← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 420

العقود المضافة إلى مثلها

عبد الله بن طاهر

Полный текст (309 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الدليل الثاني: أن الوكالة اقتضت جواز التوكيل؛ لكونها في ما يعجز عنه، فجاز التوكيل في فعل جميعه، قياسًا على الإذن اللفظي (١). المناقشة: ١. أن مبنى الوكالة على الخصوص؛ لأن الوكيل يتصرف بولاية مستفادة من قبل الموكِّل، فيملك قدر ما أفاده، ولا يثبت العموم إلا بلفظ يدل عليه (٢). ٢. أن الأصل في الوكيل عدم التوكيل والقيام بالمطلوب بنفسه، وما خالف الأصل للحاجة يتقدر بقدرها، ويبقى ما عدا ذلك القدر على الأصل فلا يصح قياسه على الإذن اللفظي؛ لوضوح الفارق بينهما. الترجيح الراجح جواز توكيل الوكيل، في ما يقوم به مثله ولكنه يعجز عنه، في القدر المعجوز عنه خاصةً. سبب الترجيح: ما ذكر من أدلة ومن مناقشة أدلة القول الآخر. المسألة الثالثة: أن يكون العمل مما يقوم الوكيل بمثله ولا يعجز عنه بنفسه. صورة المسألة: إذا وكل موكل وكيلًا أن يرهن سيارته لزيد، والوكيل قادرٌ على ذلك ولا يأنف مثله عن فعل ذلك، فهل له أن يوكل غيره للقيام بذلك العمل؟ الحكم: اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يجوز له أن يوكل غيره، وهو مذهب الحنفية (٣)، وقول مالك وأصحابه (٤)، وقول الشافعي وأصحابه (٥)، وهو المذهب عند الحنابلة (٦)، واختاره ابن المنذر (٧).

стр. 177

القول الثاني: يجوز له أن يوكل غيره إذا أراد أن يغيب أو مرِض، وهو قول محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى (١). القول الثالث: يجوز له أن يوكل غيره مطلقًا، وهو رواية عن الإمام أحمد (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: الدليل الأول: قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ النساء: (٢٩)، وقوله ﷺ : «إنما البيع عن تراضٍ» (٣) وقوله ﵊: «لا يحل مال امراءٍ مسلمٍ إلا بطيب نفسٍ منه» (٤). وجه الدلالة: أن الوكالة المتضمنة لمعاوضة إذا وكّل فيها الوكيل غيره، فإن الموكِّل لم يرضَ به إنما رضي بتصرف الوكيل، فدخل في عدم التراضي، ولا يحل أن يتصرف في مالِ الموكل إلا بطيب نفسٍ منه. الدليل الثاني: أن الموكل لم يأذن له في التوكيل لا لفظًا ولا عرفًا، ولا تضمنه إذنه المستفاد من الوكالة، فلم يجز قياسًا على ما لو نهاه (٥). الدليل الثالث: أن التوكيل استئمانٌ في ما يمكنه النهوض فيه فلم يكن له أن يوليه مَن لم يأمن الموكل عليه، قياسًا على الوديعة، فإن المستودَع لا يحق له أن يودع الوديعة لغيره- في الأصل-؛ لأن المودِع لم يرض إلا بأمانته، فكذلك الوكالة (٦). الدليل الرابع: أن الإذن المستفاد من الوكالة لا يتناول تصرفَ غيرِه من جهة النطق ولا من جهة العرف؛ لأنه ليس في العرف إذا رضيه أن يرضى غيره (٧).

стр. 178

الدليل الخامس: أن الموكِّل فوض إلى الوكيل التصرف دون التوكيل به؛ لأنه إنما رضي برأيه، والناس متفاوتون في الآراء. المناقشة: التسليم بأن الناس متفاوتون في الآراء، ولكن قد يكون الوكيل الثاني أقوى رأيًا من الأول أو مثله، وإلا لما وكله، ثم إن رَدّ الموكِّل توكيلَ الوكيل مع الرضا برأيه تناقض. الجواب: ١. العبرة في معرفة قوة الرأي بظن الموكل؛ لأنه المتصرف الأصيل، والمالك لحق التصرف أو للعين. ٢. أن الموكل رضي برأي الوكيل في تصرف خاص كالبيع أو الشراء أو الهبة مما وُكل به، وليس التوكيل داخلًا في هذا التصرف، فلا تناقض، وإنما يقع التناقض لو كان رضا الموكل برأي الوكيل في التوكيل أو برأيه مطلقًا (١). أدلة القولين الثاني والثالث: الدليل الأول: يمكن أن يستدل لهم بما جاء عن حُضَين بن المنذر أبي ساسان قال: شهدت عثمان بن عفان وأتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان، أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها. فقال: يا علي قم فاجلده. فقال علي: قم يا حسن فاجلده. فقال الحسن: وَلِّ حارَّها مَن تولى قارَّها. فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبدالله بن جعفر قم فاجلده. فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين فقال: أمسك. ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين وجلد أبو بكر أربعين وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة وهذا أحب إلي (٢). وجه الدلالة: أن عثمان وكل عليًا ﵄ وكالةً مطلقةً عن الإذن أو النهي في التوكيل، فوكَّل علي الحسن ﵄ ثم وكل عبدَ الله بن جعفر ﵄، ويحتمل أن يكون علي وكل الحسن ثم وكل الحسنُ عبدَالله بن جعفر ﵃ (٣) وكيف ما كان تم الاستدلال. المناقشة: أن هذا التوكيل من الوكيل قد حصل فيه إذن عرفي، فقد وكل علي ﵁ وكيله

стр. 179

أمام عثمان ﵁ فأقره، ومثل هذا خارج عن محل النزاع؛ لحصول الإذن فيه. الدليل الثاني: أن الوكيل له أن يتصرف بنفسه، فملك التوكيل نيابةً قياسًا على المالك (١). المناقشة: ١. ليس للوكيل أن يتصرف بنفسه تصرفًا مطلقًا، وإنما في حدود ما وكل إليه. ٢. أن الوكيل ليس كالمالك، فإن المالك يتصرف بنفسه في ملكه كيف شاء، بخلاف الوكيل. الترجيح الراجح عدم جواز توكيل الوكيل في ما يقوم مثله به ولا يعجز عنه بنفسه. سبب الترجيح: قوة أدلة هذا القول ومناقشة أدلة الطرف الآخر. تنبيهات: الأول: في حالات الجواز يشترط أن يكون وكيل الوكيل أمينًا (٢). الثاني: اختلف الفقهاء في وكيل الوكيل هل يكون وكيلًا للموكل أو للوكيل، وينظر ذلك في محله (٣). الثالث: يشكل على صحة الإذن الحكمي أو العرفي حديث: «إني لأجد طعم شاة ذُبحت بغير إذن صاحبها» فقالت صاحبة الدعوة: يا رسول الله، أخي، وأنا من أعزِّ الناس عليه، ولو كان خيرًا منها لم يغيِّر علي، وعلي أن أرضيه بأفضل منها. فأبى أن يأكل منها وأمر بالطعام للأسارى (٤). وجه الإشكال: أن الإذن الحكمي حاصلٌ لهذه المرأة ولم يقرّها النبي ﷺ ، فدلَّ على عدم اعتباره. والجواب عن ذلك أن وجه اعتباره محكم، وهو قوله : ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ الآية، النور: (٦١)، وهذا الحديث متشابه، فليُبحث له عن محمل.

стр. 180

المبحث الثالث: إبضاع المبضَع ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الإبضاع وحكمه . تعريف الإبضاع الإبضاعُ لغةً إفعالٌ من البضاعة، والبضاعة القطعة من المال، وقيل: اليسير منه، والبضاعة ما حمّلتَ آخر بيعه وإدارته (١)، وهو عينُ المعنى الاصطلاحي. وعرف الإبضاع اصطلاحًا بتعريفات متفقة في الحقيقة فمن ذلك: ١ - عند الحنفية: دفع المال بضاعةً (٢). ٢ - عند المالكية: دفع مالٍ من مال الشركة لمن يشتري به بضاعة من بلد (٣). ٣ - عند الشافعية: بعث المال مع مَن يتجر فيه متبرعًا (٤). ٤ - عند الحنابلة: أن يعطي من مال الشركة لمن يتجر فيه والربح كله للدافع (٥). وكونه من مال الشركة وصفٌ طردي ليس بلازم فسواء كان من مال الشركة أو لم يكن فالحكم واحد، وقد ورد الإبضاع بهذا المعنى في كلام المتقدمين وأخبارهم (٦). حكم الإبضاع الإبضاع عقد جائز (٧). ودليل ذلك عموم الأدلة الدالة على جواز التجارة فإنه منها، وعلى جواز المضاربة فإنه من جنسها، قال في "المغني": (ولأنه إذا جاز دفعه بجزء من ربحه فدفعه إلى من يوفر الربح أولى) (٨)، أي بالجواز، وعلى جواز الوكالة، فالإبضاع توكيل بلا جعل (٩)؛ ولأنه من المعروف والإحسان الذي تدعو إليه الشريعة القويمة؛ ولأن فيه دفعًا للحاجة، فقد لا يحسن رب المال المتاجرة به فيعطيه من يعمل له فيه ويكون ربحه كاملًا مع أصله لرب المال، وقد يحسن التجارة ولا يتفرغ لها أو لا تليق به، ولو ادعى مدعٍ الإجماع على جوازه لما أبعد، وقد يشتبه على بعضٍ

стр. 181

قول بعض الفقهاء بعدم جواز إبضاع المضارب برأس المال إلا بإذن رب المال فيظنه عامًا أو في أصل حكم الإبضاع (١)، وليس كذلك؛ لأن معناه أن عقد المضاربة لا يُخوِّل العامل أن يبضع رأس المال، لا أن الإبضاع في ذاته ممنوع. المطلب الثاني: إبضاع المبضَع . صورة المسألة: إذا دفع رجلٌ مالًا لعامل ليتجر به ويردَّ المال وربحه له، فهل يجوز للعامل أن يدفع هذا المال لثالثٍ ليتجر به ويرده وربحه أو يلزم العامل أن يتجر بنفسه؟ الحكم: ١. إذا لم يأذن رب المال في إبضاع العامل فيحتمل احتمالان: الاحتمال الأول: عدم الجواز. وهو مقتضى قول فقهاء المذاهب الأربعة، تخريجًا على المضاربة (٢) والوكالة (٣). الاحتمال الثاني: الجواز. ٢. وإن أذن له أن يبضع إذنًا صريحًا جاز، فإن أذن له إذنًا حكميًا أو عامًا -كأن يطلق له الحرية في التصرف- فيحتمل احتمالان تخريجًا على المضاربة: الاحتمال الأول: الجواز، تخريجًا على قول الحنفية (٤) والحنابلة (٥). الاحتمال الثاني: عدم الجواز، تخريجًا على قول الشافعية (٦). الأدلة: أولًا: دليل عدم الجواز إذا لم يأذن رب المال -سواء صرح بالنهي أو لم ينه ولم يسمح- قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ النساء: (٢٩)، وقوله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (٧)، وقياسًا على المضاربة. ثانيًا: دليل الجواز مع عدم الإذن: أن العامل متبرع، فإذا لم ينهه رب المال جاز له أن

стр. 182

يتصرف بما يراه؛ لقوله : ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ التوبة: (٩١)، ولأن الغالب أن المتبرع لا يتصرف إلا بالأحظ لرب المال. المناقشة: ١. كون العامل متبرعًا لا يسقط حق رب المال وحرمة ماله، فإنه إذا لم تطِب نفسه بدفع المال لآخر فإن هذا يكون تصرفًا في مال غير المتصرف بغير ما يقتضيه الإذن. ٢. عدم التسليم بأن العامل المتبرع لا يتصرف إلا بالأحظ لرب المال، فإن عدم حصوله على شيء من الربح قد يحمله على التساهل وعدم النصح، فربما أبضعه لمن لا يحسن أو من تضعف أمانته أو لا يتحرى في إبضاعه. ثالثًا: دليل الجواز إذا أذن له إذنًا صريحًا: أن الحق دائرٌ بين رب المال والعامل المتبرع، وقد أذن رب المال في التصرف في حقه بالإبضاع، والإبضاع جائز في الأصل فيجوز في التبع. رابعًا: دليل الجواز إذا أذن له إذنًا حكميًا: القياس على الإذن الصريح بجامع الإذن في كلٍّ. خامسًا: دليل المنع إذا لم يكن الإذن صريحًا: أن الأمانة تتفاوت فقد لا يرضى رب المال بذمة المبضع الثاني، ولا يُعلم رضاه إلا بصريح الإذن؛ لأن التفويض العام تفويض في العمل بنفسه لا بغيره. المناقشة: يشترط للجواز أن يكون المبضَع الثاني أمينًا. الترجيح الراجح جواز إبضاع المبضَع إذا أذن له رب المال إذنًا صريحًا أو حكميًا، بهذه الشروط: ١ - أن يكون المبضَع الثاني أمينًا. ٢ - أن يكون العامل أهلًا للتصرف. ٣ - أن يكون رأس المال معلومًا. أسباب الترجيح: ١. الأدلة المذكورة. ٢. أن الأصل في المعاملات الصحة والجواز، فإذا لم يأذن رب المال فإن الأصل في الأموال المملوكة للآخرين الحرمة والاحترام.

стр. 183

المبحث الرابع: إعارة المعار ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الإعارة وحكمها . تعريف الإعارة في اللغة: الإعارة والاستعارة والعارية ترجع لمعنى واحد، وهو تداول الشيء وترديده ذهابًا ومجيئًا (١)، والعارية مشدَّدةٌ وقد تخفَّف (٢). وفي الاصطلاح: ١ - عند الحنفية: تمليك المنفعة بغير عوض (٣). ٢ - عند المالكية: تمليك منفعة مؤقتة لا بعوض (٤). ٣ - عند الشافعية: إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه (٥). ٤ - عند الحنابلة: إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائه (٦). ٥ - قال أبو العباس ابن تيمية: إعطاء العين لمن ينتفع بها ثم يردها (٧). حكم الإعارة الإعارة والعارية يعرض لها ما يجعلها واجبة أو مكروهة أو محرمة بالنظر إلى المقاصد والمآلات، فتجب إعارة ثوبٍ لدفع حرٍّ أو بردٍ شديدين، وتحرم إعارة صيدٍ لمحرِمٍ أو أمة لأجنبي على تفصيل وخلاف، وتكره إعارة العبد المسلم لكافر، فإذا كانت تُعين على محرَّم فهي محرَّمة، وإذا كانت تُعين على مكروه فهي مكروهة، كما نص عليه جمعٌ من الفقهاء (٨). أما حكمها من حيث الأصل فأجمع المسلمون على مشروعية الإعارة (٩)، ولكنهم مختلفون في الوجوب وعدمه على قولين:

стр. 184

القول الأول: أنها مندوبة، وهو مذهب جمهور العلماء (١). القول الثاني: أنها واجبة إذا كان السائل محتاجًا ووثق بوفائه، وهو قول ابن حزم (٢) وابن القيم (٣)، فالعبرة بحال المستعير. القول الثالث: أنها تجب مع غنى المالك، وهو أحد القولين في مذهب أحمد واختيار أبي العباس ابن تيمية (٤)، فالعبرة بحال المعير. الأدلة: وهي قسمان أدلة عدم الوجوب -الاستحباب أو الجواز- وأدلة الوجوب. أدلة جواز العارية واستحبابها: الدليل الأول: قول الله : ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ الحج: (٧٧)، وقوله ﷻ : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ النساء: (١١٤)، والعارية من الخير والمعروف والإحسان. الدليل الثاني: عن جابر وحذيفة ﵄ عن النبي ﷺ قال: «كل معروف صدقة» (٥). الدليل الثالث: عن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس يُسمع دوي صوته ولا يُفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام ... قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة. قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوّع» (٦). وجه الاستدلال: أنه لو كانت العارية واجبة عليه لبيَّنه ﷺ ، وأكد عدم الوجوب بقوله ﷺ : «لا إلا أن تطوع» فدل على أنها من التطوع.

стр. 185

الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أديت زكاة مالك قد قضيت ما عليك» (١). الدليل الخامس: عن فاطمة بنت قيس ﵂ أنه سمعته -تعني النبي ﷺ يقول: «ليس في المال حق سوى الزكاة» (٢). الدليل السادس: قال ابن قدامة: (وأجمع المسلمون على جواز العارية واستحبابها) (٣). المناقشة: أنه ذكر بعد ذلك بأسطر: (وقيل: هي واجبة) وذكر أدلة من قال بذلك وستأتي -إن شاء الله-. الجواب: نقل غيره الإجماع أيضًا، والمخالف محجوج بإجماع من قبله. الدليل السابع: أن الأصل براءة الذمة، ولا يوجد دليل صريح في إيجاب العارية. المناقشة: محصَّله المطالبة بالدليل، وقد أقامه أصحاب القول الثاني. الدليل الثامن -وهو دال على الجواز-: عن أنس ﵁ قال: كان فزعٌ بالمدينة فاستعار النبي ﷺ فرسًا من أبي طلحة يقال له المندوب فركب فلما رجع قال: «ما رأينا من شيء وإن وجدناه بحرًا» (٤). الدليل التاسع -وهو دال على الجواز أيضًا-: عن صفوان بن أمية ﵁ أن رسول الله ﷺ استعار منه أدراعًا يوم حنين فقال: أغصبٌ يا محمد؟ فقال: «لا بل عارية مضمونة» (٥)، وفي

стр. 186

حديث يعلى بن أمية ﵁ قال: يا رسول الله أعارية مضمونة أو عارية مؤداة؟ قال: «بل مؤداة» (١). أدلة وجوب العارية: الدليل الأول: قول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ المائدة: (٢). وجه الاستدلال: أن الأمر للوجوب متى كانت العارية برًا وتقوى. المناقشة: أنه ورد صارف له إلى الاستحباب، كما في أدلة القول السابق. الدليل الثاني: قول الله : ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ الماعون: (٧). وجه الاستدلال: ذم مانع العارية، والذم لا يكون إلا على ترك واجب أو فعل محرم، والماعون العارية، كما قاله ابن عباس وابن مسعود وأم عطية ﵃ وسعيد بن جبير والطبري، وقال: (وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب -إذ كان الماعون هو ما وصفنا قبل، وكان الله قد أخبر عن هؤلاء القوم، وأنهم يمنعونه الناس، خبرًا عامًا، من غير أن يخص من ذلك شيئًا- أن يقال: إن الله وصفهم بأنهم يمنعون الناس ما يتعاورونه بينهم، ويمنعون أهل الحاجة والمسكنة ما أوجب الله لهم في أموالهم من الحقوق؛ لأن كل ذلك من المنافع التي ينتفع بها الناس بعضهم من بعض) (٢)، وكلام الطبري يشعر بأنه يرى الوجوب عند الحاجة. المناقشة: أن عليًا وابن عمر ﵃ والحسن وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير ومحمد بن الحنفية والضحاك وقتادة فَسَّروا الماعون بالزكاة، كما عند الطبري. الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه ذات الظلف بظلفها وتنطحه ذات القرن بقرنها، ليس فيها يومئذ جماء ولا مكسورة القرن» قلنا: يا رسول الله وما حقها؟ قال: «إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنيحتها وحلبها على الماء وحملٌ عليها في سبيل الله» (٣). وجه الدلالة: أن هذا الوعيد لا يكون إلا على ترك واجبٍ، وليس لمعترض أن يحمل الحق في الحديث على الزكاة؛ لأنه لا تفسير بعد تفسير رسول الله ﷺ ، وقد ذكر الإعارة في حقها،

стр. 187

والحق هو الواجب. المناقشة: حمل الحديث على هذه الصورة، ويبقى حكم الأصل على عدم الوجوب؛ جمعًا بين الأدلة. الترجيح الراجح أن العارية مستحبة، ويعرض لها الوجوب، كما في الحالات المذكورة في القولين الآخرين؛ لأنها مقيدة بما يخرجها عن حال الأصل، لا سيما وقد قال الروياني: (وكانت واجبة أول الإسلام؛ للآية السابقة ثم نسخ وجوبها وصارت مستحبة) قال في "مغني المحتاج": (أي أصالةً) (١). سبب الترجيح: أن في هذا توفيقًا وجمعًا بين الأدلة. المطلب الثاني: حكم إعارة المعار . تحرير محل النزاع: اتفق العلماء على جواز إعارة المستعير للعارية إذا أذن له المعير (٢)، وعلى عدم جواز إعارة المستعير للعارية إذا منعه المعير من ذلك (٣)، واختلفوا في إعارة المستعير للعارية في حال الإطلاق على أقوال: القول الأول: إذا أعاره وأطلق جاز للمستعير أن يعير غيره سواء كان المعار مما يختلف باختلاف المستعمِل أو لا، وإذا قيد الإعارة بأن ينتفع المستعير بنفسه فله أن يعير إذا كان لا يختلف باختلاف المستعمل، وهو قول الحنفية (٤). بيان هذا القول: إذا كان المعار يختلف باختلاف المستعمِل كإعارة السيارة أو الدابة ليركبها وقال للمستعير: لا يركبها غيرك فليس له أن يعير، وفي غير هذه الحالة له أن يعير. القول الثاني: يجوز إعارة المعار، وهو قول المالكية (٥).

стр. 188

القول الثالث: لا يجوز إعارة المعار، وهو قول الشافعية (١) والحنابلة (٢) والكرخي من الحنفية (٣). القول الرابع: للمستعير أن يعير إذا وَقَّت له المعير وقتًا وإلا فلا، وهو قولٌ للحنابلة (٤). الأدلة: دليل الجواز مع وجود الإذن: عموم الإجماع الذي نقله ابن المنذر: (وأجمعوا كذلك لا اختلاف بينهم أن له أن يستعمل الشيء المستعار في ما أذن له أن يستعمله فيه) (٥). ودليل المنع مع وجود المنع من المعير: عموم أدلة حرمة مال غيره. وأدلة محل النزاع هي: دليل القول الأول: إذا صدرت الإعارة مطلقة مَلَكَ المستعير ولاية الإعارة بغير تفصيل، لما سيأتي من أدلة القول الثاني، فإذا صدرت مقيَّدة بأن ينتفع بها المستعير بنفسه فلا يملك المستعير ولاية الإعارة إلا في ما لا يختلف باختلاف المستعمل؛ رفعًا لمزيد الضرر عن المعير؛ لأنه رضي باستعماله لا باستعمال غيره (٦). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: عن أنس ﵁ قال: لما قدم المهاجرون المدينةَ من مكة وليس بأيديهم -يعني شيئًا- وكانت الأنصار أهل الأرض والعقار فقاسمهم الأنصار على أن يعطوهم ثمار أموالهم كل عام ويكفوهم العمل والمؤنة، وكانت أمه أم أنس أم سليم ... فكانت أعطت أم أنس رسول الله ﷺ عذاقًا فأعطاهن النبي ﷺ أم أيمن مولاته أم أسامة بن زيد (٧). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ استعار العذاق وأعارها لأم أيمن ﵂، واستعارةُ ثمر النخيل تسمى عريّة، وهي في معناها، لذا قال في "الفتح": (وفي الحديث مشروعية هبة المنفعة دون الرقبة) (٨).

стр. 189

المناقشة: أن ذلك كان بإذن المعير، وهي أم أنس ﵂ قطعًا بدلالة الحال. الجواب: لو ثبت عندنا نص ينافي هذا الحكم لساغ لنا أن نحمل الحديث على هذا المحمل، لكن ما ذكره المانعون من حججٍ إنما هي عمومات لا تقاوم هذا الفعل المختص بمحل النزاع والدالِّ على الجواز دون ذكر للإذن أو النهي من المعير. الرد: أن القرائن معتبرة في المعاملات، وهنا قامت قرينة إذن بالإعارة، فالصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يخيِّرون النبي ﷺ في أموالهم ابتداءً فكيف يترددون في الإذن بإعارته المعار؟ وعليه فمتى قامت قرينة تدل على خلاف الأصل الذي دلت عليه النصوص السابقة عُمِل بها، كمن أعدَّ مالًا للإعارة وعُلِم من حاله الإذن لكل أحد، ولو جاءه المستعير الثاني ابتداءً لأعاره. الدليل الثاني: أن العارية تمليك للمنفعة فيجوز أن يعيرها قياسًا على إجارة المستأجر. المناقشة: ١. الإجارة مِلكٌ للمنفعة من كل وجه، أما العارية فملك للاستيفاء على وجه ما أُذن له، فأشبه مَن أبيح له أكل الطعام (١). ٢. عدم التسليم بأن العارية تمليك منافع بل هي إباحة. أدلة القول الثالث: الدليل الأول: قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ النساء: (٥٨)، والعارية أمانة، وفي إعارتها تفريط ومنافاة لأدائها لأهلها؛ لأنه أداها لغير أهلها. الدليل الثاني: قول النبي ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (٢)، والمال يشمل الأعيان والمنافع، ولم تطب نفس المالك هنا بإعارة ماله. الدليل الثالث: أن الناس يتفاوتون في الاستعمال، والمعير لم يرض باستعمال غير المستعير للعارية، كما أنهم يتفاوتون في الذمم. الدليل الرابع: أنه يجوز -بإجماع- أن يعير من غير أجل (٣)، وعليه فيجوز أن يرجع في أي وقت، فدلَّ على أن المستعير لا يملك أن يعير؛ لأنه سيفوت على المعير أخذ حقه متى شاء. الدليل الخامس: قياس العكس على الإجارة، فالإجارة تمليك للمنفعة اشترط فيها الأجل فجاز للمستأجر أن يؤجر، والعارية لم يشترط فيها الأجل، فليست تمليكًا للمنفعة، وعليه فليس للمستعير أن يعير.

стр. 190

المناقشة: أن بيان الأجل في الإجارة للتحرُّز من الجهالة المفضية إلى المنازعة، ولا يَرِدُ ذلك في العارية؛ لأنها عقد جائز غير لازم (١). الجواب: أن قياس العكس يقتضي التنافي في العلة، وليس الاشتراك فيها، وما ذُكر من التفريق بينهما يلزم منه اختلاف حكم الإجارة عن العارية، وهو المطلوب إثباته. الدليل السادس: أن العارية إباحة منافع، وليست تمليكًا، فلم يجز أن يبيحها غيره قياسًا على إباحة الطعام، والحنفية يوافقون في حكم الأصل (٢). المناقشة: أن في هذا الدليل مصادرةً بالمطلوب، فإن منشأ الخلاف في حقيقة العارية، والحنفية والمالكية يرون العارية تمليك منافع. الدليل السابع: أن في إعارتها تعريضًا لها للتلف أو النقص. الدليل الثامن: أن المعير لم ينقطع حقه في العارية، فلو جاز للمستعير أن يعير لتضرر المعير بذلك، ولا ضرر ولا ضرار. الدليل التاسع: قياسًا على منع المستعير من الإجارة، والحنفية يوافقون على حكم الأصل. دليل القول الرابع: يمكن أن يستدل له بالجمع بين الدليل الرابع للقول الثالث وأدلة الجواز؛ فإذا وقت المعير وقتًا فجاز له أن يعير سواء قلنا: مَلَك المنفعة فيها أو أبيحت له، وإذا لم يوقّت فللمعير أن يرجع متى شاء فليس له أن يعير. منشأ الخلاف: يرجع الخلاف في هذه المسألة إلى حقيقة العارية، وفيها قولان: القول الأول: أنها تمليك للمنافع، وهو مذهب الحنفية (٣) والمالكية (٤). القول الثاني: أنها إباحة للمنافع (٥)، وهو مذهب الشافعية (٦) والحنابلة (٧) والكرخي من الحنفية (٨) وابن حزم (٩).

стр. 191

فمن قال إنها إباحة منافع منع المستعير من الإعارة بلا إذن أو كان ذلك لازم قوله، ومن قال إنها تمليك أجاز الإعارة للمستعير. وإن كان يَرِد عليه التفريق بين تمليك المنفعة وتمليك الانتفاع (١). الأدلة: دليل القول الأول: أن المعير سلّط المستعير على تحصيل المنافع وصرفها إلى نفسه على وجه زالت يده عنها، والتسليط على هذا الوجه يكون تمليكًا لا إباحة كما في الأعيان (٢). المناقشة: اليد الحكمية للمعير باقية على العارية بدليل ملك استرجاعها وتعلق حقه بالعين؛ لأنه إنما أعطى المنفعة. أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أنها تبرعٌ لم يتصل به القبض فلا يملك به الإعارة كالهبة. الدليل الثاني: أن المستعير لو ملك بالإعارة ذلك لملك الاعتياض عنها كالمشتري والموهوب (٣). الترجيح الراجح أن العارية إباحة، وأن المستعير ليس له أن يعير إذا أطلق له المعير الإعارة. سبب الترجيح: ١. الأدلة المذكورة. ٢. البقاء على الأصل، وهو حرمة مال غيره واحترامه، وحفظه من التصرف غير المأذون فيه. ٣. أن في ذلك تحقيقًا لمصلحة الشارع في سد باب الخصومات، وحفاظًا على مبدأ الإحسان والبذل؛ لأن جواز إعارة المعار يجعل أرباب العواري يمتنعون عن العارية خشية ضياعها أو تلفها أو نقصها ونحو ذلك. تنبيه: إذا أعار المعير فتلفت العارية عند المستعير الثاني فاختلف العلماء في ضمان العارية (٤).

стр. 192

المبحث الخامس: إيداع الوديعة ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الإيداع وحكمه . تعريف الإيداع الإيداع في اللغة: مصدر أودع يُودِع، واسم الشيء المودَع وديعة: فَعِيلة بمعنى مفعولة، من الوَدْع، وهو الترك والتخلية والسكون؛ لأنها متروكة عند المودَع (١). والإيداع في الاصطلاح: ١ - عند الحنفية: تسليط الغير على حفظ ماله (٢). ٢ - عند المالكية: توكيل بحفظ مال (٣). ٣ - عند الشافعية: العقد المقتضي للاستحفاظ (٤). ٤ - عند الحنابلة: توكيل في الحفظ تبرعًا (٥). ومن الفقهاء من عرف الإيداع بالوديعة والعكس. حكم الإيداع الإيداع جائز بالإجماع (٦)، أما الاستيداع -قَبول الوديعة لحفظها- ففيها أقوال: القول الأول: أنه مندوب، وهو مذهب الحنفية (٧). القول الثاني: أنه مباح، وهو مذهب المالكية (٨). القول الثالث: التفصيل، فإن كان يعجز عن حفظها ولا يثق بأمانة نفسه فلا يجوز له قبولها، وإن كان أمينًا قادرًا وليس غيره ممن يقوم مقامه تعيَّن عليه قَبولها، وإن كان أمينًا قادرًا ويوجد غيره من الأمناء فهو مندوب إليه، وهو مذهب الشافعية (٩).

стр. 193

القول الرابع: أنه مندوب لمن علم من نفسه الأمانة ومكروه لغيره، وهو مذهب الحنابلة (١). أدلة مشروعية الوديعة (٢) وجوازها: قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ النساء: (٥٨)، وقوله : ... ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ البقرة: (٢٨٣)، وقول النبي ﷺ : «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» (٣)، وقال ﵊: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» (٤)، فيلزم من الأمر بالأداء جواز الإيداع والاستيداع. المطلب الثاني: حكم إيداع الوديعة . صورة المسألة: إذا أودعت زيدًا وديعة ليحفظها، فهل يجوز له أن يدفعها لغيره وديعة ليحفظها؟ تحرير محل النزاع: أولًا: إذا أودعها عند من يحفظ ماله في العادة، كخادمه وزوجته، فإن هذا لا يدخل في الإيداع حقيقةً، وإنما يسمى إيداعًا تجوزًا، وإنما هو حفظٌ بالعقد الأول، وقد أجازه جمهور العلماء إذا لم يمنعه المودِع من ذلك وكان من يحفظ ماله أمينًا (٥)، خلافًا للشافعية (٦). ثانيًا: إذا دفعها لمن يحفظ مال المودِع عادةً فإن هذا لا يدخل في الإيداع أصلًا، ولكن قد يشتبه به، بل هو من الرد فإذا كان مَن دفعه إليه أمينًا ولم يمنعه المودِع من ذلك فهو جائز عند

стр. 194

جمهور العلماء (١). ثالثًا: إذا أودعها عند غير من يحفظ ماله أو مال المودِع في العادة، وهو ما يسميه الفقهاء الإيداع عند الحاكم أو نائبه أو الأجنبي ففيه حالتان: الحالة الأولى: أن يكون إيداع الوديعة لغير عذر، وفيها أقوال: القول الأول: ليس للمودَع أن يودِع لغير عذر (٢)، وهو مذهب الحنفية (٣) والمالكية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦)، وأجازه بعضهم بإذن المودِع (٧). القول الثاني: يجوز للمودَع أن يودع مطلقًا، وهو قول ابن أبي ليلى (٨) وتخريج في مذهب الحنابلة (٩). القول الثالث: يجوز إيداعها للحاكم مع الإقامة وعدم العذر، وهو قول للحنابلة (١٠). الأدلة: أدلة القول الأول: الدليل الأول: أن المودِع أَمَرَه أن يحفظها بنفسه بمقتضى الإيداع، ولم يرض بغيره، ولا يجوز التصرف في مال غيره إلا بإذنه أو قرينة على إذنه. الدليل الثاني: القياس على ما لو نهاه عن إيداعها، بجامع مخالفة المودِع. المناقشة: ليس في إيداع الوديعة مخالفة للإيداع المطلق، فيوجد فرقٌ مؤثرٌ بين مخالفة نهيه ومخالفة الإيداع المطلق. الجواب: دل الأصل المستقر في العرف ومقتضى القرائن على أن التصرف في الوديعة بإيداعها مخالفة للمقصود من الإيداع، وهو الحفظ، كما لو استعملها أو نقلها. الدليل الثالث: تفاوت الذمم، وتقدير الأمانات راجع لاجتهاد المودع، وقد لا يرضى أن

стр. 195

يطلع على ماله غير مَن أودعه. الدليل الرابع: القياس على ما لو أودعه دابةً فركبها أو ثوبًا فلبسه أو كيسًا مشدودًا أو صندوقًا ففتحه، فإنه يضمنه بذلك لتعديه، فكذا إذا أودعها (١). أدلة الأقوال الأخرى: الدليل الأول: أن المطلوب من المودَع إحراز الوديعة وحفظها، وقد أحرزها عند غيره وحفظها. المناقشة: لم تطب نفس المودِع بأن يحفظها عند غيره، والذمم تتفاوت. الدليل الثاني: أنه يحفظ مالَ نفسِه بإيداعه، فإذا أودع الوديعة فقد حفظها بما يحفظ به مال نفسه، فجاز كما لو حفظها في حرز نفسه. المناقشة: يرد عليه ما ورد على الدليل السابق. الترجيح الراجح أنه ليس للمودَع أن يودع الحاكم أو الأجنبي لغير عذر. سبب الترجيح: ما ذكر من أدلة مع مناقشة غيرها. الحالة الثانية: أن يكون إيداع الوديعة لعذر كغرق أو حرق أو سفر، وفيها أقوال: القول الأول: يجوز إيداع الوديعة مطلقًا إذا كان لعذر، وهو مذهب الحنفية (٢) والمالكية (٣). القول الثاني: إن قدر على ردها لصاحبها أو وكيله المأمون فليس له أن يودعها، وإلا أودعها الحاكم (القاضي)، وإلا أودعها ثقة، وهو مذهب الشافعية (٤) والحنابلة (٥). القول الثالث: إلم يقدر على ردها لصاحبها أو وكيله المأمون أودعها حاكمًا أو ثقة، وهو قول للحنابلة (٦). القول الرابع: لا يجوز إيداع الوديعة مطلقًا، وهو قول للحنابلة (٧). القول الخامس: يراعي الأصلح في دفعها إلى الحاكم أو الثقة فإن استوى الأمران فالحاكم،

стр. 196

وهو اختيار المرداوي الحنبلي (١). الأدلة: دليل القول الأول: أن إيداع الوديعة في حال العذر تعيَّنّ طريقًا لحفظها، والمقصود من الإيداع هو الحفظ، قال في "بداية المجتهد": (وبالجملة فعند الجميع أنه يجب عليه أن يحفظها مما جرت به عادة الناس أن تحفظ أموالهم، فما كان بيِّنًا من ذلك أنه حفظ اتفق عليه، وما كان غير بيّن أنه حفظ اختلف فيه) (٢)، وبهذا يظهر وجه استثناء من استثنى السفر من الأعذار، وأنه النظر للعرف والمعتاد. المناقشة: ١. عدم التسليم أن الإيداع تعين طريقًا للحفظ على كل حال، فإن صاحبها إذا كان موجودًا أو من يقوم مقامه فردُّ الوديعة أولى من إيداعها ما أمكن، وإلا فما ذكرتموه صحيح. ٢. القول بموجَب العلة المذكورة، وهي الجري مع المعتاد، فإن المتقرر في جميع الأعراف بل وفي الشرع أن حفظ الوديعة بردِّها أولى من حفظها بإيداعها وتعريضها لمزيد من الخطر المحتمل. وأظنّهم لا يخالفون في ذلك، وهو من باب (ويحمل إطلاقهم عليه)؛ للعلم بأنه مرادٌ لهم (٣). دليل القول الثاني: دليل عدم جواز إيداعها مع وجود مالكها أو نائبه: أن دفعها إلى غير مالكها بغير إذنه من غير عذر في دفعها لغير المالك لا يجوز قياسًا على إيداعها من غير عذر أصلًا، ودليل دفعها إلى الحاكم إلم يقدر على ردها لمالكه أو نائبه أنه متبرع بإمساكها فلا يلزمه استدامته، والحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته بحكم الولاية العامة، ودليل دفعها لأجنبي إن تعذر عليه دفعها للحاكم ما ذكره أصحاب القول الأول، أن الإيداع تعين حينئذٍ طريقًا لحفظها، وقد تعين هنا بالفعل. دليل القول الثالث: أن إيداعها للأجنبي قد يكون أحفظ للوديعة وأحب إلى صاحبها من رفعها إلى السلطان، خاصة إذا كان جائرًا. دليل القول الرابع: أنه دَفَع الوديعة إلى غير مالكها بغير إذنه، ولم يرض مالكها بغيره في حفظها، فتبقى عنده ولو تلفت بالعذر؛ لأنه أمينٌ، ولم يفرط ولم يتعد.

стр. 197

المناقشة: إذا لم يودعها حال الخطر فقد فرط في الحفظ؛ لأن العبرة بالمقصود لا بالألفاظ، بل لو نهاه مالكها عن إيداعها -وكان إيداعها متعينًا لحفظها- لوجب عليه أن يودعها، قال في "نهاية المطلب": (وليعلم الناظر أن كل حكم يُتلقى من لفظٍ في تعامل الخلق، وللناس في ذلك القبيل من التعامل عرف فلن يحيط بِسِرِّ ذلك الحكم من لم يحط بمجاري العرف، فإن الألفاظ المطلقة في كل صنف من المعاملة محمولة من أهلها على العرف فيها، فإذًا إذا قال: احفظ الوديعة في هذا البيت، ولا تنقله منه. فالعرف يقتضي حمل هذا القول على تعيين مقدار الإحراز بالبيت المعين، فإن فُرضت ضرورة فهي خارجة عرفًا عن موجَب القول، فإن العاقل لا يحتكم على المستحفِظ المتبرع بما يؤدي إلى إتلاف مِلكه، فهذه التقييدات لا يفهم منها في الإيداع تعريض الوديعة للتلف، وكذلك لو كانت الضرورة في نفس المؤتمن فلا يفهم أرباب العقول من قول المالك التماسَه من المودَع تعريض نفسه للهلاك أو ما في معناه لمكان وديعته ... ولا يتمارى في هذا ذو لب) (١). دليل القول الخامس: هو الجمع بين دليل القول الثاني والثالث مع إعمال القاعدة الفقهية العامة في اعتبار المصالح وتكميلها وتقديم الأعلى منها عند التزاحم. الترجيح الراجح أن المودَع إذا قدر على رد الوديعة لصاحبها أو وكيله المأمون حال العذر فليس له أن يودعها، وإذا لم يقدر يفعل الأصلح من إيداعها للحاكم (القاضي) أو الأجنبي إذا تعين الإيداع لحفظها، ويشترط في المودع الثاني الأمانة (٢). أسباب الترجيح: ١. ما سبق من أدلة ذلك ومناقشة ما عداها. ٢. أن في ذلك جمعًا بين مصلحة المودِع في حفظ وديعته ومصلحة المودَع في دفع الضرر عنه، والمصلحة العامة باستمرار الإيداع بين الناس وعدم الإحجام عنه خوف العوارض المانعة من الحفظ.

стр. 198

٣. أن فيه توسطًا بين القول المجيز للإيداع مطلقًا والمانع منه مطلقًا، وأخذًا بما عند كلٍّ منهما من أوجه الصواب وطرحًا لأوجه الخطأ. تنبيه: اختلف العلماء في ضمان الوديعة إذا تلفت عند المودَع الثاني (١).

стр. 199

المبحث السادس: وقف الوقف ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الوقف وحكمه . تعريف الوقف الوقف في اللغة السكون والمكث، قال في "مقاييس اللغة": (الواو والقاف والفاء أصلٌ واحدٌ يدل على تمكّث في الشيء) (١) يقال: وَقَفَ الدار: حَبَسه، كأوقفه، وهي لغة رديئة (٢). الوقف في الاصطلاح: ١ - عند الحنفية: حبس العين عن التمليك مع التصدُّق بمنفعتها (٣). ٢ - عند المالكية: جعل منفعةِ مملوكٍ -ولو بأجرة- أو غلَّته لمستحق بصيغة مدة ما يراه المحبِّس (٤). ٣ - عند الشافعية: حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود (٥). ٤ - عند الحنابلة: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة على بِرٍّ أو قُربة (٦). حكم الوقف الوقف مندوب بالكتاب والسنة والإجماع. قال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ يس: (١٢)، مما قيل في آثارهم: ما أثروا من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعدهم (٧). وعن ابن عمر ﵄: أن عمر بن الخطاب ﵁ أصاب أرضًا بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قطُّ أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: «إن شئت حبَّست أصلها وتصدقت بها» قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متموِّل (٨).

стр. 200

وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» (١) والصدقة الجارية المستمرة، وهي الوقف، ونقل غير واحدٍ الإجماع على مشروعيته (٢). المطلب الثاني: حكم وقف الوقف من قِبل الموقوف عليه (٣). صورة المسألة: إذا وقف فهد عقارَه على أخيه سعد، فهل يحق لسعد أن يقف هذا العقار الموقوف عليه على المساكين أو على أخيه خالدٍ؟ فالوقف الأول لابد أن يكون على معيَّن يملك، كسعدٍ في المثال المذكور، والثاني قد يكون على جهةٍ أو على معين. الحكم: لم ينص العلماء -فيما أعلم- على حكم هذه المسألة؛ لذا أذكر الاحتمالات فيها تخريجًا على قولهم فيمن ينتقل إليه مِلك الوقف (٤). تحرير محل النزاع المخرَّج: إذا كان الوقف على جهة لا يتصور فيها الملك -سواء قيل باشتراط كونها جهة قربة أو لا- فإن الوقف يكون حقًّا لله ولا يملكه أحدٌ من الناس بالاتفاق (٥)، وعليه فلا يمكن إعادة وقفه، وإذا كان على معين يملك ففيه احتمالان:

стр. 201

الاحتمال الأول: لا يملك الموقوف عليه أن يقف، وهو مذهب المالكية تخريجًا على قولهم إن مِلك الواقف لا يزول بالوقف (١)، وهو قولٌ للشافعي (٢)، وهو مذهب الحنفية والشافعية تخريجًا على قولهم إن مِلك الواقف يزول عن الوقف ويكون حقًا لله (٣)، وكلاهما قول لأحمد (٤). الاحتمال الثاني: يملك الموقوف عليه أن يقف، وهو مذهب الحنابلة تخريجًا على قولهم إن مِلك الوقف ينتقل إلى الموقوف عليه (٥)، وهو قولٌ للشافعي (٦). الأدلة: أدلة الاحتمال الأول: الدليل الأول: قوله ﷺ : «إن شئت حبَّست أصلها وتصدقت بها» (٧). وجه الاستدلال: أن التحبيس: المكث والسكون، فأصلها ثابت لم ينتقل عما كان عليه، وعليه فليس للموقوف ما يحبسه أصلًا. المناقشة: ١. المراد بالحديث الحبس عن التصرف المؤثر، فلا يباع ولا يوهب ولا يورث، وليس أن يكون مملوكًا للواقف، بدليل أنه لا يرجع فيه ولا يتصرف فيه بما ينافي الوقف، فمن حُبِّس عليه يجوز له أن يحبس المنفعة على غيره بما لا ينافي الوقف أيضًا. ٢. أن الثمرة انتقلت للموقوف عليه باتفاقٍ فملكها، فكان له أن يقفها كما يجوز له أن يأكلها أو يعيرها أو غير ذلك. الدليل الثاني: أن الوقف إزالةُ مِلكٍ عن العين والمنفعة على وجه القربة فينتقل إلى الله

стр. 202

قياسًا على العتق، فلم يبق في يد الموقوف عليه ما يقفه. المناقشة: ١. أن العتيق قد خرج بالعتق عن المالية بخلاف الموقوف. ٢. أن امتناع التصرف في الرقبة لا يمنع الملك، كأم الولد. الدليل الثالث: أن الوقف على مَن لا يملك كالمساجد والقناطر وسائر القُرب لا ينتقل فيها الملك للموقوف عليه، فكذلك من يملك؛ لأنه أحد نوعي الوقف. المناقشة: الوقف على المساجد ونحوها وقف على المسلمين إلا أنه عُيّن في نفعٍ خاص بحيث لا يمكن أن يصرف لغيره، وليس كذلك الوقف على المعين. الدليل الرابع: أن وقف الوقف يلزم منه مخالفة شرط الواقف الأول، فإذا قال: هذا وقف على زيد ثم على المساكين، وجاز لزيد أن يقفه فإنه سيمنع المساكين حقهم ويخالف مقصود الواقف الأصلي. المناقشة: ليس كل وقفٍ فيه شرط يلزم مخالفته، ومتى وُجد فيشترط في الوقف الثاني ألا ينافيه. الجواب: أنه إذا وقفه على غيره فقد خالف الشرط شاء أم أبى؛ لأن الواقف وقفه على معين لا على غيره. أدلة الاحتمال الثاني: الدليل الأول: عن عمر بن الخطاب ﵁ يقول: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برخص، فسألت عن ذلك النبي ﷺ فقال: «لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه»، رواه البخاري، كتاب الهبة، باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته (٣/ ١٦٤) (ح ٢٦٢٣)، ومسلم (٥/ ٦٣) (ح ٤١٦٤)، قال ابن قدامة: (وهذا يدل على أنه ملكه، لولا ذلك ما باعه) المغني ١٣/ ٤٣، فإذا جاز له أن يبيعه بإقرار النبي ﷺ ، جاز له أن يوقفه. الدليل الثاني: حديث أنس أن أبا طلحة ﵄ تصدق بحديقته بيرحاء على ذوي رحمه، قال: (وكان منهم أبيّ وحسّان، قال: وباع حسان حصته منه من معاوية، فقيل له: تبيعُ صدقةَ أبي طلحة؟ فقال: ألا أبيع صاعًا من تمر بصاع من دراهم؟) (١).

стр. 203

وجه الدلالة: أن حسَّان ﵁ موقوف عليه، وقد باع نصيبه من الوقف، فإذا جاز بيعه جاز وقفه، ويدلّ على أن صدقة بيرحاء كانت وقفًا إنكارُ مَن أنكر عليه بيعه لها، وفهمُ العلماء ذلك، ومنهم البخاري، حيث قال: (باب إذا أوقف أو أوصى لأقاربه، ومَن الأقارب؟ وقال ثابت عن أنس: قال النبي ﷺ لأبي طلحة: «اجعله لفقراء أقاربك» فجعلها لحسان وأبيّ بن كعب) (١). المناقشة: ١. أن هذا فعلٌ لم يقرّه عليه النبي ﷺ ؛ لأنه كان بعد وفاته، ولم يوافقه عليه الصحابة (٢). ٢. أن بيع حسان ﵁ يدل على أن أبا طلحة ﵁ ملَّكهم الحديقة، ولم يجعلها وقفًا عليهم، وهذا يعكِّر على من استدل بشيءٍ من الحديث في مسائل الوقف، إلا شيئًا يتفق فيه الوقف والصدقة، ويحتمل أن أبا طلحة شرط جواز البيع لمن احتاج، وقد أجاز بعض العلماء هذا الشرط (٣). الدليل الثالث: أن الوقف سبب يزيل مِلك الواقف، وقد وُجد إلى من يصح تمليكه على وجه لم يُخرِج المال عن ماليته، فوجب أن يَنقل الملك إليه كالهبة والبيع، فإذا ملكه من انتقل إليه جاز أن يقفه. المناقشة: هذا يلزم الحنفي والشافعي، أما المالكي فلا يوافق على المقدمة الأولى المفيدة زوال ملك الواقف. الدليل الرابع: أن الوقف والحبس راجع للأصل، والثمرة طَلْقٌ، والمِلك فيها تامٌّ، للموقوف عليه التصرف فيها بجميع التصرفات وتورث عنه، فيجوز له أن يقفها، قياسًا على ثمرة الأرض المستأجرة. الترجيح أولًا تصوُّر وقوع المسألة مبني على جوازه عقلًا، وهو كذلك، فلا يمنع أن يوجد فقير ليس له مال، ويسمع بما في الوقف من فضل، ثم يوقف عليه، فيسأل: هل له أن يقف هذا الوقف؟ ويقول: إذا جاز لي أن آكله وأن أصرفه على أولادي فلماذا لا أقدمه لحياتي؟ يعني لآخرته.

стр. 204

وقد وقع ذلك في عهد أبي العباس ابن تيميّة وسئل عنه (١)، والوقوع دليل الجواز وزيادة. فيقال: لا بد من التفصيل في ذلك فإن أريد وقف ثمرة الوقف دون أصله فالراجح أنه يجوز ذلك للموقوف عليه بحيث لا ينافي الوقف الأول وشروطه، فإن قلنا إن الملك ينتقل للموقوف عليه فواضح، ويكون ملكًا ناقصًا (٢)، وإن قلنا إن الملك يكون للواقف فلا شك أن ملك الثمرة والغلة على هذا القول لا يبقى للمالك -الواقف-، بل ينتقل للموقوف عليه فيجوز له وقفه، ويكون الباقي في ملك الواقف العين (الأصل، الرقبة)، وإن قلنا: إنه يخرج عن ملك الواقف ولا يدخل في ملك الموقوف. فالمراد أنه يكون حقًا لله ﷻ ووقفه أيضًا يجعله حقًا لله فلا يتنافى مع ذلك؛ لأن حق الله له متعلَّق، كما أن الزكاة حق لله ويستحقه الأصناف الثمانية، فكذلك الوقف هو حق لله ويستحقه الموقوف عليه فيملك أن يقفه، ومخالفة شرط الواقف بذلك ليس مسلَّمًا؛ لأن العبرة بالمقاصد والحقائق، ومراد الواقف أن تعود فائدة الوقف للموقوف عليه، وهذا ما حصل، وإن أريد وقف أصل الوقف فالراجح أنه لا يوقف؛ للإجماع الذي نقل ابن قاضي الجبل: أنه لا يجوز بيع درهم خالص بدرهم خالص إذا كان من مال اليتيم؛ لعدم ثبوت المصلحة في هذا التصرف وانتفاءِ الرجحان في هذا العقد، وقال: (وكذلك ينبغي أن يكون في مال الوقف إذا لم يكن في ذلك مصلحة مطلوبة) (٣)، وهل وقف الموقوف عليه مصلحة مطلوبة للوقف؟ يظهر أنها مصلحة، ولكنها مرجوحة، فالمشغول لا يشغل، والأسبق أحق، ولا مسوِّغ لتغيير الوقف ما دام قائمًا يمكن الاستفادة منه في ما وقف لأجله، وبهذا يتضح سبب الترجيح.

стр. 205

المبحث السابع: هبة الموهوب ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الهبة وحكمها . تعريف الهبة الهبة لغةً العطية (١)، وهي بمعنى الهدية. واصطلاحًا: ١ - عند الحنفية: تمليك عين بلا عوض (٢). ٢ - عند المالكية: تمليك من له التبرع ذاتًا تنقل شرعًا بلا عوض لأهل بصيغة أو ما يدل (٣). ٣ - عند الشافعية: تمليك لعين بلا عوض في حال الحياة تطوعًا (٤). ٤ - عند الحنابلة: تمليك جائز التصرف مالًا معلومًا، أو مجهولًا تعذر علمه، موجودًا مقدورًا على تسليمه غير واجب في الحياة بلا عوض (٥). وتعريف الحنفية والشافعية بالنظر لحقيقة الهبة، وتعريف المالكية والحنابلة يجمع الشروط في كل مذهب منهما. حكم الهبة الهبة مندوبة بالإجماع (٦)، وكذلك قَبولها، ومما يدل عليها عموم أدلة الإحسان والمعروف، والأدلة المذكورة في المطلب الثاني. المطلب الثاني: هبة الموهوب . صورة المسألة: إذا وهبتَ لزيد هبة فهل يجوز له أن يهبها أو يلزمه أن يستعملها بنفسه أو يبقيها عنده ونحو ذلك وألا يهبها لغيره؟ الحكم: هبة الموهوب جائزة إذا كانت تامة سواء كان الموهوب له ابنًا للواهب أو لم يكن (٧)؛ للأدلة

стр. 206

اللاحقة، وهذا متفق مع قواعد الشرع وكلام الفقهاء، ولم ينصوا عليه -فيما أعلم-، وهذا مقتضى كون الهبة تمليكًا في المذاهب الأربعة، كما سبق في التعريف، وبهذا يُعلم خطأ العبارة الشائعة (الهدية لا تهدى ولا تباع). الأدلة: الدليل الأول: عن سهل ﵁ أن امرأة جاءت النبي ﷺ ببردة منسوجة فيها حاشيتها ... قالت: نسجتُها بيدي فجئت لأَكْسُوَكَها. فأخذها النبي ﷺ محتاجًا إليها فخرج إلينا وإنها إزاره، فحسَّنها فلانٌ فقال: اُكسنيها، ما أحسنها. [وفي رواية قال: «نعم» فجلس ما شاء الله أن يجلس ثم رجع فطواها وأرسل بها إليه] قال القوم: ما أحسنتَ، لبسها النبي ﷺ محتاجًا إليها ثم سألته وعلمت أنه لا يرد. قال: إني والله ما سألته لألبسه، إنما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنه (١). وجه الاستدلال: أن هذه البردة وُهبت للنبي ﷺ ثم وهبها الرجلَ. الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄ قال: (رأى عمر حلة على رجل تباع ... فأتي رسول الله ﷺ منها بحللٍ فأرسل إلى عمر منها بحلة، فقال عمر: كيف ألبسها وقد قلت فيها ما قلت؟ قال: «إني لم أكسكها لتلبسها، تبيعها أو تكسوها» فأرسل بها عمر إلى أخٍ له من أهل مكة قبل أن يسلم (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ وهب الحلة لعمر ﵁ فوهبها عمر لأخيه، ومن وجه آخر: يحتمل أنها وُهبت للنبي ﷺ فوهبها لعمر ﵁. الدليل الثالث: عن علي- ﵁ قال: أهدى إليّ النبي ﷺ حلة سِيَراء فلبستها فرأيت الغضب في وجهه فشققتها بين نسائي (٣). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ وهب الحلة لعلي ﵁ فوهبها علي لنسائه.

стр. 207

الدليل الرابع: عن عائشة ﵂ قالت: كانت في بريرة ثلاث قضيات كان الناس يتصدقون عليها وتهدي لنا [وفي رواية: فتهدي إلى النبي ﷺ ] فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «هو عليها صدقة ولكم هدية فكلوه» (١). وجه الاستدلال: يتم بمقدمتين: الأولى: أن الصدقة لابتغاء الثواب، والهبة أو الهدية للتودد والإكرام، وكلاهما تمليك عين بلا عوض (٢)؛ لذا قال في "الذخيرة": (لا تفترق الصدقة والهبة إلا في حكمين ... وإذا تقرر اشتراك الصدقة والهبة بما عدا هذين الحكمين فليكن الكلام عليهما واحدًا)، وفي "الروض المربع": (والصدقة -وهي ما قُصد به ثواب الآخرة- والهدية -هي ما قُصد به إكرامًا وتوددًا ونحوه- نوعان من الهبة حكمهما حكمها في ما تقدم) (٣). والثانية: أن بريرة ﵂ تُصدِّق عليها، والصدقة في معنى الهبة، فوهبت للنبي ﷺ . الدليل الخامس: عن أم عطية ﵂ قالت: دخل النبي ﷺ على عائشة ﵂ فقال: «عندكم شيء» قالت: لا، إلا شيء بعثت به أم عطية من الشاة التي بعثْتَ إليها من الصدقة. قال: «إنها قد بلغت محلها» (٤). وجه الاستدلال: كالدليل السابق. الدليل السادس: عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أُتي بطعام سأل عنه أهدية أم صدقة فإن قيل: صدقة. قال لأصحابه: «كلوا» ولم يأكل، وإن قيل: هدية. ضرب بيده ﷺ فأكل معهم (٥). وجه الاستدلال: أن هذه الهدية أهديت للنبي ﷺ فأهدى منها النبي ﷺ لأصحابه، فإنهم يأكلون معه؛ لذا جاء في رواية: (فأمر أصحابه فأكلوا وأكل معهم) (٦).

стр. 208

الدليل السابع: عن أنس ﵁ قال: لما قدم المهاجرون المدينةَ من مكة وليس بأيديهم -يعني شيئًا- وكانت الأنصار أهل الأرض والعقار فقاسمهم الأنصار على أن يعطوهم ثمار أموالهم كل عام ويكفوهم العمل والمؤنة، وكانت أمه أم أنس أم سليم ... فكانت أعطت أمُّ أنسٍ رسولَ الله ﷺ عذاقًا فأعطاهن النبي ﷺ أم أيمن مولاته أم أسامة بن زيد (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ وهب الهبة لأم أيمن ﵂، فإن قيل: هذه عارية كما سبق وليست هبة؟ قيل: قال في "البدائع": (وهبة المنفعة تمليكها من غير عوض، وهو معنى العارية) (٢). الدليل الثامن: عن عائذ بن عمرو المزني ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من عرض له شيء من هذا الرزق من غير مسألة ولا إشراف فليتوسع به، فإن كان عنه غنيًا فليُوجهه إلى من هو أحوج إليه منه» (٣). الدليل التاسع: عن أنس ﵁ قال: أهدي إلى النبي ﷺ التمر فأخذ يهدّيه. رواه الدارمي (ح ٢١٠٦)، وقال عقبه: (يُهَدِّيه يعني يرسله هاهنا وهاهنا). الدليل العاشر: أنه مال ملكه ملكًا تامًا بطريق مباح صحيح فجاز له جميع التصرفات المشروعة والجائزة -ومنها الهبة- كإهداء الموروث والمشترى والمنفعة المستأجرة (٤).

стр. 209

المبحث الثامن: إيصاء الوصي (الموصَّى) وتوصية الموصى له والموصي ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الإيصاء والوصية وحكمهما . تعريف الوصية والإيصاء في اللغة الإيصاء مصدر أوصى يوصى، والتوصية مصدر وصَّى يوصِّي، وهما بمعنى واحد (١)، وهو وصل شيء بشيء (٢). وفي الاصطلاح الوصية هي: ١ - عند الحنفية: تمليكٌ مضافٌ إلى ما بعد الموت عينًا أو منفعةً (٣). ٢ - عند المالكية: عقد يوجب حقًا في ثلث عاقده يلزم بموته أو نيابة عنه بعده (٤). ٣ - عند الشافعية: تبرع بحق مضاف ولو تقديرًا لما بعد الموت، وليس التبرع بتدبير ولا تعليق عتق (٥). ٤ - عند الحنابلة: الأمر بالتصرف بعد الموت، أو التبرعُ بالمال بعد الموت (٦). وقد نص على التفريق بين الوصية والإيصاء في الاصطلاح الحنفية والشافعية، فالوصية ما سبق والإيصاء العهد إلى من يقوم على مَن بعده (٧)، أو إقامة غيره مقامه في التصرف بعد الموت (٨)، والإيصاء في اللغة يشمل حال الحياة والموت، وفي الاصطلاح خاص بما بعد الموت. حكم الوصية والإيصاء: الأصل في حكمهما الاستحباب المؤكد، وقد تعرِض لها الأحكام التكليفية الأخرى، وإنما تجب على من عليه حق فيوصي بأدائه، لقوله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ البقرة:١٨٠ وقال ﷺ : «ما حقُّ امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (٩) وانعقد الإجماع

стр. 210

على استحبابها وجوازها (١). المطلب الثاني: حكم إيصاء الوصي وتوصية الموصى له والموصي ، وفيه ثلاثة أفرع: الفرع الأول: إيصاء الوصي . صورة المسألة: إذا أوصى إلى رجلٍ بتصرفٍ-مثل أن يبيع أرضه أو يقضي دينه أو يقوم بأمور عياله- فهل للوصي أن يوصي غيره؟ تحرير محل النزاع: إذا أذن له أن يوصي جاز عند جمهور العلماء خلافًا لقولٍ في مذهب الشافعية -وليس هو المذهب عندهم (٢) -، وإذا أطلق ولم يأذن له ولا نهاه ففيه قولان: القول الأول: جواز إيصاء الوصي، وهو مذهب الحنفية (٣) والمالكية (٤) ورواية عند الحنابلة (٥). القول الثاني: عدم جواز إيصاء الوصي، وهو مذهب الشافعية (٦) والحنابلة (٧). القول الثالث: إذا غلب على الظن أن القاضي يسند إلى من ليس أهلًا أو كان ظالمًا يجب إيصاء الوصي، وهو قول الحارثي الحنبلي (٨). الأدلة: دليل الجواز عند الإذن: أنه رضي باجتهاده واجتهاد من يختاره للتصرف، فجاز قياسًا على ما لو اختارهما، وأنه مأذون له في الإذن في التصرف، فجاز له أن يأذن لغيره كالوكيل إذا أُمر بالتوكيل أو أُذن له به. ودليل المنع مع الإذن: بطلان إذنه بالموت. المناقشة: أن الإيصاء يكون في الحياة وفي الموت-والأصل الثاني عند الإطلاق-، والحق

стр. 211

للموصي وإذنه معتبر. أدلة حالة الإطلاق: دليل القول الأول: أن الموصي أقامه مقام نفسه فجاز له أن يوصي كالأب إذا انتقلت له الولاية. المناقشة: انتقال الولاية من الابن إلى الأب له مستند شرعي ظاهر، فهو أقرب العصبة، وأعلمهم-غالبًا- بمصلحة المولى عليه، ولا يوجد مثل هذا في وصي الوصي، مع مخالفته للأصول-كالوكالة ونحوها-. أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أن الوصي يتصرف بإذن من الموصي فلا يملك الإيصاء بدونه كالوكيل. الدليل الثاني: أن الوصي لم يرض بتصرف الثاني. دليل القول الثالث: يمكن أن يستدل له بأن تصرفات الوصي مقيدة بالنظر والمصلحة لمن في وصايته، فإذا كان الإيصاء من مصلحتهم جاز وإلا لم يجز؛ لعموم القواعد الشرعية وأدلة اعتبار المصالح واجتناب المفاسد. الترجيح الراجح أن الأصل عدم جواز إيصاء الوصي إلا إذا اقتضت المصلحة ذلك، بناء على نظر الوصي. سبب الترجيح: -مع ما تقدم من الأدلة- أن نظر الوصي معتبر، ولا توجد أدلة قاطعة مانعة، وإنما هو ترجيح، والترجيح نسبي، ولكل حادثة أحكامها. الفرع الثاني: توصية الموصى له . صورة المسألة: إذا أوصى لرجل بشيء من ماله فهل للموصى له أن يوصي بهذا الشيء لغيره؟ وهذا فيما إذا كانت الوصية لمعيّن يمكن صدور القَبول منه. الحكم: حكم هذه المسألة مبني على أن التوصية لا تكون إلا بما يملك أن يوصي به، وعلامَ يثبت ملك الوصية؟ وقد اختلف العلماء في حصول ملك الموصى له المعيّن للوصية (الشيء الموصى به) على أقوال: القول الأول: أن ملك الموصى له يثبت بالقبول بعد الموت، وهو مذهب الحنفية (١)

стр. 212

والحنابلة (١)، وهو قولٌ للمالكية (٢) وقولٌ للشافعية (٣). القول الثاني: أن الملك موقوف مراعى بعد الموت، فإن قَبِلَ الموصى له تبيّنا أن الملك حصل بالموت، وإن رَدّ تبينا أن الملك لم يحصل، وهو مذهب المالكية (٤) والشافعية (٥) ووجه عند الحنابلة (٦). القول الثالث: أن الملك يحصل بالموت، وهو قول للمالكية (٧) وقول للشافعية (٨) ووجه عند الحنابلة (٩)، وقول زفر (١٠). الأدلة: أدلة القول الأول: الدليل الأول: أن الوصية تمليك عينٍ لمعينٍ فيفتقر إلى القبول، فلا يسبق الملك القبول كسائر العقود (١١). الدليل الثاني: أن القبول من تمام سبب الملك، والحكم لا يتقدم سببه (١٢). الدليل الثالث: أن القبول معتبر بالاتفاق، إنما الكلام في أثره وفائدته، وكل تمليك اعتُبر القبول فيه وجب أن يكون القبول مؤثرًا في تحصيل الملك فيه؛ حتى لا يتقدم حصول الملك عليه، وإدخال الأشياء قهرًا في أملاك الناس من غير ولايةٍ بعيدٌ عن قاعدة الشريعة، وإن ثبت

стр. 213

لهم الخيار في الرد (١). وفي ذلك تعريض بالقول بأن الوصية كالميراث تُملك قهرًا، وهو نصٌّ عن أحمد ووجه لأصحابه، وهو القول الثالث في المسألة (٢). الدليل الرابع: أن الموصى له لو مات قبل موت الموصي بطلت الوصية، ولو كانت تثبت بمجردها لانتقلت لورثته، وهذا قول جمهور العلماء (٣)، خلافًا للحسن وعطاء (٤)، ودليل الجمهور أن الوصية عطية بعد الموت. وما سبق من الأدلة -الأول والثاني والثالث- في اعتبار القبول، وهذا الدليل -الرابع- في اعتبار كونه بعد الموت مع حياة الموصى له. دليل القول الثاني: ما سبق من أدلة القول الأول، ولكن القبول في الوصية ليس على قياس القبول في سائر العقود، وللموت أثرٌ بيّن في اقتضاء تحصيل الملك، فالمتوجه ربط الملك بالقبول في معرض التبين والاستناد لا في حقيقة الملك. أدلة القول الثالث: الدليل الأول: أنه ملك يقتضيه الموت مع تقدم الإيصاء، فشابه الملك الذي يقتضيه التوريث، غير أنا نسلط الموصى له على الرد إن أراده حتى لا يدخل على اللزوم في ملكه ما لا يريده (٥). المناقشة: ١. أن هذا بعيد عن قواعد الشريعة -كما سبق-، والميراث مستثنى من القياس، وما خرج عن القياس فعليه غيرُه لا ينقاس، والمقصود أن الموت له أثرٌ ولكنّ الأصلَ في كل تمليك عدا الإرث وجودُ القَبول. ٢. وجود فارق بين الفرع والأصل بأن ملك الوارث للتركة حصل بإلزام من له ولاية الإلزام، وهو الله ، فدخلت التركة ملكه من غير قبول، وهذا الإلزام لا وجود له في الوصية، فلابد فيها من قبول. الدليل الثاني: أن القبول لو كان له أثر لوجب أن يتصل بالإيجاب، فلما لم يكن كذلك، بل كان القبولُ المتصل بالإيصاء في حياة الموصي ساقطَ الأثر، دل على أن عماد الملك الموت بعد

стр. 214

الإيصاء (١). المناقشة: أن اشتراط اتصال القبول بالإيجاب هو الأصل، ولكن حق الموصى له لا يثبت بالموت نظرًا لطبيعة العقد، فالوصية تمليك بعد الموت، وقياسًا على العقود التي اختُلف في اشتراط اتصال القبول بالإيجاب فيها، وهي: الوقف على معين والوكالة والكفالة والحوالة والجعالة والضمان (٢). الترجيح الراجح ثبوت الملك بالقبول بعد الموت، وأنقل كلام الشيخ ابن عثيمين في هذه المسألة من "الشرح الممتع": (والمسألة محتملة، فكلام المؤلف ﵀ له قوة (٣)؛ لأن ملك الموصى له للموصى به ملك مراعى، فإن قبل فهو ملكه من حين زال ملك الموصي عنه، وملك الموصي يزول عنه بالموت، والمذهب له وجهة نظر أيضًا؛ لأنه لم يثبت ملكه إياه إلا بالقبول، فكيف يكون نماء ملك غيره له؟ فالمسألة مترددة بين هذا وهذا، والقاضي إذا تحاكم الورثة والموصى له عنده يرجح ما يراه راجحًا، والأولى والأحسن والأحوط أن يصطلح الورثة والموصى له في مثل هذه الحال) (٤). وعليه فيجوز للموصى له أن يوصي بما أُوصي له به بعد القبول، ومما يرجح هذا القول أن في الأخذ به خروجًا من الخلاف، فإنه على كل احتمال إذا أوصى بعد الموت والقبول فقد أوصى في ما يملك، إلا أن يقال: الوصية تتضمن قبولًا حكميًا، وبه يتبين سبب الترجيح. تنبيه: إذا قلنا بأن الملك لا يثبت إلا بالقبول، فلمن يكون الملك بعد الموت وقبل القبول؟ على قولين: الأول: يكون للورثة، وهو مذهب الحنابلة (٥) ووجه للشافعية (٦)، والثاني: يبقى الملك للميت وهو وجه للشافعية وللحنابلة (٧).

стр. 215

الفرع الثالث: حكم توصية الموصي بالوصية . بادئ ذي بدء لا يجوز للإنسان أن يوصي بأكثر من الثلث، فإن فعل فصحة الوصية في ما زاد موقوفة على إجازة الورثة (١)، ولا يجوز أن يوصي لوارث إلا بإجازتهم (٢)، ويجوز له أن يغيِّر وصيته ويرجع عنها (٣)، وبناء على ذلك إذا أوصى الموصي بعينٍ من ماله، مثل أن يوصي بمكتبته أو سيارته، أو بجزءٍ مشاعٍ، مثل أن يوصي بخُمس ماله أو ثلثه، ثم رجع عن تلك الوصية وأوصى بغيرها ناسخًا لها فالعبرة بالوصية الثانية، أما إذا لم يرجع بل أراد أن يزيد في الوصية أو يوصي ثانيةً مع بقاء الأولى فلا تخلو الوصية الجديدة من أن تكون للموصى له الأول، أو تكونَ لغيره معه، فإن كانت لغيره معه اشتركا في الثلث بقدر نصيبهما، فلو وصى للأول بثلث ماله وللثاني بثلث ماله قسم الثلث بينهما نصفين، ولو أوصى للأول بثلث ماله وللثاني بسدس ماله قسم الثلث بينهما، للأول ثلثا الثلث وللثاني ثلثه، ولم يقدَّم بعضُهم على بعض؛ لأن ما تقدم وما تأخر يلزم في وقت واحد، وهو بعد الموت، وهذا قول فقهاء المذاهب الأربعة (٤)، وإن كانت الوصية الثانية للأول لا لغيره فإن كانت الوصيتان متفاوتتين فله أكثرهما، وهو مذهب الحنفية (٥) والمالكية (٦)، وزاد الحنفية: (ما لم يتجاوز الثلث، ولا عبرة بالزائد وإن أجازته الورثة)، وإن كانتا متساويتين فله أحدهما -مثل أن يقول: أوصيت له بالسدس، ثم يقول في الوصية الثانية: أوصيت له بالسدس. فله السدس وليس السدسان-، وهو مذهب الحنفية (٧)، ورواية عن مالك، وفي قولٍ للمالكية: له مجموعهما (٨).
следующие страницы →