سائر جنايات الإحرام لا تختلف بين المعذور وغير المعذور، وإنّ الله تعالى أحلّ للمحرم والمريض حلق الرأس على الأذى، وأوجب عليه الفدية.
قوله تعالى: ﴿(فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ)﴾ نوّنه أهل الكوفة، ورفعوا ال ﴿(مِثْلُ)﴾ على البدل من الجزاء، كأنه فسّر الجزاء؛ أي فعليه جزاء مثل الصيد المقتول من النّعم.
وقرأ الباقون بالإضافة، ومعناه: عليه أن يجزي بمثل المقتول؛ أي يشتري بقيمته من النّعم فيذبح. وقد تجوز إضافة الشيء إلى نفسه كما يقال: ثوب جزوبات جديد (١)، ويوم الجمعة.
ويحتمل أن يكون معناه: عليه جزاء مثل النّعم المقتول، ومثل النّعم المقتول:
قيمته من جهة الحكم، ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَدْياً؛﴾ منصوب على الحال؛ أي يحكمان بقدر أن يهدي.
وقوله تعالى: ﴿بالِغَ الْكَعْبَةِ؛﴾ لفظه لفظ المعرفة ومعناه النّكرة، كأنه قال: بالغا الكعبة، إلا أن التنوين حذف استخفافا، وكنّى بالكعبة عن الحرم؛ لأن حرمته لأجل الكعبة. وفي ذكر بلوغ الكعبة بيان اختصاص من هذا الجزاء بالحرم، وأنه لا يجوز ذبحه إلا فيه. ومعنى قوله تعالى: ﴿(فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ)﴾ أي فعلى القاتل الفداء مثل المقتول من النعم.
والنّعم في اللغة: من الإبل والبقر والغنم، فإذا انفردت الإبل قيل: إنّها نعم، وإذا انفردت البقر والغنم لم تسمّ نعما.
واختلف أهل العلم في كيفيّة الجزاء، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: (ينظر الحكمان العدلان من أهل المعرفة إلى الصّيد المقتول، فيقوّمانه حيّا في ذلك المكان وذلك الزّمان، فإذا عرفت القيمة خيّر القاتل، فإن شاء اشترى بتلك القيمة هديا من النّعم فذبحه في الحرم، وإن شاء اشترى بها طعاما فأطعمه مساكين الحرم وغيرهم؛ كلّ مسكين نصف صاع من برّ، أو صاع من تمر أو شعير كما في
стр. 947
الكفّارات. وإن شاء صام مكان كلّ صاع من برّ نصف يوم، وإن لم يبلغ قيمة الصّيد إطعام مسكين، صام يوما كاملا إذا اختار الصّوم؛ لأنّ الصّوم ممّا لا تبعيض فيه).
وقال محمد والشافعيّ: (إن كان للصّيد المقتول مثل من النّعم من جهة الخلقة، كان على القاتل النّظير في الخلقة؛ فيجب عليه في النّعامة بدنة؛ وفي بقر الوحش بقرة؛ وفي الظّبي شاة؛ وفي الغزال عنز؛ وفي الأرنب عناق؛ وفي اليربوع جفرة. وإن لم يكن للصّيد مثل من جهة الخلقة، كان عليه قيمته).وعن محمّد الخيار في هذا إلى الحكمين دون التعيين، وهو قول مالك (١).
قوله تعالى: ﴿(يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ)﴾ أي يحكم بالجزاء فقيهان عدلان ينظران إلى أشبه الأشياء به، فيحكمان به.
وروي عن قبيصة بن جابر قال: (خرجنا حجّاجا، وكنّا إذا صلّينا الغداة أوقدنا نارا، وأحلنا بشيء ونتحدّث، فبينما نحن ذات يوم إذ سنح لنا ظبي، فابتدرته ورميته بحجر فأصبت حشاه، فوكب درعه فمات، فلمّا قدمنا مكّة سألنا عمر ﵁ وكان حاجّا، وكان عبد الرّحمن بن عوف جالسا عنده، فسألته عن ذلك فقال لعبد الرّحمن:
ما ترى؟ قال: عليه شاة، قال: وأنا أرى ذلك، قال: فاذهب فاهد شاة. قال: فخرجت إلى صاحبي فقلت: إنّ أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتّى سأل غيره، قال: فلم يفجأنا إلاّ عمر ومعه الدّرّة، فعلاني بالدّرّة، قال: أتقتل في الحرم وتغمض الفتوى؟! قال الله تعالى: ﴿(يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ)﴾ فأنا عمر، وهذا عبد الرّحمن) (٢).
قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ؛﴾ فيه قراءتان؛ أحدهما: الرفع والتنوين في ﴿(كَفّارَةٌ)﴾،والرفع في ﴿(طَعامُ)﴾ من غير تنوين. والأخرى: الرفع في «(كفّارة)» بغير تنوين، والخفض في «(طعام)» على الإضافة.
стр. 948
قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ؛﴾ أي ليذوق عقوبة صنعه. والوبال: تقبّل الشيء في المكروه، مأخوذ من الوبيل، يقال: طعام وبيل؛ وماء وبيل؛ إذا كانا ثقيلين، قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ (١) أي ثقيلا شديدا.
قوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ؛﴾ أي تجاوز الله عما مضى من قتل الصيد قبل التحريم. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ؛﴾ أي من عاد إلى قتل الصيد بعد العلم بالتحريم متعمّدا لقتله يعذّبه الله في الآخرة ويعاقبه على فعله. وأصل الانتقام: الانتصار والانتصاف، وإذا أضيف إلى الله تعالى أريد به المعاقبة والمجازاة. قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ (٩٥)؛أي منيع بالنقمة ينتقم ممّن عصاه.
قوله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ؛﴾ أي أحلّ لكم اصطياد ما في البحر، ﴿وَطَعامُهُ؛﴾ أي ما لفظه البحر وحسر عنه الماء، وهذا قول أبي بكر (٢) وعمر وأبي هريرة (٣).وقال بعضهم: ﴿(طَعامُهُ)﴾ هو الملح؛ وهو قول سعيد بن جبير وعكرمة والنخعي وقتادة.
وقوله تعالى: ﴿مَتاعاً لَكُمْ؛﴾ أي منفعة لكم. وهو مصدر مؤكّد للكلام؛ أي تمتّعوا متاعا لكم. وقوله تعالى: ﴿وَلِلسَّيّارَةِ؛﴾ أي ومنفعة للمارّة في السفر.
قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في قوم من بني مدلج، كانوا أهل صيد البحر، أتوا رسول الله ﷺ وقالوا: إنّا نصطاد في البحر، وربّما يعلو البحر وربّما مدّ البحر، فيعلو الماء كلّ شيء، ثمّ يرجع ويبقى السّمك بالأرض، ويذهب الماء عنه فنصيبه مدّا، فحلال لنا أكله أم لا؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية).
стр. 949
قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً؛﴾ أي وحرّم عليكم اصطياد ما في البرّ. ويقال: عين صيد البر ما دمتم محرمين، ولا خلاف في الاصطياد أنه حرام على المحرم في البرّ، فأما عين الصيد فإن صاده حلال بأمر المحرم أو بإعانته أو دلالته وإشارته حرم على المحرم تناوله، وإن صاده حلال بغير أمر المحرم حلّ للمحرم تناوله كما روي في حديث أبي قتادة؛ قال: (كنت في رهط من المحرمين وأنا حلال، فبصرت بحمار وحش فقلت: ناولني الرّمح، فأبوا، فأخذته وأتيت الصّيد، فسألوا رسول الله ﷺ عن أكله فقال: [هل أعنتم؟ هل أشرتم؟ هل دللتم؟] فقالوا:
لا؛ فقال: [إذا فكلوا] (١)).
قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٩٦)؛أي اتّقوا الله في أخذ الصّيد في الإحرام الذي إلى موضع جزائه تبعثون.
قوله : ﴿*جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ؛﴾ أي جعل الله الكعبة أمنا للناس، بها يقومون ويأمنون، وذلك أنّ الرجل كان إذا أصاب ذنبا في الجاهليّة والإسلام، أو قتل قتيلا لجأ إلى الحرم فأمن بذلك، وكانت الكعبة قواما لمعايشهم وعمادا لهم في أمر دينهم ودنياهم؛ لما يحصل في ذلك من الحجّ والعمرة والتجارات، وما يجيء إلى الحرم من ثمرات كلّ شيء.
وقيل: معنى قوله: ﴿(قِياماً لِلنّاسِ)﴾ أي قبلة لهم، أمروا أن يقوموا في الصلاة متوجّهين إليها. قوله تعالى: ﴿(وَالشَّهْرَ الْحَرامَ)﴾ أي جعل الشهر الحرام آمنا أيضا، كانوا إذا دخل الشّهر الحرام لم يقتلوا فيه أحدا حتى يمضي.
قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ؛﴾ جعل الهدي الذي يهدى إلى البيت أمنا للرّفقة، وجعل القلائد أمنا، والقلائد البدن من البقر والإبل كانوا يقلّدونها بنعل أو خفّ، وربّما كانوا يقلّدون رواحلهم إذا رجعوا من مكّة من لحاء شجر الحرم فيأمنون
стр. 950
بذلك، وكان أهل الجاهلية يأكل الواحد منهم القضيب والشجر من الجوع وهو يرى الهدي والقلائد فلا يتعرّض له تعظيما له.
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٩٧)؛معناه: ذلك أمر الجاهلية دليل أنه تعالى يعلم ما في السّماوات وما في الأرض وما فيه صلاح الخلق إذ جعل في أعظم الأوقات فسادا يؤمن به، وشرع الحجّ وفيه مصالح الخلق على نحو ما تقدّم.
قوله تعالى: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ؛﴾ لمن استحلّ ما حرّم الله، ﴿وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٩٨)؛لمن تاب.
قوله تعالى: ﴿ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ؛﴾ أي ما على محمّد ﷺ إلاّ تبليغ الرسالة في أمر الثواب والعقاب، ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ؛﴾ أي ما تظهرون من القول والعمل، ﴿وَما تَكْتُمُونَ؛﴾ وليس على محمّد طلب سرائركم، ولا يعلم السرائر إلاّ الله .
قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ؛﴾ أي قل يا محمّد: لا يستوي الحلال والحرام، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ؛﴾ ولو أعجبك كثرة الحرام، فمثقال حبّة من الحلال أرجح عند الله من جبال الدّنيا من حرام.
وقيل: معناه: ولا يستوي الكافر والمؤمن ولو أعجبك كثرة الكافر، والعدل والفاسق وإن كان في الفسّاق كثرة، ولا يبارك في الحرام وإنما يبارك في الحلال، ﴿فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٠٠)؛أي اخشوا عذاب الله في أخذ الحرام يا ذوي العقول، لكي تفوزوا بالنجاة والسّعادات في الآخرة.
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ؛﴾ قال ابن عبّاس ﵄: (لمّا نزل قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (١) قام رجل من بني أسيد فقال: يا رسول الله أفي كلّ عام؟
стр. 951
فوجد من قول ذلك الرّجل وجدا شديدا، ثمّ قال له: [ما كان يؤمنك أن أقول: نعم، فيجب عليكم في كلّ عام فلا تطيقوه، فإن لم تفعلوه كفرتم، ذروني ما تركتكم]) (١).
وفي بعض الروايات: أنّ النّبيّ ﷺ قام خطيبا، فسأله النّاس عن أشياء، فقال: [لا تسألوني عن شيء إلاّ حدّثتكم به]،فأكثروا عليه السّؤال حتّى سأله رجل عن الحجّ:
أفي كلّ عام؟ فسكت النّبيّ ﷺ فأعاد الرّجل عليه ثالثا، فقال ﷺ : [لو قلت لكم:
نعم، لوجبت ولما استطعتم] فقام رجل آخر فقال: أفي الجنّة أنا أم في النّار؟! فاشتدّ ذلك على رسول الله ﷺ حتّى تغيّر لونه، فقال عمر: رضينا بالله ربّا وبالإسلام دينا وبك نبيّا، نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسول الله ﷺ ، فسرى عن النّبيّ ﷺ الغضب (٢).
وروي: أن رجلا قال يا رسول الله أين أبي؟ فقال: [في النّار]،فقام عمر ﵁ وقال: رضينا بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمّد نبيّا وبالقرآن إماما، إنّا يا رسول الله حديثو عهد بالجاهليّة فاعف عنّا عفا الله عنك، فسكن غضبه (٣).
وروي: أنّ رجلا من قريش يقال له عبد الله بن حذافة، وكان يطعن في نسبه إذا لاحى؛ أي يدعى لغير أبيه، فقال: يا رسول الله من أبي؟ قال: [أبوك حذافة].
قال الزّهريّ: فقالت أمّه: ما رأيت ولدا أعقّ منك قط! أكنت تأمن أن تكون أمّك قارفت ما قارف «نساء» أهل الجاهليّة، فيفضحها على رءوس النّاس (٤).
وفي رواية أخرى: أنّه لمّا قال له: [أبوك حذافة]،قال: يا رسول الله أبي فلان، قال: [إنّك ولد الزّانية، وإنّ الّذي ولدت على فراشه كان كثير المال،
стр. 952
فتعرّضت أمّك لحذافة فجامعها فاشتملت بك] فأنزل الله هذه الآية (١).
ومعناها: يا أيّها الذين آمنوا بالله ورسوله لا تسألوا النبيّ ﷺ عن أشياء إن أظهر لكم جوابها ساءكم، ذلك ﴿وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ؛﴾ وإن تسألوا عنها عند نزول القرآن أظهر لكم جوابا، ﴿عَفَا اللهُ عَنْها؛﴾ أي عن مسألتكم لم يؤاخذكم بالبحث عنها. ويقال: أراد بالعفو الستر عليهم، ﴿وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١٠١)؛أي متجاوز عن العباد، حليم عن الجهّال لا يعجّل عليهم بالعقوبة.
قوله : ﴿قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ (١٠٢)؛أي قد سأل نحو هذه المسائل من قبلكم، قال ابن عبّاس:
(كانت بنو إسرائيل يسألون أنبياءهم عن أشياء لم تكتب عليهم ولم يؤمروا بها، فإذا بيّنوا لهم حكمها لم يفعلوا، فعذبهم الله وأهلكهم بسبب ذلك، كما سأل قوم عيسى المائدة ثمّ كفروا، وسأل قوم صالح النّاقة ثمّ عقروها وكفروا) (٢).
قوله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ؛﴾ أي لم يجعل الله ما يقوله كفّار قريش من تحريم البحيرة والسّائبة والوصيلة والحامي، ﴿وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ؛﴾ ولكنّهم هم الذين جعلوا من ذات أنفسهم، واختلقوا على الله بأنه حرّم هذه الأشياء، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (١٠٣) وهم السّفلة والعوامّ لا يعقلون، بل يقلّدون رؤساءهم فيما يقولون.
وأما تفسير البحيرة: كانت الناقة إذا نتجت خمسة أبطن نظروا، فإن كان البطن الخامس ذكرا ذبحوه لآلهتهم، وكان لحمه للرّجال من سدنة آلهتهم ومن أبناء السّبيل دون النّساء، وإن مات قبل الذبح أكله الرجال والنّساء، وإن كان الخامس أنثى نحروا أذنها؛ أي شقّوها شقّا واسعا وهي البحيرة: لا تركب ولا تذبح ولا تطرد من ماء ولا أكل، وألبانها ومنافعها للرّجال من السّدنة وأبناء السبيل دون النّساء حتى تموت، فاذا ماتت اشترك فيها الرجال والنساء.
стр. 953
وأما السّائبة: فكان إذا قدم الرجل من سفر أو برأ من مرض أو بنى بناء، سيّب شيئا من إناث الأنعام وسلّمها إلى سدنة آلهتهم، فيطعمون منه أبناء السّبيل من ألبانها وأسمانها إلاّ النساء، فإنّهم كانوا لا يطعمونهن منها شيئا حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء جميعا.
وأما الوصيلة: فهي من الغنم كانت الشاة إذا نتجت سبعة أبطن، فإن كان البطن السّابع ذكرا ذبحوه لآلهتهم، وإن كانت أنثى صنعوا بها ما يصنعون بالأنثى من البحيرة، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا: إنّها وصلت أخاها، فلم تذبح الذكر لمكانه منها، وكان منافعهما للرّجال دون النساء من السّدنة وأبناء السّبيل الى أن يموت واحد منهما فيشترك فيه الرجال والنساء.
وأما الحامي: فهو الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى حتى يموت، فيأكله الرّجال والنساء.
وقد روي عن زيد بن أسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: [إنّي لأعرف أوّل من سيّب السّوائب، وأوّل من غيّر عهد إبراهيم خليل الله]،قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: [عمرو بن لحي، ولقد رأيته يجرّ قصبه في النّار يؤذي أهل النّار بريح قصبه.
وإنّي لأعرف أوّل من بحّر البحائر]،قالوا: من هو؟ قال: [رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان فجدع أذنيهما وحرّم ألبانها، ثمّ شربه بعد ذلك، ولقد رأيته في النّار يعضّانه بأفواههما ويخبطانه بأخفافهما] (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأكثم الخزاعيّ: [رأيت عمرو ابن لحي يجرّ قصبه في النّار، فما رأيت من رجل أشبه برجل منه بك ولا بك منه، وهو أوّل من غيّر دين إبراهيم ﵇، ونصب الأوثان، وبحّر البحيرة، وسيّب السّائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، ولقد رأيته في النّار يؤذي أهل النّار بريح قصبه]، قال أكثم: يا رسول الله أيضرّني شبهه؟ فقال: [إنّك مؤمن وهو كافر] (٢).
стр. 954
قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا؛﴾ معناه: إذا قيل لأهل مكة هلمّوا إلى تحليل وتحريم ما أنزل الله في كتابه وبيّنه الرسول في سننه، قالوا: يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا من الدّين والسّنة، يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً؛﴾ من الدّين والسّنة، ﴿وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (١٠٤)؛الطريق المستقيم.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ؛﴾ أي الزموا أنفسكم واحفظوها كما يقال: عليك زيدا، فتنصب زيدا على الإغراء بمعنى: الزم زيدا، كأنّه تعالى قال: عليكم أيّها المؤمنون بإصلاح أنفسكم، ومتابعة سنّة نبيّكم، فإنكم إذا فعلتم ذلك لا يضرّكم ضلالة من ضلّ من أهل مكة إذ هديتم أنتم، ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ؛﴾ في الآخرة، ﴿جَمِيعاً؛﴾ البرّ والفاجر، والمؤمن والكافر، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ؛﴾ فيجزيكم؛ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٠٥)؛ من خير أو شرّ.
وروي عن السّلف في تأويل هذه الآية أحاديث مختلفة الظواهر، وهي متفقة في المعنى، فمنها ما روي عن أبي بكر ﵁ قال على المنبر: أيّها النّاس، إنّي أراكم تتأوّلون هذه الآية: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ)﴾ وإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ما من قوم يعمل بين أظهرهم بالمعاصي فلم يغيّروها إلاّ يوشك أن يعمّهم الله بعقابه] (١).
وعن أبي أمامة قال: سألت أبا ثعلبة الخشنيّ عن هذه الآية فقال: لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال لي: [يا أبا ثعلبة ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيت دنيا مؤثرة وشحّا مطاعا، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، فإنّ من بعدكم أيّام الصّبر، والصّابر فيها كالقابض على الجمر،
стр. 955
والصّبر فيها كالقبض على الجمر، والمتمسّك فيها بمثل الّذي أنتم عليه له كأجر خمسين عاملا منكم] (١).
ففي هذه الأخبار دليل على أنّ فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يسقط إلاّ عند العجز عن ذلك. كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [إذا رأى أحدكم منكرا واستطاع أن يغيّره فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان] (٢).
وحكي: أنّه لمّا مات الحجّاج قال الحسن ﵁: (اللهمّ أنت أمتّه فاقطع عنّا سنّته، فإنّه أتانا أخيفش أعيمش، يمدّ بيد قصيرة، والله ما عرق فيها في سبيل الله عنان، يرجل جمّته ويتبختر في مشيته، ويصعد المنبر فيهدر حتّى تفوته الصّلاة، لا من الله يتّقي ولا من النّاس يستحيي، فوقه الله ، وتحته مائة ألف أو يزيدون، لا يقول له قائل: الصّلاة أيّها الرّجل. ثمّ جعل الحسن يقول: هيهات، والله حال دون ذلك السّيف والسّوط) (٣).وفي هذا الخبر دليل أن السّلف كانوا معذورين في ذلك الوقت في ترك الإنكار باليد واللّسان.
قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في ثلاثة نفر، خرجوا من المدينة إلى الشّام لتجارة، أحدهم: عديّ بن بدّاء، والآخر عامر بن
стр. 956
أوس الدّاريّ، وهما نصرانيّان، والثّالث بديل بن ورقاء (١) مولى عمرو بن العاص، وكان مسلما مهاجرا، فحضر بديل بن ورقاء الوفاة وكان مسلما، فأوصى إلى صاحبيه، وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله إذا رجعا، فمات بديل ففتّشا متاعه، وأخذا منه إناء من فضّة منقوشا بالذهب كان فيه ثلاثمائة مثقال.
فلمّا قدما المدينة وسلّما المتاع إلى أهله، وجد أهله كتابا في درج الثّياب فيه أسماء الأمتعة، قالوا لهما: هل باع صاحبكما شيئا من متاعه؟ قالا: لا، فهل طال مرضه فأنفق شيئا؟ قالا: لا، إنّما مرض حين قدم البلد، فلم يلبث أن مات. فقال لهما عمرو بن العاص والمطّلب ابن أبي وداعة: فإنّا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية متاعه، وفيها إناء منقوش مموّه بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال. قالا: ما ندري، إنّما أوصى إلينا بشيء وأمرنا أن ندفعه إليكم فدفعناه. فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ وذكروا ذلك له، فأنزل الله هذه الآية (٢).
ومعناها: يا أيّها الذين آمنوا شهادة الحال الذي بينكم إذا حضر أحدكم الموت فأراد الوصيّة شهادة اثنين ذوي عدل منكم؛ أي من أهل دينكم. وهذه جملة تامّة تتناول حكم الشّهادة على الوصيّة في الحضر والسفر.
قوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ؛﴾ مقيّد بالسّفر خاصّة، معناه: أو آخران من غير أهل دينكم، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ؛﴾ إن أنتم سافرتم في الأرض، ﴿فَأَصابَتْكُمْ؛﴾ في السّفر، ﴿مُصِيبَةُ الْمَوْتِ؛﴾ ولم يكن يحضركم مسلمون.
قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ؛﴾ أي تقفونهما وهما النصرانيّان، والمراد بقوله: ﴿(بَعْدِ الصَّلاةِ)﴾ بعد صلاة العصر كان النبيّ ﷺ يقضي بعد صلاة العصر وهو وقت اجتماع الناس، وأهل الكتاب يعظّمونه، ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ﴾
стр. 957
﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً؛﴾ أي الشّاهدان النصرانيان يحلفان بالله إذا ادّعى عليهما ورثة الميّت بسبب شأنهم في جنايتهما، ويقولان في اليمين: لا نشتري بهذا القول الذي نقوله بأنا دفعنا المال جميعه إليكم عرضا يسيرا من الدّنيا، ﴿وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى؛﴾ أي وإن كان الميت ذا قرابة منّا في الرّحم؛ أي لم نحن في التّركة لقرابته منّا.
روي أنه كان بين الميت المسلم وبين هذين النصرانيين قرابة في الرّحم، ومعنى قوله:
﴿(إِنِ ارْتَبْتُمْ)﴾ أي شككتم.
قوله تعالى: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ؛﴾ أي ويقولون في اليمين: ولا نكتم شهادة الله، ﴿إِنّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ (١٠٦)؛أي العاصين إن كتمناها كما قال تعالى في آية أخرى ﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (١).
وإنّما أضاف الشهادة إلى الله تعالى تعظيما لها وتهويلا لأمرها، وقرأ بعضهم:
«(شهادة الله)» بتنوين (شهادة) ونصب اسم (الله) على معنى: لا نكتم لله شهادة، وقرأ الشعبيّ: «(شهادة الله)» بتنوين (شهادة)،وخفض الهاء من اسم (الله) موصولا على القسم، تقديره: إي والله.
وقرأ أبو جعفر «(شهادة)» بالتّنوين «(الله)» بقطع الألف وكسر الهاء على معنى:
ولا نكتم شهادة الله، بالاستفهام وكسر الهاء فجعل الاستفهام عوضا عن حرف القسم.
قال ابن عبّاس: (فلمّا نزلت هذه الآية، صلّى رسول الله ﷺ صلاة العصر وحلّفهما بعد الصّلاة عند المنبر بالّذي لا إله إلاّ هو أنّهما لم يختانا-يخونا-شيئا ممّا دفع إليهما بديل، فحلفا، فخلّى ﵊ سبيلهما. فمكثا بعد ذلك ما شاء الله ثمّ ظهر الإناء، فبلغ الورثة ذلك، فسألوا الّذي بيده الإناء فقال: اشتريته من تميم وعديّ) (٢).
стр. 958
قيل: إنّه لمّا طالت المدّة أظهرا الإناء ولم يبيعاه، فقال لهما الورثة: إنّما حلفتما فما بال الإناء معكما؟ فقالا: إنّا كنّا اشتريناه منه ولم يكن لنا بيّنة، فكرهنا أن نقرّ به لكم فتأخذوه. فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى قوله تعالى:
﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ﴾.
معناه: فإن اطلع على أن الوصيّين استوجبا ذنبا بالخيانة واليمين الفاجرة حيث قالا: إنّ الميت لم يبع شيئا من متاعه، ثم قالا بعد ظهور الإناء في أيديهما أنّهما ابتاعاه منه، فآخران من أولياء الميت وهما عمرو بن العاص والمطّلب بن أبي وداعة، يقومان مقام النصرانيّين الخائنين في اليمين، فيحلفان بالله، ﴿لَشَهادَتُنا أَحَقُّ؛﴾ بأنّ الإناء لصاحبنا، وأنّهما لا يعلمان بأن الميت باعه في حياته، ﴿مِنْ شَهادَتِهِما؛﴾ أي أعدل وأحقّ بالقبول من شهادة النصرانيّين، ﴿وَمَا اعْتَدَيْنا؛﴾ فيما ادّعينا وحلفنا، ﴿إِنّا إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ (١٠٧)؛على أنفسنا لو اعتدينا.
وقوله: ﴿(مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ)﴾ راجع إلى قوله ﴿(فَآخَرانِ،)﴾ و ﴿(الْأَوْلَيانِ)﴾ بدل من ﴿(فَآخَرانِ)﴾ كأنه قال: وآخران من الذين استحقّ عليهم الوصية، وهم ورثة الميت وأولياؤه، وهما الأوليان بالميت. ويقال: الأوليان باليمين يقومان مقام النصرانيّين في اليمين،
ويقال: معنى ﴿(اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ)﴾ أي استحقّ فيهم الإثم وهم الورثة، استحقّ النصرانيّان الإثم بسببهم، وقد تقام على مقام (في)،كما في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (١).واحد الأوليان: الولى، والجمع: الأولون، والأنثى الولياء، والجمع الوليات والولي (٢).
وقرأ الحسن وحفص: «(من الّذين استحقّ عليهم)» بفتح التاء والحاء؛ أي وجب عليهم الإثم، ثم قال ﴿(الْأَوْلَيانِ)﴾ راجع إلى قوله ﴿(فَآخَرانِ)﴾ الأوليان، ولم يرتفع
стр. 959
بالاستحقاق. وقرأ الباقون «(استحقّ)» بضمّ التاء وكسر الحاء على المجهول، يعني الذين استحقّ فيهم ولأجلهم الإثم وهم ورثة الميت، استحق الحالفان بسببهم وفيهم الإثم.
وقرأ الحسن: «(من الّذين استحقّ عليهم الأوّلان)» (١).
قوله تعالى: ﴿(لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما)﴾ أي يميننا من يمينهما، ونظيره ﴿فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ﴾ (٢) أراد الأيمان.
فلمّا نزلت هذه الآية حلّف رسول الله ﷺ عمرو بن العاص والمطّلب بن أبي وداعة، فحلفا فدفعا المتاع إلى أولياء الميت. قال ابن عبّاس: (فذكرت هذه الآية لتميم بعد ما أسلم فقال: صدق الله وبلّغ رسوله، أنا أخذت الإناء، فأتوب إلى الله وأستغفره) (٣).
وإنّما نقلت اليمين إلى الأولياء؛ لأن الوصيّين صحّ عليهما الإناء، ثم ادعيا أنّهما ابتاعاه، وكذلك إذا ادّعى رجل على رجل مالا، فأقرّ المدعى عليه بذلك، وادّعى أنه قضاه، فالقول قول صاحب المال مع يمينه، وكذلك إذا ادّعى سلعة في يد رجل فاعترف بذلك، ثم ادّعى أنه اشتراها من المدّعي أو وهبه منه المدعي.
وعن ابن عبّاس ﵄: (عن تميم الداريّ قال: بعنا الإناء بألف درهم، فاقتسمناه أنا وعديّ، فلمّا أسلمت تأثّمت من ذلك بعد ما حلفت كاذبا، فأتيت أولياء الميّت فأخبرتهم أنّ عند صاحبي مثلها، فأتوا به إلى النّبيّ ﷺ فسألهم البيّنة، فلم يكن لهم بيّنة، فأمر الأولياء أن يحلفوا، فحلفوا، فأخذت الخمسمائة من عديّ ورددت أنا الخمسمائة) (٤).
فذلك قوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها؛﴾ أي ذلك لكم أقرب إلى أن تقوم شهود الوصيّة على وجهها، ﴿أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ﴾
стр. 960
﴿بَعْدَ أَيْمانِهِمْ؛﴾ وأقرب إلاّ أن يخافوا أن تردّ عليهم أيمانهم بعد أيمان المسلمين، ويقال: أن يردّ الأيمان إلى المدّعين المسلمين بعد أيمان المدعى عليهم الكفّار.
قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ؛﴾ أي اخشوه أن تحلفوا أيمانا كاذبة أو تخونوا أمانة، ﴿وَاسْمَعُوا؛﴾ أي أقبلوا الموعظة، ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ (١٠٨)؛أي لا يصلح أمر الخائنين عن طاعة الله.
روي عن مجاهد أنه أخذ بظاهر الآية وقال: (إذا مات المؤمن في السّفر، ولا يحضره إلاّ كافر، إن أشهدهما على ذلك، فإن رضي ورثته بذلك، وإلاّ حلف الشّاهدان أنّهما صادقان، فإن ظهرا أنّهما خانا، حلف اثنان من الورثة، وأبطلت أيمان الشّاهدين) (١).وعن هذا قال شريح: (لا تجوز شهادة اليهوديّ والنّصرانيّ على المسلم إلاّ في السّفر، ولا يجوز في السّفر إلاّ على الوصيّة) (٢).
وذهب أكثر الفقهاء إلى أنّ شهادة الكافر لا تقبل على المسلم بوجه من الوجوه؛ لأنه روي أنّ آية الدّين من آخر ما نزل من القرآن، وتلك الآية تقتضي جواز نسخ شهادة الكافر على المسلمين لا محالة؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ (٣) يتناول المؤمنين؛ لأن الخطاب في تلك الآية يوجّه إليهم باسم الإيمان وهو قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
قوله تعالى: ﴿*يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا؛﴾ يعني يوم القيامة، ونصب ﴿(يَوْمَ)﴾ على إضمار اذكروا واحذروا، ويحتمل أنه انتصب بقوله ﴿(وَاتَّقُوا اللهَ)،﴾ والسّؤال للرسل توبيخ للذين أرسلوا إليهم، كما في قوله تعالى ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ﴾ (٤) إنما تسأل الموءودة لتوبيخ قاتلها.
وأما قول الرسل: ﴿(لا عِلْمَ لَنا)،﴾ فقال ابن عبّاس والحسن والسديّ ومجاهد: (إنّ هذا الجواب إنّما يكون في بعض مواطن القيامة، وذلك عند زفرة جهنّم، وجثوّ
стр. 961
الأمم على الرّكب، لا يبقى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلاّ قال: نفسي نفسي، فعند ذلك تطير القلوب من أماكنها، فتقول الرّسل من شدّة هول المسألة وهول الموطن:
لا علم لنا) (١) ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ (١٠٩)؛ترجع إليهم عقولهم، فيشهدون على قومهم أنّهم بلّغوهم الرسالة، وأنّ قومهم كيف ردّوا عليهم.
فإن قيل: كيف يصحّ ذهول العقل مع قوله تعالى ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ (٢) قيل: إن الفزع الأكبر دخولهم جهنّم. وعن ابن عبّاس: (أنّ معنى: لا علم لنا؛ أي لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا، فحذف الاستثناء. وقيل: معناه: لا علم لنا بتفصيل الأمور.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ؛﴾ معناه: واذكروا أيّها المؤمنون ﴿(إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى)،﴾ ويجوز أن يكون عطفا على قوله: ﴿(يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ)﴾ تقديره: إذ يقول الله: يا عيسى بن مريم، إلاّ أنه ذكره بلفظ الماضي لتقديم ذكر الوقت.
ومعنى الآية: أظهر منّتي عليك بالنبوّة وعلى أمّك بأن طهّرتها واصطفيتها على نساء العالمين؛ ليكون حجّة على من كفر وادّعاك إلها، فيكون ذلك حسرة وندامة عليهم يومئذ. والفائدة في ذكر أمّه: أنّ الناس تكلّموا فيها كما تكلّموا فيه.
ثم عدّ الله نعمة نعمة: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ؛﴾ أعنتك وقرّبتك بجبريل الطاهر حين حاولت بني إسرائيل قتلك، ويقال: أيّدتك به في الحجّة في كلّ أحوالك.
وقوله تعالى: ﴿(يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ)﴾ انتصب ﴿(ابْنَ مَرْيَمَ)﴾ لأنه منادى مضاف؛ أي يا عيسى يا ابن مريم، قوله تعالى: ﴿(اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ)﴾ معناه: اذكر نعمتي، لفظة واحدة ومعناها الجمع، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ (٣) أي نعم الله، لأنّ العدد لا يقع على الواحد.
стр. 962
قوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً؛﴾ أي تكلّم الناس في حجر أمّك في حال صغرك، وتخاطبهم كهلا بعد ثلاثين سنة، على صفة واحدة واحدا واحدا، وذلك من أعظم الآيات.
ويقال: أراد بالمهد الذي يربّى فيه الطفل حين قال لهم وهو في المهد: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (١).قال الكلبيّ: (مكث في رسالته بعد ثلاثين سنة ثلاثين شهرا، ثمّ رفعه الله إليه)،وقيل: ثلاث سنين، ثم رفع إلى السّماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ؛﴾ أي علّمتك كتب الأنبياء قبلك والفهم، ويقال: أراد بالكتاب الخطّ بالقلم، وأراد بالحكمة كلّ صواب منهنّ من قول أو فعل.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي؛﴾ معناه: إذ تصوّر من الطين كشبه الخفّاش بأمري، ﴿فَتَنْفُخُ فِيها؛﴾ أي في الهيئة، ﴿فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي؛﴾ يطير بين السّماء والأرض بأمر الله، ويكون النفخ كنفخ الرّاقي.
قوله تعالى: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي؛﴾ الأكمه: الذي ولد أعمى، والأبرص: الذي لا تعالجه الأطبّاء، وهو الذي إذا غرز الإبرة لا يخرج منه الدّم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي؛﴾ أي الموتى تخرجهم من قبورهم أحياء بإرادتي، والمراد بالإذن أنّ الله تعالى كان يأذن له في المسألة والدّعاء، فيقع ذلك عن الله.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ؛﴾ معناه وإذ صنعت (صرفت) أولاد يعقوب عنك حين همّوا بقتلك، ﴿إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ؛﴾ أي بالمعجزات الدالّة على رسالتك، ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا؛﴾ أي ما هذا
стр. 963
الذي يرينا عيسى، ﴿إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (١١٠)؛سحر ظاهر. ومن قرأ «(ساحر مبين)» أراد به عيسى ﵇.
قوله : ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي؛﴾ معناه: وإذ ألهمت الحواريّين وهم خواصّ عيسى، وألقيت في قلوبهم: أن صدّقوا بتوحيدي وبرسولي، ﴿قالُوا آمَنّا؛﴾ وصدّقنا، ﴿وَاشْهَدْ؛﴾ يا عيسى، ﴿بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ (١١١)؛أي مخلصون بالعبادة والتوحيد.
قوله : ﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١١٢)؛كأنه قال:
اذكر نعمتي عليك إذ قال الحواريّون.
وقوله تعالى: ﴿(هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ)﴾. قرأ الكسائيّ «(هل تستطيع ربّك)» بالتاء بإدغام ونصب الباء من ربّك، أي هل تقدر أن تسأل ربّك؟.
وقد روي عن عائشة ﵂ أنّها قالت: (كان الحواريّون أعلم بالله من أن يقولوا: هل يستطيع ربّك؟) (١) وفيه ثلاثة أقوال:
أحدهم: أنّ هذا السؤال كان في ابتداء أمرهم قبل أن تستحكم معرفتهم بالله تعالى ولذلك أنكر عليهم عيسى ﵇ فقال: ﴿(اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)﴾ لأنه لم يستكمل إيمانهم في ذلك الوقت.
والقول الثاني: أنّ معناه: هل يفعل ذلك كما يقول الرجل لآخر: هل تستطيع أن تقوم معي في أمر كذا؟ أي هل أنت فاعله؟
والقول الثالث: أنّ معناه: هل يستجيب لك ربّك؟ وهل يطيعك إن سألته؟ كما تقول: استجاب بمعنى أجاب.
والحواريّون: خواصّ أصحاب عيسى ﵇. قال الحسن: (كانوا قصّارين) وقال مجاهد: (كانوا صيّادين) وقيل: كانوا ملاّحين. وقال قتادة: (الحواريّون: الوزراء) وقال عكرمة: (هم الأصفياء) وكانوا اثنى عشر رجلا.
стр. 964
قوله تعالى: ﴿قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا؛﴾ أي قال الحواريّون: نريد بما سألناك أن نأكل من المائدة، وتسكن قلوبنا بما جئتنا به من المعجزات، ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا؛﴾ بأنّك رسول الله، وقيل: صدقتنا في دعائك، وفيما دعوتنا من كفاية الله تعالى إيانا، ﴿وَنَكُونَ عَلَيْها؛﴾ على المائدة؛ ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ (١١٣)؛إذا رجعنا إلى قومنا.
قوله تعالى: ﴿قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا؛﴾ أي قال عيسى: يا الله، إلاّ أنه أقيم الميم في آخره مقام النداء في أوّله، وقوله: ﴿(أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ)﴾ أي طعاما، ﴿(تَكُونُ لَنا عِيداً)﴾ أي نتّخذ اليوم الذي تنزل فيه المائدة يوم سرور لأزماننا ولمن يكون خلفنا. وروي:
(أنّ نزول المائدة كان في يوم الأحد، فاتّخذت النّصارى ذلك اليوم عيدا).وقرأ زيد ابن ثابت: «(لأولانا وأخرانا)».
وقوله تعالى: ﴿وَآيَةً مِنْكَ؛﴾ أي تكون المائدة دلالة وحجة لمن آمن على من كفر، ﴿وَارْزُقْنا؛﴾ أي اجعل ذلك رزقا لنا، وقيل: ارزقنا الشّكر عليه، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ (١١٤)؛وأنت أفضل المعطين والموفّقين.
قوله تعالى: ﴿قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ؛﴾ أي قال الله: يا عيسى إنّي منزل المائدة عليكم. قرأ أهل المدينة والشام وقتادة وعاصم: «(منزّلها)» بالتشديد؛ لأنها نزلت مرارا، والتفعيل يدلّ على التكثير مرّة بعد مرّة كقوله تعالى ﴿وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾ (١).
وقرأ الباقون بالتخفيف كقوله: «(أنزل علينا)».
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (١١٥)؛أي فمن يكفر بعد نزول المائدة، وقيل: بعد ما أكل من المائدة، فإنّي أعذّبه بجنس من العذاب لا أعذّب أحدا من عالمي زمانهم بذلك العذاب، وهو أن جعل الله من كفر منهم بعد نزول المائدة خنازير. وقيل: أراد بهذا عذاب الآخرة، كما روي عن ابن عمر أنه قال (أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، ومن
стр. 965
كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون) (١).
وروي عن ابن عبّاس في سبب نزول المائدة: (أنّ عيسى كان إذا خرج اتّبعه خمسة آلاف رجل أو أكثر من أصحابه الّذين يقتدون به، وأهل الزّمانة والمرضى والبطارة، فسلك بهم ذات يوم القفار، ففني طعامهم وجاعوا جوعا شديدا، فأعلم النّاس تلاميذه الحواريّين قالوا: إن كان صاحبكم حقّا فليدع ربّه ينزّل علينا مائدة من السّماء، فكلّمه في ذلك رجل من الحواريّين يقال له: شمعون الصّفّار، فقال: قل لهم يتّقوا الله ولا يسألوا لأنفسهم البلاء، فإنّهم إن كفروا بعد نزولها عاقبهم الله.
فأخبرهم شمعون بذلك، فقالوا: ﴿(نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا)﴾.
فقام عيسى ﵇ فصلّى ركعتين، فأوحى الله إليه: ﴿(إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ، فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ)،﴾ ثمّ أنزل الله مائدة من السّماء فوقها منديل، والنّاس ينظرون إليها وعيسى يبكي، حتّى استقرّت المائدة بين يدي عيسى وهو يقول: اللهمّ اجعلها رحمة، ثمّ كشف المنديل وقال: بسم الله، فإذا على المائدة سمكة مشويّة لا شوك فيها، والودك يسيل منها، والخلّ عند رأسها، والملح عند ذنبها، وعليها أربعة أرغفة، وعليها البقول إلاّ الكرّاث-قال عطيّة:
(كان في السّمكة طعم كلّ شيء).
فقال لهم عيسى: كلوا من رزق ربكم، فأكلوا منها، ورجعت المائدة كما كانت، فلمّا فرغ القوم إلى قرارهم، وبشّروا هذا الحديث لسائر النّاس، ضحك من لم يشهد، وقال: ويحكم! إنّه قد سحر أعينكم وأخذ بقلوبكم. فمن أراد الله به الخير ثبّته على الصّبر، ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، فلعنهم عيسى فباتوا ليلتهم، ثمّ أصبحوا خنازير ينظر النّاس إليهم، الذكر ذكر والأنثى أنثى ويلعنوهم، فمكثوا كذلك ثلاثة أيّام ثمّ هلكوا، ولم يتوالدوا ولا طعموا ولا شربوا) (٢).
стр. 966
وقال بعضهم: لمّا دعا عيسى ربّه أن ينزّل عليهم مائدة من السّماء، أقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعوها بين أيديهم، فأكل منها آخرهم كما أكل أوّلهم.
وقال الكلبيّ: (دعا عيسى ﵇ شمعون الصّفّار، وكان أفضل الحواريّين، فقال: هل معك طعام؟ قال: نعم؛ معي سمكتان وسبعة أرغفة، قال: عليّ بها، فقطّعها عيسى قطعا صغارا، ثمّ قال: اقعدوا وترافقوا رفقة، كلّ رفقة عشرة، ثمّ قام عيسى فدعا الله فاستجاب له، وأنزل فيه البركة، فصار خبزا صحاحا وسمكا صحاحا، ثمّ قال: كلوا بسم الله، فجعل الطّعام يكثر حتّى بلغ ركبهم، فأكلوا كلّهم وفضل شيء كثير.
وكان النّاس يومئذ خمسة آلاف ونيّفا، فقال النّاس جميعا: نشهد أنّك عبد الله ورسوله. ثمّ سألوه مرّة أخرى، فدعا عيسى فأنزل الله خبزا وسمكا وخمسة أرغفة وسمكتين، فصنع بها ما صنع بالمرّة الأولى، فلمّا رجعوا إلى بيوتهم ونشروا هذا الحديث، ضحك منهم من لم يعاين ذلك، وقالوا لهم: إنّما سحر أعينكم، فمنهم من ثبّته الله تعالى على بصيرته، ومنهم من رجع إلى كفره، فمسخوا خنازير) (١).
وعن سلمان الفارسيّ ﵁ قال: (لمّا سألت الحواريون عيسى أن ينزّل عليهم مائدة، لبس صوفا وبكى؛ وقال: اللهمّ أنزل علينا مائدة من السّماء، وارزقنا عليها طعاما نأكله وأنت خير الرّازقين، فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة من فوقها، وغمامة من تحتها، وهم ينظرون إليها منقضّة تهوي حتّى نزلت بين أيديهم.
فبكى عيسى وصلّى وقال: اللهمّ اجعلني من الشّاكرين، واليهود ينظرون إليها لم يروا مثله قط، ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه. فقام عيسى فتوضّأ وصلّى ركعتين صلاة طويلة، وبكى كثيرا.
وكشف المنديل عنها وقال: بسم الله خير الرّازقين، فإذا هي سمكة طويلة مشويّة ليس عليها فلوسها (٢) ولا شوك فيها، تسيل سيلا من الدّسم، وعند رأسها
стр. 967
ملح وعند ذنبها خلّ، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكرّاث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الآخر عسل، وعلى الثّالث بيض، وعلى الرّابع خبز، وعلى الخامس قديد.
فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدّنيا هذا أم من طعام الآخرة، فقالوا: لا من طعام الدّنيا ولا من طعام الآخرة، ولكنّه شيء أنشأه الله بقدرته العالية، فكلوا ممّا سألتم يمددكم ربّكم ويزيدكم من فضله، فقالوا: يا رسول الله لو أريتنا آية أخرى؟
فقال عيسى ﵇: يا سمكة احيي بإذن الله، فاضطربت السّمكة وعاد عليها فلوسها وشوكها، ففزعوا من ذلك. فقال: ما لكم تسألون أشياء فإذا أعطيتموها كرهتموها؟ ما أخوفني عليكم أن تعذبوا، يا سمكة عودي كما كنت بإذن الله تعالى، فعادت مشويّة كما كانت.
فقالوا: يا روح الله كن أنت أوّل من يأكل منها ثمّ نأكل نحن، فقال: معاذ الله أن آكل منها، ولكن يأكل منها من سألها. فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا عيسى أهل الفاقة والمرضى وأهل البرص والجذام والمقعدين والمبتلين، فقال: كلوا من رزق الله لكم المهنأ ولغيركم البلاء، فأكلوا منها فصدر عنها ألف وثلاثمائة من رجل وامراة وفقير وزمن وأبرص ومبتلى كلّهم شبعان يتجشّأ.
ثمّ نظر عيسى إلى السّمكة فإذا هي كهيأتها، وطارت الملائكة بالمائدة صعدا وهم ينظرون إليها حتّى توارت عنهم، فلم يأكل يومئذ منهم زمن إلاّ صحّ، ولا مريض إلاّ برأ، ولا مبتلى إلاّ عوفي، ولا فقير إلاّ استغنى ولم يزل غنيّا حتّى يموت، وندم من لم يأكل منها من الحواريّين.
وكانت إذا نزلت اجتمع الأغنياء والفقراء والضّعفاء والكبار والصّغار والرّجال والنّساء، يزدحمون عليها، فلمّا رأى ذلك عيسى جعلها نوبة بينهم، فلبثت أربعين صباحا تنزل صبحا، فلا تزال منصوبة يأكلون منها حتّى إذا فاء الفيء طارت صعدا وهم ينظرون، وكانت تنزل يوما ولا تنزل يوما، يعني كانت تنزل غبّا كناقة صالح ﵇، فأوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇: اجعل مائدتي ورزقي للفقراء دون
стр. 968
الأغنياء، فعظم ذلك على الأغنياء حتّى شكوا وشكّكوا النّاس فيها، وقالوا: ترون المائدة حقّا نزلت من السّماء؟!
فقال لهم عيسى ﵇: هلكتم بعذاب الله تعالى، فأوحى الله إليه: أنّي شرطت على المكذّبين شرطا أنّ من كفر بعد نزولها عذبته عذابا لا أعذّبه أحدا من العالمين.
فقال عيسى: إن تعذّبهم فإنّهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم.
فمسخ الله منهم ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون رجلا، باتوا من ليلتهم على فرشهم مع نسائهم، فأصبحوا في ديارهم خنازير يسعون في الطّرقات والكناسات، ويأكلون العذرة، فلمّا رأى النّاس ذلك فزعوا إلى عيسى ﵇، وبكى على الممسوخين أهلوهم، فلمّا أبصرت الخنازير عيسى ﵇ بكت وجعلت تطيف بعيسى، وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم واحدا واحدا، فيبكون ويشيرون برءوسهم ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيّام وهلكوا) (١).
قوله : ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ أوّل هذه الآية معطوف على قوله: ﴿(إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ)﴾ ويجوز أن يكون عائدا على ما تقدّم من قوله:
﴿(يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ)﴾ كأنه قال: إذ يقول الله يوم القيامة، وفي آخر السّورة ما يدلّ على هذا، وهو قوله تعالى: ﴿(قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ)﴾ وذكر اللفظ على صيغة الماضي؛ لتحقّق أمره كأنه قد وقع وشوهد، ونظيره ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ (٣) أي سيقول.
وقال السديّ وقطرب: (إنّ الله تعالى قال لعيسى ﵇ هذا القول حين رفعه)،واحتجّا بقوله: ﴿(إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ)،﴾ ولا خلاف أنّ الله لا يغفر لمشرك مات على شركه، وإنما معنى الآية: وإن تغفر لهم بتوبتهم.
стр. 969
وقال أكثر المفسّرين: إنّما يقول الله تعالى هذه المقالة يوم القيامة، بدليل ما ذكرنا من قوله: ﴿(يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ)،﴾ ﴿(يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ)،﴾ فإن قالوا (إذ) للماضي، قلنا قد تكون بمعنى (إذا) كقوله: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ (١) أي إذا فزعوا.
قوله تعالى: ﴿(أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ)﴾ يعني أأنت قلت لهم في الدّنيا: ﴿(اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ)﴾؟ فإن قيل: ما وجه سؤال الله تعالى لعيسى مع علمه بأنه لم يقل؟ قيل: ذلك توبيخ لقوم عيسى وتحذير لهم عن هذه المقالة. وقيل: أراد الله بذلك أن يقرّ عيسى بالعبوديّة على نفسه، فيظهر منه تكذيبهم بذلك، فيكون حجّة عليهم.
قال أبو روق وميسرة: (إذ قال الله لعيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾؟ ارتعدت مفاصله، وانفجرت من كلّ شعرة من جسده عين من الدّم) (٢).
ثمّ يقول عيسى ﵇ مجيبا الله : ﴿قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ؛﴾ أي تنزيها لك يا رب، ما ينبغي لي أن أدّعي شيئا لست بجدير له، ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي؛﴾ عندي وما في ضميري، وما كان منّي في الدّنيا، ﴿وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ؛﴾ غيبك، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ (١١٦)؛لا يعلم الغيب أحد غيرك. وقيل: معناه: تعلم ما أريد، ولا أعلم ما تريد، ﴿(إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ)﴾ أي ما كان وما يكون.
وأمّا ذكر النفس في قوله: ﴿(وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ)﴾ فعلى من أوجه الكلام: بأن الغيب من الله تعالى في حكم الضمير من الآدميّين، والنّفس في كلام العرب على ضروب؛ تذكر ويراد بها ذات الشيء، كما يقال: جاءني زيد نفسه؛ أي ذاته، وقتل فلان نفسه، وأهلك فلان نفسه، ويراد بذلك الذات بكمالها. وتذكر ويراد بها الروح،
стр. 970
كما يقال: خرجت نفس فلان؛ أي روحه. وتذكر ويراد بها ما في القلب، كما يقال:
أضمر فلان ما في نفسه كذا وكذا.
فإذا احتمل اللفظ هذه الوجوه كلّها وجب حمل الآية على أصحّ الوجوه؛ لقيام الدّلالة على وجوب تنزيه صفات الله تعالى عما لا يجوز. ولو كانت النفس لا تستعمل إلاّ في أمر كائن في غيره لوجب في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ (١) أن يقال: إن النفس نفسا، فإذا بطل ذلك صحّ أن المراد به الجملة والذات، كأنه قال: يوم يأتي كلّ أحد يجادل عن نفسه، فكان المراد بقوله: ﴿(وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ)﴾ جملة الأمر، وحقيقة ما عند الله تعالى.
فإن قيل: ليس في النّصارى من اتخذ مريم إلها فما معنى هذا القول؟ قيل: إن لم يكن فيهم من يقول هذا القول اليوم، فلا بدّ أن يكون فيهم من قال ذلك؛ لأن هذه الآية تدلّ على أنّهم قد قالوا ذلك، وتصديق لكتاب الله تعالى أوجب من التصديق لنقل ناقل.
قوله : ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ؛﴾ أي ما قلت لهم شيئا إلاّ القول الذي أمرتني به، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ؛﴾ أي وحّدوه وأطيعوه، ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ؛﴾ معناه:
فلمّا قبضتني إليك من بينهم، ورفعتني إلى السّماء كنت أنت الحفيظ عليهم، ﴿وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١١٧)؛من مقالتي ومقالتهم، مطّلع عالم مشاهد.
وذهب بعض المفسرين إلى أن معنى قوله: ﴿(فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي)﴾ أمتّني، وقالوا: إنّ عيسى ليس بحيّ في السّماء. إلاّ أنّ القول الأول أشهر، ويحتمل أنّ الله تعالى أماته، ثم أحياه ورفعه إلى السّماء.
وقال الحسن: (الوفاة في كتاب الله تعالى على ثلاثة أوجه: وفاة الموت كقوله تعالى ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ (٢)،ووفاة النّوم كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾
стр. 971
﴿يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ (١) أي ينيمكم، ووفاة الرّفع كقوله:
﴿يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ؛﴾ قرأ الحسن: «(عبدك)»،قيل:
معناه التبعيض؛ أي إن تعذّب الذين أقاموا على الكفر فإنّهم عبادك، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ؛﴾ للّذين أسلموا وتابوا، ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١١٨)؛لأنه قال:
﴿(أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ)،﴾ وما قلت لهم، وفيهم المسلمون والمشركون، فقوله: ﴿(إِنْ تُعَذِّبْهُمْ)﴾ راجع إلى الكافرين، وقوله: ﴿(وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ)﴾ راجع إلى المؤمنين.
وعن ابن عبّاس ﵄ في معنى هذه الآية: (وإن تعذّبهم على هذه المقالة الّتي أجزموها فإنّهم عبادك، وإن يتوبوا فتغفر لهم) (٣).قوله: ﴿(فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)﴾ أي المنيع في مغفرتك لهم لا يمنعك أحد مما تريد، الحكيم في أمرك.
فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي سؤال المغفرة للكفّار، والله لا يغفر أن يشرك به، فما معنى هذا السؤال؟ قيل: يحتمل أنه لم يكن في كتابه: إنّ الله لا يغفر أن يشرك به، ويحتمل أن يكون معناه: إن تغفر لهم كذبهم الذي قالوا عليّ.
وقيل: إنّ عيسى علم أنه منهم من آمن، ومنهم من أقام على الكفر، فكأنه قال:
إن تعذّب الكفار منهم فإنّهم عبادك، وأنت القادر عليهم، وإن تغفر لمن تاب منهم فذلك تفضّل منك؛ لأنه كان لك أن لا تفعل ذلك بهم بعد عظيم فريتهم عليك، وكان هذا القول من عيسى ﵇ على وجه الخضوع والانقياد والاستسلام على معنى أنّك أنت المالك والقادر على كلّ شيء، فلذلك قال: ﴿(فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)،﴾ ولو كان قال: فإنك أنت الغفور الرحيم، لأوهم الدعاء بطلب المغفرة والرحمة.
стр. 972
وروي: أنه لمّا نزلت هذه الآية، أحيا رسول الله ﷺ ليلته بها، وكان بها يقوم وبها يقعد وبها يسجد، ثمّ قال: [أمّتي أمّتي يا رب]،فنزل عليه جبريل فقال: إنّ الله تعالى يقرؤك السّلام ويقول لك: [إنّا سنرضيك في أمّتك ولا نسوءك] (١).
قوله : ﴿قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ؛﴾ من قرأ «(يوم)» بالرفع فمعناه: قال الله لعيسى ﵇ هذا يوم ينفع النبيّين صدقهم بتبليغ الرسالة، والمؤمنين إيمانهم الذي هو صدق في الدنيا والآخرة، ولا ينفع الكفار صدقهم في الآخرة.
ومن قرأ «(يوم)» بالنصب فعلى الظرف، على معنى: قال الله لعيسى هذا القول الذي تقدّم ذكره في يوم ينفع الصادقين صدقهم. وقال الكلبيّ: (معنى الآية: قال الله:
هذا يوم ينفع المؤمنين إيمانهم)،وقيل: ينفع الصّادقين في الدّنيا صدقهم وفي الآخرة.
وقرأ الأعمش «(هذا يوم)» بالتنوين.
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ أي بساتين تجري من تحت شجرها وغرفها الأنهار، ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً؛﴾ أي إلى الأبد، ﴿﵃؛﴾ بإيمانهم وطاعتهم، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ؛﴾ بإكرامهم في الجنّة النجاة الوافرة.
وحقيقة الفوز نيل المراد. قوله : ﴿(وَرَضُوا عَنْهُ)﴾ أي بما أكرمهم به من الثواب، ﴿ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١١٩)؛أي ذلك الثواب والخلود في الجنّة النجاة الوافرة، وحقيقة الفوز نيل المراد.
قوله : ﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ؛﴾ أي لله خزائن السّماوات والأرض، وما فيهنّ من الخلق، يعطي من شاء ما شاء، ويغفر لمن يشاء، ويعذّب من يشاء، ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٢٠)؛مما يريد بعباده من المغفرة والعذاب قادر.
والغرض من هذه الآية نفي الرّبوبية عن عيسى ﵇، وبيان أنّ الله تعالى هو المستحقّ للعبادة دون غيره، فإنه هو القادر على كلّ شيء من الجزاء؛ ترغيبا في الطاعة؛ وتحذيرا عن المعصية.
стр. 973
وعن أبيّ بن كعب، عن رسول الله ﷺ أنّه قال: [من قرأ سورة المائدة أعطي من الأجر بعدد كلّ يهوديّ ونصرانيّ يتنفّس في الدّنيا عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيّئات، ورفع له عشر درجات] (١).
آخر تفسير سورة (المائدة) والحمد لله رب العالمين
آخر المجلد الثاني من التفسير الكبير للإمام الطبراني
стр. 974
سورة الأنعام
سورة الأنعام اثنا عشر ألف حرف وأربعمائة واثنان وعشرون حرفا؛ وثلاثة آلاف واثنان وخمسون كلمة؛ ومائة وخمس وستّون آية. كلّها احتجاج على المشركين، وكلّها مكّيّة غير ستّ آيات منها؛ فإنّها مدنيّات: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (١) إلى آخر ثلاث آيات. وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢).
وكان رسول الله ﷺ بمكّة ونزلت هذه السّورة وشيّعها سبعون ألف ملك قائدهم جبريل ﵇ قد سدّوا ما بين الخافقين؛ لهم زجل بالتّسبيح والتّحميد. فدعا رسول الله ﷺ الكتّاب فكتبوها في ليلتهم، فقال جبريل: يا محمّد من قرأها من أمّتك إيمانا واحتسابا صلّى عليه السّبعون ألف ملك الّذين شيّعوها إليك، يعود كلّ آية منها يوما وليلة، فخرّ النّبيّ ﷺ ساجدا شكرا لله تعالى.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ؛﴾ قال كعب الأحبار: وأوّل مفتاح التوراة ﴿(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ)،﴾ وخاتمتها خاتمة سورة هود ﴿(وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)﴾. قال مقاتل: (قال المشركون للنّبيّ ﷺ : من ربّك؟ قال: ﴿[الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ]﴾ فكذبوه، فأنزل الله تعالى حامدا نفسه دالاّ على توحيده: ﴿(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ)﴾ أي خلق السّماوات بما فيها من الشّمس والقمر والنجوم، والأرض بما فيها من البرّ والبحر؛
стр. 975
والسّهل والجبل؛ والنّبات والشجر، خلق السموات وما فيها في يومين؛ يوم الأحد ويوم الاثنين؛ وخلق الأرض وما فيها في يومين؛ يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ؛﴾ قال السديّ: (ظلمة اللّيل ونور النّهار).وقال الواقديّ: (كلّ ما في القرآن من الظّلمات والنّور فهو الكفر والإيمان؛ إلاّ في هذه الآية فإنّه يريد به اللّيل والنّهار).قال قتادة: (يعني الجنّة والنّار) (١).وقال الحسن: (يعني الكفر والإيمان) (٢).
وقيل: خلق الليل والنهار لمصالح العباد؛ يستريحون باللّيل ويبصرون معايشهم بالنهار. وإنّما جمع (الظّلمات) ووحّد (النّور) لأن النور يتعدّى، والظلمة لا تتعدّى.
وقال أهل المعاني: (جعل) هاهنا صلة؛ والعرب تزيد (جعل) في الكلام كقول الشاعر:
وقد جعلت أرى الاثنين أربعة ... والواحد اثنين لمّا هدّني الكبر
وتقدير الآية: ﴿(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ)﴾ والظّلمات والنّور.
وقيل: معناه: ﴿(خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ)؛﴾ لأنه خلق الظلمة والنور قبل السموات والأرض. وقال قتادة: (خلق الله السّماوات قبل الأرض، والظّلمة قبل النّور، والجنّة قبل النّار).
وقال وهب: (أوّل ما خلق الله مكانا مظلما، ثمّ خلق جوهرة فأضاءت ذلك المكان، ثمّ نظر إلى الجوهرة نظر الهيبة، فصارت ماء وارتفع بخارها ونبذ زبدها، فخلق من البخار السّماوات؛ ومن الزّبد الأرضين).
قوله : ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (١)؛أي ﴿(ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)﴾ بعد هذا البيان ﴿(بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)﴾ الأوثان؛ أي يشركون. وقيل: معناه:
﴿(يَعْدِلُونَ)﴾ (يعدلون) أي يجعلون لله عديلا ويعبدون الحجارة والأموات؛ وهم يقرّون بأنّ الله خالق هذه الأشياء، فالأصنام لا تعقل شيئا من ذلك.
стр. 976
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً؛﴾ معناه: خلقكم من آدم ﵇، فأخرج الخطاب له؛ لأنّهم ولده، قال السّديّ: (لمّا أراد الله خلق آدم، بعث جبريل إلى الأرض ليأتيه بطائفة منها، فاستعاذت الأرض بالله أن ينقص منّي، فرجع ولم يأخذ. فبعث ميكائيل؛ فاستعاذت، فبعث ملك الموت؛ فاستعاذت بالله منه؛ فقال: وأنا أعوذ بالله أن أخالف أمره، فأخذ من وجه الأرض، فخلط السّوداء والبيضاء والحمراء؛ فلذلك اختلفت الألوان؛ ألوان بني آدم، ثمّ عجنها بالماء العذب والملح والمسك؛ فلذلك اختلفت أخلاقهم، فقال الله تعالى لملك الموت: رحم جبريل وميكائيل الأرض ولم ترحمها؛ لا جرم أن أجعل أرواح من أخلق من هذا الطّين بيدك) (١).
وروى أبو هريرة عن النبيّ ﷺ أنه قال: [إنّ الله تعالى خلق آدم من تراب، وجعله طينا، ثمّ تركه حتّى كان حمأ مسنونا، ثمّ خلقه وصوّره، ثمّ تركه حتّى إذا كان صلصالا كالفخّار؛ مرّ به إبليس لعنه الله، فقال: خلقت لأمر عظيم. ثمّ نفخ الله فيه الرّوح] (٢).
قوله تعالى: ﴿(ثُمَّ قَضى أَجَلاً)﴾ أي خلقكم من آدم ﵇ ﴿(ثُمَّ قَضى أَجَلاً)﴾ أي جعل لحياتكم وفاة تحيون فيه وهو مدّة كلّ واحد منّا من يوم يولد إلى يوم يموت.
قوله تعالى: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ؛﴾ أي مدّة انقضاء الدّنيا إلى أن تقوم الساعة؛ ولا يعلم وقت قيامها إلاّ الله. وقال مجاهد وابن جبير: ﴿(ثُمَّ قَضى أَجَلاً)﴾ يعني أجل الدّنيا ﴿(وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ)﴾ وهو الآخرة. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ (٢) أي ثمّ أنتم بعد هذا البيان تشكّون في موضع ليس هو موضع الشّكّ. والمرية هي الشّكّ المجلب بالشّبهة؛ أصلها من: مريت النّاقة إذا مسحت ضرعها لينزّ لبنها، ويجلبه للحلب (٣).
стр. 977
قوله : ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ؛﴾ معناه: هو الله المعبود المنفرد بالتدبير في السّماوات والأرض، العالم بما يصلحهما وبما يعمل فيهما. يعلم جهركم وسرّ أعمالكم وعلانية أموركم، ﴿وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ (٣)؛أي ما تعملون من خير وشرّ. وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ عن النبيّ ﷺ أنه قال: [من قرأ من أوّل سورة الأنعام ثلاث آيات إلى قوله:
﴿(وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ)﴾ وكّل الله به أربعين ملكا يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة، وينزل ملك من السّماء السّابعة معه مرزبة من حديد، فإذا أراد الشّيطان أن يوسوس له؛ ضربه بها ضربة كان بينه وبينه سبعون حجابا، فإذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى: امش في ظلّي؛ وكل من ثمار جنّتي؛ واشرب من ماء الكوثر؛ واغتسل من ماء السّلسبيل؛ وأنت عبدي وأنا ربّك] (١).
قوله : ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ (٤)؛أي ما تأتي كفّار مكة من دلائل التوحيد والنبوّة؛ مثل كسوف الشمس والاستسقاء، وكسوف القمر والدّخان؛ إلا كانوا عن هذه الآيات والعلامات معرضين مكذّبين تاركين لها.
قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٥)؛أي فقد كذب أهل مكة بمحمّد ﷺ والقرآن؛ وبما رأوه من انفلاق القمر بمكة، كما روي عن ابن مسعود (أنّ القمر انفلق فلقتين حتّى رأوا اجرابي فلقتي القمر، ثمّ ذهبت فلقة وبقيت فلقة).
وقوله تعالى: ﴿(فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)﴾ هذا وعيد لهم؛ أي سيعلمون ما يؤول إليه عاقبة استهزائهم بالرّسل والكتب والآيات التي كانت تأتيهم، فقتلهم الله يوم بدر بالسّيف، ويأتيهم خبر استهزائهم حين يرون العذاب معاينة.
والنبأ عبارة عن خبر الّذي له عظم وشأن.
стр. 978
قوله : ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ؛﴾ أي ألم يعلم أهل مكّة كم أهلكنا من قبلهم من قرن بكفرهم، مثل قوم نوح وعاد وثمود، ﴿مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ؛﴾ وأمهلناهم في العمر والولد ورفع الموانع ما لم نمهل لكم، ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً؛﴾ أي فأنزلنا عليهم المطر دارّا دائما يتبع بعضه بعضا، ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ؛﴾ ((أي من تحت)) (١) أشجارهم وبساتينهم، فلم يشكروا وعصوا ربّهم وكذبوا رسلهم، ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ؛﴾ بكفرهم وتكذيبهم، ﴿وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ؛﴾ أي من بعد هلاكهم، ﴿قَرْناً؛﴾ قوما، ﴿آخَرِينَ﴾ (٦)؛فسكنوا ديارهم، ثم بعثت إليهم الرّسل، فمن لم يأخذ بملّة الرّسل ومنهاجهم أهلكهم الله.
والقرن-في قول أكثر المفسّرين-:أهل عصر واحد، سمّوا قرنا؛ لاقترانهم في قرن واحد. ويقال: أهل كلّ عصر فيهم نبيّ أو عالم، لاقترانهم بالنبوّة والعلم، كما قال ﷺ : [خير النّاس قرني، ثمّ الّذين يلونهم] (٢).وأراد بالقرن الأوّل: الصّحابة، وبالثاني: التابعين، وبالثالث: تابعي التابعين. واختلفوا في مدّة القرن؛ قال بعضهم:
ثمانون سنة، وقيل: مائة سنة، وبين القرنين ثماني عشرة سنة.
قوله : ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ؛﴾ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي أميّة المخزوميّ؛ قال: يا محمّد؛ لن نؤمن لك حتّى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنّه من عند الله وأنّك رسوله).وقال مقاتل والكلبيّ: (نزلت في النّضر بن الحارث، وعبد الله ابن أبي أميّة، ونوفل بن خويلد؛ قالوا للنّبيّ ﷺ : لن نؤمن لك حتّى تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنّه من عند الله وأنّك رسوله، فأنزل الله تعالى هذه الآية) (٣).
стр. 979
ومعناها: (ولو نزّلنا عليك كتابا في) صحيفة وعلّقناه بين السّماء والأرض ينظرون إليه ويعاينونه ويلمسونه بأيديهم، ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ كفّار مكّة بعد معاينة ذلك: ﴿إِنْ هذا؛﴾ ما هذا؛ ﴿إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٧)؛أي كما قالوا في انشقاق القمر: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (١).وفي الآية بيان أنّهم كانوا معاينين مصرّين على التكذيب.
قوله : ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ (٨)؛أي قالوا: لولا نزّل على محمّد ملك نشاهده ونعاينه يخبرنا بأنه نبيّ، يقول تعالى: ﴿(وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً)﴾ كما سألوه فكذبوا لعذبناهم بعذاب الاستئصال ﴿(ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ)﴾ أي لا يؤجّلون ولا يمهلون بعد نزول الآية المقترحة، نحو ما ذكر الله تعالى في قصّة قوم صالح وغيرهم. قال الضحّاك: (معناه: لو أتاهم ملك في صورته لماتوا) (٢).
قوله : ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ (٩)؛أي لو أرسلنا إليهم رسولا من الملائكة لأرسلناه في صورة الإنسان؛ لأنّهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى هلاكهم؛ وليكون الشكل إلى الشكل أميل، وبه الذهن (٣) إلى الفهم عنه أقرب، وإلى القبول منه أسرع، ولو نظرنا إلى الملك على هيبته لصعقنا.
وقد كانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة الإنسان؛ من ذلك أنّ جبريل ﵇ كان يأتي النبيّ ﷺ في صورة دحية الكلبيّ، وجاءت الملائكة إلى إبراهيم ﵇ في صورة الضّيفين، وجاءت الملائكة إلى داود ﵇ في صورة رجلين يختصمان إليه، وذلك قوله تعالى: ﴿(وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً)﴾ أي لو أنزلنا إليهم ملكا لجعلنا ذلك في صورة الرّجل أيضا.
стр. 980
قوله تعالى: ﴿(وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ)﴾ أي اختلطنا وشبّهنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى شكّوا؛ فلا يدرون أملك هو أم رجل؟ وهذا لأنّهم أنكروا نبوّة محمّد ﷺ بعد ما عرفوه بالصدق والأمانة، ثم لبسوا على أنفسهم وعلى ضعفتهم؛ فقالوا: إنّما هو بشر، فلو نزل الملك على صورة رجل للبسوا على أنفسهم أيضا فلم يقبلوا منه وقالوا: إنه في مثل صورتنا!
قوله : ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ؛﴾ أي استهزأت الأمم الماضية بأنبيائهم كما استهزأ بك يا محمّد قومك، ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (١٠)؛أي نزل بهم وحلّ بالمستهزئين من الكفّار عقوبة استهزائهم بالكتاب والرسول ﵊.
وقال الضّحاك: (كان النّبيّ ﷺ جالسا في المسجد الحرام مع جماعة من المستضعفين: بلال وصهيب وعمّار وغيرهم، فمرّ بهم أبو جهل في ملإ من قريش؛ فقال: تزعم يا محمّد أنّ هؤلاء ملوك الجنّة. فأنزل الله تعالى هذه الآية ليثبت فؤاده ويصبر على أذى المشركين).أي إن سخر أهل مكّة من أصحابك، فقد فعل ذلك الجهلة برسلهم قبلك.
والحيق في اللّغة: ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله، ومنه قوله تعالى:
﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ (١).وأما الاستهزاء فهو إيهام التّفخيم بمعنى التّحقير.
قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (١١)؛أي قل لهم يا محمّد سافروا في الأرض، ثم انظروا بأبصاركم وتأمّلوا بقلوبكم كيف صار إجرام المكذّبين بالرّسل والكتب مثل عاد وثمود وغيرهم، الذين عذبهم الله تعالى بعذاب الاستئصال، وكانت آثار ديارهم باقية قريبة من مكّة. وقال الحسن: (معنى ﴿(سِيرُوا فِي الْأَرْضِ)﴾ أي اقرءوا القرآن وتفكّروا فيه، فإنّ من قرأ القرآن وتفكّر فيه فكأنّه سار في الأرض).
стр. 981
قوله : ﴿قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ؛﴾ أي قل يا محمّد لكفار مكّة: لمن ملك ما في السّماوات والأرض، فإن أجابوك وقالوا: لله، وإلا فقل لهم ((لله)) (١) إذ هم يعلمون ويقرّون أن الأصنام لا تملك خلق شيء، وإنّما الله يملك ذلك.
وقوله تعالى: ﴿(كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)﴾ أي أوجب على نفسه الرّحمة فضلا وكرما. أو قيل: معناه: أوجب على نفسه الثواب لمن أطاعه؛ وقيل: أوجب على نفسه الرحمة بإمهال من عصاه؛ ليستدرك ذلك بالتوبة ولم يعاجله بالعقوبة، وهذا استعطاف من الله للمتولّين عنه إلى الإقبال، وإخبار بأنه رحيم بعباده لا يعجّل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم الإنابة والتوبة.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لمّا خلق الله تعالى الخلق؛ كتب فوق العرش: إنّ رحمتي سبقت غضبي] (٢).وقال عمر ﵁ لكعب الأحبار: (ما أوّل شيء ابتدأ الله به؟ فقال كعب: كتب الله كتابا لم يكتبه بقلم ولا مداد؛ كتابه الزّبرجد واللّؤلؤ والياقوت: إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا، سبقت رحمتي غضبي) (٣).
وفي الخبر: أنّ لله تعالى مائة رحمة كلّها ملئ السّماوات والأرض، فأهبط الله تعالى منها رحمة واحدة لأهل الدّنيا، فهم بها يتراحمون؛ وبها يتعاطفون؛ وبها يتراحم الإنس والجنّ وطير السّماء وحيتان الماء؛ وما بين الهواء ودواب الأرض وهو امّها، وأخّر تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ؛﴾ بدل من الرحمة وتفسير لها، فكأنّه قال: ليجمعنّ بين المؤمنين والكفار، بين المؤمن والكافر في الرّزق والنّعمة والدّولة إلى يوم القيامة، لا شكّ فيه عند المؤمنين أنه حقّ كائن، ثم تكون العاقبة بدل البعث للمؤمنين.
стр. 982
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ؛﴾ ابتدأ كلامه؛ وجوابه ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٢)؛لأنّ (الّذين) في موضع شرط؛ وتقدير الآية: الذين غبنوا (١) أنفسهم وأهليهم ومنازلهم وخدمهم في الجنّة في سابق علم الله لا يؤمنون؛ أي لا يصدّقون بمحمّد ﷺ والقرآن.
وذهب بعضهم إلى أنّ قوله تعالى: ﴿(لَيَجْمَعَنَّكُمْ)﴾ كلام مبتدأ على وجه القسم، و ﴿(الَّذِينَ)﴾ بدل من الكاف والميم في ﴿(لَيَجْمَعَنَّكُمْ)،﴾ كأنه قال: ليجمعنّ هؤلاء المشركين ﴿(الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ)﴾ إلى هذا اليوم الذي يجحدونه ويكفرونه. ويحتمل أن يكون قوله: ﴿(الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ)﴾ راجعا إلى المكذّبين، كأنه قال: عاقبة المكذبين ﴿(الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ)﴾.
قوله : ﴿*وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١٣) قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ كفّار مكّة أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمّد؛ قد علمنا ما يحملك على ما تدعونا إليه إلاّ الحاجة، فنحن نجعل لك من أموالنا حتّى تكون أغنانا رجلا، وترجع عمّا أنت عليه. فأنزل الله تعالى هذه الآية) (٢).
ومعناه: ولله ملك ما استقرّ ﴿(فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ)﴾ من الخلائق كلّهم، وهذا اللفظ يشتمل على جميع المخلوقات؛ لأنّ من الحيوانات ما يتصرّف بالنهار ويسكن بالليل، ومنها ما يتصرف بالليل ويسكن بالنّهار. وقال محمد بن جرير: (كلّ ما طلعت عليه الشّمس وغربت فهو من ساكن اللّيل والنّهار، والمراد: جميع ما في الأرض؛ لأنّه لا شيء من خلق الله تعالى إلاّ وهو ساكن في اللّيل والنّهار) (٣).
وقال أهل المعاني: في الآية إضمار تقديره: وله ما سكن وتحرّك في الليل والنهار. فإن قيل: فلم قال: ﴿(وَلَهُ ما سَكَنَ)﴾ ولم يقل: وله ما تحرّك؟ قيل: لأنّ
стр. 983
الساكن في الأشياء أعمّ؛ لأنه ما من متحرّك إلا وسكن؛ وفي الأشياء الساكنة ما لا يتحرك البتّة. قوله تعالى: ﴿(وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)﴾ معناه: السميع لمقالة الكفّار، العليم بهم وبعقوبتهم. ويقال: هو السميع للأصوات والأقوال، العليم بالأشياء والأرزاق.
وقوله : ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: أسوى الله أعبد ربّا وأتّخذ ناصرا، وقوله تعالى: ﴿(فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)﴾ أي خالقهما ومبدعهما، قال ابن عبّاس: (ما كنت أدري ما ﴿(فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)﴾ حتّى أتاني أعرابيّان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه:
أنا فطرتها، أي ابتدأتها، يعني ابتدأت حفرها) (١).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ؛﴾ أي يرزق ولا يرزق ولا يعاون على الرّزق. وقرأ الأعمش: «(ولا يطعم)» بفتح الياء؛ أي يرزق ولا يأكل؛ أي لا يجوز عليه الحاجة. قوله تعالى: ﴿(فاطِرِ السَّماواتِ)﴾ انخفض لأنه نعت لا اسم لله تعالى، ويجوز نصبه على معنى: أعني فاطر السّماوات، ويجوز رفعه على إضمار (هو).
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ؛﴾ أي قل لهم يا محمّد: إنّي أمرت أن أكون أوّل من أخلص لله بالتوحيد والعبادة من أهل هذا الزّمان.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٤)؛لا يجوز أن يكون عطفا على قوله: ﴿(قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ)﴾ لأنه غير مأمور بأن يقول:
﴿(وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)﴾ وإنّما هو نهي معطوف على أمر من حيث المعنى دون اللّفظ؛ لأنّ معنى الآية: قيل لي كذا: أوّل من أسلم ولا تكوننّ من المشركين.
قوله : ﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٥) أي قل يا محمّد: إنّي أعلم أنّي إن عصيت ربي وعبدت غيره، أن ينزل بي عذاب يوم عظيم شأنه وهو يوم القيامة.
стр. 984
قوله تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ؛﴾ أي من يصرف الله عنه العذاب العظيم يوم القيامة فقد رحمه، ﴿وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ (١٦)؛أي النجاة الوافرة الظّاهرة. قرأ أهل الكوفة إلا حفصا: «(من تصرف)» بفتح التّاء وكسر الراء؛ وتفسيره ما ذكرناه. وقرأ الباقون «(يصرف)» على ما لم يسمّ فاعله؛ أي من يصرف عنه العذاب بأمر الله؛ فقد سبقت رحمة الله له بإيجاب الثّواب.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ؛﴾ إن يصبك الله بفقر أو مرض أو بلاء، فلا يقدر أحد من الأصنام وغيرها على كشف ذلك الضّرّ إلا الله، وإنّما أطلق هذا اللفظ وإن كان يتصوّر أن يكشف الإنسان عن صاحبه كربة من الكرب؛ لأن كاشف الضّرّ في الحقيقة هو الله تعالى، إمّا أن يكشفه بفضله أو نسبة له.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ؛﴾ أي بفضل وسعة في الرزق وصحّة في الجسم، فلا مزيل لها إلا هو. إلا أنه لم يقل: فلا مزيل لها إلا هو؛ لأنه لمّا أكّد هذا في الضّرّ دلّ على هذا في الخير فاستغنى عن إعادته. وإنّما قال ﴿(يَمْسَسْكَ)﴾ مع أن كون المسّ المعيّن من صفة الأجسام؛ لأنّ المعنى يمسسك الله تعالى الضّرر. قوله تعالى:
﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٧)؛أي لا يقدر أحد أن يمنعه عن فعل ما أراد فعله من كشف ضرّ أو غيره.
وعن ابن عبّاس ﵄ قال: (أردفني رسول الله ﷺ وراءه وهو راكب على بغلة، فلمّا سار بي مليّا التفت إليّ وقال لي: [يا غلام].قلت: لبّيك يا رسول الله، قال: [احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرّخاء يعرفك في الشّدّة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وقد مضى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم يقض الله لك؛ ما قدروا على ذلك، ولو جهدوا أن يضرّوك بما لم يكتب الله عليك؛ لما قدروا عليه. واعلم: أنّ النّصر مع الصّبر، وأنّ مع الكرب الفرج،
стр. 985
وأنّ مع العسر يسرا] (١).
قوله : ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ؛﴾ أي هو الغالب على أمر عباده. والقهر: هو الاستعلاء بالاقتدار على الغلبة. وأراد بقوله: (فوق) أنّهم تحت التسخير والتذليل عمّا علاهم من الاقتدار عليهم، لا ينهاك أحد منهم. قوله:
﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (١٨)؛أي المحكم لصنعه؛ الخبير بأعمال الخلق.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ رؤساء مكّة أتوا رسول الله ﷺ ؛ فقالوا: يا محمّد؛ أما وجد الله رسولا يرسله غيرك؟! ما نرى أحدا يصدّقك بما تقول؛ ولقد سألنا عنك اليهود والنّصارى؛ فزعموا أنّه ليس لك عندهم ذكر ولا صفة ولا نعت، فأرنا من شهد أنّك رسول الله كما تزعم. فأنزل الله هذه الآية) (٢).
ومعناها: قل لهم يا محمّد: أيّ أحد أعظم وأعدل برهانا وحجّة؟ فإن أجابوك وقالوا: الله، وإلاّ فقل: الله أكبر شهادة من خلقه، وهو شهيد بيني وبينكم، بأنّي رسول الله، وأنّ هذا القرآن كلامه. والشاهد هو المبيّن للدعوى، وقد بيّن الله تعالى دعوى رسوله بالبراهين والمعجزات والآيات الدالّة على توحيد الله ونبوّة محمّد ﷺ .
قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ؛﴾ معناه: أنزل إليّ هذا القرآن لأخوّفكم به بما فيه من الدلائل؛ وأخبار الأمم السّالفة؛ والإنباء بما يكون؛ والتأليف الذي عجز عنه العرب. قوله تعالى: ﴿(وَمَنْ بَلَغَ)﴾ أي وأنذر من بلغه القرآن سواكم من العجم، وغيرهم من الجنّ والإنس إلى أن تقوم الساعة؛ لأنه ليس من بعد القرآن كتاب، ولا من بعد محمّد رسول.