← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

استَنْصَحَ أحَدُكُم أخاه، فليَنْصَح له" (١). وأما الثاني: وهو النصحُ لولاة الأمور، ونصحهم لرعاياهم، ففي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا: يَرْضَى لكم أن تعبُدُوه ولا تُشرِكُوا به شيئًا، وأن تعتصِمُوا بحبلِ اللهِ جميعًا ولا تفرَّقوا، وأن تُناصِحُوا مَنْ وَلَّاه الله أمركم" (٢). وفي "المسند" وغيره عن جُبير بنِ مطعم أن النبيِّ ﷺ قال في خطبته بالخَيْفِ مِنْ مِنى: "ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهنّ قلبُ امرئ مسلم: إخلاصُ العمل لكه، ومناصحةُ ولاةِ الأمر، ولزومُ جماعة المسلمين" (٣). وقد روى هذه الخطبة عن النبيِّ ﷺ جماعةٌ منهم أبو سعيد الخدري. وقد رُوي حديثُ أبي سعيد بلفظ آخر خرَّجه الدَّارقطني في "الأفراد" بإسناد جيد، ولفظه أن النبيِّ ﷺ قال: "ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهن قلبُ امرئٍ مسلم:

стр. 212

النصيحةُ لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين" (١). وفي "الصحيحين" عن معقل بن يسار عن النبيِّ ﷺ قال: "ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً ثُم لم يُحِطْها بنصيحةٍ إلا لم يَدْخُلِ الجنة". وقد ذكر الله في كتابه عن الأنبياء ﵈ أنهم نصحوا لأممهم كما أخبر بذلك عن نوحٍ، وعن صالح، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] يعني: أن من تخلف عن الجهاد لِعذر، فلا حرج عليه بشرط أن يكونَ ناصحًا لله ورسوله في تخلُّفِهِ، فإن المنافقين كانوا يُظهرون الأعذارَ كاذبين، ويتخلَّفون عن الجهاد من غير نصح لله ورسوله. وقد أخبر النبيُّ ﷺ أن الدينَ النصيحةُ، فهذا يدلى على أن النصيحةَ تَشْمَلُ خصالَ الإسلام والإيمانِ والإحسانِ التي ذكرت في حديث جبريل، وسمَّى ذلك كُله دينًا، فإنَّ النصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته على أكمل وجوهِها، وهو مَقام الإحسان، فلا يكملُ النُّصحُ لله بدون ذلك، ولا يتأتى ذلك بدون كمال المحبة الواجبة والمستحبة، ويستلزم ذلك الاجتهاد في التقرّب إليه بنوافل الطاعات على هذا الوجه وترك المحرَّمات والمكروهات على هذا الوجه أيضًا. وفي مراسيل الحسن عن النبيِّ ﷺ قال: "أرأيتُم لو كان لأحدكم عبدانِ، فكان أحدهما يُطِيعُه إذا أمره، ويُؤدي إليه إذا ائتمنه، وينصح له إذا غابَ عنه، وكان الآخر يَعصيه إذا أمره، ويخونُه إذا ائتمنه، ويغِشُّه إذا غاب عنه كانا سواء؟ " قالوا: لا، قال: "فكذاكم أنتم عندَ الله " خرَّجه ابنُ أبي الدنيا.

стр. 213

وخرج الِإمام أحمد معناه من حديث أبي الأحوص عن أبيه عن النبيِّ ﷺ (١). وقال الفضيل بنُ عياض: الحبُّ أفضلُ من الخوف، ألا ترى إذا كان لك عبدان أحدهما يُحبك، والآخر يخافك، فالذي يُحبّك منهما ينصحُك شاهدًا كنت أو غائبًا لِحبه إيَّاك، والذي يخافك عسى أن ينصحَك إذا شَهِدْتَ لما يخاف ويغشك إذا غبتَ ولا ينصحُك. قال عبدُ العزيز بن رفيع: قال الحواريون لعيسى ﵇: ما الخالصُ من العمل؟ قال: ما لا تُحِبُّ أن يَحْمَدَك الناسُ عليه، قالوا: فما النصحُ لله؟ قال: أن تبدأ بحق الله تعالى قبل حق الناس، وإن عَرَض لكَ أمران: أحدهما لله، والأخرُ للدنيا، بدأت بحقِّ الله تعالى. قال الخطابيُّ: النصيحةُ كلمةٌ يُعبر بها عن جملة هي إرادةُ الخيرِ للمنصوح له، قال: وأصلُ النصح في اللغة الخُلوص، يقال: نصحتُ العسل: إذا خلصتَه من الشمع. فمعنى النصيحة لله سبحانه: صحةُ الاعتقادِ في وحدانيته، وإخلاصُ النية

стр. 214

في عبادته، والنصيحة لكتابه: الِإيمانُ به، والعمل بما فيه، والنصيحة لرسوله: التصديق بنبوّته، وبذل الطاعة له فيما أَمَرَ به، ونهى عنه، والنصيحةُ لعامة المسلمين: إرشادُهم إلى مصالحهم. انتهى. وقد حكى الِإمامُ أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في كتاب "تعظيم قدر الصلاة" (١) عن بعض أهلِ العلم أنَّه فسر هذا الحديث بما لا مزيدَ على حسنه، ونحن نحكيه هاهنا بلفظه. قال محمد بن نصر: قال بعض أهل العلم: جماعُ تفسير النصيحة هو عنايةُ القلب للمنصوح له مَنْ كان، وهي على وجهين: أحدهما فرض، والأخر نافلة، فالنصيحةُ المفترضة لله: هي شدة العناية من الناصح باتباعِ محبة الله في أداء ما افترض، ومجانبة ما حرَّم. وأما النصيحة التي هي نافلة، فهي إيثار مَحبته على محبة نفسه، وذلك أن يَعْرِض أمرانِ، أحدهما لنفسه، والآخرُ لربه، فيبدأ بما كان لربه، ويؤخر ما كان لنفسه، فهذه جملة تفسير النصيحة لله، الفرض منه والنافلة، ولذلك تفسير، وسنذكر بعضَه لِيفهم بالتفسير من لا يفهم الجملة. فالفرضُ منها مجانبةُ نهيه، وإقامةُ فرضه بجميع جوارحه ما كان مطيقًا له، فإنَّ عَجَزَ عن الِإقامة بفرضه لِآفة حَلَّتْ به من مرض، أو حبس، أو غير ذلك، عزم على أداء ما افترض عليه متى زالت عنه العلةُ المانعةُ له، قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، فسماهم محسنين لِنصيحتهم لله بقلوبهم لمَّا مُنِعُوا من الجَهاد بأنفسهم. وقد ترفع الأعمالُ كُلُّها عن العبد في بعض الحالات، ولا يُرفع عنه النصحُ للهِ، فلو كان من المرض بحالٍ لا يُمكنه عملٌ بشيء من جوارحه بلسانٍ ولا

стр. 215

غيره، غير أن عقلَه ثابت، لم يسقط عنه النصحُ لله بقلبه وهو أن يندمَ على ذنوبه، وينويَ إن صحَّ أن يقومَ بما افترض الله عليه، ويجتنبَ ما نهاه عنه، وإلا كان غيرَ ناصحٍ لله بقلبه. وكذلك النصحُ لله ولرسوله ﷺ فيما أوجبه على الناسِ عن أمرِ ربه، ومن النصح الواجب لله أن لا يرضى بمعصية العاصي، ويُحِبَّ طاعةَ من أطاعَ الله ورسولَه. وأما النصيحةُ التي هي نافلةٌ لا فرض، فبذل المجهود بإيثار الله على كُلِّ محبوب بالقلب وسائرِ الجوارح حتى لا يكونَ في الناصح فضل عن غيره؛ لأن الناصحَ إذا اجتهد، لم يؤثر نفسه عليه، وقام بكُلِّ ما كان في القيام به سرورُه ومحبتُه، فكذلك الناصحُ لربه، ومن تنفَّل لله بدون الاجتهاد، فهو ناصح على قدر عمله، غير مستحق للنصح بكماله. وأما النصيحة لكتاب الله، فشدةُ حبه وتعظيمُ قدره، إذ هو كلامُ الخالق، وشدةُ الرغبة في فهمه، وشدةُ العناية لتدبره والوقوف عند تلاوته لِطلب معاني ما أحب مولاه أن يفهمه عنه، ويقوم به له بعدَ ما يفهمه، وكذلك الناصحُ من العباد يفهم وَصِيَّةَ من ينصحه، وإن ورد عليه كتابٌ منه، عُني بفهمه ليقوم عليه بما كتب به فيه إليه، فكذلك الناصحُ لِكتاب ربه، يعنى بفهمه ليقوم لله بما أمر به كما يحب ويرضى، ثم يَنْشُرُ ما فهم في العباد ويُديم دراسته بالمحبة له، والتخلق بأخلاقه، والتأدُّب بآدابه. وأما النصيحة للرسولِ ﷺ في حياته، فبذل المجهود في طاعته ونصرته ومعاونته، وبذل المال إذا أراده والمسارعة إلى محبته. وأما بعد وفاته: فالعناية بطلب سنته، والبحث عن أخلاقه وآدابه، وتعظيم أمره، ولزوم القيام به، وشدّة الغضب، والإعراض عمّن تديّن بخلاف سنته، والغضب على من ضيعها لأثرة

стр. 216

دنيا، لان كان متدينًا بها، وحبّ مَنْ كان منه بسبيلٍ من قرابة، أو صِهرٍ، أو هِجرةٍ أو نُصرةٍ، أو صحبة ساعة من ليلٍ أو نهارٍ على الِإسلام والتشبه به في زبِّه ولباسه. وأما النصيحةُ لأئمة المسلمين، فحبُّ صلاحِهم ورشدهِم وعدلهم، وحبُّ اجتماع الأمة عليهم، وكراهةُ افتراقِ الأمة عليهم، والتدينُ بطاعتهم في طاعة الله ، والبغضُ لمن رأى الخروجَ عليهم، وحبُّ إعزازهم في طاعة الله . وأما النصيحةُ للمسلمين، فأن يُحِبَّ لهم ما يُحِبُّ لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويُشْفِقَ عليهم، ويرحمَ صغيرهم، ويُوَقِّرَ كبيرَهم، ويَحْزَنَ لحزنهم، ويفرحَ لفرحهم، وإن ضرَّه ذلك في دنياه كرخص أسعارهم، وإن كان في ذلك فواتُ ربح ما يبيعُ من تجارته، وكذلك جميعُ ما يضرُّهم عامة، ويحب صلاحَهم وإلفتَهم ودوامَ النعم عليهم، ونصرَهم على عدوهم، ودفعَ كل أذى ومكروه عنهم. وقال أبو عمرو بن الصلاح (١): النصيحة كلمةٌ جامعة تتضمَّنُ قيامَ الناصح للمنصوح له بوجوهِ الخير إرادةً وفعلًا. فالنصيحةُ لله تعالى: توحيدُه ووصفُه بصفاتِ الكمال والجلال، وتنزيهُه عما يُضادُّها ويخالِفُها، وتجنبُ معاصيه، والقيامُ بطاعاته ومحابه بوصفِ الِإخلاصِ، والحبُّ فيه والبغض فيه، وجهادُ مَنْ كفر به تعالى وما ضاهى ذلك، والدعاءُ إلى ذلك، والحثُّ عليه. والنصيحةُ لكتابه: الِإيمانُ به وتعظيمُه وتنزيهُه، وتِلاوتُه حَقَّ تلاوته،

стр. 217

والوقوفُ مع أوامره ونواهيه، وتفهُّم علومه وأمثاله، وتدبرُ آياته، والدعاءُ إليه، وذبُّ تحريف الغالين وطعنِ الملحدين عنه. والنصيحةُ لِرسوله قريب من ذلك: الإيمان به وبما جاء به وتوقيرُه وتبجيلهُ، والتمسك بطاعته، وإحياءُ سنته واستثارة علومها ونشرُها ومعاداةُ من عاداه وعاداها، وموالاةُ من والاه ووالاها، والتخلقُ بأخلاقه، والتأدبُ بآدابه ومحبة آله وصحابته ونحو ذلك. والنصيحة لأئمة المسلمين: معاونتُهم على الحق، وطاعتُهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك. والنصيحةُ لعامة المسلمين: إرشادُهم إلى مصالحهم، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم، وسدّ خلاتهم، ونصرتهم على أعدائهم، والذبّ عنهم، ومجانبة الغش والحسد لهم، وأن يحبّ لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكرهه لنفسه، وما شابه ذلك. انتهى ما ذكره. ومن أنواع نصحهم بدفع الأذى والمكروه عنهم إيثارُ فقيرِهِم وتعليمُ جاهلهم، وردُّ من زاغ منهم عن الحق في قول أو عمل بالتلطف في ردِّهم إلى الحق، والرفقُ بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محبة لِإزالة فسادهم ولو بحصول ضررٍ له في دنياه، كما قال بعضُ السلف: وددتُ أن هذا الخلق أطاعوا الله وإن لحمي قُرِضَ بالمقاريض، وكان عمرُ بن عبد العزيز يقول: يا ليتنِي عملتُ فيكم بكتابِ الله وعملتُم به، فكلما عملتُ فيكم بسنة، وقع مني عضوٌ حتى يكونَ آخرَ شيءٍ منها خروج نفسي. ومن أنواع النصح لله تعالى وكتابه ورسوله - وهو مما يختص به العلماء - ردُّ الأهواء المضلة بالكتاب والسنة، وبيانُ دلالتهما على ما يُخالف الأهواء كلها،

стр. 218

وكذلك ردُّ الأقوال الضعيفة من زلات العلماء، وبيانُ دلالة الكتاب والسنة على ردَّها، ومن ذلك بيان ما صحَّ من حديث النبيِّ ﷺ ، وما لم يصح منه بتبين حالِ رواته ومَنْ تُقْبَلُ رواياته منهم ومن لا تُقبل، وبيان غلط مَنْ غلط من ثقاتهم الذين تقبل روايتهم. ومن أعظمِ أنواع النصح أن يَنْصَحَ لمن استشاره في أمره، كما قال ﷺ : "إذا استَنْصَحَ أحدُكُم أخاه، فليَنْصَحْ له" (١) وفي بعضِ الأحاديث: "إن من حقِّ المسلم على المسلم أن ينصحَ له إذا غابَ" ومعنى ذلك: أنَّه إذا ذكر في غيبه بالسوء أن ينصره، ويرد عنه، وإذا رأى من يريد أذاه في غيبه، كفه عن ذلك، فإنَّ النصح في الغيب يدلُّ على صدق النصح، فإنَّه قد يظهر النصحَ في حضوره تملقًا، ويغشه في غيبه. وقال الحسن: إنَّك لن تَبْلُغ حقَّ نصيحتك لأخيك حتى تأمره بما تَعْجِزُ عنه. قال الحسن: وقال بعضُ أصحاب النبيِّ ﷺ : والذي نفسي بيده إن شئتم لأقسمنَّ لكم بالله إن أحبَّ عبادِ الله إلى الله الذين يُحببون الله إلى عباده ويُحببون عباد الله إلى الله، ويسعون في الأرض بالنصيحة. وقال فرقد السَّبَخِيُّ (٢)، قرأتُ في بعض الكتب: المحبُّ لله أميرٌ مُؤَمَّرٌ على الأمراء، زمرتُه أوَّلُ الزمر يومَ القيامة، ومجلسُه أقربُ المجالس فيما هناك والمحبةُ منتهى القربة والاجتهاد، ولن يسام المحبون من طول اجتهادهم

стр. 219

لله ، يحبُّونه ويُحِبُّونَ ذكره، ويُحبِّبونَه إلى خلقه، يمشون بَيْنَ عباده بالنصائح، ويخافون عليهم من أعمالهم يومَ تبدو الفضائح، أولئك أولياءُ الله وأحبَّاؤه وأهلُ صفوته، أولئك الذين لا راحةَ لهم دونَ لقائه. وقال ابنُ عُلَيَّةَ في قول أبي بكر المزني: ما فاق أبو بكر ﵁ أصحابَ رسول الله ﷺ بصوم ولا صلاةٍ، ولكن بشيء كان في قلبه، قال: الذي كان في قلبه الحبُّ لله عزّوجل، والنصيحة في خلقه. وقال الفضيلُ بن عياض: ما أدركَ عندنا مَنْ أدرك بكثرة الصلاة والصيام، وإنما أدرك عندنا بسخاءِ الأنفس، وسلامةِ الصدور، والنصح للأمة. وسئل ابنُ المباركَ: أيُّ الأعمال أفضلُ؟ قال: النصحُ لله. وقال معمر: كان يقال: أنصحُ الناسِ لك منْ خافَ الله فيك. وكان السلفُ أذا أرادوا نصيحةَ أحدِ، وعظوه سرًا حتى قال بعضهم: منْ وعظ أخاه فيما بينه وبينَه، فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه. وقال الفضيل: المؤمن يَسْتُرُ ويَنْصَحُ، والفاجرُ يهتك ويُعيِّرُ. وقال عبد العزيز بن أبي رواد: كان مَنْ كان قبلكم إذا رأى الرجلُ من أخيه شيئًا يأمره في رفق، فيؤجر في أمره ونهيه، وإن أحد هؤلاء يخرق بصاحبه فيستغضب أخاه ويهتك ستره. وسئل ابنُ عباسٍ رضي إله عنهما عن أمر السلطان بالمعروف، ونهيه عن المنكر، فقال: إن كنت فاعلًا ولا بدَّ، ففيما بينك وبينه. وقال الإِمام أحمد ﵀: ليس على المسلم نصحُ الذمي، وعليه نصحُ المسلم. وقال النبيِّ ﷺ : "والنصح لكل مسلم، وأن ينصح لجماعةِ المسلمين وعامتهم ".

стр. 220

الحديث الثامن عَنْ ابنِ عُمَرَ رضِيَ الله تَعالَى عَنْهُما أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلَّا الله، وأنّ مُحَمَّداً رسولُ اللهِ، ويُقِيموا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ، فإذَا فَعَلوا ذلكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُم وأموالَهُم، إلَّا بحَقِّ الإسلامِ، وحِسَابُهُم على اللَّه تَعالَى" رَواهُ البُخاريُّ ومُسلِمٌ (١). هذا الحديث خرّجاه في "الصحيحين" من رواية واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمر. وقوله: "إلا بحق الِإسلام" هذه اللفظة تفرَّد بها البخاري دون مسلم. وقد روي معنى هذا الحديثِ عن النبيِّ ﷺ من وجوه متعددة ففي "صحيح البخاري"، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "أُمِرتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتى يَشْهَدُوا أنْ لا إله إلَّا الله، وأنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، فإذَا شَهِدُوا أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وصَلَّوا صَلاتَنا، واستَقْبَلُوا قِبلَتَنا، وأكلُوا ذَبيحَتنا، فقَدْ حَرُمَتْ علينا دِماؤُهم وأموالُهم إلَّا بحقِّها" (٢). وخرَّجَ الإمامُ أحمد من حديث معاذ بن جبل، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّما أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يُقيموا الصلاة، ويُؤْتُوا الزكاة، ويَشهَدُوا أن لا إله إلَّا

стр. 221

الله وحده لا شريكَ له، وأن محمدًا عبده ورسوله، فإذا فَعَلُوا ذلك، فقد اعتصَمُوا وعَصمُوا دماءَهم وأموالهم إلَّا بحقِّها، وحِسابُهُم على اللهِ " (١). وخرَّجه ابن ماجه مختصرًا. وخرًج نحوه من حديث أبي هريرة ﵁ أيضًا، ولكن المشهور من رواية أبي هريرة ليس فيه ذكرُ: إقام الصلاة ولا إيتاء الزكاة ففي "الصحيحين" (٢) عن أبي هُريرة أن النبيِّ ﷺ قال: "أُمِرتُ أن أقاتِلَ الناس حتَّى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، عَصَمَ منِّي مالَه ونَفسَهُ إلا بحقِّه، وحِسَابُه على اللهِ " وفي رواية لمسلم: "حتى يَشهَدوا أن لا إله إلا الله، ويُؤْمِنوا بي وبما جئتُ به ". وخرَّجه مسلم أيضًا من حديث جابر ﵁، عن النبيِّ ﷺ بلفظ حديث أبي هريرة الأوَّل وزاد في آخره: ثم قرأ ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (٣) [الغاشية: ٢١].

стр. 222

وخرَّج أيضًا من حديث أبي مالك الأشجعي، عن أبيه قال: سمعتُ. رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَنْ قالَ: لا إلهْ إِلَّا الله وكفَرَ بما يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، حُرِّم مالُه ودَمُهُ وحسابه على اللهِ " (١). وقد رُوي عن سفيان بن عُيينة أنَّه قال: كان هذا في أوَّل الإسلام قَبْلَ فرض الصلاة والصيام والزكاة والهجرة، وهذا ضعيف جدًا، وفي صحته عن سفيان نظَر، فإن رواة هذه الأحاديث أنما صحبوا النبي ﷺ بالمدينة، وبعضُهُم تأخّر إسلامُه. ثم قوله: "عَصَمُوا مني دماءَهُم وأموالَهُم" يدلُّ على أنَّه كان عند هذا القول مأمورًا بالقتال، وبقتل من أبى الإسلام، وهذا كُلُّه بعدَ هجرته إلى المدينة، ومن المعلوم بالضرورة أن النبيِّ ﷺ كان يقبل مِنْ كُلِّ من جاءه يريدُ الدخولَ في الإسلامِ الشهادتين فقط، ويَعْصِمُ دَمَه بذلك، ويجعله مسلمًا، وقد أنكر على أسامة بن زيد قتلَه لمن قال: لا إله إلا الله لما رفع عليه السيفَ، واشتدَّ نكيرُه عليه. ولم يكن ﷺ يشترطُ على مَنْ جاءه يريدُ الِإسلامَ أن يلتزمَ الصلاة والزكاة، بل قد روي أنَّه قبل من قوم الإسلام، واشترطوا أن لا يزكوا، ففي "مسند الِإمام أحمد" عن جابر قال: اشترطت ثقيفٌ على رسولِ الله ﷺ أن لا صدقةَ عليها ولا جهادَ، وأن رسولَ الله ﷺ قال: "سَيَصَّدَّقُون ويُجاهدون" (٢). وفيه أيضًا عن نصر بنِ عاصم الليثي عن رجل منهم أنَّه أتى النبيِّ ﷺ ، فأسلم على أن لا يُصلي إلا صلاتين، فقبل منه (٣).

стр. 223

وأخذ الإمام أحمد بهذه الأحاديث، وقال: يصحُّ الإسلامُ على الشرط الفاسد، ثم يُلزم بشرائع الإسلام كُلها، واستدلَّ أيضًا بأن حكيم بنَ حِزام قال. بايعتُ النبيَّ ﷺ على أن لا أَخِرَّ إلا قائمًا (١). قال أحمد: معناه أن يسجد من غير ركوع (٢). وخرَّج محمد بنُ نصر المروزيُّ بإسناد ضعيف جدًا عن أنس قال: لم يكن النبيُّ ﷺ يقبل مَنْ أجابه إلى الإسلام إلا بإقامِ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكانتا فريضتين على مَنْ أقرَّ بمحمَّدٍ ﷺ وبالإسلام، وذلك قولُ الله : ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٣) [المجادلة: ١٣] وهذا لا يثبت، وعلى تقدير ثبوته، فالمرادُ منه أنَّه لم يكن يُقِرُّ أحدًا دخل في الإسلام

стр. 224

على ترك الصَّلاةِ والزكاة وهذا حقٌّ، فإنَّه ﷺ أمر معاذًا لما بعثه إلى اليمن أن يدعُوَهُم أوَّلًا إلى الشهادتين، وقال: "إنْ هُمْ أطاعوا لذلك، فأعلمهم بالصلاة ثم بالزكاة" ومرادُه أن من صار مسلمًا بدخوله في الإسلام أمر بعد ذلك بإقام الصلاة، ثم بإيتاء الزكاة، وكان من سأله عن الإِسلام يذكر له مع الشهادتين بقية أركان الإسلام، كما قال لجبريل ﵇ لما سأله عن الإسلام، وكما قال للأعرابى الذي جاءه ثائر الرأس يسأل عن الإسلام. وبهذا الذي قرَّرناه يظهر الجمع بين ألفاظ أحاديث هذا الباب، ويتبين أن كُلَّها حقٌّ، فإنَّ كلمتي الشهادتين بمجردهما تَعْصِمُ من أتى بهما، ويصير بذلك مسلمًا، فإذا دخل في الإِسلام، فإنَّ أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وقام بشرائع الإسلام، فله ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، وإن أخلَّ بشيء من هذه الأركان، فإنَّ كانوا جماعةً لهم مَنَعةٌ قُوِتلوا. وقد ظنّ بعضُهم أن معنى الحديثِ أن الكافرَ يُقاتل حتى يأتي بالشهادتين، ويقيمَ الصلاة، ويؤتيَ الزكاة، وجعلوا ذلك حجةً على خطاب الكفار بالفروع، وفي هذا نظر، وسيرة النبيِّ ﷺ في قتال الكفار تَدُلُّ على خلاف هذا، وفي صحيح مسلم عزَّ، أبي هريرة ﵁ أن النبيَّ ﷺ دعا عليًا يومَ خيبر، فأعطاه الراية وقال: "امش ولا تَلتَفِتْ حتَّى يفتَحَ الله عليكَ" فسار عليٌّ شيئًا، ثم وقف، فصرخ: يا رسولَ الله على ماذا أُقاتِلُ الناس؟ فقال: "قاتِلهُم على أن يَشهَدوا أن لا إله إلَّا الله، وأن محمَّدًا رسولُ اللهِ، فإذا فعَلُوا ذلك، فقد عَصَموا منكَ دِماءَهُم وأموالَهم إلَّا بحقِّها، وحِسابُهُم على الله " (١) فجعل مجرَّد الإِجابة إلى الشهادتين عاصمة للنفوس والأموالِ إلا بحقها، ومِنْ حقها الامتناعُ من الصلاة والزكاة بعدَ الدخول في الإِسلام كما فهمه الصحابة ﵃.

стр. 225

ومما يدلُّ على قتال الجماعة الممتنعين من أقام الصلاة، وإيتاء الزكاة من القرآن قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] وقولُه تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] مع قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. وثبت أن النبي ﷺ كان إذا غزا قومًا لم يُغِرْ عليهم حتى يُصبِحَ فإنْ سمع أذانًا وإلَّا أغارَ عليهم (١). مع احتمال أن يكونوا قد دخلُوا في الإسلام. وكان يُوصي سراياه: "إن سمعتُم مؤذنًا أو رأيتم مسجدًا، فلا تقتلوا أحدًا" (٢). وقد بعث عُيينة بنَ حِصنٍ (٣) إلى قوم من بني العنبر، فأغار عليهم ولم يسمع أذانًا، ثم ادَّعوا أنهم قد أسلموا قبل ذلك. وبعث ﷺ إلى أهل عُمان كتابًا فيه: "مِنْ محمد النبيِّ إلى أهل عُمان، سلامٌ أما بعدُ: فأقِرُّوا بشهادةِ أن لا إله إلَّا الله، وأنِّي رسولُ الله، وأدُّوا الزكاة، وخُطوا المساجد، وإلا غزَوْتُكم" خرَّجه البزار والطبراني وغيرهما (٤).

стр. 226

فهذا كله يدلُّ على أنَّه كان يعتبر حالَ الداخلين في الإسلام، فإنَّ أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة وإلا لم يمتنع عن قِتالهم، وفي هذا وقع تناظرُ أبي بكر وعمر ﵄ كما في "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ قال: لمَّا توفي رسولُ الله ﷺ واستخلف أبو بكر الصديق بعده، وكَفَرَ مَنْ كَفَر مِنَ العرب، قال عمر لأبي بكر: كيف تُقاتلُ الناسَ وقد قال رسولُ الله ﷺ : "أُمِرتُ أنْ أُقاتَلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلَّا الله، فمن قال: لا إله إلَّا الله، فقد عَصَم منِّي ماله ونفسَه إلا بحقه وحسابُه على الله " فقال أبو بكر: والله لأقاتلَنَّ من فرَّق بين الصَّلاة والزكاة فإنَّ الزكاة حقُّ المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتُهم على منعه، فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيتُ أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفتُ أنَّه الحق (١). فأبو بكر ﵁ أخذ قتالهم من قوله: "إلا بحقه" فدلّ على أن قتال من أتى بالشهادتين بحقه جائز، ومن حقه أداء حقِّ المالِ الواجب، وعمر ﵁ ظنَّ أن مجرَّد الإتيان بالشهادتين يَعصِمُ الدمَ في الدنيا تمسكًا بعموم أوَّل الحديث كما ظنّ طائفة من الناس أن من أتى بالشهادتين امتنع من دخول النار في الآخرة تمسكًا بعموم ألفاظ وردت، وليس الأمر على ذلك، ثم إن عمر رجع إلى موافقة أبي بكر ﵁. وقد خرّج النَّسَائِي (٢) قصةَ تناظر أبي بكر وعمر بزيادة: وهي أن أبا بكر قال

стр. 227

لعمر: إنما قال رسولُ الله ﷺ : "أُمرت أن أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشهدُوا أن لا إله إلَّا الله، وأنِّي رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" وخرَّجه ابنُ خزيمة في "صحيحه" (١)، ولكن هذه الرواية أخطأ فيها عمران القطان إسنادًا ومتنًا، قاله أئمة الحفاظ، منهم عليّ بن المديني وأبو زرعة وأبو حاتم والترمذي والنسائي، ولم يكن هذا الحديث عن النبيِّ ﷺ بهذا اللفظ عند أبي بكر ولا عمر، وإنما قال أبو بكر: والله لأقاتلنّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإنَّ الزكاة حقُّ المال، وهذا أخذه - والله أعلمُ - من قوله في الحديث "إِلا بحقها". وفي رواية: "إلا بحقّ الإسلام" فجعل من حق الإسلام إِقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما أن من حقه أن لا يرتكب الحدود، وجعل كل ذلك مما استثنى بقوله: "إلا بحقها". وقوله: لأقاتلنّ مَنْ فرّق بين الصلاة والزكاة، فإنَّ الزكاة حق المال، يدلّ على أن من ترك الصلاة، فإنَّه يقاتل لأنها حقُّ البدن، فكذلك من ترك الزكاة التي هي حقُّ المال. وفي هذا إشارة إِلى أن قتال تارك الصلاة أمر مجمع عليه؛ لأنَّه جعله أصلًا مقيسًا عليه، وليس هو مذكورًا في الحديث الذي احتج به عمر وإنما أخذ من قوله: "إلا بحقها" فكذلك الزكاة لأنها من حقها، وكلّ ذلك من حقوق الإسلام. ويُستدلُّ أيضًا على القتال على ترك الصلاة بما في "صحيح مسلم" عن أمِّ سلمةَ عن النبيِّ ﷺ قال: "يُستَعْمَل عليكُم أُمراءُ، فتَعرِفون وتُنكِرون، فمن أنكرَ، فقد بَرِئ، ومن كَرِهَ فقد سَلِم، ولكن من رَضِي وتابَع" فقالوا: يا رسول الله ألا نُقاتِلُهم؟ قال: "لا ما صلَّوا" (٢).

стр. 228

وحكمُ من ترك سائر أركانِ الإِسلام أن يُقاتلوا عليها كما يقاتلون (١) على تركِ الصلاة والزكاة. وروى ابنُ شهاب عن حنظلة بن علي بن الأسقع أن أبا بكر الصِّدِّيق بعث خالدَ بن الوليد، وأمره أن يقاتل الناسَ على خمس، فمن ترك واحدةً من الخمس، فقاتله عليها كما تُقاتل على الخمس: شهادةِ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصوم رمضان. وقال سعيد بن جبير: قال عمرُ بن الخطاب: لو أن الناس تركوا الحجَّ لقاتلناهم عليه، كما نُقاتِلُهم على الصلاة والزكاة. فهذا الكلامُ في قتال الطائفة الممتنعة عن شيءٍ من هذه الواجبات. وأما قتلُ الواحد الممتنع عنها، فاكثرُ العلماء على أنَّه يُقتَلُ الممتنع من الصلاة، وهو قولُ مالك والشافعي وأحمد وأبي عُبيد، وغيرهم، ويَدلُّ على ذلك ما في "الصحيحين" (٢) عن أبي سعيد الخدريّ أن خالدَ بنَ الوليد استأذن النبيَّ ﷺ في قتل رجل، فقال: "لا، لعله أن يكونَ يُصلي" فقال خالد: وكم مِنْ مُصَلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنِّي لم أُومَر أنْ أُنَقِّبَ عن قلوبِ الناسِ ولا أشُقَّ بُطونَهُم ". وفي "مسند الإمام أحمد" عن عُبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلًا من الأنصار حدَّثه أنَّه أتى النبيِّ ﷺ فاستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فقال النبيُّ ﷺ : "أليس يَشهَدُ أن لا إله إلا الله "؟ قال: بلى، ولا شهادة له، قال: "أليس يُصلي"؟ قال: بلى، ولا صلاةَ له، قال: "أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم " (٣).

стр. 229

وأما قتلُ الممتنع من أداءِ الزكاة، ففيه قولان لمن قال: يقتل الممتنع من فعل الصلاة: أحدهما: يقتل أيضًا، وهو المشهورُ عن أحمد، ويستدلَ له بحديث ابن عمر هذا. والثاني: لا يقتل، وهو قولُ مالك، والشافعي، وأحمد في رواية. وأما الصوم فقال مالك وأحمد في رواية عنه: يُقتل بتركه، وقال الشافعي وأحمد في رواية: لا يقتلُ بذلك، ويستدل له بحديث ابن عمر وغيره مما في معناه، فإنَّه ليس في شيءٍ منها ذكرُ الصوم، ولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب: الصوم لم يجئ فيه شيءٍ. قلتُ: قد روي عن ابن عباسٍ مرفوعًا وموقوفاً: إن من ترك الشهادتين أو الصلاة أو الصيام، فهو كافر حلال الدم بخلاف الزكاة والحجِّ. وقد سبق ذكرُه في شرح حديث "بني الإِسلام على خمس ". وأما الحج، فعن أحمد في القتل بتركه روايتان، وحمل بعضُ أصحابنا روايةَ قتله على من أخره عازمًا على تركه بالكلية، أو أخره وغلب على ظنه الموت في عامه، فأمَّا إن أخره معتقداً أنَّه على التراخي كما يقولُهُ كثير من العلماء، فلا قَتلَ بذلك. وقوله ﷺ : "إلا بحقِّها" وفي رواية: " إلَّا بحقِّ الإسلام " قد سبق أن أبا بكر أدخل في هذا الحقِّ فعلَ الصلاة والزكاة، وأن من العلماء من أدخل فيه فعلَ الصيامِ والحج أيضًا. ومن حقها ارتكابُ ما يُبيح دمَ المسلم من المحرمات، وقد ورد تفسيرُ حقها بذلك، خرَّجه الطبراني وابنُ جرير الطبري من حديث أنس عن النبيِّ ﷺ قال: "أُمِرْتُ أن أُقَاتِلَ الناسَ حتَّى يقولوا: لا إله إلَّا الله، فإذا قالوها، عَصَمُوا منِّي

стр. 230

دماءَهُم وأموالَهم إلا بحقِّها، وحِسَابُهم على الله " قيل: وما حَقُّها؟ قال: "زِنى بعد إحصانٍ، وكفر بعد إيمانٍ، وقتلُ نفسٍ، فيُقتل بها" (١) ولعلَّ آخِرَه من قولِ أنس، وقد قيل: إن الصوابَ وقفُ الحديث كلِّه عليه. ويشهدُ لهذا ما في "الصحيحين" عن ابن مسعود عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مُسلم يَشْهَدُ أن لا إله إلَّا الله، وأنِّي رسولُ الله إلَّا بإحدى ثلاثٍ: الثَّيِّب الزَّاني، والنفسِ بالنفسِ، والتَّاركِ لدينه المفارقِ للجماعة" وسيأتي الكلَامُ على هذا الحديث مستوفى عندَ ذكره في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وقولُه ﷺ : "وحِسَابُهُم على الله " يعني أن الشهادتين مع إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة تَعصِمُ دمَ صاحبها وماله في الدنيا إلا أن يأتيَ ما يُبِيحُ دَمَهُ، وأما في الآخرة، فحسابُه على اللهِ ، فإنَّ كان صادقًا، أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبًا، فإنَّه من جملة المنافقين في الدَّرْك الأسفل من النار. وقد تقدَّمَ أن في بعض الروايات في "صحيح مسلم ": ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (٢) [الغاشية: ٢١ - ٢٦] والمعنى: إنَّما عليك تذكيرُهم بالله، ودعوتهم إليه، ولستَ مسلطًا على إدخالِ الإيمانِ في قلوبهم قهرًا ولا مكلفًا بذلك، ثم أخبر أن مرجعَ العبادِ كلهم إليه وحسابُهم عليه. وفي "مسند البزار" عن عياض الأنصاري، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ لا إله إلا الله كلمة على اللهِ كريمةٌ، لها عندَ اللهِ مكان، وهي كلمةٌ من قالها صادقًا،

стр. 231

أدخله الله بها الجنةَ، ومن قالها كاذبًا حقنت مالَه ودَمَة، ولَقِيَ الله غدًا فحاسبه " (١). وقد استدلَّ بهذا من يرى قبولَ توبةِ الزنديقِ. وهو المنافق إذا أظهر العودَ إلى الإسلام، ولم ير قتله بمجرَّدِ ظهورِ نفاقه، كما كان النبيُّ ﷺ يُعامِلُ المنافقين، ويُجريهم على أحكام المسلمين في الظاهر مع علمه بنفاق بعضهم في الباطن، وهذا قولُ الشافعي وأحمد في رواية عنه، وحكاه الخطابي عن أكثر العلماء، والله أعلم.

стр. 232

الحديثُ التاسع عَنْ أبي هُرَيرة ﵁ قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "ما نَهَيتُكُمْ عَنْهُ، فاجْتَنِبوهُ، وما أمرتُكم به، فأتُوا منة ما استطعتم، فإنَّما أهلَكَ الَّذين من قَبلِكُم كثْرَةُ مسائِلِهم واختلافُهم على أنبيائِهِم ". رواهُ البخاريُّ ومُسلمٌ (١). هذا الحديثُ بهذا اللفظ خرَّجه مسلم وحْدَهُ من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هُريرة، وخرَّجاه من رواية أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "دَعُوني ما تركتُكم، إنَّما أهلَكَ مَنْ كَانَ قَبلَكُم سؤالهم واختلافُهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيءٍ، فاجتَنبوه، وإذا أمرتكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتم" وخرَّجه مسلم مِن طريقين آخرين عن أبي هريرة بمعناه. وفي رواية له ذكرُ سبب هذا الحديث من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: خطبنا رسولُ الله ﷺ فقال: "يا أيُّها النَّاس قد فرضَ الله عليكم الحجَّ فحجُّوا" فقال رجل أكُلَّ عامٍ يا رسول الله؟ فسكت حتَّى قالها ثلاثًا، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لو قلتُ: نعم، لوجبت، ولما استطعتُم" ثمَّ قال: "ذَرُوني ما تَركْتكُم، فإنَّما أُهْلِكَ مَنْ كانَ قبلَكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتُكم

стр. 233

بشيءٍ، فأتوا منه ما استطعتُم، وإذا نهيتُكم عن شيءٍ، فدعوه" (١). وخرًجه الدَّارقطني (٢) من وجه آخر مختصرًا، وقال فيه: فنزل قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. وقد رُوِي مِن غير وجهٍ أن هذه الآية نزلت لمَّا سالوا النبيِّ ﷺ عن الحجِّ، وقالوا: أفي كلِّ عام؟ وفي "الصحيحين" عن أنس قال: خطبنا رسولُ الله ﷺ ، فقال رجل: من أبي؟ فقال: "فلان "، فنزلت هذه الآية ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ (٣). وفيهما أيضًا عن قتادة، عن أنسٍ قال: سالوا رسول اللهِ ﷺ حتى أَحْفَوهُ في المسأَلة، فغضب، فصَعِدَ المنبر، فقال: "لا تسألوني اليومَ عن شيءٍ إلا بيَّنته"، فقام رجل كان إذا لاحى الرجالَ دُعِيَ إلى غير أبيه، فقال؟ يا رسول الله من أبي؟ قال: "أبوك حُذافة"، ثم أنشأ عمرُ، فقال: رضينا بالله ربًا، وبالِإسلام دينًا، وبمحمَّد رسولًا، نعوذ بالله من الفتن. وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ (٤). وفي "صحيح البخاري" (٥) عن ابن عباسٍ قال: كان قومٌ يسألون رسولَ الله ﷺ استهزاءً، فيقولُ الرجلُ: من أبي؟، ويقول الرجلُ تَضِلُّ ناقته: أين ناقتي؟

стр. 234

فأنزل الله هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾. وخَرَّج ابن جرير الطبري في "تفسيره" في حديث أبي هريرة، قال: خرج رسول الله ﷺ وهو غضبانُ مُحمارًّا وجهه، حتَّى جلس على المنبرِ، فقام إليه رجل، فقال: أين أنا؟ فقال: "في النار"، فقام إليه آخر فقال: من أبي؟ قال: "أبوك حُذافة"، فقام عمر فقال: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وبالقرآن إمامًا، إنا يا رسول الله حديثو عهدٍ بجاهلية وشركٍ، والله أعلم مَن آباؤنا، قال: فسكن غضبُه، ونزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١). وروى أيضًا في طريق العَوْفي عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ قال: إن رسول الله ﷺ أذَّن في الناس، فقال: "يا قوم كُتِبَ عليكُم الحجُّ "، فقام رجل، فقال: يا رسول اللهِ، أفي كلِّ عامٍ؟ فأُغْضِبَ رسولُ الله ﷺ غضبًا شديدًا، فقال: "والذي نفسي بيده، لو قلت: نعم، لوجَبَت، ولو وجبت ما استطعتم، وإذن لكفرتُم، فاتركُوني ما تركتُكم، فإذا أمرتكم بشيءٍ، فافعلوا، وإذا نهيتُكم عن شيءٍ فانتهوا عنه "، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، نهاهم عن أن يسألوا مثلَ الذي سألت النَّصارى في المائدة، فأصبحوا بها كافرين، فنهى الله تعالى عن ذلك، وقال: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظٍ ساءكم، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآنُ، فإنكم لا تسألون عن شيءٍ إلا وجدتُم تبيانه (٢). فدلَّت هذه الأحاديثُ على النهي عن السُّؤال عمَّا لا يُحتاج إليه مما يسوءُ

стр. 235

السائلَ جوابُه مثل سؤال السائل؛ هل هو في النار أو في الجنة، وهل أبوه من ينتسب إليه أو غيره، وعلى النهي عن السؤال على وجه التعنت والعبث والاستهزاء، كما كان يفعلُه كثيرُ من المنافقين وغيرهم. وقريبٌ من ذلك سؤالُ الآيات واقتراحُها على وجه التعنتِ، كلما كان يسأله المشركون وأهل الكتاب، وقد قال عكرمة وغيرُه: إن الآية نزلت في ذلك ويقرب من ذلك السؤالُ عما أخفاه الله عن عباده، ولم يُطلعهم عليه، كالسؤال عن وقتِ الساعة، وعن الروح. ودلَّت أيضًا على نص المسلمين عن السؤال عن كثير من الحلالِ والحرام مما يُخشى أن يكون السؤال سببًا لنزول التشديد فيه، كالسُّؤال عَنِ الحجِّ: هل يجب كلَّ عامٍ أم لا؟ وفي "الصحيح" عن سعدٍ، عنِ النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إن أعظمَ المسلمين في المسلمين. جرمًا مَنْ سأل عن شيءٍ لم يحرَّم، فحُرِّمَ من أجل مسألته" (١). ولما سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن اللِّعان كره المسائل وعابها حتى ابتُلى السائلُ عنه قبلَ وقوعه بذلك في أهله (٢)، وكان النبيِّ ﷺ ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعةِ المال (٣). ولم يكن النبيُّ ﷺ يُرخِّصُ في المسائل إلَّا للأعراب ونجحوهم من الوُفود القادمين عليه، يتألَّفهم بذلك، فأمَّا المهاجرون والأنصارَ المقيمون بالمدينة

стр. 236

الذين رَسَخَ الإيمانُ في قلوبهم، فنُهُوا عَنِ المسألة، كما في "صحيح مسلم" (١) عن النَّوَّاس بنِ سمعان، قال: أقمتُ مع رسول الله ﷺ بالمدينة سنة ما يمنعني منَ الهجرة إلَّا المسألةُ، كان أحدُنا إذا هاجر لم يسأل النبيِّ ﷺ . وفيه أيضًا عن أنسٍ، قال: نُهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيءٍ، فكان يُعجِبُنا أن يجيءَ الرجلُ مِنْ أهل البادية العاقل، فيسأله ونحنُ نَسْمَعُ (٢). وفي "المسند" عن أبي أُمامة قال: كان الله قد أنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] قال: فكنَّا قد كرهنا كثيرًا مِنْ مسألته، واتَّقينا ذلك حين أنزل الله على نبيه ﷺ قال: فأتينا أعرابيًا، فرشوناه بُردًا، ثمَّ قلنا له: سلَ النبيِّ ﷺ وذكر حديثًا (٣) وفي "مسند أبي يعلى" عن البراء بن عازب، قال: إنْ كان لتأتي عليَّ السنةُ أريد أن أسألَ رسولَ الله ﷺ عن شي، فَأتهيب منه، وإن كنَّا لنتمنَّى الأعرابَ (٤). وفي "مسند البزار" (٥) عن ابن عباسٍ قال: ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب

стр. 237

محمَّدٍ ﷺ ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألةً، كلُّها في القرآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وذكر الحديث. وقد كان أصحابُ النبيِّ ﷺ أحيانًا يسألونه عن حكم حوادثَ قبلَ وقوعها، لكن للعمل بها عند وقوعها، كما قالوا له: إنَّا لاقو العدوِّ غدًا، وليس معنا مُدَىً، أفنذبح بالقصَب؟ (١) وسألوه عَن الأُمراءِ الَّذينَ أخبر عنهم بعدَه، وعن طاعتهم وقتالهم، وسألهَ حذيفة عن الفتَنِ، وما يصنع فيها (٢). فهذا الحديث، وهو قولهُ ﷺ : "ذَرُوني ما تركتُكم، فإنَّما هلك مَنْ كان قبلَكُم بكثرةِ سُؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" يدلُّ على كراهة المسائل وذمِّها، ولكن بعضَ الناس يزعمُ أنَّ ذلك كان مختصًا بزمن النبيِّ ﷺ لما يخشى حينئذ من تحريم ما لم يُحرم، أو إيجاب ما يشقّ القيام به، وهذا قد أمن بعد وفاته ﷺ . ولكن ليس هذا وحده هو سببَ كراهة المسائل، بل له سببٌ آخر، وهو الذي أشارَ إليه ابنُ عباسٍ في كلامه الذي ذكرنا بقوله: ولكنِ انتظرُوا، فإذا نزل القرآن، فإنكم لا تَسألونَ عن شيءٍ إلا وجدتم تبيانه. ومعنى هذا: أنَّ جميعَ ما يَحتاجُ إليه المسلمون في دينهم لا بدَّ أن يُبينه الله في كتابه العزيز، ويبلِّغ ذلك رسوله عنه، فلا حاجةَ بعدَ هذا لأحدٍ في السؤال، فإنَّ الله تعالى أعلمُ بمصالح عباده منهم، فما كان فيه هدايتُهم ونفعُهُم، فإنَّ الله لا بدَّ أن يبيِّنَه لهمُ ابتداءً من غيرِ سؤال، كما قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. وحينئذٍ، فلا حاجة إلى السُّؤال عن شيءٍ، ولا سيما قبلَ وقوعه والحاجة إليه، وإنَّما الحاجةُ

стр. 238

المهمةُ إلى فهم ما أخبرَ الله به ورسولُه، ثمَّ اتباعُ ذلك والعملُ به، وقد كان النبيُّ ﷺ يُسأَلُ عَنِ المسائل؛ فيُحيل على القرآن، كما سأله عمرُ عنِ الكَلالَةِ، فقال: "يَكفيك آيةُ الصيف" (١). وأشار ﷺ في هذا الحديث إلى أنَّ في الاشتغال بامتثالِ أمرِه، واجتنابِ نهيه شغلًا عن المسائل، فقال: "إذا نهيتُكم عن شيءٍ، فاجتنبوه، وإذا أمرتُكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتم" فالذي يتعيَّنُ على المسلم الاعتناءُ به والاهتمامُ أن يبحثَ عمَّا جاءَ عن الله ورسوله ﷺ ، ثم يجتهدُ في فهم ذلك، والوقوف على معانيه، ثم يشتغل بالتصديقِ بذلك إن كان من الأمور العلمية، وإن كان من الأمور العملية، بذل وسْعَهُ في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر، واجتناب ما يُنهى عنه، وتكون همَّتُهُ مصروفةً بالكلية إلى ذلك؛ لا إلى غيره. وهكذا كان حالُ أصحابِ النبيِّ ﷺ والتابعين لهم بإحسان في طلب العلم النافع مِنَ الكتاب والسنة. فأمَّا إن كانت همةُ السامعَ مصروفةً عند سماعِ الأمر والنهي إلى فرض أمورٍ قد تقع، وقد لا تقع، فإنَّ هذا مما يدخل في النَّهي، ويثبِّطُ عَن الجد في متابعة الأمر. وقد سألَ. رجلٌ ابنَ عمر عن استلام الحجر، فقال له: رأيتُ النبيَّ ﷺ يستلمه ويقبِّلُه، فقال له الرجل: أرأيتَ إن غُلِبْتُ عليه؟ أرأيت إن زُوحِمْتُ؟ فقال له ابن عمر: اجعل "أرأيت" باليمن، رأيتُ النبي ﷺ يستلِمُه ويقبِّلُه. خرَّجه الترمذي (٢). ومرادُ ابن عمر أنَّه لا يكن لك همٌّ إلا في الاقتداء بالنبيِّ ﷺ ، ولا حاجةَ إلى فرضِ العجزِ عنْ ذلك أو تعسُّره قبلَ وقوعه؛ فإنَّه قد يفتُرُ العزمُ عن التَّصميم على المتابعة، فإنَّ التَّفقُّهَ في الدِّين، والسُّؤالَ عن العِلم إنَّما يُحمَدُ إذا كان للعمل، لا لِلمراءِ والجدال.

стр. 239

وقد روي عن عليٍّ ﵁ أنَّه ذكر فتنًا تكونُ في آخر الزَّمان، فقال له عمر: متَى ذلك يا عليُّ؟ قال: إذا تُفُقِّه لغير الدين، وتُعُلِّم لغير العمل، والتمست الدنيا بغير الآخرة. وعن ابنِ مسعود أنه قال: كيف بكم إذا لَبستكم فتنةٌ يربو فيها الصغيرُ، ويَهْرَمُ فيها الكبيرُ، وتُتَّخَذُ سُنةً، فإنَّ غيرت يومًا قيل: هذا منكر؟ قالوا: ومتى ذلك؟ قال: إذا قلَّت أمناؤكم، وكثرت أمراؤُكم، وقلَّت فقهاؤُكم، وكثر قُرَّاؤُكم، وتُفُقِّهَ لغير الدين، والتُمِسَتِ الدنيا بعمل الآخرة. خرجهما عبد الرزاق في كتابه (١). ولهذا المعنى كان كثيرٌ من الصحابة والتابعين يكرهون السؤال عن الحوادث قبلَ وقوعها، ولا يُجيبون عن ذلك، قال عمرو بن مُرة: خرج عمرُ على الناس، فقال: أُحرِّجُ عليكم أن تسألونا عن ما لم يكن، فإنَّ لنا فيما كان شغلًا (٢). وعن ابن عمر، قال: لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعتُ عمر لعنَ السَّائل عمَّا لم يكن (٣). وكان زيدُ بنُ ثابتٍ إذا سُئِلَ عن الشَّيءِ يقول: كان هذا؟ فإنَّ قالوا: لا، قال: دعوه حتى يكون (٤).

стр. 240

وقال مسروقٌ: سألت أبيَّ بن كعبٍ عن شيءٍ، فقال: أكان بعدُ؟ فقلت: لا، فقال: أَجِمَّنا - يعني: أرحنا حتى يكونَ -، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا (١). وقال الشَّعبي: سئل عمارٌ عن مسألة فقال: هل كان هذا بعدُ؟ قالوا: لا، قال: فدعونا حتَّى يكون، فإذا كان تجَشَّمْنَاهُ لكم (٢). وعن الصَّلتِ بنِ راشدٍ، قال: سألت طاووسًا عن شيءٍ، فانتهرني وقال: ممان هذا؟ قلت: نعم، قال: آلله؟ قلت: آلله. قال: إن أصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبلٍ أنَّه قال: أيُّها الناسُ، لا تعجلوا بالبلاء قبْلَ نزوله فيذهب بكم هاهنا وهاهنا، فإنَّكم إن لم تعجَلوا بالبلاء قَبْلَ نزوله، لم ينفكَّ المسلمون أن يكونَ فيهم مَنْ إذا سُئِلَ سُدِّدَ، أو قال وُفِّقَ (٣). وقد خرَّجه أبو داود في كتاب "المراسيل" (٤) مرفوعًا من طريق ابن عجلان عن طاووس عن معاذ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تعجَلوا بالبلية قبل نزولها، فإنكم إن لم تفعلوا لم ينفك المسلمون منهم من إذا قال سُدِّدَ أو وفق، وأنكم إن عجِلْتُم، تشتَّتُ بكمُ السُّبُلَ هاهنا وهاهنا. ومعنى إرساله أن طاووسًا لم يسمع من معاذ. وخرَّجه أيضًا من رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن النبيِّ ﷺ بمعناه مرسلًا (٥).

стр. 241

وروى حجاج بن مِنهال: حدثنا جريرُ بنُ حازم أنَّه قال: سمعت الزبيرَ بنَ سعيد رجلًا من بني هاشم، قال: سمعت أشياخنا يحدثون: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال في أمتي من إذا سُئل سُدِّدَ وأُرْشِدَ حتى يتساءلوا عن ما لم ينزل تبيينه، فإذا فعلوا ذلك، ذُهِبَ بهم هاهنا وهاهنا" (١). وقد رُوي عن الصَّنابحيِّ عن معاوية، عن النبيِّ ﷺ أنَّه نهى عَنِ الأُغلوطات. خرَّجه الإمام أحمد (٢). وفسرها الأوزاعي، وقال: هي شدادُ المسائل. وقال عيسى بنُ يونس: هي ما لا يحتاج إليه من كيف وكيف. ويُروى من حديث ثوبان عن النبيِّ ﷺ قال: "سيكون أقوام من أمتي يُغَلِّطُون فقهاءهم بِعُضَل المسائل، أولئك شرار أمتي" (٣). وقال الحسن: شرار عباد الله الذين يتبعون شرار المسائل يَغُمُّونَ بها عبادَ الله. وقال الأوزاعي: إن الله إذا أراد أن يحرِمَ عبدَه بركة العلم، ألقى على لسانه المغاليطَ، فلقد رأيتُهم أقلَّ الناسِ علمًا. وقال ابنُ وهب عن مالك: أدركتُ هذه البلدة، وإنهم ليكرهُون هذا الإكثارَ الذي فيه الناس اليوم. يريد المسائل. وقال أيضًا: سمعتُ مالكًا وهو يعيبُ كثرة الكلام وكثرة الفتيا، ثم قال: يتكلَّم كأنه جمل مُغْتَلِمٌ يقول: هو كذا، هو كذا يَهْدِرُ في كلامه.

стр. 242

وقال: سمعتُ مالكًا يكره الجوابَ في كثرة المسائل، وقال: قال الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] فلم يأته في ذلك جواب. وكان مالكٌ يكره المجادلة عَن السُّنن أيضًا. قال الهيثم بن جميل: قلت لمالك: يا أبا عبدِ الله، الرجلُ يكونُ عالمًا بالسُّنن يُجادل عنها؟ قال: لا، ولكن يخبر بالسُّنَّةِ، فإن قُبِلَ منه، وإلَّا سكت. قال إسحاق بن عيسى: كان مالك يقول: المِراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل. وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: المراء في العلم يُقسِّي القلوب، ويورِّث الضغن. وكان أبو شريح الإسكندراني يومًا في مجلسه، فكثُرَتِ المسائلُ، فقال: قد دَرِنَتْ قلوبُكم منذُ اليوم، فقوموا إلى أبي حُميدٍ خالد بن حميد اصقُلوا قلوبكم، وتعلَّمُوا هذه الرغائب، فإنها تُجدِّدُ العبادة، وتُورث الزهادة، وتجرُّ الصداقة، وأقِلُّوا المسائلَ إلا ما نزل، فإنها تقسي القلوب، وتورث العداوة. وقال الميمونيُّ: سمعتُ أبا عبد الله - يعني أحمد - يُسأل عن مسأَلة، فقال: وقعَت هذه المسألة؟ بُليتم بها بعدُ؟ وقد انقسم الناسُ في هذا الباب أقسامًا: فمن أتباع أهلِ الحديث منْ سدَّ بابَ المسائل حتَّى قلَّ فقهه وعلمُه بحدود ما أنزل الله على رسوله، وصار حامِلَ فقه غيرَ فقيه. ومن فقهاء أهل الرأي من توسَّع في توليدِ المسائل قبلَ وقوعها، ما يقع في العادة منها وما لا يقع، واشتغلُوا بتكلُّفِ الجواب عَنْ ذلك، وكثرة الخصومات فيه، والجدال عليه حتَّى يتولدَ مِنْ ذلك افتراقُ القلوب، ويستقرَّ فيها بسببه الأهواءُ والشحناء والعداوةً والبغضاءً، ويقترن ذلك كثيرًا بنية المغالبة، وطلب

стр. 243

العلوِّ والمباهاة، وصرف وجوه الناس وهذا ممَّا ذمه العلماءُ الربانيون، ولَّتِ السُّنَّةُ على قبحه وتحريمه. وأما فقهاء أهل الحديث العامِلُون به، فإنَّ معظمَ همِّهمُ البحثُ عن معاني كتاب الله ، وما يُفسِّرُهُ من السنن الصحيحة، وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعن سُنَّةِ رسول الله ﷺ ، ومعرفة صحيحها وسقيمِها، ثم التفقه فيها وتفهمها، والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير والحديث، ومسائل الحلال والحرام، وأصول السنة والزهد والرقائق وغيرِ ذلك، وهذا هو طريقة الإمام أحمد ومَنْ وافقه من علماء الحديث الرَّبَّانيين، وفي معرفة هذا شغلٌ شاغلٌ عن التَّشاغُل بما أُحدثَ من الرأي ممَّا لا يُنتفع به، ولا يقع، وإنما يُورثُ التجادلُ فيه الخصوماتِ والجدالَ وكثرة القيل والقال. وكان الإمام أحمد كثيرًا إذا سُئِلَ عن شيء من المسائل المولدات التي لا تقع يقول: دعونا مِنْ هذه المسائل المحدثة. وما أحسن ما قاله يونسُ بنُ سليمان السَّقَطِيُّ: نظرتُ في الأمر، فإذا هو الحديث والرأي، فوجدتُ في الحديث ذكرَ الرب وربوبيتَه وإجلاله وعظمته، وذكرَ العرش وصفة الجنة والنار، وذكرَ النبيين والمرسلين، والحلال والحرام، والحثَّ على صلة الأرحام، وجماع الخير فيه، ونظرت في الرأي، فإذا فيه المكرُ، والغدرُ، والحيلُ، وقطيعة الأرحام، وجماع الشَّرِّ فيه. وقال أحمد بن شبويه: من أراد علمَ القبرِ فعليه بالآثار، ومن أراد علم الخُبْزِ، فعليه بالرأي (١). ومن سلك طريقة طلبِ العلم على ما ذكرناه، تمكَّن من فهم جواب الحوادث الواقعة غالبًا؛ لأن أصولها تُوجد في تلك الأصول المشار إليها، ولا بدَّ

стр. 244

أن يكون سلوكُ هذا الطريق خلف أئمة أهله المجمَعِ على هدايتهم ودرايتهم كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عُبيد ومن سلك مسلكَهم، فإنَّ مَنِ ادعى سلوكَ هذا الطريق على غير طريقهم، وقع في مفاوزَ ومهالك، وأخذ بما لا يجوز الأخذُ به، وترك ما يجب العملُ به. ومِلاكُ الأمرِ كلَّه أن يقصِدَ بذلك وجهَ الله، والتقرُّب إليه بمعرفة ما أنزل على رسوله، وسلوكِ طَريقه، والعمل بذلك، ودعاء الخلق إليه، ومَنْ كان كذلك، وفَّقه الله وسدَّده، وألهمه رشده، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، وكان من العلماء الممدوحين في الكتاب في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، ومن الراسخين في العلم، فقد خرَّج ابنُ أبي حاتم في "تفسيره" من حديث أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ سُئِل عن الرَّاسخين في العلم، فقال: "من برّت يمينُه، وصدق لسانُه، واستقامَ قلبُه، ومَنْ عفَّ بطنُه وفرجُه، فذلك مِنَ الرَّاسخين في العلم" (١). وقال نافع بن يزيد: يقال: الرَّاسخونَ في العلم: المتواضعون لله، والمتذلِّلون لله في مرضاته لا يتعاطون من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم (٢). ويشهد لهذا قول النبي ﷺ : "أتاكم أهلُ اليمن، هُمْ أبرُّ قلوبًا، وأرقُّ أفئدةً. الإيمان يمانٍ، والفِقه يمان، والحكمة يمانية" (٣). وهذا إشارة منه إلى أبي موسى الأشعري، ومن كان على طريقهِ من عُلَماء أهلِ اليمن، ثمَّ إلى مثل أبي مسلم

стр. 245

الخولاني، وأويس القَرَنيِّ، وطاووس، ووهب بن منبه، وغيرِهم من عُلماء أهل اليمن، وكلُّ هؤلاء مِنَ العلماء الربانيين الخائفين لله، فكلهم علماءُ بالله يخشونه ويخافونه، وبعضُهم أوسعُ علمًا بأحكام الله وشرائع دينه من بعض، ولم يكن تميُّزهم عن الناس بكثرة قيلٍ وقالٍ، ولا بحثٍ ولا جدالٍ. وكذلك معاذُ بنُ جبل ﵁ أعلم الناس بالحلال والحرام، وهو الذي يحشر يومَ القيامة أمام العلماء برتوة (١)، ولم يكن علمه بتوسعة المسائل وتكثيرها، بل قد سبق عنه كراهةُ الكلام فيما لا يقع، وإنما كان عالمًا بالله وعالمًا بأصول دينه. وقد قيل للِإمام أحمد: مَنْ نسالُ بعدَك؟ قال: عبد الوهَّاب الورَّاق، قيل له: إنه ليس له اتِّساعٌ في العلم، قال: إنه رجل صالح مثلُه يُوفَّقُ لِإصابة الحق. وسئل عن معروف الكرخي، فقال: كان معه أصلُ العلم: خشية الله. وهذا يرجعُ إلى قولِ بعض السَّلف: كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلًا. وهذا بابٌ واسع يطول استقصاؤه. ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة ﵁ فنقول: مَنْ لم يشتغل بكثرة المسائل التي لا يوجدُ مثلُها في كتاب، ولا سنة، بل اشتغل بفهم كلام الله ورسوله، وقصدُه بذلك امتثالُ الأوامر، واجتنابُ النواهي، فهو ممَّنِ امتثلَ أمرَ رسول الله ﷺ في هذا الحديث، وعَمِلَ بمقتضاه، ومن لم يكن اهتمامُه بفهم ما أنزل الكه على رسوله، واشتغل بكثرةِ توليدِ المسائل قد تقع وقد لا تقع، وتكلَّفَ أجوبتها بمجرَّد الرأي، خُشِيَ عليه أن يكونَ مخالفًا لهذا الحديث، مرتكبًا لنهيه، تاركًا لأمره.

стр. 246

واعلم أن كثرةَ وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة إنما هو مِنْ ترك الاشتغال بامتثالِ أوامر الله ورسوله، واجتنابِ نواهي الله ورسوله، فلو أنَّ من أرادَ أن يعمل عملًا سأل عمَّا شرعه الله في ذلك العمل فامتثله، وعما نهى عنه فاجتنبه، وقعت الحوادثُ مقيدةً بالكتاب والسنة. وإنما يعمل العاملُ بمقتضى رأيه وهواه، فتقع الحوادثُ عامَّتُها مخالفةً لما شرعه الله وربما عسر ردُّها إلى الأحكام المذكورةِ في الكتاب والسنة لبعدها عنها. وفي الجملة: فمن امتثل ما أمر به النبيُّ ﷺ في هذا الحديث، وانتهى عما نهى عنه، وكان مشتغلًا بذلك عن غيره، حَصَلَ له النجاةُ في الدنيا والآخرة، ومَنْ خالف ذلك، واشتغلَ بخواطرِه وما يستحسنه، وقع فيما حَّذرَ منه النبيُّ ﷺ من حال أهل الكتاب الذين هلكوا بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، وعدمِ انقيادهم وطاعتهم لرسلهم، وقوله ﷺ : "إذا نهيتُكم عن شيءٍ، فاجتنبوه، وإذا أموتُكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتم" قال بعضُ العلماء: هذا يُؤخذ منه أنَّ النَّهي أشدُّ من الأمر؛ لأن النهي لم يُرَخَّصْ في ارتكاب شيء منه، والأمر قُيِّدَ بحسب الاستطاعة، ورُويَ هذا عن الإمام أحمدِ. ويشبه هذا قولُ بعضهم: أعمال البِرِّ يعملُها البر والفاجرُ، وأمَّا المعاصي، فلا يتركها إلَّا صِدِّيق (١). ورُوي عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال له: "اتَّق المحارم، تَكُن أعبدَ الناس" (٢).

стр. 247

وقالت عائشة ﵂: من سرّه أن يسبق الدائبَ المجتهدَ، فليكفَّ عن الذنوب، وروى عنها مرفوعًا (١). وقال الحسن: ما عُبِّدَ العابدون بشيءٍ أفضلَ من ترك ما نهاهم الله عنه. والظاهر أنَّ ما ورد مِن تفضيل ترك المحرَّمات على فعل الطاعات، إنَّما أُريد به على نوافل الطَّاعات، وإلَّا فجنسُ الأعمال الواجبات أفضلُ مِنْ جنسِ ترك المحرَّمات؛ لأنَّ الأعمال مقصودة لذاتها، والمحارم المطلوبُ عدمها، ولذلك لا تحتاج إلى نية بخلاف الأعمالِ، ولذلك كان جنسُ ترك الأعمال قد يكون كفرًا كتركِ التوحيد، وكتركِ أركان الإسلام أو بعضها على ما سبق، بخلاف ارتكاب المنهيات فإنه لا يقتضى الكفر بنفسه، ويشهد لذلك قولُ ابنِ عمر: لردُّ دانقٍ حرام أفضلُ مِنْ مئة ألف تُنْفَقُ في سبيل الله. وعن بعض السلفِ قال: تركُ دانق مما يكره الله أحبُّ إلي من خمس مئة حجة. وقال ميمون بن مِهران: ذكر اللهِ باللسان حسن وأفضلُ منه أن يذكر الله العبدُ

стр. 248

عندَ المعصية فيمسِكَ عنها. وقال ابنُ المبارك: لأن أردَّ درهمًا من شبهة أحبُّ إليَّ من أن أتصدَّقَ بمائة ألفٍ ومئة ألف، حتى بلغ ست مئة ألف. وقال عمر بنُ عبد العزيز: ليست التقوى قيامَ الليل، وصِيام النهار، والتخليطَ فيما بَيْنَ ذلك، ولكن التقوى أداءُ ما افترض الله، وترك ما حرَّم الله، فإن كان مع ذلك عملٌ، فهو خير إلى خير، أو كما قال. وقال أيضًا: وددتُ أني لا أصلي غيرَ الصَّلوات الخمس سوى الوتر، وأن أؤدِّي الزكاة، ولا أتصدّق بعدها بدرهم، وأن أصومَ رمضان ولا أصوم بعده يومًا أبدًا، وأن أحجَّ حجة الِإسلام ثم لا أحجَّ بعدها أبدًا، ثم أعمد إلى فضل قوتي، فأجعله فيما حرَّم الله عليَّ، فأمسك عنه. وحاصل كلامهم يدلُّ عليَّ أن اجتناب المحرمات - وإن قلَّتْ - أفضلُ من الِإكثار من نوافل الطاعات فإنَّ ذاك فرضٌ، وهذا نفلٌ. وقالت طائفة من المتأخرين: إنما قال ﷺ : "إذا نهيتُكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم "؛ لأن امتثالَ الأمر لا يحصلُ إلَّا بعمل، والعملُ يتوقَّفُ وجودُه عليَّ شروط وأسباب، وبعضها قد لا يُستطاع، فلذلك قيَّده بالاستطاعة، كما قيد الله الأمر بالتقوى بالاستطاعة، قال تعالى: ﴿فاتَّقوا الله ما استَطَعْتُم﴾ [التغابن: ١٦]. وقال في الحجّ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وأما النهي: فالمطلوب عدمُه، وذلك هو الأصل، والمقصود استمرار العدم الأصلي، وذلك ممكن، وليس فيه ما لا يُستطاع، وهذا أيضًا فيه نظر، فإنَّ الداعي إلى فعل المعاصي قد يكون قويًا، لا صبر معه للعبد علي الامتناع مع فعل المعصية مع القدرة عليها، فيحتاج الكفُّ عنها حينئذٍ إلى مجاهدةٍ شديدة،

стр. 249

ربما كانت أشقَّ عليَّ النفوس من مجرَّدِ مجاهدة النفس على فعل الطاعة، ولهذا يُوجَدُ كثيرًا من يجتهد فيفعل الطاعات، ولا يقوى عليَّ ترك المحرمات. وقد سئل عمرُ عن قومٍ يشتهون المعصية ولا يعملون بها، فقال: أولئِكَ قومُ امتحنَ الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرةٌ وأجرٌ عظيم (١). وقال يزيد بن ميسرة: يقولُ الله في بعض الكتب: أيُّها الشابُّ التارك شهوتَه، المتبذل شبابه لأجلي، أنت عندي كبعض ملائكتي (٢). وقال: ما أشد الشهوة في الجسد، إنَّها مثلُ حريق النار، وكيف ينجو منها الحصوريون؟ (٣) والتحقيق في هذا أن الله لا يكلِّفُ العبادَ مِنَ الأعمال ما لا طاقةَ لهم به، وقد أسقط عنهم كثيرًا من الأعمال بمجرَّدِ المشقة رخصةً عليهم، ورحمةً لهم، وأمَّا المناهي، فلم يَعْذِرْ أحدًا بارتكابها بقوَّةِ الدَّاعي والشَّهوات، بل كلَّفهم تركها على كلِّ حال، وأنَّ ما أباح أن يُتناول مِنَ المطاعم المحرَّمة عند الضرورة ما تبقى معه الحياة، لا لأجل التلذذ والشهوة، ومن هنا يعلم صحة ما قاله الإمام أحمد: إن النهي أشدُّ من الأمر. وقد روي عن النبيِّ ﷺ من حديث ثوبان وغيره أنَّه قال: "استقيموا ولن تُحْصُوا" (٤) يعني: لن تقدروا على الاستقامة كلها.

стр. 250

وروى الحكم بن حزن الكُلَفي، قال: وفدت إلى رسول الله ﷺ ، فشهدتُ معه الجمعة، فقام رسولُ الله ﷺ متوكئًا على عصًا أو قوسٍ، فحمِدَ الله، وأثنى عليه بكلماتٍ خفيفاتٍ طيبات مباركات، ثم قال: "أيُّها النَّاسُ إنَّكُم لن تُطيقُوا، أو لن تَفْعَلوا كُلَّ ما أَمَرْتُكم بهِ، ولكن سَدِّدُوا وأبشِرُوا" خرجه الإمام أحمد وأبو داود (١). وفي قوله ﷺ : "إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم" دليل عليَّ أنَّ من عَجَزَ عن فعل المأمور به كلَّه، وقدرَ عليَّ بعضه، فإنَّه يأتي بما أمكنه منه، وهذا مطرد في مسائل: منها الطهارة، فإذا قدر على بعضها، وعجز عن الباقي: إما لعدم الماء، أو لمرض في بعض أعضائه دون بعض، فإنَّه يأتي مِنْ ذلك بما قدر عليه، ويتيمم للباقي، وسواء في ذلك الوضوء والغسل عليَّ المشهور. ومنها الصلاة، فمن عَجَزَ عن فعل الفريضة قائمًا صلى قاعدًا، فإنَّ عجز صلَّى مضطجعًا، وفي "صحيح البخاري" (٢) عن عِمْرَانَ بن حصين أن النبيَّ ﷺ قال: "صَلِّ قائمًا، فإنَّ لم تستطع فقاعدًا، فإنْ لم تستطع فعلى جنبٍ ". ولو عجز عن ذلك كلَّه، أومأ بطرفه، وصلى بنيته، ولم تسقُط عنه الصلَاةُ على المشهور. ومنها زكاة الفطر، فإذا قَدَرَ على إخراج بعضِ صاع، لزمه ذلك عليَّ
следующие страницы →