← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 420

العقود المضافة إلى مثلها

عبد الله بن طاهر

Полный текст (309 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

للموصي وإذنه معتبر. أدلة حالة الإطلاق: دليل القول الأول: أن الموصي أقامه مقام نفسه فجاز له أن يوصي كالأب إذا انتقلت له الولاية. المناقشة: انتقال الولاية من الابن إلى الأب له مستند شرعي ظاهر، فهو أقرب العصبة، وأعلمهم-غالبًا- بمصلحة المولى عليه، ولا يوجد مثل هذا في وصي الوصي، مع مخالفته للأصول-كالوكالة ونحوها-. أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أن الوصي يتصرف بإذن من الموصي فلا يملك الإيصاء بدونه كالوكيل. الدليل الثاني: أن الوصي لم يرض بتصرف الثاني. دليل القول الثالث: يمكن أن يستدل له بأن تصرفات الوصي مقيدة بالنظر والمصلحة لمن في وصايته، فإذا كان الإيصاء من مصلحتهم جاز وإلا لم يجز؛ لعموم القواعد الشرعية وأدلة اعتبار المصالح واجتناب المفاسد. الترجيح الراجح أن الأصل عدم جواز إيصاء الوصي إلا إذا اقتضت المصلحة ذلك، بناء على نظر الوصي. سبب الترجيح: -مع ما تقدم من الأدلة- أن نظر الوصي معتبر، ولا توجد أدلة قاطعة مانعة، وإنما هو ترجيح، والترجيح نسبي، ولكل حادثة أحكامها. الفرع الثاني: توصية الموصى له . صورة المسألة: إذا أوصى لرجل بشيء من ماله فهل للموصى له أن يوصي بهذا الشيء لغيره؟ وهذا فيما إذا كانت الوصية لمعيّن يمكن صدور القَبول منه. الحكم: حكم هذه المسألة مبني على أن التوصية لا تكون إلا بما يملك أن يوصي به، وعلامَ يثبت ملك الوصية؟ وقد اختلف العلماء في حصول ملك الموصى له المعيّن للوصية (الشيء الموصى به) على أقوال: القول الأول: أن ملك الموصى له يثبت بالقبول بعد الموت، وهو مذهب الحنفية (١)

стр. 212

والحنابلة (١)، وهو قولٌ للمالكية (٢) وقولٌ للشافعية (٣). القول الثاني: أن الملك موقوف مراعى بعد الموت، فإن قَبِلَ الموصى له تبيّنا أن الملك حصل بالموت، وإن رَدّ تبينا أن الملك لم يحصل، وهو مذهب المالكية (٤) والشافعية (٥) ووجه عند الحنابلة (٦). القول الثالث: أن الملك يحصل بالموت، وهو قول للمالكية (٧) وقول للشافعية (٨) ووجه عند الحنابلة (٩)، وقول زفر (١٠). الأدلة: أدلة القول الأول: الدليل الأول: أن الوصية تمليك عينٍ لمعينٍ فيفتقر إلى القبول، فلا يسبق الملك القبول كسائر العقود (١١). الدليل الثاني: أن القبول من تمام سبب الملك، والحكم لا يتقدم سببه (١٢). الدليل الثالث: أن القبول معتبر بالاتفاق، إنما الكلام في أثره وفائدته، وكل تمليك اعتُبر القبول فيه وجب أن يكون القبول مؤثرًا في تحصيل الملك فيه؛ حتى لا يتقدم حصول الملك عليه، وإدخال الأشياء قهرًا في أملاك الناس من غير ولايةٍ بعيدٌ عن قاعدة الشريعة، وإن ثبت

стр. 213

لهم الخيار في الرد (١). وفي ذلك تعريض بالقول بأن الوصية كالميراث تُملك قهرًا، وهو نصٌّ عن أحمد ووجه لأصحابه، وهو القول الثالث في المسألة (٢). الدليل الرابع: أن الموصى له لو مات قبل موت الموصي بطلت الوصية، ولو كانت تثبت بمجردها لانتقلت لورثته، وهذا قول جمهور العلماء (٣)، خلافًا للحسن وعطاء (٤)، ودليل الجمهور أن الوصية عطية بعد الموت. وما سبق من الأدلة -الأول والثاني والثالث- في اعتبار القبول، وهذا الدليل -الرابع- في اعتبار كونه بعد الموت مع حياة الموصى له. دليل القول الثاني: ما سبق من أدلة القول الأول، ولكن القبول في الوصية ليس على قياس القبول في سائر العقود، وللموت أثرٌ بيّن في اقتضاء تحصيل الملك، فالمتوجه ربط الملك بالقبول في معرض التبين والاستناد لا في حقيقة الملك. أدلة القول الثالث: الدليل الأول: أنه ملك يقتضيه الموت مع تقدم الإيصاء، فشابه الملك الذي يقتضيه التوريث، غير أنا نسلط الموصى له على الرد إن أراده حتى لا يدخل على اللزوم في ملكه ما لا يريده (٥). المناقشة: ١. أن هذا بعيد عن قواعد الشريعة -كما سبق-، والميراث مستثنى من القياس، وما خرج عن القياس فعليه غيرُه لا ينقاس، والمقصود أن الموت له أثرٌ ولكنّ الأصلَ في كل تمليك عدا الإرث وجودُ القَبول. ٢. وجود فارق بين الفرع والأصل بأن ملك الوارث للتركة حصل بإلزام من له ولاية الإلزام، وهو الله ، فدخلت التركة ملكه من غير قبول، وهذا الإلزام لا وجود له في الوصية، فلابد فيها من قبول. الدليل الثاني: أن القبول لو كان له أثر لوجب أن يتصل بالإيجاب، فلما لم يكن كذلك، بل كان القبولُ المتصل بالإيصاء في حياة الموصي ساقطَ الأثر، دل على أن عماد الملك الموت بعد

стр. 214

الإيصاء (١). المناقشة: أن اشتراط اتصال القبول بالإيجاب هو الأصل، ولكن حق الموصى له لا يثبت بالموت نظرًا لطبيعة العقد، فالوصية تمليك بعد الموت، وقياسًا على العقود التي اختُلف في اشتراط اتصال القبول بالإيجاب فيها، وهي: الوقف على معين والوكالة والكفالة والحوالة والجعالة والضمان (٢). الترجيح الراجح ثبوت الملك بالقبول بعد الموت، وأنقل كلام الشيخ ابن عثيمين في هذه المسألة من "الشرح الممتع": (والمسألة محتملة، فكلام المؤلف ﵀ له قوة (٣)؛ لأن ملك الموصى له للموصى به ملك مراعى، فإن قبل فهو ملكه من حين زال ملك الموصي عنه، وملك الموصي يزول عنه بالموت، والمذهب له وجهة نظر أيضًا؛ لأنه لم يثبت ملكه إياه إلا بالقبول، فكيف يكون نماء ملك غيره له؟ فالمسألة مترددة بين هذا وهذا، والقاضي إذا تحاكم الورثة والموصى له عنده يرجح ما يراه راجحًا، والأولى والأحسن والأحوط أن يصطلح الورثة والموصى له في مثل هذه الحال) (٤). وعليه فيجوز للموصى له أن يوصي بما أُوصي له به بعد القبول، ومما يرجح هذا القول أن في الأخذ به خروجًا من الخلاف، فإنه على كل احتمال إذا أوصى بعد الموت والقبول فقد أوصى في ما يملك، إلا أن يقال: الوصية تتضمن قبولًا حكميًا، وبه يتبين سبب الترجيح. تنبيه: إذا قلنا بأن الملك لا يثبت إلا بالقبول، فلمن يكون الملك بعد الموت وقبل القبول؟ على قولين: الأول: يكون للورثة، وهو مذهب الحنابلة (٥) ووجه للشافعية (٦)، والثاني: يبقى الملك للميت وهو وجه للشافعية وللحنابلة (٧).

стр. 215

الفرع الثالث: حكم توصية الموصي بالوصية . بادئ ذي بدء لا يجوز للإنسان أن يوصي بأكثر من الثلث، فإن فعل فصحة الوصية في ما زاد موقوفة على إجازة الورثة (١)، ولا يجوز أن يوصي لوارث إلا بإجازتهم (٢)، ويجوز له أن يغيِّر وصيته ويرجع عنها (٣)، وبناء على ذلك إذا أوصى الموصي بعينٍ من ماله، مثل أن يوصي بمكتبته أو سيارته، أو بجزءٍ مشاعٍ، مثل أن يوصي بخُمس ماله أو ثلثه، ثم رجع عن تلك الوصية وأوصى بغيرها ناسخًا لها فالعبرة بالوصية الثانية، أما إذا لم يرجع بل أراد أن يزيد في الوصية أو يوصي ثانيةً مع بقاء الأولى فلا تخلو الوصية الجديدة من أن تكون للموصى له الأول، أو تكونَ لغيره معه، فإن كانت لغيره معه اشتركا في الثلث بقدر نصيبهما، فلو وصى للأول بثلث ماله وللثاني بثلث ماله قسم الثلث بينهما نصفين، ولو أوصى للأول بثلث ماله وللثاني بسدس ماله قسم الثلث بينهما، للأول ثلثا الثلث وللثاني ثلثه، ولم يقدَّم بعضُهم على بعض؛ لأن ما تقدم وما تأخر يلزم في وقت واحد، وهو بعد الموت، وهذا قول فقهاء المذاهب الأربعة (٤)، وإن كانت الوصية الثانية للأول لا لغيره فإن كانت الوصيتان متفاوتتين فله أكثرهما، وهو مذهب الحنفية (٥) والمالكية (٦)، وزاد الحنفية: (ما لم يتجاوز الثلث، ولا عبرة بالزائد وإن أجازته الورثة)، وإن كانتا متساويتين فله أحدهما -مثل أن يقول: أوصيت له بالسدس، ثم يقول في الوصية الثانية: أوصيت له بالسدس. فله السدس وليس السدسان-، وهو مذهب الحنفية (٧)، ورواية عن مالك، وفي قولٍ للمالكية: له مجموعهما (٨).

стр. 216

الأدلة: دليل من قال له أحدهما: جواز إرادة التأكيد بذلك، ولأن المعرفة أعيدت معرفة (١). دليل من قال له مجموعهما: أنها وصيتان فوجب العمل بهما جميعًا. الترجيح الراجح أنه إن دل دليل على إرادة التأكيد فله أحدهما، وإلا فله المجموع؛ عملًا بالوصيتين ولأن الأصل في الكلام التأسيس.

стр. 217

المبحث التاسع: إعتاق الرقيق ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف العتق والرِّقِّ وحكمهما . تعريف العتق والرق في اللغة العتق خلاف الرق، وهو الحرية (١)، وله معانٍ أخرى، والرق بكسر الراء الملك وهو العبودية (٢)، والمراد عبودية خاصة وإلا فالعبودية المطلقة لله وحده -سبحانه-. وفي الاصطلاح العتق تحرير الرقبة (٣) أو قوة حكمية يصير بها أهلًا للتصرفات الشرعية (٤) أو رفع الملك الحقيقي الكائن لمسلم عن آدمي حي من غير تحجير منفعته (٥). والرِّقُّ عجز حكمي شُرِع في الأصل جزاءً عن الكفر (٦). حكم العتق والرق أجمع العلماء على صحة العتق وأنه من القربات (٧)، وشرع ربنا العتق في كفارة القتل والأيمان والظهار والوطء في رمضان، وفيه فضلٌ عظيمٌ، ويَعرِض له أحكام أخرى، كما في "المغني"، والرق جائز؛ لأنه شرط وجود العتق. المطلب الثاني: حكم إعتاق الرقيق (٨)، وفيه خمسة أفرع: الفرع الأول: إعتاق القِنّ . صورة المسألة: القِنُّ هو العبد الخالص، فهل يجوز له أن يعتق؟ تحرير محل النزاع: أما إعتاق نفسه فقال في "المغني": (لا يملك العبد أن يعتق نفسه) (٩)، ولا يُقبل خلافٌ في هذا، إلا أن يملِّكه سيده؛ لأن العتق من خصائص المالك، وعتق العبد لما لا يملك من الغصب، والعبد لا يملك نفسه، ونُقل الإجماع في عتق الغاصب أن للسيد أن يزيله ويأخذ عبده (١٠)، وأما إعتاقُ العبدِ غيرَه فمبني على مسألة: هل يملك العبد؟ فعلى القول

стр. 218

بأنه يملك له أن يعتق، وعلى القول بأنه لا يملك فليس له ذلك. فأما إذا لم يملّكه سيده فجمهور أهل العلم على أن العبد لا يملك (١)، خلافًا للظاهرية، ومنهم ابن حزم (٢). واستدل الظاهرية بدخول العبد في عموم قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ البقرة: (٢٩) وبقول النبي ﷺ : «من ابتاع عبدًا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع» (٣). وجه الدلالة أنه قال: «وله مال» فدل أن العبد يملك، وبأن ابن عمر ﵄ كان يأذن لعبيده في التسري (٤)، ونقل في "الجوهر النقي": (ولا يعرف لهما من الصحابة مخالف) (٥)، ولولا أنهم يملكون لما جاز لهم التسري؛ لأن الله لم يبح الفرج إلا بنكاحٍ أو ملكِ يمينٍ. ومناقشة هذه الأدلة أن عموم الآية الأولى مخصوص بالعبد، وأن الحديث يراد به ما بيد العبد من مال سيده، وأن إضافة الملك إليه مجاز كما يقال: غنم الراعي وسرج الدابة وباب الدار، بدليل قوله: «فماله للذي باعه» فكيف يكون له مال وماله بعينه في تلك الحال لسيده إذا باعه؟ وأما أثر ابن عمر ومن معه ﵃ فقد جاء عن ابن عمر ﵄ خلافه (٦)، وعلى فرض جواز التسري فلا يلزم منه أن العبد يملك ملكًا تامًا، قال أبو العباس ابن تيمية: (وقول القائل: يملكه صاحبه أو لا يملكه. في ذلك وفي نظائره، كقوله: العبد يملك أو لا يملك

стр. 219

وأهل الحرب هل يملكون أموال المسلمين أو لا يملكونها، والموقوف عليه هل يملك الوقف أو لا يملكه؟ إنما نشأ فيها النزاع بسبب ظن كون الملك جنسًا واحدًا تتماثل أنواعه، وليس الأمر كذلك، بل الملك هو القدرة الشرعية، والشارع قد يأذن للإنسان في تصرف دون تصرف، ويملكه ذلك التصرف دون هذا، فيكون مالكًا ملكًا خاصًا، ليس هو مثل ملك الوارث، ولا ملك الوارث كملك المشتري من كل وجه، بل قد يفترقان، وكذلك ملك النهب والغنائم ونحوهما قد خالف ملك المبتاع والوارث) (١)؛ لذا قال في "تقرير القواعد": (إن العبد يثبت له ملك قاصر بحسب حاجته إليه، وإذا لم يثبت له الملك المطلق التام ... كما أثبتنا له في الأمة ملكًا قاصرًا يبيح التسري بها دون بيعها وهبتها على ما سنذكره، وهذا اختيار الشيخ تقي الدين) (٢) أي ابن تيميّة. وأدلة الجمهور عديدة منها قوله : ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ النحل: (٧٥)، وفي آية ٧١ نوعُ دلالةٍ كذلك، وقول النبي ﷺ : «فماله للذي باعه»، وحصول الإجماع من الأمّة على أن لسيد العبد أن ينتزع منه ما بيده من المال من كسبه ومن غير كسبه (٣)، ولأن سيده يملك عينه ومنافعه، فما حصل بذلك يجب أن يكون لسيده كبهيمته (٤). وقد استدل بعض الحنفية بحديث لا أصل له: (لا يملك العبد ولا المكاتب شيئًا إلا الطلاق) (٥). وأما إذا ملَّكه سيده فجمهور أهل العلم على أنه لا يملك أيضًا للأدلة السابقة، وذهب مالك في قولٍ والشافعي في القديم (٦) وابن قدامة وابن شاقلا وابن عقيل من الحنابلة (٧) إلى أنه يملك؛ لأن المانع من الملك هو حق سيده وقد أذن، ولأدلة قياسية كثيرة مع ما سبق من أدلة الظاهرية. وعليه فليس للعبد القن أن يعتق عند الجمهور مطلقًا، وله أن يعتق عند الظاهرية مطلقًا،

стр. 220

وقال ابن حزم: (وعتق العبد وأم الولد لعبدهما جائز) (١)، وعند مالك ومَن معه له أن يعتق إذا ملّكه سيده احتمالًا؛ لأنه قد يُشتَرط مع الملك الإذن في الإعتاق؛ لأن تبرعات العبد قدر زائد على سائر تصرفاته؛ لذا نص المالكية على عدم جواز عتق العبد بغير إذن سيده وأنه موقوف على إجازة سيده (٢)، وعليه فإن العبد لا يكفر الظهار بالعتق (٣). الفرع الثاني: إعتاق المبعَّض . صورة المسألة: من كان بعضه حرًّا وبعضه عبدًا هل له أن يعتق؟ الحكم: القول الأول: أنه كالعبد القن لا يعتق إلا بإذن سيده، وإن أعتق فهو موقوف على إجازة سيده، وهو قول المالكية (٤). القول الثاني: أنه إن أعتق في يومه الذي له فيصح، وإن أعتق في يوم سيده فهو موقوف على إجازة سيده، وهو احتمال مبني على سائر أكسابه وأنه يملك بجزئه الحر جميع أنواع الملك (٥). الفرع الثالث: إعتاق المكاتب . صورة المسألة: إذا كاتب العبد سيده -عَقَدَ معه عقدًا يلتزم العبد بموجبه بدفع عوض منجم، ويلتزم السيد بعتقه إذا أتم دفع العوض- فهل يجوز للمكاتب أن يعتق غيره؟ الحكم: القول الأول: لا يجوز للمكاتب أن يعتق إلا بإذن سيده، وهو مذهب الجمهور (٦)، وحكى ابن رشد الإجماع عليه (٧). القول الثاني: يصح ويقف على إذن سيده، وهو قول للحنابلة (٨). القول الثالث: أنه موقوف على آخِر أمر المكاتب، فإن أدى المكاتبُ عتق معتَقُه وإلا رق،

стр. 221

وهو قول للحنابلة (١). القول الرابع: يصح عتق المكاتب مطلقًا، وهو قول ابن حزم (٢). ودليل المنع أنه تبرَّعَ بماله بغير إذن سيده فيبطل كالهبة، وأنه تصرفٌ يمنع حق السيد فيبطل كسائر ما يمنع حقه. ودليل من أجاز أنه أولى من القن بالجواز، وهو يرى صحة عتق القن. الفرع الرابع: إعتاق أم الولد . صورة المسألة: الأمة التي ولدت لسيدها هل يجوز لها أن تعتق غيرها؟ الحكم: القول الأول: مقتضى قول جمهور العلماء أنها لا تملك حتى تعتق؛ لأنها في حكم الإماء إلا في مسائل مخصوصة ليس العتق منها (٣). القول الثاني: لا يجوز لها أن تعتق بغير إذن سيدها، فإن فعلت فهو موقوف على إجازته، وهو مذهب المالكية (٤). القول الثالث: يجوز لأم الولد أن تعتق، وهو قول ابن حزم (٥). الفرع الخامس: إعتاق المُدَبَّر وتدبيره . صورة المسألة: المُدَبَّر هو المعلَّق عتقُه بموت سيده (٦)، وسبب تسميته بذلك أن حريته تحصل دبر حياة سيده، وهو جائز بالإجماع (٧)، فهل يصح تدبير المدبر أو عتقه؟ الحكم: المدبر عبدٌ خالصٌ ما دام سيده حيًّا، لكنه خُصَّ بأحكام، وتبين حكم إعتاق القن في الفرع الأول، وتدبير المدبر فرعٌ عن إعتاقه. ولم أرجح في هذا المبحث؛ لأن الترجيح فرع الحاجة، وبحث المسألة جاء تتميمًا للموضوع. وقد يُحتاج لترجيح في هذه المسائل لقياس أو تخريج مسائل أخرى عليها.

стр. 222

المبحث العاشر: مكاتبة المكاتب ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف المكاتبة وحكمها . تعريف المكاتبة المكاتبة والكتابة في اللغة من الكتب، وهو الجمع (١)، ومعناه أن يكاتبك عبدك على نفسه بثمنه فإذا أداه عتق (٢)، وهو معناه في الاصطلاح، كما جاء: ١ - عند الحنفية: تحرير المملوك يدًا حالًا ورقبةً مآلًا (٣). ٢ - عند المالكية: عتق المكلف الرشيد عبده منجمًا (٤). ٣ - عند الشافعية: عقد عتق بلفظه بعوض منجم نجمين فأكثر (٥). ٤ - عند الحنابلة: إعتاق السيد عبده على مال في ذمته يؤدّى مؤجلًا (٦)، وقيل: بيع سيدٍ عبده نفسَه على وجه مخصوص (٧). حكم المكاتبة المكاتبة مشروعة بالإجماع (٨)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ النور: (٣٣)، وحديث بريرة ﵂ (٩)، فإذا طلب العبد المكاتبة استُحب لسيده أن يجيبه عند أكثر العلماء (١٠)، وأوجبه عطاء (١١) وعمرو بن دينار (١٢) وداود (١٣) وابن حزم (١٤)، وهو رواية عن الإمام أحمد (١٥)، قال ابن عبد البر: (﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ

стр. 223

الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ ولم يختلف علماء السلف أن ذلك على الندب لا على الإيجاب) (١). المطلب الثاني: حكم مكاتبة المكاتب . صورة المسألة: إذا كاتب العبدُ سيده فملك العبدُ المكاتب عبدًا آخر فهل يملك أن يكاتبه؟ الحكم: اختلف في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ليس للمكاتب أن يكاتب بغير إذن سيده، وهو مذهب الشافعية (٢) والحنابلة (٣). القول الثاني: للمكاتب أن يكاتب بلا إذن، وهو مذهب الحنفية (٤) والمالكية (٥) وابن حزم (٦). الأدلة: دليل القول الأول: أن المكاتبة من جنس العتق، وليس له أن يعتق. أدلة القول الثاني: الدليل الأول: عموم أدلة المكاتبة فإنها تشمل كل المالكِين، والمكاتب مالك لعبده. الدليل الثاني: أن المكاتب لا يمنع من التجارة ومِن كل ما فيه معاوضة؛ لأنه يستعين بذلك في أداء كتابته، ومن ذلك مكاتبته لعبده. ولم أرجح في هذا المبحث أيضًا؛ لأن الترجيح فرع الحاجة.

стр. 224

المبحث الحادي عشر: إقطاع المقطَع ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الإقطاع وحكمه . تعريف الإقطاع الإقطاع في اللغة مصدر أقطع، ومادة القطع ترجع للإبانة، ومنه قطع لسانه: أسكته بإحسانه إليه، وأقطعه قطيعةً أي طائفةً من أرض الخراج، والإقطاع يكون تمليكًا وغير تمليك (١)، وهو كذلك في الاصطلاح إلا أنهم يصوغونه بلسان أهل الشرع، فمن ذلك: ١ - تمليك الخراج مع بقاء رقبة الأرض لبيت المال (٢). ٢ - تسويغ الإمام من مال الله شيئًا لمن يراه أهلًا لذلك (٣). ٣ - ما يخص به الإمام بعض الرعية من الأرض الموات فيصير أولى به ممن لم يسبق إلى إحيائه (٤). ٤ - قيام الإمام بتوزيع الأراضي الموات أو نحوها بين الأفراد الممتازين من الرعية سواء أكان تمليكًا أم استغلالًا أم إرفاقًا ليقوموا باستثمارها وبعث النشاط والحياة فيها (٥). حكم الإقطاع الإقطاع من حيث الأصل جائز (٦)، قال الترمذي: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم في القطائع، يرون جائزًا أن يُقطِع الإمام لمن رأى ذلك) (٧)، وله أنواع عديدة، وهي في الجملة ترجع إلى ثلاثة أنواع: إقطاع تمليك وإقطاع إرفاق (إمتاع- انتفاع) وإقطاع استغلال (استثمار)، والتمليك إما أن يكون إقطاع موات أو عامر أو معادن، ويمكن تقسيم إقطاع الإرفاق نحو هذا التقسيم (٨)، وقسموا إقطاع الاستغلال إلى عُشر

стр. 225

وخَراج. والأصل في الإقطاع السنة المطهرة والإجماع، فمن ذلك: ١. عن أنس ﵁ قال: أراد النبي ﷺ أن يقطع البحرين-وفي روايةٍ: دعا الأنصار ليقطع لهم بالبحرين- فقالت الأنصار: حتى تُقطِع لإخواننا من المهاجرين مثل الذي تُقطِع لنا. قال: «سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني» (١). ٢. عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: أقطعني رسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب أرض كذا وكذا (٢). ٣. روى البخاري تعليقًا بصيغة الجزم أن رسول الله ﷺ أقطع الزبير أرضًا من أموال بني النضير، عقب حديث أسماء ﵄: (وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ ) (٣). ٤. عن وائل بن حجر أن النبي ﷺ أقطعه أرضًا بحضرموت (٤)، وفي رواية: فأرسل معي معاوية أن أعطها إياه -أو قال: أَعْلِمْها إياه- قال: فقال لي معاوية: أردفني خلفك. فقلت: لا تكون من أرداف الملوك. قال: فقال: أعطني نعلك. فقلت: انتعل ظل الناقة. قال: فلما استُخلف معاوية أتيته فأقعدني معه على السرير فذكرني الحديث. فقال سماك: فقال: وودت أني كنت حملته بين يدي (٥).

стр. 226

٥. عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القَبَلية جلسيّها وغوريّها وحيث يصلح للزرع من قُدْس، ولم يعطه حق مسلم، وكتب له النبي ﷺ : «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسولُ الله بلال بن الحارث المزني، أعطاه معادن القَبَلية جليسها وغوريها وحيث يصلح للزرع من قُدْس ولم يعطه حق مسلم» (١) وفي رواية: أنه أقطع لبلال بن الحارث العقيق أجمع (٢). ٦. عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «عاديّ الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم» قال أحد الرواة: وما يعني؟ قال: تُقطِعونها للناس (٣)، ونُقل الإجماع على صحة الإقطاع (٤). المطلب الثاني: حكم إقطاع المقطَع . صورة المسألة: إذا أقطع الإمام أو نائبه أرضًا لشخصٍ معيَّنٍ فهل يحق للإمام أن يقطع هذه الأرض لشخص آخر؟ الحكم: إقطاع المقطع يتم على مرحلتين: الأولى: استرجاع الإقطاع، والثانية: إقطاعه غير المقطع

стр. 227

الأول. واسترجاع الإقطاع راجعٌ لاجتهاد الإمام، قال في "كشاف القناع": (ما لم يَعُد الإمام فيه، أي في إقطاعه؛ لأنه كما أن له اجتهادًا في الإقطاع له اجتهادٌ في استرجاعه) (١) وتصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة (٢)، فلا يجوز له أن يسترجعه بغير حق، قال في "حاشية ابن عابدين": (مطلب: ليس للإمام أن يخرج شيئًا من يد أحدٍ إلا بحق ثابت معروف) (٣)، ومنع الاسترجاع بعض المالكية، جاء في "التاج والإكليل": (ولا بن رشد ما نصه: ما اقتطع أمير المؤمنين من أموال المسلمين التي يجوز له بيعها بإقطاعه حكمٌ لا يجوز له الرجوع فيه في حياة المقطع ولا بعد وفاته، وهو مال من ماله بنفس الإقطاع، يورث عنه كسائر ماله، وهو قول ابن القاسم ...) (٤) وفي "مواهب الجليل": (الإقطاع حكم من أحكام الأئمة لا ينقض) (٥). ومن أدلة الجواز-بالإضافة لما سيأتي ولما أشار إليه في "كشاف القناع"- أن النبي ﷺ أقطع أبيض بن حمال المازني ﵁ ثم استرده لما تبين له رجحان مفسدة ذلك على مصلحته (٦). وما رواه أبو عبيد عن أسماء ﵂ أن رسول الله ﷺ أقطع الزبير أرضًا بخيبر فيها شجر ونخل. وهو حديث مسندٌ كما ذكر (٧)، وقال: (أما إقطاع النبي ﷺ الزبير أرضًا ذات نخل وشجر فإنا نراها الأرض التي أقطعها الأنصاري فأحياها وعمرها ثم تركها بطيب نفس منه فقطعها رسول الله ﷺ للزبير، وهو مفسّر في حديث ابن سيرين ... ولا أعرف لإقطاعه أرضًا فيها نخل وشجر وجهًا غير هذا) (٨)، وحديث ابن سيرين هو: (أقطع رسول الله ﷺ

стр. 228

رجلًا من الأنصار يقال له سليط وكان يذكر من فضله أرضًا، قال: فكان يخرج إلى أرضه تلك، فيقيم بها الأيام، ثم يرجع، فيقال له: لقد نزل من بعدك من القرآن كذا وكذا، وقضى رسول الله ﷺ في كذا وكذا، قال: فانطلق إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن هذه الأرض التي أقطعتنيها قد شغلتني عنك فاقبلها مني، فلا حاجة لي في شيء يشغلني عنك، فقبلها النبي ﷺ منه، فقال الزبير: يا رسول الله، أقطعنيها. قال: فأقطعها إياه) (١) وهو محل الشاهد فإقطاعه ﷺ لأرضٍ سبق أن أقطعها كان بعد استرجاعه، وهذا الاسترجاع بوجه الحق، كما هو ظاهر، وإنما قدمت حديث أسماء ﵂؛ لأنه مسند وحديث ابن سيرين مرسل (٢). أما إقطاعه للمقطع الثاني بعد الاسترجاع فدليله عموم أدلة الإقطاع، أما إن أقطعه لآخر دون استرجاع فهذا من الظلم والعدوان، وهو مثل الاسترجاع بغير حق (٣). إذا تقرر ذلك جاز إقطاع المقطع بعد استرجاعه بجملة من الشروط، وهي: ١ - عجز المقطع الأول عن الاستغلال أو عن الإحياء إن كان إقطاع تمليك، وهذا على مذهب الشافعية (٤) والحنابلة (٥)، أما عند المالكية (٦) فإنه يملك الأرض بمجرد الإقطاع وليس بالإحياء، واختاره ابن عابدين من الحنفية (٧). ودليل الاشتراط حديث الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه أن رسول الله ﷺ أقطعه العقيق أجمع، فلما كان عمر ﵁ قال لبلال: إن رسول الله ﷺ لم يقطعك لتحجره -وفي نسخة: لتحجزه- عن الناس، لم يقطعك إلا لتعمل، فأقطع عمر بن الخطاب للناس العقيق (٨)، وعن عبد الله بن أبي بكر قال: جاء بلال بن الحارث المزني إلى رسول الله ﷺ فاستقطعه أرضًا طويلةً عريضةً، فلما وَلي عمر قال له: يا بلال إنك استقطعت رسول الله ﷺ أرضًا طويلةً عريضةً قطعها لك، وإن رسول الله ﷺ لم يكن ليمنع شيئًا يُسألُه، وإنك لا تطيق ما في يديك. قال:

стр. 229

أجل. قال: فانظر ما قويت عليه منها فأمسكه وما لم تطق فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين. فقال: لا أفعلُ واللهِ، شيءٌ أقطعنيه رسول الله ﷺ . فقال عمر: والله لتفعلن. فأخذ منه ما عجز عن عمارته فقسمه بين المسلمين (١)، وعن طاوس وعن رجل من أهل المدينة قال: قطع رسول الله ﷺ العقيق لرجل واحد، فلما كان عمر كثر عليه فأعطاه بعضه وقطع سائره للناس (٢). ٢ - إنذار الإمام المقطع الأول بعد مضي مدة الإمهال، وهو ظاهر من فعل عمر ﵁ في الآثار السابقة (٣). ٣ - أن يكون المقطع الثاني مستحقًا للإقطاع. ٤ - أن يكون المقطع الثاني قادرًا على الإحياء أو الاستغلال (٤). ...

стр. 230

الفصل الثالث عقود التوثقة المضافة إلى مثلها ، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: رهن المرهون. المبحث الثاني: كفالة الكفيل وضمان الضمين (الضامن). المبحث الثالث: إعادة التأمين.

стр. 231

المبحث الأول: رهن المرهون ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الرهن وحكمه . تعريف الرهن الرهن لغةً الدوام والثبوت والحبس، في "اللسان": (رَهَنَ الشيءُ رهنًا دام وثبتَ) (١). والرهن اصطلاحًا: ١ - عند الحنفية: حبس شيءٍ مالي بحق يمكن استيفاؤه منه (٢). ٢ - عند المالكية: مالٌ قبضُه توثقٌ به في دين (٣). ٣ - عند الشافعية: جَعلُ عينِ مالٍ متمولةٍ وثيقةً بدينٍ ليستوفي منها عند تعذر وفائه (٤). ٤ - عند الحنابلة: توثقة دينٍ بعينٍ يمكن أخذه أو بعضه منها أو من ثمنها عند تعذر الوفاء من غيرها (٥). ٥ - توثقة دينٍ بعينٍ أو دينٍ أو منفعةٍ يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها (٦). حكم الرهن الرهن جائز بالكتاب والسنة والإجماع؛ لقوله : ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ سورة البقرة:٢٨٣، ورَهَنَ رسول الله ﷺ درعه عند يهودي (٧)، وانعقد الإجماع على جوازه (٨). المطلب الثاني: حكم رهن المرهون ، وفيه فرعان: الفرع الأول: رهن المرهون من طرفٍ ثالثٍ . صورة المسألة: لها صورتان -وإن كان الحكم واحدًا-: الصورة الأولى: الرهن المباشر (الحقيقي- الحيازي). إذا رهن زيد جوالًا عند سعد، فزيد المدين هو الراهن، وسعد الدائن هو المرتهن، فهل

стр. 232

لأحدهما أن يرهن هذا الجوال حقيقةً عند طرف ثالثٍ دائنٍ لأحدهما، بأن يجعل الجوال في يد الطرف الثالث رهنًا؟ وتصوّر ذلك فيما إذا كان الراهن للطرف الثالث هو سعد ظاهرٌ؛ لأن الأصل أن يكون الرهن في يده، وقد يكون في يد أمينٍ يرتضيانه، أما كون الراهن الثاني هو زيد فهذا متصور على قول من لا يشترط القبض للزوم الرهن. الصورة الثانية: الرهن الرسمي (التأميني-السائل-الساذج-الذمة السائلة). أصل الرهن قد يكون مباشرًا وقد يكون سائلًا، وكذلك رهن المرهون، والمراد بالثاني ما يوجد في أنظمة كثير من البلاد الإسلامية، وهو رهن لا يقبض فيه المرتهن المرهون، ويبقى في يد الراهن، ولكن يحق للمرتهن المطالبة باستيفاء الدين منه عند حلوله، ويكون توثيق الدين بقبضه على وثائق الملكية للعين المرهونة، فالراهن وإن كان قادرًا على الانتفاع بالمرهون إلا أنه لا يملك نقل ملكيتها لطرف ثالث حتى يفتك الرهن السائل بتسديد الدين (١)، وهذا قد يقع لبعض الجهات الاعتبارية -أكثر من غيرها- فهل لها أن ترهن هذه العين الباقية في يدها بتكرار تسليم المستندات في كل عملية رهن، إذا لم يُحكم النظام المنع من ذلك؟ يرجع حكم الرهن السائل لمسألة اشتراط القبض للزوم الرهن، فجمهور العلماء من الحنفية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) وابن حزم (٥) على اشتراطه، ونُقِل الإجماع عليه (٦)، وذهب المالكية إلى عدم اشتراطه (٧)، وذهب بعض الحنابلة للتفصيل فالمرهون المكيل أو الموزون لا يلزم إلا بالقبض وغيرهما على روايتين كالقولين السابقين (٨). وقد ذهب بعض المعاصرين لجوازه، وذكر توجيه ذلك بأمور منها: أن قبض المستندات يقوم مقام قبض الرهن، وأن مقصود الرهن توثيق الدين، وهو حاصلٌ بهذا الرهن مع تحقيق مصلحة الراهن أيضًا، وأن القبض الحقيقي يتعذر في التجارة الدَّوْلِيّة في حالاتٍ كثيرةٍ (٩).

стр. 233

تحرير محل النزاع: أولا: في حال الإذن: إذا أذن المرتهن للراهن في الرهن جاز ويفسخ الرهن الأول (١)؛ لأن المرتهن تنازل عن حقه ورجعت العين لمالكها، وهو الراهن. وأما المرتهن فلا يجوز له أن يرهن ولا يصح (٢)؛ لأنه لا يملك الرهن، ولأنه متى كان الحق دينًا فالانتفاع بالرهن يؤول إلى الربا؛ لأنه قرضٌ جر نفعًا، وفي قولٍ عند الحنابلة يصح ذلك ويصير الرهن عارية عنده (٣). ثانيا: في غير حالة الإذن هل يجوز للراهن أو المرتهن أن يرهن الرهن؟ على قولين: القول الأول: لا يجوز ولا يصح، وهو مذهب الحنفية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦). القول الثاني: أما رهن الراهن فإذا كانت قيمة المرهون أكثر من الدين جاز أن يرهن ما زاد عن الدين رهنًا ثانيًا برضا المرتهن الأول، وهو مذهب المالكية (٧)، أما رهن المرتهن فقال مالك في من ارتهن رهنًا فباعه أو رهنه: (إنه يرده حيث وجده فيأخذه ربه ويدفع ما عليه فيه، ويتبع الذي اشتراه الذي غَرَّه فيلزمه بحقه) (٨)، وهذا يفيد موافقة الجمهور. الأدلة: أما وجه الجواز مع الإذن فواضح وسبق نحوه مرارًا، وأما في غير حالة الإذن فما يلي: أدلة القول الأول: الدليل الأول: أما الراهن فلا يجوز له أن يرهن المرهون؛ لتعلق حق المرتهن به، قال في"الأشباه والنظائر": (المشغول لا يشغل، ولهذا لو رهن رهنًا بدينٍ ثم رهنه بآخر لم يجز في الجديد) (٩).

стр. 234

وأما المرتهن فلا يجوز له أن يرهن المرهون؛ لأن الحق الثابت له هو الحبس، ولا يملك أن يتصرف فيه بغير ذلك، قياسًا على هبة الرهن والتصدق به، جاء في "المقدمات الممهدات": (وأجمع أهل العلم على أن المرتهن ليس له الانتفاع بشيء من الرهن سوى الحيوان) (١) وذكر أن الخلاف في الحيوان إنما هو في حلبه وركوبه. الدليل الثاني: أن الراهن لم يرضَ بحبس غيره (٢)، وهذا في رهن المرتهن. الدليل الثالث: قال ابن المنذر: (وأجمعوا على أن الراهن ممنوع من بيع الرهن وهبته وصدقته وإخراجه مِن يد مَن رهنه حتى يبرأ من حق المرتهن) (٣)، والرهن مقيس على هذه العقود، ويلزم منه إخراج الرهن من يد المرتهن، وهو المعنى في الأصل، وهذا في رهن الراهن. الدليل الرابع: أنه تصرفٌ يبطل حقَّ المرتهن من الوثيقة غير مبني على التغليب والسراية فلم يصح بغير إذن المرتهن، كفسخ الرهن (٤). دليل القول الثاني: أما رهن المرتهن فيُستدل لهم بما استدل به أصحاب القول الأول، أما رهن الراهن فبناءً على مذهبهم في عدم اشتراط قبض الرهن للزومه، فما زاد عن الدين من قيمة الرهن باقٍ في ملك الراهن فله أن يتصرف فيه بما يشاء. المناقشة: أن المالكية وإلم يشترطوا القبض لكنهم يرون أنه متى حصل القبض لزم استدامته (٥) كالحنفية (٦) والحنابلة (٧) وخلافًا للشافعية (٨)، وعليه فلن يتمكن المرتهن الثاني من توثيق حقه؛ لفوات المحل بقبض الأول. الترجيح الراجح أنه لا يجوز ولا يصح للراهن ولا للمرتهن أن يرهن المرهون مطلقًا، سواء أكان الدين الأول أقل من قيمة المرهون أم لا، وسواء أكان الرهن بيد المرتهن أم لا، إلا إذا أذن المرتهن للراهن بالرهن؛ لأن الحق له وأسقطه، وينفسخ بذلك الرهن الأول. أسباب الترجيح:

стр. 235

١. ما تقدم من الأدلة مع مناقشة دليل القول الآخر. ٢. أنّ في هذا القول سدًّا لذريعة النزاع والاختلاف المتوقع بين المرتهنين. ٣. تفاوت الذمم، والراهن لم يرضَ بذمة المرتهن الجديد. الفرع الثاني: رهن المرهون من المرتهن (الزيادة في الدين) . صورة المسألة: إذا رهن زيد عقارًا عند سعد، فزيد المدين هو الراهن، وسعد الدائن هو المرتهن، فهل لزيد أن يستدين دينًا آخر من سعد ويجعل ذلك العقار بعينه رهنًا عن الدين الجديد الثاني، فيضمُّه إلى الأول في الاستيثاق بالرهن الأول؟ الحكم: فيه قولان: القول الأول: لا يجوز رهن المرهون للمرتهن، ولو كانت قيمة الرهن كافية للدينين، ولو كانا من جنس واحد، فإن فعل فيبطل الثاني دون الأول، وهو مذهب الحنفية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣) وابن حزم (٤). القول الثاني: يجوز رهن المرهون للمرتهن، فيكون رهنًا للدينين، وهو مذهب المالكية (٥) والقول القديم عند الشافعية (٦) وقول أبي يوسف (٧) والمزني (٨) وابن قيم الجوزية (٩). الأدلة: أدلة القول الأول: الدليل الأول: أن هذا رهنُ مرهونٍ، ورهن المرهون لا يجوز، قياسًا على ما لو رهنه لطرفٍ آخر (١٠). المناقشة: بالمنع من إلحاق الفرع بالأصل، فليست العلة في منع رهن المرهون لطرف آخر

стр. 236

كونه رهنًا لمرهون، بل لتفاوت الذمم، وحفظًا لحق المرتهن الأول، فإذا كان هو المرتهن الجديد فالذمة واحدة، والتوثق موجود، ولا منازع له في الوثيقة (١). الدليل الثاني: أنه تعلق بجملة الرهن كل جزءٍ من أجزاء الدين الأول، فلم يبق فيه موضعٌ لتعلُّق حقٍّ آخر بخلاف الضمان، فإن محله الذمة، وهي متسعة لكل دينٍ يَرِد عليها (٢)، ودليله أنه لو قضى الحق الأول إلا جزءًا يسيرًا لتعلق به الرهن. المناقشة: ١.أن هذا الحكم ليس متفقًا عليه، فعن أبي حنيفة رواية أنه إذا رهن شيئين بحق فتلف أحدهما كان الباقي رهنًا بما يقابله من الحق لا بجميعه (٣). الجواب: أن أبا حنيفة ليس ممن يعهد عنه روايتان (٤)، وأن هذا مخالف للإجماع (٥). الرد: لأبي حنيفة ﵀ روايتان في عدد من المسائل، كما هو حال سائر الأئمة (٦). ٢. أنه لا أثر للفرق بينهما بسعة الضمان وضيق الرهن؛ لأن لهما أن يوسّعاه أضعاف ما هو متعلق به بأن يُغير الرهن (٧). ٣. أن الحق الثاني لا ينافي الحق الأول، فيمكن أن يتعلق الحقان بهذا المرهون. الدليل الثالث: أنها زيادة لا تلحق بالعقد فلا تصح، قياسًا على الزيادة في الثمن بعد لزوم البيع (٨). المناقشة: أنه تعليل بمحل النزاع، فللمخالف أن يقول: إنها زيادة تلحق بالعقد فتصح قياسًا على زيادة الرهن (٩)، وهذا أصلٌ أقرب من القياس على البيع. أدلة القول الثاني: الدليل الأول: قال ابن المنذر: (وأجمعوا على أن للراهن أن يزيد المرتهن رهنًا مع رهنه أو

стр. 237

رهونًا) (١)، فكذلك يجوز أن يزيد المرتهن الراهن دينًا مع دينه أو ديونًا، قال الجويني في"نهاية المطلب": (فإذا لم يمتنع هذا في أحد الجانبين-وحكم العقود التساوي- لم يمتنع في الجانب الآخر، ولما منعنا الزيادة في الثمن بعد لزوم العقد منعناها في المثمن) (٢) أي في عقد البيع. المناقشة: أن الدين مستغرق للرهن وليس الرهن مستغرقًا للدين، بدليل سقوط الدين بكل الرهن وسقوط الرهن لا بكل الدين، ولذلك جاز دخول رهنٍ ثانٍ على أولٍ في دين واحد، ولم يجز دخول دينٍ ثانٍ على أولٍ في رهنٍ واحدٍ (٣). الجواب: عدم التسليم بالمقدمة الأولى، فالاستغراق المذكور حكمي، والنظر في الاستغراق الحقيقي الخارجي، فإن كانت قيمة الرهن أكبر من قدر الدين الأول فليس الدين مستغرقًا للرهن حينئذٍ، ولو لم يستغرقهما معًا، يكفي أن يكون توثقةً لجزء من الدين الجديد. الدليل الثاني: قال ابن قيم الجوزية: (لما ملكا تغيير العقد ورفعه ثم جعل الرهن وثيقة بالدينين مَلَكَا أن يجعلاه وثيقة بهما مع بقاء العقد، وأي فائدة أو مصلحة حصلت لهما بتغيير العقد وفسخه وتعريض الحق للضياع بإبطال الرهن، ومعلوم أن الشارع لا يشرع ما هو عبث لا مصلحة فيه، فيقول إذا أردتما الزيادة في الدين فافسخا عقد الرهن وأبطلاه ثم زيدا فيه، فتغيير صفته أسهل عليهما وأقل كلفةً وأبين مصلحةً) (٤). الترجيح الراجح جواز رهن الرهن من المرتهن ولو لم يفِ الرهن بالدينين معًا. أسباب الترجيح: ١. قوة الأدلة ومناقشة ما يعارضها. ٢. استناده للأصل في العقود والمعاملات. ٣. أن الشارع لا يشرع ما هو عبث لا مصلحة فيه، مثل أخذ الرهن ثم إعادته ليكون عن الدينين -كما يقوله أصحاب القول الأول-، وهذا مثل خلع الخف الأيمن ثم لبسه إذا أدخله قبل أن يغسل قدمه اليمنى (٥)، ومثل رد اللقمة إلى السفرة ثم أخذها إذا قدمها له ضيف

стр. 238

آخر دون إذن المضيف (١). تنبيه: يشتبه بهذه المسألة ما لو كان للمدين الراهن رهنٌ بدين عند الدائن المرتهن، فطلب منه دينًا آخر فاشترط الدائن رهنًا آخر يستوعب ثمنه الدينين أو عرض المدين ذلك عليه، فمن العلماء من أجازه؛ لعموم أدلة مشروعية الرهن، ومنهم مَن منعه لشبهة الربا، جاء في"المدونة": (أرأيت إن ارتهنت من رجل جارية، قيمتها خمسمائة درهم بخمسمائة درهم أسلفته إياها، ثم جاءني بعد ذلك فقال: أسلفني خمسمائة أخرى. فقال: لا، إلا أن ترهنني جاريتك فلانة الأخرى بجميع الألف -وقيمتها ألف درهم- قال مالك: لا خير في هذا؛ لأن هذا قرض جر منفعة؛ ألا ترى أنه أقرضه على أن زاده في سلفه الأول رهنا) (٢) وجاء في"المغني": (إذا كان له على رجل ألف فقال: أقرضني ألفًا بشرط أن أرهنك عبدي هذا بألفين. فنقل حنبل عن أحمد أن القرض باطل، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه قرض يجر منفعة، وهو الاستيثاق بالألف الأول، وإذن بطل الرهن، فإذا قيل: أليس لو شرط أنه يعطيه رهنًا بما يقترضه جاز؟ قلنا: ليس هذا قرضًا جر منفعة؛ لأن غاية ما حصل له تأكيد الاستيفاء لبدل ما أقرضه وهو مثله، والقرض يقتضي وجوب الوفاء، وفي مسألتنا شرط في هذا القرض الاستيثاق لدينه الأول فقد شرط استيثاقًا لغير موجب القرض، ونقل أن القرض صحيح، ولعل أحمد حكم بصحة القرض مع فساد الشرط كيلا يفضي إلى جر المنفعة بالقرض، أو حكم بفساد الرهن في الألف الأول وحده وصححه فيما عداه) (٣).

стр. 239

المبحث الثاني: كفالة الكفيل وضمان الضمين (الضامن) (١)، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الكفالة والضمان وحكمهما ، وفيه فرعان: الفرع الأول: تعريف الكفالة وحكمها . تعريف الكفالة الكفالة لغةً التحمل والالتزام والضمان (٢). واصطلاحًا: ١ - عند الحنفية: ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في المطالبة مطلقًا (٣)، وقالوا: ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة (٤)، والأول أوضح والثاني سالم من الدور. ٢ - عند المالكية: إحضار ذات المدين وقت الحاجة إليه (٥). ٣ - عند الشافعية: التزام إحضار المكفول أو جزءٍ شائعٍ منه أو ما لا يبقى بدونه كرأسه أو قلبه أو روحه حيث كان المتكفل بجزئه حيًا (٦). ٤ - عند الحنابلة: التزام رشيد إحضار مَن عليه حق مالي لربه (٧). ٥ - ضم ذمة الكفيل إلى ذمة المكفول عنه في التزام إحضاره (٨). حكم الكفالة من حيث الأصل (٩). فيه قولان: القول الأول: جواز الكفالة وصحتها، وهو مذهب عامة أهل العلم ومنهم الأئمة

стр. 240

الأربعة (١). القول الثاني: منع وبطلان الكفالة بالبدن، وهو قولٌ للشافعي (٢) وقول الظاهرية (٣). الأدلة: أدلة القول الأول: الدليل الأول: قول الله : ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ يوسف: (٦٦) وجه الدلالة: التزم أبناء يعقوب ﵇ بإحضار أخيهم وهذا معنى الكفالة بالنفس، قال القرطبي: (هذه الآية أصل في جواز الحمالة بالعين والوثيقة بالنفس) (٤) وقد استدل بها كثير من أهل العلم (٥). الدليل الثاني: قوله : ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ يوسف: (٧٨) وجه الدلالة: أن إخوة يوسف ﵇ طلبوا منه أن يأخذ واحدًا منهم مكان أخيهم، وذلك في معنى الكفالة بالنفس إذا قيل إنهم أرادوا إرجاع أخيهم ليوسف ﵇ فطلبوا ما طلبوا ليثق بهم، كما أفاده القرطبي ثم قال: (وجمهور الفقهاء على جواز الكفالة في النفس) (٦). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه ذكر رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال: (ائتني بالشهداء أشهدهم. فقال: كفى بالله شهيدًا. قال: فائتني بالكفيل. قال: كفى الله كفيلًا. قال: صدقت. فدفعها إليه إلى أجل مسمى) (٧). وجه الدلالة: قال في"فتح الباري": (وفيه طلب الشهود في الدين وطلب الكفيل به ... ووجه الدلالة منه على الكفالة تحدث النبي ﷺ بذلك وتقريره له، وإنما ذكر ذلك ليُتأسى به

стр. 241

فيه، وإلا لم يكن لذكره فائدة) (١). الدليل الرابع: عن أبي أمامة ﵁ مرفوعًا: «الزعيم غارم» (٢). وجه الدلالة: أن الزعيم الكفيل (٣). الدليل الخامس: حكي الإجماع عليه (٤)، وقال في "المبسوط": (وعليه عمل القضاة من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا) (٥). الدليل السادس: القياس على الضمان في التوثيق، والقياس على الهبة والقرض والعارية في الإحسان والمعروف. أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أن الكفالة اشتراط لما ليس في كتاب الله وهو باطل (٦). المناقشة: الأصل في الشروط الجواز والصحة، وليس في كتاب الله ما يمنعها، وهذا من باب التنزل فقد سبق ذكر أدلة الجمهور. الدليل الثاني: أنه إذا أُلزِم الكفيلُ الغرامةَ عن المكفول الغائب فهذا ظلم وجور؛ لأنه لم يلتزم ذلك، وإلم يلزم بطل معنى الكفالة (الضمان بالنفس) (٧). الجواب: أننا نطالبه بإحضاره ونلزمه بذلك، فإلم يحضره لزمه ما عليه من دين؛ لأنه التزمه بعقد الكفالة إلا إذا اشترط خلاف ذلك (٨).

стр. 242

الدليل الثالث: أن الكفالة بالنفس فيها ضمانٌ لما عليه في الذمة بعقد فلم يصح للغرر. المناقشة: أن إحضار المكفول أمر معلوم مضبوط، ولو كان فيه جهالة فهي مغتفرة؛ لأنها يسيرة (١)، فإن تعذر إحضاره ضمن ما في ذمته (٢)، وضمان المال (وتسمى كفالة غرم وأداء) مجمع عليه كما سيأتي (٣). الترجيح الراجح جواز وصحة الكفالة؛ لما تقدم من الأدلة ولأنه قول الأئمة الأربعة، واجتماعهم مرجِّح وإلم يكن حجة. الفرع الثاني: تعريف الضمان وحكمه . تعريف الضمان الضمان لغةً الالتزام والكفالة والغرامة (٤)، أصلها من الضمن وقيل من الضم، فعلى الأول قال في "مقاييس اللغة": (الضاد والميم والنون أصل صحيح، وهو جعل الشيء في شيءٍ يحويه ... والكفالة تسمى ضمانًا من هذا) (٥) واختاره في "المطلع"؛ لأن ذمة الضامن تتضمن الحق، ولأن ذمة الضامن تصير في ضمن ذمة المضمون عنه، وعلى الثاني فذمة الضامن تنضم إلى ذمة المضمون عنه (٦). والضمان اصطلاحًا: الضمان في اصطلاح أهل الشرع له إطلاقان: إطلاقٌ عام، وهو بمعنى إعطاء مثل الشيء إن كان من المثليات أو قيمته إن كان من القيميات لأسبابٍ معلومةٍ (٧)، أو التزامٌ بتعويض مالي

стр. 243

عن ضررٍ للغير (١). وإطلاق خاص، وهو بهذا المعنى باب من أبواب الفقه، وهو المراد بالبحث، فالضمان العام يكون بعقدٍ وبغير عقد بسبب من أسباب الضمان المعروفة، فيدخل في العقود بمعناها العام، والضمان الخاص عقد من العقود، وبعض الفقهاء يطلق الضمان والكفالة على كلٍّ من الضمان بالمال وبالنفس دون تفريق، وبعضهم يخص الضمان بالمال والكفالة بالنفس، وهذا يوافق قول أبي هلال العسكري: (الفرق بين الكفالة والضمان: أن الكفالة تكون بالنفس والضمان يكون بالمال، ألا ترى أنك تقول: كفلتُ زيدًا. وتريد إذا التزمتَ تسليمه، وضمنتُ الأرض. إذا التزمتَ أداء الأجر عنها، ولا يقال: كفلتُ الأرض؛ لأن عينه لا تغيب فيحتاجَ إلى إحضارها، فالضمان التزام شيء عن المضمون، والكفالة التزام نفس المكفول به، ومنه كفلتُ الغلام إذا ضممتَه إليك لتعوله، ولا تقول: ضمنتُه؛ لأنك إذا طولبت به لزمك تسليمه، ولا يلزمك تسلُّم شيءٍ عنه، وفي القرآن: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ ولم يقل ضمنها، ومن الدليل على أن الضمان يكون للمال والكفالة للنفس أن الإنسان يجوز أن يضمن من لا يعرفه ولا يجوز أن يكفل من لا يعرفه؛ لأنه إذا لم يعرفه لم يتمكن من تسليمه، ويصح أن يؤدي عنه وإلم يعرفه) (٢). وتعريف عقد الضمان: ١ - عند الحنفية: ضم ذمة الكفيل-أي الضامن- إلى ذمة الأصيل في المطالبة (٣). ٢ - عند المالكية: شغل ذمةٍ أخرى بالحق (٤). ٣ - عند الشافعية: التزام دين أو إحضار عينٍ أو بدنٍ (٥). ٤ - عند الحنابلة: التزام ما وجب على غيره مع بقائه، وما قد يجب (٦). حكم الضمان الضمان عقد جائز صحيح؛ لقوله : ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ يوسف: (٧٢) (٧)، وعن سلمة بن الأكوع ﵁ أن النبي ﷺ أتي بجنازة ليصلي عليها فقال: «هل عليه من دين» قالوا:

стр. 244

لا. فصلى عليه، ثم أتي بجنازة أخرى فقال: «هل عليه من دين» قالوا: نعم. قال: «صلوا على صاحبكم» قال أبو قتادة: عليَّ دينُه يا رسول الله. فصلَّى عليه (١). فضمن أبو قتادة ﵁ دين الميت، ولما تقدم من أدلة مشروعية الكفالة وجوازها، ولانعقاد الإجماع على ذلك (٢). المطلب الثاني: حكم كفالة الكفيل وضمان الضمين . صورة المسألة: أما كفالة الكفيل فأن يكفل الأول الثاني، فالأول كفيل والثاني مكفول، فيكفل الثالثُ الأول، فالثالث كفيل الكفيل، وهكذا، أما ضمان الضمين -فعيلٌ بمعنى فاعل- فمثل ذلك. الحكم: كفالة الكفيل وضمان الضمين جائزان صحيحان في المذاهب الأربعة (٣). قال في"حاشية ابن عابدين": (يصح كفالة الكفيل) (٤)، وقال في "شرح الخرشي": (وصح ضمان الضامن وإن تسلسل) (٥)، وقال في "العزيز شرح الوجيز": (وتجوز الكفالة ببدن الكفيل كما يجوز ضمان الضامن) (٦)، وقال في "المغني": (وإن ضمن الضامن ضامن آخر صح ... والكفالة كالضمان في هذا المعنى جميعه) (٧). فإن كان الكفيل الثاني أو الضامن الثاني هو المكفول الأول أو المضمون عنه الأول بنفس الدين فقد أجازه الحنفية (٨) وذهب المالكية إلى التفصيل (٩)،

стр. 245

أما الشافعية (١) والحنابلة (٢) فلا يجوزون ذلك. الأدلة: الدليل الأول: أن الدين ثابت في ذمة الضامن الأول فصح ضمانه، وجاز قياسًا على سائر الديون (٣)، وكذلك الكفالة بالنفس في الدين. الدليل الثاني: أن الدين ثابت في ذمة الضامن الأول فصح ضمانه وجاز قياسًا على الضمان الأول (٤)، وكذلك الكفالة. الدليل الثالث: أن الأصل في المعاملات الجواز والصحة، ولم يرد ما يمنع ذلك من نص أو إجماع أو قياس، ولا يزيد ذلك العقد إلا توثيقًا. أما الصورة الثانية، والتي يكون فيها طرفان كلٌّ منهما كفيل أو ضامن للآخر فأدلتها: أدلة القول بالجواز: أولا: الأدلة السابقة، فهي تشمل بعمومها هذه الصورة. ثانيا: أن كل واحد منهما أصيل في نصف الدين وضامن في النصف الآخر، ولا معارضة بين ما عليه بحق الأصالة وما عليه بالضمان، فالأول دين والثاني مطالبة (٥). أدلة القول بالمنع: أولا: أن الضمان يقتضي إلزامه الحق، والحق لازم له فلا يتصور إلزامه ثانيا (٦). ثانيا: أن المضمون عنه والمكفول به أصل، فلا يجوز أن يصير الأصل فرعًا والفرع أصلا (٧). ثالثا: القياس على الشهادة، حيث لا يقبل من شاهد الأصل أن يكون أحد شاهدي الفرع؛ لأن الأضعف لا يَرِدُ على الأقوى.

стр. 246

تنبيهات: الأول: اختلف العلماء فيما يتعلق ببراءة المكفول عنه والمضمون عنه عند تعدد الكفلاء والضامنين (١). الثاني: لو تكفل بالرجل كفيلان جاز أن يكفل كل واحد منهما صاحبَه، فيكون كفيلا عن المكفول به وعن الكفيل الآخر، فيكون فيها ثلاثة أطراف، أما في الضمان فلا يجوز، والفرق بينهما أن الكفالة التزام بإحضار بدنه لا بما في ذمته، فيلزمه إحضار المكفول به والكفيل، أما الضمان فإنه يستفاد به حق المطالبة، ولا فائدة في هذا الضمان لأن الحق ثابت في ذمته بالضمان الأول الذي عن الأصيل (٢). الثالث: من الصور المعاصرة لكفالة الكفيل وضمان الضمين تعزيز الاعتماد المستندي والاعتماد الظهير، والاعتماد المستندي هو تعهد مصرفي بالوفاء مشروط بمطابقة المستندات للتعليمات (٣)، وتعزيز الاعتماد هو ضم ذمة المصرف إلى ذمة المصرف المصدر للاعتماد، من حيث التزام المصرفين أمام المستفيد بشروط الدفع في الاعتماد (٤)، والاعتماد الظهير هو الاعتماد الصادر بضمان اعتماد آخر (٥)، عندما يصدر للعميل الاعتماد المستندي من المصرف لصالح طرف ثالث، وهو المستفيد، فإن المصرف يكون وكيلًا وضامنًا للعميل، وبالتعزيز يقوم مصرف آخر بضمان هذا المصرف. ومنها خطاب الضمان الخارجي، سواء قيل إنه وكالة وضمان كالاعتماد المستندي أو ضمان فقط، وخطاب الضمان تعهد من المصرف بكفالة العميل (ضمانه) ضمانًا لوفاء العميل بالتزامه أمام طرف ثالث (٦)، فإذا ضم المصرف إليه خطابًا آخر فهو خطاب الضمان الخارجي، وهو من ضمان الضمين.

стр. 247

المبحث الثالث: إعادة التأمين ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف التأمين وحكمه . تعريف التأمين التأمين في اللغة مصدر أمّن يؤمّن، وهو مضعَّف أَمِن، وأصل هذه المادة يرجع إلى ضد الخوف، وإلى الاطمئنان (١). أما التأمين في الاصطلاح فله اعتباران، الأول التأمين باعتباره نظامًا، والثاني التأمين باعتباره عقدًا، ولا انفكاك بينهما، فالنظام يرتب ويقعّد مجموعة عقود التأمينات؛ لذا ذكر الباحثون أن علماء القانون يميزون بين نظام التأمين باعتباره فكرةً ذاتَ أثر اقتصادي واجتماعي وعقد التأمين باعتباره تصرفًا قانونيًا ينشاء حقوقًا بين طرفين (٢). والذي يعنينا في هذا البحث-العقود المضافة إلى مثلها- التأمين باعتباره عقدًا، وقد عُرّف بتعاريف أشهرها: ١. عقد بموجبه يحصل أحد المتعاقدين-وهو المؤمَّن له، في نظير مقابل يدفعه- على تعهد بمبلغ يدفعه له أو للغير إذا تحقق خطر معين المتعاقدُ الآخر-وهو المؤمِّن- الذي يدخل في عهدته مجموعة من هذه الأخطار يجري المقاصة فيما بينها طبقًا لقواعد إحصائية (٣). ٢. نظام مالي يلتزم فيه المؤمن بدفع مبلغ مالي أو إيراد مرتب أو أي عوض مالي آخر للمستفيد عند وقوع الحادث المرغوب فيه أو غير المرغوب فيه مدة معينة مقابل دفع المستأمن قسط التأمين بصفة دورية أو دفعة واحدة (٤). وقد عَرَّف التأمين باعتباره عقدًا أو تطبيقًا بأنه نظام؛ لأن منه ما هو عقد مالي، كما في التأمين التجاري، ومنه ما هو تكافل أو تكافل اجتماعي، كما في التأمين التعاوني والاجتماعي.

стр. 248

وقد تنوعت العبارات في تعريف التأمين، بعضها يختص بالتأمين التجاري وبعضها يختص بالتأمين التعاوني، وأنواع التأمين الأخرى ترجع لأحد هذين النوعين (١)، وهما: التأمين التجاري، وأشهر تعريف له: عقد يلزم الطرف الأول-المؤمِّن كشركة التأمين- بمقتضاه أن يؤدي إلى الطرف الثاني-المؤمَّن له كالفرد- أو إلى المستفيد الذي اشتُرط التأمين لصالحه مبلغًا من المال أو إيرادًا مرتبًا أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع حادث أو تحقق الخطر المبين بالعقد، وذلك في نظير مبلغ من المال يدفع أقساطًا أو دفعة واحدة من المؤمَّن له للمؤمِّن (٢). التأمين التعاوني-ويسمى التبادلي-، وقد عرف بتعاريف كثيرة متفقة في الحقيقة، منها: عقد جماعي يقوم بموجبه كل مشترك بدفع مبلغ من المال على سبيل التبرع؛ لتعويض الأضرار التي قد تصيب أيًا منهم عند تحقق الخطر المؤمن عليه (٣). والفروق بينهما متعددة، منها أن المؤمن له في التأمين التعاوني متبرع، وليس الربح هدفًا له في مقابل الضمان، والفائض من الأرباح يكون مخزونًا احتياطيًا أو يكون حقًا للمشتركين المؤمن لهم وليس حقًا للمؤسسين للشركة، كما هو الحال في التأمين التجاري (٤). حكم التأمين تبين بما سبق صورة التأمين التجاري وصورة التأمين التعاوني، أما التأمين التعاوني فقد حكى جمعٌ عدم الخلاف بين علماء العصر على جوازه (٥)، وذكر بعض الباحثين فيه خلافًا على قولين ورجح التحريم (٦)، ولعل مردّ ذلك لتحقيق المناط في الواقع التطبيقي لعقد التأمين التعاوني، فإن كان عقد معاوضة فهو في حقيقته تأمين تجاري مستتر باسم التأمين التعاوني، وإن

стр. 249

كان عقد تبرعٍ محضٍ أو تبرعٍ متبادَلٍ يغتفر فيه الغرر فهو تأمين تعاوني حقيقي، وعلى ضوء ذلك ينظر في الحالات المعينة بغض النظر عن مسمياتها (١). ومن أبرز أدلة إباحة التأمين التعاوني حديث أبي موسي الأشعري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إن الأشعريِّين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم» (٢). وجه الدلالة: أن دفع الأشعريين لما عندهم تبرع، واقتسامه فيما بينهم مواساة، وذلك عند وقوع خطر محتمل، فلما كان القصد منه الإحسانَ وليس المعاوضةَ اغتفر فيه الغرر والتفاضل بين ما يدفعه وما يأخذه كل واحدٍ منهم، ومن جهة أخرى فإن فيه تبرعًا في مقابل تبرع أو تبرع مشروط بتبرعٍ شرطًا عرفيًا، ولم يجعله ذلك في حكم المعاوضة؛ لأن المقصود منه التعاون لا الربح (٣). أما التأمين التجاري فاختلف فيه على أقوال أشهرها ثلاثة: القول الأول: التحريم مطلقًا. وهو قول جمهور العلماء، منهم ابن عابدين (٤)، وقرار المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي بمكة (٥)، وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية (٦)، والمجمع الفقهي الإسلامي بالرابطة بمكة (٧)، ومجمع الفقه الإسلامي الدَّولي المنبثق من المنظمة بجدة (٨)،

стр. 250

وفتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١)، ومن لا يحصى من العلماء (٢). القول الثاني: الإباحة في الجملة (٣). وهو قول محمد بن الحسن الفاسي (٤) وقرار الهيئة الشرعية بمصرف الراجحي (٥) وقول عددٍ من العلماء المعروفين (٦). القول الثالث: الإباحة إلا التأمين على الحياة. وهو قول عبد الله بن زيد آل محمود (٧) وغيره. الأدلة: أدلة القول الأول: الدليل الأول: قال : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ البقرة: (١٨٨). وجه الدلالة: أن المؤمَّن له قد يحصل على تعويض كبير حال وقوع الخطر أو الحادث يفوق كل الأقساط التي دفعها، وقد لا يقع الخطر أصلًا فيضيع عليه كل ما دفعه ويكون من نصيب المؤمن. المناقشة: الآية لم تعين الباطل الممنوع في المعاملات، فالخلاف قي تحقيق المناط، ولا نسلّم أن التأمين داخلٌ فيه، قال القرطبي: (وهذه الآية متمسك كل مؤالفٍ ومخالفٍ في كل حكمٍ يدّعونه لأنفسهم بأنه لا يجوز) (٨).
следующие страницы →