: اسم لجميع ما يعبد الله به خلقه، وأمرهم بالإقامة عليه، وهو الذي أمروا أن يكون ذلك عادتهم والذي به يجزون، فإن الدّين في اللغة: العادة، والدّين الجزاء. قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣)؛أي من دعته الضرورة إلى أكل شيء ممّا حرّم الله عليه في مجاعة غير مائل إلى إثم؛ أي زائد على ما يسدّ به رمقه ﴿(فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)﴾ أباح ذلك رحمة منه وتسهيلا على خلقه. والمخمصة: مأخوذة من المخص وهو شدّة ضمور البطن، والمتجانف من الجنف وهو الميل. قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ؛﴾ قال ابن عبّاس: (لمّا نزل قوله تعالى: ﴿(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ)﴾ جاء عديّ بن حاتم إلى رسول الله ﷺ فقال: إنّ لنا كلابا نتصيّد بها فتأخذ البقر والظّباء والحمر، فمنها ما ندرك ذكاته، ومنها ما لا ندرك، وقد حرّم الله الميتة. فأنزل الله هذه الآية). ومعناها: يسألونك يا محمّد: أيّ شيء أحلّ لهم من الصّيد وغيره؟ قل أحلّ لكم المباحات. يقال: هذا يطيب لفلان؛ أي يحلّ، قال الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ (١) أي ما حلّ لكم. وكلّ شيء لم يأت تحريمه في كتاب أو سنّة فهو من الطّيّبات. وقال بعضهم: أراد بالطيّبات المستلذات والمشتهيات، وهو عامّ أريد به غير ما تضمّنته الآية المتقدّمة. قوله تعالى: ﴿(وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ)﴾ أي وأحلّ صيد ما علّمتم، فحذف ذكر الصّيد لأنّ في الكلام دليلا عليه، والجوارح: هي الكواسب من الفهد؛ والصّقر؛ والباز؛ والعقاب؛ والنّسر؛ والباشق؛ والشّاهين وسائر ما يصطاد به الصيد.

стр. 850

قال الله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ (١) أي كسبتم، وقيل: معنى الجوارح: الجارحات بناب أو مخلب. قوله تعالى: ﴿(مُكَلِّبِينَ)﴾ حال للمعلّمين؛ أي في حال إغرائهم الكلب على الصّيد، والتّكليب: إغراء السّبع على الصّيد وإرساله. ومن قرأ «(مكلّبين)» بفتح اللاّم فهو حال من الكواسب المعلّمين. وقرأ ابن مسعود والحسن: «(مكلبين)» بإسكان الكاف وتخفيف اللام، فعلى هذا المعنى يجوز أن يكون من قولهم: أكلب الرّجل إذا كثرت كلابه، وأمشى إذا كثرت ماشيته، ولذلك ذكر الكلاب؛ لأنّها أعمّ وأكثر، والمراد به جميع الجوارح. قوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ؛﴾ أي تؤدّبوهنّ أن يمسكن الصّيد عليكم كما أدّبكم الله تعالى، ﴿فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ؛﴾ أي على الإرسال، كما روي عن رسول الله ﷺ أنّه قال لعديّ بن حاتم: [إذا أرسلت كلبك المعلّم، وسمّيت الله تعالى فكل، وإن أكل منه فلا تأكل، فإنّه إنّما أمسك على نفسه] (٢).وفي بعض الرّوايات: [وإن شارك كلبك كلب آخر فلا تأكل، فإنّك إنّما سمّيت على كلبك، ولم تسمّ على كلب غيرك] (٣). وذهب بعض أهل العلم إلى أنّ معنى الإمساك في هذه الآية أن يحفظ الكلب الصّيد حتّى يجيء صاحبه، فإن تركه حتى غاب عن صاحبه ثم وجده صاحبه بعد ذلك ميتا لم يحلّ أكله. قال ﷺ : [كل ما أصميت، ودع ما أنميت] (٤)،قيل: الإصماء: ما رأيت؛ والإنماء ما توارى عنك.

стр. 851

واختلف أهل العلم في حدّ التعليم؛ قال أبو حنيفة ﵀: (ليس فيه حدّ مؤقّت، وإنّما يرجع فيه إلى أهل الصّنعة، فإن حكموا بتعليمه حلّ صيده بعد ذلك وإلاّ فلا؛ لأنّ الاصطياد للكلاب بمنزلة الحرف والصّناعات للنّاس، وليس في معرفة كون الإنسان عالما بصنعته متقدّما على حرفته حدّ يؤمن عليه، ولكن يرجع في كلّ إلى أهلها). وقال أبو يوسف ومحمّد وكثير من الفقهاء: (إذا دعي الكلب ثلاث مرّات على الولاء فأجاب؛ وأرسل فاسترسل، وأخذ الصّيد ولم يأكل، حكمنا بكونه معلّما؛ لأنّ التّعليم لا يحصل بالمرّة الواحدة، ويحصل بالمرّات الكثيرة، فجعل الحدّ الفاصل بين القليل والكثير بالثّلاث الّتي هي أقل الجمع الصّحيح). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (٤)؛قد تقدّم تفسيره، وروى أبو رافع قال: (جاء جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ فاستأذن؛ فأذن له فلم يدخل، فأخذ رسول الله ﷺ رداءه وخرج إليه فقال له: [قد أذنّا لك يا رسول الله!] قال: أجل؛ ولكنّا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة. فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو) (١). وعن عليّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب] (٢) قال أبو رافع: (فأمرني رسول الله ﷺ أن لا أدع كلبا في

стр. 852

المدينة إلاّ قتلته، فقتلت حتّى بلغت العوالي، فانتهيت إلى امرأة في ناحية المدينة عندها كلب يحرس غنمها فرحمته؛ ثمّ أتيت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بأمره فأمرني بقتله، فرجعت إلى الكلب فقتلته) (١).وقال ابن عمر ﵄: سمعت رسول الله ﷺ رافعا صوته يقول: [اقتلوا الكلب] (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يحلّ ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن، ولا مهر البغيّ] ونهى عن اقتنائها وإمساكها، وأمر بغسل الإناء من ولوغها سبع مرّات إحداهنّ بالتّراب (٣).قال: (أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلب، فجاء أناس فقالوا: يا رسول الله! ما يحلّ لنا من هذه الأمّة الّتي أمرت بقتلها؟ فسكت النّبيّ ﷺ ، فأنزل الله هذه الآية) (٤) فلمّا نزلت أذن رسول الله ﷺ في اقتناء الكلاب الّتي ينتفع بها، ونهى عن اقتناء ما لا ينتفع بها، وأمر بقتل الكلب العقور، وما يضرّ ويؤذي، ورفع القتل عمّا سواها ممّا لا ضرر فيه. وعن عبد الله بن المغفل قال: قال رسول الله ﷺ : [لولا أنّ الكلاب أمّة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها الأسود البهيم، وأيّما قوم اتّخذوا كلبا ليس بكلب صيد أو حرث أو ماشية، فإنّه ينقص من أجورهم كلّ يوم قيراط] (٥).وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض،

стр. 853

فإنّه ينقص من أجره كلّ يوم قيراطان] (١).والحكمة في ذلك: أنه ينبح على الضّيف ويروّع السائل. قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ؛﴾ أي الآن تمّم الله لكم بيان الحلالات؛ وهو كلّ ما لم يجر ذكره في المحرّمات. قوله تعالى: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ؛﴾ أي ذبائح اليهود والنصارى حلال لكم. والدليل على أنّ المراد بالطعام هاهنا الذبائح: أنّ ما سوى الذبائح من الأطعمة والأشربة حلال للمسلمين؛ سواء كانت لأهل الكتاب أو لغيرهم، فبان المراد به الذبائح؛ لأنّ ذبائح غير أهل الكتاب من الكفّار حرام على المسلمين. قوله تعالى: ﴿وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ؛﴾ أي ذبائحكم حلال لهم؛ أي رخّص لكم في أن تطعموهم ذلك. قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ؛﴾ قال الحسن: (أراد بالمحصنات هاهنا الحرائر من المؤمنات والكتابيّات).وقال ابن عبّاس: (أراد به الحرائر العفائف منهنّ). وتقدير الآية: وأحلّ لكم نكاح المحصنات من المؤمنات والكتابيّات، وقد استدلّ بعض الفقهاء بظاهر هذه الآية: على أنه لا يجوز للمسلم نكاح الأمة الكتابيّة، والصحيح: أنه يجوز بظاهر قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ (٢) بدليل حلّ ذبائحهن. وإنّما خصّ المحصنات بإباحة نكاحهنّ مع جواز نكاح غيرهن؛ لأنّ الآية خرجت مخرج الامتنان والمنّة في نكاح الحرائر العفائف أعظم وأتمّ، يدلّ على ذلك: أنه لا خلاف في جواز النكاح بين المسلم والأمة المؤمنة، وإن كان في الآية تخصيص المحصنات من المؤمنات، والأفضل لمن أراد النكاح أن لا يعدل عن نكاح الحرائر

стр. 854

الكتابيّات مع القدرة عليهنّ؛ وذلك لأنّ نكاح الأمة يؤدّي إلى إرقاق الولد؛ لأنّ الولد يتبع الأمة في الرّقّ والحريّة، ولا ينبغي لأحد أن يختار رقّ ولده، كما لا ينبغي أن يختار رقّ نفسه. قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ؛﴾ أي ناكحين غير زانين معلنين بالزّنا، ولا متّخذي صديقات للزّنا سرّا. قال الحسن: (كان بعض الجاهليّة تسافح وتزني بكلّ من وجد من النّساء، وبعضهم يتّخذ خليلة يزني بها سرّا ويتجنّب الزّنا علانية، فبيّن الله تعالى بهذه الآية حرمة الزّنا سرّا وعلانية). قوله : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٥)؛قال ابن عبّاس: (لمّا رخّص الله للمسلمين في نكاح الكتابيّات؛ قال أهل الكتاب: لولا أنّ الله رضي أعمالنا لم يحلّ للمسلمين تزويج نسائنا. وقال المسلمون: كيف يتزوّج الرّجل الكتابيّة وهي كافرة؟ فأنزل ﴿(وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ)﴾ من المغبونين، غبن نفسه وفسق وصار إلى النّار، لا يغني عن المرأة الكتابيّة إسلام زوجها ولا ينفعها ذلك، ولا يضرّ المسلم كفر زوجته الكتابيّة). قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ؛﴾ قال ابن عبّاس وجماعة من المفسّرين: (معناه: إذا أردتم القيام إلى الصّلاة، وإنّما أضمروا إرادة القيام؛ لأنّ صحّة قيام الصّلاة بالطّهارة فلا يصحّ جزء من القيام قبل تقدّم الطّهارة). وظاهر الآية يقتضي أنّ القيام إلى الصلاة يكون سببا لوجوب الطّهارة، ولا خلاف بين السّلف والخلف أنّ الطهارة لا تجب سبب القيام إلى الصّلاة، إلاّ أنه روي عن ابن عمر وعليّ ﵄: (أنّهما كانا يتوضّأن عند كلّ صلاة، ويقرآن هذه الآية).فيحتمل أنّهما كانا يفعلان ذلك ندبا واستحبابا، فإن تجديد الطّهارة لكلّ صلاة مستحبّ. وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [من توضّأ فهو على وضوء ما لم

стр. 855

يحدث] (١).وقال: [لا وضوء إلاّ من حدث] (٢).فثبت أن في الآية إضمار آخر تقديره: إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون فاغسلوا وجوهكم، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ (٣) معناه: فأفطر فعليه عدّة من أيّام أخر، وقوله: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ﴾ (٤) معناه فحلق فعليه فدية. وقال بعضهم: معنى الآية: إذا قمتم من نومكم إلى الصّلاة، وقال: هذا على أنّ النوم في حالة الاضطجاع حدث. قوله تعالى: ﴿(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)﴾ الغسل: إجراء الماء على المحلّ وتسييله، سواء وجد معه الدّلك أم لا، والوجه: ما يواجهك من الإنسان، وحدّه من قصاص الشّعر إلى أسفل الذقن، ومن شحمتي الأذن إلى شحمتي الأذن. وظاهر الآية يقتضي أنّ المضمضة والاستنشاق غير واجبتين في الوضوء؛ لأن اسم الوجه يتناول الظاهر دون الباطن. قوله تعالى: ﴿(وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ)﴾ أي مع المرافق، هكذا قال علماؤنا رحمهم الله تعالى، إلاّ زفر ﵀؛ فإنه ذهب إلى ظاهر الآية وقال: (إنّ حرف (إلى) للغاية، والغاية لا تدخل في الحكم كما في قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٥)).وأمّا عامّة العلماء فقالوا: إنّ (إلى) تذكر بمعنى (مع) كما قال تعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ﴾ (٦)،فإذا احتمل اللفظ الغاية واحتمل معنى المقارنة حلّ

стр. 856

محلّ المجمل، فكان موقوفا على بيان رسول الله ﷺ . وقد روي: [أنّه كان إذا توضّأ أدار الماء على مرفقيه] (١)،فصار فعله بيانا للمجمل، فحمل على الوجوب. قوله تعالى: ﴿(وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ)﴾ اختلف العلماء في مقدار وجوب المسح منه، فذهب مالك إلى أنّ مسح جميع الرأس واجب، وقال: (ظاهر الآية يقتضي الجميع دون البعض، لأنّك إذا قلت: مررت بزيد؛ أردت جملته لا بعضه، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢) والمراد كلّ البيت، وكقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٣)).وذهب الشافعيّ: إلى أنّ الواجب مقدار ما يتناوله الاسم، ومن أصحابه من قدّره بثلاث شعرات. وهذا بعيد؛ لأن فاعله لا يسمّى ماسحا رأسه ولا برأسه، ولأنّ ذلك القدر يحصل بغسل الوجه، وفعل ذلك أيضا متعسّر. وقال أصحابنا في الاحتجاج على مالك بأنّ (الباء) تذكر ويراد بها التّبعيض، كما تقول: أخذت برأس فلان، ومسحت برأس اليتيم، فاذا احتمل اللفظ التبعيض كان مجملا فوجب الرّجوع فيه إلى فعل الرسول ﷺ ، وقد روي: [أنّه توضّأ ومسح على ناصيته] (٤).والناصية: هي الرّبع المقدّم من الرّأس، ومعلوم أنه كان لا يترك بعض الواجب، فثبت أنّ الفرض مقدور على هذا المقدار، إلاّ أنّ الأفضل أن يمسح جميع الرأس ليخرج عن الفرض بيقين. وقد روي: [أنّ النّبيّ ﷺ توضّأ ومسح] [ومسح جميع رأسه] (٥).

стр. 857

واختلف العلماء في عدد مسح الرّأس. قال علماؤنا: الأفضل أن يمسح جميع رأسه بماء واحد. وروى الحسن عن أبي حنيفة: (أنّ مسح رأسه ثلاث مرّات بماء واحد كان سنّة).وقال الشافعيّ: (الأفضل أن يمسح ثلاثا بثلاث مياه).روي عن رسول الله ﷺ : [أنّه مسح رأسه مرّة واحدة] (١)،وقال ﷺ : [الوضوء ثلاثا ثلاثا إلاّ المسح] (٢). وأمّا مسح الأذنين فهو سنّة لا خلاف في ذلك بين أهل العلم، وإنّما اختلفوا في كيفيّة مسحهما. قال أصحابنا: يمسح ظاهرهما وباطنهما مع الرأس بماء واحد، كما روي عن رسول الله ﷺ : [أنّه مسح برأسه وأذنيه بماء واحد] (٣).وفي بعض الرّوايات: مسح رأسه، ومسك شيئا لأذنيه؛ ثمّ قال: [الأذنان من الرّأس] (٤).وقال الشافعيّ: (هما عضوان منفردان يمسحان ثلاثا بثلاث مياه) (٥). وأمّا مسح الرّقبة؛ فلم يذكر في شيء من الكتب المشهورة، ويحتمل أن يكون سنّة، ويحتمل أن يكون مستحبّا؛ لأنّ النبيّ ﷺ كان يمسح مقدّم رأسه؛ فقال بعضهم:

стр. 858

إنّ المقصود من مسح مؤخّر الرأس مسح الرقبة. وقد روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: [من مسح رقبته في الوضوء أمن من الغلّ يوم القيامة] (١). قوله تعالى: ﴿(وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)﴾ قرأ ابن عامر ونافع والكسائيّ وحفص ويعقوب: «(وأرجلكم)» بالنصب، وهي قراءة عليّ ﵁، وقرأ الباقون ﴿(وَأَرْجُلَكُمْ)﴾ بالخفض وهي قراءة أنس وعلقمة والشعبيّ، فمن نصب فمعناه: واغسلوا أرجلكم عطفا على الوجه واليدين، ومن خفض فعلى العطف على الرّأس أو على الابتداء، والجواز لفظا لا معنى، كقول العرب: جحر ضبّ خرب، وقولهم: أكلت السّمن واللبن، واللبن يشرب ولا يؤكل، ويقال: فلان متقلّد سيفا ورمحا، والرّمح لا يتقلّد به، وإنّما يحمل. وقال لبيد: وأطفلت بالجلهتين ظباؤها ونعامها (٢)،النّعام لا يطفل وإنما يفرخ، وقولهم: جحر ضبّ خرب، كان ينبغي أن يقال: خرب لأنه نعت الجحر، وإنّما خفض للمجاوزة. وقال بعضهم: أراد بذلك المسح على الخفّين، فإن الماسح على الخفّين يسمّى ماسحا على الرّجلين لقرب الجوار، كما يقال: قبّل فلان على رجل الأمير ورأسه ويده، وإن كان الرّجلان في الخفّ، والرأس في العمامة، واليد في الكمّ. وفي الحديث: [أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا ركع وضع يديه على ركبتيه] (٣) وليس المراد أنه لم يكن بينهما حائل. واختار بعضهم المسح على الرّجلين، وهو قول ابن عبّاس، وقالوا: (الوضوء

стр. 859

غسلان ومسحان) (١).وذهب بعضهم إلى أنّ المتوضّئ مخيّر بين غسل الرّجلين ومسحهما. وإذا احتملت قراءة الخفض المسح على الخفّين، واحتملت مسح الرّجلين، واحتملت غسلهما، وجب الرّجوع إلى فعل النّبيّ ﷺ ، فقد روي: [أنّه داوم على غسل رجليه].واتفقت الأمّة على فعله. وروى ابن عمر عن رسول الله ﷺ : [أنّه توضّأ مرّة مرّة؛ وغسل رجليه؛ وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصّلاة إلاّ به]،ولأنّ الله تعالى قال: (وأرجلكم إلى الكعبين)،وهذا يدلّ على الغسل كاليدين حدّهما إلى المرافق وكان فرضهما الغسل دون المسح. وقال ﷺ : [لا يقبل الله صلاة امرئ حتّى يضع الطّهور مواضعه، فيغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ويغسل رجليه] (٢).وعن جابر ﵁ قال: [أمرنا رسول الله ﷺ أن نغسل أرجلنا إذا توضّأنا].وقال ابن أبي ليلى: (أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على وجوب غسل الرّجلين) (٣).وعن عبد الله بن عمر قال: مرّ النّبيّ ﷺ على قوم وعراقيبهم تلوح، فقال: [أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النّار] (٤).ورأى رسول الله ﷺ أعمى يتوضّأ، فقال: [اغسل باطن قدميك] فجعل يغسل حتّى سمّي أبا غسيل (٥).وقالت عائشة ﵂: (لإن يقطع قدماي أحبّ إليّ من أن أمسح عليهما من غير خفّين). وذهبت الرّوافض إلى أن الواجب في الرجلين المسح. ورووا في المسح خبرا ضعيفا شاذا.

стр. 860

قوله تعالى: ﴿(إِلَى الْكَعْبَيْنِ)﴾ هما النّاتئان من جانبي الرّجل، وهما مجمع مفصل السّاق والقدم، مأخوذ من الكعب وهو النّتوء؛ يقال: جارية كاعب إذا خرج ثدياها. وروى هشام عن محمد: أنّه الكعب الّذي في وسط القدم عند مقعد الشّراك. والصحيح: أن محمدا إنّما قال ذلك في المحرم بالحجّ، فإنه يقطع خفّيه أسفل من الكعبين، قال: (والكعب هاهنا مقعد الشّراك)،فنقل هشام ذلك إلى الطهارة، ولا خلاف في الكعب في الوضوء بين العلماء الثلاثة: أنه داخل في غسل الرّجلين. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا،﴾ أي إن كنتم جنبا وأردتم القيام إلى الصّلاة فاغتسلوا، والجنب يوضع موضع الجمع؛ يقال: رجل جنب؛ ورجال جنب؛ وقوم جنب. ولفظ الإطهار يقتضي تطهّر جميع البدن في الاغتسال من الجنابة كما قال ﷺ : [تحت كلّ شعرة جنابة، فبلّوا الشّعر وانقوا البشرة] (١).ولهذا قال أصحابنا: إنّ المضمضة والاستنشاق واجبان في غسل الجنابة، وقوله تعالى: ﴿(فَاطَّهَّرُوا)﴾ أي فتطهّروا، إلاّ أن التّاء تدغم في الطاء لقرب مخرجهما. وعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : [يا بنيّ! إذا أخذت في الغسل من الجنابة فبالغ فيه، فإنّ تحت كلّ شعرة جنابة] فقلت: يا رسول الله! وكيف أبالغ؟ قال: [روّ أصول الشّعر؛ وانق بشرتك تخرج من مغتسلك وقد غفر لك كلّ ذنب] (٢). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى؛﴾ أي من جدريّ أو غيره، فلم تطيقوا غسل هذه الأشياء، ﴿أَوْ عَلى سَفَرٍ،﴾ أو كنتم مسافرين، ﴿أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ؛﴾ معناه: وجاء أحد منكم من قضاء الحاجة، لأنه لا خلاء، وأنّ المريض والمسافر إذا لم يكونا محدثين لا يلزمهما الوضوء ولا التّيمّم، وقد تذكر (أو) بمعنى (الواو) مثل قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٣).

стр. 861

قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ؛﴾ معناه: أو جامعتم النّساء. ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً؛﴾ أي تقدرون على ما تتطهّرون به من الجنابة والحدث، ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً؛﴾ أي اقصدوا ترابا نظيفا، ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ؛﴾ اختلف العلماء في قوله ﴿(مِنْهُ)؛﴾ قال أبو يوسف: (معناه التّبعيض؛ أي امسحوا بوجوهكم وأيديكم من بعض الصّعيد وهو التّراب).وقال أبو حنيفة ومحمد: (معنى (من) هاهنا ابتداء الغاية؛ أي فانقلوا اليد بعد وضعها على الصّعيد إلى الوجوه والأيدي من غير أن يتخلّلها ما يوجب الفصل). قوله تعالى: ﴿ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ؛﴾ أي ما يريد الله أن يجعل عليكم بتكليف العبادات تضييقا في الدّين، ﴿وَلكِنْ،﴾ وإنّما، ﴿يُرِيدُ،﴾ بذلك، ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ،﴾ أن يطهّركم من الذّنوب والأحداث والجنابة، كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [أيّما رجل قام إلى وضوئه يريد الصّلاة ثمّ غسل كفّيه نزلت خطيئة كفّيه مع أوّل قطرة، فإذا تمضمض واستنشق نزلت خطيئة لسانه وشفتيه مع أوّل قطرة، فإذا غسل وجهه ويديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين سلم من كلّ ذنب هو عليه، وكان كيوم ولدته أمّه] (١). قوله تعالى: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ؛﴾ قال الحسن: (بإدخال الجنّة)، وقال ابن عبّاس: (بجواز التّيمّم لكم بالتّراب في حال عدم الماء). ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٦)؛أي لكي تشكروا نعمة الله عليكم في رخصته لكم وتخفيفه عليكم في التّكليف. قال عثمان ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ما توضّأ عبد فأسبغ وضوءه، ثمّ قام إلى الصّلاة إلاّ غفر الله له ما بينه وبين الصّلاة الأخرى] (٢). قوله : ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ؛﴾ أي احفظوا نعم الله عليكم، وإنما ذكره بلفظ النّعمة؛ لأنه ذهب فيه مذهب الجنس،

стр. 862

(وميثاقه) أي عهده الذي عاهدكم به. قال ابن عبّاس والحسن: (يعني الميثاق الّذي أخذه الله تعالى على ذرّيّة آدم حين أخرجهم من صلبه، وقال ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ (١). وقال السّدّيّ: (أراد بالميثاق هنا مبايعة النّبيّ ﷺ على السّمع والطّاعة في كلّ ما أمر به أو نهى في حال العسر واليسر والرّضا والكره).وهذا أقرب إلى ظاهر الآية؛ لأنّ الله تعالى ذكّرهم الميثاق وهم لا يحفظون الميثاق الذي من وقت آدم. وقيل: أراد به العهد الوثيق الذي أخذه الله على جميع عباده في أوامره ونواهيه فسمعوه وقبلوه وآمنوا به على ما فسّر الله بقوله: ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا؛﴾ قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ؛﴾ أي اخشوا عقابه في نقض الميثاق، ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٧)؛أي بما في القلوب من الوفاء والنّقض، وذات الصّدور ما تضمّنته الصّدور وهي القلوب. قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ؛﴾ أي كونوا قوّامين بأمر الله قائلين له مبيّنين عن دين الله بالحقّ والعدل، ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا؛﴾ أي لا يحملنّكم بغض الكفّار على ترك العدل فيه مكافأة لما سلف منهم، ويقال: لا يحملنّكم عداوة المشهود له على كتمان ماله عندكم من الشهادة، ولا عداوة المشهود عليه على إقامة الشّهادة عليه بغير حقّ. قوله تعالى: ﴿اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى؛﴾ أي اعدلوا في جميع أقوالكم وأفعالكم فيما لكم وعليكم، فإنّ العدل أقرب للتّقوى؛ أي أقرب إلى أن تصيروا به مؤمنين، وقيل: أقرب إلى تقوى عذاب الله. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (٨)؛من الخير والشرّ والعدل والجور. قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ؛﴾ أي الذين صدّقوا بمحمّد ﷺ والقرآن، وعملوا الصالحات فيما بينهم وبين ربهم، وهذا تمام الكلام، يقال: وعدت الرّجل؛ يراد بذلك وعدته خيرا، وأوعدت الرّجل؛ يراد بذلك

стр. 863

شرّا، فكان الله لهم دليلا على عدة الخير، ثم فسّر ذلك الخير فقال: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٩)؛أي مغفرة لذنوبهم، وثواب عظيم في الجنّة. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (١٠)؛أي أصحاب النّار الموقدة، والجحيم من أسماء جهنّم. قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ؛﴾ قال ابن عبّاس ﵄: (وذلك أنّ رسول الله ﷺ بعث سريّة سبعين رجلا إلى بني عامر بن صعصعة، وأمّر عليهم المنذر بن عمرو الأنصاريّ، وكان طريقهم على بني سليم، وكانوا يومئذ صلحاء لرسول الله ﷺ ، وأمر ﵇ السّريّة أن ينزلوا على بني سليم فنزلوا عليهم، فبعث بنو سليم إلى بني عامر وأخبروهم بأمرهم وقلّتهم، فارتحل المسلمون من عند بني سليم إلى بني عامر، فأضلّ أربعة منهم بعيرا لهم، فاستأذنوا أميرهم أن يطلبوا بعيرهم ثمّ يلحقوا بهم فأذن لهم، وسار المنذر بمن بقي معه حتّى أتاهم وقد جمعوا لهم واستعدّوا لهم بالسّلاح، فالتقوا ببئر معونة فاقتتلوا قتالا شديدا، ثمّ قتل المنذر ومن معه جميعا. ثمّ أقبل الأربعة الّذين أضلّوا البعير، فلقيتهم أمة لبني عامر فقالت لهم: أمن أصحاب محمّد أنتم؟ قالوا: نعم، قالت: فإنّ إخوانكم قد قتلوا جميعا على الماء، فقال أحد الأربعة: ما ترون؟ قالوا: نرى أن نرجع إلى رسول الله ﷺ فنخبره بالأمر، قال: لا؛ ولكن والله لم أكن لأرغب بنفسي عن أصحابي، ارجعوا فأقرءوا محمّدا ﷺ منّي السّلام. ثمّ أشرف على أصحابه فإذا هم مقتولون، والمشركون قعود يتغدّون، فانحدر إليهم من الجبل بسيفه فقاتلهم حتّى قتل. وغشي الثّلاثة المدينة، فلقوا رجلين من بني سليم خارجين من المدينة فقالا لهما: من أنتما؟ قالا: من بني عامر، قالا: هذان من الّذين قتلوا إخواننا؛ فقتلوهما وأخذوا سلاحهما، ثمّ دخلوا المدينة فأخبروا رسول الله ﷺ فقال: [بئس ما صنعتم، قتلتم رجلين من أهل الميثاق].وجاء أولياء القتيلين يطلبون القصاص، فقال ﷺ : [ليس لكم إلاّ دية صاحبيكم أغرنا إلى عدوّنا من بني عامر، ولكنّا نؤدّي إليكم الدّية].

стр. 864

فانطلق رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ حتّى أتى بني قريظة؛ فقال لهم: [إنّكم جيراننا وحلفاؤنا، وقد علمتم ما أصبنا به من دم الرّجلين من بني سليم وهما من أهل الميثاق، ونحن نريد أن نؤدّي ديتهما، فاتّخذوا بها عندنا يدا نجزيكم بها بعد اليوم، فإنّ الأيّام دول].فقالوا: مرحبا وأهلا يا أبا القاسم، ولكنّ إخواننا من بني النّضير لا نقضي أمرا من دونهم، نعلمهم بذلك حتّى تأتينا يوم كذا وقد جمعنا الّذي تريد. فرجع رسول الله ﷺ وأصحابه. فلمّا كان يوم الميعاد؛ أتاهم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة وعبد الرّحمن بن عوف؛ فأجلسوهم في بيت، ثمّ خرجوا يجمعون السّلاح، وخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنّكم لن تجدوا محمّدا أقرب منه الآن؛ فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه، فقال عمر بن جحّاش: أنا، فجاء إلى رحاء عظيمة ليطرحها عليه؛ فأمسك الله أيديهم. وقيل: لمّا جمعوا السّلاح وهمّوا بقتل رسول الله ﷺ وأصحابه، جاء جبريل ﵇ فأخبر النّبيّ ﷺ بذلك، فخرج النّبيّ ﷺ فقام على الباب، وإذا هم مجتمعون ينتظرون قدوم كعب بن الأشرف ليهجموا على النّبيّ ﷺ وأصحابه، وخرج عليّ ﵁ وإذا هو برسول الله ﷺ قائما على الباب، فقال: يا رسول الله! أبطأت علينا حتّى خفنا أن يكون قد اغتالك أحد، فقال: [قد أرادوا ذلك، اللهمّ العنهم].ثمّ خرج بقيّة أصحاب رسول الله ﷺ فلحقوا جميعا بالنّبيّ ﷺ ، فجاءت اليهود فقالوا: يا رسول الله! إنّ قدورنا تغلي نريد أن نطعمك، وقد رجعت بغير علمنا. فأخبرهم بما همّوا به وعزموا عليه، فأنزل الله هذه الآية). ومعناها: يا أيّها الّذين آمنوا بالله وكتبه ورسله احفظوا منّة الله عليكم إذ همّ قوم-وهم بنو قريظة-أن يبسطوا إليكم أيديهم بالقتل، ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ؛﴾ بالمنع عن قتلكم، ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١١)؛في جميع أمورهم وأحوالهم. قوله : ﴿*وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً؛﴾ أي أخذ الله العهد على بني إسرائيل أن يؤمنوا به وبجميع كتبه

стр. 865

ورسله، وبعث منهم اثني عشر ملكا، من كلّ سبط منهم رجل ليأخذ على قومه ما يأمرهم الله به من طاعته. وقيل: إنّ النقيب هو الرسول والأمين، وهم الذين أرسلهم موسى إلى قومه الجبّارين عيونا، فوجدوهم يدخل في كمّ أحدهم أربعة منهم، ولا يحمل عنقود عنب إلاّ عشرة منهم، ويدخل في شقّ رمانة إذا نزع حبّه خمسة أنفس وأربعة، فرجع النقباء كلهم، ونهى كل نقيب سبطه عن القتال إلاّ يوشع بن نون وكالب بن يوقنا أمرا أقوامهما بالقتال. وقال الحسن: (النّقيب الضّمين، وإنّما أراد بهذا أن يضمن بها مراعاة أحوالهم)،وقد روي: [أنّ النّبيّ ﷺ جعل الأنصار ليلة العقبة اثنى عشر نقيبا] (١). وفائدة النّقيب: أنّ القوم إذا علموا أنّ عليهم نقيبا كانوا أقرب إلى الاستقامة، والنّقيب والعريف نظيران، وقيل: النقيب فوق العريف. قوله تعالى: ﴿وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ؛﴾ خطاب للنّقباء، ومعناها: إنّي حفيظ عليكم في النّصر لكم والدفع عنكم. وقيل: هو خطاب لجميع بني إسرائيل ضمن لهم النّصر على عدوّهم بالشّرائط التي شرطها عليهم بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ؛﴾ أي لو عظّمتموهم ونصرتموهم بالسّيف على الأعداء، ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً؛﴾ أي تصدّقتم من أموالكم تطوّعا صدقة حسنة؛ وهي أن تكون من حلال المال وخياره برغبة وإخلاص لا يشوبها رياء ولا سمعة ولا يكدّرها منّ ولا أذى، ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ من تحت شجرها ومساكنها؛ ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ؛﴾ العهد والميثاق؛ ﴿مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (١٢)؛أي أخطأ قصد الطريق وهو طريق الجنّة، فمن أضلّه وقع في طريق النّار إذ لا طريق سواهما. قوله : ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ؛﴾ أي فنقض اليهود ميثاقهم الذي أخذ عليهم

стр. 866

في التّوراة فباعدناهم من الرّحمة، وقيل: عذبناهم بالجزية. وقيل: مسخناهم قردة وخنازير، ودخول (ما) في هذه الآية صلة زائدة. قوله تعالى: ﴿(وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً)﴾ أي صيّرناها يابسة خالية من حلاوة الإيمان مجازاة لهم على معصيتهم. قرأ يحيى بن وثّاب والأعمش وحمزة والكسائيّ: «(قسيّة)» بتشديد الياء من غير ألف، وقرأ الباقون (قاسية) بألف وهما لغتان، مثل زكيّة وزاكية (١)،وقيل: معنى (قاسية):غليظة متكبرة لا تقبل الوعظ، وقيل: رديئة فاسدة، من الدّراهم القسيّة، وهي المغشوشة. قوله تعالى: ﴿(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ)﴾. قرأ السّلمي والنخعيّ: يحرّفون الكلام باللّف؛ أي يغيّرون ألفاظه ولا يقرّونه على ما هو عليه في التّوراة، كما أخبر الله تعالى عنهم من ليّ ألسنتهم بالكتاب، وقيل: يغيّرون تأويله. قوله تعالى: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ؛﴾ أي وتركوا نصيبا ممّا أمروا به في كتابهم من نعت محمّد ﷺ وصفته، ومن رجم الزّاني المحصن، وأصل النّسيان التّرك. قوله تعالى: ﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ؛﴾ أي لا تزال يا محمّد تطّلع على خائنة ومعصية منهم، وفاعلة من أسماء المصادر مثل: عاقبة وكاذبة، وقد تكون الخائنة من أسماء الجماعة كما يقال: رافض ورافضة، فيكون المعنى: ولا تزال تطّلع على فرقة خائنة منهم مثل كعب بن الأشرف وأصحابه من بني قريظة حين نقضوا العهد، وركبوا إلى أبي سفيان بمكة، ولقوه وعاهدوه على رسول الله ﷺ على ما سبق ذكره. قوله تعالى: ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ؛﴾ لم ينقضوا العهد، وهم عبد الله بن سلام وأصحابه. وقال ابن عبّاس: (معنى قوله تعالى ﴿(خائِنَةٍ)﴾ أي معصية)،وقال بعضهم: أي كذب وفجور، وكانت خيانتهم بنقض العهد، ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول الله ﷺ وهمّهم بقتله.

стр. 867

قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ؛﴾ أي أعرض عنهم ولا تعاقبهم، ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٣)؛أي المتجاوزين، وهذا منسوخ بآية السّيف بقوله: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ؛﴾ بيّن الله تعالى أنّ النصارى لم يكونوا بعد أخذ الميثاق أحسن معاملة من اليهود، ومعنى أخذ الميثاق: هو ما أخذ الله عليهم في الإنجيل من العهد المؤكّد باتّباع محمّد ﷺ وبيان صفته ونعته، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٢) فنسوا حظّا مما ذكّروا به؛ أي تركوا بعضا ممّا ذكّروا به، ﴿فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ؛﴾ أي هيّجنا بين فرق النّصارى، وهم النّسطوريّة واليعقوبيّة والملكانيّة، وألقينا بينهم العداوة في الدّين. وذلك أنّ الله رفع الألفة بينهم وألقى بينهم العداوة والبغضاء، فهم يقتتلون إلى يوم القيامة. وأصل الإغراء: الإلصاق مأخوذ من الغراء الّذي يلصق به الأشياء، والعداوة: تباعد القلوب والنّيّات، والبغضاء: البغض. قوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١٤)؛أي يخبرهم في الآخرة بما كانوا يصنعون من الجناية والمخالفة وكتمان نعت محمّد ﷺ وصفته. ثم خاطب الله تعالى الفريقين من اليهود والنّصارى فقال تعالى: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ؛﴾ يعني التّوراة والإنجيل. قوله تعالى: ﴿(تُخْفُونَ)﴾ يعني صفة محمّد ﷺ وآية الرّجم، وإضافة اليهود والنّصارى إلى الكتاب تعيير لهم، كما يقال: يا عاقل لم تعلم؛ أي يا جاهل. وقوله تعالى: ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ﴾ (١٥)؛يعني بالنّور محمّدا ﷺ يبيّن لكم كثيرا ممّا كنتم

стр. 868

تكتمون من الإسلام، وآية الرّجم، وتحريم الزّنا وغير ذلك. قوله تعالى: ﴿(وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ)﴾ أي يتجاوز عن كثير ممّا كنتم تكتمونه ولا يعاقبكم عليه، يعني ممّا لم يؤمر ببيانه، وقوله تعالى: ﴿(وَكِتابٌ مُبِينٌ)﴾ يعني القرآن يبيّن الحلال والحرام والأمر والنّهي. قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ؛﴾ أي يهدي الله بالقرآن من قبل الحقّ ورغب في الإسلام، وقوله تعالى: ﴿(رِضْوانَهُ)﴾ أي رضا الله، وقوله تعالى: ﴿(سُبُلَ السَّلامِ)﴾ أي طرق السّلامة، وهي دين الإسلام، والسّلام والسّلامة، كالرّضاع والرّضاعة، ويقال: السّلام هو الله، وسبل السّلام: طرق الله التي دعا إليها. قوله تعالى: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ؛﴾ أي يخرجهم من ظلمات الكفر، بالتعريف لهم إلى نور الإيمان، ﴿بِإِذْنِهِ؛﴾ أي بإذن الله ومشيئته، وسمّي الإيمان نورا؛ لأنّ الإنسان إذا آمن أبصر به طريق نجاته فطلبه، وطريق هلاكه فحذره. قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١٦)؛أي ويرشدهم إلى طريق الحقّ. وقوله : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ؛﴾ نزلت في نصارى نجران وهم الماريعقوبية أو اليعقوبية، قالوا: إنّ الله هو المسيح بن مريم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: من يقدر أن يدفع شيئا من عذاب الله؛ ﴿إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً؛﴾ أي إن أراد أن يهلك عيسى ابن مريم وأمّه، وهذا احتجاج من الله تعالى على النّصارى بما لا يملكون دفعه، إذ المسيح وأمّه بشران يأكلان الطعام ويحتاجان إلى ما يحتاج إليه الناس، وقد علموه ضرورة أنّهما كانا بعد أن لم يكونا، وشاهد كثير منهم ميلاد عيسى وحاله من الطفولة والشّباب والكهولة. قوله تعالى: ﴿(إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ)﴾ أي إذا أراد الله إهلاك عيسى وأمّه لما أعجزه ذلك، ولا هناك دافع، وكيف يكون إلها من لا يقدر على دفع الهلاك عن نفسه ولا عن غيره.

стр. 869

قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما؛﴾ أي من ملك السّماوات والأرض لا يوصف بالولادة. وقيل: من كان مالك السّماوات والأرض يقدر على خلق ولد بلا والد، كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ؛﴾ أي كما يشاء، بأب وبغير أب، ولو كان خلق عيسى من غير أب موجبا كونه إلها وابنه لكان خلق آدم من غير أب ولا أمّ أولى بذلك؛ لأنه أعجب وأبدع. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٧)؛من خلق عيسى وغيره قادر على عقوبتكم. قوله : ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ؛﴾ وذلك: أنّ جماعة من اليهود دخلوا على النبيّ ﷺ ، فدعاهم إلى الإيمان وحذرهم، فقالوا: نحن أبناء الله وأحبّاؤه فلا يعذّبنا، وكذلك قالت النّصارى نحن أبناء الله وأحبّاؤه، حين حذرهم رسول الله ﷺ عذاب الله (١).وأرادوا بقولهم: نحن أبناء الله وأحبّاؤه: نحن من الله بمنزلة الأبناء والآباء، وقرابا من الله كقرب الوالد لولده، وحبّه إيّانا كحب الوالد لولده، وغضب الله علينا كغضب الوالد على ولده، إذا سخط على ولده في وقت يرضى عنه في وقت آخر. قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ؛﴾ أي لم عذب من قبلكم من اليهود والنّصارى الذين كانوا أمثالكم في الدّين فمسخهم الله في الدّنيا. قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ؛﴾ أي لستم بأبناء الله ولا أحبّائه، ولكنّكم خلق كسائر الخلق، يغفر لمن هداه للإسلام، ويعذّب من مات على الكفر. قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما؛﴾ أي له القدرة على أهل السّماوات والأرض، وما بينهما من الخلق والعجائب، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (١٨)؛أي إليه مصير من آمن ومن لم يؤمن.

стр. 870

قوله : ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ؛﴾ أي يا أهل التّوراة والإنجيل قد جاءكم محمّد ﷺ يبيّن لكم الحلال والحرام على انقطاع من الرّسل، ودروس من العلم. قال الكلبيّ: (كان بين ميلاد عيسى ومحمّد ﷺ خمسمائة وتسعة وتسعون سنة، وبعد ميلاد عيسى أربعة من الرّسل في مائة وأربعة وثلاثين سنة، كما قال تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ (١) قال: ولا أدري الرّسول الرّابع من هو).قال بعضهم: كان بين عيسى ومحمّد صلوات الله عليهما ستّمائة سنة (٢). قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ؛﴾ معناه: كيلا تقولوا يوم القيامة ما جاءنا من بشير يبشّرنا بالجنّة، ولا مخوّف يخوّفنا بالنار، ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ؛﴾ يبشّركم بالجنّة إن أطعتموه، ﴿وَنَذِيرٌ؛﴾ ينذركم بالنار إن عصيتموه، ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٩)؛من إرسال الرّسل والثواب والعقاب. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً؛﴾ فاذكروا يا أهل الكتاب إذ قال موسى لبني إسرائيل احفظوا منّة الله عليكم إذ أكرم بعضكم بالنّبوة، وهم السّبعون الذين اختارهم موسى وانطلقوا معه إلى الجبل. وإنّما منّ الله عليهم بذلك، لأنّ كثرة الأشراف والأفاضل في القوم شرف وفضل لهم، ولا شرف أعظم من النّبوة، وقوله تعالى: ﴿(وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً)﴾ أي أحرارا تملكون أمر أنفسكم بعد أن كانت تستعبدكم القبطة في مملكة فرعون، وقيل: ملوكا ذوي خدم، وأهل منازل لا يدخل عليكم فيها إلاّ بإذن. قوله تعالى: ﴿وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (٢٠)؛أي أعطاكم من عالمي زمانكم، ويقال: أراد بذلك جميع العالمين، فإنه تعالى أنزل عليهم المنّ والسّلوى، وظلّلهم بالغمام، ولم يؤت أحدا مثل هذه النّعم قبلهم.

стр. 871

ولا يدخل المستقبل في اللفظ؛ لأنّ اللفظ خبر عن ما مضى، ولا يدخل ذلك على أنه لم يؤت أمّة محمّد ﷺ مثل الفضيلة التي آتاهم أو أكثر، والغرض من هذه الآية أنّ الله تعالى أراد أن يكلّفهم دخول الأرض المقدّسة، وكان يشقّ ذلك عليهم فقدّم ذكر نعمه عليهم ليكون بامتثالهم مثال على امتثال أمر الله تعالى. قوله تعالى: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ الاثني عشر نقيبا الّذين أرسلهم موسى إلى قرية الجبّارين جواسيس؛ لمّا انتهوا إلى مدينتهم أخذوا فأتي بهم إلى الملك، ويقال أخذهم عوج ابن عنق واحتملهم في ثوبه حتّى ألقاهم بين يدي الملك، فقيل للملك: إنّ هؤلاء يزعمون أنّهم يفتحون مدينتك ويظهرون عليك، قال: فطوفوا بهم المدينة فأروهم إيّاها. فطافوا بهم، وكانوا يلعبون بهم حتّى أنّ الرّجل منهم ليأتي بالقدح والسّكرجة والقصعة فيدخل واحد منهم تحتها، ثمّ ردّوهم إلى الملك فأراد قتلهم، فقالت: إيش تصنع بقتل هؤلاء ويكفيهم ما رأوا، ردّوهم إلى أصحابهم يحدّثونهم بما رأوا، فأرسلوهم. فلمّا خرجوا قال بعضهم لبعض: قد علمتم خلاف بني إسرائيل لموسى، وقد وعد الله موسى أن يفتح لهم الأرض، ولن يخلف الله وعده، فهيموا التّحالف أن لا يخبر شيئا غير موسى؛ فتحالفوا. فلمّا خلوا بنسائهم جعلت المرأة تسأل زوجها عمّا رأى، فيأخذ عليها المواثيق أن لا تخبر أحدا، ثمّ يخبرها، وجعلت المرأة يأتيها أبوها وأمّها وإخوانها فتأخذ عليهم المواثيق ثمّ تخبرهم. فما ارتفع النّهار حتّى فشا الخبر في البلاد، ولم يخبر يوشع ولا كالب أحدا بشيء من أمرهم، إنّما أخبر بذلك العشرة. فجمع موسى ﵇ بني إسرائيل وخطبهم ثمّ قال: يا بني إسرائيل ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ﴾ ... ) إلى قوله: ﴿(فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ)﴾.

стр. 872

وأمّا قوله تعالى: ﴿(ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ)﴾ قال ابن عبّاس: (هي أرض بيت المقدس).ويقال: هي دمشق وفلسطين وبعض الأردنّ، وسميت (المقدّسة)؛لأنّها طهّرت من الشّرك، وجعلت مسكنا وقرارا للأنبياء صلوات الله عليهم. قوله تعالى: ﴿(الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ)﴾ أي أمركم بدخولها. وقيل: التي كتب الله لكم في اللّوح المحفوظ أنّها لكم مساكن، ويقال: التي وهب الله لأبيكم إبراهيم ﵇، وجعلها ميراثا لكم، وذلك أنّ إبراهيم حين ارتفع على الجبل، قيل له: انظر؛ فلك ما أدرك بصرك وهو ميراث لولدك من بعدك. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ (٢١)؛أي لا ترجعوا وراءكم وتجبنوا من عدوّكم منهزمين منهم فتنصرفوا مغبونين بفوت الظّفر في الدّنيا والعقوبة في الآخرة. قوله تعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبّارِينَ؛﴾ أي قالت بنو إسرائيل: يا موسى إنّ فيها قوما عظماء قتّالين، ﴿وَإِنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنّا داخِلُونَ﴾ (٢٢)؛حينئذ. قوله تعالى: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ؛﴾ أي قال يوشع وكالب من الاثني عشر الذين أرسلهم موسى إلى قرية الجبّارين، وكانوا يخافون الجبّارين، ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا؛﴾ أي هداهما لقبول أمره ومعرفة صدق وعده: ﴿اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ؛﴾ أي باب قرية الجبّارين وهي أريحا، ﴿فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ؛﴾ أي فإذا دخلتم ذلك الباب؛ ﴿فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ؛﴾ عليهم؛ لأنّهم اذا رأوا كثرتكم انكسرت قلوبهم فتغلبوهم، ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا؛﴾ أي فوّضوا أمركم إليه، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢٣)؛أي مصدّقين بوعد الله. وفي الآية ثناء على الرّجلين إذ لم يمنعهما الخوف من العدوّ عن قول الحقّ. وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [لا يمنعنّ أحدكم مخافة النّاس أن يقول الحقّ إذا رآه أو عمله، فإنّه لا يبعد من رزق الله ولا يدني من أجل] (١).

стр. 873

قوله : ﴿قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها؛﴾ وذلك أنّ موسى لمّا أمرهم من قول الرّجلين أن يدخلوا قرية الجبّارين، قالت له بنو إسرائيل: أتكذّب العشرة وتصدّق الاثنين، إنّا لا ندخلها أبدا ما داموا فيها، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ (٢٤)؛منتظرين، فقولهم: اذهب أنت وربّك، احتمل أنّهم قالوا ذلك على وجه المجاز على معنى: وربّك معين لك، وكان هذا القول فسقا منهم من امتناعهم عن المضيّ إلى أمر الله. وقيل: يحتمل أنّهم عنوا بذلك الذهاب ذهاب النّقلة، وهذا تشبيه وكفر من قائله، وهو أقرب إلى معنى كلامهم؛ لأنّ كلام الله تعالى خرج مخرج الإنكار عليهم، والتّعجّب من جهلهم. وعن رسول الله ﷺ أنّه لمّا أراد الخروج إلى بعض الغزوات استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ذلك؛ فقالا: (إنّا لن نقول لك مثل ما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربّك فإنّا هاهنا قاعدون، ولكنّا نقول: اذهب فقاتل عدوّك إنّا معك مقاتلون). وفي بعض الرّوايات قالوا: (أقعد أنت فإنّا بأمرك مقاتلون) (١).وقال المقداد ابن الأسود: «إنّا والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون) ولكنّا نقول: نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، ولو خضت بنا البحر لخضناه معك، ولو علوت جبلا لعلوناه معك. فأشرق وجه رسول الله ﷺ لذلك وسرّه» (٢). قوله : ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ (٢٥)؛قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ موسى ﵇ غضب من

стр. 874

مقالة قومه، وكان رجلا حديدا فقال: (رب إنّي لا أملك إلاّ نفسي) ولا أملك إلاّ أخي، يعني لا يطيعني من هؤلاء إلاّ أخي هارون، (فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) أي اقض والفصل بيننا وبين القوم العاصين. وكانت عجلة عجّلها موسى ﵇، فأوحى الله إلى موسى: إلى متى يعصيني هذا الشعب وإلى متى لا يصدّقون بالآيات، لأهلكنّهم واجعلنّ لك شعبا أشدّ وأكثر منهم. فقال: إلهي لو أنّك أهلكت هذا الشّعب من أجل أنّهم لن يستطيعوا أن يدخلوا هذه الأرض فتقتلهم في البرّيّة وأنت عظيم عفوك كثير نعمتك وأنت تغفر الذنوب، فاغفر لهم. فقال الله تعالى: قد غفرت لهم بكلمتك، ولكن بعد ما سمّيتهم فاسقين، ودعوت عليهم في عجلة لأحرّمنّ عليهم دخول الأرض المقدّسة، فذلك قوله: ﴿قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ؛﴾ يتحيّرون؛ ﴿فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ (٢٦). وقيل: إنّ قولهم لموسى: (فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) كان سؤالا منه الفرق في الحقيقة دون القضاء، وكان دعاؤه منصرفا إلى الآخرة؛ أي أدخلنا الجنّة إذا أدخلتهم النار، ولم يعن بذلك في الدّنيا؛ لأنه لو عنى ذلك لأجاب الله تعالى دعاءه وأهلكهم جميعا؛ لأنّ دعاء الأنبياء لا يردّ من أجل أنّهم يدعون بأمر الله تعالى. ويقال: كان هذا دعاء راجعا إلى الدّنيا، وقد أجاب الله تعالى دعاءه؛ لأنّه عاقب قومه في التّيه، ولم يكن موسى وهارون محبوسين في التّيه؛ لأن الأنبياء ﵈ لا يعذبون. قال الحسن: (لا يجوز أن يكون موسى معهم فيها لا حيّا ولا ميّتا، ولا يجوز إذا عذب الله بنبيّ إلاّ أن ينجّي ذلك النّبيّ ومن آمن معه).ويقال: إنّ هذا الدّعاء كان من موسى ﵇ عند الغضب؛ لأنه عنى به الحقيقة، ألا ترى أنه ندم على دعائه وجزع من تحريم قرية الجبارين عليهم جزعا شديدا حتى قيل له: لا تأس على القوم الفاسقين.

стр. 875

قوله ﴿(فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً)﴾ أي قال الله تعالى: فإنّ الأرض المقدّسة محرّمة عليهم؛ أي هم ممنوعون من دخولها أربعين سنة، وأصل التّحريم المنع. قال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ (١) وأراد به المنع. قوله تعالى: ﴿(يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ)﴾ أي يتحيّرون. قال ابن عبّاس: (يتحيّرون في ستّة فراسخ أربعين سنة، كانوا يسيرون في أوّل النّهار فيمسون في مكانهم، ويسيرون في أوّل اللّيل، فتدور بهم الأرض فيصبحون في مكانهم).قال الحسن: (عمي عليهم السّبيل وأخفي عليهم الأعلام الّتي يهتدون إلى الطّريق فلم يستطيعوا الخروج منها). وذهب بعضهم أنّ قوله: ﴿(أَرْبَعِينَ سَنَةً)﴾ منصوب ب ﴿(يَتِيهُونَ)﴾،قالوا: كانت الأرض المقدّسة حراما على أولئك القوم الذين عصوا الله أبدا، ولم يبق منهم أحد بعد أربعين سنة، إنّما بقي يوشع بن نون وكالب. وقيل: مات من النّقباء العشرة الذين فشوا الخبر وهم ثمانية، ومعهم سبعمائة ألف مقاتل، فكان كلّ من دخل التّيه ممّن جاوز عشرين سنة مات في التّيه غير يوشع وكالب، ولم يدخل أريحا ممن قالوا إنّا لن ندخلها، ومات موسى وأخوه هارون حين انقضاء التّيه. وفاة هارون ﵇: قال السّدّيّ: (أوحى الله تعالى إلى موسى: أنّي متوفّ هارون فأت به جبل كذا. فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل، فإذا هما بشجرة لم ير مثلها، فإذا سرير عليها فرش وريح طيّبة، فلمّا نظر هارون إلى ذلك أعجبه، فقال: يا موسى إنّي أحبّ أن أنام على هذا السّرير، قال له: نم عليه، فلمّا نام عليه جاءه ملك الموت، فقال: يا موسى خدعتني. فلمّا توفّي ذهب إلى تلك الشّجرة ورفع السّرير إلى السّماء. فلمّا رجع موسى ﵇ إلى بني إسرائيل وليس معه هارون قالوا: فإنّ موسى قتل هارون وحسده على حب بني إسرائيل. فقال موسى: ويلكم أفتروني أقتل أخي! فلمّا كثروا عليه صلّى ركعتين ثمّ دعا، فنزل السّرير حتّى نظروا إليه فصدّقوه) (٢).

стр. 876

وقال عمر بن ميمون: (مات هارون في بعض الكهوف، فدفنه موسى فرجع إلى بني إسرائيل؛ فقالوا: أين هارون؟ قال: مات، قالوا: لا؛ ولكنّك قتلته لحبنا إيّاه. فتضرّع موسى إلى ربه وشكى ما قال بنو إسرائيل، فأوحى الله إليه: انطلق بهم إلى قبره فأنا باعثه حتّى يخبرهم بأنّه مات. فانطلق بهم إلى قبر هارون؛ فناداه: يا هارون! فخرج من قبره ينفض التّراب عن رأسه، فقال له موسى: أنا قتلتك؟! قال: لا، ولكنّي متّ، قال: فعد إلى مضجعك، وانصرف) (١). وفاة موسى ﵇: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : [جاء ملك الموت إلى موسى ﵇ فقال له: أجب ربّك، فلطم عين ملك الموت ففقأها، فرجع ملك الموت قال: يا رب! إنّك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فقأ عيني، فردّ الله عليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي وقل له: إن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما دارت عليه من شعرة فلك بها سنة، قال: ثمّ ماذا؟ قال: ثمّ الموت، قال: فالآن من قريب، قال: رب أدنيني من الأرض المقدّسة قدر رمية حجر، فقال ﷺ : لو أنّي عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطّريق عند الكثيب الأحمر] (٢). قال محمد بن يحيى: (قد صحّ حديث ملك الموت وموسى عن رسول الله ﷺ لا يردّه إلاّ كلّ مبتدع) (٣).وفي حديث آخر: أنّ النّبيّ ﷺ قال: [إنّ ملك الموت كان يأتي النّاس عيانا، حتّى أتى موسى ﵇ ليقبضه فلطم ففقأ عينه، فجاء ملك الموت بعد ذلك خفية] (٤).

стр. 877

وقال وهب: (خرج موسى لبعض حوائجه، فمرّ برهط من الملائكة يحفرون قبرا لم ير أحسن منه نظرة وبهجة، فقال: يا ملائكة الله لمن هذا القبر؟ قالوا: لعبد كريم، فقال: ما رأيت مضجعا أحسن من هذا! قالوا: يا كليم الله أتحبّ أن يكون لك؟ قال: وددت، قالوا: فانزل واضطجع فيه، ففعل ذلك، ثمّ تنفّس وقبض الله روحه، ثمّ سوّت عليه الملائكة التّراب) (١). وروي: أن يوشع رآه بعد موته في المنام؛ فقال: كيف وجدت الموت؟ قال: كشاة تسلخ وهي حيّة. وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة، فلما مات موسى ﵇ وكان قد استخلف يوشع، سار يوشع بالناس حتى انتهوا إلى مدينة الجبّارين وحاصروهم. فلما كان يوم الجمعة وكادت الشمس تغرب، توضّأ يوشع وصلّى ودعا ربّه وسأله أن ينجز له ما وعده. وذكر أنّ الشمس تغرب ليلة السّبت لا يقاتل فيها، فردّ الله الشّمس حتى كانت في مقدار صلاة الظّهر، فجمع يوشع بني إسرائيل وجعل في سبط منهم سورا فصاحوا سبابيرهم، ودخلوا مدينة أعدائهم فقتلوهم حتى أتى الثمانين رجلا من أصحاب يوشع كانوا يقعدون على الرّجل، ويحزّون رأسه فلا يطيقونه من عظمه، وكان طول كلّ واحد من الجبّارين ثمانين ذراعا، وكان موسى ﵇ قد قتل عوج بن عنق قبل ذلك، وكان طوله ثلاثة وعشرين ألف ذراع وثلاثمائة وثلاثين ذراعا وثلث ذراع، قاله ابن عمر ﵄، وكان يحتجز بالسّحاب ويشرب منه، ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشّمس ويأكله. يروى أنّ طوفان نوح ﵇ غمر جميع جبال الدّنيا وما بلغ إلاّ إلى ركبتيه- وعاش عوج ثلاثة آلاف سنة وسبعمائة سنة-وأهلكه الله تعالى على يدي موسى ﵇. وسبب ذلك أنه كانت محطّة عسكر موسى ﵇ فرسخا في فرسخ، فجاء عوج حتى نظر إليهم ثم جاء الجبل وقدّ منه صخرة على قدر العسكر، ثم حملها ليطبقها

стр. 878

عليهم، فبعث الله طيرا حتى قوّر الصخرة بمنقاره فأنقبها فوقعت في عنق عوج فطوّقته فصرعته، وأقبل موسى ﵇ وطوله عشرة أذرع وعصاه عشرة، ووثب عشرة أذرع إلى جهة السّماء، فما أصاب إلاّ كعبه وهو مصروع في الأرض فقتله (١)،وأقبل جماعة كثيرة معهم سكاكين وخناجر حتى حزّوا رأسه، وكانت أمّه عنقا، ويقال لها: عناق، وكانت إحدى بنات آدم ﵇ وهي أوّل امرأة زنت على وجه الأرض، وكان كل إصبع من أصابعها طوله ثلاثة أذرع وعرضها ذراعين، في كلّ إصبع ظفران مثل المخلبين، فلما زنت بعث الله عليها أسودا كالفيلة، وذبابا كالإبل، ونمورا كالحمر، وسلّطهم عليها فأكلوها (٢). قوله : ﴿*وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ؛﴾ معناه: واقرأ يا محمّد على قومك خبر ابني آدم بالصّدق؛ إذ وضعا على الجبل قربانا، والقربان: ما يتقرّب به إلى الله تعالى. وقيل: معناه: واقرأ على أولاد هؤلاء الذي تقدّم ذكرهم من أهل الكتاب حتى يقرّوا برسالتك. قوله تعالى: ﴿(فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما)﴾ أي قبل القربان من أحدهما، ولم يتقبّل من الآخر، ومعنى القبول: إيجاب الثواب. قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ حوّاء كانت تلد كلّ بطن ولدين ذكر وأنثى؛ إلاّ شيث فإنّها ولدته منفردا، فولدت أوّل بطن قابيل وأخته إقليما، ثمّ ولدت في البطن الثّاني هابيل وأخته لبودا. فلمّا أدركوا، أمر الله آدم أن يزوّج قابيل أخت هابيل، ويزوّج هابيل أخت قابيل، فرضي هابيل وكره قابيل؛ لأنّ أخته كانت أحسنهما، فقال آدم: ما أمر الله إلاّ بهذا يا بنيّ؛ ولا يحلّ لك. فأبى أن يقبل؛ وقال: إنّ الله لم يأمر بهذا وإنّما هو من رأيك. فقال لهما: قرّبا قربانا؛ فأيّكما يقبل قربانه فهو أحقّ بها.

стр. 879

وكان هابيل صاحب غنم، وقابيل صاحب حرث، فقرّب هابيل كبشا سمينا ولبنا وزبدا، وقرّب قابيل سنبلا من شرّ زرعه، وأضمر في قلبه ما أبالي أتقبل منّي أم لا، لا يتزوّج أختي أبدا، وأضمر هابيل في نفسه الرّضا لله . فوضعا قربانهما على الجبل، فنزلت نار من السّماء فما أكلت شيئا من السّنبل بعد، ثمّ أكلت الكبش واللّبن والزّبد، فذلك قوله تعالى ﴿(فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ)﴾ (١). فنزلوا الجبل وتفرّقوا، وكان آدم ﵇ معهم، فذهب هابيل إلى غنمه، وقابيل إلى زرعه غضبان وأظهر الحسد لهابيل، وقال: يا هابيل لأقتلنّك! قال: وذلك لأنّ الله تعالى تقبّل قربانك وردّ عليّ قرباني، وتنكح أختي الحسنة، وأنكح أختك القبيحة، فيحدّث النّاس أنّك خير منّي. ﴿قالَ؛﴾ هابيل: ما ذنبي في ذلك؟!) (٢). ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٧)؛أي من الزّاكية قلوبهم الذين يخافون على حسناتهم أن لا تقبل، ولم تكن أنت زاكي القلب، فردّ الله قربانك حيث نيّتك. وقيل: أراد بالمتّقين الذين يتّقون الشّرك. قال ابن عبّاس: (كان قابيل كافرا) وفي أكثر الرّوايات أنّه كان رجل سوء. قال الحسن: (كان الرّجل إذا أراد أن يقرّب القربان؛ تعبّد وتاب وتطهّر من الذّنوب ولبس الثّياب البيض، ثمّ قرّب وقام يدعو الله، فإن قبل الله قربانه جاءت النّار فأكلته، وذلك علامة القبول، وإن لم تجئ نار فذلك علامة الرّدّ). قوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ؛﴾ أي قال هابيل مجيبا لقابيل: لئن مددت يدك إلى القتل ظلما ما أنا بالّذي أمدّ يدي إليك لأقتلك ظلما، قال قابيل: ولم ذلك؟ قال: ﴿إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ (٢٨)؛بقتلك ظلما. واختلف العلماء في وقت مولد قابيل وهابيل، قال بعضهم: غشي آدم حوّاء بعد ما هبط إلى الأرض بمائة سنة، فولدت له قابيل وتوأمته في بطن، ثم بعد ذلك

стр. 880

البطن هابيل وتوأمته. قال ابن عبّاس: (ولم يمت آدم حتّى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا). وقال بعضهم: كان آدم يغشى حوّاء في الجنّة، فحملت بقابيل وتوأمته، فلم تجد عليهما وحما ولا وصبا ولا طلقا ولا نفاسا لطهر الجنّة، فلما هبط إلى الأرض تغشّاها فحملت بهابيل وتوأمته، فوجدت عليهما الوحم والوصب والطّلق والدّم. قوله : ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ؛﴾ أي قال هابيل لقابيل: إن كنت تريد قتلي فلا ترجع عنه، فإنّي أريد أن ترجع إلى الله بإثم دمي وإثم ذنبك الذي من أجله لم يتقبّل قربانك، ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ؛﴾ في الآخرة؛ ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ (٢٩)؛أي وذلك عقوبة من لم يرض بحكم الله. قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٣٠)؛أي طاوعته نفسه، وقيل: زيّنت له قتله فقتله. قال السّدّيّ: (لمّا قصد قابيل قتل هابيل أتاه في رأس جبل وهو نائم وغنمه ترعى، فأخذ صخرة فشدخ بها رأسه فمات). وقال الضحّاك: (كان قابيل لا يدري كيف يقتله حتّى جاء إبليس وبيده حيّة فوضعها بين حجرين، فرضخ رأسها بالحجر وقابيل ينظر، فلما نظر ذلك جاء إلى هابيل فلم يزل يضرب بالحجارة على رأسه حتّى قتله، وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة).واختلفوا في موضع قتله، قيل: قتل على جبل ثور. وقيل: بالبصرة. فلمّا مات هابيل قصدته السّباع لتأكله، فحمله قابيل على ظهره حتى انتنّ ريحه، فعكف الطّيور والسّباع حواليه تنتظر متى يرمي به فتأكله، ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ،﴾ فبعث الله غرابين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، ثم حفر له بمنقاره ورجله، ثم ألقاه في الحفيرة وواراه، وقابيل ينظر إليه، ف؛ ﴿قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ (٣١).
следующие страницы →