وقال عمر بن ميمون: (مات هارون في بعض الكهوف، فدفنه موسى فرجع إلى بني إسرائيل؛ فقالوا: أين هارون؟ قال: مات، قالوا: لا؛ ولكنّك قتلته لحبنا إيّاه.
فتضرّع موسى إلى ربه وشكى ما قال بنو إسرائيل، فأوحى الله إليه: انطلق بهم إلى قبره فأنا باعثه حتّى يخبرهم بأنّه مات. فانطلق بهم إلى قبر هارون؛ فناداه: يا هارون! فخرج من قبره ينفض التّراب عن رأسه، فقال له موسى: أنا قتلتك؟! قال: لا، ولكنّي متّ، قال: فعد إلى مضجعك، وانصرف) (١).
وفاة موسى ﵇:
قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : [جاء ملك الموت إلى موسى ﵇ فقال له: أجب ربّك، فلطم عين ملك الموت ففقأها، فرجع ملك الموت قال: يا رب! إنّك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فقأ عيني، فردّ الله عليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي وقل له: إن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما دارت عليه من شعرة فلك بها سنة، قال: ثمّ ماذا؟ قال: ثمّ الموت، قال: فالآن من قريب، قال: رب أدنيني من الأرض المقدّسة قدر رمية حجر، فقال ﷺ : لو أنّي عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطّريق عند الكثيب الأحمر] (٢).
قال محمد بن يحيى: (قد صحّ حديث ملك الموت وموسى عن رسول الله ﷺ لا يردّه إلاّ كلّ مبتدع) (٣).وفي حديث آخر: أنّ النّبيّ ﷺ قال: [إنّ ملك الموت كان يأتي النّاس عيانا، حتّى أتى موسى ﵇ ليقبضه فلطم ففقأ عينه، فجاء ملك الموت بعد ذلك خفية] (٤).
стр. 877
وقال وهب: (خرج موسى لبعض حوائجه، فمرّ برهط من الملائكة يحفرون قبرا لم ير أحسن منه نظرة وبهجة، فقال: يا ملائكة الله لمن هذا القبر؟ قالوا: لعبد كريم، فقال: ما رأيت مضجعا أحسن من هذا! قالوا: يا كليم الله أتحبّ أن يكون لك؟ قال: وددت، قالوا: فانزل واضطجع فيه، ففعل ذلك، ثمّ تنفّس وقبض الله روحه، ثمّ سوّت عليه الملائكة التّراب) (١).
وروي: أن يوشع رآه بعد موته في المنام؛ فقال: كيف وجدت الموت؟ قال:
كشاة تسلخ وهي حيّة. وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة، فلما مات موسى ﵇ وكان قد استخلف يوشع، سار يوشع بالناس حتى انتهوا إلى مدينة الجبّارين وحاصروهم. فلما كان يوم الجمعة وكادت الشمس تغرب، توضّأ يوشع وصلّى ودعا ربّه وسأله أن ينجز له ما وعده.
وذكر أنّ الشمس تغرب ليلة السّبت لا يقاتل فيها، فردّ الله الشّمس حتى كانت في مقدار صلاة الظّهر، فجمع يوشع بني إسرائيل وجعل في سبط منهم سورا فصاحوا سبابيرهم، ودخلوا مدينة أعدائهم فقتلوهم حتى أتى الثمانين رجلا من أصحاب يوشع كانوا يقعدون على الرّجل، ويحزّون رأسه فلا يطيقونه من عظمه، وكان طول كلّ واحد من الجبّارين ثمانين ذراعا، وكان موسى ﵇ قد قتل عوج بن عنق قبل ذلك، وكان طوله ثلاثة وعشرين ألف ذراع وثلاثمائة وثلاثين ذراعا وثلث ذراع، قاله ابن عمر ﵄، وكان يحتجز بالسّحاب ويشرب منه، ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشّمس ويأكله.
يروى أنّ طوفان نوح ﵇ غمر جميع جبال الدّنيا وما بلغ إلاّ إلى ركبتيه- وعاش عوج ثلاثة آلاف سنة وسبعمائة سنة-وأهلكه الله تعالى على يدي موسى ﵇. وسبب ذلك أنه كانت محطّة عسكر موسى ﵇ فرسخا في فرسخ، فجاء عوج حتى نظر إليهم ثم جاء الجبل وقدّ منه صخرة على قدر العسكر، ثم حملها ليطبقها
стр. 878
عليهم، فبعث الله طيرا حتى قوّر الصخرة بمنقاره فأنقبها فوقعت في عنق عوج فطوّقته فصرعته، وأقبل موسى ﵇ وطوله عشرة أذرع وعصاه عشرة، ووثب عشرة أذرع إلى جهة السّماء، فما أصاب إلاّ كعبه وهو مصروع في الأرض فقتله (١)،وأقبل جماعة كثيرة معهم سكاكين وخناجر حتى حزّوا رأسه، وكانت أمّه عنقا، ويقال لها: عناق، وكانت إحدى بنات آدم ﵇ وهي أوّل امرأة زنت على وجه الأرض، وكان كل إصبع من أصابعها طوله ثلاثة أذرع وعرضها ذراعين، في كلّ إصبع ظفران مثل المخلبين، فلما زنت بعث الله عليها أسودا كالفيلة، وذبابا كالإبل، ونمورا كالحمر، وسلّطهم عليها فأكلوها (٢).
قوله : ﴿*وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ؛﴾ معناه: واقرأ يا محمّد على قومك خبر ابني آدم بالصّدق؛ إذ وضعا على الجبل قربانا، والقربان: ما يتقرّب به إلى الله تعالى. وقيل: معناه: واقرأ على أولاد هؤلاء الذي تقدّم ذكرهم من أهل الكتاب حتى يقرّوا برسالتك. قوله تعالى: ﴿(فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما)﴾ أي قبل القربان من أحدهما، ولم يتقبّل من الآخر، ومعنى القبول: إيجاب الثواب.
قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ حوّاء كانت تلد كلّ بطن ولدين ذكر وأنثى؛ إلاّ شيث فإنّها ولدته منفردا، فولدت أوّل بطن قابيل وأخته إقليما، ثمّ ولدت في البطن الثّاني هابيل وأخته لبودا. فلمّا أدركوا، أمر الله آدم أن يزوّج قابيل أخت هابيل، ويزوّج هابيل أخت قابيل، فرضي هابيل وكره قابيل؛ لأنّ أخته كانت أحسنهما، فقال آدم: ما أمر الله إلاّ بهذا يا بنيّ؛ ولا يحلّ لك. فأبى أن يقبل؛ وقال: إنّ الله لم يأمر بهذا وإنّما هو من رأيك. فقال لهما: قرّبا قربانا؛ فأيّكما يقبل قربانه فهو أحقّ بها.
стр. 879
وكان هابيل صاحب غنم، وقابيل صاحب حرث، فقرّب هابيل كبشا سمينا ولبنا وزبدا، وقرّب قابيل سنبلا من شرّ زرعه، وأضمر في قلبه ما أبالي أتقبل منّي أم لا، لا يتزوّج أختي أبدا، وأضمر هابيل في نفسه الرّضا لله . فوضعا قربانهما على الجبل، فنزلت نار من السّماء فما أكلت شيئا من السّنبل بعد، ثمّ أكلت الكبش واللّبن والزّبد، فذلك قوله تعالى ﴿(فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ)﴾ (١).
فنزلوا الجبل وتفرّقوا، وكان آدم ﵇ معهم، فذهب هابيل إلى غنمه، وقابيل إلى زرعه غضبان وأظهر الحسد لهابيل، وقال: يا هابيل لأقتلنّك! قال: وذلك لأنّ الله تعالى تقبّل قربانك وردّ عليّ قرباني، وتنكح أختي الحسنة، وأنكح أختك القبيحة، فيحدّث النّاس أنّك خير منّي. ﴿قالَ؛﴾ هابيل: ما ذنبي في ذلك؟!) (٢).
﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٧)؛أي من الزّاكية قلوبهم الذين يخافون على حسناتهم أن لا تقبل، ولم تكن أنت زاكي القلب، فردّ الله قربانك حيث نيّتك.
وقيل: أراد بالمتّقين الذين يتّقون الشّرك. قال ابن عبّاس: (كان قابيل كافرا) وفي أكثر الرّوايات أنّه كان رجل سوء. قال الحسن: (كان الرّجل إذا أراد أن يقرّب القربان؛ تعبّد وتاب وتطهّر من الذّنوب ولبس الثّياب البيض، ثمّ قرّب وقام يدعو الله، فإن قبل الله قربانه جاءت النّار فأكلته، وذلك علامة القبول، وإن لم تجئ نار فذلك علامة الرّدّ).
قوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ؛﴾ أي قال هابيل مجيبا لقابيل: لئن مددت يدك إلى القتل ظلما ما أنا بالّذي أمدّ يدي إليك لأقتلك ظلما، قال قابيل: ولم ذلك؟ قال: ﴿إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ (٢٨)؛بقتلك ظلما.
واختلف العلماء في وقت مولد قابيل وهابيل، قال بعضهم: غشي آدم حوّاء بعد ما هبط إلى الأرض بمائة سنة، فولدت له قابيل وتوأمته في بطن، ثم بعد ذلك
стр. 880
البطن هابيل وتوأمته. قال ابن عبّاس: (ولم يمت آدم حتّى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا).
وقال بعضهم: كان آدم يغشى حوّاء في الجنّة، فحملت بقابيل وتوأمته، فلم تجد عليهما وحما ولا وصبا ولا طلقا ولا نفاسا لطهر الجنّة، فلما هبط إلى الأرض تغشّاها فحملت بهابيل وتوأمته، فوجدت عليهما الوحم والوصب والطّلق والدّم.
قوله : ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ؛﴾ أي قال هابيل لقابيل:
إن كنت تريد قتلي فلا ترجع عنه، فإنّي أريد أن ترجع إلى الله بإثم دمي وإثم ذنبك الذي من أجله لم يتقبّل قربانك، ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ؛﴾ في الآخرة؛ ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ (٢٩)؛أي وذلك عقوبة من لم يرض بحكم الله.
قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٣٠)؛أي طاوعته نفسه، وقيل: زيّنت له قتله فقتله. قال السّدّيّ:
(لمّا قصد قابيل قتل هابيل أتاه في رأس جبل وهو نائم وغنمه ترعى، فأخذ صخرة فشدخ بها رأسه فمات).
وقال الضحّاك: (كان قابيل لا يدري كيف يقتله حتّى جاء إبليس وبيده حيّة فوضعها بين حجرين، فرضخ رأسها بالحجر وقابيل ينظر، فلما نظر ذلك جاء إلى هابيل فلم يزل يضرب بالحجارة على رأسه حتّى قتله، وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة).واختلفوا في موضع قتله، قيل: قتل على جبل ثور. وقيل: بالبصرة.
فلمّا مات هابيل قصدته السّباع لتأكله، فحمله قابيل على ظهره حتى انتنّ ريحه، فعكف الطّيور والسّباع حواليه تنتظر متى يرمي به فتأكله، ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ،﴾ فبعث الله غرابين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، ثم حفر له بمنقاره ورجله، ثم ألقاه في الحفيرة وواراه، وقابيل ينظر إليه، ف؛ ﴿قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ (٣١).
стр. 881
وعن ابن عباس قال: (لمّا قتل قابيل هابيل رجع إلى أبيه قبل أن يدفنه، فلمّا أبطأ هابيل قال آدم ﵇: يا قابيل أين أخوك؟ قال: ما رأيته؛ وكأنّني به أرسل غنمه في زرعي فأفسده، فلعلّه خاف أن يجيء من أجل ذلك، قال: وحسّت نفس آدم، فبات ليلته تلك محزونا، فلمّا أصبح قابيل غدا إلى ذلك الموضع، فإذا هو بغراب يبحث في الأرض على غراب ميّت ليواريه) (١).
وقيل: بعث الله الغراب إكراما لهابيل، وكان الغراب يحثي التراب على هابيل ليري قابيل كيف يواريه؛ أي كيف يغطّي عورته. وفي الخبر: أنّه لمّا قتله سلبه ثيابه، وتركه عريانا. وقيل: أراد بالسّوءة جسد المقتول، سماه سوأة لأنه لمّا بقي على وجه الأرض تغيّر ونتن، والسوءة في اللغة: عبارة عن كل شيء مستنكر.
قوله تعالى: ﴿(فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ)؛﴾ الخاسرين، أي صار من المغبونين بالوزر والعقوبة. قال الكلبيّ: (كان قابيل أوّل من عصى الله في الأرض من ولد آدم، وهو أوّل من يساق إلى النّار).
وقال مقاتل: (كان قبل ذلك تستأنس الطّيور والسّباع والوحوش به، فلمّا قتل قابيل نفروا، فلحقت الطّيور بالهواء؛ والوحوش بالبرّيّة؛ والسّباع بالفيافي وشاك الشّجر، وتغيّرت الأطعمة وحمضت الفواكه واغبرّت الأرض).وقال عبد الله المخزوميّ: (لمّا قتل هابيل رجفت الأرض بما عليها سبعة أيّام).وقال سالم بن أبي الجعد: (مكث آدم ﵇ حزينا على قتل ولده هابيل مائة سنة لا يضحك) (٢).
قوله تعالى: ﴿(لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ)﴾ أي أرسل الله غرابا يثير التراب على غراب آخر ميت بمنقاره وبرجله، فلما أبصر قابيل الغراب يبحث في الأرض دعا بالويل على نفسه، فقال: ﴿(يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ)﴾ والويل: كلمة تستعمل عند الوقوع في الشدّة والهلكة.
قوله تعالى: ﴿(فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ)﴾ يحتمل أنه ندم ندم توبة عن جميع ما قال وفعل، ويحتمل أنه ندم على ترك مواراة سوأة أخيه، فإن كانت الأولى فالله توّاب
стр. 882
رحيم، وإن كانت الثانية فإثم القتل في عنقه. قال ابن عبّاس: (لو كانت ندامته على قتله لكانت توبة منه).وقيل: إنه إنما ندم لأنه لم ينتفع بقتله ولم يحصل له مراده، فكان ندمه لأجل ذلك لا يقبح فعله، ولو كان ندمه تقرّبا إلى الله .
قال ابن عبّاس: (فقال الله تعالى لقابيل: كن خائفا لا ترى شيئا إلاّ خفت منه أن يقتلك، قال: وكان كلّ من رأى قابيل رماه بالحجارة، فأبصره بعض ولد ولده فرماه بالحجارة حتّى قتله) ويقال: كان على جبل فنطحه ثور فوقع إلى سفح الجبل فتفرّقت أوصاله. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [لا تقتل نفس ظلما إلاّ كان على ابن آدم كفل من دمها، لأنّه أوّل من سنّ القتل] (١).
قال مقاتل: (وتزوّج شيث بإقليما) (٢).وقال الضحّاك: (لمّا قتل قابيل هابيل حمله على ظهره، ولم يدر كيف يصنع به، فمكث ثلاثة أيّام يحمله على ظهره لا يدري ماذا يصنع به، فبعث الله غرابين يقتتلان، فقتل أحدهما صاحبه، ثمّ أخذ يحفر في الأرض، وأخذ برجل الغراب القتيل وألقاه في الحفيرة) فذلك قوله تعالى:
﴿(فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ)﴾ (٣).
قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ؛﴾ أي من أجل ذلك القتل الذي عرفه بنو إسرائيل واشتهر عندهم، فرضنا وأوجبنا عليهم في التّوراة:
﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ؛﴾ أي من غير أن يجب عليه القود، ﴿أَوْ؛﴾ بغير؛ ﴿فَسادٍ فِي الْأَرْضِ؛﴾ نحو الشّرك وقطع الطريق والزّنا عند الإحصان، ﴿فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً؛﴾ أي استوجب النار بقتل النفس الواحدة، كما يستوجبها من قتل الناس جميعا، وقيل: معناه: إنّ على الناس كلهم معونة وليّ القتيل حتى يفتدوه، ويكونوا كلّهم خصما للقاتل حتى يقاد. وقيل: إن المراد به استحقاق القتل عليه بقتل النفس الواحدة.
стр. 883
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً؛﴾ أي من استنقذ نفسا من غرق أو من حرق أو مما يميتها لا محالة، أو استنقذها من كفر أو ضلالة فأحياها بالنعيم الدائم في الجنّة، أو عفى عن دمها بعد ما وجب عليها القصاص استوجب الجنّة، كما استوجبها من أحيا الناس جميعا. وعن ابن عبّاس قال:
قال رسول الله ﷺ : [من سقا مؤمنا شربة من ماء والماء موجود فكأنّما أعتق سبعين رقبة، ومن سقاها في غير موطنها فكأنّما أحيا نفسا، ومن أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعا] (١).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ؛﴾ أي لقد جاءت بني إسرائيل رسلنا بالأوامر والنواهي والعلامات الواضحات، ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ؛﴾ بعد أن جاءتهم الدلائل والمعجزات، ﴿فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ (٣٢)؛مشركون تاركو أمر الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ؛﴾ قال ابن عبّاس: (إنّ رسول الله ﷺ وادع أبا بردة هلال بن عويمر الأسلميّ: [على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن أتاه من المسلمين فهو آمن، ومن
стр. 884
أمّن المسلمين منهم فهو آمن، ومن مرّ بهلال بن عويمر إلى رسول الله ﷺ فهو آمن].
فمرّ قوم من بني كنانة يريدون الإسلام على قوم ممّن أسلم من قوم هلال، ولم يكن هلال يومئذ حاضرا، فخرج أصحابه إليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأنزل الله فيهم هذه الآية) (١).
ومعناها: ﴿(إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ)﴾ الفساد نحو القتل والنّهب والتخريب وقطع الطريق ﴿(أَنْ يُقَتَّلُوا)﴾ إن قتلوا أحدا ولم يأخذوا المال ﴿(أَوْ يُصَلَّبُوا)﴾ مقتولين إن قتلوا وأخذوا المال، ﴿(أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ)﴾ اليد اليمين من الرّسغ، والرّجل اليسرى من الكعب إن أخذوا المال ولم يقتلوا أحدا، ﴿(أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ)﴾ إن أخافوا الطريق ولم يفعلوا سوى ذلك.
واختلفوا في معنى النّفي، قال بعضهم: يعني الحبس، وقال بعضهم: هو الطلب حتى لا يستقرّ بهم مكان. والتوفيق بين القولين: أنّهم إن أخذوا بعد ما أخافوا الطريق؛ أودعهم الإمام السّجن حتى يتوبوا أو يموتوا، وإن لم يؤخذوا أمر بطلبهم، وأمر أن ينادى في الناس: أنّ من قتلهم لا سبيل عليه.
وإنما سمي الحبس نفيا؛ لأنه يمنع المحبوسين من التردّد والتصرّف في الأرض، ويكون ذلك بمنزلة النّفي من الأرض.
واختلفوا في كيفيّة الصّلب مع القتل. قال أبو حنيفة: (يصلب حيّا ليرى النّاس ويروه؛ ويكون ذلك زيادة عقوبة له، ثمّ تبعج بطنه بالرّمح؛ يطعن في خاصرته حتّى يموت).وقال أبو يوسف والشافعيّ: (يقتل ثمّ يصلب).قوله تعالى: ﴿ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا؛﴾ أي فضيحة في الدنيا، ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣٣)؛أعظم من هذا.
وقال مقاتل وسعيد بن جبير: (نزلت هذه الآية في قوم من بني عرينة، قدموا المدينة على رسول الله ﷺ وبايعوه على الإسلام، وهم كذبة وليس يريدون
стр. 885
الإسلام، فاجتووا المدينة وعظمت بطونهم واصفرّت وجوههم، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا إلى إبل الصّدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا ذلك حتّى صحّوا، ثمّ قتلوا الرّعاة واستاقوا الإبل وارتدّوا عن الإسلام.
فصاح الصّائح: يا خيل الله اركبي. فركبوا لا ينتظر فارس فارسا، فأسرعوا في طلبهم، وبعث رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه في طلبهم، فجاءوا بهم، فقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمّل أعينهم، وتركهم بالحياة حتّى ماتوا، فأنزل الله هذه الآية، فصارت عامّة في قطّاع الطّرق ناسخة لتسميل العين) (١).
وقال اللّيث بن سعد: (نزلت هذه الآية معاتبة لرسول الله ﷺ وتعليما لهم عقوبتهم، فقال تعالى: ﴿(إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا)﴾ ولم يكن جزاؤهم هذه المثلة الّتي هي السّمل، فقام رسول الله خطيبا ونهى عن المثلة) (٢).
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ؛﴾ معناه: أن يقتّلوا أو يصلّبوا إلاّ الذين تابوا من قطع الطّريق من قبل أن يقدر عليهم الإمام، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ؛﴾ لعباده، ﴿رَحِيمٌ﴾ (٣٤)؛بهم بعد التوبة.
روى الشعبيّ: (أنّ حارثة بن زيد خرج محاربا في عهد عليّ ﵁، فأخاف السّبل وسفك الدّماء وأخذ الأموال، ثمّ جاء تائبا فأتى الحسن بن عليّ فطلب إليه أن يستأمن له عليا كرّم الله وجهه فأبى، فأتى عبد الله بن جعفر فأبى عليه، فأتى سعد بن قيس الهمدانيّ فقبله وضمّه إليه، فلمّا صلّى عليّ ﵁ صلاة الغداة، أتى سعد بن قيس الهمدانيّ وقال: يا أمير المؤمنين؛ ما جزاء الّذين يحاربون الله ورسوله؟ قال:
أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف. قال: ما تقول فيمن تاب من قبل أن تقدر عليه؟ قال: أقول كما قال الله تعالى: ﴿(إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ﴾
стр. 886
﴿تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)﴾ فقال سعد بن قيس: وإن كان حارثة بن زيد؟ قال: نعم، فجاء به إليه، فبايعه وأمّنه وكتب له أمانا منشورا، فقال حارثة:
ألا أبلغنّ همدان إمّا لقيتها ... على النّأي لا يسلم عدوّ يعيبها
لعمرو أبيها إنّ همدان تتّقى ال ... إله ويقضى بالكتاب خطيبها (١)
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ؛﴾ أي يا أيّها الذين آمنوا اخشوا عذاب الله واحذروا معاصيه، واطلبوا إليه القربة بالأعمال الصالحة، ﴿وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ؛﴾ أعداء الله في طاعته، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣٥)؛أي لعلّكم تظفرون بعدوّكم في الدنيا، وتنجوا من النار في العقبى. والوسيلة: القربة، وهي فعيلة من: توسّل إلى فلان بكذا؛ أي تقرّب إليه، وجمعها وسائل. قال الشاعر (٢):
إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا ... وعاد التّصافى بيننا والوسائل
وقال عطاء: (الوسيلة: أفضل درجات الجنّة)،قال ﷺ : [سلوا الله لي الوسيلة، فإنّها درجة في الجنّة لا ينالها إلاّ عبد واحد، وأرجو من الله أن أكون أنا هو] (٣).
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ؛﴾ وفي الآية إزالة طمع الكفّار عن التخلّص من عذاب الآخرة، يقول: لو ماتوا على الكفر، وكان لهم ما في الأرض جميعا من الأموال بأسرها وضعفه معه ليشتروا به أنفسهم من عذاب الله ما تقبل ذلك الفداء منهم لو فادوا، ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣٦)؛وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم.
стр. 887
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ (٣٧)؛قيل: معناه: كلّما رفعتهم النار بلهبها يتمنّوا أن يخرجوا منها، يقول الله تعالى: ﴿(وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ)﴾ دائم لا ينقطع.
قوله : ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت في طعمة بن أبيرق سارق الدّرع) وقد مضت قصّته في سورة النساء، ثم صارت عامّة في جميع الناس. ومعنى الآية: والسارق من الرجال والسارقة من النّساء فاقطعوا أيديهما أي أيمانهما كذا تأوّله ابن عباس. وفي قراءة ابن مسعود:
«(فاقطعوا أيمانهما)».
وقرأ عيسى بن عمر: «(والسّارق والسّارقة)» بالنصب على إضمار اقطعوا السارق والسارقة، كما تقول: زيدا اضربه، والقراءة المختارة: الرفع؛ لأن القطع على الأيدي لا على السارق. وقال المبرّد: (ليس القصد من الكلام إلى واحد بعينه، وإنّما معناه: من سرق فاقطعوا يده، بخلاف قولك: زيدا اضربه. ولو أراد سارقا بعينه لكان وجه الكلام النّصب).وعلى هذا قوله تعالى: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما﴾ (١) ولو أراد زانيا بعينه لنصب.
وإنما ذكر أيديهما بلفظ الجمع؛ لأنه أراد أيمانهما؛ لأنّ ما كان واحدا فبيّنه بلفظ الجمع والإضافة إلى الاثنين، ومثل ذلك ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ (٢)،والإضافة إلى الاثنين يدلّ على أن المراد به التثنية دون الجمع.
فإن قيل: لأيّ معنى قدّم الله ذكر السارق على السّارقة، وقدّم ذكر الزانية على الزاني؟ قيل: لأنّ السرقة في الرجال أكثر، والنساء هي أصل الفتنة للرجال بالتعريض لهم، ولو لزمت المرأة بيتها كما أمر الله تعالى لم تقع هي، ولا الرجال في الزّنا.
واختلفوا في كم تقطع يد السارق من المال إذا سرقه، فقال بعضهم: في عشرة دراهم فصاعدا، ولا يقطع فيما دون ذلك، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، وكان
стр. 888
سليمان بن يسار لا يقطع الخمس إلاّ في خمسة دراهم. وقال مالك: (يقطع في ثلاثة دراهم فصاعدا) (١)،وقال الأوزاعيّ والشافعي: (يقطع في ربع دينار فصاعدا) (٢).
وقال بعضهم: يقطع في القليل والكثير ولو كان دانقا، وهو قول ابن عبّاس.
وقال بعضهم: في درهم.
ولو قطع السارق ثم عاد فسرق، قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثا قال أبو حنيفة وأصحابه: (لا يقطع، لما روي أنّ عليّا كرّم الله وجهه أتي بسارق فقطع يده اليمنى، ثمّ أتي به مرّة أخرى فقطع رجله اليسرى، ثمّ أتي به ثالثة فضربه وحبسه وقال: إنّي أستحي من الله أن لا أدع له يدا يستنجي بها ولا رجلا يمشي بها) (٣).
قوله تعالى: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا؛﴾ أي عقوبة على ما فعلا، وانتصب (جزاء) لأنه مفعول له، كأنه قال: فاقطعوهما لجزاء فعلهما. قوله تعالى: ﴿نَكالاً مِنَ اللهِ؛﴾ أي عقوبة وفضيحة من الله. والنّكال: هو أن ينكّل به ليعتبر به غيره فينكل؛ أي لا يفعل مثل فعله. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣٨)؛أي منيع بالنّقمة من السارق، ذو حكمة فيما حكم من القطع لما في ذلك من زجر السّارق عن غيّهم صيانة لأموال الناس.
стр. 889
وظاهر الآية يقتضي وجوب القطع على السّارق في القليل والكثير، وهو قول الخوارج، إلاّ أنه قد ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: [لا قطع في أقلّ من عشرة دراهم] (١) وبه أخذ أصحابنا، وروي عن عليّ وابن مسعود مثل قولنا.
وعن عمر ﵁ أنه قال: (لا تقطع الخمس إلاّ في خمس) أي الخمس أصابع لا تقطع إلاّ في خمسة دراهم (٢).وعن عائشة ﵂؛ أنّها قالت: (لا قطع إلاّ في ربع دينار) (٣) وهو قول الشافعيّ. وقال عبد الله بن عمر: (ثلاثة دراهم) (٤).
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ؛﴾ أي من تاب من السراق من بعد سرقته وأصلح العمل فيما بينه وبين الله تعالى، ﴿فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ؛﴾ أي يتجاوز عنه ولا يؤاخذه في الآخرة، ولا تقطع يده إذا ردّ المال قبل المرافعة إلى الحاكم، ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣٩)؛بمن مات على التوبة.
وأما إذا رفع إلى الحاكم ثم تاب فالقطع واجب، فإن كانت توبته حقيقة كان ذلك زيادة درجات له، كما أنّ الله تعالى ابتلى الصالحين والأنبياء بالبلايا والمحن والأمراض زيادة لهم في درجاتهم، وإن لم تكن توبته حقيقة كان الحدّ عقوبة له على ذنبه، وهو مؤاخذ في الآخرة إن لم يتب.
وعن عبد الله بن عامر قال: سرقت امرأة على عهد رسول الله ﷺ فجاءوا بها إليه، قالوا: يا رسول الله إنّ هذه المرأة سرقتنا، فقال قومها: نحن نفديها، فقال رسول
стр. 890
الله ﷺ : [اقطعوا يدها] قالوا: نحن نفديها بخمسمائة مثقال، فقال: [اقطعوا يدها] فقطعت يدها اليمنى، فقالت المرأة: هل من توبة يا رسول الله؟ قال: [نعم إنّ التّوبة تخرجك عن خطيئتك كيوم ولدتك أمّك].فأنزل الله هذه الآية ﴿(فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ)﴾ (١).
وعن عائشة قالت: كانت امرأة مخزوميّة تستعير المتاع وتجحده، فأمر رسول الله ﷺ بقطع يدها، فأتى أهلها أسامة فكلّموه، فكلّم النّبيّ ﷺ فقال: [يا أسامة لا أراك تكلّمني في حدّ من حدود الله] ثمّ قام خطيبا فقال: [إنّما هلك من قبلكم بأنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضّعيف قطعوه، والّذي نفسي بيده، لو كانت فاطمة ابنة محمّد لقطعت يدها].أعاذها الله من ذلك، فقطع يد المخزوميّة (٢).
قوله : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي له القدرة على أهل السّماوات والأرض، والخطاب للنبيّ ﷺ . قوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ؛﴾ أي يعذّب من يشاء على الذنب الصغير وهو عدل منه، ويغفر لمن يشاء الذنب العظيم وهو فضل منه؛ أي يعذّب من توجب الحكمة تعذيبه، ويغفر لمن توجب الحكمة مغفرته، ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤٠).
وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ؛﴾ أي لا يحزنك يا محمّد فعل الذين يسارع بعضهم بعضا في الإقامة على الكفر والحثّ عليه.
قرأ نافع: «(يحزنك)» بضمّ الياء، ومعناهما واحد. وقرأ السلميّ: «(يسرعون في الكفر)» وقوله تعالى: ﴿(مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ)﴾ وهم المنافقون
стр. 891
﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا؛﴾ أي ومن يهود المدينة الذين هم أهل الصّلح للنبيّ ﷺ .
وفي هذا تسلية للنبيّ ﷺ وتثبيت لفؤاده بوعد النّصرة والظفر، وإعلام أنّ اليهود والنصارى والمنافقين لا يضرّونه.
قوله تعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ؛﴾ أي قابلون للكذب، يعني بني قريظة هم سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك، يعني يهود خيبر، وذلك: أنّ رجلا وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا، وكانت خيبر حربا لرسول الله ﷺ ، وكان الزّانيان محصنين، وكان حدّهما الرّجم في التّوراة، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما، وقالوا: إنّ هذا الرّجل الّذي في يثرب ليس في كتابه الرّجم ولكنّه الضّرب، فأرسلوا إلى إخوانكم بني قريظة، فإنّهم صلح له وجيرانه فيسألونه عن ذلك، فبعثوا رهطا منهم مستخفين، وقالوا لهم: اسألوا محمّدا عن الزّانيين محصنين ما حدّهما؟ فإن أمركم بالجلد فاقبلوا منه، وإن أمركم بالرّجم فاحذروه ولا تقبلوا منه، وأرسلوا الزّانيين معهم.
فقدم الرّهط إلى بني قريظة والنّضير، وذكروا لهم ذلك وقالوا: اسألوا لنا محمّدا عن قضائه، فقال لهم بنو قريظة: إذا والله يأمركم بما تكرهون، ثمّ انطلق منهم قوم مثل كعب بن الأشرف وكعب بن أسد وسبعة بن عمر ومالك بن الصّيف وعازوراء وغيرهم، وقالوا: يا محمّد أخبرنا عن الزّانية والزّاني إذا أحصنا ما حدّهما وكيف تجد في كتابك؟ فقال ﷺ : [وهل ترضون بقضائي في ذلك؟] قالوا: نعم، فنزل جبريل ﵇ بالرّجم، فأخبرهم فأبوا أن يأخذوا به.
فقال جبريل ﵇: اجعل بينك وبينهم ابن صوريّا فقال لهم رسول الله ﷺ : [هل تعرفون شابّا من الرّبيّين أعور سكن فدك؟] قالوا: نعم، قال: [فأيّ رجل هو فيكم؟] قالوا: هو أعلم من على وجه الأرض من اليهود بالتّوراة، قال:
[فأرسلوا له]،ففعلوا، فأتاهم ابن صوريّا، فقال له النّبيّ ﷺ : أنت ابن صوريّا؟] قال: نعم، قال: [أنت أعلم اليهود؟] قال: كذلك يزعمون، قال: [أتجعلونه بيني وبينكم؟] قالوا: نعم قد رضينا به إذا رضيت به.
فقال له النّبيّ ﷺ : [أنشدك بالله الّذي لا إله إلاّ هو القويّ، إله بني إسرائيل الّذي أنزل التّوراة على موسى، والّذي فلق لكم البحر فأنجاكم وأغرق آل فرعون،
стр. 892
والّذي ظلّل عليكم الغمام، وأنزل عليكم المنّ والسّلوى، هل تجدون في كتابكم الرّجم على من أحصن؟] قال ابن صوريّا: نعم والّذي ذكّرتني به؛ ولولا خشية أن تحرقني التّوراة إن كذبت أو غيّرت لما أعرفت لك، ولكن كيف في كتابك يا محمّد؟ قال: [إذا شهد أربعة عدول أنّه أدخل فيها، كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرّجم]،قال ابن صوريّا: والّذي أنزل التّوراة على موسى لهكذا أنزل على موسى.
فقال له قومه: ما أسرع ما صدقته، أما كنت لمّا أتينا عليك بأهل وما أنت بأعلمنا، فقال لهم: أنشدني بالتّوراة، ولولا خشية التّوراة أن تهلكني لما أخبرته، وخفت إن كذبته أن ينزل بنا عذاب شديد.
فأمر رسول الله ﷺ برجم اليهوديّين الزّانيين، وقال: [أنا أوّل من يحيي سنّة إذا أماتوها]،فنزل قوله تعالى: ﴿(يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ)﴾ فلا يخبركم به.
فقال ابن صوريّا: أنشدك بالله يا محمّد أن تخبرنا بالكثير الّذي أمرت أن تعفو عنه، فأعرض رسول الله ﷺ ، فقال ابن صوريّا: أخبرنا عن ثلاث خصال، قال: [ما هنّ؟] قال: أخبرني عن نومك؟ قال: [تنام عيناي وقلبي يقظان]،قال: صدقت.
قال: فأخبرني عن شبه الولد بأبيه ليس فيه من شبه أمّه شيء، وعن شبه أمّه ليس فيه من شبه أبيه شيء، قال: [أيّهما علا وسبق ماؤه ماء صاحبه كان الشّبه له]، قال: صدقت.
فأسلم ابن صوريّا حينئذ وقال: يا محمّد من يأتيك من الملائكة بالوحي؟ قال:
[جبريل] قال: صفه لي، قال: فوصفه له النّبيّ ﷺ ، فقال: أشهد أنّه في التّوراة كما قلت، وإنّك رسول الله، فلمّا أسلم ابن صوريّا شتموه (١).
стр. 893
قوله تعالى: ﴿لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً؛﴾ أي من يرد الله بليّته وعقوبته وفضيحته، فلن تقدر يا محمّد أن تدفع عنه شيئا مما أراد الله به.
قوله : ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ؛﴾ أي أهل هذه الصّفة لم يرد الله أن يفتح قلوبهم ليبصروا الحقّ. وقيل: معناه: لم يطهّر قلوبهم من علامات الكفر، مثل الختم والطّبع والضّيق، كما شرح صدور المؤمنين، وطهّر قلوبهم بكتابة الإيمان فيها.
وقال الحسن: ﴿(لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾؛أي لا يبرّئ قلوبهم من الكفر وهم مقيمين على دينهم واعتقادهم) ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ؛﴾ أي فضيحة بما أظهر الله من كذبهم، وقيل: أراد بالخزي القتل والسّبي والجزية، ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٤١)؛أعظم مما في الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ؛﴾ أوّل هذه الآية راجع إلى صفة اليهود والمنافقين الذين سبق ذكرهم، والفائدة في إعادة وصفهم بسمّاعين للكذب: بيان أنّهم إنما يستحقّوا الخزي بإصرارهم على الكذب واستماعه، وضمّهم إلى ذلك السّحت.
واختلفوا في المراد بالسّحت، فقال ابن مسعود والحسن: (أراد به الرّشوة على الحكم) (١) وقال عليّ وأبو هريرة: (هو الرّشوة على الحكم؛ ومهر البغيّ؛ وعسب التّيس؛ وحلوان الكاهن؛ وثمن الخمر) (٢).
стр. 894
والسّحت: اسم لما لا يحلّ أخذه، وأصل السّحت من الهلاك، يقال: سحته وأسحته؛ إذا استأصله، ومنه قوله تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ﴾ (١) أي يهلككم، وسمّي الحرام سحتا؛ لأنه يؤدّي إلى الهلاك والاستئصال.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [كلّ لحم نبت من سحت فالنّار أولى به] قيل:
ما السّحت يا رسول الله؟ قال: [الرّشوة في الحكم] (٢).وعن مسروق عن ابن مسعود قال: «الرّشوة سحت، قلت له: في الحكم؟ قال: لا؛ ذاك الكفر؛ ثمّ قرأ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾» (٣).وأراد بهذا استحلال الرّشوة وجحد الحقّ.
والرشوة تنقسم على وجوه؛ منها: الرشوة على الحكم، وذلك حرام على الرّاشي والمرتشي؛ لأنه لا يخلو إمّا ليحكم له الحاكم بحقّه، فيكون المرتشي آخذا للأجرة على أداء ما هو فرض عليه، ويكون الرّاشي محاكما إلى من لا يصلح للحكم ولا ينفذ حكمه، وإما أن يرشي فيقضي له بما ليس له بحقّ، فيكون الإثم أعظم ويفسق الحاكم من وجهين، وكذلك المرتشي، والرّائش: أراد بالرائش الذي يمشي بينهما.
ومنها: الرشوة في غير الحكم، كما روي عن وهب بن منبه: (أنّه قيل له الرّشوة حرام في كلّ شيء؟ قال: إنّما نكره أن ترشي لتعطى ما ليس لك، أو تدفع حقّا لزمك، فأمّا أن ترشي لتدفع عن دينك ودمك ومالك، فليس بحرام، وإنّما الإثم على القابض) (٤).
стр. 895
قرأ عاصم ونافع وحمزة وابن عامر: «(للسّحت)» بضم السين وجزم الحاء، وقرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي بضمّهما جميعا، وقرأ أبو العبّاس: «(للسّحت)» بفتح السّين وجزم الحاء، وقرأ عبيد بن عمر: «(للسّحت)» بكسر السين وجزم الحاء، وكلّه بمعنى واحد وهو الحرام.
وقيل: يقال رجل مسحوت المعدة؛ إذا كان أكولا لا يلفى أبدا إلاّ جائعا، قيل:
نزلت هذه الآية في حكّام اليهود كعب بن الأشرف وأمثاله، كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم. وعن الحسن في قوله: ﴿(سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ)﴾ قال: (ذلك الحكّام؛ يسمع كذبه ويأخذ رشوته، فيكون الحاكم قد سمع الدعوة الكاذبة ويأكل رشوته) (١).
وروي: أنّ مسروقا شفع لرجل في حاجة، فأهدى له جارية، فغضب غضبا شديدا وقال: لو علمت أنّك تفعل هذا ما تكلّمت في حاجتك ولا أتكلّم فيما بقي من حاجتك، سمعت ابن مسعود ﵁ يقول: «من شفع في حاجة ليردّ بها حقّا أو يدفع بها ظلما فأهدي إليه شيء فهو سحت)،فقيل له: يا أبا عبد الرّحمن ما كنّا نرى ذلك إلاّ أخذ رشوة على الحكم؟ فقال: (الأخذ على الحكم كفر، قال الله تعالى:
﴿(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ)﴾ وإذا أرشى الحاكم انعزل من ساعته وإن لم يعزل» (٢).
ومن السّحت: ثمن الخمر والخنزير والميتة، وعسب الفحل، وأجرة النّائحة والمغنّية والسّاحر، وهديّة الشفاعة، ومهر البغيّ، وحلوان الكاهن. هكذا قال عمر وعليّ وابن عبّاس ﵃. وقال ابن كيسان: سمعت الحسن يقول: (إذا كان لك على رجل دين، فأكلت في بيته، فهو سحت).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ؛﴾ وذلك أنّ اليهود لما أرادوا أن ينهضوا من عند النبيّ ﷺ بعد قصّة الزّنا، تعلّقت بنو قريظة ببني
стр. 896
النضير، فقالوا: يا محمّد إخواننا بنو النضير أبونا واحد وديننا واحد وكتابنا واحد، إذا قتلوا منّا قتيلا أعطونا سبعين وسقا من تمر، وإذا قتلنا منهم قتيلا أخذوا منا أربعين ومائة وسق، وجراحاتنا على النصف من جراحاتهم، فقال ﷺ : [دم القرظيّ وفاء بدم النّضير].فأنزل الله تعالى هذه الآية (١)؛أي فإن جاءك الفريقان كأنّهم راضين بحكمك، فاحكم بما أنزل الله، وإن شئت فأعرض عنهم.
وقيل: معناه: فإن جاءك أهل خيبر في حكم الزّنا، فاقض بينهم بالرّجم في هذه الحادثة، وفي نظيرها من الحوادث التي تقع من بعد، أو أعرض عنهم، ولا تحكم بينهم، خيّره الله تعالى بين أن يحكم بينهم وبين أن يعرض عنهم، وهذا التخيير منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً؛﴾ لإعراضك عنهم، ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ؛﴾ أي بالعدل؛ ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٤٢)؛أي العادلين.
قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ؛﴾ أي كيف يرضون بحكمك وعندهم التوراة فيها حكم الرجم والقصاص وغير ذلك ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ،﴾ يعرضون عن العمل بها، ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ؛﴾ من بعد البيان الذي في كتابهم، ﴿وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٣)؛ليسوا بمصدّقين بما عندهم، يزعمون أنّهم مؤمنون بالتوراة وهم كاذبون. وفي هذه الآية بيان على أنّ هؤلاء اليهود كانوا لا يحكّمون النبيّ ﷺ بحكم رضى وانقياد، ولولا طلبهم الترخّص واتّباع ما لا يغني في كتابهم لما جاءوه.
قوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا؛﴾ أي إنّا أنزلنا التوراة على موسى فيها بيان من الضّلالة ونور لمن آمن به، يقضي بها النبيّون الذين أخلصوا، وهذه صفة الأنبياء؛ لا أن فيهم من لم يخلص، كما يقال: صلّى الله على محمّد وعلى آله الطيّبين، لا يراد بذلك أنّ في أهله غير طيّب.
стр. 897
والمراد بالنبيّين موسى وعيسى ومحمّد ﷺ وغيرهم من الذين كانوا من وقت موسى إلى وقت نبيّنا ﵈. ويقال أراد بالنبيّين محمّدا ﷺ فإنه كان كالنائب عن أنبياء بني إسرائيل في أن يحكم في الزّنا بينهم بحكم التوراة.
وقيل: معنى ﴿(الَّذِينَ أَسْلَمُوا)﴾ أي انقادوا لأحكام الله لا على أنّ غيرهم من النبيّين لم يكونوا مسلمين. وقيل: معنى ﴿(أَسْلَمُوا)﴾ أي صاروا إلى السّلامة، كما يقال:
أصبحوا وأمسوا: وادّخلوا في الصّباح والمساء. وقيل: معناه: الّذين أسلموا أنفسهم إلى الله. كما روي أنّ النبيّ ﷺ كان يقول إذا آوى إلى فراشه: [أسلمت نفسي إليك] (١).
قوله ﴿(لِلَّذِينَ هادُوا)﴾ يعني لليهود، وقيل: معنى الآية: للذين تابوا من الكفر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿وَالرَّبّانِيُّونَ؛﴾ هم العلماء العاملون، يربّون العلم؛ أي يقومون به، ﴿وَالْأَحْبارُ؛﴾ سائر العلماء دون الأنبياء والربّانيّين، وإنما سمي العالم حبرا لكثرة ما يكتب بالحبر، ويقال: هو من التحبير وهو تحسين العلم، وتقبيح الجهل.
قوله تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ؛﴾ من الرّجم وسائر الأحكام، ﴿وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ؛﴾ إنه كذلك، ومعنى ﴿(اسْتُحْفِظُوا):﴾
استودعوا.
قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ؛﴾ خطاب لعلماء اليهود؛ أي لا تخشوا السّفلة والجهّال في إظهار نعت النبيّ ﷺ وآية الرّجم، واخشوا عقابي في كتمانها، ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً؛﴾ أي لا تختاروا عرضا يسيرا من الدّنيا، فإن الدّنيا ما فيها قليل.
стр. 898
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ؛﴾ ذهب الخوارج إلى أنّ معنى الآية: (ومن لم يحكم بما نزّل الله وحكم بخلافه كان كافرا بفعل ذلك، اعتقادا كان أو غير ذلك)،وكفّروا بذلك كلّ من عصى الله تعالى بكبيرة أو صغيرة، وأدّاهم ذلك إلى الضّلال والكفر تكفيرهم الأنبياء صلوات الله عليهم بصغائر ذنوبهم!
وأما عامّة أهل الإسلام قالوا: إن المراد بهذه الآية: أنّ من جحد شيئا مما أنزل الله مثل ما فعله اليهود من التحريف والتبديل وإنكار بعض آيات الله تعالى، ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ (٤٤)؛أي أهل هذه الصّفة بمنزلة الكافر بالكتب وبالرّسل كلّها.
يدلّ على هذا أنه لا خلاف أنّ من لم يقض بينهم بما نزّل الله لا يكفر بأن لم يحكم؛ لأنّ أكثر الناس بهذه الصّفة، والحاكم بين الناس في كثير حالاته لا يحكم، فإذا صلح الخوارج أن يزيدوا في ظاهر اللفظ فيقولوا معناه: (من لم يحكم بما نزّل الله وحكم بخلافه) صلح لغيرهم أن يقولوا معناه: ومن لم يحكم بصحّة ما نزّل الله ﴿(فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ)،﴾ وهذا عامّ في اليهود وغيرهم.
قوله : ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في الجراحات الّتي كانت بين بني قريظة وبني النّضير، كان لبني النّضير مقتل على بني قريظة، والدّية والدّم ضعف ما كان لبني قريظة) فأنزل الله هذه الآية.
ومعناها: وأوحينا على بني إسرائيل في التّوراة: ﴿(أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)﴾ يعني أن نفس القاتل بنفس المقتول وفاء، ﴿(وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ)﴾ بفقئهما، ﴿(وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ)﴾ يجدع به، ﴿(وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ)﴾ يقطع به ﴿(وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ)﴾ يقلع به، وخفّف نافع الأذن في جميع القرآن، وثقّله غيره.
قوله : ﴿وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ؛﴾ أي يجزئ فيها القصاص، والقصاص: عبارة عن المساواة، وهذا مخصوص فيما يمكن القصاص فيه، فأمّا ما كان من رضّة أو هشمة لعظم، وهذه ركن لا يحيط العلم به، ففيه أرش أو حكومة.
стр. 899
قرأ الكسائيّ: «(والعين)» رفعا إلى آخره، وكذلك قوله «(والجروح)» رفعه ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، ونصبوا سائر الحروف قبله، قالوا: لأنّ لها نظائر في القرآن؛ منها قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (١) و ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) و ﴿إِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسّاعَةُ﴾ (٣).وقرأ نافع وعاصم وحمزة وخلف كلها بالنصب.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٤٥)؛أي من عفا عن مظلمة في الدّنيا، فهو كفّارة للجراح لا يؤاخذ به في الآخرة، كما أنّ القصاص كفّارة له، وأما أجر العافي فعلى الله، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ (٤) وهذا قول إبراهيم ومجاهد وزيد بن أسلم، ورواية عن ابن عباس.
وقيل: معناه: فهو كفّارة للمجروح ووليّ القتيل، وهو قول ابن عمر والحسن والشعبي وقتادة وجابر بن زيد. ودليل هذا قوله ﷺ : [من تصدّق من جسده بشيء كفّر الله بقدره من ذنوبه] (٥) فمن عفا كان عفوه كفارة لذنوبه يعفو عنه الله ما أسلف من ذنوبه، وأما الكافر إذا عفا لا يكون عفوه كفارة له مع إقامته على الكفر. وقال ﷺ : [من أصيب بشيء من جسده فتركه لله كان كفّارة له] (٦).
وروي: أنّ رجلا طعن رجلا على عهد معاوية ﵁؛ فأعطوه ديتين على أن يرضى، فلم يرض، فحدّث رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ أنه قال: [من تصدّق
стр. 900
بدم فما دونه كان كفّارة له من يوم ولد إلى يوم تصدّق به] فتصدّق به (١).وقال ﷺ : [ثلاث من جاء بهنّ يوم القيامة مع الإيمان دخل الجنّة من أيّ أبوابها شاء، وتزوّج من الحور العين حيث شاء: من عفا عن قاتله، ومن قرأ دبر كلّ صلاة مكتوبة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ عشر مرّات، ومن أدّى دينا خفيّا] قال أبو بكر الصديق ﵁: أو إحداهنّ يا رسول الله، قال: [أو إحداهنّ] (٢).
فأما القصاص في العين، فلا يجب إلاّ إذا ضربها رجل فأذهب ضوءها وهي قائمة، فإنه يسدّ العين الأخرى وحول إلى العين التي يجب فيها القصاص من الضّارب بثوب أو قطن مبتلّ، ويحمى مره (٣) ويقرّب إلى العين حتى يذهب ضوؤها (٤).وأما إذا قلعها فلا قصاص فيه؛ لتعذّر استيفائها على المماثلة؛ لأنّا لا نعلم للقلع حدّا معلوما ينتهي إليه، وهذا كمن قطع لحما من فخذ رجل أو ذراعه، فإنه لا يجب القصاص.
وأما الأنف؛ فمعناه: إذا قطع المارن؛ وهو ما لان منه وجب فيه القصاص؛ أما إن قطعه من أصله فلا قصاص فيه؛ لأنه عظم لا يمكن استيفاؤه على المساواة، كمن قطع يد رجل من نصف الساعد. وعن أبي يوسف: (إنّ الأنف إذا استوعب ففيه
стр. 901
القصاص، وكذلك الذكر واللّسان).
وأما الأذن؛ فمعناه: إذا استوفيت بالقطع، وأما إذا قطع بعضها فلا قصاص فيها.
وأما السنّ؛ فمعناه: القلع وكسر البعض، لأن القلع يمكن استيفاؤه على المساواة، ولا يجوز استيفاء اليمنى باليسرى، ولا اليسرى باليمنى، وإن تراضيا على ذلك لأنه لا مساواة بينهما.
وأمّا المساواة في النفس فلا يشترط، ألا ترى أن الرجل يقتل بالمرأة، فعلم أن التساوي من الرجل والمرأة في الأنفس غير معتبر في القصاص، وفي الأطراف معتبر، ولهذا لا يجزئ عندنا بين الرجل والمرأة في الأطراف قصاص، ولا بين الحرّ والعبد لعدم التساوي بين الطرفين في البدل، وكذلك بين العبد والعبد لا يمكن معرفة التساوي بين أطرافهما في البدل.
قوله تعالى: ﴿(وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ)﴾ يعني التي لها حدّ معلوم مثل الموضحة ونحوها، وأما ما ليس له حدّ معلوم لا يمكن مراعاة التساوي فيه، ففيه الأرش دون القصاص.
قوله : ﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ؛﴾ الآية أي اتّبعنا النبيين الذين ذكرناهم بعيسى ﵇ وجعلناه ممن يقفوهم، يقال: قفوت أثر فلان؛ إذا اتّبعته. وحقيقة التّقفية: الإتيان بالشيء في قفا غيره.
قوله: ﴿(مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ)﴾ نصب على الحال من عيسى، كان مصدّقا بالكتاب الذي أنزل قبله وهو التوراة. قوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ؛﴾ أي أعطيناه الإنجيل فيه هدى من الضلالة، وبيان الأحكام، قوله تعالى: ﴿(فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً)﴾ نعت الإنجيل الذي أعطيناه ذلك كتابا، أي وموافقا لما تقدّمه، ﴿مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً؛﴾ أي بيانا لنعت النبيّ ﷺ وصفته، ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤٦)؛أي نهيا للذين يتّقون الفواحش والكبائر.
стр. 902
قوله : ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ؛﴾ أي وليقض أهل الإنجيل، وهذا جزم بالأمر؛ أي قلنا لهم: احكموا بما أنزل الله في الإنجيل. قال الكلبيّ: (بيّن الله حكم الرّجم على الزّاني المحصن، وحكم القصاص في النّفس والأطراف، وحكم القطع على السّارق في التّوراة والإنجيل وفيما أنزل على نبيّنا ﷺ ، وجميع هذه الكتب يصدّق بعضها بعضا).
قرأ الأعمش وحمزة: «(وليحكم)» بكسر اللام وفتح الميم؛ أي آتيناه الإنجيل لكي يحكم، وقرأ الباقون بجزم اللام والميم. قال مقاتل: (أمر الله الرّبّانيّين أن يحكموا بما في التّوراة، وأمر القسّيسين والرّهبان أن يحكموا بما في الإنجيل، فكفروا وكذبوا محمّدا ﷺ ؛ وقالوا: العزير ابن الله، وقالوا: المسيح ابن الله).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٤٧)؛ أي من لم يحكم بما أنزل الله في كتبه على رسله، فأولئك هم الخارجون عن أمر الله.
قوله : ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ؛﴾ أي وأنزلنا إليك يا محمّد القرآن بالصّدق، وموافقا لما تقدّم من الكتب في التوحيد، وبيان الحقّ من الباطل، ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ؛﴾ أي أمينا ومؤتمنا على ما قبله من الكتب. ويقال: شاهدا على الكتب كلّها، وهذا وصف خاصّ للقرآن دون ما سواه.
وأصل مهيمن: مؤتمن، على وزن مفيعل من الأمانة، إلاّ أن الهاء أبدلت من الهمزة كما قالوا: أرقت الماء وهرقت الماء، وأناك وهناك، وهيهات وأيهات، ونظير المهيمن: مسيطر. قال الشعبيّ والكسائي ورواية الكلبي (١) عن ابن عباس معنى قوله ﴿(وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ)﴾ أي شاهدا (٢)،قال الشاعر:
إنّ الكتاب مهيمن لنبيّنا ... والحقّ يعرفه ذوو الألباب
стр. 903
أي شاهدا. وقال ابن جبير (١) وأبو عبيد والحسن: (أمينا)،وهي رواية العوفي عن ابن عباس. وأمانة القرآن أنه أمين على ما قبله من الكتب وهي فيما أخبر به أهل الكتاب في كتبهم، فإن كان ذلك في القرآن فصدّقوا وإلاّ كذبوا. وقال الضحاك:
(مهيمنا؛ أي قاضيا).وقال عكرمة: (دالا).وقال ابن زيد: (مصدّقا).وقال الخليل:
(رقيبا وحافظا).
ويقال: هيمن فلان على كذا إذا شاهده وحفظه. تقول العرب للطائر إذا طار، وحوّل وكره، ورفرف على فرخه صيانة له: هيمن الطّير يهيمن، وكذلك يقال للطائر إذا أرخى جناحيه يسعهما بيضه وفرخه ورفرف على فرخه صيانة له (٢).ومنه قيل لله : المهيمن؛ أي الرقيب الرحيم.
قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ؛﴾ أي فاحكم في الزاني والزانية بالرّجم، ويقال: احكم بين بني قريظة وبني النضير في الجراحات التي بينهم في التّسوية بين الفريقين، ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ؛﴾ أي لا تتّبع مرادهم، ﴿عَمّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾.
قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً؛﴾ أي جعلنا لكلّ نبيّ منكم يا معشر الأنبياء فرائض وسننا، والشّرعة والشّريعة: هو التخلّص إلى الجنّة كشريعة الأنهار والحياض في الدّنيا، وهو التخلّص إلى الشرب والاستقامة، وأصل الشّرعة من قولهم: شرع فلان يشرع شروعا إذا دخل في الأمر دخولا ظاهرا، ويقال:
الشّرعة والمنهاج كلاهما الطريق، والطريق هاهنا الدّين، وقد يعبّر عن الشيء الواحد بلفظين مختلفين تأكيدا للكلام.
وقال المبرّد: (الشّرعة: ابتداء الطّريق، والمنهاج: الطّريق المستمرّ).ويقال:
عنى المنهاج: الدلائل الواضحة التي يستدلّ بها على الفرائض من كتاب وسنّة، وقيل:
معناه: لكلّ جعلنا منكم سبيلا وسنّة. والمنهاج: الطريق المبين الواضح.
стр. 904
قال المفسّرون: عنى بذلك جميع أهل الملل المختلفة، جعل الله لكل ملّة شرعة ومنهاجا، فلأهل التوراة شريعة، ولأهل الإنجيل شريعة، ولأهل القرآن شريعة، يحلّ فيها ما شاء ويحرّم فيها ما شاء، فالدّين واحد والشريعة مختلفة.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً؛﴾ أي لجعلكم على أمر واحد في دعوة جميع الأنبياء، ﴿وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ؛﴾ أي ولكن ليختبركم، ﴿فِي ما آتاكُمْ،﴾ فيما أعطاكم من الكتب، وفيما أمركم من السّنن والشرائع المختلفة، فيتبيّن من يطيع الله ومن يعصيه.
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ؛﴾ أي بادروا يا أمّة محمّد ﷺ بالخيرات والطاعات والأعمال الصالحة قبل الفوت والموت. قال ﷺ : [اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحّتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك] (١).
قوله تعالى: ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً؛﴾ أي إلى الله مرجع من آمن، ومن لم يؤمن، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ،﴾ فيجزيكم يوم القيامة، ﴿بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٤٨)؛من أمر الدّين والشريعة.
وقوله : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ؛﴾ معناه: أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ، وبأن تحكم بين اليهود بما أنزل الله من رجم الزاني المحصن، والقصاص بين الشّريف والوضيع، ولا تعمل بهواهم في الجلد، وترك الرّجم، ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ؛﴾ أي أن يستزلّوك (٢) عن بعض ما بيّن الله في كتابه.
قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ يهود بني النّضير مثل ابن صوريّا وكعب بن أسد وغيرهم، قالوا فيما بينهم: اذهبوا بنا إلى محمّد لعلّنا نفتنه عن دينه، فإنّما هو بشر!
стр. 905
فأتوه فقالوا له: يا محمّد إنّك قد عرفت أنّا أحبار اليهود وأشرافهم وساداتهم، وإنّا إن اتّبعناك اتّبعك كلّهم ولن يخالفونا، وإنّ بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك فاقض لنا عليهم فنؤمن بك، فأبى النّبيّ ﷺ ، وكان حريصا على إسلامهم، فأنزل الله تعالى ﴿(وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ)﴾.) (١).
قوله : ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ؛﴾ أي إن أعرضوا عن حكمك، فاعلم إنّما يريد الله أن يعاقبهم بالقتل في بني قريظة، وبالجلاء إلى الشّام في بني النّضير، ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ؛﴾ أي بما سلف من ذنوبهم، وهو جحودهم لدينك ونعتك وصفتك والتوراة والإنجيل، ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾ (٤٩)؛أي خارجون عن الطاعة ناقضون للعهد.
قوله : ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؛﴾ قرأ ابن عامر «(تبغون)» بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. ومعنى الآية: تطلبون من حكم الزّنا والقصاص، وهم أهل الكتاب شيئا فيما لم ينزّله الله عليكم كما يفعله أهل الجاهلية، وأيّ أحد أعدل في الحكم من الله تعالى. قوله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٥٠)؛أي من أيقن بيّن له عدل الله في حكمه.
قوله : ﴿*يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ؛﴾ وذلك: أنّه لمّا كانت وقعة أحد خاف النّاس من المسلمين أن يظهر عليهم الكفّار، فأراد من كان بينه وبين اليهود والنّصارى صحبة أن يتولاّهم ويعاقدوهم، فنهاهم الله عن ذلك. ومعناه: يا أيّها الذين آمنوا لا تتّخذوا اليهود والنصارى أحبّاء في العون والنّصرة، بعضهم على دين بعض، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ؛﴾ إذا تولاّه لأجل كفره صار كافرا مثله، وأمّا إذا تولاّه لا لأجل كفره صار من جملة المستحقّين العذاب لمخالفة أمر الله ولموالاته من أوجب الله عليه أن يعذّبه. وقال عكرمة: (نزلت هذه الآية في أبي لبابة حين قال لبني قريظة حين رضوا بحكم سعد: إنّه الذبح) (٢).
стр. 906
قوله : ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٥١)؛أي لا يرشد اليهود والنصارى إلى دينه، وحجّته ما داموا على كفرهم.
قوله : ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ؛﴾ وذلك أنّ المنافقين كانوا يودّون يهود عرينة ونصارى نجران؛ لأنّهم كانوا أهل ريف، وكانوا يمرّون بهم فيقرضونهم، فقال المنافقون: كيف نقطع مودّة قوم إن أصابتنا سيّئة، واحتجنا إليهم وسعوا علينا في المنازل، وعرضوا علينا الثمار في القابل، فنزل قوله : ﴿(فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)﴾ أي ترى يا محمّد الذين في قلوبهم شكّ ونفاق يبادرون إلى ولاية الكفّار ومعاقدتهم، ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ؛﴾ شدّة وجدوبة.
ويقال: أراد بهذا القول أنّهم يخشون أن لا يتمّ أمر محمّد ﷺ بأن يدور الأمر على الحالة التي هم عليها فيحتاجون إلى الكفّار. يقول الله : ﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ؛﴾ أي عسى أن يظهر المسلمون، و (عسى) من الله واجبة.
وسمّى النصر فتحا؛ لأن فيه فتح الأمر المغلق.
قوله : ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ؛﴾ معناه: أو يقضي بالخصب لمحمّد ﷺ وأصحابه، ويقال هو أن يؤمر النبيّ ﷺ بإظهار أمر المنافقين وقتلهم، ﴿فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ (٥٢)؛فيصبح المنافقون على ما أضمروا في أنفسهم من ولاية رءوس اليهود والنصارى إليهم نادمين، فلا تنفعهم الندامة حينئذ.
قوله : ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ؛﴾ قرأ أهل الكوفة: «(ويقول)» بالواو والرفع على الاستئناف، وقرأ أهل البصرة بالنصب والواو عطف على ﴿(أَنْ يَأْتِيَ)،﴾ وقرأ الباقون برفع اللام وحذف الواو.
ومعنى الآية: يقول المؤمنون المخلصون عند ما أظهر الله نفاق المنافقين: ﴿(أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ)﴾ يعنون المنافقين الذين حلفوا بالله أنّهم لمعكم على دينكم،
стр. 907
﴿حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ،﴾ بطل ما أظهروه من الإيمان والأعمال الصالحة، ﴿فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ (٥٣)؛فصاروا مغبونين في الوزر والعقوبة.
قوله : ﴿(جَهْدَ أَيْمانِهِمْ)﴾ تفسير للقسم بالله تعالى، فإنّ من يحلف بالله فقد بذل جهد يمينه، إذ لا يمين أعظم من اليمين بالله، ولا حرمة أكبر من حرمة الله. قال ابن عبّاس ﵁: (فجاء الله بالفتح ونصر الرّسول ﷺ ، وجاء أمر الله من عنده بإجلاء بني النضير، وقتل مقاتلة بني قريظة وسبي ذراريهم) (١)،فندم المنافقون حين ظهر نفاقهم، وقال المؤمنون: ﴿(أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ)﴾.
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ؛﴾ قرأ أهل المدينة والشام «(يرتدد)» بدالين، وفي الآية تهديد لمن لا ثبات له على الإيمان.
قال ابن عبّاس: (هم أسد وغطفان وأناس من كندة، ارتدّوا بعد وفاة النّبيّ ﷺ في عهد أبي بكر ﵁.
وكان من المرتدّين فرقة يقال لهم بنو حنيفة باليمامة، ورئيسهم مسيلمة الكذاب وكان يدّعي النّبوّة في حياة رسول الله ﷺ في آخر سنة عشر، وزعم أنّه أشرك مع محمّد ﷺ في النّبوّة، وكتب إلى النّبيّ ﷺ : من مسيلمة رسول الله إلى محمّد رسول الله؛ أمّا بعد: فإنّ الأرض نصفها لي ونصفها لك! وبعث بذلك رجلين من أصحابه نهشلا والحكم بن الطّفيل، وكانا من سادات اليمامة، فقال لهما النّبيّ ﷺ : [أتشهدان أنّ مسيلمة رسول الله؟] قالا: نعم، فقال: [لولا أنّ الرّسل لا تقتل لضربت أعناقكما]،ثمّ أجاب: [من محمّد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب؛ أمّا بعد: فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتّقين] (٢).
ومرض رسول الله ﷺ وتوفّي، وجعل مسيلمة يغلو أمره باليمامة يوما بعد يوم، فبعث أبو بكر ﵁ خالد بن الوليد في جيش عظيم حتى أهلكه الله على يدي
стр. 908
وحشيّ قاتل حمزة بن عبد المطلب بعد حرب شديدة، فكان وحشيّ يقول: (قتلت خير النّاس في الجاهليّة، وقتلت شرّ النّاس في الإسلام).
ومن المرتدّين أيضا طلحة بن خويلد رئيس بني أسد، وكان قد ادّعى النبوة أيضا في حياة رسول الله ﷺ ، فقاتله أبو بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ ، بعث إليه خالد ابن الوليد، فقاتله قتالا شديدا، وهرب طلحة على وجهه نحو الشام، فلجأ إلى بني حنيفة فأجاروه، ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه.
وارتدّ أيضا بعد وفاة رسول الله ﷺ كثير من العرب منهم: فزارة ورئيسهم عيينة بن حصين، وبنو سليم وبنو يربوع، وطائفة من بني تميم، ورأسوا عليهم امرأة يقال لها سجاح بنت المنذر، وادّعت النبوة ثم زوّجت نفسها من مسيلمة الكذاب.
وارتدّت كندة ورئيسهم الأشعث بن قيس، وارتدّت بنو بكر بن وائل بأرض البحرين، وكفى الله المسلمين أمر هؤلاء المرتدّين، ونصر دينه على يد أبي بكر الصديق ﵁، وأخبار أهل الردّة طويلة مشهورة فلا نطوّل بذكرها الكتاب.
قوله : ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ؛﴾ قال عليّ والحسن وقتادة: (هم أبو بكر وأصحابه) (١)،وقال مجاهد: (هم أهل اليمن).وقال عياض بن غنيم: (لمّا نزلت هذه الآية أومأ رسول الله ﷺ إلى أبي موسى الأشعريّ وقال: [هم قوم هذا] (٢).وقال ﷺ : [أتاكم أهل اليمن، هم ألين قلوبا وأرقّ أفئدة؛ الإيمان يمان، والحكمة يمانيّة] (٣).
стр. 909
وقال الكلبيّ: (هم أحياء من اليمن: ألفان من النّجع، وخمسة آلاف من كمدة وبحيلة، وثلاثة آلاف من أحياء النّاس، فقاتلوا الّذين ارتدّوا عن الإسلام) وهم الذين أثنى الله عليهم بقوله : ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ؛﴾ يلينون لهم جانبهم ليس هذا من الهوان، إنما هو من اللّين والرّفق، كما في قوله :
﴿وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (١).
قوله : ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ؛﴾ أي أشدّاء أقوياء غلظاء على الكافرين، يغازون الكفار ويغالبونهم، ونظير هذه الآية قوله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٢).قال عطاء: (﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ؛﴾:كانوا كالوالد لولده، وكالعبد لسيّده، أعزّة على الكافرين: كالسّبع على فريسته).وقال السديّ: (معنى قوله: ﴿(فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)﴾ يعني الأنصار) (٣).وروي أنّ النبي ﷺ سئل عن هذه الآية، فضرب بيده على عاتق سلمان الفارسيّ فقال: [هذا وذووه]،ثمّ قال: [لو كان الدّين معلّقا بالثّريّا لناله رجال من أبناء فارس] (٤).
قوله : ﴿يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ؛﴾ أي يقاتلون العدوّ في طاعة الله، ولا يخافون ملامة اللائمين، ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ؛﴾ أي ذلك التمكين والتوفيق فضل من الله يكرم به من يشاء من كان
стр. 910
أهلا لذلك، ﴿وَاللهُ واسِعٌ؛﴾ الفضل والرحمة، ﴿عَلِيمٌ﴾ (٥٤)؛من يصلح للهدى.
قوله : ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ﴾ (٥٥)؛قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في مسلمي أهل الكتاب: عبد الله بن سلام وأصحابه، قالوا: يا رسول الله، بيوتنا قاصية، ولا نجد متحدّثا دون هذا المسجد، وإنّ قومنا من بني قريظة والنّضير لمّا رأونا قد آمنّا بالله ورسوله وتركناهم ودينهم، أظهروا لنا العداوة، وأقسموا أن لا يناكحونا ولا يواكلونا ولا يخالطونا، ولا نستطيع أن نجالس أصحابك لبعد الموضع.
فبينما هم يشكون على رسول الله ﷺ والنّاس في المسجد يصلّون فيه من قائم وراكع وساجد، إذا بمسكين يطوف يسأل النّاس، فدعاه رسول الله ﷺ فأتاه، فقال له: [أعطاك أحد شيئا؟] قال: نعم، قال: [ماذا؟] قال: خاتم فضّة، قال:
[من أعطاكه؟] قال: ذاك الرّجل، فإذا هو عليّ ﵁، قال: [على أيّ حال أعطاكه؟] قال: أعطانيه وهو راكع، فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية على عبد الله بن سلام وأصحابه) (١).
وألبسهم بما أبدلهم الله به من ولايته وولاية رسوله وولاية المؤمنين، ومعنى الآية: إنّما حافظكم وناصركم الله ورسوله والمؤمنون الذين يقيمون الصلاة بحقوقها ويؤتون الزكاة في حال ركوعهم. وفي الآية دليل على إباحة العمل اليسير في الصّلاة، فلما قرأ رسول الله ﷺ عليهم الآية قال عبد الله بن سلام وأصحابه: (رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء).
وروي أن عبد الله بن عبّاس ﵄ كان ذات يوم جالسا عند شفير زمزم يقول: قال رسول الله ﷺ ، إذا أقبل رجل متعمّم بعمامة قال: فهلاّ ابن عبّاس لا يقول: قال رسول الله ﷺ ألا قال ذلك الرّجل قال رسول الله ﷺ ؟ فقال ابن عبّاس:
سألتك بالله من أنت؟ فكشف العمامة عن وجهه وقال: أيّها النّاس من عرفني فقد
стр. 911
عرفني، ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدريّ، أنا أبو ذرّ الغفّاريّ، سمعت رسول الله ﷺ بهاتين وإلاّ فصمّتا، ورأيته بهاتين وإلاّ فعميتا، يقول على قائد البردة وقاتل الكفرة: [منصور من نصره، مخذول من خذله].
أما إنّي صلّيت مع رسول الله ﷺ يوما من الأيّام صلاة الظّهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السّائل رأسه إلى السّماء وقال: اللهمّ اشهد أنّي سألت في مسجد رسولك ﷺ يوما من الأيّام فلم يعطني أحد، وكان عليّ راكعا فأومأ إليه نحوه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم، فأخذ السّائل الخاتم من خنصره وذلك بحضرة النّبيّ ﷺ ، فلمّا فرغ من صلاته رفع رسول الله ﷺ رأسه إلى السّماء قال: [اللهمّ أخي موسى سألك قال: اللهمّ ﴿اِشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي، هارُونَ أَخِي، اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ فأنزلت عليه ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا﴾ (١)،اللهمّ وأنا محمّد نبيّك وصفيّك، اللهمّ فاشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واجعل لي وزيرا من أهلي عليّا اشدد به ظهري].
قال أبو ذرّ: فما استتمّ رسول الله ﷺ الكلام حتّى نزل جبريل ﵇ بهذه الآية ﴿(إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ)﴾.
قوله : ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ أي من تخيّر طاعة الله ورسوله ومحبّة المؤمنين، ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ؛﴾ فإن جند الله، ﴿هُمُ الْغالِبُونَ﴾ (٥٦).
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ؛﴾ وذلك أنّ اليهود كانوا إذا قام بلال للأذان يضحكون، ويستهزءون ويقولون: قام الغراب لا قام! وإذا قام المؤمنون للصّلاة قالوا: قد قاموا لا قاموا! وإذا رأوهم ركّعا وسجّدا استهزءوا بهم، وتغامزوا فيما بينهم تنفيرا للناس عن الصّلاة وعن الداعي إليها.
стр. 912
ومعنى الآية: لا تتّخذوا اليهود والنصارى الذين يتخذون ﴿(دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً)﴾ أي استهزاء وسخرية، يسخرون منكم إذا أذن مؤذّنكم، ويضحكون من صلاتكم إذا صلّيتم.
قوله : ﴿وَالْكُفّارَ؛﴾ فيه قراءتان: النصب والخفض، فمن نصبه فمعناه: لا تتّخذوا الكفار، ﴿أَوْلِياءَ،﴾ وأراد بهم مشركي العرب، ومن خفضه فمعناه: من الذين أوتوا الكتاب ومن الكفار. وقوله :
﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥٧)؛أي اخشوه في ولاية الكافرين إن كنتم مؤمنين بالله وبرسوله.
قوله : ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً؛﴾ أي إذا ناديتم الناس إلى الصّلاة بالأذان والإقامة اتّخذوها سخرية واستهزاء وضحكا وباطلا، و ﴿ذلِكَ؛﴾ الاستهزاء واللعب، ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٥٨)؛ ثواب الله تعالى في إقامة الصّلاة، ولا عقابه في إضاعته.
وروي: «أنّ يهوديا كان إذا سمع المؤذّن يقول: (أشهد أنّ محمّدا رسول الله) قال: أحرق الله الكاذب، فدخل خادمه البيت بنار، فوقعت شرارة منها في البيت فالتهب، واحترق اليهوديّ هو وأهله، واستجيب دعاؤه على نفسه» (١).
وفي الآية دليل أنّ للصلاة أذانا يدعو به الناس إليها، ونظير هذا قوله تعالى:
﴿إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (٢).وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [ثلاثة لا يكترثون من الحساب، ولا تفزعهم الصّيحة، ولا يحزنهم الفزع الأكبر: حامل القرآن العامل به، يقدم على الله سيّدا شريفا، ومؤذّن أذن سبع سنين لا يأخذ على أذانه طعاما، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه وأدّى حقّ مولاه] (٣).
стр. 913
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من أذن سنة من نيّة صادقة، أجلس يوم القيامة على باب الجنّة، فقيل له: اشفع لمن شئت] (١).وعن أبي هريرة ﵁:
قال ابن عبّاس: قال رسول الله ﷺ : [من أذن خمس صلوات إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر] (٢).وقال رسول الله ﷺ : [المؤذّن المحتسب كالشّهيد المتشحّط في دمه ما دام في أذانه، ويشهد له كلّ رطب ويابس، فإذا مات لم يدوّد في قبره] (٣).قال عمر ﵁: لو كنت مؤذّنا لكمل أمري، وما باليت أن لا أتنصب لقيام ولا لصيام، سمعت رسول الله ﷺ يقول: [اللهمّ اغفر للمؤمنين، اللهمّ اغفر للمؤذّنين] (٤).
قوله : ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ؛﴾ أي قل يا محمّد: يا أهل الكتاب هل تطعنون علينا إلاّ لإيماننا بالله تعالى والقرآن، ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ (٥٩)؛أي إنّما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنّنا على حقّ؛ لأنّكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لمحبّتكم الرئاسة وكسبكم بها الأموال، فهل تدرون شيئا يعاب علينا إلاّ هذا؟ فلماذا تطعنون.
стр. 914
وأما قوله : ﴿(وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ)،﴾ قال بعضهم: أراد بالأكثر كلّهم، وأكثر الشيء يقوم مقام الكلّ. وقيل: إنما ذكر لفظ الأكثر؛ لأن الآية خرجت مخرج التلطّف للدعاء إلى الإيمان، وكان في سابق علم الله أنّ فيهم من يسلم، وكان في القوم من يطعن بنفسه في دين الإسلام، وإن كان سكت عن طعن الطاعنين.
قوله : ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ؛﴾ وذلك أنّ اليهود قالوا للمسلمين: ما نعلم أهل دين أقلّ حظا منكم في الدّنيا، ونرجو أن تكونوا في الآخرة! فأنزل الله هذه الآية؛ أي قل يا محمّد لهؤلاء اليهود: هل أخبركم بسوء من الذي قلتم جزاء، ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ؛﴾ أي أبعده عن رحمته، وسخط عليه وهم اليهود، فيكون موضع ﴿(مَنْ لَعَنَهُ)﴾ رفعا على معنى (هو) ويجوز أن يكون خفضا بدلا من (شرّ) على معنى: هل أنبّئكم بمن لعنه الله.
قوله : ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ؛﴾ أي مسخ بعضهم قردة في زمن داود ﵇ بدعائه عليهم حين اعتدوا في السّبت واستحلّوه، ومسخ بعضهم خنازير في زمن عيسى ﵇ بعد أكلهم من المائدة حين كفروا بعد ما رأوا الآيات البيّنة. وروي: أنه لمّا نزلت هذه الآية قال المسلمون لليهود: (يا إخوة القردة والخنازير) فنكّسوا رءوسهم وفضحهم الله تعالى.
قوله : ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ؛﴾ فيه عشر قراءات، قرأ العامة «(وعبد الطّاغوت)» بفتح العين والباء والدال على الفعل؛ ومعناها: وجعل منهم من عبد الطاغوت؛ أي بالغ في طاعة الشّيطان والكهّان ورؤساء المعصية. وقرأ ابن مسعود: «(وعبدوا الطّاغوت)» أي ومن عبد الطاغوت، وقرأ يحيى بن وثّاب وحمزة:
بفتح العين وضمّ الباء وكسر التاء من الطاغوت، وهو لغة في عبد، مثل سبع وسبع (١).وقرأ أبو جعفر الفرّاء: «(وعبد الطّاغوت)» على الفعل المجهول (٢)،وقرأ الحسن: «(وعبد الطّاغوت)» على الواحد.
стр. 915
وقرأ يزيد الأسلمي: «(وعابد الطّاغوت)» بالألف، وقرأ ابن عباس: «(وعبيد الطّاغوت)» بالجمع، وقرأ أبو واقد الليثيّ: «(وعبّاد الطّاغوت)» مثل كفّار، وقرأ عون العقيلي وأبان بن ثعلب: «(وعبّد الطّاغوت)» مثل راكع وركّع، وقرأ عبيد بن عمير:
«(أعبد الطّاغوت)» مثل كلب وأكلب، وقرأ الأعمش: «(وعبد الطّاغوت)» بضمّ العين والباء وكسر التاء من الطاغوت (١).قال الشاعر:
انسب العبد إلى آبائه ... أسود الجلد من قوم عبد
قوله : ﴿أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ (٦٠) فإن قيل: كيف معنى هذا ليس في الإيمان شرّ وضلال؟ قيل: سمة المشركين شرّ مكانا لا يوجب أن يكون في الإيمان شرّ وتطيّر. قوله : ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ (٢) ومعلوم أنه لا خير في مستقرّ الكفّار ومنقلبهم، فلمّا نزلت هذه الآية قال المسلمون ليهود: (يا إخوان القردة والخنازير) فسكتوا وأفحموا، وفيهم يقول الشاعر:
فلعنة الله على اليهود ... إنّ اليهود إخوة القرود
قوله : ﴿وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ؛﴾ ومعناه: وإذا جاءكم المنافقون من أهل الكتاب قالوا آمنّا بك، ونحن نعرف نعتك وصفتك، يقول الله: وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به؛ أي دخلوا عليكم، وخرجوا من عندكم كافرين في السرّ كما دخلوا خرجوا، وقوله: ﴿(وَهُمْ)﴾ للصّلة والتأكيد، ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ (٦١)؛أي بما كانوا يضمرون في قلوبهم من الكفر والنفاق، فأعلمكم به وأطلعكم عليه.
قوله : ﴿وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ؛﴾ أي وترى يا محمّد كثيرا من اليهود والمنافقين يبادرون في المعصية والاعتداء والظّلم،