← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 420

العقود المضافة إلى مثلها

عبد الله بن طاهر

Полный текст (309 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أن السلف المضمون إلى أجل قد أحله الله وأذن فيه) وقرأ هذه الآية (١). وأما السنة فقول رسول الله ﷺ «من أسلف في شيء، ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» وفي لفظ: «فليسلف في كيل معلوم، إلى أجل معلوم» (٢). ونُقل الإجماع على جوازه في الجملة (٣)، وهو بيعٌ عند الجمهور خلافًا لابن حزم (٤). المطلب الثاني: حكم السلم الموازي (المتوازي) . صورة المسألة: أن يعقد صفقة سلم مع طرف، ويعقد صفقة سلم أخرى مع طرف ثالث، مع اتفاق المسلم فيه في العقدين، ويكون مسلِمًا في أحدهما ومسلَمًا إليه في العقد الآخر، ويضاف قيدٌ في صورة السلم الموازي الصحيح، فيقال: دون ربطٍ بينهما. والطرف المشترك بين العقدين إما أن يسلم في العقد الثاني في عين السلعة التي كانت محل العقد الأول، وإما أن يسلم في مثلها، فهاتان صورتان: الصورة الأولى: أن يعطي زيدٌ ١٠٠٠ ريال نقدًا لمزارع مقابل ٥٠ صاعًا من التمر بعد سنة، بالصفات والشروط اللازمة، فالمسلَم فيه هو التمر، ثم يسلم زيد في هذا التمر، بأن يبيعه على ثالث بـ ١١٠٠ ريال نقدًا على أن يسلمه له بعد سنة ونصف من تاريخ العقد الأول، فيكون زيد مسلمًا في العقد الأول ومسلمًا إليه في العقد الثاني، ومحل السلم واحد. الصورة الثانية: أن يسلم المسلم إلى طرف ثالث في مثل المسلم فيه أولًا، وليس فيه بعينه، بمعنى أن يعقد زيد مع مزارع عقد سلم في تمر موصوف في الذمة، ويعقد مع طرف ثالث سلمًا في تمر موصوف في الذمة بمثل الأوصاف السابقة، فيكون زيد مسلمًا في العقد الأول ومسلمًا إليه في العقد الثاني، ومحل السلم متماثل الصفات، وقد يكون مسلمًا في الثاني مسلَمًا إليه في

стр. 142

الأول. وعند تناول مجمع الفقه الإسلامي التابع للمنظمة لموضوع السلم وتطبيقاته المعاصرة تطرق العلماء المشاركون والأعضاء لمسألة السلم الموازي تطرُّقًا جزئيًّا؛ لذا خلا القرار الصادر في ذلك، من تعريف للسلم الموازي أو بيان حكمه، وجاء في آخره: (يوصي المجلس باستكمال صور التطبيقات المعاصرة للسلم بعد إعداد البحوث المتخصصة) (١)، والمقصود الأول بذلك السلم الموازي، فقد قال مقرر جلسة المناقشة: (فكمقرر أرجو من الإخوة العلماء أن يولوا هذه المسائل المختلفة بالذات: (السلم الموازي) الجهد اللازم لهذه المسألة حتى تستبين الصورة في أذهاننا، وأن يقعِّدوها التقعيد اللازم حتى نستطيع أن نصدر فيها قرارًا سليمًا، وأراه من المسائل المعاصرة التي تحتاج إلى قرار من مجمعنا هذا إن شاء الله. وبالله التوفيق والهداية) (٢). ويأتي حكم كل صورة من الصورتين في فرع مستقل: الفرع الأول: إسلام المسلَم فيه بعينه . للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال، ومن لم ينص على السلم نص على بيع المسلم فيه: القول الأول: عدم جواز إسلام المسلم فيه مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥)، وهو قولٌ لأبي العباس ابن تيمية (٦). القول الثاني: جواز إسلام المسلم فيه إلا أن يكون طعامًا، وهو مذهب المالكية (٧).

стр. 143

القول الثالث: جوازه إذا كان بقيمته أو أقل، وهي رواية عن أحمد (١)، واختيار أبي العباس ابن تيميّة (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره» (٣). وجه الدلالة: أن بيع المسلم فيه مِن صرفه إلى غير عقد السلم، أما إذا قبضه وتم عقد السلم جاز له ذلك؛ لأنه حينئذ لم يصرفه إلى غيره. المناقشة: قال أبو العباس ابن تيمية: (عنه جوابان: أحدهما: أن الحديث ضعيف، والثاني: المراد به ألا يجعل السلف سلمًا في شيء آخر، فيكون معناه النهي عن بيعه بشيء معين إلى أجل، وهو من جنس بيع الدين بالدين؛ ولهذا قال: «لا يصرفه إلى غيره» أي لا يصرف المسلم فيه إلى مسلم فيه آخر) (٤). الدليل الثاني: الإجماع، قال ابن قدامة: (أما بيع المسلم فيه قبل قبضه) يعني على غير المسلَم إليه (فلا نعلم في تحريمه خلافًا) (٥). المناقشة: قال أبو العباس ابن تيميّة: (وأما ما ذكره الشيخ أبو محمد في مغنيه ... فقال ﵀ بحسب ما علمه، وإلا فمذهب مالك أنه يجوز بيعه من غير المستسلِف كما يجوز عنده بيع سائر الديون من غير من هو عليه، وهذا أيضًا إحدى الروايتين عند أحمد) (٦) وقال ابن قيم الجوزية:

стр. 144

(وأما قولكم: إن المنع إجماع. فكيف يصح دعوى الإجماع مع مخالفة حبر الأمة ابن عباس وعالم المدينة مالك بن أنس؟ فثبت أنه لا نص في التحريم ولا إجماع ولا قياس) (١). الدليل الثالث: أحاديث النهي عن بيع ما ليس عندك وعن ربح ما لم يضمن (٢)، وأحاديث النهي عن بيع المبيع قبل قبضه (٣). وجه الدلالة منها: أن المسلَم فيه ثابت في ذمة المسلم إليه داخل في ضمانه، ولا يدخل في ضمان المسلم إلا بعد استيفائه، فلا يجوز أن يسلم فيه قبل ذلك، والسلم بيع، ولا أن يربح فيه؛ لأنه لم يضمنه. المناقشة: أن النهي عن بيع المبيع قبل قبضه إنما هو في المعين أو المتعلق به حق توفية، أما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء (٤). الجواب: هذا صحيح فيما لو كان بيع دين السلم على مَن هو عليه، أي على المسلَم إليه المدين، ولكن محل البحث في بيع دين السلم على غير مَن هو عليه، والجمهور يمنعون الأمرين. الدليل الرابع: أن المشغول لا يُشغل (٥)، ومحل العقد مشغولٌ بالعقد الأول فلا يشغل بالثاني. الدليل الخامس: نهيُ النبي ﷺ عن الغرر (٦)، وبيع دين السلم من بيع الغرر؛ لأنه غير مستقر، ذلك أن وجوده محتمل وليس متحققًا، والمدين -المسلم إليه- غير قادر على تسليمه قبل أجله، كما أنه ليس دينًا في ذمة الطرف الجديد فيكونَ مقبوضًا له حكمًا. دليل القول الثاني: أن أحاديث النهي عن بيع ما لم يقبض خاص بالطعام، فدل على جواز ذلك فيما عداه. المناقشة: ١. ورود أحاديث عامة في النهي عن بيع المبيع قبل قبضه، تشمل الطعام وغيره (٧). ٢. أن النهي عن ربح ما لم يضمن نهيٌ عامٌّ، فيشمل كلَّ مسلَم فيه من طعام وغيره.

стр. 145

أدلة القول الثالث: الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: (إذا أسلفت في طعام فحلَّ الأجل فلم تجد طعامًا فخذ منه عرضًا بأنقص، ولا تربح عليه مرتين) (١). المناقشة: أنه خالفه ابن عمر ﵄ فقال: (إذا أسلفت في شيء فلا تأخذ إلا رأس مالك أو الذي أسلفت فيه) (٢)، ومعنى أثر ابن عمر أنه ليس له إلا إنجاز السلم أو الإقالة منه، أما بيع المسلم فيه قبل قبضه لبائعه بعرض ونحوه فلا، فغير بائعه بالمنع أولى. الجواب: قد لا يكون هناك تعارض بين الأثرين، فالمقصود عدم الزيادة. الرد: بينهما فرق ظاهر، فالأول يجيز أخذ شيء من غير جنس المسلم فيه تكون قيمته أنقص، والثاني يمنع من ذلك. الدليل الثاني: أن الأصل في المعاملات الجواز والصحة، وليس في المسألة ما يقتضي المنع، كالربا والغرر ونحوهما، كما أنه إذا باع المسلَم فيه بقدر القيمة لم يربح في ما لم يضمن. الدليل الثالث: القياس على العوض الآخر في السلم، وهو الثمن المقدَّم. والقياس على بدل القرض والثمن في المبيع، بجامع أن كلًّا من دين المسلم فيه وهذه الأصول دينٌ ثابتٌ، فيجوز الاعتياض عنه (٣). المناقشة: أن الثمن المقدم في السلم ليس بدين، بخلاف المسلم فيه، فهو دين السلم، فافترقا، ومن أوجه الحكمة في تجويز السلم الإرفاق بالعامل الذي لا يجد رأس المال، فكان لا بد له من مالٍ للتصرف به، وكذلك ثمن المبيع الآجل والبدل المقبوض قرضًا ليسا دينًا، بل كلٌّ منهما عين، فلا يقاس عليها دين السلم، إذ هو دين، وأما بدل القرض المؤجل فمحل خلاف مقرر في مكانه، ثم هو دين مستقر بخلاف دين السلم. منشأ الخلاف: الخلاف في هذه المسألة فرعٌ عن الخلاف في مسألة بيع المبيع قبل قبضه.

стр. 146

الترجيح الراجح عدم جواز إسلام المسلم فيه. سبب الترجيح: أن بيع المبيع قبل قبضه ممنوع على الراجح؛ لما عُلم من أدلة (١)، وما ذكره أصحاب القول الثالث ليس ببعيد، والترجيح في هذه المسألة ظني. الفرع الثاني: الإسلام في مثل المسلَم فيه . نصَّ الفقهاء على هذه المسألة صورةً وحكمًا، وأنها جائزة. قال الشافعي في "الأم": (ومن أسلف في طعامٍ ثم باع ذلك الطعام بعينه قبل أن يقبضه لم يجز) كما في الصورة السابقة (وإن باع طعامًا بصفة ونوى أن يقضيه من ذلك الطعام فلا بأس؛ لأن له أن يقضيه من غيره ...) (٢)، وفي السلم الموازي المعقود عليه موصوف في الذمة، والمعقود عليه في السلم الآخر يشبهه في الصفة، فله أن يقضيه منه أو من غيره، كما قال الإمام. وكذلك نصَّ الحنابلة على صورته، وهي أن يكون لرجل سلم وعليه سلم من جنسه (٣). وإن كان المالكية يجيزون السلم في عين المسلم فيه ففي مثله أولى، وقد أشار بعضهم إلى نحو ذلك (٤). وعامة المعاصرين على الجواز بشرط عدم الربط بين العقدين (٥)، وبمعرفة أوجه الربط يتبين أن هذا الشرط مشترط عند من أجازه من غير المعاصرين، وأوجه الربط بين عقدي السلم الموازي هي: أولًا: أن يحيل الطرف المشترك بين عقدي السلم على دين السلم الأول، ومثاله: أن يحيلَ المسلمُ في العقد الأول -وهو المسلم إليه في العقد الثاني- الطرفَ الثالث -وهو المسلم في

стр. 147

العقد الثاني- على الطرف الأول -وهو المسلم إليه الأصيل-، وهذا فرع عن الحوالة على دين السلم، وهو غير جائز عند الجمهور (١)؛ لأنه دين غير مستقر، وأجازه الحنفية (٢) وبعض الحنابلة (٣). ثانيًا: أن يُوكِّل المسلمُ الذي هو مسلمٌ إليه الطرفَ الثالثَ في القبض من الطرف الأول، ثم يعطيه إياه، وهذا جائز صحيح عند الشافعية (٤) والحنابلة (٥)، وفي رواية عن أحمد أنه لا يصح (٦). الدليل: الدليل لجواز السلم الموازي بهذه الصورة هو الدليل لجواز عقد السلم؛ لأن السلم الموازي عقد سلمٍ مستوفٍ لشروطه، وتصرف المسلم، وهو الدائن، في السلم، أي المسلم فيه، بعد قبضه بإسلامه لطرف آخر لا أثر له على العقد الأول؛ لأن ملكه صحيح ويخوله أن يتصرف فيه بكل تصرف مباح، أو يقال: عقدان مع طرفين، لا علاقة لأحد العقدين بالآخر، فيباح كمن اشترى سلعةً من زيد فباعها لسعدٍ، واشتراط عدم الربط بين العقدين يفيد السلامة من الحيلة على التمويل الربوي أو على بيع ما لم يقبض، ومهما كان الراجح في الحوالة على دين السلم أو في الوكالة المذكورة فينبغي المنع منهما في السلم الموازي؛ اعتبارًا للمآلات وسدًّا للذرائع، فقد يعطي المصرف تمويلًا لعميل في صيغة سلم، فإذا جاء وقت تسليم المسلم فيه طلب من العميل إحالته على الجهة التي أسلم إليها العميل، فيؤول إلى التمويل الربوي؛ لذا يشترط لجواز وصحة هذا العقد ما سبق من شروط في استصناع الصانع، والله أعلم.

стр. 148

المبحث الحادي عشر: تورُّق المتورِّق (إعادة التورُّق) ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف التورق وحكمه . تعريف التورق التورق لغة مصدر تورَّق، وهو تفعُّلٌ من الورق، وفي "مقايس اللغة": (الواو والراء والقاف أصلان يدل أحدهما على خير ومال، وأصله ورق الشجر، والآخر على لون من الألوان) (١) وذكر في "القاموس المحيط" أن الوَرْق مثلَّثةً والوَرِق والوَرَق: الدراهم المضروبة، ويطلق الورّاق على الكثير الدراهم، ويقال: أورق: كثُر ماله ودراهمه (٢). هذه أقرب المعاني اللغوية للمعنى الاصطلاحي، وجاء في أثر عن إياس بن معاوية ﵀ ذكر التورق، كما سيأتي، علاوةً على أنه لا يشترط في استعمال اللفظ في المعنى الاصطلاحي الحادث أن يسبقه استعمالٌ في اللسان لذلك المعنى، ولا تأثير لذلك في الحكم؛ لأن هذاه المعاملة معروفة ومنصوص على حكمها بأسماء مختلفة، والعبرة بالحقائق لا بالألفاظ، وقد أجاز بعض العلماء إحداث الاسم للشيء من طريق الاشتقاق (٣). والتورق اصطلاحًا أن يشتري محتاجُ النقدِ سلعةً بثمنٍ مؤجَّل فيبيعها على آخر بثمن حالّ، وهذه المعاملة ذكرها بعض الأئمة والفقهاء، نصًّا أو ضمنًا، ووردت تسميتها بالتورق لدى الحنابلة (٤)، وسماها بعض الشافعية بالزَّرْنَقة (٥)، وبالعينة الجائزة (٦)، وذكرها بعض الحنفية (٧) والمالكية (٨) في صور العينة، وفرقوا بينهما في الحكم، والعينة أن يشتري من شخصٍ سلعةً بنقد ويبيعها عليه بثمن مؤجل أو حالّ لم يقبض (٩)، ولها صور فروع.

стр. 149

حكم التورق التورق بهذه الصورة يسمى أيضًا التورق الحقيقي أو العادي أو الفقهي، تمييزًا لها عن التورق المصرفي -المشهور بالتورق المنظَّم-، ويأتي بيانه -بإذن الله-، وقد اختلف العلماء في التورق الحقيقي على ثلاثة أقوال: القول الأول: جواز التورق مع الكراهة، وهو قول الحنفية (١) والمالكية (٢) ورواية عن

стр. 150

الإمام أحمد (١). القول الثاني: جوازه بلا كراهة، وهو قول إياس بن معاوية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) وأبي يوسف (٥) وبه صدر قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع للرابطة (٦) وفتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٧)، وغيرهم (٨). القول الثالث: تحريمه، وهو قول عمر بن عبد العزيز (٩)، ورواية عن أحمد (١٠)، وقول ابن تيميّة (١١) وظاهر قول ابن قيم الجوزية (١٢) وبعض المعاصرين (١٣).

стр. 151

الأدلة: دليل القول الأول: يدل على الجواز أدلة القول الثاني، أما الكراهة فدليله ما في التورق من الإعراض عن مبرة القرض (١)؛ لأن التورق يقضي حاجة المقترض ويحقق ربحًا بالبيع الآجل للمقرض، فيعدلان عن القرض إليه. أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أن التورق فيه بيع بالأجل أو بالتقسيط، وذلك جائز؛ لقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ البقرة: (٢٨٢) وفيه بيع حالٌّ على طرف ثالث، غير البائع الأول، وذلك جائز؛ لقوله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ البقرة: (٢٧٥)، وليس بين العقدين ارتباط يمنع الجواز أو الصحة. المناقشة: ١. التورق معاملة تجمع عقدين، وحكم الجمع يخالف حكم التفريق، ولفظ البيع في الآية لا يتناول صورة التورق (٢). الجواب: أن الأصل جواز اجتماع عقدين أو اشتراط أحدهما في الآخر، إلا أن يكون الجمع بينهما محل نهي، كما في العينة، أو أن يكون أحدُ العقدين معاوضةً والآخر تبرعًا مع اشتراط أحدهما في الآخر، كالقرض بشرط الهبة، أو يكون العقدان متعارضان، كاجتماع البيع والإجارة في زمن واحد على طرف واحد، أو يكون اشتراط أحدهما في الآخر وسيلةً إلى محرم، كبيع الوفاء، فهو وسيلة إلى ربا الديون، وليس شيءٌ من ذلك موجودًا في التورق، والحاصل أن اجتماع العقدين لا يقتضي المنع لذاته، والمنع من اشتراط أحد العقدين في الآخر قول مرجوح (٣). ٢. أن آية البقرة ردٌّ على شبهة المشركين القائلين: إن زيادة الثمن مقابل الأجل في البيع كزيادة الدين مقابل الزيادة في الأجل في الربا، والجواب أن منفعة التبادل الموجودة في البيع تجبر هذه الزيادة، فإذا لم تكن السلعة مقصودة للمشتري إلا لمجرد التحايل على التمويل انتفت منفعة التبادل (٤).

стр. 152

الجواب: أولا: الزيادة في الربا لازمة للبائع على المشتري، وفي التورق محتملة، وليست للبائع الأول. ثانيا: القول بالموجب، سلمنا أن الفرق منفعة التبادل، ولكنها موجودة في محل الخلاف، فإن البيع في التورق ليس صوريًا، بل مشروط في البيعين جميعًا جميع شروط البيع وزيادة، مثل اشتراط ألا يكون المشتري الثاني هو البائع الأول أو وكيله أو كل من يعتبر البيع له في حكم إعادة للسلعة للأول، وقصد المشتري للسلعة كقصد التاجر والمضارب لها، كلهم يقصد منها قصدًا جائزًا، وهو ثمنها. الدليل الثاني: أحاديث النهي عن بيع السلع حتى تُقبض (١)، فدلت بمفهوم الغاية على جواز بيعها إذا تم القبض، فمثلا في حديث حكيم ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، إني أشتري بيوعًا فما يحل لي منها وما يحرم عليَّ؟ قال: «فإذا اشتريت بيعًا فلا تبعه حتى تقبضه» فالشراء في هذا الحديث وغيره مطلق، يشمل الحالَّ الثمنِ والمؤجَّلَهُ، كما لم يعلق النهي بكون البيع الأول مؤجلا والثاني معجلا، مع أن المقام يستدعي بيان ذلك لو كان منهيًا عنه، مع عدم ورود النهي عنه في نص آخر، حتى لا يظن ظان أن حكيمًا ﵁ كان عالمًا بالحكم. الدليل الثالث: أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله ﷺ : «أكل تمر خيبر هكذا؟» قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : «لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا» (٢). وجه الدلالة: أن المحظور في واقعة الحديث بيع التمر بالتمر متفاضلا، وذلك عين الربا، والمخرج الصحيح من ذلك هو ما دلَّ إليه النبي ﷺ ، والمحظور في مسألتنا بيع السلعة على البائع الأول بأقل من الثمن الأول، وتلك العينة، التي هي من الربا، أما التورق السليم فليس البيع فيها على البائع الأول ولا من يقوم مقامه، وكأني بمن يحرم التورق -لو لم يرد هذا الحديث- يقولون من ابتاع الجمع بالدراهم واشترى بالدراهم جنيبًا محتال على الربا، والبيع صوري، والدراهم التي توسطت غير مقصودة لصاحب التمر، ونحو ذلك، وهذا ما قالوه في التورق، وكأنَّ هذا الحديث تعبدي غير معقول المعنى فلا يتعدى محله! المناقشة (٣):

стр. 153

١. أن هذا الحديث يُستدل به على جميع صور العينة: الثنائية والثلاثية والتورق، وجمهور مجيزي التورق لا يوافقون على الباقي، فما كان جوابًا لهم كان جوابًا لمانعي التورق. الجواب: الذي أخرج العينة الثنائية من هذا الحديث ورود النهي عنها، والذي أخرج العينة الثلاثية أنها حيلة على الثنائية، وليس في التورق نصٌّ ولا معنى يقتضي إلحاقه بالعينة، ففي العينة ترجع السلعة للبائع ويكون أعطى نقودًا ليأخذ أكثر منها مؤجلة، وهذا ربا النسيئة والفضل، فأين هذا في التورق؟ ٢. أن الحديث فيه بيع وشراء بثمن حاضر، فكيف يقاس عليه ما هو في الذمة غير مقبوض؟ وفيه بيع بمال حاضر، ومن يبيع بمال حاضر مستغن، أما من يشتري بدين فمحتاج، فكيف يقاس مستغن على محتاج؟ وفي الحديث الأمر بالبيع ثم بالشراء، وفي التورق بالعكس، فكيف يقاس عليه؟ الجواب: أما وجه القياس فقد تقدم، وأما ما ذُكر فكلها أوصاف طردية، لم يعتبرها الشارع، ولا علق عليها حكمًا ما، فأين في الشريعة تحريم البيع بالدين؟ وأين في الشريعة التفريق بين المستغني والمحتاج في البيع والشراء بمثل هذا المنطق؟ وما هو المعنى المؤثر في تقديم البيع على الشراء أو تأخيره؟ ٣. أن المقصود في الحديث التخلص من التمر الرديء والحصول على الجيد، وهذا مقصود جائز، والمحذور مبادلة تمر بتمر مع التفاضل؛ لما يخشى من إفضائه إلى تأخير أحد البدلين، وهذا يحصل من تَكرار المبادلة لا من المبادلة بعينها، والمقصود في التورق شغل الذمة بلا مقابل، وهو المقصود المحذور في ربا النسيئة. الجواب: إذا كان المقصود من التورق هو شغل الذمة بلا مقابل فالمقصود ببيع الجمع وشراء الجنيب مبادلة تمر بتمر، وليس الأمر كذلك، ثم إن المحذور هو عين المبادلة المشتملة على التفاضل، وليس المحذور هو تأخير أحد البدلين فقط، وقياس التورق على ربا النسيئة خطأ؛ لأن النسيئة التأخر بين بدلين وجد فيهما العلة الربوية، وفي التورق السليم البدلان لا يتحدان في العلة الربوية، كمن يشتري سيارة بنقود، فالتأخير هنا من البيع الآجل، ورحم الله ابن قيم الجوزية حين قال: (ولأرباب المقالات أغراضٌ في سوء التعبير عن مقالات خصومهم، وتخيُّرهم لها أقبح الألفاظ، وحسنِ التعبير عن مقالات أصحابهم، وتخيُّرهم لها أحسن الألفاظ، وأتباعُهم محبوسون في قيود تلك العبارات، ليس معهم في الحقيقة سواها، بل ليس مع المتبوعين غيرها، وصاحبُ البصيرة لا تهوله تلك العبارات الهائلة، بل يجرِّد المعنى عنها، ولا يكسوه عبارةً منها، ثم يحمله على محل الدليل السالم عن

стр. 154

المعارض، فحينئذٍ يتبين له الحق من الباطل، والحالي من العاطل) (١). الدليل الرابع: نُقل الاتفاق على جوازه، جاء في "الزاهر": (وأما الزَّرْنَقة فهو أن يشتري الرجل سلعة بثمن إلى أجل ثم يبيعها من غير بائعها بالنقد وهذا جائز عند جميع الفقهاء) (٢) وفي "المصباح المنير": (فلو باعها المشتري من غير بائعها في المجلس فهي عينةٌ أيضًا، لكنها جائزة باتفاق) (٣). المناقشة: هذه مراجع لُغَوية لا يحتج بها في نقل الاتفاق الشرعي، والخلاف قديم محفوظ. الجواب: صاحب الزاهر فقيه قيل فيه: (وكان رأسًا في اللغة والفقه، ثقة ثبتًا دينًا) (٤)، (أحد أئمة الشافعية) (٥) (وكان إمامًا في اللغة، بصيرًا بالفقه، عارفًا بالمذهب، عالي الإسناد) (٦)، وصاحب المصباح كذلك، قيل فيه: (وكان فاضلًا عارفًا باللغة والفقه) (٧)، وإن كان العالم ثقة في ما ينقله في اللغة فهو ثقة في ما ينقله في غيره. الدليل الخامس: أن الأصل في العقود والمعاملات الحل والصحة حتى يدل دليل على المنع، سواء كان الدليلُ نصيًّا أم قياسيًّا، وقد ذكر صاحب "القبس" سبعًا وثلاثين من البيوع المنهي عنها (٨)، ويضاف لها الربا والعينة، ليس في التورق ما يشبه شيئًا منها، ولا هو حيلةٌ على شيء منها. الدليل السادس: استصحاب الإجماع، فقد نُقل الاتفاق على جواز الشراء لأجلٍ بغرض التجارة أو الانتفاع أو القنية (٩)، ومن جهة أخرى فيه إلحاق التورق بمحل الإجماع بنفي الفارق (١٠)، فالشراء للانتفاع بالثمن داخلٌ في ذلك. المناقشة: عدم التسليم بحجية هذا النوع من الاستصحاب (١١). الجواب: بقي الاستدلال بنفي الفارق.

стр. 155

الدليل السابع: قياس المتورق على التاجر الذي يشتري سلعةً بالآجل ويبيع بالنقد، وكما يشتري بالجملة ويبيع بالتفرقة، ولا يوجد فارقٌ مؤثرٌ بينهما. المناقشة: التاجر يقصد الربح والمتورق يقصد الخسارة؛ لأنه يبحث عن النقد، ومن مقاصد الشريعة حفظ المال، ومن إضاعة المال شراء سلعة بثمن مرتفع وبيعها بثمن منخفض (١). الجواب: عدم التسليم بأن المتورق يقصد الخسارة، بل هو يقصد الربح، ولو وجد السلعة تباع بالثمن الذي اشتراها به أو أكثر نقدًا لباع، فكيف يخالف قصده لو كان يقصد الخسارة؟ ولكن من المتيقن أن أي سلعة لا تباع نقدًا بالثمن الذي تباع به إلى أجل. أدلة القول الثالث: الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سَلَّط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» (٢)، والعينة لغةً وشرعًا تشمل كل معاملة يراد بها الحصول على النقد الحاضر مقابل مال في الذمة أكثر منه، وقد سمى الفقهاء التورق عينةً. المناقشة: جمهور العلماء من أهل اللسان والفقه يفرقون بين العينة والتورق صورةً وحكمًا، وإطلاق اسم العينة على التورق من جنس إطلاق الحسد على الغبطة والمتعة على القران ونحو ذلك، بدليل أن الذين استعملوا هذا الإطلاق خصوا التورق بحكم غير حكم العينة. الدليل الثاني: عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع المضطر (٣)، والمتورق مضطر للحصول على النقد، وإلا لما لجأ إلى التورق، والنهي يقتضي التحريم، فدل على تحريم التورق، وقال الخطابي: (وفي إسناد الحديث رجل مجهول لا ندري من هو، إلا أن

стр. 156

عامة أهل العلم قد كرهوا البيع على هذا الوجه). المناقشة: أولا: الحديث ضعيف، ولا يتم الاستدلال به؛ لذلك. ثانيا: قد بيَّن الخطابي قبل كلامه السابق أن بيع المضطر له وجهان، الإكراه والإلجاء إلى البيع، وهذا بيع فاسد، والاضطرار بسبب كالدين ونحوه، وهذا ينبغي أن يعان ولا يُبَايع على هذا الوجه، فإن اضطر وباع جاز ولم يُفسخ، ولم يقل بالتحريم في هذه الصورة. ثالثا: ليس كل متورق مضطرًا. الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄ قال: (إذا استقمت بنقد وبعت بنقد فلا بأس به، وإذا استقمت بنقد فبعت بنسيئة فلا، إنما ذلك ورق بورق) قال ابن عيينة: فحدثت به ابن شبرمة، فقال: (ما أرى به بأسا)، قال عمرو بن دينار: إنما يقول ابن عباس: (لا يستقيم بنقد ثم يبيع لنفسه بدين) (١)، والبائع في التورق يبين للمتورق أن سعر السلعة كذا، وأبيعها لك نسيئة بزيادة كذا، فدل على أن مقصوده دراهم بدراهم. المناقشة: أولاً: معنى الأثر الصحيح: إذا وكلت شخصًا في بيعٍ، وحددت له الثمن نقدًا، وجعلت الزيادة له، فباع بها نقدًا فلا بأس، وإن زاد فالزيادة له، فإن باعه -من نفسه أو غيره بذلك الثمن أو أكثر- نسيئةً فلا خير فيه، ودليل هذا التفسير أمور: أولها: قول عمرو بن دينار -وهو راوي هذا الأثر عن عطاء عن ابن عباس-: إنما يقول ابن عباس: (لا يستقيم بنقد ثم يبيع لنفسه بدين) فإن ذلاك الفعل مخالفة صريحة لعقد الوكالة. ثانيها: قول عطاء-وهو راوي هذا الأثر عن ابن عباس-: في الرجل يدفع إلى الرجل الثوب فيقول: بعه بكذا وكذا، فما استفضلت فهو لك، قال: (إن كان بنقد فلا بأس، وإن كان بنسيئة فلا خير فيه) (٢). ثالثها: تبويب عبد الرزاق لهذا الأثر: (باب الرجل يقول: بع هذا بكذا، فما زاد فلك. وكيف إن باعه بدين؟). رابعها: في "غريب الحديث": (قوله: (إذا استقمت) يعني قوَّمتَ، وهذا كلام أهل مكة يقولون: استقمت المتاع يريدون: قومته، فمعنى الحديث أن يدفع الرجل إلى الرجل الثوب

стр. 157

فيقومه بثلاثين ثم يقول: بعه بها فما زدت عليها فلك. فإن باعه بأكثر من ثلاثين بالنقد فهو جائز، ويأخذ ما زاد على الثلاثين، وإن باعه بالنسيئة بأكثر مما يبيعه بالنقد فالبيع مردود لا يجوز، وقد كان هشيم يحدثه بقريب من هذا التفسير إلا أنه كان يحدثه بغير لفظ سفيان بن عيينة، قال: حدثناه هشيم قال أخبرنا عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس: أنه كان لا يرى بأسًا أن يدفع الرجل إلى الرجل الثوب فيقول: بعه بكذا وكذا فما زدت فهو لك) (١). خامسها: أنه جاء عن ابن عباس ﵄ أنه لا بأس أن يقول للسلعة: هي بنقد بكذا ونسيئة بكذا. ولكن لا يفترقا إلا عن رضا (٢). أي رضا بأحد الخيارين، وفيه أنه قومها بالنقد ابتداءً فإذا اختار شراءها بثمن النسيئة يكون استقام بنقد وباع بنسيئة. ثانيًا: إذا ثبت هذا فليس في التورق توكيل ولا مخالفة، كما أنه لا مقتضي لتحريم التقويم بالنقد والبيع بالنسيئة أصلًا، فإن كانت الكراهة في بيع النسيئة مطلقًا دخل فيه بيع الأجل بغرض الانتفاع والتجارة. الدليل الرابع: أن التورق فيه المعنى الذي لأجله حُرم الربا مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها، والشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه (٣)، والمعنى شغل ذمة المدين بالزيادة بلا مقابل، وهو الظلم الذي لأجله حرم الربا. المناقشة: أولا: المعنى الذي لأجله حرم الربا شغل ذمة المدين بزيادة الدين الأول بلا مقابل، وهذا يتضح بما يلي: إذا أقرض شخصٌ شخصًا ألفًا على أن يردها ألفًا ومائة بعد شهر، فهذا من ربا الفضل والنسيئة، وفيه شغل ذمة المدين بزيادة على قدر الدين بمقدار مائة، بلا مقابل، وإذا اشترى سلعة بخمسين يدفعها بعد عشرة أيام، وكلما تأخر يومًا زاد عليه خمسًا، فهذا كذلك. ثانيًا: ليس في التورق هذا المعنى، فالشراء من بائع إلى أجل في ما لا يشترط فيه التقابض، بلا زيادة في السعر مقابل التأخير بيعٌ جائزٌ، ثم المشتري يتصرف في السلعة بما يلبي حاجته ما لم

стр. 158

يبعها على البائع الأول؛ لأنه ببيعها على البائع الأول بثمن أقل يكون قد وقع في المحظور من شغل الذمة بالزيادة في الدين الأول بلا مقابل. ثالثًا: لو فُرض جدلًا أن هذا المعنى موجود في التورق، ففيه معنى آخر هو به ألصق وأشبه، وهو الشراء بالأجل بقصد القنية أو التجارة، فكذلك قصد الثمن. الترجيح الراجح جواز التورق، وله شروط: الأول: توفر شروط البيع. الثاني: أن تكون السلعة مما لا يشترط في بيعها التقابض، فلا يصح التورق في العملات ولا الذهب ولا الفضة. الثالث: أن يكون البائع الأول مالكًا للسلعة وقابضًا لها قبضًا حقيقيًّا أو حكميًّا. الرابع: أن يقبض المتورق السلعة من البائع الأول قبل بيعها للطرف الآخر. الخامس: أن يكون المشتري من المتورق غير البائع الأول، ولا يقوم مقامه، فلا يكون وكيلًا عنه ولا موزعًا لمبيعاته ولا نحو ذلك. السادس: ألا يشترط البائع على المتورق غرامات تأخيرية. • إذا تقرر ذلك فمن صور التورق: التورق المصرفي، وهي تسمية حديثة وإن كانت المعاملة قديمة، وصورته أن يشتري العميل السلعة من المصرف، مع توكيله المصرفَ في بيعها. وأشهر صوره أن تكون هذه السلعة غالبًا متعسرة النقل، كالمعادن الدَّوْلية، ويكون قبضها الحكمي بتسلُّم إيصالات المخازن المتضمنة للبيانات الكاملة عن السلعة، فيشتريها المصرف بطلب من المتورق -وهذه مرابحة للآمر بالشراء- ثم يبيعها على المتورق بالأقساط، ويوكل المتورق المصرف ببيعها له، كل هذا يتم في مجلس واحد، بعد دراسة الحالة المالية للمتورق يقوم بتوقيع هذه العقود جملةً (١). وعامة العلماء على تحريمه، فمنهم سعيد بن المسيب (٢) والحسن (٣)

стр. 159

ومالك (١) وبه صدر قرار المجمع الفقهي الإسلامي (٢) وغيرهم (٣)، وذلك لعدد من الأدلة: الدليل الأول: اشتمال التورق المصرفي على العينة من جهتين: الأولى أن المتورق يشتري السلعة من المصرف بثمن آجل ثم يبيعه على طرف له علاقة بالمصرف، وغالبًا ما يتعامل المصرف مع سمسار معين، إما في الداخل وإما في الخارج، وهذه الصورة تسمى العينة الثلاثية، (وسئل مالك: عن رجل ممن يعين يبيع السلعة من الرجل بثمن إلى أجل، فإذا قبضها منه ابتاعها منه رجل حاضر، كان قاعدا معهما، فباعها منه؛ ثم إن الذي باعها الأول اشتراها منه بعد، وذلك في موضع واحد، قال: لا خير في هذا، ورآه كأنه محلل فيما بينهما، وقال: إنما يريدون إجازة المكروه. قال سحنون: وأخبرني ابن القاسم عن ابن دينار أنه قال: هذا مما يضرب عليه عندنا، وهو مما لا يختلف فيه أنه مكروه، وأرى أن يزجر عنه، وأن يؤدب من فعله، قال ابن القاسم: ورأيتها عند مالك من المكروه البين) (٤)، والثانية أن السلعة إلم تكن عند المصرف ففي شرائه من السمسار ثم بيعه له عينة ثنائية أو شبه بها، وذلك محرم، وسبق دليله. الدليل الثاني: أن رسول الله ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (٥)، والمتورق يبيع السلعة دون قبضٍ لها، وغالبًا ما تكون السلع المعدَّة لهذا الغرض غير معينة ولا متميزة؛ لعلم جميع الأطراف بأن بيعها وقبضها غير مقصود لأحد منهم. الدليل الثالث: أن في ذلك حيلةً ظاهرةً على الربا، فإن المتورق يوقع على الأوراق ويحصل في وقت يسير على المال مقابل أقساط مضاعفة تستقر في ذمته، وهذه قرينة ظاهرة على صورية العقود التي لو أُخذت على الانفراد كانت مباحةً. الدليل الرابع: أن رسول الله ﷺ نهى عن ربح ما لم يُضمن (٦)، ولم تدخل السلعة في ضمان المتورق؛ لأنه لم يقبضها.

стр. 160

المناقشة: أن المتورق لم يربح في السلعة، بل باعها بخسارة. الجواب: أن سعر السلعة في البيع بالثمن الحاضر أقل من سعرها في البيع بالآجل، وربح كل شيء بحسبه، وعلى كلٍّ لا خلاف في أنها لم تدخل في ضمانه. الدليل الخامس: قول رسول الله ﷺ : «لا تبع ما ليس عندك» (١)، والمتورق يوكل المصرف في بيع ما ليس عنده. المناقشة: أن التوكيل ببيع ما سيملكه جائز، وليس فيه بيعٌ لما لا يملكه، ثم متى حصل الملك جاز للوكيل أن يبيع كما للأصيل. هذا الحكم على واقع العقد في الوقت الحاضر، وذهب بعض الباحثين إلى الجواز بشروط وضوابط تنتفي معها المحظورات السابقة (٢). المطلب الثاني: حكم تورق المتورِّق (إعادة التورق) . صورة المسألة: من احتاج نقدًا فاشترى سلعةً بالآجل، بقصد بيعها بثمن حال، فهل له أن يشتري سلعةً أخرى من البائع الأول أو من غيره بأجل جديد ويبيعها على غير البائع الأول بثمن حالّ أيضًا؟ ومن المسائل المتعلقة بالتورق وقد تشتبه بهذه المسألة مقلوب التورق، ويسمى المرابحة العكسية، وليس هذا محل بحثه؛ لأنه ليس من شرط البحث (٣). الحكم: لإعادة التورق حالتان: الأولى: ألا يكون سبب التورق الثاني الحصول على نقد من الدائن الأول لسداد الدين الأول والاستفادة مما يبقى من النقد، مثاله: شخص أراد أن يتزوج فأجرى عملية تورق مع

стр. 161

مصرف ما وحصل على مبلغ يُسدَّد خلال سنتين، وبعد سنة أراد أن يشتري سيارة فأجرى عملية تورق أخرى مع المصرف الأول أو مع غيره وحصل على مبلغ يسدده على مدى سنة، ولا يدفع شيئًا منه للمصرف الأول عن دين التورق الأول. والحكم في هذه الحالة الجواز؛ لأن تكييف المسألة يرجعها إلى مسألة الشراء بالآجل من بائع واحد مرتين، كمَن يأخذ حاجاته من محل ويسدد قيمتها في آخِر الشهر، أو الشراء من أكثر من بائع، ولا يوجد دليل يقتضي تحريم ذلك أو كراهته إلا من جهة ذم الدَّين عمومًا وسعي الشريعة إلى إبراء الذمم، والأصل في العقود الجواز والصحة، ولأنه إذا جاز التورق الأول فيجوز الثاني؛ لأنه لا علاقة بينهما حينئذٍ تستلزم المنع. الثانية: أن يكون التورق الثاني بقصد سداد الدين الأول، فإن كان البائع في التورق الثاني أجنبيًّا عن البائع الأول، وليس بين البائعين تواطؤ، فذلك جائز؛ لما تقدم من أنه لا يوجد دليل يقتضي تحريم ذلك أو كراهته إلا من جهة ذم الدَّين عمومًا وسعي الشريعة إلى إبراء الذمم، والأصل في العقود الجواز والصحة، وإذا جاز التورق الأول فيجوز الثاني؛ لأنه لا علاقة بينهما حينئذٍ تستلزم المنع، أما إن كان البائع الثاني هو البائع الأول ففي ذلك قولان: القول الأول: المنع، وبه صدر قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع للرابطة (١) والهيئة الشرعية بمصرف الراجحي (٢) وغيرهم (٣). القول الثاني: الجواز، وقال به بعض المعاصرين (٤). الأدلة: أدلة القول الأول:

стр. 162

الدليل الأول: أن ذلك من ربا النسيئة؛ لأنه بمعنى إما أن تقضي وإما أن تربي، وذلك أن مآل عقد التورق الثاني لسداد دين التورق الأول: أن المدين قد استقر في ذمته دين أكثر من الدين الأول مع زيادةِ مدةِ السداد، فكأنه زاده في الدين ليزيد في الأجل. الدليل الثاني: ما ورد من الإجماع في تحريم بيع الدين بالدين (١). المناقشة: محل الإجماع ابتداء الدين بالدين، ومسألتنا من فسخ الدين في الدين، ومعنى ابتداء الدين بالدين، وهو الواجب بالواجب، بيع ما في الذمة بشيء في الذمة كتأجيل رأس مال السلم (٢). الجواب: أن ابتداء الدين داخل في الإجماع، وكذلك هذه الصورة من فسخ الدين داخلة فيه، جاء في "تكملة المجموع": (... يؤول هذا إلى تفسير بيع الدين بالدين المجمع على منعه -يعني ما نحن فيه- وهو أن يكون للرجل على الرجل دين فيجعله عليه في دين آخر مخالف له في الصفة أو في القدر، فهذا هو الذي وقع الإجماع على امتناعه، وهو في الحقيقة بيع دين بما يصير دينًا) (٣). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أن الأصل في المعاملات الجواز والصحة، وليست هذه المعاملة من قلب الدين المحرم شرعًا، بل هي وسيلة تُيسِّر على المدين سداد دينه وبراءة ذمته مقابل دين جديد مؤخر إلى أجل آخر، دون أن يحصل الدائن على زيادة من استبدال الدين الساقط بالدين الواجب الجديد. المناقشة: الواقع حصول الزيادة، وبذلك تدخل المسألة في قلب الدين، ومما يدعو للتهمة وقصد الزيادة في الدين أن يكون التورق الثاني من البائع الأول، فإن المتورق إذا لم يرد إلا التخلص من الدين فلا فرق عنده بين أن يكون من البائع الأول أو غيره، كما أن الواقع أن ذمة المتورق لا تبرأ بل تزداد شغلا، ومتى أمكن عدم الزيادة انتفى المحظور.

стр. 163

الدليل الثاني: أن الاستدانة لسداد دين سابقٍ متقررٍ جائز (١)، وإعادة التورق بهذه الصورة من الاستدانة لسداد الدين. المناقشة: يشترط لجوازها إذا كانت الاستدانة من الدائن الأول ألا يترتب عليها زيادة في الدين الأول. الدليل الثالث: القياس على الحوالة، فإن الحوالة اقتضت نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فقد عاوض المحيل المحتال من دينه بدين آخر في ذمة ثالث، فإذا عاوضه من دينه على دين آخر في ذمته كان أولى بالجواز (٢). المناقشة: أن الحوالة استيفاء للحق ولا زيادة فيه، وبيع الدين على من هو عليه بثمن مؤجل معاوضة، وفيها زيادة. الدليل الرابع: القياس على بيع العين بالدين، فأحدهما يعجل براءة ذمته -وهو المتورق- والآخر ينتفع بما يربحه، وإذا جاز أن يشغل أحدهما ذمته والآخر يحصل على الربح -وذلك في بيع العين بالدين- جاز أن يفرغها من دين ويشغلها بغيره، وكأنه شغلها به ابتداء إما بقرض أو بمعاوضة، فكانت ذمته مشغولة بشيء، فانتقلت من شاغل إلى شاغل (٣). المناقشة: أن بيع العين بالدين فيه قبض من أحد الطرفين، فكيف يقاس عليه بيع مؤجل البدلين، ولا يسلَّم بجواز الربح في محل البحث؛ لأن الدين في ذمة المدين وليس مقبوضًا للدائن فكيف يربح الدائن فيه ولما يدخل في ضمانه. منشأ الخلاف: يرجع الخلاف في الصورة الأخيرة من هذه المسألة إلى حكم قلب الدَّين، وهل الصورة المذكورة داخلة فيه أو لا؟ وتسمى مسألة قلب الدين: بفسخ الدين في الدين، أو الاستبدال، أو بيع الدين لمن هو عليه، أو الساقط بالواجب (٤)، وهو ممنوع عند جمهور العلماء، أما المالكية (٥) والظاهرية (٦) فمنعوه مطلقًا، وأما الحنفية فأجازوا بيع الدين لمن هو عليه بعين لا

стр. 164

بدين، وبشرط ألا يتضمن ربا النسيئة؛ لذا نصوا على استثناء الصرف والسلم (١)، وأما الشافعية فالجديد جواز الاستبدال إلا عن الدين الحال بمؤجل، واشترطوا في البدل الموافق للدين في علة الربا القبض في المجلس (٢)، وأما الحنابلة فأجازوا بيع الدين المستقر بشرط قبض عوضه في المجلس (٣)، فتحصل منع بيع الدين لمن هو عليه بثمن مؤجل في المذاهب الخمسة، وهو منصوص ابن تيمية (٤). وذهب للجواز ابن قيم الجوزية ونسبه لشيخه ابن تيمية (٥). الترجيح الراجح أن إعادة التورق من غير البائع الأول جائز مطلقًا، ولو كان بترتيب من البائع الأول، وأنه إذا كان ذلك مع البائع الأول فيجوز إلا إن كان بقصد سداد الدين الأول وترتب على ذلاك زيادة في الدين فلا يجوز. أسباب الترجيح: ١. أنه متأيّد بالأصل في هذا الباب. ٢. أن مسألة الشراء بالآجل من بائع واحد مرتين أو الاستدانة من قبل المدين جائز. ٣. أن الصورة الممنوعة من باب بيع الدين على من هو عليه بثمن مؤجل (قلب الدين)، والراجح منعها؛ للأدلة السابقة، كما أنه قول جمهور العلماء وجملة من محققيهم. ٤. أن ترتيب البائع الأول للتورق الثاني ليس فيه محظور شرعي؛ لأن الدين الثاني سيكون في ذمة المدين لدائن أجنبي عن الأول، وليس في ذلك قلبًا للدين ولا عينةً ولا ربا، ولا معنى آخر يقتضي المنع.

стр. 165

الفصل الثاني عقود التبرعات المضافة إلى مثلها ، وفيه أحد عشر مبحثًا: المبحث الأول: استدانة المدين وإقراض القرض المبحث الثاني: توكيل الوكيل المبحث الثالث: إبضاع المبضَع المبحث الرابع: إعارة المعار المبحث الخامس: إيداع الوديعة المبحث السادس: وقف الوقف المبحث السابع: هبة الموهوب المبحث الثامن: إيصاء الموصَّى وتوصية الموصى له والموصي المبحث التاسع: إعتاق الرقيق المبحث العاشر: مكاتبة المكاتب المبحث الحادي عشر: إقطاع المقطَع

стр. 166

المبحث الأول: استدانة المدين (١) وإقراض القرض، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الدين وحكمه . تعريف الدين الدَّين لغةً ما له أجلٌ (٢)، والدَّين والاستدانة والتداين والمداينة ترجع إلى أصلٍ واحدٍ، وهو جنسٌ من الانقياد والذل، ويقال: داينتُ فلانًا إذا عاملتَه دينًا، إما أخذًا وإما إعطاءً (٣)، ودان الرجل إذا استقرض، وهو فعلٌ لازم عند جماعةٍ (٤)، وعليه فلا يقال فيه: مدين ومديون، ومتعد عند آخرين (٥)، وعليه فيقال فيه: مدين ومديون على اسم المفعول، قال في "المصباح المنير": (وقوله -تعالى-: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ البقرة: (٢٨٢) أي إذا تعاملتم بدين من سلم وغيره، فثبت بالآية وبما تقدم أن (الدَّيْنَ) لغة هو القرض وثمن المبيع، فالصداق والغصب ونحوه ليس بدين لغةً، بل شرعًا على التشبيه لثبوته واستقراره في الذمة) (٦). والدين اصطلاحًا له إطلاقان: الأول: إطلاق عام، وهو المستعمل في كثير من نصوص الكتاب والسنة، وهو كل ما ثبت في الذمة من الأموال والحقوق المحضة كسائر الواجبات من صلاة وحج ونذر وغيرها، ويمكن أن يؤخذ لهذا الإطلاق تعريف اصطلاحي من كلام العلماء فيقال: - الدين لزوم حقٍّ في الذمة (٧). - الدين وصف شرعي في الذمة يثبت أثره عند المطالبة (٨). الثاني: إطلاق خاص، وهو ما يقابل العين، والعين الشيء المعيَّن المشخص، وتعريف الدين بهذا الاصطلاح هو ما ثبت في الذمة من مالٍ، وهذا القدر متفق عليه بين الفقهاء، إلا أن الجمهور عمموا فاعتبروه بأي سببٍ يقتضي ثبوته (٩)، والحنفية خصصوا فقالوا: بعقدٍ أو

стр. 167

استهلاكٍ أو قرضٍ (١)، وبعضهم قال: هو عبارة عن مال حكمي يحدث في الذمة ببيع أو استهلاك أو غيرهما (٢)، وقيل: كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدًا والآخر في الذمة نسيئة (٣)، والدين أعم من القرض، فإن القرض يشغل الذمة فهو من الديون، وهناك ديون أخرى ليست بقروض كدين السلم وثمن المبيع المؤجل وغير ذلك. حكم الاستدانة الاستدانة جائزة؛ لقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ البقرة: (٢٨٢)، ولأدلة أخرى. المطلب الثاني: حكم استدانة المدين ، وفيه أربعة أفرع: الفرع الأول: استدانة المدين غير المعسر. صورة المسألة: إذا كان على رجلٍ موسرٍ دَينٌ من الديون الثابتة في ذمته فهل يجوز له أن يستدين؟ الحكم: لا يوجد في الأدلة الشرعية ولا في قواعد الشريعة ومقاصدها ولا في نصوص العلماء - فيما أعلم- ما يمنع من استدانة المدين الموسر، وعموم الأدلة الدالة على جواز الاستدانة تشمله، ومما يمكن أن يُستدل به على الجواز ما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ أن النّبي ﷺ قال: «ما من مسلم يقرض مسلمًا قرضًا مرتين إلا كان كصدقتها مرة» (٤)، فإنه يعم ما لو قضى وأدى القرض الأول وما لو لم يقضه، فيكون المقترض مدينًا للمقرض قبل القرض الثاني، ولكن ينبغي ألا يرهق نفسه بالدين ويعتاده وألا يماطل وهو قادرٌ على الوفاء، فإن النبي ﷺ كان كثيرًا ما يستعيذ من المغرم وهو الدين فسئل عن ذلك فقال: «إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف» (٥)، والغُرم الدين، وورد في التشديد في الدين نصوص أخرى، وقد يؤول به

стр. 168

إلى الإعسار والحجر، ولكن يشترط إذا كان الدائن الثاني هو الأول عدم قلب الدين (١). الفرع الثاني: استدانة المدين المعسر لحاجة نفسه ومن يمون ، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: استدانة المدين المعسر لحاجة نفسه ومن يمون قبل الحجر عليه. صورة المسألة: إذا كان ما عند المدين من مالٍ -زائد عن حاجته- لا يفي بديونه فهو معسر، فإذا لم يطالب غرماؤه بمنعه من التصرف فهل يجوز له أن يستدين لحاجة نفسه ومن يمون -أي: يعول ويقوت- كزوجته وأولاده ومن تجب عليه نفقته؟ الحكم: يجوز للمدين المعسر أن يستدين لحاجة نفسه ومن يمون، ولا يجب، فإن النفقة الواجبة متعلقة بذمته؛ لعموم الأدلة الدالة على وجوب النفقة، وهي تعم المدين وغيره كقوله : ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ الروم: (٣٨)، وقوله ﷺ : «ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك» (٢)، وعدم وجوبها؛ لعدم تعين مصدر النفقة في الاستدانة، فإنه يمكن أن يتكسب أو يكون له حق في مال عام؛ ولأن نفقته -حال إعساره-تجب على غيره من قرابته الموسرين، وسواء كانت استدانته الثانية من الدائن الأول أو من غيره. المسألة الثانية: استدانة المدين المعسرلحاجة نفسه ومن يمون بعد الحجر عليه. صورة المسألة: إذا طالب غرماء المدين بمنعه من التصرف فحُجر عليه، فهل يحق له أن يستدين لحاجة نفسه ومن يمون؟ الحكم: يجوز للمدين المعسر المحجور عليه أن يستدين مطلقًا باتفاق فقهاء المذاهب الأربعة (٣) فمنهم من نص على ذلك ومنهم مَن أطلق جواز وصحة التصرف في الذمة دون التصرف في شيءٍ من ماله؛ لأن الحجر إنما يتعلق بماله لا بذمته والاقتراض من التصرف في الذمة، ولكن لا يشارك أصحاب هذه الديون المحدثة الغرماء الحاجرين في استحقاق ماله؛ لأنهم إما أن يكونوا عالمين بالحجر فقد رضوا بذلك أو لا يكونوا عالمين فقد فرطوا، فإن ذلك مظنة

стр. 169

الشهرة (١). الفرع الثالث: استدانة المدين المعسر لقضاء دين الغرماء . صورة المسألة: إذا كان المدين معسرًا فما حكم استدانته ليؤدي شيئًا من الديون التي صار بسببها معسرًا، فتنتقل ذمته من الاشتغال بدينٍ للاشتغال بدينٍ آخر، وذلك أنه قد يكون المقرض الثاني أصبر عليه من غريمه الأول أو كل غرمائه، أو يكون له في ذلك حاجة أخرى. الحكم: لا يلزم المدين المعسر أن يستدين ليوفي دين الغرماء، ويجوز له ذلك، فإن نصوص الفقهاء المشار إليها في المسألة السابقة تشمل استدانته لحاجة نفسه ومن يمون واستدانته لوفاء دينه، ولكن بعضهم نص على أنه لا يجبر على الاستدانة للوفاء بدينه (٢). ودليل ذلك قوله : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ البقرة: (٢٨٠) فأمر غرماءه بإنظاره لا بإجباره على الاقتراض. فإن كانت استدانته من الدائن الأول ليوفيَ دينه الأول بدينه الجديد فإما أن يكون بلا زيادة على الدين الأول فهذا جائز، وجاء في "كشاف القناع": ((ولو أقرض غريمه المعسر ألفًا ليوفيه منه) أي: الألف (ومن دينه الأول كل وقت شيئًا) جاز، والكل حال) (٣)، وإما أن يكون بزيادة فهذه مسألة قلب الدين، وسبقت في إعادة التورق (٤). الفرع الرابع: إقراض القرض . مِلك المقترض للقرض تام، كملك المشتري للسلعة شراءً ناجزًا، فله أن يتصرف فيه بما يشاء، ومن ذلك إقراضه، قال ابن حزم: (ومَن استقرض شيئًا فقد مَلَكَه، وله بيعه إن شاء وهبته والتصرف فيه، كسائر مِلكه، وهذا لا خلاف فيه، وبه جاءت النصوص) (٥)، ولعله يعني عموم النصوص في التصرف في المِلك.

стр. 170

المبحث الثاني: توكيل الوكيل ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الوكالة وحكمها . تعريف الوكالة الوكالة في اللغة التفويض والاعتماد، ومن معانيها الحفظ (١). والوكالة في الاصطلاح: ١ - عند الحنفية: إقامة الغير مقام نفسه في تصرفٍ معلومٍ (٢). ٢ - عند المالكية: نيابة ذي حق-غير ذي إمرة ولا عبادة- لغيره فيه غير مشروط بموته (٣). ٣ - عند الشافعية: تفويض شخص ما له فعله مما يقبل النيابة إلى غيره ليفعله في حياته (٤). ٤ - عند الحنابلة: استنابة جائز التصرف مثله في ما تدخله النيابة (٥). حكم الوكالة الوكالة جائزة، والأصل في جوازها الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله عن أصحاب الكهف أنهم قالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ الكهف: (١٩)، وقوله عن يوسف ﵇ أنه قال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يوسف: (٩٣)، ولم يأت في شرعنا ما ينافيه، وغير ذلك من آيات. أما السنة فعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «الخازن المسلم الأمين الذي ينفذ -وربما قال: يعطي- ما أمر به كاملًا مُوفَرًا طيبٌ به نفسه فيدفعه إلى الذي أمر له به أحد المتصدقين» (٦). وعن جابر ﵁ قال: أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت رسول الله ﷺ فسلمت عليه وقلت

стр. 171

له: إني أردت الخروج إلى خيبر. فقال: «إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقًا فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته» (١) في أحاديث أخر. ونَقَلَ الإجماع على جوازه جماعة من أهل العلم (٢). المطلب الثاني: حكم توكيل الوكيل ، وفيه ثلاثة أفرع: الفرع الأول: توكيل الوكيل إذا نهاه موكله عن التوكيل . صورة المسألة: توكيل الوكيل من إضافة المصدر إلى فاعله، إذا وكّل موكِّلٌ وكيلًا فنهاه عن أن يوكِّل غيره بالعمل الموكول إليه فما حكم توكيله؟ كأن يقول زيد لسعدٍ: بع سيارتي، ولا يباشر البيع أحد غيرك، أو وكلتك في تزويج أختي، وليس لك أن توكل غيرك. الحكم: لا يجوز توكيل الوكيل إذا نهاه موكله عن التوكيل، قال في "الحاوي الكبير": (وهذا متفق عليه) (٣) وقال في"المغني": (بغير خلاف) (٤). الدليل: أن ما نهاه عنه غير داخل في إذنه، فلم يجز له فعله بالوكالة قياسًا على فعل ما لم يوكله فيه، كما لو وكله أن يشتري له بيتًا فاستأجر له سوقًا. الفرع الثاني: توكيل الوكيل إذا أذن له موكله في التوكيل صورة المسألة: إذا وكل موكِّل وكيلًا وأذن له أن يوكل غيره في القيام بالعمل الموكول إليه فما حكم توكيله؟ وقد يكون الإذن خاصًا في التوكيل كأن يقول للوكيل: وكلتك أن تطلق

стр. 172

زوجتي تطليقة، وأذنت لك أن توكل في ذلك من تشاء. وقد يكون الإذن عامًا كأن يقول للوكيل: وكلتك أن تراجع مطلقتي فاصنع ما شئت. تحرير محل النزاع: إذا أذن الموكل لوكيله في التوكيل إذنًا خاصًا صريحًا جاز له أن يوكل بالإجماع قال ابن المنذر: (وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الوكيل إذا أراد أن يوكل به غيره، وقد جعل الموكل ذلك إليه في كتاب الوكالة أن له أن يوكل به غيره) (١). وقال في"المغني": (لا نعلم في هذين خلافًا) (٢). أما إذا أذن له إذنًا عامًا ففيه قولان: القول الأول: جواز توكيل الوكيل، وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤) والحنابلة (٥) ووجه عند الشافعية (٦). القول الثاني: عدم جواز توكيل الوكيل، وهو الوجه الأصح للشافعية (٧). الأدلة: دليل محل الاتفاق قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ النساء: (٢٩) والتجارة التي يقوم بها وكيل الوكيل قد رضي بها الموكل، وفيه تنبيه على جوازه في غير التجارة من التبرعات والولايات ونحوها، وقوله ﵌: «لا يحل مال امراءٍ مسلم إلا بطيب نفس منه» (٨)، والإجماع المنقول في ذلك.

стр. 173

وأدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: أن قوله: اصنع ما شئت وما في معناه لفظٌ عام، فيدخل في عمومه التوكيل (١). الدليل الثاني: القياس على التصريح بالإذن في التوكيل بجامع الرضا في كلٍّ، ودليل الرضا اللفظ العام. الدليل الثالث: أن الأصل في المعاملات الجواز والصحة، ولا دليل على المنع. دليل القول الثاني: أن التوكيل يقتضي تصرفًا يتولاه الوكيل بنفسه، وقولُه: اصنع ما شئت. وما في معناه يرجع إلى ما يقتضيه التوكيل من تصرفٍ بنفسه، ولا يشمل توكيل غيره (٢). الترجيح الراجح جواز توكيل الوكيل المأذون له إذنًا عامًا إذا كان وكيل الوكيل أمينًا (٣). سبب الترجيح: الموازنة بين الأدلة السابقة، والاستناد للأصل المذكور. الفرع الثالث: توكيل الوكيل إذا أطلق موكله الوكالة ، وفيه ثلاثة مسائل: المسألة الأولى: أن يكون العمل مما لا يقوم الوكيل بمثله. صورة المسألة: إذا وكل موكل وكيلًا في القيام بعمل لا يليق بمثل هذا الوكيل في العادة، كأن يكون عملًا دنيئًا يترفع عنه أمثاله عادةً، أو عملًا لا يحسنه، فهل يجوز له أن يوكل غيره؟ الحكم: يجوز توكيل الوكيل في ما لا يعمله مثله. نص على ذلك المالكية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦)، واشترط بعض المالكية والشافعية أن يكون الوكيل مشهورًا بالوجاهة التي لا يليق معها مباشرة هذا العمل، والموكِّلُ عالمٌ بذلك (٧).

стр. 174

الدليل: أن الإذن المتضمَّن في التوكيل ينصرف في هذه الحالة إلى ما جرت به العادة والعرف من الإذن في الاستنابة (١)، والإذن قسمان: إذن لفظي، وهو ما سبق في الفرع الثاني، وإذن عرفي، ومنه هذه المسألة والمسألة اللاحقة، وقد نقل أبو العباس ابن تيمية اتفاق العلماء على جواز توكيل الوكيل (٢)، ومراده مع وجود الإذن العرفي، وذلك أنه أتبع ذلك بذكر الخلاف في المسألة إذا لم يوجد إذن، وليس في السؤال تصريح بالإذن ولا في السياق، فخرج من قوله صورتان: ١ - عدم الإذن. ... ٢ - الإذن اللفظي. فمراده -والله أعلم- الاتفاق على الجواز في الإذن العرفي، كهاتين المسألتين، ومما يؤيده عدم وقوف الباحث على مخالف صريح في هذه المسألة. جاء في "المهذب": (فصل. ولا يملك الوكيل من التصرف إلا ما يقتضيه إذن الموكل من جهة النطق أو من جهة العرف؛ لأن تصرفه بالإذن فلا يملك إلا ما يقتضيه الإذن والإذن يعرف بالنطق وبالعرف) (٣). وجاء في "إعلام الموقعين": (وقد أُجري العرف مجرى النطق في أكثر من مائة موضع منها ... وتوكيل الوكيل لما لا يباشره مثله بنفسه ... اعتمادًا على الإذن العرفي الذي هو أقوى من اللفظي في أكثر المواضع) (٤). المسألة الثانية: أن يكون العمل مما يقوم الوكيل بمثله ولكنه يعجز عنه بنفسه. صورة المسألة: إذا وكل موكل وكيلًا بعمل يليق بمثله ولكنه لا يتمكن من القيام به بنفسه؛ لكثرته -مثلًا- فهل يجوز للوكيل أن يوكل غيره؟ الحكم: إذا كان الوكيل في ما يقوم به مثله يعجز عن مباشرة العمل كله بنفسه فيجوز له أن يوكل غيره، نص على ذلك المالكية (٥) والشافعية (٦) والحنابلة (٧).

стр. 175

أما إذا كان الوكيل في ذلك يعجز عن مباشرة بعض العمل بنفسه ويقدر على بعضٍ فهل يجوز له أن يوكل في كل العمل أو في القدر المعجوز عنه خاصة؟ فيه قولان: القول الأول: يجوز له أن يوكل في القدر المعجوز عنه خاصة، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، واختاره من الحنابلة أبو يعلى وابن عقيل (٣). القول الثاني: يجوز له أن يوكل في كل العمل، وهو مذهب الحنابلة (٤) ووجهٌ للشافعية (٥). فلو وكل زيد خالدًا أن يبني له بيتًا، وهو قادرٌ على أن يشرف على البناء، كما أنه من المعلوم أنه لن يباشر البناء بنفسه، فعلى القول الأول يلزمه أن يشرف على البناء ولا يوكل غيره في ذلك، وعلى القول الثاني يجوز له أن يوكل غيره في كل عمل. الأدلة: دليل جواز توكيل الوكيل في ما يقوم به مثله ولكنه يعجز عن القيام به كله بنفسه هو دليل المسألة السابقة، أما أدلة ما إذا كان عجزه عن القيام ببعض العمل فهي: أدلة القول الأول: الدليل الأول: أن توكيل الوكيل إنما جاز للحاجة فيختص الجواز بما دعت إليه الحاجة، بخلاف ما لو أذن له في التوكيل فإنه مطلقٌ (٦). الدليل الثاني: أن التوكيل يقتضي أن يتولى الوكيل بنفسه، وإنما أذن له في ما لا يقدر عليه؛ للعجز، ويبقى في ما يقدر عليه على مقتضى التوكيل (٧)، والميسور لا يسقط بالمعسور. أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أنه مَلك التوكيل في بعض العمل فيملكه في جميع العمل، قياسًا على الموكِّل (٨). المناقشة: أنه إنما ملك التوكيل في بعض العمل لعجزه، والوكيل أضعف سلطةً من الأصيل.

стр. 176

الدليل الثاني: أن الوكالة اقتضت جواز التوكيل؛ لكونها في ما يعجز عنه، فجاز التوكيل في فعل جميعه، قياسًا على الإذن اللفظي (١). المناقشة: ١. أن مبنى الوكالة على الخصوص؛ لأن الوكيل يتصرف بولاية مستفادة من قبل الموكِّل، فيملك قدر ما أفاده، ولا يثبت العموم إلا بلفظ يدل عليه (٢). ٢. أن الأصل في الوكيل عدم التوكيل والقيام بالمطلوب بنفسه، وما خالف الأصل للحاجة يتقدر بقدرها، ويبقى ما عدا ذلك القدر على الأصل فلا يصح قياسه على الإذن اللفظي؛ لوضوح الفارق بينهما. الترجيح الراجح جواز توكيل الوكيل، في ما يقوم به مثله ولكنه يعجز عنه، في القدر المعجوز عنه خاصةً. سبب الترجيح: ما ذكر من أدلة ومن مناقشة أدلة القول الآخر. المسألة الثالثة: أن يكون العمل مما يقوم الوكيل بمثله ولا يعجز عنه بنفسه. صورة المسألة: إذا وكل موكل وكيلًا أن يرهن سيارته لزيد، والوكيل قادرٌ على ذلك ولا يأنف مثله عن فعل ذلك، فهل له أن يوكل غيره للقيام بذلك العمل؟ الحكم: اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يجوز له أن يوكل غيره، وهو مذهب الحنفية (٣)، وقول مالك وأصحابه (٤)، وقول الشافعي وأصحابه (٥)، وهو المذهب عند الحنابلة (٦)، واختاره ابن المنذر (٧).

стр. 177

القول الثاني: يجوز له أن يوكل غيره إذا أراد أن يغيب أو مرِض، وهو قول محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى (١). القول الثالث: يجوز له أن يوكل غيره مطلقًا، وهو رواية عن الإمام أحمد (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: الدليل الأول: قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ النساء: (٢٩)، وقوله ﷺ : «إنما البيع عن تراضٍ» (٣) وقوله ﵊: «لا يحل مال امراءٍ مسلمٍ إلا بطيب نفسٍ منه» (٤). وجه الدلالة: أن الوكالة المتضمنة لمعاوضة إذا وكّل فيها الوكيل غيره، فإن الموكِّل لم يرضَ به إنما رضي بتصرف الوكيل، فدخل في عدم التراضي، ولا يحل أن يتصرف في مالِ الموكل إلا بطيب نفسٍ منه. الدليل الثاني: أن الموكل لم يأذن له في التوكيل لا لفظًا ولا عرفًا، ولا تضمنه إذنه المستفاد من الوكالة، فلم يجز قياسًا على ما لو نهاه (٥). الدليل الثالث: أن التوكيل استئمانٌ في ما يمكنه النهوض فيه فلم يكن له أن يوليه مَن لم يأمن الموكل عليه، قياسًا على الوديعة، فإن المستودَع لا يحق له أن يودع الوديعة لغيره- في الأصل-؛ لأن المودِع لم يرض إلا بأمانته، فكذلك الوكالة (٦). الدليل الرابع: أن الإذن المستفاد من الوكالة لا يتناول تصرفَ غيرِه من جهة النطق ولا من جهة العرف؛ لأنه ليس في العرف إذا رضيه أن يرضى غيره (٧).

стр. 178

الدليل الخامس: أن الموكِّل فوض إلى الوكيل التصرف دون التوكيل به؛ لأنه إنما رضي برأيه، والناس متفاوتون في الآراء. المناقشة: التسليم بأن الناس متفاوتون في الآراء، ولكن قد يكون الوكيل الثاني أقوى رأيًا من الأول أو مثله، وإلا لما وكله، ثم إن رَدّ الموكِّل توكيلَ الوكيل مع الرضا برأيه تناقض. الجواب: ١. العبرة في معرفة قوة الرأي بظن الموكل؛ لأنه المتصرف الأصيل، والمالك لحق التصرف أو للعين. ٢. أن الموكل رضي برأي الوكيل في تصرف خاص كالبيع أو الشراء أو الهبة مما وُكل به، وليس التوكيل داخلًا في هذا التصرف، فلا تناقض، وإنما يقع التناقض لو كان رضا الموكل برأي الوكيل في التوكيل أو برأيه مطلقًا (١). أدلة القولين الثاني والثالث: الدليل الأول: يمكن أن يستدل لهم بما جاء عن حُضَين بن المنذر أبي ساسان قال: شهدت عثمان بن عفان وأتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان، أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها. فقال: يا علي قم فاجلده. فقال علي: قم يا حسن فاجلده. فقال الحسن: وَلِّ حارَّها مَن تولى قارَّها. فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبدالله بن جعفر قم فاجلده. فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين فقال: أمسك. ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين وجلد أبو بكر أربعين وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة وهذا أحب إلي (٢). وجه الدلالة: أن عثمان وكل عليًا ﵄ وكالةً مطلقةً عن الإذن أو النهي في التوكيل، فوكَّل علي الحسن ﵄ ثم وكل عبدَ الله بن جعفر ﵄، ويحتمل أن يكون علي وكل الحسن ثم وكل الحسنُ عبدَالله بن جعفر ﵃ (٣) وكيف ما كان تم الاستدلال. المناقشة: أن هذا التوكيل من الوكيل قد حصل فيه إذن عرفي، فقد وكل علي ﵁ وكيله

стр. 179

أمام عثمان ﵁ فأقره، ومثل هذا خارج عن محل النزاع؛ لحصول الإذن فيه. الدليل الثاني: أن الوكيل له أن يتصرف بنفسه، فملك التوكيل نيابةً قياسًا على المالك (١). المناقشة: ١. ليس للوكيل أن يتصرف بنفسه تصرفًا مطلقًا، وإنما في حدود ما وكل إليه. ٢. أن الوكيل ليس كالمالك، فإن المالك يتصرف بنفسه في ملكه كيف شاء، بخلاف الوكيل. الترجيح الراجح عدم جواز توكيل الوكيل في ما يقوم مثله به ولا يعجز عنه بنفسه. سبب الترجيح: قوة أدلة هذا القول ومناقشة أدلة الطرف الآخر. تنبيهات: الأول: في حالات الجواز يشترط أن يكون وكيل الوكيل أمينًا (٢). الثاني: اختلف الفقهاء في وكيل الوكيل هل يكون وكيلًا للموكل أو للوكيل، وينظر ذلك في محله (٣). الثالث: يشكل على صحة الإذن الحكمي أو العرفي حديث: «إني لأجد طعم شاة ذُبحت بغير إذن صاحبها» فقالت صاحبة الدعوة: يا رسول الله، أخي، وأنا من أعزِّ الناس عليه، ولو كان خيرًا منها لم يغيِّر علي، وعلي أن أرضيه بأفضل منها. فأبى أن يأكل منها وأمر بالطعام للأسارى (٤). وجه الإشكال: أن الإذن الحكمي حاصلٌ لهذه المرأة ولم يقرّها النبي ﷺ ، فدلَّ على عدم اعتباره. والجواب عن ذلك أن وجه اعتباره محكم، وهو قوله : ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ الآية، النور: (٦١)، وهذا الحديث متشابه، فليُبحث له عن محمل.

стр. 180

المبحث الثالث: إبضاع المبضَع ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الإبضاع وحكمه . تعريف الإبضاع الإبضاعُ لغةً إفعالٌ من البضاعة، والبضاعة القطعة من المال، وقيل: اليسير منه، والبضاعة ما حمّلتَ آخر بيعه وإدارته (١)، وهو عينُ المعنى الاصطلاحي. وعرف الإبضاع اصطلاحًا بتعريفات متفقة في الحقيقة فمن ذلك: ١ - عند الحنفية: دفع المال بضاعةً (٢). ٢ - عند المالكية: دفع مالٍ من مال الشركة لمن يشتري به بضاعة من بلد (٣). ٣ - عند الشافعية: بعث المال مع مَن يتجر فيه متبرعًا (٤). ٤ - عند الحنابلة: أن يعطي من مال الشركة لمن يتجر فيه والربح كله للدافع (٥). وكونه من مال الشركة وصفٌ طردي ليس بلازم فسواء كان من مال الشركة أو لم يكن فالحكم واحد، وقد ورد الإبضاع بهذا المعنى في كلام المتقدمين وأخبارهم (٦). حكم الإبضاع الإبضاع عقد جائز (٧). ودليل ذلك عموم الأدلة الدالة على جواز التجارة فإنه منها، وعلى جواز المضاربة فإنه من جنسها، قال في "المغني": (ولأنه إذا جاز دفعه بجزء من ربحه فدفعه إلى من يوفر الربح أولى) (٨)، أي بالجواز، وعلى جواز الوكالة، فالإبضاع توكيل بلا جعل (٩)؛ ولأنه من المعروف والإحسان الذي تدعو إليه الشريعة القويمة؛ ولأن فيه دفعًا للحاجة، فقد لا يحسن رب المال المتاجرة به فيعطيه من يعمل له فيه ويكون ربحه كاملًا مع أصله لرب المال، وقد يحسن التجارة ولا يتفرغ لها أو لا تليق به، ولو ادعى مدعٍ الإجماع على جوازه لما أبعد، وقد يشتبه على بعضٍ
следующие страницы →