← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 420

العقود المضافة إلى مثلها

عبد الله بن طاهر

Полный текст (309 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بعد طحنه (١). المناقشة: ١. أن الحديث متكلم فيه، وأحاديث الجمهور عالية الصحة. ٢. أن القفيز لم يكن معروفًا في المدينة في العهد النبوي، وإنما كانوا يتعاملون بالصاع والمد، وهذا مما يقوي قول المضعفين للحديث. الدليل الثالث: عن زيد بن ثابت ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة (٢). قال ابن الأعرابي: (هي تتناول المعاملة والمزارعة جميعًا) (٣). المناقشة: التسليم أن المخابرة تتناولهما جميعًا في اللغة، ولكن يقال: إن المخابرة المنهي عنها ما كان فيه غرر، وهو محل التحريم. الدليل الرابع: نهى رسول الله ﷺ عن الغرر (٤). وجه الدلالة: أن غرر المساقاة التردد في ظهور الثمرة وفي كميتها. المناقشة: ١. عدم الغرر في المساقاة، فإن الحكم للأغلب، والأغلب في الثمرة حدوثها قي وقتها، والاحتمال الوارد لا يقتضي تحريم العقد، كالمضاربة يحتمل ألا تربح فلا يحصل المضارب على شيء مقابل عمله، ولا أحد يقول بتحريمها. ٢. لو قيل على فرض التسليم والتنزل بدخول المساقاة في الغرر فهي مستثناة بالنص الخاص في جوازها. الدليل الخامس: أنه استئجار ببدل مجهول وعلى ثمرة لم تخلق، فوجب أن يكون باطلًا كالإجارة بأجرة مجهولة. المناقشة: المساقاة من المشاركات وليست من المؤاجرات. الترجيح

стр. 107

الراجح جواز المساقاة. أسباب الترجيح: ١. ما ذكر من الأدلة ومن مناقشة أدلة الطرف الآخر. ٢. أنه متأيد بقول جمهور العلماء وبموافقة الأصل في باب المعاملات. ٣. ما سبق في ترجيح جواز المزارعة. المطلب الثاني: حكم مزارعة المزارع ومساقاة المساقي ، وفيه فرعان: الفرع الأول: مزارعة المزارع ومساقاة المساقي بدفع الأرض أو الزرع لآخر ليقوم بذلك . صورة المسألة: أن يدفع رجلٌ لعاملٍ أرضه ليزرعها أو ليسقيها، فيقوم العامل بدفعها بعقدٍ جديدٍ لثالث. الحكم: اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: جواز ذلك إذا كان العامل الآخر أمينًا، وهو قول مالك وأصحابه (١). القول الثاني: عدم جواز ذلك، وهو مذهب الحنابلة (٢). القول الثالث: عدم جواز ذلك إلا إذا قال للعامل: اعمل فيه برأيك أو أذن له، وهو مذهب الحنفية (٣)، وقول أبي يوسف ومحمد بن الحسن وأبي ثور (٤). الأدلة: أدلة القول الأول: يمكن أن يُستدل له بأن الأصل الجواز، والمساقاة الأصلية جائزة -وكذا المزارعة- فكذلك الثانية، وأدلة الجواز تشمل الثاني بعمومها، ولا يوجد دليل على المنع. المناقشة: أن المنع عليه أدلة ولو لم تكن من نص الكتاب والسنة، لكنها لا تنافيهما وترجع

стр. 108

إلى عموم أدلة الشرع وقواعده، وهي الأدلة الآتية. أدلة القول الثاني (١): الدليل الأول: أن رب المال دفع الأرض للمساقي أو المزارع ليعمل بنفسه، ودفعه لغيره بلا إذن يخرجه عن كونه مساقيًا ومزارعًا وعاملًا. الدليل الثاني: أنه بذلك يوجب في الأرض حقًا لغير مالكها، ولا يجوز إيجاب حق في مال إنسان بغير إذنه، وفيه ضرر على رب الأرض. المناقشة: أن المساقي سيعطي الطرف الجديد من حقه في العقد الأول وليس من نصيب رب الأرض. الدليل الثالث: أنه عاملٌ في المال بجزءٍ من نمائه فلم يجز أن يعامل غيره فيه، قياسًا على المضارب. المناقشة: أن المضاربة تخالف المساقاة والمزارعة بأن العامل فيها مقصودٌ؛ لتفاوت العاملين في التجارة وما إليها، أما فيهما فالمقصود هو العمل أيًا كان العامل. الجواب: عدم التسليم فالتفاوت فيهما بالنظر للعامل موجودٌ تمامًا كوجوده في المضاربة. أدلة القول الثالث: يستدل لهم على المنع بما استدل به أصحاب القول الثاني، وعلى الجواز إذا قال له: اعمل برأيك، ومن باب أولى إذا أذن له أن يساقي غيره أو يزارعه بأن ذلك تفويض له أن يعمل برأيه، ومساقاته لغيره أو مزارعته لغيره يدخل في العمل برأيه. الترجيح الراجح عدم جواز مساقاة المساقي ولا مزارعة المزارع بدفع الأرض لآخر إلا بإذن المالك صريحًا أو حكميًا. أسباب الترجيح: ١. الأدلة آنفة الذكر. ٢. أنه موافق لمقاصد الشريعة من حيث قطع النزاع وحفظ المال وعدم التصرف في مال الآخرين بغير إذنهم. ٣. أن مزارعة المزارع ومساقاة المساقي دائرة بين مؤاجرة الأجير أجيرًا -وسبق ترجيح جوازه- وبين مضاربة العامل -وسبق ترجيح منعه-، وهو بالثاني أشبه؛ لأن المزارعة والمساقاة من المشاركات وليستا من المؤاجرات، كما تقرر؛ ولأن سلطة الشريك العامل في عقد المضاربة

стр. 109

على المال والعمل وطول زمن التعامل معه مما يؤثر في اختيار رب المال له وقصده إياه دون غيره من العمال، وهذا المعنى موجود في المزارعة والمساقاة. الفرع الثاني: مزارعة المزارع ومساقاة المساقي بتقبل أرض أو زرعٍ من أجنبي . لم أجد في هذه المسألة نصًا، ويمكن تخريجها على مضاربة المضارب بتقبل رأس المال من أجنبي، فيكون حكمها الجواز إذا أذن رب المال أو إذا لم يأذن ولم ينه ولم يلحق ضرر بذلك، فإلم يكن كذلك ففيه احتمالان: الاحتمال الأول: الجواز، وهو قول أكثر الفقهاء تخريجًا. الاحتمال الثاني: عدم الجواز، وهو مذهب المالكية والحنابلة تخريجًا. وأدلة هذه المسألة والترجيح فيها كمسألة مضاربة المضارب (١).

стр. 110

المبحث السادس: استصناع الصانع (الاستصناع الموازي) ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الاستصناع وحكمه . تعريف الاستصناع الاستصناع لغةً استفعال من الصنع، جاء في "مقاييس اللغة": (الصاد والنون والعين أصلٌ صحيحٌ واحدٌ، وهو عمل الشيء صنعًا) (١) وصَنَع عَمِل، ويقال: اصطنع فلانٌ خاتمًا إذا سأل رجلًا أن يصنع له خاتمًا (٢). والاستصناع في الاصطلاح مختلف فيه؛ للخلاف في حقيقته على أقوال: القول الأول: أن الاستصناع وعدٌ وليس بعقد، وهو قول بعض الحنفية (٣)، منهم الحاكم الشهيد (٤) والصفار ومحمد بن سلمة (٥)، ومن المعاصرين د. علي بن أحمد السالوس (٦). القول الثاني: أن الاستصناع نوع من السلم، وهو مذهب المالكية (٧) والشافعية (٨) والحنابلة (٩). القول الثالث: أن الاستصناع بيع، وهو مذهب الحنفية (١٠) واختاره من المعاصرين د. يوسف بن عبد الله الشبيلي (١١)، إلا أنه بيع خاص له تعريفه وأحكامه؛ لذا جعله بعضهم عقدًا مستقلًا. القول الرابع: أن الاستصناع إجارة (١٢). القول الخامس: أن الاستصناع إجارة ابتداءً بيع انتهاءً (١٣). فعلى القول الأول ليس الاستصناع بعقد، وعلى سائر الأقوال يكون عقدًا، ثم على القول

стр. 111

بأنه نوعٌ من البيع أو عقدٌ مستقلٌّ فاختلف في تعريفه: ١ - عقدٌ على مبيع في الذمة، وهو تعريف بعض الحنفية (١). ٢ - عقدٌ على مبيع في الذمة شرط فيه العمل، وهو تعريف العلاء السمرقندي (٢)، وصححه الكاساني (٣). ٣ - طلب العمل من الصانع في شيء خاص على وجه مخصوص، وهو تعريف ابن عابدين (٤)، وبنحوه تعريف العيني وزاد (بثمن معلوم) (٥). ٤ - عقد مقاولة مع أهل الصنعة على أن يعملوا شيئًا، وهو تعريف مجلة الأحكام العدلية (٦)، وقيل: إن تعريف الاستصناع بالمقاولة خطأ من مترجم المجلة من اللغة العثمانية إلى العربية. وبينهما تقارب ولكن غلب استعمال المقاولة في العقار والاستصناع في المنقول. ٥ - عقدٌ يشترى به في الحال شيءٌ مما يصنع صنعًا يلتزم به البائع بتقديمه مصنوعًا بمواد من عنده، بأوصاف معينة، وبثمن محدد، وهو تعريف د. مصطفى الزرقا (٧). ٦ - عقد على عين موصوفة في الذمة مما تدخله الصنعة بثمن معلوم، وهو تعريف د. سامي ابن عبد العزيز الماجد (٨). والراجح هو التعريف الأخير؛ لسلامته من القصور والغموض ولشموله لأفراد المعرّف. ومحل الاستصناع العين التي في الذمة والعمل تابعٌ لها، فيمتاز بذلك عن البيع الذي محله العين، وعن الإجارة التي محلها العمل، وعن السلم الذي لا يشترط فيه العمل ومحله الذمة أو العين الموصوفة في الذمة، وعن الجعالة التي قد يكون العمل والعامل فيها مبهمًا (٩). حكم الاستصناع تحرير محل النزاع:

стр. 112

اتفق أهل المذاهب الأربعة على جواز الاستصناع إذا توفرت فيه شروط السلم (١)، واختلفوا فيما عدا ذلك على قولين: القول الأول: جواز وصحة عقد الاستصناع، وهو مذهب الحنفية عدا زفر (٢) وبعض الحنابلة (٣)، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدَّولي (٤). القول الثاني: عدم جواز عقد الاستصناع وعدم صحته إذا لم تكتمل فيه شروط السلم، وهو مذهب المالكية (٥) والشافعية (٦) والحنابلة (٧) وزفر من الحنفية (٨). الأدلة: أدلة القول الأول: الدليل الأول: قول الله : ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ الكهف: (٩٤). وجه الدلالة: أن أولئك القوم أرادوا أن يجمعوا لذي القرنين مالًا على أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدًا، وهذه حقيقة الاستصناع، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يَرِد شرعنا بنسخه (٩)، ولم يرد شرعنا بذلك، ولو كان غررًا لما أجابهم ذو القرنين لذلك (١٠). المناقشة: أن الاستصناع يشترط فيه أن تكون العين -محل الصنع- والعمل من الصانع، ومتى كانت العين من المستصنع فهي إجارة، وفي بناء ذي القرنين للسد كانت المواد وبعض

стр. 113

العمل من القوم، وليس منه؛ لقوله مخبرًا عن ذي القرنين أنه قال: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ الكهف: (٩٦) (١)، ويحتمل أن تكون جعالةً على إقامة السد، ثم إن ذا القرنين كان ملكًا عظيمًا (٢) وفي القصة ما يدل على أنه لم يأخذ أجرًا على ذلك ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ الكهف: (٩٥). الدليل الثاني: الإجماع العملي على جوازه، كما نقله غير واحد (٣). المناقشة: عدم تسليم الإجماع، بدليل مخالفة الجمهور (٤). الجواب: أن الإجماع المقصود هنا هو الإجماع العملي، كما نص عليه من نقله، ولا يكاد يخلو أحد من أهل العلم في هذا العصر من أن يكون تعاقد بطريق الاستصناع (٥). الدليل الثالث: عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﵌ اصطنع خاتمًا من ذهب وجعل فصه في بطن كفه إذا لبسه، فاصطنع الناس خواتيم من ذهب، فرقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال: (إني كنت اصطنعته وإني لا ألبسه) فنبذه فنبذ الناس (٦). وجه الدلالة: قال في "النهاية": ((اصطنع رسول الله ﷺ خاتمًا من ذهب) أي: أمر أن يصنع له، كما تقول اكتتب أي أمر أن يكتب له، والطاء بدل من تاء الافتعال لأجل الصاد) (٧)، وهذا نص في جواز الاستصناع؛ لأن الافتعال والاستفعال جنسٌ واحدٌ في الأفعال. المناقشة: ١. لا يلزم أن يكون النبي ﵌ اصطنع الخاتم بطريقة الاستصناع التي قال بها الحنفية؛ لاحتمال أن يكون أعطاه الثمن في مجلس العقد، وأخذ منه الخاتم في المجلس أيضًا، واحتمال أن يكون النبي ﵌ أعطاه مادة الخاتم فيكون العقد إجارة لا استصناعًا، وهو عقد جائز عند الجميع، ومع ورود الاحتمال يبطل الاستدلال.

стр. 114

الجواب: أنه ليس كل احتمال يُبطل الاستدلال، إنما يبطله الاحتمال المتأيد بدليل، ولو كان شيء من هذه الاحتمالات واردًا لنُقل. ٢. أن الاستصناع لا يصح في الذهب إلا يدًا بيدٍ؛ لاشتراط القبض في المصارفة، والأصل أن يكون ثمن الخاتم من أحد النقدين، ولا بد من التقابض في مبادلة الذهب بأحد النقدين (١). الدليل الرابع: عن سهل بن سعد ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ إلى امرأة: «مري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أجلس عليهن» (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ استصنع منبرًا من المرأة فدل على جواز الاستصناع. المناقشة: أن صنع المرأة للمنبر كان تبرعًا، كما في رواية جابر ﵁ أن امرأة قالت: يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه فإن لي غلامًا نجارًا. قال: «إن شئتِ» فعملت المنبر (٣). فيحتمل الجمع بينهما بأن تكون المرأة ابتدأت السؤال متبرعة فلما فوض إليها الأمر بقوله لها: «إن شئت» كان ذلك سبب البطء فأرسل إليها يستنجزها إتمامه (٤). الدليل الخامس: أن الأصل في العقود الإباحة والصحة، ولا يوجد دليل صريح مسلّمٌ يقتضي المنع والبطلان. الدليل السادس: أن الاستصناع له أصولٌ صحيحةٌ في الشرع يُحمل عليها، فالمعقود عليه في السلم معدومٌ حال العقد والمنافع المعقود عليها في الإجارة معدومة حال العقد، وفي العقود الثلاثة يؤول المعقود عليه إلى الوجود ومن ثَم إلى العلم؛ لذا قال في "البدائع": (ولأن فيه معنى عقدين جائزين، وهو السلم والإجارة؛ لأن السلم عقد على مبيع في الذمة، واستئجار الصانع يشترط فيه العمل، وما اشتمل على معنى عقدين جائزين كان جائزًا) (٥) وقال في "العناية": (المعدوم قد يعتبر موجودًا حكمًا كالناسي للتسمية عند الذبح، فإن التسمية جعلت موجودة لعذر النسيان، والطهارة للمستحاضة جعلت موجودة لعذر جواز الصلوات؛ لئلا

стр. 115

تتضاعف الواجبات، فكذلك المستصنَع المعدوم جعل موجودًا حكمًا للتعامل) (١) وزاد في "فتح القدير" مما اعتبر فيه المعدوم موجودًا: (والرهن بالدين الموعد وقراءة المأموم) (٢). إذا تقرر هذا فلا داعي للاستدلال على جواز الاستصناع بالاستحسان (٣)؛ لأن القياس لا يأباه، فمخالفته لبعض الأصول ليس أولى من موافقته لأصول أخرى، شأنه في ذلك شأن سائر المسائل الموسومة بمخالفة القياس وليست كذلك، وسبقت الإشارة إليها (٤). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أن الصانع باع ما ليس عنده على غير وجه السلم (٥)، وقد نهى ﷺ عن بيع ما ليس عندك (٦)، وقد استثني منه السلم لثبوته نصًا، فلا يصح الاستصناع إلا على وجه السلم. المناقشة: ١. أن الحديث محمول على معنيين: بيع العين المعيّنة غير المملوكة للبائع، وبيع ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذمة، أما بيع موصوفٍ في الذمة مضمونٍ مقدورٍ على تسليمه عند حلول الأجل فلا محظور ولا غرر فيه (٧). ٢. أن عدم جواز بيع ما ليس عند البائع خاص في ما كان فيه المبيع حالًّا، أما إذا تم البيع على تأجيل التسليم فهو جائز جمعًا بين هذا الحديث وأدلة جواز السلم (٨). الدليل الثاني: أنه بيع معدوم، وبيع المعدوم منهي عنه. المناقشة: أن حديث (نهى عن بيع المعدوم) قال عنه في "زاد المعاد": (لا يعرف في شيء من كتب الحديث، ولا له أصل) (٩)، وقال في "إعلام الموقعين": (ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ولا في كلام أحد من أصحابه أن بيع المعدوم لا يجوز، لا بلفظ عام ولا بمعنى عام، وإنما في السنة النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي معدومة، كما فيها النهي عن بيع

стр. 116

بعض الأشياء الموجودة، فليست العلة في المنع لا العدم ولا الوجود، بل الذي وردت به السنة النهي عن الغرر، وهو ما لا يقدر على تسليمه) (١). الدليل الثالث: أنه من بيع الكالاء بالكالاء (الدين بالدين)؛ لأن المجيزين له لا يشترطون كون الثمن معجلًا ولا كون المعقود عليه غير مؤجل، فصح تعجيل العوضين وتأجيلهما (٢)، وبيع الكالاء بالكالاء مجمع على تحريمه (٣)، والكالئ: المؤجَّل المؤخَّر، وهو أخص من بيع الدين بالدين المطلق، وهو محل الإجماع على قول. المناقشة: ١. أن هذا الإجماع معارض بالإجماع العملي على جواز الاستصناع (٤)، فيخصِّصه. ٢. أنه لا دين في الاستصناع؛ لأن المعقود عليه متعين، وليس مضمونًا في الذمة. الترجيح الراجح جواز الاستصناع إذا كان الثمن معجلًا، وإذا أريد تأجيل الثمن يُجعل عقد إجارة، ويكون الصانع فيها أجيرًا مشتركًا مع توكيله في شراء المواد (٥)، وهذا أولى من جعله عقد استصناع من جهتين: الأولى أن الاستصناع عقد جائز عند الحنفية خلافًا لأبي يوسف والمتأخرين، أما الإجارة فلا خلاف في لزومها، والثانية أنه لا يوجد دليل على إجازة تأخير البدلين إذا كان المعقود عليه من صنعة الصانع أو العامل البائع، فيدخل في عموم المنع. سبب الترجيح: ما تقدم من الأدلة ومناقشة أدلة القول الآخر، ومن تعليل في الترجيح. المطلب الثاني: حكم استصناع الصانع (٦). صورة المسألة: أن يعقد الطرف الأول مع المصرف -مثلًا- عقد استصناع طائرة، فيعقد المصرف مع جهة أخرى عقد استصناع بمواصفات الطائرة المطلوبة في العقد الأول، فالمصرف صانعٌ في العقد الأول مستصنِعٌ في العقد الثاني، فإذا تسلم المصرفُ الطائرةَ من الجهة الأخرى بمقتضى العقد الثاني قام بتسليمه للطرف الأول بمقتضى العقد الأول.

стр. 117

الحكم: ينبني الحكم في هذه المسألة على محل عقد الاستصناع، هل هو العين أو العمل، وللحنفية في ذلك قولان: القول الأول: أن محل العقد العين المستصنَعة والعمل تابعٌ له، وهو مذهب الحنفية عدا البردعي (١)، وعلى هذا القول للصانع أن يستصنع بشروط يأتي ذكرها. القول الثاني: أن محل العقد العمل، وهو قول أبي سعيد البردعي من الحنفية (٢)، وعلى هذا القول ليس للصانع أن يستصنع؛ لأن العقد وقع على عمله لا على مجرد توفير العين المستصنعة. وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي: (أن عقد الاستصناع واردٌ على العمل والعين في الذمة). وهذا يحتمل أن يكون قولًا جامعًا بين القولين، ويحتمل أن يكون على العين والعملُ تابعٌ كما في القول الأول، وهذا أقرب. الأدلة: أدلة القول الأول: الدليل الأول: أن الاستصناع فيه شبهٌ بالإجارة من حيث طلب الصنع، وهو العمل، وفيه شبه بالبيع من حيث إن المقصود منه العين المستصنعة، والأصل قصد العين المستصنعة المملوكة للصانع قبل التسليم وبعد الصُّنْع فيكون بيعًا، لكن لما لم يكن له وجود من حيث وصفه إلا بالعمل أشبه الإجارة في حكم واحد لا غير، وهو أنه يبطل بموت أحدهما، كما هو مذهب الحنفية (٣) والشعبي (٤) والثوري (٥) والليث (٦)، وذهب مالك (٧) والشافعي (٨) وأحمد (٩)

стр. 118

وإسحاق والبتي وأبو ثور وابن المنذر (١) إلى أن الإجارة لا تنفسخ بموت أحد المتعاقدين، وعليه فليس للاستصناع امتياز عن البيع من هذه الجهة، وليس العمل مقصودًا بدلالة العرف في عقد الاستصناع. الدليل الثاني: أن الأصل الجواز، وليس في عمل الصانع هذا حيلةٌ ولا ضررٌ ولا معنى يقتضي التحريم، ومباشرته للصنعة ليست مقصودة في كل الحالات، فمتى كانت مقصودة فإنه لا بد من إذن المستصنع، ويُعرف ذلك بالشرط أو القرينة، ويبقى حكم الأصل الجواز. الدليل الثالث: أن الاستصناع ثبت له أحكام بيع العين، كثبوت خيار الرؤية، وأنه متى جاء الصانع بالعين على الصفة المشروطة صح العقد، وأنه إذا جاءه بالعين من صنعته قبل العقد جاز، وهذه الفروع تدل على أن محل العقد العين لا العمل (٢). الدليل الرابع: أن العقد وقع على ضمان تسليم العمل وتحصيله لا على المباشرة (٣). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أن الاستصناع مشتق من الصنع، وهو العمل، فاسم العقد دليل على محله وأن المعقود عليه هو العمل (٤). المناقشة: أن العمل تابعٌ للعين في هذا العقد، وكون الصنع هو العمل لا يدل على أن العمل مقصودٌ في العقد، فالبيع أيضًا عملُ البائع والمقصود بالاتفاق المبيع، وهو المعقود عليه، وليس لمد البائع باعه أثرٌ في محل العقد، مع أن اسم العقد مشتق من ذلك، وقال في "مجمع الأنهر": (وذكر الصنعة لبيان الوصف والجنس) (٥) بدليل الفروع السابقة. الدليل الثاني: أن في الاستصناع شبهًا بالإجارة من حيث طلب الصنع؛ لذا قيل ببطلانه بموت أحد المتعاقدين. المناقشة: عدم التسليم بحكم الأصل فالجمهور على أن الإجارة لا تبطل بموت أحد المتعاقدين إلا إن تعذّر الاستيفاء، ومن جهة أخرى فشبهه بالبيع أكثر، وما تردد بين أصلين ألحق بالأغلب شبهًا.

стр. 119

الترجيح الراجح جواز استصناع الصانع بالشروط الآتية: ١. توفر شروط البيع. ٢. توفر شروط عقد الاستصناع في العقدين، وهي: أـ أن يكون المستصنَع معلومًا، وذلك ببيان الجنس والنوع والقدر. ب ـ أن يكون مما يجري تعامل الناس فيه عرفًا، مع مراعاة تبدل الأعراف زمانًا ومكانًا. ج ـ اشترط أبو حنيفة عدم ذكر الأجل وإلا صار سلمًا، وذهب الصاحبان إلى عدم اشتراطه، وفي قرار مجمع الفقه الإسلامي اشتراط أن يحدد فيه الأجل (١). ٣. ألا يشترط المستصنع عمل الصانع بنفسه، وألا يشترط كون التصنيع بعد العقد. ٤. ألا تكون هناك قرينة عرفية على قصد عمل الصانع أو كون التصنيع بعد العقد، كأن يقصده لما امتاز به عن غيره، كما أنه قد تقوم القرينة على الإذن في استصناع الصانع بأن تكون الصنعة أو السلعة ليست من شأنه، كمن يتقدم للمصرف بطلب إنشاء مبنى سكني أو تجاري. ٥. أن يكون المستصنع الصانع مستقلًا عن المستصنع الأصلي صاحب المشروع، وكذلك عن الصانع الثاني، سواء كان شخصية حكمية أو حقيقية، حتى لا يكون مجرد وسيط صوري بين المستصنع الأصلي والصانع الثاني (٢). ووجود قسم مختص بدراسة العقود التي من هذا النوع وتقدير أرباحها وخاطرها لدى المصارف ونحوها: من وسائل تلافي الصورية. ٦. الانفصال التام بين العقدين: عقد الاستصناع بين المستصنع الأصلي والمستصنع الصانع، وعقد الاستصناع بين المستصنع الصانع والصانع الثاني. ٧. أن يتملك المستصنع الصانع السلعة تملكًا حقيقيًا لا صوريًا ويقبضها قبل أن يدفعها للمستصنع الأصلي بالقبض المعتبر، وقبض كل شيء بحسبه؛ لتلافي التمويل المحرم. ٨. أن يكون ضمان السلعة على المستصنع الصانع في العقد الأول فيتحمل تبعات تملك العين المستصنعة وقبضها ونفقات صيانتها قبل تسليمها للمستصنع الأصلي (٣).

стр. 120

أسباب الترجيح: ١. ما ترجح من أن محل عقد الاستصناع العين، والعمل تابعٌ له بناء على الأدلة السابقة ومناقشة أدلة الطرف الآخر. ٢. موافقة هذا القول للأصل في العقود، وهو الجواز والصحة، وعدم قيام حجج صريحة تنقل الحكم عن هذا الأصل. ٣. موافقة هذا القول لمقصد الشارع في رفع العسر والحرج، وفي دفع الحاجة التي أبيح الاستصناع من أجلها.

стр. 121

المبحث السابع: مقاولة المقاول (المقاولة من الباطن) ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف المقاولة وحكمها . تعريف المقاولة المقاولة في اللغة مفاعلة من القول، وتقاولا أي تفاوضا (١)، والمعنى الثاني للمقاولة المجادلة (٢). والمقاولة في الاصطلاح لها تعاريف، منها: ١ - عقد يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين أن يصنع شيئًا أو يؤدي عملًا مقابل بدل يتعهد به المتعاقد الآخر (٣). ٢ - عقد بين طرفين يصنع فيه أحدهما -وهو المقاول- شيئًا لآخر أو يقدم له عملًا في مقابل مبلغ معلوم (٤). ٣ - عقد يلتزم المرء بمقتضاه إتمام عمل معين لشخص آخر مقابل بدل مناسب لأهمية العمل (٥). ٤ - عقد على اصطناع شيء معين بالوصف المنضبط في مقابلة أجر معين أيضًا (٦). ٥ - عقد يقصد به أن يقوم شخص بعمل معين لحساب شخص آخر في مقابل أجر دون أن يخضع لإشرافه أو إدارته (٧). ٦ - عقد يلتزم بمقتضاه أحد الطرفين أن يؤدي عملًا للطرف الآخر مقابل عوض دون أن يكون تابعًا له أو نائبًا عنه (٨). وهذه التعاريف متقاربة. حكم المقاولة عقد المقاولة من العقود الحادثة من حيث الاصطلاح؛ لذا لم ينص عليه الأئمة المتقدمون،

стр. 122

ولكنه من حيث التكييف الفقهي دائرٌ بين أن يقدم المقاول العمل فقط ويقدم رب العمل الأدوات، فتكون المقاولة في هذه الحالة عقد إجارةِ الأجير المشترك، وبين أن يقدم المقاول العمل والأدوات، فتكون المقاولة في هذه الحالة عقد استصناع (١)، فعقد المقاولة دائر بين عقدين جائزين، وليس مشتملًا عليهما في آنٍ واحدٍ معًا، وقد قال الكاساني: (وما اشتمل على معنى عقدين جائزين كان جائزًا) (٢)، وهذا الاشتمال إذا كان على سبيل البدلية -كما هنا- كان بالجواز أولى، وقد نص قرار مجمع الفقه الإسلامي على جوازه (٣)، ولم أر مخالفًا من العلماء والباحثين المعاصرين (٤)، وأدلة جواز عقد المقاولة هي قاعدة الأصل في العقود وأدلة جواز الإجارة وجواز الاستصناع باعتباره عقدًا مستقلًا عن السلم. المطلب الثاني: حكم المقاولة من الباطن . صورة المسألة: أن يتعاقد الطرف الأول مع مقاولٍ أصلي على عملٍ كإنشاء مبنى، فيتعاقد المقاول الأصلي مع مقاولٍ ثانٍ أو مقاولين على إنشاء المبنى كاملًا دون أن يقوم المقاول الأصلي بجزءٍ من العمل، أو يتعاقد المقاول الأصلي مع غيره على إنجاز جزء من العمل كأن يتعاقد مع مقاول للقيام بأعمال الكهرباء أو السباكة، ومع آخر للقيام بأعمال التجصيص والتلييص، وهكذا، فهذا العقد الثاني بين المقاول الأصلي والمقاول الثاني هو عقد المقاولة من الباطن سواءً كان كليًا أو جزئيًا. الحكم: المقاولة من الباطن جائزة بشروط، وأصدر مجمع الفقه الإسلامي قرارًا فيه جواز ذلك (٥)، وقال في "عقد المقاولة": (والمقاولة من الباطن جائزة باتفاق الفقهاء) (٦). شروط جواز المقاولة من الباطن: ١. توفر شروط الإجارة إذا قدم المقاول العمل فقط، وشروط الاستصناع إذا قدم العمل والمواد.

стр. 123

٢. ألا يشترط رب العمل على المقاول أن يقوم بالعمل بنفسه (١). ٣. ألا تقوم قرينة عرفية على قيام المقاول بالعمل نفسه، كأن يكون العمل مما يختلف باختلاف الأجراء (٢)، أو أن تكون شخصية المقاول الأصلي محل اعتبار لدى رب العمل لما يأنسه فيه من تميز، كما أنه قد يحصل العكس -وهو الأصل-، فقد جرى عرف المقاولين على الالتزام بتسليم العمل حسب المواصفات المطلوبة سواء قام بالعمل بنفسه أو بغيره، فالأصل بقاء هذا العرف إلا إذا قامت قرينة أخرى بخلافه. ٤. ألا يكون العقد الثاني حيلةً على الربا (٣)، وذلك بتحقيق الشروط الآتية: أ- أن يكون المقاول الثاني مستقلًا عن رب العمل؛ لئلا يكون المقاول الأصلي وسيطًا صوريًا في القرض الربوي، كما لو تقدم صاحب أرض طالبًا من المصرف بناءها سكنًا بشرط أن يكون هو المقاول من الباطن، فيبنيها للمصرف بثمنٍ حالٍّ يأخذه من المصرف بصفته مقاولًا ثانٍ -من الباطن-، ويتسلمها -بموجب العقد الأول- من المصرف مَبنيةً بثمن مقسط بصفته رب العمل وطالب الاستصناع، وهذا من بيع العينة. ب- الانفصال التام بين العقد الأصلي والعقد الثاني، فلا يحق للمقاول الأصلي التحلل من تسليم الثمن للمقاول الثاني إلا بشرط تسلمه من رب العمل. ج- أن يكون الضمان في العقد الأول على المقاول الأصلي، فيتحمّل تبعات تملُّك العين وقبضها ونفقات صيانتها قبل تسليمها لرب العمل، ويضمن المقاول الثاني أمام المقاول الأصلي -لا أمام رب العمل- في مثل الحالات التي يضمن فيها المقاول الأصلي (٤). أدلة جواز المقاولة من الباطن: ١ - أن عقد المقاولة الثاني عقد توفرت فيه شروط الجواز فيكون جائزًا كالعقد الأول مع المقاول الأصلي، ولم يترتب عليه ضرر بالمتعاقد الأول ولا فيه معنى يقتضي المنع. ٢ - أن استصناع الصانع، جائز وكذلك إجارة الأجير المشترك، إلا عند وجود شرط أو قرينة تخالف ذلك، كما سبق في مبحث الإجارة ومبحث الاستصناع، والمقاولة من الباطن دائرة بين هذين العقدين فيأخذ حكمهما، وهو الجواز. إيراد:

стр. 124

إن مما عمّت به البلوى بين المقاولين في هذا العصر أن يتقبّل بعضهم مشروعات، ثم يقبِّلها برمتها لمقاولين من الباطن، وذلك يستوجب إعادة النظر في حكمه، وإعادةَ النظر -كذلك- في حكم أرباح الشركات التي تمارس هذا العمل، حتى أصبحت مجرد وسيط بين رب العمل -وغالبًا ما يكون مؤسسةً من المؤسسات الحكومية- وبين المقاولين من الباطن، الذين يباشرون -في الحقيقة- تنفيذ أعمال المقاولات، وكان من مفسدة هذا أن صار كثير من المشروعات الحكومية التي يُعهد تنفيذُها برمتها إلى مقاولين من الباطن يُلحظ عليها خللٌ في التنفيذ، وقصورٌ في العمل، وافتقاد تلك المشروعات لمعايير الجودة والإتقان حتى مع وجود الإذن الرسمي الصريح. الجواب: أنه مهما قيل عن قصور أداء المقاولين من الباطن، وتواطؤ المقاولين الأصليين معهم فإن مردّ الخلل لا يمكن قصره على توسع المقاولين في المقاولة من الباطن، من حيث كونهم يقبِّلون أعمال المقاولة كلها، دون أن يكون لهم مباشرة لبعض العمل، حتى نحصر الحل في إعادة النظر في حكم المقاولة من الباطن لجميع أعمال المقاولة. وإنما السبب الأصلي لهذا القصور والخلل هو ضعف الإدارات الرقابية في المؤسسات الحكومية وتساهلُها في معايير الجودة وقبولها لأعمال تلك الشركات على علاتها ورداءتها، وقد يكون سبب ذلك التساهل قلة المراقبين، أو إغراءات الرشوة التي لا تكاد تصمد لها أمانة بعض المراقبين ووطنيتهم، كما أن ضعف التنفيذ والإخلالَ بالمواصفات ومعايير الجودة المشروطة ملحوظٌ -كذلك- في الأعمال التي يباشرها المقاول الأصلي، فليس الخلل محصورًا في أعمال المقاول من الباطن، حتى نَقْصُر الحل على منع عقود المقاولة من الباطن التي تتقبّل أعمال المشروع كلها، وسيظل الخلل موجودًا ما لم تكن الإدارة الرقابية على المشروعات الحكومية صارمة في رقابتها ومعاييرها، وفي إلزامِها المقاولين بشروط العقود، فما أُبرمت عقود المقاولات من الباطن في مشروعاتها الحكومية إلا بإذن تلك الجهات المسؤولة (١). ومتى خشيت هذه الجهات من ضعف المشروع أو تأخر إنجازه بسبب العقد من الباطن فلها أن تشترط على المعقود معه مباشرته للعمل، والواقع أن عقود المشاريع الكبيرة تتضمن بنودًا للمقاولة من الباطن. ولا يختلف الحكم فيما لو تكررت المقاولة من الباطن، بأن يقوم المقاول من الباطن بالتعاقد مع طرف ثالث، والثالث مع رابع، وهلمّ جرّا.

стр. 125

المبحث الثامن: الجعالة على الجعالة ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الجعالة وحكمها . تعريف الجعالة الجعالة مثلثة الجيم (١)، وهي في اللغة: ما جعل للإنسان على فعل شيءٍ (٢). والجعالة اصطلاحًا: ١ ـ عند الحنفية: التزام التصرف المطلق في عمل معلومًا كان أو مجهولًا لشخص معينًا كان أو غير معينٍ (٣). ٢ ـ عند المالكية: عقد معاوضة على عمل آدمي بعوضٍ غير ناشاءٍ عن محله به، لا يجب إلا بتمامه لا بعضه ببعض (٤). ٣ ـ عند الشافعية: التزام عوض معلوم على عمل معين أو مجهول عسر علمه (٥). ٤ ـ عند الحنابلة: جَعْلُ شيءٍ معلومٍ لمن يعمل له عملًا معلومًا أو مجهولًا، مدة معلومة أو مجهولةً (٦). وهذه التعاريف متقاربة، والجعل بمعنى الجائزة. حكم الجعالة تحرير محل النزاع: اتفقوا -في الجملة- على جواز وصحة الجعالة في رد العبد أو الأمة إذا أبقا -أي هربا- (٧)، واختلفوا في حكم الجعالة فيما عدا ذلك على قولين:

стр. 126

القول الأول: جواز الجعالة وصحتها، وهو مذهب المالكية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣) وابن حزم (٤). القول الثاني: عدم جواز الجعالة وعدم صحتها، وهو مذهب الحنفية (٥). الأدلة ورد في محل الوفاق أدلة خاصة؛ لكنها لا تخلو من مقال، ويدل له أدلة القول الأول الآتية، أما أدلة محل الخلاف فهي: أدلة القول الأول: الدليل الأول: قول الله : ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ يوسف: (٧٢). وجه الدلالة: أنه التزم بجعلٍ لمن يقوم بهذا العمل ولم يذكر المدة ولا صفة العمل، قال ابن كثير: (﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ وهذا من باب الجعالة ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ وهذا من باب الضمان والكفالة) (٦). المناقشة: ١. أن هذا من شرع مَن قبلنا، وقد قال- : ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ المائدة:٤٨ (٧). الجواب: أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، كما هو مقرر في علم الأصول (٨). ٢. أن حمل البعير مجهول ونوع البعير أيضًا مجهول، فمن الإبل ما يحمل الحمل العظيم ومنها

стр. 127

الهزيل الذي يعجز عن أقل من ذلك، ولا بد في الجعالة من العلم (١). الجواب: أن حمل البعير كان معلومًا عندهم، وهو الوسق، وهو ستون صاعًا (٢)، وعلى فرض عدم ثبوت التحديد فإن حمل البعير محمول على عرفهم مما يدل على العلم بقدره وإلا لما جعله جعلًا إن كان يحتمل كونه شيئًا يسيرًا. الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلُدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء. فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم، والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جعلًا. فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق يتفل عليه ويقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الفاتحة: (٢). فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي وما به قَلَبَة. قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه فقال بعضهم: اقسموا. فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا فقدموا على رسول الله فذكروا له فقال: «وما يدريك أنها رقية») (٣)، فهذا جعل مقابل الرقية فيجوز مقابل عمل آخر كذلك. المناقشة: يجوز أن يكون النبي ﷺ أقرهم على ذلك؛ لاستحقاقهم إياه بالضيافة فأجاز لهم استخلاص ذلك بالرقية (٤). الجواب: في قوله: (حتى تجعل لي جعلًا) رد على هذا الإيراد، كما يردُّه قوله ﷺ : «وما يدريك أنها رقية» مع قوله: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله» فإن هذا يقتضي أن ما أخذوه في مقابل الرقية لا الضيافة (٥). الدليل الثالث: عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قتل قتيلًا له عليه بينة فله

стр. 128

سلبه» (١). وجه الدلالة: أن رسول الله ﷺ جعل جعلًا لمن قتل قتيلًا يوم حنين، فدل على الجواز بمنطوق الحديث. الدليل الرابع: الإجماع العملي، قال في "الفواكه الدواني": (وقد مضى عمل المسلمين على ذلك في سائر الأقطار على توالي الأمصار) (٢). الدليل الخامس: أن الحاجة تدعو إلى الجعالة، فإن العمل قد يكون مجهولًا، ولا تنعقد الإجارة فيه، وقد لا يجد متبرعًا بالعمل (٣). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أن في الجعالة تعليق التملك على الخطر، وهو التردد بين الوجود والعدم (٤). المناقشة: الجعالة عقدٌ جائزٌ، ولا خطر مع الجواز، ثم إن الجعالة تباح لمسيس الحاجة لها، وللأدلة السابقة (٥). الدليل الثاني: أن الجعالة لم توجه إلى معين، والعقد مع مجهول لا ينعقد فانتفى العقد. المناقشة: الجعالة على قسمين: جعالة معلقة بمخاطب معين أو مخاطبين، وجعالة مبهمة، وهذا الإيراد على أحد القسمين، ثم هو غير مسلم ففي الآية ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ يوسف: (٧٢) وفي الحديث: «من قتل قتيلًا فله سلبه» والمخاطب به غير معين، ثم كون الجعالة من العقود الجائزة يُسوغ مثل هذا، ولا دليل على المنع حينئذٍ. الترجيح الراجح جواز وصحة الجعالة. أسباب الترجيح: ١. ما سبق من الأدلة مع مناقشة أدلة الطرف الآخر. ٢. أن هذا القول متأيد بالأصل، وهو الجواز والصحة.

стр. 129

المطلب الثاني: حكم الجعالة على الجعالة . صورة المسألة: أن يقول: من وجد ضالتي أو حاجتي فله كذا، أو يقول: إذا رد زيد حاجتي فله كذا. فيقول زيد -في الثانية- أومن سمعه-في الأولى- لشخصٍ: إذا رددت حاجة فلان أو ما وَصْفُه كيت وكيت فلك كذا. فهل يصح وهل يرجع الواجد على صاحب الحاجة أو على زيد؟ ومثاله: أن يكون لزيد على حسن مبلغ ١٠٠٠٠٠٠ ريال فيقول زيد لصالح: إذا استخلصت لي ديني من حسن فلك ٢٠٠٠٠٠، فيذهب صالح إلى صديقٍ لحسن ويقول له: إذا أقنعت حسنًا أن يؤدي الدين لزيد ففعل فلك مني ١٠٠٠٠٠ ريال. الحكم: لم ينص العلماء-فيما أعلم- على هذه المسألة؛ لذا أذكر احتمالات مخرجة على ما نصوا عليه: الاحتمال الأول: جواز وصحة جعالة الجاعل مطلقًا، ويرجع العامل على الجاعل الثاني، ويرجع الجاعل الثاني على الأصلي. وجه الاحتمال: تخريجًا على جعالة الفضولي، فقد نص الجمهور على أن الجاعل الفضولي يصح التزامه وتكون الجعالة في ماله، فإذا ضُم إلى ذلك جعالة أصلية من رب المال فإنها جائزة بحكم الأصل، ويكون الراد هو الجاعل الثاني في الجعالة الأصلية. قال في "المنهاج": (ولو قال أجنبي: من رد عبد زيد فله كذا. استحقه الراد على الأجنبي) (١). وقال في"كشاف القناع": (وإن نادى غير صاحب الضالة فقال: من ردها فله دينار. فردها رجل أو امرأة فالدينار على المنادي؛ لأنه ضمن، أي: التزم العوض، ولا شيء على ربها؛ لأنه لم يلتزمه) (٢).فإذا التزم ربها بعوضٍ لزمه، فإذا سلمها له المنادي استحقه. الاحتمال الثاني: فساد جعالة الجاعل وعدم جوازها مطلقًا، فإن عَمِلَ عاملٌ بناء عليها ففيه احتمالات: الأول: ألا يستحق شيئًا. الثاني: أن يستحق الجعل من الجاعل الأصلي. الثالث: إن كان من عادته طلب الأُبَّاق فله جعل المثل، وإلا فلا جعل له وله النفقة. وجه الاحتمال: أن الجعالة الأصلية إن كانت لمعين فلا يستحقها بعمل غيره، كما جاء في

стр. 130

"كشاف القناع": (سواء جعله لمعين بأن يقول من تصح إجارته -وهو جائز التصرف- لزيد مثلًا: إن رددت لقطتي فلك كذا، فيستحقه إن ردها، ولا يستحقه من ردها سواه، أي: سوى المخاطب بذلك) (١) سواء عمل بجعل أولا، فإذا جاعل المخاطب المعيَّن غيره فإنه لم يعمل العمل الذي يستحق به الجعل. وإن كانت لغير معين فإنّ من شروط العمل عند الشافعية ويفهم مثله عند الحنابلة أن يكون مما فيه تعب ومشقة، وليس في عمل الجاعل الثاني مشقة؛ لأنه إنما رصد جعلًا لمن يعمل، والمشقة في عمل غيره. جاء في "نهاية المحتاج": (لا بد من كون العمل فيه كلفة أو مؤنة، كرد آبق أو ضال أو حج أو خياطة أو تعليم علم أو حرفة ...) (٢). وجاء في "كشاف القناع": (وإن كانت بيد إنسانٍ فجعل له مالكها جعلًا ليردها لم يبح له أخذه) (٣). فإن عمل عاملٌ بناءً على جعالة الجاعل -وهي فاسدة- ففيه احتمالات: ١ - لا يستحق شيئًا؛ لأنه يشترط في استحقاق الجعل أن يسمع إذن الجاعل أو يبلغه، وهذا العامل لم يسمع إذن الجاعل الأصلي ولم يبلغه؛ لأن الجاعل الثاني لم ينقل إذن الجاعل الأصلي بل استحدث إذنًا من عنده. جاء في "المهذب": (فإن نادى فقال: من رد عبدي فله دينار فرده من لم يسمع النداء لم يستحق الجعل) (٤). ولأن ما بني على فاسد فهو مثله في الفساد، واستحقاق العامل فرع صحة جعالة الجاعل. ٢ - أن يستحق الجعل الأصلي؛ لأمرين: ١. أنه لم يقدم على العمل إلا طلبًا للعوض. ٢. أن المقصود للجاعل الأصلي قد تم بحصول مطلوبه، وتحقق شرط استحقاق الجعل في العامل، وهو القيام بالعمل. ٣ - جاء في "حاشية الدسوقي": ((قوله: ولمن لم يسمع الجاعل) أي لا مباشرة ولا

стр. 131

بواسطة، وإلا استحق المسمى بتمام العمل، وحاصله أنه إذا قال المالك: من أتى بعبدي الآبق فله كذا. فجاء به شخص لم يسمع كلام ربه لا مباشرة ولا بواسطة ... فإنه يستحق جعل المثل، سواء كان جعل المثل أكثر من المسمى، أو أقل منه، أو مساويا له، بشرط كون ذلك الشخص الآتي به من عادته طلب الأُبّاق، فإن لم يكن عادته ذلك فلا جعل له وله النفقة فقط) (١). الاحتمال الثالث: التفصيل، فإن كان الجعل الأصلي لمعيَّن، فتصح جعالة الجاعل إذا كان المعين معذورًا في ترك العمل، بأن يكون لا يليق بمثله أو يعجز عنه وعلم به الجاعل الأصلي، وإن كان الجعل الأصلي لغير معيَّن فتجوز وتصح جعالة الجاعل مطلقًا. وجه الاحتمال: أن جعالة الجاعل نوع استنابة وقد قال في "نهاية المحتاج": (العامل المعين لا يستنيب فيها إلا إن عذر وعلم به الجاعل حال الجعالة) (٢)، هذا في المعين، وإذا جاز له أن يستنيب بغير جعل جاز أن يستنيب به، أما إذا كان الجعل الأصلي بغير تعيين فيقاس على تبليغ الجعالة، فإنه إذا قال: قال فلان من رد ضالتي فله كذا، أو قال: من رد ضالة فلان فقد جعل له كذا. فإنه يصح ويلزم الجاعل الأصلي (٣)، فإذا اختلف الجعل الثاني عن الأصلي فإن العامل يستحق الجعل الثاني؛ لأنه الذي سمعه أو بلغه ويرده على الجاعل الثاني، ويستحق الجاعل الثاني الجعل الأصلي برده أو بتسليم العمل المطلوب. الاحتمال الرابع: التفصيل، فإن كان العمل المتعاقد عليه يراد به استحداث نتيجة جديدة، كتعليم علم وبناء حائط وخياطة مخيط فإن كان لمعيَّن تعيينًا مقصودًا فلا تصح الجعالة على الجعالة على هذا العمل، وإن كان لغير معين أو كان التعيين غير مقصود فتصح، وإن كان العمل المتعاقد عليه مما يراد إيجاده من غير تعيين فاعل، كرد ضائع من مال أو مركوب أو غيره، فتصح الجعالة على الجعالة فيه. الأدلة: دليل الاحتمال الأول: أن الجعالة جائزة، وليس في هذه المسألة إلا جعالتان، جعالة من رب المال لمن يرد ماله الضائع-مثلًا-، وجعالة من الجاعل الثاني لمن يقوم بنفس العمل، فإذا قام رجل بنفس العمل وردها للجاعل الثاني استحق الجعالة الثانية، وإذا ردها الجاعل الثاني لرب المال استحق الجعالة الأولى، والعبرة بمراد الجاعل الأصلي-رب المال- لا بألفاظه، فسواءٌ عمم لفظ الجعالة أو خصصه لم يضر، قال الجويني: (فإذا قال القائل لمن يخاطبه: إن رددت

стр. 132

عبدي الآبق فلك دينار. فهذا في ظاهره يقتضي استدعاء العمل من المخاطَب دون غيره، وهذا يتأكد في صيغة الشروط، فإن المطلق منها ما يقع التعرض له على التعيين حتى يمتنع قيام غيره مقامه، ولكن المعاملات تبنى على مقاصد الخلق، لا على صيغ الألفاظ، لاسيما إذا عم العرف في بابٍ فهو المتبع، ومما نعلمه من مقصود الخلق في هذه المعاملة أن من قال لمعيَّن: إن رددت عبدي فلك كذا. فقد لا يستمكن المعين من تعاطي ذلك بنفسه على الانفراد، والغالب أن حاجته تمسّ إلى الاستعانة بغيره، فلا معنى لحمل اللفظ على قصر العمل في المخاطب، ولكن يتعين حمله على تحصيل المقصود والسعي فيه بأي وجه أمكن، حتى لو استعان العامل بمن أراد بأجرة يبذلها أو بأن يتبرع عليه المستعان بالإعانة، فإذا حصل المقصود فلا نظر إلى جهات العمل بناءً على مقصود الباب) (١). وقال الغَزالي: (لا يتعين على العامل المعين العمل بنفسه، فلو قال لشخص معين: إن رددت عبدي الآبق فلك كذا. لم يتعين عليه بنفسه، بل له الاستعانة بغيره، فإذا حصل العمل استحق الأجرة) (٢). المناقشة: ١. أن الفقهاء اشترطوا لصحة الجعالة أن يتضمن العمل منفعةً للجاعل (٣)، ومنفعة العمل هنا إنما تعود لرب المال، وهو الجاعل الأصلي، ولا تعود على الجاعل الثاني؛ لأن المال الضائع ليس له، بل هو أجنبي. الجواب: لا يتصور أن أحدًا من الناس يقدم على عمل ما لا منفعة له فيه أصلًا، والمنفعة في مثل هذا أن يحصل على الجعل الأصلي؛ لأن العامل سيقوم بتسليم المال للجاعل الثاني، وغالبًا سيكون جعله أقل من الجعل الأصلي، فإلم يكن فهذا أولى بالجواز؛ لأن الجاعل الثاني متبرعٌ بالزيادة حينئذٍ ومحسن للجاعل الأصلي، وربما كان بينهم-مما يقتضي ذلك- ما هو أعظم من الجعل كمودة أو قرابة أو نحوهما. ٢. أن تخريجه على جعالة الفضولي غير مسلَّم؛ لأن الفضولي يقصد النيابة عن غيره، وجعالة الجاعل إنشاء عقد من تلقاء نفسه متعلق بمال غيره. ٣. أن هذا الدليل مسلَّمٌ في ما لم يكن مقصودًا بالتعيين كبناء حائط وحياكة ثوب ووجدان ضائع، أما ما كان العامل فيه مقصودًا فهو كاستصناع الصانع ومقاولة المقاول، والقرينة

стр. 133

العرفية تقتضي أن تكون الجعالة للمعيَّن إذا باشر العمل بنفسه، فإن قامت قرينة أخرى على عدم قصد التعيين فصحيح. دليل الاحتمال الثاني: أما عدم صحتها إذا كانت الجعالة الأصلية لمعين فلأن رب المال لم يجاعل العامل على ردها إنما جاعل معينًا ولم يعمل، وأما عدم صحتها إذا كانت الجعالة الأصلية لغير معيَّن فلأن الجاعل الثاني لا مشقة عليه لعدم مباشرته العمل فلا يستحق الجعالة الأصلية، وإنما يستحقها العامل على أحد الاحتمالين المتقدمين. المناقشة: إذا كان مقصود الجاعل الأصلي تحصيل العمل، فلا فرق عنده فيمن يباشره، واستحقاق الجاعل الثاني بناءً على تسبُّبه في حصول العمل، واشتراط المشقة غير مسلَّم؛ لعدم الدليل عليه. دليل الاحتمال الثالث: القياس على توكيل الوكيل، فإنه يجوز في ما يعجز عنه الوكيل أو ما لا يليق بمثله مباشرتُه، واشتراط علم الجاعل؛ لأنه الملتزم بدفع الجعل. دليل الاحتمال الرابع: الجمع بين أدلة القولين الأولين، فما دل على عدم صحة الجعالة على الجعالة فمحله إذا كان المخاطب بالجعالة الأصلية معينًا تعيينًا مقصودًا، بحيث يختلف العمل المطلوب إحداثه من عاملٍ لآخر، وهذا كما تقدم في استصناع الصانع ومقاولة المقاول، وما دل على صحة الجعالة على الجعالة -وهي أدلة القول الأول- فمحمولٌ على سائر الحالات الأخرى، وإذا كان المقصود العمل دون العامل فالعبرة بالمقاصد ولو كان في اللفظ تعيين. الترجيح الراجح الاحتمال الرابع فإن كان العمل المتعاقد عليه يراد به استحداث نتيجة جديدة، كتعليم علم وبناء حائط وخياطة مخيط فإن كان لمعيَّن تعيينًا مقصودًا فلا تصح جعالة الجاعل على هذا العمل، وإن كان لغير معين أو كان التعيين غير مقصود فتصح، وإن كان العمل المتعاقد عليه مما يراد إيجاده من غير تعيين فاعل، كرد ضائع من مال أو مركوب أو غيره، فتصح الجعالة على الجعالة فيه. سبب الترجيح: أن فيه جمعًا بين الأدلة المذكورة. تنبيه: إذا حَلَّ مكان الجاعل الأصلي جاعل آخر فهذه ليست جعالة جديدة، إنما هو توكيل واستنابة في دفع الجعل، وقد يكون توكيلا مطلقًا أو بعوض.

стр. 134

المبحث التاسع: إحالة المحال ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الحوالة وحكمها . تعريف الحوالة الحوالة في اللغة مشتقة من التحول، قال في "فتح الباري": (بفتح الحاء وقد تكسر) (١)، وهو التنقل من موضع إلى موضع؛ سميت بذلك لأنها تنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه (٢). والحوالة في الاصطلاح: ١ - عند الحنفية: نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه (٣). ٢ - عند المالكية: طرح الدين عن ذمة بمثله في أخرى لامتناع تعلق الدين بما هو له (٤). أو نقل الدين من ذمة بمثله إلى أخرى تبرأ بها الأولى (٥). ٣ - عند الشافعية: عقد يقتضي نقل دين من ذمة إلى ذمة (٦). ٤ - عند الحنابلة: انتقال مال من ذمةٍ إلى ذمةٍ بلفظها أو معناها الخاص (٧). وهذه تعاريف متقاربة في الجملة، وكلها تدور حول النقل. وقد اختلف الفقهاء في حقيقة الحوالة هل هي بيع ومعاوضة أو استيفاء أو عقد إرفاق مستقل؟ على أقوال (٨): القول الأول: أن حقيقة الحوالة أنها بيع دين بدين جُوِّز للحاجة، وهو مذهب المالكية (٩) والشافعية (١٠).

стр. 135

القول الثاني: أنها عقد إرفاق مستقل بنفسه، وهو مذهب الحنابلة (١). القول الثالث: أنها استيفاء أو استيفاء وقرض، وهو قول للشافعية (٢). القول الرابع: أنها عقد توثقة، وهو قول للحنفية (٣). القول الخامس: أنها بيع عينٍ بعينٍ. القول السادس: أنها بيع عينٍ بدينٍ. القول السابع: أنها ضمانٌ بإبراء. وهذه أقوال للشافعية (٤). القول الثامن: أنها مركبة من الاستيفاء والمعاوضة، وهو قول بعض الشافعية: كالبغوي (٥) والجويني (٦) والغزالي (٧)، وهو قول أبي العباس ابن تيمية (٨). الأدلة (٩): دليل القول الأول: أن الدين الذي في ذمة المحيل يعتاض به عن الدين الذي في ذمة المحال عليه، فيسقط عنه الدين الذي للمحال بإسقاط الدين الذي له في ذمة المحال عليه، وكلاهما دينٌ، ولكنه جوِّز رخصة للحاجة وإن كان القياس منعه، ومن جهة أخرى أن المحال يبذل ما له في ذمة المحيل بما للمحيل في ذمة المحال عليه، وذلك حقيقة البيع. دليل من قال إنها ليست معاوضة (١٠): أن الحوالة لو كانت بيعًا لما جازت لكونها بيع دين بدين ولما جاز التفرق قبل القبض؛ لأنه بيع مال بجنسه، ولجازت بلفظ البيع، ولجازت بين جنسين كالبيع كله، ولأن لفظها يشعر بالتحول لا بالبيع، فعلى هذا لا يدخلها خيار، وتلزم

стр. 136

بمجرد العقد (١)، قال أبو العباس ابن تيمية: (وصاحب الحق إذا استوفى من المدين ماله كان هذا استيفاءً، فإذا أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدين عن الدين الذي له في ذمة المحيل، ولهذا ذكر النبي ﷺ الحوالة في معرض الوفاء، فقال في الحديث الصحيح: (مطل الغني ظلم وإذا أُتبِع أحدكم على مليء فليتبع)، فأمر المدين بالوفاء ونهاه عن المطل، وبين أنه ظالم إذا مطل، وأمر الغريم بقبول الوفاء إذا أحيل على مليء، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ البقرة: (١٧٨) أمر المستحق أن يطالب بالمعروف وأمر المدين أن يؤدي بإحسان، ووفاء الدين ليس هو البيع الخاص، وإن كان فيه شوب المعاوضة، وقد ظن بعض الفقهاء أن الوفاء إنما يحصل باستيفاء الدين بسبب أن الغريم إذا قبض الوفاء صار في ذمته للمدين مثله، يتقاص ما عليه بماله، وهذا تكلف أنكره جمهور الفقهاء، وقالوا: بل نفس المال الذي قبضه يحصل به الوفاء، ولا حاجة أن نقدر في ذمة المستوفي دينًا، وأولئك قصدوا أن يكون وفاء الدين بدين، وهذا لا حاجة إليه، بل الدين من جنس المطلق الكلي والمعين من جنس المعين، فمن ثبت في ذمته دين مطلق كلي فالمقصود منه هو الأعيان الموجودة، وأي معين استوفاه حصل به المقصود من ذلك الدين المطلق) (٢). الترجيح الراجح أنها عقدٌ فيه معنى الاستيفاء ومعنى الإرفاق ومعنى التوثقة، ولا تنافي بينها، وفيها شوب معاوضة، كما في القول الأخير. سبب الترجيح: أن عقد الحوالة على وفق القياس كسائر العقود (٣)، وهذا يستبعد اعتبارها من بيع الدين بالدين، وإن كان منه صورٌ جائزةٌ، ولا يخفى تضمنه لهذه المعاني، بل قال الجويني: (وحاصل الخلاف أن الغالب على الحوالة معنى المعاوضة ومعنى الاستيفاء، فأما تضمنها المعنيين فلا خلاف فيه) (٤). حكم الحوالة الحوالة جائزة، والأصل في جوازها الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقد استدل في "الذخيرة" لها بأدلة عامة فقال: (قوله-تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ المائدة: (٢)، وهي

стр. 137

بِرٌّ، وقوله -تعالى-: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ الحج: (٧٧) وهي خير، ونحو ذلك من النصوص الدالة على المعروف) (١). وأما السنة فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على مليءٍ فليتبع» (٢)، وفي رواية: «مطل الغني ظلم ومن أحيل على مليءٍ فليحتل» (٣)، وأما الإجماع فقد حكاه غير واحد (٤)، وقال في"المبدع"و"كشاف القناع": (ولا عبرة بمخالفة الأصم) (٥). المطلب الثاني: حكم إحالة المحال . صورة المسألة: إحالة المحال له احتمالان كلاهما مراد: الأول: أنه من باب إضافة المصدر إلى فاعله، فالمحال يحيل دائنه على دين الحوالة، وصورتها حينئذٍ: أن يكون لصالح دينٌ على الطرف الأول وعلى صالح دين للطرف الثاني، فصالح دائن للأول مدين للثاني، فيطالب صالحٌ الأولَ بدينه فيحيله على طرف ثالث، فبذلك ثبت دين صالح بالإحالة في ذمة الثالث، فيجيء الطرف الثاني ويطالب صالحًا بدينه فيحيله صالح على الطرف الثالث، فالمحال-وهو صالح- أحال دائنه على دين الحوالة، فهو محال محيل. الثاني: أنه من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، فالمحال عليه يحيل المحال، وصورتها حينئذٍ: أن يكون لصالح دينٌ على زيد فيحيله زيد على حسنٍ، فيحيله حسنٌ على ثالث، وهكذا، فهنا حصلت الإحالة لصالح مرارًا فهو محال من ذمة إلى ذمة في كل مرة. ومن الصور المعاصرة لإحالة المحال بالمعنى الأول تظهير الشيك إذا كان المظهر إليه دائنًا للمظهر، وذلك أن الشيك يحرره الساحب -وهو محيل- إلى المصرف المسحوب عليه -وهو محال عليه- لدفع مبلغ لحامله وهو المستفيد-وهوالمحال-، فإذا قام المستفيد بتظهير الشيك-

стр. 138

أن يكتب على ظهره عبارة تفيد نقل الملكية إلى حامل جديد أو توكيله أو رهنه، والمراد هنا نقل الملكية- لطرف آخر دائن له - وهو المظهر إليه- فإنه يحيله على دين الحوالة (١). الحكم: الحكم في الصورتين واحد، وقد نص الفقهاء من الشافعية والحنابلة على جواز ذلك. وأقدمُ مَن رأيته نص على المسألة المزنيُّ في"مختصره" حيث قال: (هذه مسائل تحريت فيها معاني جوابات الشافعي في الحوالة ... ولو كان لرجل على رجل ألف درهم فأحاله المطلوب بها على رجل له عليه ألف درهم ثم أحاله بها المحتال عليه على ثالث له عليه ألف درهم براء الأولان، وكانت للطالب على الثالث) (٢). وقال الجويني في"نهاية المطلب": (ذكر المزني صورًا ظاهرةً في الحوالة نذكرها على وجهها، قال: لو أحال زيد عمرًا على بكرٍ بماله عليه من الحق ثم أحال بكرٌ عمرًا على خالدٍ ثم أحاله خالد على جعفر فذلك جائز، ولو أحال زيد عمرًا على بكرٍ ثم عمرو أحال خالدًا على بكر ثم خالد أحال عبد الله على بكر فهذا جائز، وتعدَّدَ المحتال في هذه الصورة والمحال عليه واحد، وفي الصورة الأولى تعدَّد المحال عليه والمحتال واحد) (٣)، والمحتال هو المحال، وهذا النص فيه التصريح بالجواز، والأول متضمن ومستلزم للجواز، فهذا منطوق وذاك مفهوم، وقد يفسَّر اختلاف النصين بتعدد النسخ للمختصر. وفي"مغني المحتاج": (خاتمة: للمحتال أن يحيل غيره وأن يحتال من المحال عليه على مدينه) (٤). وقال ابن قدامة في"المغني": (فصل: إذا أحال رجلًا على زيد بألف فأحاله زيد بها على عمرو فالحوالة صحيحة؛ لأن حق الثاني ثابت مستقر في الذمة فصح أن يحيل به كالأول، وهكذا لو أحال الرجل عمرًا على زيد بما ثبت له في ذمته صح أيضًا لما ذكرنا، وتكرر المحتال والمحيل لا يضر) (٥). وفي"شرح منتهى الإرادات": (ولمشترٍ أن يحيل محالًا عليه من قبل بائع على بائع) (٦).

стр. 139

وللحنفية نصٌّ قريبٌ من المسألة فقد جاء في "البناية" في أن الحوالة إذا حصل الإبراء منها لا تعود إلا بسبب جديد، ومَثَّل للسبب الجديد بمثال: (... أن يحيل المحتال عليه المحتال على المحيل) (١). الأدلة: الدليل الأول: أن الأصل في المعاملات الجواز والصحة. الدليل الثاني: أن حق الثاني ثابت مستقر في الذمة فتجوز وتصح الحوالة عليه، قياسًا على جوازها وصحتها في حق الأول، وكذلك الثالث والرابع. الدليل الثالث: أن صحة إحالة المحال فرعٌ عن صحة الأصل، وقد ثبتت صحة الأصل بالإجماع. تنبيه: ورد في "الأشباه والنظائر" لابن نجيم: (والحوالة بعد الحوالة باطلة، كما في التلقيح) (٢). وصورة ذلك أن يتكرر عقد الحوالة بنفس أطرافه، فيحيل زيد صالحًا على حسنٍ ثم يحيله عليه مرةً أخرى، كما يدل عليه سياق كلامه، حيث قال قبلها: (كل عقدٍ أُعيد وجُدِّد فإن الثاني باطل)، وعليه فليس هذا مما نحن فيه، على أنه لو قيل بالجواز والصحة لم يَعْدُ أن يكون تأكيدًا للعقد الأول، وعلى قوله فيبطل الثاني ويبقى العقد الأول على الصحة، فالنتيجة واحدة، والحمد لله رب العالمين.

стр. 140

المبحث العاشر: السَّلَم المُوَازي (المتوازي) ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف السَّلَم وحكمه . تعريف السلم السَّلَم لغةً هو السَّلَف، ومعنى السلف التقدُّم والسَّبْق، وعقد السلم فيه هذا المعنى؛ لأن الثمن فيه مقدَّمٌ (١)، وقال الماوردي: (السلف لغة عراقية، والسلم لغة حجازية) (٢)، ولكن يأباه لفظ حديث الباب الآتي-بمشيئة الله-، فإن فيه (من أسلف)، ولكنهما بمعنى واحد عند جميع أهل اللغة (٣)، ومن العلماء من استعمل لفظ السلم (٤)، وهو لقب خاص لهذا العقد، ومنهم من استعمل لفظ السلف (٥)، وهو مستعمل فيه وفي القرض، لكنه إذا عُدّي بإلى أو في أريد به هذا العقد. والسلم اصطلاحًا: ١ - عند الحنفية: شراءُ آجلٍ بعاجلٍ (٦). ٢ - عند المالكية: عقد معاوضة يوجب عمارة ذمة بغير عين ولا منفعة غير متماثل العوضين (٧). ٣ - عند الشافعية: عقد على موصوف في الذمة ببدل يُعطى عاجلًا (٨). ٤ - عند الحنابلة: عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد (٩). حكم السلم السلم جائز بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ (٢٨٢)﴾ البقرة: (٢٨٢)، عن ابن عباس ﵄ قال: (أشهد

стр. 141

أن السلف المضمون إلى أجل قد أحله الله وأذن فيه) وقرأ هذه الآية (١). وأما السنة فقول رسول الله ﷺ «من أسلف في شيء، ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» وفي لفظ: «فليسلف في كيل معلوم، إلى أجل معلوم» (٢). ونُقل الإجماع على جوازه في الجملة (٣)، وهو بيعٌ عند الجمهور خلافًا لابن حزم (٤). المطلب الثاني: حكم السلم الموازي (المتوازي) . صورة المسألة: أن يعقد صفقة سلم مع طرف، ويعقد صفقة سلم أخرى مع طرف ثالث، مع اتفاق المسلم فيه في العقدين، ويكون مسلِمًا في أحدهما ومسلَمًا إليه في العقد الآخر، ويضاف قيدٌ في صورة السلم الموازي الصحيح، فيقال: دون ربطٍ بينهما. والطرف المشترك بين العقدين إما أن يسلم في العقد الثاني في عين السلعة التي كانت محل العقد الأول، وإما أن يسلم في مثلها، فهاتان صورتان: الصورة الأولى: أن يعطي زيدٌ ١٠٠٠ ريال نقدًا لمزارع مقابل ٥٠ صاعًا من التمر بعد سنة، بالصفات والشروط اللازمة، فالمسلَم فيه هو التمر، ثم يسلم زيد في هذا التمر، بأن يبيعه على ثالث بـ ١١٠٠ ريال نقدًا على أن يسلمه له بعد سنة ونصف من تاريخ العقد الأول، فيكون زيد مسلمًا في العقد الأول ومسلمًا إليه في العقد الثاني، ومحل السلم واحد. الصورة الثانية: أن يسلم المسلم إلى طرف ثالث في مثل المسلم فيه أولًا، وليس فيه بعينه، بمعنى أن يعقد زيد مع مزارع عقد سلم في تمر موصوف في الذمة، ويعقد مع طرف ثالث سلمًا في تمر موصوف في الذمة بمثل الأوصاف السابقة، فيكون زيد مسلمًا في العقد الأول ومسلمًا إليه في العقد الثاني، ومحل السلم متماثل الصفات، وقد يكون مسلمًا في الثاني مسلَمًا إليه في

стр. 142

الأول. وعند تناول مجمع الفقه الإسلامي التابع للمنظمة لموضوع السلم وتطبيقاته المعاصرة تطرق العلماء المشاركون والأعضاء لمسألة السلم الموازي تطرُّقًا جزئيًّا؛ لذا خلا القرار الصادر في ذلك، من تعريف للسلم الموازي أو بيان حكمه، وجاء في آخره: (يوصي المجلس باستكمال صور التطبيقات المعاصرة للسلم بعد إعداد البحوث المتخصصة) (١)، والمقصود الأول بذلك السلم الموازي، فقد قال مقرر جلسة المناقشة: (فكمقرر أرجو من الإخوة العلماء أن يولوا هذه المسائل المختلفة بالذات: (السلم الموازي) الجهد اللازم لهذه المسألة حتى تستبين الصورة في أذهاننا، وأن يقعِّدوها التقعيد اللازم حتى نستطيع أن نصدر فيها قرارًا سليمًا، وأراه من المسائل المعاصرة التي تحتاج إلى قرار من مجمعنا هذا إن شاء الله. وبالله التوفيق والهداية) (٢). ويأتي حكم كل صورة من الصورتين في فرع مستقل: الفرع الأول: إسلام المسلَم فيه بعينه . للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال، ومن لم ينص على السلم نص على بيع المسلم فيه: القول الأول: عدم جواز إسلام المسلم فيه مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥)، وهو قولٌ لأبي العباس ابن تيمية (٦). القول الثاني: جواز إسلام المسلم فيه إلا أن يكون طعامًا، وهو مذهب المالكية (٧).

стр. 143

القول الثالث: جوازه إذا كان بقيمته أو أقل، وهي رواية عن أحمد (١)، واختيار أبي العباس ابن تيميّة (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره» (٣). وجه الدلالة: أن بيع المسلم فيه مِن صرفه إلى غير عقد السلم، أما إذا قبضه وتم عقد السلم جاز له ذلك؛ لأنه حينئذ لم يصرفه إلى غيره. المناقشة: قال أبو العباس ابن تيمية: (عنه جوابان: أحدهما: أن الحديث ضعيف، والثاني: المراد به ألا يجعل السلف سلمًا في شيء آخر، فيكون معناه النهي عن بيعه بشيء معين إلى أجل، وهو من جنس بيع الدين بالدين؛ ولهذا قال: «لا يصرفه إلى غيره» أي لا يصرف المسلم فيه إلى مسلم فيه آخر) (٤). الدليل الثاني: الإجماع، قال ابن قدامة: (أما بيع المسلم فيه قبل قبضه) يعني على غير المسلَم إليه (فلا نعلم في تحريمه خلافًا) (٥). المناقشة: قال أبو العباس ابن تيميّة: (وأما ما ذكره الشيخ أبو محمد في مغنيه ... فقال ﵀ بحسب ما علمه، وإلا فمذهب مالك أنه يجوز بيعه من غير المستسلِف كما يجوز عنده بيع سائر الديون من غير من هو عليه، وهذا أيضًا إحدى الروايتين عند أحمد) (٦) وقال ابن قيم الجوزية:

стр. 144

(وأما قولكم: إن المنع إجماع. فكيف يصح دعوى الإجماع مع مخالفة حبر الأمة ابن عباس وعالم المدينة مالك بن أنس؟ فثبت أنه لا نص في التحريم ولا إجماع ولا قياس) (١). الدليل الثالث: أحاديث النهي عن بيع ما ليس عندك وعن ربح ما لم يضمن (٢)، وأحاديث النهي عن بيع المبيع قبل قبضه (٣). وجه الدلالة منها: أن المسلَم فيه ثابت في ذمة المسلم إليه داخل في ضمانه، ولا يدخل في ضمان المسلم إلا بعد استيفائه، فلا يجوز أن يسلم فيه قبل ذلك، والسلم بيع، ولا أن يربح فيه؛ لأنه لم يضمنه. المناقشة: أن النهي عن بيع المبيع قبل قبضه إنما هو في المعين أو المتعلق به حق توفية، أما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء (٤). الجواب: هذا صحيح فيما لو كان بيع دين السلم على مَن هو عليه، أي على المسلَم إليه المدين، ولكن محل البحث في بيع دين السلم على غير مَن هو عليه، والجمهور يمنعون الأمرين. الدليل الرابع: أن المشغول لا يُشغل (٥)، ومحل العقد مشغولٌ بالعقد الأول فلا يشغل بالثاني. الدليل الخامس: نهيُ النبي ﷺ عن الغرر (٦)، وبيع دين السلم من بيع الغرر؛ لأنه غير مستقر، ذلك أن وجوده محتمل وليس متحققًا، والمدين -المسلم إليه- غير قادر على تسليمه قبل أجله، كما أنه ليس دينًا في ذمة الطرف الجديد فيكونَ مقبوضًا له حكمًا. دليل القول الثاني: أن أحاديث النهي عن بيع ما لم يقبض خاص بالطعام، فدل على جواز ذلك فيما عداه. المناقشة: ١. ورود أحاديث عامة في النهي عن بيع المبيع قبل قبضه، تشمل الطعام وغيره (٧). ٢. أن النهي عن ربح ما لم يضمن نهيٌ عامٌّ، فيشمل كلَّ مسلَم فيه من طعام وغيره.

стр. 145

أدلة القول الثالث: الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: (إذا أسلفت في طعام فحلَّ الأجل فلم تجد طعامًا فخذ منه عرضًا بأنقص، ولا تربح عليه مرتين) (١). المناقشة: أنه خالفه ابن عمر ﵄ فقال: (إذا أسلفت في شيء فلا تأخذ إلا رأس مالك أو الذي أسلفت فيه) (٢)، ومعنى أثر ابن عمر أنه ليس له إلا إنجاز السلم أو الإقالة منه، أما بيع المسلم فيه قبل قبضه لبائعه بعرض ونحوه فلا، فغير بائعه بالمنع أولى. الجواب: قد لا يكون هناك تعارض بين الأثرين، فالمقصود عدم الزيادة. الرد: بينهما فرق ظاهر، فالأول يجيز أخذ شيء من غير جنس المسلم فيه تكون قيمته أنقص، والثاني يمنع من ذلك. الدليل الثاني: أن الأصل في المعاملات الجواز والصحة، وليس في المسألة ما يقتضي المنع، كالربا والغرر ونحوهما، كما أنه إذا باع المسلَم فيه بقدر القيمة لم يربح في ما لم يضمن. الدليل الثالث: القياس على العوض الآخر في السلم، وهو الثمن المقدَّم. والقياس على بدل القرض والثمن في المبيع، بجامع أن كلًّا من دين المسلم فيه وهذه الأصول دينٌ ثابتٌ، فيجوز الاعتياض عنه (٣). المناقشة: أن الثمن المقدم في السلم ليس بدين، بخلاف المسلم فيه، فهو دين السلم، فافترقا، ومن أوجه الحكمة في تجويز السلم الإرفاق بالعامل الذي لا يجد رأس المال، فكان لا بد له من مالٍ للتصرف به، وكذلك ثمن المبيع الآجل والبدل المقبوض قرضًا ليسا دينًا، بل كلٌّ منهما عين، فلا يقاس عليها دين السلم، إذ هو دين، وأما بدل القرض المؤجل فمحل خلاف مقرر في مكانه، ثم هو دين مستقر بخلاف دين السلم. منشأ الخلاف: الخلاف في هذه المسألة فرعٌ عن الخلاف في مسألة بيع المبيع قبل قبضه.
следующие страницы →