عرفني، ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدريّ، أنا أبو ذرّ الغفّاريّ، سمعت رسول الله ﷺ بهاتين وإلاّ فصمّتا، ورأيته بهاتين وإلاّ فعميتا، يقول على قائد البردة وقاتل الكفرة: [منصور من نصره، مخذول من خذله].
أما إنّي صلّيت مع رسول الله ﷺ يوما من الأيّام صلاة الظّهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السّائل رأسه إلى السّماء وقال: اللهمّ اشهد أنّي سألت في مسجد رسولك ﷺ يوما من الأيّام فلم يعطني أحد، وكان عليّ راكعا فأومأ إليه نحوه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم، فأخذ السّائل الخاتم من خنصره وذلك بحضرة النّبيّ ﷺ ، فلمّا فرغ من صلاته رفع رسول الله ﷺ رأسه إلى السّماء قال: [اللهمّ أخي موسى سألك قال: اللهمّ ﴿اِشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي، هارُونَ أَخِي، اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ فأنزلت عليه ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا﴾ (١)،اللهمّ وأنا محمّد نبيّك وصفيّك، اللهمّ فاشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واجعل لي وزيرا من أهلي عليّا اشدد به ظهري].
قال أبو ذرّ: فما استتمّ رسول الله ﷺ الكلام حتّى نزل جبريل ﵇ بهذه الآية ﴿(إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ)﴾.
قوله : ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ أي من تخيّر طاعة الله ورسوله ومحبّة المؤمنين، ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ؛﴾ فإن جند الله، ﴿هُمُ الْغالِبُونَ﴾ (٥٦).
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ؛﴾ وذلك أنّ اليهود كانوا إذا قام بلال للأذان يضحكون، ويستهزءون ويقولون: قام الغراب لا قام! وإذا قام المؤمنون للصّلاة قالوا: قد قاموا لا قاموا! وإذا رأوهم ركّعا وسجّدا استهزءوا بهم، وتغامزوا فيما بينهم تنفيرا للناس عن الصّلاة وعن الداعي إليها.
стр. 912
ومعنى الآية: لا تتّخذوا اليهود والنصارى الذين يتخذون ﴿(دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً)﴾ أي استهزاء وسخرية، يسخرون منكم إذا أذن مؤذّنكم، ويضحكون من صلاتكم إذا صلّيتم.
قوله : ﴿وَالْكُفّارَ؛﴾ فيه قراءتان: النصب والخفض، فمن نصبه فمعناه: لا تتّخذوا الكفار، ﴿أَوْلِياءَ،﴾ وأراد بهم مشركي العرب، ومن خفضه فمعناه: من الذين أوتوا الكتاب ومن الكفار. وقوله :
﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥٧)؛أي اخشوه في ولاية الكافرين إن كنتم مؤمنين بالله وبرسوله.
قوله : ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً؛﴾ أي إذا ناديتم الناس إلى الصّلاة بالأذان والإقامة اتّخذوها سخرية واستهزاء وضحكا وباطلا، و ﴿ذلِكَ؛﴾ الاستهزاء واللعب، ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٥٨)؛ ثواب الله تعالى في إقامة الصّلاة، ولا عقابه في إضاعته.
وروي: «أنّ يهوديا كان إذا سمع المؤذّن يقول: (أشهد أنّ محمّدا رسول الله) قال: أحرق الله الكاذب، فدخل خادمه البيت بنار، فوقعت شرارة منها في البيت فالتهب، واحترق اليهوديّ هو وأهله، واستجيب دعاؤه على نفسه» (١).
وفي الآية دليل أنّ للصلاة أذانا يدعو به الناس إليها، ونظير هذا قوله تعالى:
﴿إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (٢).وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [ثلاثة لا يكترثون من الحساب، ولا تفزعهم الصّيحة، ولا يحزنهم الفزع الأكبر: حامل القرآن العامل به، يقدم على الله سيّدا شريفا، ومؤذّن أذن سبع سنين لا يأخذ على أذانه طعاما، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه وأدّى حقّ مولاه] (٣).
стр. 913
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من أذن سنة من نيّة صادقة، أجلس يوم القيامة على باب الجنّة، فقيل له: اشفع لمن شئت] (١).وعن أبي هريرة ﵁:
قال ابن عبّاس: قال رسول الله ﷺ : [من أذن خمس صلوات إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر] (٢).وقال رسول الله ﷺ : [المؤذّن المحتسب كالشّهيد المتشحّط في دمه ما دام في أذانه، ويشهد له كلّ رطب ويابس، فإذا مات لم يدوّد في قبره] (٣).قال عمر ﵁: لو كنت مؤذّنا لكمل أمري، وما باليت أن لا أتنصب لقيام ولا لصيام، سمعت رسول الله ﷺ يقول: [اللهمّ اغفر للمؤمنين، اللهمّ اغفر للمؤذّنين] (٤).
قوله : ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ؛﴾ أي قل يا محمّد: يا أهل الكتاب هل تطعنون علينا إلاّ لإيماننا بالله تعالى والقرآن، ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ (٥٩)؛أي إنّما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنّنا على حقّ؛ لأنّكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لمحبّتكم الرئاسة وكسبكم بها الأموال، فهل تدرون شيئا يعاب علينا إلاّ هذا؟ فلماذا تطعنون.
стр. 914
وأما قوله : ﴿(وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ)،﴾ قال بعضهم: أراد بالأكثر كلّهم، وأكثر الشيء يقوم مقام الكلّ. وقيل: إنما ذكر لفظ الأكثر؛ لأن الآية خرجت مخرج التلطّف للدعاء إلى الإيمان، وكان في سابق علم الله أنّ فيهم من يسلم، وكان في القوم من يطعن بنفسه في دين الإسلام، وإن كان سكت عن طعن الطاعنين.
قوله : ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ؛﴾ وذلك أنّ اليهود قالوا للمسلمين: ما نعلم أهل دين أقلّ حظا منكم في الدّنيا، ونرجو أن تكونوا في الآخرة! فأنزل الله هذه الآية؛ أي قل يا محمّد لهؤلاء اليهود: هل أخبركم بسوء من الذي قلتم جزاء، ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ؛﴾ أي أبعده عن رحمته، وسخط عليه وهم اليهود، فيكون موضع ﴿(مَنْ لَعَنَهُ)﴾ رفعا على معنى (هو) ويجوز أن يكون خفضا بدلا من (شرّ) على معنى: هل أنبّئكم بمن لعنه الله.
قوله : ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ؛﴾ أي مسخ بعضهم قردة في زمن داود ﵇ بدعائه عليهم حين اعتدوا في السّبت واستحلّوه، ومسخ بعضهم خنازير في زمن عيسى ﵇ بعد أكلهم من المائدة حين كفروا بعد ما رأوا الآيات البيّنة. وروي: أنه لمّا نزلت هذه الآية قال المسلمون لليهود: (يا إخوة القردة والخنازير) فنكّسوا رءوسهم وفضحهم الله تعالى.
قوله : ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ؛﴾ فيه عشر قراءات، قرأ العامة «(وعبد الطّاغوت)» بفتح العين والباء والدال على الفعل؛ ومعناها: وجعل منهم من عبد الطاغوت؛ أي بالغ في طاعة الشّيطان والكهّان ورؤساء المعصية. وقرأ ابن مسعود: «(وعبدوا الطّاغوت)» أي ومن عبد الطاغوت، وقرأ يحيى بن وثّاب وحمزة:
بفتح العين وضمّ الباء وكسر التاء من الطاغوت، وهو لغة في عبد، مثل سبع وسبع (١).وقرأ أبو جعفر الفرّاء: «(وعبد الطّاغوت)» على الفعل المجهول (٢)،وقرأ الحسن: «(وعبد الطّاغوت)» على الواحد.
стр. 915
وقرأ يزيد الأسلمي: «(وعابد الطّاغوت)» بالألف، وقرأ ابن عباس: «(وعبيد الطّاغوت)» بالجمع، وقرأ أبو واقد الليثيّ: «(وعبّاد الطّاغوت)» مثل كفّار، وقرأ عون العقيلي وأبان بن ثعلب: «(وعبّد الطّاغوت)» مثل راكع وركّع، وقرأ عبيد بن عمير:
«(أعبد الطّاغوت)» مثل كلب وأكلب، وقرأ الأعمش: «(وعبد الطّاغوت)» بضمّ العين والباء وكسر التاء من الطاغوت (١).قال الشاعر:
انسب العبد إلى آبائه ... أسود الجلد من قوم عبد
قوله : ﴿أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ (٦٠) فإن قيل: كيف معنى هذا ليس في الإيمان شرّ وضلال؟ قيل: سمة المشركين شرّ مكانا لا يوجب أن يكون في الإيمان شرّ وتطيّر. قوله : ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ (٢) ومعلوم أنه لا خير في مستقرّ الكفّار ومنقلبهم، فلمّا نزلت هذه الآية قال المسلمون ليهود: (يا إخوان القردة والخنازير) فسكتوا وأفحموا، وفيهم يقول الشاعر:
فلعنة الله على اليهود ... إنّ اليهود إخوة القرود
قوله : ﴿وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ؛﴾ ومعناه: وإذا جاءكم المنافقون من أهل الكتاب قالوا آمنّا بك، ونحن نعرف نعتك وصفتك، يقول الله: وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به؛ أي دخلوا عليكم، وخرجوا من عندكم كافرين في السرّ كما دخلوا خرجوا، وقوله: ﴿(وَهُمْ)﴾ للصّلة والتأكيد، ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ (٦١)؛أي بما كانوا يضمرون في قلوبهم من الكفر والنفاق، فأعلمكم به وأطلعكم عليه.
قوله : ﴿وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ؛﴾ أي وترى يا محمّد كثيرا من اليهود والمنافقين يبادرون في المعصية والاعتداء والظّلم،
стр. 916
﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ؛﴾ وأكل الرّشوة والحرام في تغيير لأحكام، ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦٢)؛من المعصية ومجاوزة الحدّ.
قوله : ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٦٣)؛معناه: هل ينهاهم العاملون بالعلم والعلماء الذين هم دونهم عن قول الشّرك والكذب على الله، وأكل الحرام والرّشوة في الحكم. قال الحسن: (الرّبّانيّون علماء النّصارى، والأحبار علماء اليهود).
ويقال: هو كلّه في اليهود، وقرأ أبو واقد الليثي: «(لولا ينهاهم الرّبّيّون)» كقوله تعالى:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ (١).
وقوله: ﴿(لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ)﴾ أي بئس ما يصنع علماؤهم من كتمانهم الحقّ، وتركهم النهي عن المعصية. قال ابن عبّاس ﵄ والضحاك: (إنّ هذه الآية أشدّ الآيات في تخويف من ترك الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر) (٢)، قال رسول الله ﷺ : [ما من رجل يجاور قوما فيعمل بالمعاصي بين أظهرهم، فلا يأخذون على يديه، إلاّ أوشك أنّ الله تعالى يعمّهم منه بعقاب] (٣).
قوله : ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في فنحاص بن عازوراء اليهوديّ وأصحابه، كان الله تعالى قد بسط لهم في الرّزق، فكان من أخصب النّاس، وأكثرهم خيرا وأموالا،
стр. 917
فلمّا عصوا الله تعالى في محمّد ﷺ وبالغوا في تكذيبه، كفّ الله عنهم بعض الّذي كان بسط عليهم، فعند ذلك قالوا: يد الله مغلولة) (١).أي قالوا على سبيل الهزء: إنّ إله محمّد الذي أرسله ممسكة يده عنان الرزق لا يبسط علينا كما كان يبسط. وهذا اللفظ في كلام العرب عبارة عن البخل، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ﴾ (٢) أي لا تمسكها عن الإنفاق.
قال بعضهم: إنما قال هذه المقالة فنحاص ولم ينهه الآخرون، ورضوا بقوله فأشركهم الله فيها، وأرادوا باليد العطاء، لأن عطاء الناس وبذلهم في الغالب بأيديهم، فاستعمل الناس اليد في وصف الناس بالجود والبخل. ويقال للبخيل: جعد الأنامل؛ مقبوض الكفّ؛ مكفوف الأصابع (٣)؛مغلول اليدين، قال الشاعر:
كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها ... وكلّ باب من الخيرات مفتوح
فاستبدلت بعده جعدا أنامله ... كأنّما وجهه بالخلّ منضوح
وقوله تعالى: ﴿(غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ)﴾ جواب عن كلامهم على طريق المقابلة في الازدواج؛ أي أمسكت أيديهم عن الإنفاق في الخير، وجعلوا بخلاء واليهود أبخل الناس، ولا أمّة أبخل منهم. ويقال: معنى ﴿(غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ)﴾ أي غلّت إلى أعناقهم في نار جهنم، ويقال: لا يخرج يهوديّ من الدنيا إلاّ وتصير يده مغلولة إلى عنقه.
قوله تعالى: ﴿(وَلُعِنُوا بِما قالُوا)﴾ أي عذّبوا بالجزية، وطردوا عن رحمة الله تعالى لقولهم: ﴿(يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ)﴾.
قوله تعالى: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ؛﴾ عبارة عن الجود وكثرة العطيّة لمن يشاء، كما يقال: فلان بسط اليدين، وباسط اليدين إذا كان جوادا يعطي يمنة ويسرة، وعن ابن عباس: (أنّ معناه: بل نعمتاه مبسوطتان)،وأراد نعمة الدين والدنيا،
стр. 918
وقيل: نعمته الظاهرة ونعمته الباطنة. وقيل: أراد بالتثنية في هذا للمبالغة في صفة النعمة. قال الأعشى:
يداك يدا مجد فكفّ مفيدة ... وكفّ إذا ما ضنّ بالمال تنفق
وهذا كلّه لأنّ اليهود قصدوا تبخيل الله، فحوسبوا على قدر كلامهم.
قوله تعالى: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ؛﴾ دليل على أن المراد بجواب اليهود بيان بسط النعمة، وأنّ الله يرزق كيف يشاء بحسب المصالح، فربّما كان الصلاح في أن يعتبروا، وربّما كان في أن يوسّع، ولا يخلو حكمه عن الحكمة.
واعلم أن اليد في اللغة تتصرف على وجوه؛ منها: الجارحة وهي معروفة، وتعالى الله عن الجوارح. ومنها: النعمة كما يقال: لفلان عليّ يد؛ أي نعمة. ومنها:
القوة كما قال تعالى: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ﴾ (٢).
ومنها: الملك ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ (٣) أي يملكه. ومنها: القدرة كقوله ﴿بِيَدَيَّ﴾ (٤) أي تولّيت خلقه، وفائدته التشريف. ومنها التصرّف كما يقال: هذه الدار في يد فلان؛ أي هو يتصرّف فيها بالسّكنى والإسكان، وقد يقال: أسلم فلان على يد فلان؛ أي كان سببا في إسلامه.
قوله : ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً؛﴾ معناه: ليزيدنّ القرآن الذي أنزل إليك، وما فيه من الإسلام، وحكم الرجم كثيرا من اليهود طغيانا وكفرا؛ أي كلّما أنزل عليك شيء من القرآن كفروا به فيزيد كفرهم.
قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ؛﴾ أي جعلناهم مختلفين في دينهم متباغضين كما قال تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ (٥).
стр. 919
وقوله تعالى: ﴿كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ؛﴾ أي كلّما أجمعوا على قتالكم وأعدّوا (١) للحرب، فرّق الله جمعهم وأطفأ مكرهم وخالف بين كلمتهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً؛﴾ أي يجتهدون في دفع الإسلام ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٦٤)؛أي لا يرضى عمل أهل الفساد.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ؛﴾ أي ولو أنّهم عملوا بما في التوراة والإنجيل، ولم يكتموا ما علموا من ذكر محمّد ﷺ فيها، وعملوا ب؛ ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ؛﴾ يعني القرآن الذي أنزل على كافّة الناس، ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ؛﴾ أي لوسّعنا عليهم الرزق بإنزال المطر من السماء، وإخراج النبات من الأرض والشجر والنبات (٢).وفي الآية بيان أن التّقى سبب لتوسعة الرزق، واستقامة الأمر في الدّنيا والآخرة، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (٤).
قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ؛﴾ أي من أهل الكتاب أمّة عادلة، يعني جماعة عادلة في القول، وهم الذين أسلموا منهم، وهم ثمانية وأربعون رجلا:
النجاشيّ وأصحابه من النّصارى، وبحيرا الراهب وأصحابه، وسلمان الفارسيّ وأصحابه، وعبد الله بن سلام وأصحابه، وجبر مولى قريش، ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ (٦٦)؛أي كثير من أهل الكتاب ساء ما يعملون من كتمان نعت النبيّ ﷺ وتكذيبه، وهم: كعب بن الأشرف وأصحابه وسوف تسوؤهم أعمالهم يوم القيامة إذا رأوا وبالها.
стр. 920
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ؛﴾ خطاب للنبيّ ﷺ وأمر له أن يبلّغ الناس جميع ما أنزل إليه من ربه من القرآن. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ؛﴾ معناه: إن لم تبلّغ آية مما أنزل إليك، أو حكما أمرت بتبليغه إليهم، فكأنّك لم تبلّغ شيئا من الرسالة؛ أي يحصل لك الثواب الموعود على تبليغ الرسالة من قبل، وإنّ كتمان آية واحدة تحبط ثواب ما بلّغ من الرسالة.
يقال: إنّ في هذه الآية دليلا على أن النبيّ ﷺ كان إذا أمر بشيء خاص تأنّى قليلا عن تبليغه حذرا وخوفا أن يبتليه الله، كما ابتلى قبله إبراهيم بالنار وإسماعيل بالذبح وزكريّا ويحيى بالقتل، وكان ﷺ عازما على فعل ما أمر به مع خوفه، فقيل له إن لم تفعل ما أمرت به من دعوتهم إلى الإسلام، وعبت دينهم فقد بطل جميع ما فعلت من قبل التبليغ، كأنّك لم تبلّغ شيئا من الرسالة، ولهذا قرأ نافع وابن عامر وعاصم: «(رسالاته)» بلفظ الجمع، وقد يذكر الواحد ويراد به الجماعة.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ؛﴾ أمان من الله للنبيّ ﷺ كيلا يخاف ولا يحذر، كما روي في الخبر: أنّ رسول الله ﷺ لمّا دخل المدينة قالت له اليهود: يا محمّد إنّا ذوو عدد وناس، فإن لم ترجع قابلناك، وإن رجعت زوّدناك وأكرمناك. فكان ﵇ يحرسه مائة من المهاجرين والأنصار يبيتون عنده، ويخرجون معه خوفا من اليهود، فلمّا نزل قوله: ﴿(وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ)﴾ علم أنّ الله يحفظه من كيد اليهود وغيرهم، فقال للمهاجرين والأنصار: [انصرفوا إلى رحالكم، فإنّ الله قد عصمني من اليهود]،فكان ﷺ عند ذلك يخرج وحده في أوّل اللّيل وعند السّحر إلى أودية المدينة وحيث ما شاء، فعصمه الله مع كثرة أعدائه وقلّة أعوانه، فعاش حميدا ومات سعيدا ﷺ (١).
стр. 921
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (٦٧)؛أي لا يرشدهم إلى دينه وحجّته، ولا يهديهم إلى طريق الجنة في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ؛﴾ أي لستم على شيء من الدّين والثواب إلاّ أن تقرّوا بما في التوراة والإنجيل من نعت محمّد ﷺ ومبعثه ونبوّته وسائر الأحكام التي فيها، وتقرّوا بالقرآن الذي أنزل على كافّة الناس من ربهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً؛﴾ قد ذكرنا تفسيره، ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ (٦٨)؛أي ليس عليك إلاّ تبليغ الرسالة فلا تحزن عليهم إن كذبوك؛ أي لا تحزن على هلاكهم إذا أهلكناهم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦٩)؛ معنى الآية: إنّ الذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، والذين مالوا عن الإسلام وسمّوا باليهوديّة، والذين صبت قلوبهم، وهم صنف من النصارى يقال لهم السّابحون يحلقون أوساط رءوسهم.
ويقال: الصّابئ هو الخارج من ملّة فيها أمة عظيمة إلى ملّة فيها شرذمة قليلة.
قوله تعالى: ﴿(مَنْ آمَنَ بِاللهِ)﴾ أي من آمن من هذه الفرق بالله وبجميع ما أنزل الله، والبعث بعد الموت، وعمل صالحا فيما بينه وبين الله، فلا خوف عليهم، حيث يخاف أهل النار، ولا هم يحزنون حيث يحزن أهل النار.
وأما الرفع في قوله: ﴿(وَالصّابِئُونَ):﴾ قال الكسائيّ: هو نسق على المضمر في ﴿(هادُوا)﴾ تقديره: هادوهم والصابئون. وقال الخليل وسيبويه والبصريّون قوله:
﴿(وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ)﴾ مرفوع بالابتداء؛ تقديره: إنّ الذين آمنوا ومن آمن من الذين هادوا والصابئون والنصارى، من آمن بالله واليوم الآخر. وقيل: إنما رفع لأنه عطف على (الذين) قبل دخول (إن)؛ لأنه لا يحدث معنى، كما تقول: زيد قائم، وإنّ زيدا قائم معناهما واحد. وقرأ الحسن: «(إنّ الله وملائكته)» برفع التاء.
стр. 922
وأما نفي الحزن عن المؤمنين هاهنا، فقد ذهب بعض المفسّرين إلى أنه لا يكون عليهم حزن في الآخرة ولا خوف، ونظيره قوله تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ (١).
وقال بعضهم: إنّ المؤمنين يخافون ويحزنون لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ (٣).
وقال ﷺ : [يحشر النّاس يوم القيامة حفاة عراة] فقالت عائشة: وا سوأتاه! فقال ﷺ : [أما سمعت قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٤)] (٥).قالوا:
وإنما نفى الله تعالى في هذه الآية الحزن عن المؤمنين؛ لأن حزنهم لما كان يعرض الزوال، ولم يكن له بقاء معهم لم يعتدّ بذلك.
قوله : ﴿لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ؛﴾ أي أخذنا عهد بني إسرائيل على أن يعملوا بما في التوراة والإنجيل، وكل نبيّ يبعثه الله إلى قومه فآمنوا به، فذلك أخذ ميثاقهم، ﴿وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ؛﴾ أي كلّما جاءهم رسول بما لا يوافق هواهم ولا ما هم عليه، ﴿فَرِيقاً كَذَّبُوا؛﴾ أي كذبوا جماعة من الرّسل مثل عيسى ومحمّد صلوات الله عليهما، ﴿وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ﴾ (٧٠)؛مثل زكريّا ويحيى ﵉.
قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ؛﴾ أي ظنّوا ألاّ يكون عذابا وعقوبة، وقيل: ابتلاء بسبب قتلهم الأنبياء وتكذيبهم الرسل. من قرأ «(يكون)» بالنصب فمعنى (أن يكون)،ومن قرأ بالرفع فمعناه: (أنّه لا يكون) أي فحسبوا أنّ فعلهم غير فاتن لهم، ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا؛﴾ عن الحقّ؛ أي عملوا معاملة الأعمى
стр. 923
الذي لا يبصر، والأصمّ الذي لا يسمع، فصاروا كالعمي والصّمّ. ﴿ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ؛﴾ أي تجاوز عنهم بأن أرسل إليهم محمّدا ﷺ يعلمهم أنه قد تاب عليهم إن آمنوا وصدّقوا فلم يؤمن أكثرهم، ويقال: دانوا بعد ذلك وتابوا من الكفر فقبل الله توبتهم، فلمّا بعث الله محمّدا ﷺ وجاءهم ما عرفوا كفروا به، فذلك قوله: ﴿(فَعَمُوا وَصَمُّوا)﴾ أي عموا عن الهدى، وصمّوا عن الحقّ بعد أن ازداد لهم الأمر وضوحا بالنبيّ ﷺ .
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ؛﴾ بدل من الواو في قوله ﴿(عَمُوا)﴾ كأنه قال: عمي وصمّ كثير منهم، وهذا كما يقال: جاءني قومك أكثرهم، وقوله: ﴿(كَثِيرٌ مِنْهُمْ)﴾ يقتضي في المرة الثانية أنّهم لم يكفروا بأكملهم، وإنما كفر أكثرهم، كما قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿(مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ)﴾ (٢).
ويحكى عن بعض أهل اللّغة جواب جمع الفعل متقدّما على الاسم، كما يقال:
أكلوني البراغيث، ويجوز أن يكون ﴿(كَثِيرٌ)﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ معناه: العمي والصمّ كثير منهم.
وقوله: ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ (٧١)؛أي بما تعملون من التكذيب ونقض الميثاق وتحريف الكلام.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ؛﴾ نزلت في نصارى نجران السيّد والعاقب ومن معهما، وهم الماريعقوبيّة؛ قالوا: إنّ الله هو المسيح بن مريم.
قوله تعالى: ﴿وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ؛﴾ إعلام من الله تعالى أن المسيح دعاهم إلى توحيد الله تعالى، وأعلمهم
стр. 924
أنّ شيئا (١) حاله في أمه مربوب كحالهم، وأعلمهم أن من أشرك مع الله شيئا غيره فهو كافر من أهل النار، فذلك قوله تعالى: ﴿(اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ)﴾ أي وحّدوه، فهو خالقي وخالقكم ورازقي ورازقكم. ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ؛﴾ أن يدخلها، ﴿وَمَأْواهُ النّارُ؛﴾ ومصيره في الآخرة النار، ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ (٧٢)؛أي ما للمشركين من مانع يمنعهم من عذاب الله.
ثم بيّن الله كفر الفريق الآخر من النّصارى، وهم المرقوشيّة، فقال :
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ؛﴾ أي أحد ثلاثة: أب؛ وابن؛ وروح قدس، ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا؛﴾ أي المنافقون؛ ﴿عَمّا يَقُولُونَ؛﴾ من مقالتهم الأولى والثانية، ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ أي ليصيبنّ الذين أقاموا على مقالة الكفر، ﴿مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧٣)؛وجيع يخلص وجعه إلى قلوبكم.
قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ؛﴾ أوّل هذه الآية استفهام، ومعناها الأمر؛ أي توبوا إلى الله عن النصرانيّة، واستغفروه من هذه المقالة الشّنيعة، ﴿وَاللهُ غَفُورٌ؛﴾ لمن تاب وآمن، ﴿رَحِيمٌ﴾ (٧٤)؛بمن مات على التّوبة.
قوله : ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ؛﴾ أي ما المسيح إلاّ رسول من رسل الله، فإنّ إبراء الأكمه والأبرص، وإتيانه بالمعجزات كما أتى موسى بالمعجزات؛ أي الآيات، وكما أتى إبراهيم ﵇ وغيرهما من الأنبياء، فلو وجبت عبادة الأنبياء لظهور المعجزات عليه لوجبت عبادة سائر الأنبياء واتخاذهم آلهة بسبب المعجزات، ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ؛﴾ أي كثيرة الصّدق والتصدّق، وذلك أنّ جبريل ﵇ أتاها فقال لها: إنّما أنا رسول ربك؛ فصدّقته، كما قال تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ (٢).
стр. 925
قوله : ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ؛﴾ بيان أنّهما كانا محدثين محتاجين، وهذا احتجاج بيّن على القوم في أنه لم يكن إلها؛ لأنّ الله تعالى وصفه في الآية بصفات تنافي الإلهيّة، منها: أنّه رسول بعد أن لم يكن، ومنها: أنه كسائر الرّسل فيما ظهرت منه وعليه، ومنها: أنه مولود من أمّ، ومنها: أنّهما كانا يعيشان بالغداء كما يعيش سائر الآدميّين، وكيف يكون إلها من تكون حياته بالحيلة ولا يقيمه إلاّ أكل الطعام.
ومنها ما قالوا: إنّ أكل الطعام في الآية كناية عن قضاء الحاجة؛ لأن الذي يأكل الطعام لا بدّ له من قضاء الحاجة. فكلّ هذه الصفات دلالة على كونه عبدا مخلوقا مربوبا مستحيلا أن يكون إلها قديما، تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا.
قوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ؛﴾ أي انظر يا محمّد كيف نبيّن لهم العلامات في أمر عيسى أن لم يكن إلها ولا ابنا له ولا ثالث ثلاثة، ﴿ثُمَّ انْظُرْ؛﴾ يا محمّد، ﴿أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٧٥)؛أي من أين يصرفون عن الحقّ الواضح إلى الباطل.
والإفك: هو الصّرف، كلّ شيء صرفته فهو مأفوك، تقول: أفكته عنه أفكه إفكا، ويسمّى الكذب إفكا؛ لأنه يصرف عن الحقّ.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً؛﴾ أي قل يا محمّد لهؤلاء النّصارى ومن سلك طريقتهم واتّخذ غير الله إلها:
أتعبدون من دون الله ما لا يقدر على دفع ضرّ عنكم ولا جرّ نفع إليكم، ﴿وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ؛﴾ لمقالتكم في عيسى ﵇ وأمّه، ﴿الْعَلِيمُ﴾ (٧٦)؛بكم وبعقوبتكم.
قوله : ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: لا تتجاوزوا الحدّ في دينكم إلى غير الحقّ فتقولوا:
هل فعل أحد مثل فعل عيسى؟ وتجعلوا لله ولدا؟ فإنه ليس بحقّ، ويقال: هذا خطاب لليهود والنصارى؛ أي لا ترفعوا عيسى ﵇ عن درجة النبوّة إلى درجة الرّبوبيّة، ولا تحطّوه عن درجته فتقولوا: إنه مولود على غير رشده.
стр. 926
قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ؛﴾ أي لا تتّبعوا شهوات أوليائكم ورؤسائكم، ولا تؤثروا الهوى على البيان والبرهان، ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيراً؛﴾ من السّفلة الذين أطاعوهم، ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ (٧٧)؛وأصرّوا على ضلالتهم عن قصد الطريق.
قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ؛﴾ أي طرد الذين كفروا من بني إسرائيل وبوعدوا من رحمة الله، ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ؛﴾ أي بدعائه عليهم حين اعتدوا في السّبت، فمسخهم الله قردة. ﴿وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ،﴾ أي ولعنوا بدعاء عيسى حين كفروا بعد ذلك بالمائدة فمسخهم الله خنازير، ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٧٨)؛ذلك اللّعن والتعذيب بعصيانهم واستحلالهم المعاصي وقتلهم الأنبياء ﵈ بغير حقّ.
ثم بيّن الله تعالى سبب المعصية والكفر، فقال تعالى: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ؛﴾ أي لا ينهى بعضهم بعضا عن قبيح يعملونه، واصطلحوا على الكفّ عن نهي المنكر، ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٧٩)؛ ودخول اللام في ﴿(لَبِئْسَ)﴾ للقسم والتوكيد.
قوله : ﴿تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ ترى يا محمّد كثيرا من اليهود يوالون مشركي العرب على معاداتك ومحاربتك، يعني كعب بن الأشرف وأصحابه. وقيل: معناه: ترى كثيرا من المنافقين يتولّون اليهود، ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ؛﴾ أي بئس ما عملوا لأنفسهم حين، ﴿أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ؛﴾ وموضع ﴿(أَنْ سَخِطَ)﴾ نصب على تأويل بئس الشيء ذلك لإن أكسبهم السّخط، فانتصب (أن) بلام (كي)،ويجوز أن يكون موضعه رفعا على إضمار (هو) تقديره: هو أن سخط الله عليهم، ﴿وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ﴾ (٨٠)؛أي مقيمون دائمون.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ؛﴾ معناه: لو كان اليهود يصدّقون بوحدانيّة الله تعالى، ﴿وَالنَّبِيِّ،﴾ وبمحمّد ﷺ ، ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ،﴾ أي والقرآن الذي أنزل إليه، ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ،﴾ ما اتّخذوا
стр. 927
كفار قريش وسائر عبدة الأوثان أحبّاء في العون والنّصرة على حرب النبيّ ﷺ ؛ ﴿وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ؛﴾ من اليهود؛ ﴿فاسِقُونَ﴾ (٨١)؛خارجون عن الطاعة، ناقضوا العهد.
قوله : ﴿*لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا؛﴾ أي لتجدنّ يا محمّد أشدّ الناس عداوة لك وللذين آمنوا اليهود، وهم يهود بني قريظة وبني النضير وفدك وخيبر، كانوا أشدّ اليهود عداوة للنبيّ ﷺ وللمؤمنين. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [ما خلا يهوديّان بمسلم إلاّ همّا بقتله] (١).قوله تعالى: ﴿(وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)﴾ يعني مشركي العرب كانوا في العداوة مثل اليهود.
قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى؛﴾ لم يرد جميع النّصارى مع ما هم فيه من عداوة المسلمين، وتخريب بلادهم وهدم مساجدهم وقتلهم وأسرهم وأخذ مصاحفهم. وإنما نزلت هذه الآية في النجاشيّ وأصحابه. قال ابن عبّاس وسعيد بن جبير والسديّ: (نزلت هذه الآية في النّجاشيّ وأصحابه، وكان النّجاشيّ ملك الحبشة نصرانيّا قبل ظهور الإسلام، ثمّ أسلم هو وأصحابه) (٢).
стр. 928
قال المفسرون (١):ائتمرت قريش أن يفتنوا المسلمين عن دينهم، فوثبت كلّ قبيلة على من فيهم من المسلمين، يؤذونهم ويعذّبونهم فافتتن كثير، وعصم الله من شاء منهم، ومنع الله النبيّ ﷺ بعمّه أبي طالب، فلمّا رأى رسول الله ﷺ ما بأصحابه، ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بالجهاد، أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: [إنّ بها ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده أحد، فاخرجوا إليه حتّى يجعل الله للمسلمين فرجا] (٢)،وأراد به النجاشيّ واسمه أصحمة، وهو بالحبشيّة عطيّة (٣)،وإنما النجاشيّ اسم الملك، كقولهم: كسرى وقيصر.
فخرج إليه سرّا أحد عشر رجلا وأربع نسوة، وهم: عثمان بن عفّان وامرأته رقيّة بنت رسول الله ﷺ ، والزّبير، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو حذيفة بن عقبة وامرأته سهلة بنت سهيل، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة وامرأته أمّ سلمة، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت جثمة، وحاطب بن عمر، وسهيل بن بيضاء. فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة بنصف مثقال إلى الحبشة، وذلك في رجب في السّنة الخامسة من عهد رسول الله ﷺ ، وهذه الهجرة الأولى.
ثم خرج جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون، وكان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النّساء والصبيان، فلما علمت قريش بذلك وجّهت عمرو بن العاص وصاحبه بالهدايا إلى النجاشيّ وإلى بطارقته ليردّوهم إليهم، فعصمهم الله تعالى، وقد ذكرنا هذه القصّة في سورة آل عمران.
فلمّا انصرفا خائبين أقام المسلمون هناك بخير دار وأحسن جوار إلى أن هاجر رسول الله ﷺ وعلا أمره، وذلك في سنة ستّ من الهجرة. كتب رسول الله ﷺ إلى النجاشيّ على يد عمرو بن أميّة الضّمريّ ليزوّجه أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت هاجرت إليه مع زوجها، فأرسل النجاشيّ إلى أمّ حبيبة جارية يقال لها برهة، فأخبرتها
стр. 929
بخطبة رسول الله ﷺ إيّاها، فأعطتها أوضاحا لها سرورا بذلك، وأمرها أن توكّل من يزوّجها، فوكّلت خالد بن سعيد بن العاص، فأنكحها على صداق أوزن بمائة مثقال، وكان الخاطب لرسول الله ﷺ النجاشيّ، وأنفد الصّداق إلى أمّ حبيبة على يدي برهة، فلمّا جاءتها بذلك أعطتها خمسين مثقالا، فقالت برهة: إنّ الملك أمرني أن لا آخذ منك شيئا، فردّته إليها ولم تأخذه.
ثم قالت لها برهة: أنا صاحب دهن الملك وبناته، وقد صدّقت بمحمّد رسول الله ﷺ وآمنت به، فحاجتي إليك أن تقرءيه مني السّلام، ثم أمر الملك نساءه أن يبعثن إلى أمّ حبيبة بما عندهنّ من عود وعنبر، وكان رسول الله ﷺ يراه عليها ولا ينكره.
وقالت أمّ حبيبة: فخرجنا في سفينتين، وبعث معنا النجاشيّ الملاّحين، فلما خرجنا من البحر ركبا الظّهر إلى المدينة ورسول الله ﷺ بخيبر، فخرج من خرج إليه، فأقمت بالمدينة حتى قدم رسول الله ﷺ فدخلت عليه، فكان يسألني عن النجاشيّ فبلّغته سلام برهة فردّ ﵍، وأنزل الله تعالى: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ (١) يعني أبا سفيان، و (مودّة):تزويج أمّ حبيبة. ثم قال رسول الله ﷺ : [لا أدري أيّا بفتح خيبر أسرّ أم بقدوم جعفر] (٢).
وبعث النجاشيّ بعد أن قدم جعفر المدينة ابنه أرهى بن أصحمة في ستّين راكبا من الحبشة، وكتب إليه: (يا رسول الله، إنّي أشهد أنّك رسول الله صادقا ومصدّقا، قد بايعتك وبايعت ابن عمّك، وأسلمت لله رب العالمين، وقد بعثت إليك ابني، وإن شئت أن آتيك بنفسي، فعلت. والسّلام عليك يا رسول الله. فركبوا سفينة في إثر جعفر وأصحابه، فلما بلغوا وسط البحر غرقوا.
وكان جعفر يوم وصل المدينة إلى رسول الله ﷺ وصل في سبعين رجلا منهم اثنان وستّون من الحبشة، وثمانية من أهل الشّام منهم بحيرا الراهب، قرأ عليهم رسول الله ﷺ سورة يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا: ما أشبه
стр. 930
هذا بما كان أنزل على عيسى ﵇، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى)﴾ ووفد النجاشيّ الذين قدموا مع جعفر وهم سبعون (١).
وقال مقاتل والكلبيّ: (كانوا أربعين رجلا، اثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من أهل الشّام).وقال عطاء: (ثمانون رجلا، أربعون من أهل نجران، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من أهل الرّوم من أهل الشّام) (٢).
قال قتادة: (نزلت هذه الآية في النّصارى الّذين هم متمسّكون بشريعة عيسى ﵇ يعني أنّ النصارى كانوا أقلّ مظاهرة للمشركين من اليهود، فقوله: ﴿(وَإِذا سَمِعُوا)﴾ على هذا التأويل معناه: وإنّ منهم من إذا سمعوا، أو منهم قوم إذا سمعوا.
وفي الآية ما يشهد لهذا القول أيضا؛ لأن الله تعالى وصفهم بقرب مودّتهم للمسلمين، ولم يصفهم بأنّهم يوادّون المسلمين، ولا يجوز أن يعتقد أحد أنّ في الآية مدحا للنّصارى، وإخبارا أنّهم خير من اليهود إلاّ في معنى شدّة العداوة، لأن من أمعن النظر في مقالة اليهود والنصارى علم أن مقالة النصارى أظهر فسادا من مقالة اليهود، لأنّ اليهود يقرّون بالتوحيد في الجملة، وإن كانت فيهم مشبهة تنقض القول بالتوحيد بالشّبه، والنصارى لا يكونون مقرّين بالتوحيد بوجه من الوجوه.
قوله : ﴿ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً؛﴾ معناه: إن قرب مودّة النصارى للمسلمين، وقلّة مظاهرتهم للمشركين بأنّ من النصارى قسّيسين؛ أي علماء وعبّاد أصحاب الصوامع، ﴿وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٨٢)؛ عن اتّباع الحقّ إذا تبيّن لهم.
والقسّيسين في اللغة مأخوذ من القسّ وهو الشّرّ، يقال: قسّ فلان الأذى إذا تبعه، والقسّ: النميمة أيضا. والرّهبان: العبّاد أصحاب الصوامع. وقال قطرب:
стр. 931
(القسّيس: العالم) بلغة الرّوم (١)،والرّهبان: جمع راهب مثل فارس وفرسان وركبان، وقد يكون رهبان واحد وجمعه رهابين مثل قربان وقرابين. وهو من قول القائل رهب الله أي خافه (٢).
قوله : ﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ؛﴾ قال ابن عبّاس: (هم أربعون رجلا قدموا مع جعفر ابن أبي طالب، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من الشّام، فلمّا قرأ عليهم النّبيّ ﷺ القرآن عرفوه، فرقّوا له ففاضت أعينهم ولم يستكبروا أن يدخلوا في دينه).
ومعنى الآية: وإذا سمعوا القرآن ترى الدمع يسيل من أعينهم بمعرفتهم الحقّ من صفة محمّد ﷺ ونعته في كتابهم، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا؛﴾ أي صدّقنا بوحدانيّتك وكتابك ورسولك، ﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ (٨٣)؛أي مع من شهد من أنبيائك ومؤمني عبادك بأنّك واحد لا إله غيرك؛ أي اجعلنا في جملتهم.
قال ابن عبّاس: (فلمّا رجعوا إلى قومهم لاموهم على الإيمان بمحمّد ﷺ والقرآن وقالوا لهم: تركتم ملّة عيسى ﵇ ودين آبائكم، فردّوا عليهم
كما قال الله : ﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ (٨٤)؛أي نحن نرجو أن يدخلنا ربّنا في الآخرة مع صالحي أمّة محمّد ﷺ .
قوله تعالى: ﴿فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا؛﴾ أي جازاهم الله بأن أوجب لهم الجنة في الآخرة بقولهم ﴿(رَبَّنا آمَنّا)،﴾ وقولهم: ﴿(وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ)﴾. ﴿جَنّاتٍ؛﴾ أي بساتين، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ تجري من تحت شجرها ومساكنها
стр. 932
وغرفها أنهار الماء والعسل والخمر واللبن، ﴿خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٨٥)؛أي ذلك الثواب جزاء الموحّدين المخلصين.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي الذين جحدوا وكذبوا بمحمّد ﷺ والقرآن فماتوا على ذلك، ف ﴿أُولئِكَ،﴾ هم، ﴿أَصْحابُ،﴾ أهل، ﴿الْجَحِيمِ﴾ (٨٦)؛النار الشّديدة الوقود.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ؛﴾ قال المفسّرون: (جلس رسول الله ﷺ يوما، فذكر النّار ووصف القيامة، فرّق النّاس وبكوا، فاجتمع جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وهم أبو بكر؛ وعمر؛ وعليّ؛ وعبد الله بن مسعود؛ وعثمان بن مظعون الجمحيّ؛ والمقداد؛ وعبد الله بن عمر؛ وأبو ذرّ؛ وسالم مولى أبي حذيفة؛ وسلمان الفارسيّ؛ وعمّار بن ياسر؛ ومعقل بن مصرّف ﵃، تواثقوا في دار عثمان بن مظعون أن يصوموا النّهار ويقوموا اللّيل، ويرفضوا الدّنيا، ويسيحوا في الأرض، ويجبّوا مذاكيرهم ويعتزلوا النّساء، ولا يأكلوا لحما ولا دسما، ويلبسوا المسوح. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأنزل الله فيهم هذه الآية) (١).
ومعناها: لا تحرّموا على أنفسكم طيّبات ما أحلّ الله لكم من الطعام والشراب واللباس والجماع، ولا تظلموا أنفسكم بقطع المذاكير، ﴿وَلا تَعْتَدُوا؛﴾ أي لا تجاوزوا حدود الله بتحريم حلاله، فإن محرّم ما أحلّ الله، كمحلّ ما حرّم الله. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٨٧)؛أي لا يرضى عمل المعتدين على أنفسهم المتجاوزين حدود الله.
قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً؛﴾ أي كلوا ممّا رزقكم الله من الطعام والشراب حلالا أحلّه الله لكم، ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (٨٨).وقيل: أنّه لما بلغ رسول الله ﷺ خبرهم؛ أتى دار عثمان
стр. 933
بن مضعون فلم يجده، فقال لامرأة عثمان بن مضعون-أمّ حكيم بنت أميّة واسمها الخولة وكانت عطّارة-: [أحقّ ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟] فكرهت أن تكذب على رسول الله ﷺ ؛ وكرهت أن تبدي خبر زوجها؛ فقالت: يا رسول الله! إن كان أخبرك عثمان فقد صدق، فرجع رسول الله ﷺ .
فلمّا جاء عثمان أخبرته زوجته بذلك، فعني إلى رسول الله ﷺ ، فسأله النّبيّ ﷺ عن ذلك، فقال: نعم. فقال ﵇: [أمّا أنا؛ فلم اؤمر بذلك، إنّ لأنفسكم عليكم حقّا؛ فصوموا وأفطروا؛ وقوموا وناموا، فأنا أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللّحم والدّسم، وآتي النّساء، من رغب عن سنّتي فليس منّي].
ثمّ جمع النّاس وخطبهم وقال: [ما بال قوم حرّموا النّساء والطّعام الطّيّب والنّوم، أمّا أنا فلا آمركم أن تكونوا قسّيسين أو رهبانا، فإنّه ليس من ديني ترك اللّحم والنّساء، واتّخاذ الصّوامع، فإنّ سياحة أمّتي الصّوم، ورهبانيّتهم الجهاد، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وحجّوا واعتمروا وأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة وصوموا رمضان، واستقيموا ليستقيم لكم، فإنّما هلك من كان قبلكم بالتّشديد، شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم].
وعن سعيد بن المسيّب؛ قال: جاء عثمان بن مضعون إلى رسول الله ﷺ فقال:
يا رسول الله! إنّ نفسي تحدّثني بأن أختصي، قال: [مهلا يا عثمان! إنّ اختصاء أمّتي الصّيام].قال: يا رسول الله! إنّ نفسي تحدّثني أن أترهّب في رءوس الجبال، قال: [مهلا يا عثمان! فإنّ ترهّب أمّتي الجلوس في المساجد لانتظار الصّلاة].
قال: يا رسول الله! إنّ نفسي تحدّثني أن أخرج من مالي كلّه. قال: [مهلا يا عثمان! فإنّ صدقتك يوم بيوم، وتعفّ بنفسك وعيالك، وترحم المساكين واليتيم، فتعطيهما أفضل من ذلك].قال: يا رسول الله! إنّ نفسي تحدّثني أن أطلّق امرأتي خولة. قال: [مهلا يا عثمان! فإنّ الهجرة في أمّتي من هجر ما حرّم الله عليه، أو هاجر إليّ في حياتي، أو زار قبري بعد وفاتي، أو مات وله امرأة أو امرأتان أو ثلاث أو أربع].
стр. 934
قال: يا رسول الله! فإن نهيتني أن لا أطلّقها فإنّ نفسي تحدّثني أن لا أغشاها.
قال: [مهلا يا عثمان! فإنّ المسلم إذا غشي امرأته أو ما ملكت يمينه فلم يكن له من وقعته تلك ولد، كان له وصيفة في الجنّة. وإن كان من وقعته تلك ولد، فمات قبله كان له فرطا وشفيعا يوم القيامة. وإن مات بعده كان له نورا يوم القيامة]
قال: يا رسول الله! نفسي تحدّثني أن لا آكل اللّحم. قال: [مهلا يا عثمان! فإنّي أحبّ اللّحم وآكله إذا وجدته، ولو سألت ربي أن يطعمنيه في كلّ يوم لأطعمنيه].قال: يا رسول الله! فإنّ نفسي تحدّثني أن لا أمسّ الطّيب. قال: [مهلا يا عثمان! فإنّ جبريل ﵇ أمرني بالطّيب غبّا]،وقال: [يوم الجمعة لا تركه، يا عثمان لا ترغب عن سنّتي، فإنّ من رغب عن سنّتي ثمّ مات قبل أن يتوب، صرفت الملائكة وجهه عن حوضي يوم القيامة] (١).
عن أبي موسى الأشعريّ ﵁ قال: [رأيت رسول الله ﷺ يأكل لحم الدّجاج، ورأيته يأكل الرّطب والبطّيخ] (٢).وعن ابن عبّاس؛ قال: (كل ما شئت، والبس ما شئت ما أخطأتك ثنتان: سرف ومخيلة) (٣).وعن عائشة ﵂:
[أنّ النّبيّ ﷺ كان يأكل الدّجاج والفالوذج، وكان يعجبه الحلواء والعسل] (٤)؛
стр. 935
وقال: [إنّ المؤمن حلو يحبّ الحلاوة] (١).وقال: [إنّ في بطن المؤمن زاوية لا يملئوها إلاّ الحلواء] (٢).
وروي: أن الحسن كان يأكل الفالوذج، فدخل عليه فرقد السبخي، فقال: (يا فرقد، ما تقول في هذا؟) قال: لا آكله ولا أحبّ أكله (٣)،فأقبل الحسن على من عنده كالمتعجّب؛ فقال: (لعاب النّحل ولباب القمح، وسمن البقر (٤) أحلّ بعينه لكلّ مسلم) (٥).
وجاء رجل إلى الحسن فقال له: إنّ لي جارا لا يأكل الفالوذج، قال: (ولم؟) قال: لا يؤدّي شكره، قال: (أفيشرب الماء البارد؟) قال: نعم، قال: (إنّ جارك هذا جاهل، إنّ نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج) (٦).
قوله : ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ؛﴾ قال ابن عبّاس:
(هو أن يحلف الرّجل بالله في الشّيء يرى أنّه كذلك).وقالت عائشة: (هو قول الرّجل: لا والله، وبلى والله، يصل به كلامه ولا يعقد عليه قلبه).واللّغو في اللغة:
هو الكلام الساقط الذي لا يعتدّ به.
قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ؛﴾ أي بما وكّدتم الأيمان. قرأ أهل الحجاز وحفص وأبو عمرو: «(عقّدتم)» بالتشديد، وقرأ أهل الكوفة
стр. 936
إلاّ حفصا: بالتخفيف «(عقدتم).» ومعناه: أن يحلف الرجل على أمر في المستقبل ليفعله ثم لا يفعله، أو يحلف أن لا يفعله ثم يفعله. فمن قرأ «(عقّدتم)» بالتشديد فمعناه المبالغة والتأكيد. وفائدته أن يعتقدها في قلبه، ولو عقدها في أحدهما دون الآخر لم يكن معتقدا، وهو كالتعظيم.
وكان أبو الحسن الكرخيّ رحمه الله تعالى يقول: (قراءة التّشديد لا تحتمل إلاّ العقد بالقول، وقراءة التّخفيف تحتمل عقد القلب، وهو العزيمة والقصد إلى القول).
ويحتمل عقد اليمين قولا؛ يقال: عقدت على أمر كذا؛ إذا عزمت عليه.
وقيل: الأصحّ أن المراد بالعقد القول؛ لأنه لا خلاف بين الأئمّة أن القصد من اليمين لا يتعلق به وجوب الكفّارة، وإن وجوبها متعلق باللفظ دون القصد. ويحتمل أن يكون معنى التشديد: أنه متى أعاد اليمين على وجه التكرار، وهو يريد التكرار لا يلزمه إلا كفارة واحدة.
وقرأ أهل الشام: «(عاقدتم)» بألف وهو من المعاقدة، وهو أن يحلف الرجل لصاحبه على مسألته، أو يحلف كلّ واحد منهما لصاحبه.
قوله تعالى: ﴿فَكَفّارَتُهُ؛﴾ أي كفّارة ما عقّدتم من الأيمان عند الحنث، ﴿إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ؛﴾ أي من أعدل ما تطعمون أهليكم غداء وعشاء لا وكس ولا شطط.
وقيل: معناه: من أوسطه في الشّبع، ولا تفرط في الأكل، ولا يكون دون المغنى عن الجوع، فإن أراد أن يطعمهم الطعام أعطى لكلّ مسكين نصف صاع من حنطة عند أصحابنا، هكذا روي عن عمر وعليّ (١) وعائشة. وقال الشافعيّ ومالك: (مدّا بمدّ النّبيّ ﷺ .
والمدّ: رطل وثلث، وهكذا روي عن زيد بن ثابت وابن عبّاس وابن عمرو ﵃ أجمعين (٢).وأما غداؤهم وعشاؤهم فلا عبرة بمقدار الطعام، إلا أن
стр. 937
يكون فيهم صبيّ صغير لا يستوفي الأشياء يسيرا فلا يعتدّ به حينئذ، وإنما قال:
يغدّيهم ويعشّيهم؛ لأن ذلك أوسط طعام الأهل؛ لأن أكثر الأكل ثلاث مرات، وأقلّه وجبة، والغالب الأوسط؛ والأوسط الغالب مرّتان. وقال سعيد بن جبير: (يعطي لكلّ مسكين مدّين؛ مدّ لطعامه ومدّ لإدامه) (١).
وسئل شريح عن الكفّارة؛ فقال: (الخبز والزّيت).فقال له السائل: رأيت إن أطعمت الخبز واللحم، فقال: (ذلك أرفع طعام أهلك وطعام النّاس) (٢).وعن ابن مسعود وابن عمرو: (أنّ أعلى ما بطعام الأهل الخبز واللّحم، والأدون الخبز البحت (٣) بغير إدام، والأوسط الخبز مع السّمن ونحوه).
ظاهر الآية يقتضي أنه إذا أعطى مسكينا واحدا طعام العشرة لا يقع إلا عن الواحد، إلا أنّ أصحابنا إنّما اختاروا دفع ذلك إلى الواحد في العشرة أيّام على أعشار، والمعنى: لأنه جوّز على الحانث سدّ عشر خلات، ولا فرق بين سدّ خلة الواحد في عشرة أيام، وسدّ خلّة العشرة في يوم واحد.
قوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ؛﴾ قرأ السّلمي «(أو كسوتهم)» بضمّ الكاف وهما لغتان. ومعنى الآية: أو كسوة عشرة مساكين، وأدنى ما يجوز في الكسوة ثوب واحد أو رداء أو قميص أو إزار وقباء أو كساء. وأما القلنسوة والخمر والعمامة والسراويل، فلا تجوز عن الكسوة في ظاهر الرواية.
وروي عن محمد أن السراويل تجزئ لجواز الصلاة فيها للرجل. وعند الشافعيّ تجوز السراويل والعمامة. وعند سعيد بن المسيّب والضحاك: (يجب لكلّ مسكين ثوبان) (٤).
стр. 938
قوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ؛﴾ معناه: أو إعتاق مملوك يستوي فيه الذكر والأنثى؛ والصغير والكبير. وظاهر اللفظ يقتضي رقبة مسلّمة من العاهات؛ لأن اسم الشخص بكماله، إلا أنّ الفقهاء اتّفقوا أن النقص اليسير لا يمنع جوازها.
ولا يجوز عتق أمّ الولد، والمعتق بعضه بالإجماع، وأما المدبّر فالخلاف فيه كالخلاف في بيعه، وأما المكاتب فيجوز عتقه عن الكفارة إذا لم يؤدّ شيئا من الكتابة عندنا. وقال الشافعيّ: (لا يجوز).
ويجوز عندنا عتق الرقبة الكافرة والمؤمنة في كفّارة اليمين والظّهار؛ لأن الرقبة مبهمة فيهما، إلا العبد المرتدّ؛ فإنه لا يجوز؛ لأنه غير محقون الدم. وقال الشافعيّ: (لا يجوز قياسا على كفّارة القتل).
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ؛﴾ معناه: إذا لم يكن له فضل عن كسبه وثياب بدنه وما يقتات به في منزله مقدار ما يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم ويعتق رقبة، فعليه صيام ثلاثة أيّام. وظاهر الآية: يقتضي أنه يجزئ في الصيام التفريق، وهو قول مالك والشافعيّ. وفي قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب:
«(فصيام ثلاثة أيّام متتابعات)» (١).وعن ابن عبّاس ومجاهد وإبراهيم وقتادة وطاوس؛ أنّهم قالوا: (هي متتبعات).
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ؛﴾ أي ذلك الذي ذكرت لكم، وأمرتكم به كفّارة أيمانكم إذا حلفتم. وقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ؛﴾ أي احفظوها من الحنث، وهذا إذا لم يقع اليمين على منع واجب أو فعل معصية، أما إذا كان اليمين على منع واجب أو فعل معصية، فعلى الحالف أن يحنث نفسه ويكفّر عن يمينه.
ويقال: معناه: ﴿(احْفَظُوا أَيْمانَكُمْ)﴾ راعوا ألفاظ أيمانكم ليعلم الرجل ما حلف عليه فيكفّره إذا حنث. ويقال: معناه: لا تحلفوا، كما قال الشاعر (٢):
стр. 939
قليل الألايا حافظ ليمينه ... إذا بدرت منه الألية برّت
والتأويل الأول أقرب إلى ظاهر الآية؛ لأن الإنسان لا يؤمر بحفظ شيء معدوم، لا يقال لمن لا مال له: احفظ مالك.
وقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٨٩)؛ أي هكذا يبيّن الله لكم أمره ونهيه كما بيّن كفارة اليمين؛ لكي تشكروا إنعامه وبيانه.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ؛﴾ الميسر: هو القمار كلّه. والأنصاب: هي الأحجار؛ كانوا ينصبونها ويعبدونها. والأزلام: هي الأزلام التي كانوا يخيلونها عند المعزم على المسير.
نهى الله عن هذه الأشياء، وحرّمها بأبلغ أسباب التحريم؛ لأنه تعالى سمّاها كلها رجسا، والرّجس: هو الشيء المستقذر النّجس، الذي يرتفع «في القبح» (١)،ذكره بالفتح؛ يقال: رجس الرّجل يرجس، ورجس يرجس. والرّجس بفتح الراء: شدّة الصوت، ورعد رجّاس إذا كان شديد الصوت. وسميت هذه المعاصي رجسا؛ لوجوب اجتنابها كما يجب اجتناب الشيء المستقذر.
قوله : ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ؛﴾ أي من تزيينه؛ لأنه هو الداعي إليه والمرغّب فيه والمرنّن له في قلوب فاعليه. وقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٩٠)؛أمر باجتنابه وهو تركه باطنا، وظاهر الأمر على الوجوب.
وروي عن عثمان بن عفّان ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ الله تعالى لا يجمع الخمر والإيمان في قلب مؤمن أبدا] (٢).وقال ﷺ : [مدمن الخمر كعابد الوثن، ومن شرب الخمر في الدّنيا ولم يتب منها، حرمها في الآخرة] (٣).
стр. 940
وقال ﷺ : [من شرب الخمر في الدّنيا سقاه الله من سمّ الأساود، وسمّ العقارب، إذا شربه تساقط لحم وجهه في الإناء قبل أن يشربها، فإذا شربها يفسّخ لحمه بالجيفة، يتأذى به أهل الموقف. ومن مات قبل أن يتوب من شرب الخمر كان حقّا على الله أن يسقيه بكلّ جرعة شربها في الدّنيا شربة من صديد أهل جهنّم] (١).
وقال ﷺ : [لعن الله الخمر وساقيها؛ وشاربها؛ وبائعها؛ ومبتاعها؛ وعاصرها؛ ومعتصرها؛ وحاملها؛ والمحمولة إليه؛ وآكل ثمنها] (٢).وقال ﷺ : [اجتنبوا الخمر، فإنّها مفتاح كلّ شرّ] (٣).وقال ﷺ : [من شرب الخمر بعد أن حرّمها الله على لساني، فليس له أن يزوّج إذا خطب، ولا يصدّق إذا حدّث، ولا يشفّع إذا شفع، ولا يؤتمن على أمانة؛ فمن ائتمنه على أمانة فاستهلكها فحقّ على الله تعالى أن لا يخلف عليه] (٤).
قوله : ﴿إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ؛﴾ وذلك أنّ من شرب الخمر وسكر زال عقله وارتكب القبائح، وربّما عربد على جلسائه، فيؤدّي ذلك إلى العداوة والبغضاء، وكذلك القمار يؤدّي إلى ذلك. قال قتادة: (كان الرّجل يقامر غيره على ماله وأهله، فيقمره ويبقى حزينا سلبا، فيكسبه العداوة والبغضاء لذهاب ماله عنه بغير عوض ولا منّة) (٥).
стр. 941
قوله تعالى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ؛﴾ أي يريد الشيطان أن يصرفكم عن طاعة الله وعن الصّلوات الخمس على ما هو معلوم في العادة من أحوال أهل الشّراب والقمار.
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٩١)؛معناه: انتهوا عنهما، وهذا نهي بألطف الوجوه؛ ليكون أدعى إلى تنهاكما، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١) معناه: أسلموا. فلمّا نزلت هذه الآية قالوا: (انتهينا يا ربّ).فأنزل الله تعالى هذه الآية:
قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا؛﴾ أي أطيعوا الله والرّسول في ترك جميع المعاصي عموما، واحذروا شرب الخمر وتحليلها وسائر المعاصي، ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ؛﴾ أي أعرضتم عن طاعة الله وطاعة الرسول، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٩٢)؛أي تبليغ الرسالة عن الله بأوامره ونواهيه بلغة تعرفونها. وأما التوفيق والخذلان والثواب والعقاب، فإلى الله .
فلمّا نزل تحريم الخمر والميسر قال الصحابة: (يا رسول الله! فكيف بإخواننا الّذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟) حتى قال المهاجرون: (يا رسول الله! قتل أصحابنا يوم بدر وماتوا فيما بين بدر وأحد وهم يشربون الخمر؛ فما حال من مات منهم؟) (٢)
فأنزل الله قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا؛﴾ أي فيما شربوا من الخمر، ﴿إِذا مَا اتَّقَوْا؛﴾ الشّرك، ﴿وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا؛﴾ وصدقوا واجتنبوا الخمر والميسر بعد تحريمها، ﴿وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا؛﴾ ما حرّم الله كلّه، ﴿وَأَحْسَنُوا﴾.
وقيل: معناه: (ليس على الّذين آمنوا-بالله ورسوله-وعملوا الصّالحات) يعني الطاعات ﴿(جُناحٌ)﴾ أي حرج ومأثم ﴿(فِيما طَعِمُوا)﴾ من الحرام وشربوا من الخمر قبل
стр. 942
تحريمها، وقبل العلم بتحريمها إذا ما اجتنبوا الكفر والشّرك وسائر المعاصي فيما مضى، ﴿(وَآمَنُوا)﴾ أي وصدّقوا بمحمّد ﷺ والقرآن ﴿(وَعَمِلُوا)﴾ الطاعات ﴿(ثُمَّ اتَّقَوْا)﴾ شرب الخمر بعد التحريم ﴿(وَآمَنُوا)﴾ أي أقرّوا بتحريمها ﴿(ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا)﴾ أي ثم داوموا على ذلك وضمّوا إلى ذلك الإحسان في العمل.
وقيل: أراد بالاتقاء الأول: اتقاء جميع المعاصي فيما مضى، وأراد بالثاني: اتقاء المعاصي في المستقبل، وأراد بالثالث: اتقاء ظلم العباد في المعاملات. وقيل: أراد بقوله:
﴿(إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا)﴾ إذا ما اجتنبوا شرب الخمر بعد تحريمها وصدّقوا بتحريمها، ﴿(ثُمَّ اتَّقَوْا)﴾ سائر المعاصي، وأقرّوا بتحريم ما يحدث تحريمه من بعد مجانبته، ثم جمعوا بين اتّقاء المعاصي وإحسان العمل والإحسان إلى الناس. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٩٣)؛أي يرضى عمل الذين يفعلون الأفعال الحسنة، ويجتنبون قبائحها.
وروي عن ابن عبد الرحمن السلمي أنه قال: (شرب نفر من أهل بدر الخمر وعليهم يومئذ يزيد بن أبي سفيان، وقالوا: هي لنا حلال! وتأوّلوا قوله تعالى: ﴿(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا)﴾ إلى آخر الآية. وكتب يزيد بذلك إلى عمر ﵁، فكتب عمر: ابعثهم إليّ من قبل أن يفسدوا من معك، فبعثهم إليه، فلمّا قدموا، جمع عمر ﵁ جماعة «من الصّحابة» فقال لهم: ما ترون فيهم؟ قالوا: إنّهم افتروا على الله، وشرعوا في دينه ما لم يأذن؛ فاضرب أعناقهم.
وكان في القوم عليّ كرّم الله وجهه وهو ساكت، فقال له عمر: ما ترى؟ قال: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا فاضربوهم ثمانين جلدة، وإن لم يتوبوا فاضرب أعناقهم.
فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين وأرسلهم) (١).
وروي: (أنّ قوما شهدوا عند عمر ﵁ على قدامة بن مضعون أنّه شرب الخمر، فأراد عمر أن يجلده؛ فقال قدامة: ليس لك ذلك؛ لأنّ الله تعالى يقول:
стр. 943
﴿(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا)﴾ وقرأ الآية. فقال عمر ﵁: إنّك أخطأت التّأويل يا قدامة؛ لو اتّقيت الله ما شربت).وفي بعض الروايات:
(لو اتّقيت الله لاجتنبت ما حرّم عليك. ثمّ أمر بإقامة الحدّ عليه) (١).
وإنما لم يحكموا بكفر قدامة ولم يستتيبوه؛ لأنه كان يتأوّل الآية على الحال الذي هو فيها، ووجود الصّفة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية مكفّرة لذنوبه، وأنه لا يستحقّ العقوبة على شربها مع اعتقاده بتحريمها، وإنّ إحسانه كفّر سيّئاته، فردّت الصحابة عليه هذا التأويل، فأقيم عليه الحدّ.
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ؛﴾ أي ليعاملنّكم الله معاملة المختبر ليجازيكم على ما يظهر منكم. قوله تعالى: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ؛﴾ اختلفوا فيه؛ فقال بعضهم: (من) هاهنا للتبعيض، وأراد بذلك صيد البرّ دون صيد البحر، وصيد الإحرام دون الإحلال.
وقال بعضهم: (من) هاهنا للجنس كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ (٢) معناه: اجتنبوا الرّجس الذي هو وثن. وقال بعضهم: أراد بقوله: ﴿(بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ)﴾ بما يكون من جزاء الصّيد وإن لم يكن صيدا كالبيض والفرخ والريش، والآية شاملة لجميع هذه المعاني.
قوله تعالى: ﴿تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ؛﴾ أي تأخذونه بأيديكم من فراخ الطّير وصغار الوحش والبيض، وما تصيبه رماحكم من كبار الصّيد التي لا تصاد باليد. قوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ؛﴾ أي ليميّز الله من يخافه ممن لا يخافه في السرّ بينه وبين الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ؛﴾ أي من تجاوز الحدّ في أخذ صيد البرّ مع الإحرام، وأخذ الصيد في الحرم بعد البيان له والنهي عنه، ﴿فَلَهُ﴾
стр. 944
﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٩٤)؛يعني التعزير والكفّارة في الدّنيا؛ يفرق الضرب على أعضائه كلّها ما خلا الوجه والرأس والفرج، فيضرب ضربا وجيعا ويؤمر بالكفّارة، ويكون هذا المتعدّي مأخوذا بعذاب الآخرة إن مات قبل التوبة.
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ؛﴾ روي أن هاتين الآيتين نزلتا بالحديبية، وكان أصحاب رسول الله ﷺ محرمين، وكان الصيد من الوحش والطير يغشى رحالهم. وفي قوله: ﴿(وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)﴾ وجهان؛ أحدهما: وأنتم محرمون بحجّ أو عمرة، والثاني: وأنتم داخلون في الحرم.
وقوله تعالى: ﴿(لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ)﴾ دليل على أن كلّ ما يقتله المحرم من الصيد لا يكون ملكا؛ لأن الله تعالى سمّى ذلك قتلا، ولا يجوز أكل المقتول وإنما يجوز أكل المذبوح على شرط الذكاة.
والصيد في اللغة: اسم لكل ممتنع متوحّش، فلا يفرق الحكم في وجوب الحلّ بين المأكول منه وبين غيره، إلا أنه روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [خمس فواسق يقتلن في الحلّ والحرم: الحيّة؛ والعقرب؛ والغراب؛ والفأرة؛ والكلب العقور] (١).
وأراد بالكلب العقور: الذئب على ما ورد في بعض الروايات (٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ؛﴾ روي أنه نزل في كعب بن عمرو (٣)؛عرض له حمار وحش فطعنه برمحه فقتله، ولم يكن علم بنزول التحريم.
стр. 945
واختلفوا في صفة العمل الموجب للجزاء والكفّارة في قتل الصيد، فقال الأكثرون من أهل العلم: سواء قتل المحرم الصّيد عمدا أو خطأ فعليه الجزاء، وجعلوا فائدة تخصيص العمل بالذّكر في هذه الآية ما في نسخها بقوله: ﴿(وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ)؛﴾ لأن المخطئ لا يجوز أن يلحقه الوعيد (١).
والقول الثاني: ما روي عن قتادة وطاوس وعطاء؛ أنّهم قالوا: (لا شيء على الخاطئ) وهو رواية عن ابن عبّاس.
والقول الثالث: وهو قول مجاهد والحسن: (أنّ المراد به إذا قتله ناسيا لإحرامه، وحصل القتل عمدا) (٢).وهذا القول يقتضي أن غير العامد الذاكر لإحرامه لا يؤمر بالكفّارة، ولكنّ الله يعاقبه في الآخرة على ما فعله. وعلى هذا التأويل قالوا:
إنّ معنى قوله: ﴿(وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ)﴾ أي عاد إلى هذا الفعل من بعد العلم بالنهي، كان عقوبته النقمة ينتقم الله منه.
وقال آخرون: هو القتل عمدا وهو ذاكر لإحرامه، فحكم عليه في العمد والخطأ الكفارة والجزاء، وهو اختيار الشافعيّ. وقال الزهريّ: (نزل القرآن بالعمد، وجرت السّنّة بالخطإ) (٣).وقال ابن عبّاس: (إن قتله عمدا سئل: هل قتل قبله شيئا من الصّيد؟ فإن قال: نعم؛ لم يحكم عليه، ويقال له: اذهب، فينتقم الله منه، وإن قال: لم أقتل قبله شيئا، حكم عليه، فإن عاد إلى قتل الصّيد ثانيا وهو محرم بعد ما حكم، ولم يحكم عليه ثانيا، ويملأ بطنه وظهره ضربا وجيعا) (٤).وعندنا إذا عاد حكم عليه ثانيا، وعليه الجمهور.
وقال بعضهم: إذا قتله عمدا وهو ذاكر لإحرامه، فلا حكم عليه، وأمره إلى الله تعالى؛ لأنه أعظم من أن يكون له كفّارة. والقول الأول أصحّ هذه الأقاويل كلّها؛ لأن
стр. 946
سائر جنايات الإحرام لا تختلف بين المعذور وغير المعذور، وإنّ الله تعالى أحلّ للمحرم والمريض حلق الرأس على الأذى، وأوجب عليه الفدية.
قوله تعالى: ﴿(فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ)﴾ نوّنه أهل الكوفة، ورفعوا ال ﴿(مِثْلُ)﴾ على البدل من الجزاء، كأنه فسّر الجزاء؛ أي فعليه جزاء مثل الصيد المقتول من النّعم.
وقرأ الباقون بالإضافة، ومعناه: عليه أن يجزي بمثل المقتول؛ أي يشتري بقيمته من النّعم فيذبح. وقد تجوز إضافة الشيء إلى نفسه كما يقال: ثوب جزوبات جديد (١)، ويوم الجمعة.
ويحتمل أن يكون معناه: عليه جزاء مثل النّعم المقتول، ومثل النّعم المقتول:
قيمته من جهة الحكم، ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَدْياً؛﴾ منصوب على الحال؛ أي يحكمان بقدر أن يهدي.
وقوله تعالى: ﴿بالِغَ الْكَعْبَةِ؛﴾ لفظه لفظ المعرفة ومعناه النّكرة، كأنه قال: بالغا الكعبة، إلا أن التنوين حذف استخفافا، وكنّى بالكعبة عن الحرم؛ لأن حرمته لأجل الكعبة. وفي ذكر بلوغ الكعبة بيان اختصاص من هذا الجزاء بالحرم، وأنه لا يجوز ذبحه إلا فيه. ومعنى قوله تعالى: ﴿(فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ)﴾ أي فعلى القاتل الفداء مثل المقتول من النعم.
والنّعم في اللغة: من الإبل والبقر والغنم، فإذا انفردت الإبل قيل: إنّها نعم، وإذا انفردت البقر والغنم لم تسمّ نعما.
واختلف أهل العلم في كيفيّة الجزاء، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: (ينظر الحكمان العدلان من أهل المعرفة إلى الصّيد المقتول، فيقوّمانه حيّا في ذلك المكان وذلك الزّمان، فإذا عرفت القيمة خيّر القاتل، فإن شاء اشترى بتلك القيمة هديا من النّعم فذبحه في الحرم، وإن شاء اشترى بها طعاما فأطعمه مساكين الحرم وغيرهم؛ كلّ مسكين نصف صاع من برّ، أو صاع من تمر أو شعير كما في
стр. 947
الكفّارات. وإن شاء صام مكان كلّ صاع من برّ نصف يوم، وإن لم يبلغ قيمة الصّيد إطعام مسكين، صام يوما كاملا إذا اختار الصّوم؛ لأنّ الصّوم ممّا لا تبعيض فيه).
وقال محمد والشافعيّ: (إن كان للصّيد المقتول مثل من النّعم من جهة الخلقة، كان على القاتل النّظير في الخلقة؛ فيجب عليه في النّعامة بدنة؛ وفي بقر الوحش بقرة؛ وفي الظّبي شاة؛ وفي الغزال عنز؛ وفي الأرنب عناق؛ وفي اليربوع جفرة. وإن لم يكن للصّيد مثل من جهة الخلقة، كان عليه قيمته).وعن محمّد الخيار في هذا إلى الحكمين دون التعيين، وهو قول مالك (١).
قوله تعالى: ﴿(يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ)﴾ أي يحكم بالجزاء فقيهان عدلان ينظران إلى أشبه الأشياء به، فيحكمان به.
وروي عن قبيصة بن جابر قال: (خرجنا حجّاجا، وكنّا إذا صلّينا الغداة أوقدنا نارا، وأحلنا بشيء ونتحدّث، فبينما نحن ذات يوم إذ سنح لنا ظبي، فابتدرته ورميته بحجر فأصبت حشاه، فوكب درعه فمات، فلمّا قدمنا مكّة سألنا عمر ﵁ وكان حاجّا، وكان عبد الرّحمن بن عوف جالسا عنده، فسألته عن ذلك فقال لعبد الرّحمن:
ما ترى؟ قال: عليه شاة، قال: وأنا أرى ذلك، قال: فاذهب فاهد شاة. قال: فخرجت إلى صاحبي فقلت: إنّ أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتّى سأل غيره، قال: فلم يفجأنا إلاّ عمر ومعه الدّرّة، فعلاني بالدّرّة، قال: أتقتل في الحرم وتغمض الفتوى؟! قال الله تعالى: ﴿(يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ)﴾ فأنا عمر، وهذا عبد الرّحمن) (٢).
قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ؛﴾ فيه قراءتان؛ أحدهما: الرفع والتنوين في ﴿(كَفّارَةٌ)﴾،والرفع في ﴿(طَعامُ)﴾ من غير تنوين. والأخرى: الرفع في «(كفّارة)» بغير تنوين، والخفض في «(طعام)» على الإضافة.
стр. 948
قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ؛﴾ أي ليذوق عقوبة صنعه. والوبال: تقبّل الشيء في المكروه، مأخوذ من الوبيل، يقال: طعام وبيل؛ وماء وبيل؛ إذا كانا ثقيلين، قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ (١) أي ثقيلا شديدا.
قوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ؛﴾ أي تجاوز الله عما مضى من قتل الصيد قبل التحريم. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ؛﴾ أي من عاد إلى قتل الصيد بعد العلم بالتحريم متعمّدا لقتله يعذّبه الله في الآخرة ويعاقبه على فعله. وأصل الانتقام: الانتصار والانتصاف، وإذا أضيف إلى الله تعالى أريد به المعاقبة والمجازاة. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ (٩٥)؛أي منيع بالنقمة ينتقم ممّن عصاه.
قوله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ؛﴾ أي أحلّ لكم اصطياد ما في البحر، ﴿وَطَعامُهُ؛﴾ أي ما لفظه البحر وحسر عنه الماء، وهذا قول أبي بكر (٢) وعمر وأبي هريرة (٣).وقال بعضهم: ﴿(طَعامُهُ)﴾ هو الملح؛ وهو قول سعيد بن جبير وعكرمة والنخعي وقتادة.
وقوله تعالى: ﴿مَتاعاً لَكُمْ؛﴾ أي منفعة لكم. وهو مصدر مؤكّد للكلام؛ أي تمتّعوا متاعا لكم. وقوله تعالى: ﴿وَلِلسَّيّارَةِ؛﴾ أي ومنفعة للمارّة في السفر.
قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في قوم من بني مدلج، كانوا أهل صيد البحر، أتوا رسول الله ﷺ وقالوا: إنّا نصطاد في البحر، وربّما يعلو البحر وربّما مدّ البحر، فيعلو الماء كلّ شيء، ثمّ يرجع ويبقى السّمك بالأرض، ويذهب الماء عنه فنصيبه مدّا، فحلال لنا أكله أم لا؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية).
стр. 949
قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً؛﴾ أي وحرّم عليكم اصطياد ما في البرّ. ويقال: عين صيد البر ما دمتم محرمين، ولا خلاف في الاصطياد أنه حرام على المحرم في البرّ، فأما عين الصيد فإن صاده حلال بأمر المحرم أو بإعانته أو دلالته وإشارته حرم على المحرم تناوله، وإن صاده حلال بغير أمر المحرم حلّ للمحرم تناوله كما روي في حديث أبي قتادة؛ قال: (كنت في رهط من المحرمين وأنا حلال، فبصرت بحمار وحش فقلت: ناولني الرّمح، فأبوا، فأخذته وأتيت الصّيد، فسألوا رسول الله ﷺ عن أكله فقال: [هل أعنتم؟ هل أشرتم؟ هل دللتم؟] فقالوا:
لا؛ فقال: [إذا فكلوا] (١)).
قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٩٦)؛أي اتّقوا الله في أخذ الصّيد في الإحرام الذي إلى موضع جزائه تبعثون.
قوله : ﴿*جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ؛﴾ أي جعل الله الكعبة أمنا للناس، بها يقومون ويأمنون، وذلك أنّ الرجل كان إذا أصاب ذنبا في الجاهليّة والإسلام، أو قتل قتيلا لجأ إلى الحرم فأمن بذلك، وكانت الكعبة قواما لمعايشهم وعمادا لهم في أمر دينهم ودنياهم؛ لما يحصل في ذلك من الحجّ والعمرة والتجارات، وما يجيء إلى الحرم من ثمرات كلّ شيء.
وقيل: معنى قوله: ﴿(قِياماً لِلنّاسِ)﴾ أي قبلة لهم، أمروا أن يقوموا في الصلاة متوجّهين إليها. قوله تعالى: ﴿(وَالشَّهْرَ الْحَرامَ)﴾ أي جعل الشهر الحرام آمنا أيضا، كانوا إذا دخل الشّهر الحرام لم يقتلوا فيه أحدا حتى يمضي.
قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ؛﴾ جعل الهدي الذي يهدى إلى البيت أمنا للرّفقة، وجعل القلائد أمنا، والقلائد البدن من البقر والإبل كانوا يقلّدونها بنعل أو خفّ، وربّما كانوا يقلّدون رواحلهم إذا رجعوا من مكّة من لحاء شجر الحرم فيأمنون
стр. 950
بذلك، وكان أهل الجاهلية يأكل الواحد منهم القضيب والشجر من الجوع وهو يرى الهدي والقلائد فلا يتعرّض له تعظيما له.
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٩٧)؛معناه: ذلك أمر الجاهلية دليل أنه تعالى يعلم ما في السّماوات وما في الأرض وما فيه صلاح الخلق إذ جعل في أعظم الأوقات فسادا يؤمن به، وشرع الحجّ وفيه مصالح الخلق على نحو ما تقدّم.
قوله تعالى: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ؛﴾ لمن استحلّ ما حرّم الله، ﴿وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٩٨)؛لمن تاب.
قوله تعالى: ﴿ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ؛﴾ أي ما على محمّد ﷺ إلاّ تبليغ الرسالة في أمر الثواب والعقاب، ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ؛﴾ أي ما تظهرون من القول والعمل، ﴿وَما تَكْتُمُونَ؛﴾ وليس على محمّد طلب سرائركم، ولا يعلم السرائر إلاّ الله .
قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ؛﴾ أي قل يا محمّد: لا يستوي الحلال والحرام، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ؛﴾ ولو أعجبك كثرة الحرام، فمثقال حبّة من الحلال أرجح عند الله من جبال الدّنيا من حرام.
وقيل: معناه: ولا يستوي الكافر والمؤمن ولو أعجبك كثرة الكافر، والعدل والفاسق وإن كان في الفسّاق كثرة، ولا يبارك في الحرام وإنما يبارك في الحلال، ﴿فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٠٠)؛أي اخشوا عذاب الله في أخذ الحرام يا ذوي العقول، لكي تفوزوا بالنجاة والسّعادات في الآخرة.
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ؛﴾ قال ابن عبّاس ﵄: (لمّا نزل قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (١) قام رجل من بني أسيد فقال: يا رسول الله أفي كلّ عام؟