← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وتوباتهم إليه، وإنَّه إنَّما يعودُ نفعُهَا إليهم دونه، ولكن هذا من كمال جوده وإحسانه إلى عباده، ومحبته لنفعهم، ودفع الضَرر عنهم، فهو يُحِبُّ من عباده أن يعرفوه ويحبُّوه ويخافوه ويتَّقوه ويطيعوه ويتقرَّبوا إليه، ويُحِبُّ أن يعلموا أنَّه لا يغفر الذنوب غيره، وأنَّه قادرٌ على مغفرة ذنوب عباده، كما في رواية عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذرّ لهذا الحديث: "من علم منكم أنِّي ذو قُدرةٍ على المغفرة، ثم استغفرني، غفرت له ولا أبالي". وفي الصحيح عن النبيِّ ﷺ "أن عبدًا أذنب ذنبًا، فقال: يا ربّ، إنِّي عملتُ ذنبًا، فاغفر لي؛ فقال الله: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرتُ لعبدي" (١). وفي حديث علي بن أبي طالب، عن النبيِّ ﷺ أنَّه لمَّا ركب دابَّته، حَمِد الله ثلاثًا، وكبَّر ثلاثًا، وقال: "سبحانك إني ظلمتُ نفسي، فاغفر لي، فإنَّه لا يغفر الذنوبَ إلَّا أنت، ثمَّ ضحك، وقال: إنَّ ربَّك ليعجَبُ مِنْ عبده إذا قال: ربِّ اغفر لي ذنوبي، يعلم أنَّه لا يغفرُ الذُّنوبَ غيري"، خرجه الإِمامُ أحمد والترمذي وصححه (٢). وفي الصحيح عن النبيِّ ﷺ ، قال: "والله للهُ أرحمُ بعباده من الوالدةِ بولدِها" (٣). كان بعضُ أصحاب ذي النون يطوفُ وينادي: آه أين قلبي، من وجد قلبي؟ فدخل يومًا بعضَ السكك، فوجد صبيًا يبكي وأمه تضرِبُه، ثم أخرجته من الدار، وأغلقت البابَ دونه، فجعل الصبيُّ يتلفَّتُ يمينًا وشمالًا لا يدري أين يذهب ولا

стр. 562

أين يقصِدُ، فرجع إلى باب الدار، فجعلَ يبكي ويقول: يا أماه من يَفْتَحُ لي الباب إذا أغلقت عني بابَك؟ ومن يُدنيني من نفسه إذا طردتيني؟ ومن الذي يدنيني بعد أن غضبتِ عليَّ؟ فرحمته أمُّه، فقامت فنظرت من خَلَلِ الباب، فوجدت ولدها تجري الدموعُ على خديه متمعِّكًا في التراب، ففتحت البابَ، وأخذته حتى وضعته في حجرها، وجعلت تُقبِّله، وتقول: يا قُرَّة عيني، ويا عزيز نفسي، أنتَ الذي حملتني على نفسك، وأنتَ الذي تعرضت لما حلَّ بك، لو كنتَ أطعتني لم تلقَ مني مكروهًا، فتواجد الفتى، ثم قام، فصاح، وقال: قد وجدتُ قلبي، قد وجدتُ قلبي. وتفكروا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، فإنَّ فيه إشارةً إلى أن المذنبين ليس لهم من يلجؤون إليه، ويُعوِّلون عليه في مغفرة ذنوبهم غيره، وكذلك قوله في حقِّ الثلاثة الذين خُلِّفوا: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]، فرتَّب توبته عليهم على ظنِّهم أنْ لا ملجأ من الله إلا إليه، فإنَّ العبدَ إذا خاف من مخلوقٍ، هرب منه، وفرَّ إلى غيره، وأمَّا من خاف من الله، فما له منْ ملجأ يلجأُ إليه، ولا مهربٍ يهرُب إليه إلَّا هو، فيهرُب منه إليه، كما كان النبيُّ ﷺ يقول في دعائه: "لا ملجأ، ولا مَنجَا منك إلَّا إليك" (١) وكان يقول: "أعوذُ برضاكَ مِنْ سَخَطِك، وبعفوك من عقوبتك، وبِكَ منكَ" (٢).

стр. 563

قال الفضيلُ بنُ عياض ﵀: ما مِنْ ليلةٍ اختلط ظلامُها، وأرخى اللَّيلُ سِربالَ سَترها، إلَّا نادى الجليلُ ﷻ : مَنْ أعظمُ منِّي جودًا، والخلائق لي عاصون، وأنا لهم مراقبٌ، أكلؤهم في مضاجعهم، كأنَّهم لم يعصوني، وأتولَّى حفظَهم، كأنَّهم لم يُذنبوا فيما بيني وبينهم، أجودُ بالفضل على العاصي، وأتفضَّلُ على المسيءِ، مَنْ ذا الذي دعاني فلم أُلبِّه؟، أم مَنْ ذا الذي سألني فلم أعطِه؟ أم من الذي أناخ ببابي فنحَّيتُه؟ أنا الفضلُ، ومنِّي الفضل، أنا الجوادُ، ومنِّي الجودُ، أنا الكريمُ، ومني الكرمُ، ومن كرمي أن أغفرَ للعاصين بعدَ المعاصي، ومن كرمي أنْ أُعطي العبد ما سألني، وأُعطيه ما لم يسألني، ومن كرمي أن أُعطي التَّائبَ كأنَّه لم يعصني، فاين عني يهرُبُ الخلائقُ؟ وأين عن بابي يتنحَّى العاصون؟ خرَّجه أبو نعيم (١). ولبعضهم في المعنى. أسأتُ ولم أُحْسِنْ وجئتُكَ تائبًا … وأنَّى لِعَبْدٍ عن مواليه مَهْرَبُ يُؤَمِّلُ غُفَرانًا فإنْ خَابَ ظَنُّه … فما أَحَدٌ منه على الأرضِ أخيبُ فقوله بعدَ هذا: "يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكُم وإنسكم وجِنَّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم، ما زاد ذلك في مُلكي شيئًا، ولو كانوا على أفجر قلب رجلٍ منكم، ما نقص ذلك من مُلكي شيئًا": هو إشارةٌ إلى أن مُلكه لا يزيدُ بطَاعة الخلق، ولو كانوا كلُّهم بررةً أتقياءَ، قلوبُهم على قلب أتقى رجلٍ منهم، ولا يَنقُصُ مُلكُهُ بمعصية العاصين، ولو كان الجنُّ والإِنسُ كلُّهم عصاةً فجرةً قلولُهم على قلب أفجرِ رجلٍ منهم، فإنَّه سبحانه الغنيُّ بذاته عمَّن سواه، وله الكمالُ المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، فَمُلكُهُ ملكٌ كاملٌ لا نقص فيه بوجه

стр. 564

من الوجوه على أيِّ وجهٍ كان. ومِنَ النَّاس مَنْ قال: إنَّ إيجاده لخلقِه على هذا الوجه الموجود أكملُ من إيجاده على غيره، وهو خيرٌ من وجوده على غيره، وما فيه من الشَّرِّ، فهو شرٌّ إضافيٌّ نسبيٌّ بالنسبة إلى بعض الأشياء دونَ بعض، وليس شرًا مطلقًا، بحيث يكونُ عدمُه خيرًا من وجوده من كلِّ وجه، بل وجودُه خيرٌ من عدمه، قال: وهذا معنى قوله: "بيده الخيرُ" ومعنى قول النبيِّ ﷺ : "والشر ليس إليك" يعني: أن الشَّرَّ المحضَ الذي عدمه خيرٌ من وجوده ليس موجودًا في ملككَ، فإنَّ الله تعالى أوجد خلقه على ما تقتضيه حكمته وعدله، وخصَّ قومًا من خلقه بالفضل، وترك آخرينَ منهم في العدل، لما له في ذلك من الحكمة البالغة. وهذا فيه نظرٌ، وهو يُخالِفُ ما في هذا الحديث مِنْ أن جميعَ الخلق لو كانوا على صفةِ أكمل خلقه من البرِّ والتقوى، لم يزد ذلك ملكه شيئًا، ولا قدر جناح بعوضة، ولو كانوا على صفة أنقصِ خلقه من الفجور، لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا، فدلَّ على أن ملكه كاملٌ على أيِّ وجهٍ كان لا يزداد ولا يكمل بالطاعات، ولا يَنقُصُ بالمعاصي، ولا يؤثِّرُ فيه شيء. وفي هذا الكلام دليلٌ على أن الأصل في التَّقوى والفجور هو القلبُ، فإذا برَّ القلبُ واتَّقى برَّت الجوارحُ، وإذا فجر القلب، فجرت الجوارحُ، كما قال النبيُّ ﷺ : "التقوى هاهنا"، وأشار إلى صدره (١). قوله: "يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإنسَكُم وجنَّكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ، فسألوني، فأعطيتُ كلَّ إنسانٍ مسألته، ما نقصَ ذلك ممَّا عندي إلَّا كما ينقصُ المِخْيَطُ إذا أُدخِلَ البحرَ" المرادُ بهذا ذكرُ كمال قدرته سبحانه، وكمال

стр. 565

ملكه، وأن مُلكَهُ وخزائنَه لا تَنفَدُ، ولا تَنقُصُ بالعطاء، ولو أعطى الأوَّلين والآخرين من الجنِّ والإنس جميعَ ما سألوه في مقامٍ واحدٍ، وفي ذلك حثٌّ للخلق على سؤالهِ وإنزالِ حوائجهم به، وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "يَدُ الله ملأى، لا تَغِيضُها نفقةٌ، سحَّاءُ الليلُ والنهارُ، أفرأيتم ما أنفقَ منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنَّه لم يَغِضْ ما في يَمينه" (١). وفي "صحيح مسلم" (٢) عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إذا دعا أَحَدُكم، فلا يَقُل: الَّلهمَّ اغفر لي إن شئتَ، ولكن ليعزم المسألَة، وليُعَظِّم الرَّغبةَ، فإنَّ الله لا يتعاظمُهُ شيءٌ". وقال أبو سعيدٍ الخدريُّ: إذا دعوتُم الله، فارفعوا في المسألة، فإنَّ ما عنده لا يَنْفَدُه شيء، وإذا دعوتم فاعزموا، فإنَّ الله لا مستكره له. وفي بعض الآثار الإسرائيلية: يقول الله : أيُؤَمَّلُ غيري للشدائد والشدائد بيدي وأنا الحيُّ القيُّوم؟ ويُرجى غيري، ويُطرق بابُه بالبكرات، وبيدي مفاتيحُ الخزائنِ، وبابي مفتوحٌ لمن دعاني؟ من ذا الذي أمَّلني لنائبة فقطعت به؟ أو مَنْ ذا الذي رجاني لعظيم، فقطعت رجاءه؟ أو مَنْ ذا الذي طرق بابي، فلم أفتحه له؟ أنا غايةُ الآمالِ، فكيف تنقطعُ الآمالُ دوني؟ أبخيلٌ أنا فيبخِّلُني عبدي؟ أليس الدُّنيا والآخرة والكرم والفضلُ كُلُّه لي؟ فما يمنع المؤمِّلين أن يؤمِّلوني؟ لو جمعتُ أهل السماوات والأرض، ثم أعطيتُ كلَّ واحدٍ منهم ما أعطيتُ الجميعَ، وبلَّغْتُ كلَّ واحدٍ منهم أملَه، لم يَنقُصْ ذلك مِنْ مُلكي عضو ذرَّةٍ، كيف ينقُصُ ملكٌ أنا قَيِّمُه؟ فيا بؤسًا للقانطين من رحمتي، ويا بؤسًا لمن عصاني وتوثَّب على محارمي.

стр. 566

وقوله: "لم ينقص ذلك ممَّا عندي إلَّا كما يَنقُصُ المِخيَطُ إذا أدخل البحر": تحقيق لأن ما عنده لا ينقُصُ البتَّة، كما قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، فإنَّ البحرَ إذا غُمِسَ فيه إبرةٌ، ثم أُخرجتْ، لم ينقص من البحر بذلك شيءٌ، وكذلك لو فرض أنَّه شرب منه عصفورٌ مثلًا، فإنَّه لا ينقص البحر البتة، ولهذا ضربَ الخضرُ لموسى ﵉ هذا المثل في نسبة علمهما إلى علم الله (١)، وهذا لأنَّ البحر لا يزال تمدُّهُ مياه الدُّنيا وأنهارُها الجاريةُ، فمهما أُخِذَ منه، لم يَنقُصْهُ شيءٌ، لأنه يمدُّه ما هو أزيدُ ممَّا أخذ منه، وهكذا طعامُ الجنَّة وما فيها، فإنَّه لا ينفدُ، كما قال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢ - ٣٣]، وقد جاء: "أنَّه كلَّما نُزِعت ثمرةٌ، عاد مكانها مثلُها" وروي: "مثلاها" (٢)، فهي لا تنقُصُ أبدًا ويشهد لذلك قولُ النبيِّ ﷺ في خطبة الكسوف: "وأريت الجنَّة، فتناولتُ منها عنقودًا، ولو أخذتُه، لأكلتُم منه ما بَقِيتِ الدُّنيا" خرَّجاه في "الصحيحين" من حديث ابن عباس (٣)، وخرَّجه الإمام أحمد من حديث جابرٍ، ولفظه: "ولو أتيتكم

стр. 567

به، لأكل منه مَنْ بينَ السَّماءِ والأرض، لا يَنقصُونَه شيئًا" (١). وهكذا لحمُ الطَّيرِ الذي يأكلُه أهل الجنَّة يستخلف ويعودُ كما كان حيًا لا ينقص منه شيءٌ (٢)، وقد روي هذا عن النبيِّ ﷺ من وجوه فيها ضعف، وقاله كعبٌ. وروي أيضًا عن أبي أمامة الباهلي من قوله، قال أبو أمامة: وكذلك الشرابُ يشرب حتى ينتهي نفَسُه، ثم يعودُ مكانَه. ورؤي بعض العلماء الصالحين بعدَ موته بمدَّة في المنام فقال: ما أكلت منذ فارقتكم إلَّا بعضَ فرخٍ، أما علمتم أنَّ طعامَ الجنة لا ينفَدُ؟ وقد بيَّن في الحديث الَّذي خرَّجه الترمِذيُّ وابنُ ماجَه السبب الذي لأجله لا ينقصُ ما عندَ اللهِ بالعطاء بقوله: "ذلك بأنِّي جوادٌ واجدٌ ماجدٌ، أفعلُ ما أُريدُ، عطائي كلامٌ، وعذابي كلامٌ، إنَّما أمري لشيءٍ إذا أردتُ أن أقولَ له: كن فيكون" (٣) وهذا مثلُ قوله : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].

стр. 568

وفي "مسند البزار" (١) بإسناد فيه نظرٌ من حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: "خزائنُ اللهِ الكلامُ، فإذا أراد شيئًا، قال له: كن، فكان"، فهو سبحانه إذا أراد شيئًا من عطاءٍ أو عذابٍ أو غير ذلك، قال له: كن، فكان، فكيف يتصوَّرُ أن يَنقُصَ هذا؟ وكذلك إذا أراد أن يخلُق شيئًا، قال له: كن فيكون، كما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]. وفي بعض الآثار الإسرائيلية: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: يا موسى لا تخافنَّ غيري ما دام ليَ السُّلطان، وسلطانِي دائمٌ لا ينقطعُ، يا موسى، لا تهتمَّنَّ برزقي أبدًا ما دامت خزائني مملوءةً، وخزائني مملوءةٌ لا تفنَى أبدًا، يا موسى لا تأنس بغيري ما وجدتَني أنيسًا لك، ومتى طلبتني وجدتني، يا موسى، لا تأمن مكري ما لم تَجُزِ الصِّراطَ إلى الجنة. وقال بعضهم: لا تَخضَعَنَّ لِمخلُوقٍ على طَمَعٍ … فإنَّ ذَاكَ مُضِرٌّ مِنْكَ بالدِّينِ واستَرْزِقِ الله مِمَّا في خَزائِنِهِ … فإنَّمَا هِيَ بَيْنَ الكَافِ والنُّونِ وقوله: "يا عبادي، إنَّما هي أعمالُكُم أحصيها لكم، ثم أُوَفِّيكُم إيَّاها" يعني: أنَّه سبحانه يُحصي أعمالَ عبادِه، ثمَّ يُوفيهم إياها بالجزاء عليها، وهذا كقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، وقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا

стр. 569

عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، وقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]. وقوله: "ثم أُوفِّيكُم إيَّاها" الظاهر أن المرادَ توفيتُها يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، ويحتمل أنَّ المرادَ: أنَّه يوفي عبادَه جزاءَ أعمالِهم في الدُّنيا والآخرة كما في قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه فسَّر ذلك بأنَّ المؤمنين يُجَازَوْن بسيِّئاتهم في الدُّنيا، وتدخر لهم حسناتُهم في الآخرة، فيوفَّوْن أجورها. وأما الكافر فإنَّه يعجل له في الدنيا ثواب حسناته، وتُدَّخر له سيئاته، فيعاقب بها في الآخرة. وتوفية الأعمال هي توفية جزائها من خيرٍ أو شرٍّ، فالشرُّ يُجازى به مثلَه من غير زيادةٍ، إلَّا أن يعفوَ الله عنه، والخيرُ تُضاعف الحسنة منه بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعافٍ كثيرةٍ لا يعلم قدرها إلا الله، كما قال : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. وقوله: "فمن وجد خيرًا، فليحمَدِ الله، ومن وجدَ غيرَ ذلك، فلا يلومَنَّ إلا نفسه" إشارةٌ إلى أنَّ الخيرَ كلِّه من الله فضلٌ منه على عبدِه، من غير استحقاقٍ له، والشرُّ كلُّه من عند ابن آدم من اتِّباعِ هوى نفسه، كما قال : ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، وقال عليٌّ ﵁: لا يرجونَّ عبدٌ إلا ربه، ولا يخافنَّ إلا ذنبه، فالله سبحانه إذا أراد توفيقَ عبد وهدايته، أعانه ووفَّقه لطاعته، فكان ذلك فضلًا منه، وإذا أراد خِذلانَ عَبدٍ، وكلَهُ إلى نفسه، وخلَّى بينَه وبينَها، فأغواهُ الشيطانُ لغفلته عن ذكر اللهِ، واتَّبع هواه، وكان أمره فُرُطًا، وكان ذلك عدلًا منه، فإنَّ الحجَّةَ قائمةٌ على العبدِ بإنزالِ الكتاب، وإرسال الرسول، فما بقي لأحدٍ مِنَ النَّاس على الله حجةٌ بعد الرُّسُلِ. فقوله بعد هذا: "فمن وجد خيرًا، فليحمدِ الله، ومن وجدَ غيرَ ذلك، فلا

стр. 570

يلومنَّ إلَّا نفسَه" إن كان المرادُ: مَنْ وجدَ ذلك في الدُّنيا، فإنَّه يكونُ حينئذٍ مأمورًا بالحمد لله على ما وجده من جزاءِ الأعمال الصالحة الذي عجل له في الدُّنيا كما قال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، ويكون مأمورًا بلوم نفسه على ما فَعَلَتْ من الذنوب التي وجد عاقبتها في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]، فالمؤمن إذا أصابه في الدُّنيا بلاءٌ، رجع على نفسه باللوم، ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى الله بالتوبة وإلاستغفار، وفي "المسند" (١) و"سنن أبي داود" عن النبيِّ ﷺ قال: "إن المؤمنَ إذا أصابه سَقَمٌ، ثمَّ عافاه الله منه، كان كفَّارةً لما مضى مِنْ ذُنوبه، وموعظةً له فيما يستقبلُ من عمره، وإنَّ المنافق إذا مرض، وعوفي، كان كالبعيرِ عَقَلَه أهلُه، وأطلقوه، لا يدري لِمَ عقلوه ولا لِمَ أطلقوه". وقال سلمان الفارسي: إنَّ المسلمَ ليُبتلى، فيكون كفارةً لما مضى ومستعتبًا فيما بقي، وإن الكافر يُبتلى، فمثله كمثل البعير أُطلِقَ، فلم يدر لم أطلق، وعقل فلم يدر لم عُقِلَ؟ وإن كان المرادُ من وجد خيرًا أو غيرَه في الآخرة، كان إخبارًا منه بأن الذين يجدون الخيرَ في الآخرة يحمَدُونَ الله على ذلك، وأنَّ مَنْ وجدَ غيرَ ذلك يلوم نفسَه حين لا ينفعُهُ اللومُ، فيكونُ الكلام لفظه لفظُ الأمر، ومعناه الخبرُ، كقوله

стр. 571

- ﷺ : "مَنْ كَذَب عليَّ متعمدًا، فليتبوَّأ مقعده من النار" (١) والمعنى: أن الكاذبَ عليه يتبوَّأُ مقعده من النار. وقد أخبر الله تعالى عن أهل الجنة أنَّهم يحمَدُون الله على ما رزقهم من فضله، فقال: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقال: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقال: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٤ - ٣٥]، وأخبر عن أهل النار أنَّهم يلومون أنفسَهم، ويمقتُونها أشدَّ المقت، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠]. وقد كان السلفُ الصالح يجتهدون في الأعمال الصالحة؛ حذرًا من لوم النفس عند انقطاع الأعمال على التقصير. وفي "الترمذي" (٢) عن أبي هريرة مرفوعًا: "ما مِنْ مَيِّتٍ يموتُ إلَّا ندم، إن كان محسنًا، ندم على أن لا يكونَ ازداد، وإن كان مسيئًا، ندم أن لا يكون استعتب". وقيل لمسروق: لو قصرتَ عن بعض ما تصنع من الاجتهاد، فقال: والله

стр. 572

لو أتاني آت، فأخبرني أن لا يعذبني، لاجتهدت في العبادة، قيل: كيف ذاك؟ قال: حتى تَعْذِرني نفسي إن دخلت النار أن لا ألومها، أما بلغك في قول الله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] إنَّما لاموا أنفسهم حين صاروا إلى جهنَّمَ، فاعتنقتهم الزَّبانيةُ، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، وانقطعت عنهم الأماني، ورفعت عنهم الرحمة، وأقبل كلُّ امرئٍ منهم يلومُ نفسَه. وكان عامر بن عبد قيس يقول: والكه لأجتهدنَّ ثم والله لأجتهدنَّ، فإن نجوت فبرحمة الله، وإلا لم ألم نفسي (١). وكان زياد مولى ابن عياش يقول لابن المنكدر ولصفوانَ بن سُليم: الجدَّ الجدَّ والحذَرَ الحَذَرَ، فإن يكن الأمرُ على ما نرجو، كان ما عمِلتُما فضلًا، وإلَّا، لم تلوما أنفسكما. وكان مُطرِّف بن عبد الله يقول: اجتهدوا في العمل، فإن يكن الأمرُ كما نرجوا من رحمة الله وعفوه، كانت لنا درجات في الجنة، وإن يكن الأمرُ شديدًا كما نخاف ونُحاذِرُ، لم نقل: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧]، نقول: قد عملنا فلم ينفعنا ذلك.

стр. 573

الحديث الخامس والعشرون عَنْ أبي ذَرٍّ ﵁ أنَّ ناسًا مِنْ أَصْحَابِ رسولِ اللهِ ﷺ قالُوا لِلنَّبيِّ ﷺ : يا رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بالأجورِ، يُصلُّونَ كَما نُصَلِّي، ويَصومُونَ كَمَا نَصُومُ، ويَتَصدَّقُونَ بفُضُولِ أَموالِهمْ، قالَ: "أَوليسَ قَدْ جَعَلَ الله لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إنَّ بِكُلِّ تَسبيحةٍ صَدقَةً، وكُلِّ تَكْبيرةٍ صَدقَةً، وكُلِّ تَحْميدةٍ صَدقَةً، وكُلِّ تَهْليلَةٍ صَدقَةً، وأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ صَدَقةٌ، ونَهْي عَنْ مُنكَرٍ صَدَقَةٌ، وفي بُضْعِ أحَدِكُم صَدَقَةٌ". قالوا: يا رسولَ اللهِ، أيأتِي أحدُنا شَهْوَتَهُ ويكونُ لهُ فيها أَجْرٌ؟ قال: "أرأيتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الحرام، أَكانَ عَلَيهِ وِزْرٌ؟ فكذلك إذا وضَعَها في الحلالِ كان لهُ أَجْرٌ". رَواهُ مُسلمٌ (١). هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الدِّيْلي، عن أبي ذرٍّ ﵁، وقد روي معناه عن أبي ذرٍّ من وجوه كثيرةٍ بزيادةٍ ونقصان، وسنذكر بعضها فيما بعد إن شاء الله تعالى. وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ الصحابة ﵃ لِشدّة حرصهم على الأعمال الصالحة، وقوة رغبتهم في الخير كانوا يحزنون على ما يتعذر عليهم فعلُه من الخير ممَّا يقدر عليه غيرهم، فكان الفقراء يَحزَنُونَ على فواتِ الصَّدقة بالأموال التي يَقدِرُ عليها الأغنياء، ويحزنون على التخلُّف عن الخروجِ

стр. 574

في الجهاد، لعدم القدرة على آلته، وقد أخبر الله عنهم بذلك في كتابه، فقال: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢]. وفي هذا الحديث: أن الفقراء غَبَطوا أهلَ الدُّثور - والدُّثور: هي الأموال - بما يحصُلُ لهم مِنْ أجرِ الصدقة بأموالهم، فدلَّهمُ النبيُّ ﷺ على صدقاتٍ يقدِرُون عليها. وفي "الصحيحين" (١) عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة أنَّ فقراءَ المهاجرين أتَوا النبيَّ ﷺ ، فقالوا: ذَهَبَ أهلُ الدُّثورِ بالدرجاتِ العُلى والنعيمِ المقيمِ، فقال: "وما ذاك؟ " قالوا: يُصلُّون كما نُصلِّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدَّقون ولا نتصدَّق، ويَعتِقون ولا نَعتِق، فقال رسولُ الله ﷺ : "أفلا أُعَلِّمُكم شيئًا تُدرِكُونَ به مَنْ قد سَبَقكُم، وتسبقونَ به من بَعدكم، ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم إلا مَنْ صنع مثل ما صنعتم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "تُسبِّحونَ وتُكبِّرونَ وتحمَدُونَ دُبُرَ كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين مرَّة"، قال أبو صالح: فرجع فقراءُ المهاجرين إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: سمع إخواننا أهلُ الأموالِ بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسولُ الله ﷺ : ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤]. وقد روي نحو هذا الحديث من رواية جماعة من الصحابة منهم عليّ (٢)،

стр. 575

وأبو ذرٍّ، وأبو الدرداء (١)، وابن عمر (٢)، وابن عباس، وغيرهم. ومعنى هذا أنَّ الفقراء ظنُّوا أن لا صدقةَ إلَّا بالمال، وهم عاجزون عن ذلك، فأخبرهُم النبيُّ ﷺ أن جميعَ أنواع فعلِ المعروف والإحسان صدقة. وفي "صحيح مسلم" (٣) عن حذيفة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "كلُّ معروفٍ صدقةٌ". وخرَّجه البخاري (٤) من حديث جابر عن النبيِّ ﷺ . فالصدقة تُطلق على جميع أنواع فعل المعروف والإِحسان، حتَّى إنَّ فضل الله الواصل منه إلى عبادة صدقة منه عليهم. وقد كان بعضُ السلف يُنكر ذلك، ويقول: إنَّما الصَّدَقة ممَّن يطلُبُ جزاءها وأجرَها، والصَّحيحُ خلافُ ذلك، وقد قال النبيُّ ﷺ في قصر الصَّلاة في السفر: "صدقةٌ تصدَّقَ اللهُ بها عليكم، فاقبلوا صدقتَه" خرَّجه مسلم (٥)، وقال: من كانت له صلاة بليلٍ، فغلب عليه نومٌ فنام عنها، كتب الله له أجرَ صلاتِه،

стр. 576

وكان نومُه صدقةً مِنَ اللهِ تصدَّق بها عليه". خرَّجه النسائي وغيرُه من حديث عائشة، وخرَّجه ابن ماجه من حديث أبي الدرداء (١). وفي "مسندي" بقي بن مخلد والبزار من حديث أبي ذرٍّ مرفوعًا: "ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا لله فيها صدقة يَمُنُّ بها على مَنْ يشاءُ مِنْ عِباده، وما منَّ الله على عبد مثلَ أن يُلهِمَهُ ذكره" (٢). وقال خالدُ بن معدان: إن الله يتصدَّقُ كلَّ يوم بصدقة، وما تصدَّق الله على أحد من خلقِه بشيءٍ خيرٍ من أن يتصدَّق عليه بذكره. والصدقة بغير المال نوعان: أحدهما: ما فيه تعدية الإِحسان إلى الخلق، فيكون صدقةً عليهم، وربما كان أفضلَ من الصدقة بالمال، وهذا كالأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، فإنَّه دُعاءٌ إلى طاعة الله، وكفٌّ عن معاصيه، وذلك خيرٌ من النَّفع بالمال، وكذلك تعليمُ العلم النافع، وإقراءُ القرآن، وإزالةُ الأذى عن الطريق، والسعيُ في جلب النفع للناس، ودفعُ الأذى عنهم. وكذلك الدُّعاءُ للمسلمين والاستغفارُ لهم. وخرَّج ابنُ مردويه بإسنادٍ فيه ضعفٌ عن ابن عمر مرفوعًا: "مَنْ كانَ له مالٌ، فليتصدَّق من ماله، ومن كان له قوَّةٌ، فليتصدَّق من قوَّته، ومن كان له عِلْمٌ، فليتصدَّق من عِلْمِه" (٣) ولعله موقوف.

стр. 577

وخرَّج الطبراني بإسناد فيه ضعف عن سَمُرَة، عن النبيِّ ﷺ قال: "أفضلُ الصدقة اللسانُ" قيل: يا رسول الله وما صدقةُ اللسان؟ قال: "الشفاعةُ تَفُكُّ بها الأسيرَ، وتحقِنُ بها الدَّم، وتَجُرُّ بها المعروف والإحسان إلى أخيك، وتدفعُ عنه الكريهة" (١). وقال عمرو بنُ دينار: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "ما مِنْ صدقةٍ أحبَّ إلى الله من قول، ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] " خرَّجه ابن أبي حاتم (٢). وفي مراسيل الحسن عن النبيِّ ﷺ : "إن مِنَ الصَّدقة أن تسلِّم على النَّاس وأنت طليق الوجه" خرَّجه ابن أبي الدُّنيا. وقال معاذ: تعليمُ العلم لمن لا يعلمه صدقةٌ (٣). وروي مرفوعًا. ومن أنواع الصدقة: كفُّ الأذى عن النَّاسِ، ففي "الصحيحين" عن أبي ذرٍّ قال: قلت: يا رسول الله أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمانُ والجهادُ في سبيله"، قلت: فأيُّ الرِّقاب أفضلُ؟ قال: "أنفسُها عندَ أهلها وأكثرها ثمنًا" قلت: فإن لم أفعل؟ قال: "تُعين صانعًا، وتصنع لأخرقَ". قلتُ: يا رسولَ الله، أرأيتَ إن ضَعُفْتُ عن بعض العمل؟ قال: "تكفَّ شرَّك عَن النَّاس، فإنَّها صدقةٌ" (٤).

стр. 578

وقد رُوِيَ في حديث أبي ذرٍّ زياداتٌ أخرى، فخرَّج الترمذي (١) من حديث أبي ذرٍّ عن النبيِّ ﷺ قال: "تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقةٌ، وأمرُك بالمعروف، ونهيُك عن المنكر صدقةٌ، وإرشادُك الرَّجُلَ في أرض الضَّلال لك صدقةٌ، وإماطتُك الحجرَ والشَّوكَ والعظمَ عن الطَّريق لك صدقةٌ، وإفراغُكَ من دلوِكَ في دلوِ أخيكَ لك صدقة. وخرَّج ابن حبَّان في "صحيحه" (٢) من حديث أبي ذرٍّ أن رسول الله ﷺ قال: "لَيْسَ من نفسِ ابن آدم إلَّا عليها صدقةٌ في كلِّ يوم طلَعت فيه الشَّمسُ". قيل: يا رسول الله، ومن أين لنا صدقة نتصدَّقُ بها؟ قال: "إن أبواب الخير لكثيرةٌ: التسبيحُ، والتكبير، والتحميد، والتهليل، والأمر بالمعروف، والنَّهيُ عن المنكرِ، وتميطُ الأذى عن الطَّريقِ، وتُسمعُ الأصمَّ، وتهدي الأعمى، وتدُلُّ المستَدِلَّ على حاجته، وتسعى بشدَّةِ ساقيكَ مع اللَّهفان المستغيثِ، وتحمِلُ بشدّةِ ذراعيكَ مع الضَّعيف، فهذا كُلُّه صدقةٌ منكَ على نفسك". وخرَّج الإمام أحمد (٣) من حديث أبي ذرٍّ قال: قلتُ: يا رسولَ الله ذهبَ الأغنياءُ بالأجر، يتصدَّقون ولا نتصدَّق، قال: "وأنت فيك صدقةٌ: رفعُك العظمَ عَنِ الطَّريقِ صَدقةٌ، وهدايتُكَ الطَّريقَ صدقةٌ، وعونُكَ الضَّعيفَ بفضلِ قوَّتك صدقةٌ، وبيانُك عن الأَغتَم (٤) صدقةٌ، ومباضعتُك امرأتَك صدقةٌ"، قلت: يا

стр. 579

رسول الله، نأتي شهوتنا ونؤجر؟! قال: "أرأيت لو جعله في حرام، أكان يأثَمُ؟ " قال: قلتُ: نعم، قال: "أفتحتسبون بالشرّ ولا تحتسبون بالخير؟ " وفي رواية أخرى (١)، فقال النبيُّ ﷺ : "إنَّ فيك صدقةً كثيرةً، فذكر فضلَ سمعك وفضل بصرك" وفي رواية أخرى للإِمام أحمد (٢): قال: "إن من أبواب الصدقةِ التَّكبير وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وأستغفر الله، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتَعْزِلُ الشوكةَ عَنْ طريق الناس والعظم والحجر، وتهدي الأعمى، وتُسمع الأصمَّ والأبكم حتى يفقَه، وتدلُّ المستدلَّ على حاجةٍ له قد علمتَ مكانَها، وتسعى بشدَّةِ ساقيك إلى اللَّهفان المستغيثِ، وترفَعُ بشدَّة ذراعَيْكَ مَعَ الضعيف، كلُّ ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك، ولك في جماعِكَ زوجتك أجرٌ"، قلت: كيف يكونُ لي أجر في شهوتي؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "أرأيت لو كان لك ولدٌ، فأدرك ورجوتَ خيرَه، فمات، أكنت تحتسب به؟ قلت: نعم، قال: فأنت خلقته؟ قلت: بل الله خلقَه، قال: فأنت هديته؟ قلت: بل الله هداه، قال: فأنت كنت ترزُقُه؟ قلت: بل الله كان يرزقُه، قال: كذلك فضعه في حلاله وجنبه حرامه، فإنَّ شاء الله أحياه، وإن شاءَ أماته، ولك أجر". وظاهرُ هذا السياق يقتضي أنَّه يُؤْجَرُ على جِماعِه لأهله بنيَّةِ طلب الولد الذي يترتَّبُ الأجر على تربيته وتأديبه في حياته، ويحتسبه عند موته، وأمَّا إذا لم يَنْوِ شيئًا بقضاءِ شهوته، فهذا قد تنازع الناسُ في دخوله في هذا الحديث.

стр. 580

وقد صحَّ الحديث بأنَّ نفقة الرجل على أهله صدقة، ففي "الصحيحين" عن أبي مسعود الأنصاري، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "نفقةُ الرجل على أهله صدقةٌ". وفي رواية لمسلم: "وهو يحتسبها"، وفي لفظ للبخاري: "إذا أنفقَ الرجلُ على أهله وهو يحتسبها، فهو له صدقة" (١)، فدل على أنَّه إنَّما يؤجرُ فيها إذا احتسبها عند اللهِ كما في حديث سعد بن أبي وقاص، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إنك لن تُنفِقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ اللهِ إلَّا أُجِرْتَ عليها، حتى اللُّقمة ترفعُها إلى في امرأتك" خرَّجاه (٢). وفي "صحيح مسلم" (٣) عن ثوبان عن النبيِّ ﷺ ، قال: "أفضلُ الدنانير دينارٌ ينفقُه الرَّجلُ على عيالِه، ودينارٌ ينفقه على فرس في سبيل الله، ودينارٌ ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله" قال أبو قِلابة عند رواية هذا الحديث: بدأ بالعيال، وأيُّ رجلٍ أعظمُ أجرًا من رجل ينفقُ على عيال له صغار يُعِفُّهم الله به، ويُغنيهم الله به. وفيه أيضًا (٤) عن سعد عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ نفقتك على عيالِكَ صدقة، وإنَّ ما تأكلُ امرأتُك من مالك صدقة". وهذا قد ورد مقيدًا في الرواية الأخرى بابتغاء وجه الله. وفي "صحيح مسلم" (٥) عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "دينار أنفقتَه في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينارٌ تصدقت به على

стр. 581

مسكينٍ، ودينارٌ أنفقته على أهلك، أفضلُّها الدِّينارُ الذي أنفقته على أهلك". وخرَّج الإمام أحمد، وابنُ حبان في "صحيحه" من حديث أبي هُريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "تصدَّقُوا"، فقال رجلٌ: عندي دينار، فقال: "تصدَّق به على نفسك "قال: عندي دينارٌ آخر، قال: "تصدَّق به على زوجتك"، قال: عندي دينارٌ آخر، قال: "تصدَّق به على وَلَدِكَ"، قال: عندي دينارٌ آخرُ، قال: "تصدَّقْ به على خادمك"، قال: عندي دينارٌ آخر، قال: "أنت أبصرُ" (١). وخرَّج الإمام أحمد (٢) من حديث المقدام بن معد يكرب، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ما أَطْعَمْتَ نفسَك، فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدكَ، فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك، فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمَك، فهو لك صدقة" وفي هذا المعنى أحاديثُ كثيرة يطول ذكرها. وفي "الصحيحين" عن أنس، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ما مِنْ مسلمٍ يَغرِسُ غَرْسًا، أو يزرعُ زرعًا، فيأكلُ منه إنسانٌ أو طيرٌ أو دابَّةٌ، إلا كان له صدقةٌ" (٣). وفي "صحيح مسلم" (٤) عن جابر عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ما من مسلمٍ يغرِسُ غرسًا إلا كان ما أكلَ منه له صدقة، وما سُرِقَ منه له صدقة، وما أَكَلَ السَّبعُ منه، فهو له صدقة، وما أكلتِ الطَّير، فهو له صدقةٌ، ولا يرزؤُه أحدٌ إلا كان له صدقة". وفي رواية له أيضًا: "فيأكل منه إنسانٌ، ولا دابة، ولا طائر إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة".

стр. 582

وفي "المسند" (١) بإسنادٍ ضعيف عن معاذ بن أنس الجُهني عن النبيِّ ﷺ قال: "من بَنى بنيانًا في غير ظلم ولا اعتداءٍ، أو غرس غِراسًا في غير ظلم ولا اعتداء، كان له أجرًا جاريًا ما انتفع به أحدٌ من خلق الرحمن". وذكر البخاري في "تاريخه" (٢) من حديث جابر مرفوعًا: "مَنْ حَفَر ماءً لم تشرب منه كبد حرَّى من جنٍّ ولا إنسٍ ولا سَبُعٍ ولا طائرٍ إلا آجره الله يومَ القيامة". وظاهر هذه الأحاديث كلّها يدلُّ على أن هذه الأشياء تكونُ صدقة يُثاب عليها الزارعُ والغارسُ ونحوهما من غير قصدٍ ولا نية، وكذلك قولُ النبيِّ ﷺ : "أرأيت لو وضعها في الحرام، أكان عليه وِزْرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ" يدلُّ بظاهره على أنَّه يُؤْجَرُ في إتيان أهله من غير نيَّةٍ، فإنَّ المُباضِع لأهله كالزَّارع في الأرض الذي يحرث الأرض ويبذر فيها، وقد ذهب إلى هذا طائفةٌ من العلماء، ومال إليه أبو محمد بن قتيبة في الأكل والشُّرب والجماع، واستدل بقول النبيِّ ﷺ : "إن المؤمنَ ليؤجَرُ في كلِّ شيءٍ حتَّى في اللُّقمة يرفعها إلى فيه". وهذا اللّفظ الذي استدلَّ به غيرُ معروف، إنَّما المعروف قولُ النبيِّ ﷺ لسعد: "إنَّكَ لن تنفِقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ اللهِ إلا أُجِرتَ عليها، حتَّى اللقمة ترفعُها إلى في امرأتك" (٣)، وهو مقيَّدٌ بإخلاص النيّة لله، فتحمل الأحاديثُ المطلقة عليه؛ والله أعلم. ويدلُّ عليه أيضًا قولُ الله : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ

стр. 583

أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]، فجعل ذلك خيرًا، ولم يرتِّب عليه الأجرَ إلا مع نية الإخلاصِ. وأمَّا إذا فعله رياءً، فإنَّه يُعاقب عليه، وإنما مَحَلُّ التردُّد إذا فعله بغيرِ نيَّةٍ صالحةٍ ولا فاسدة. وقد قال أبو سليمان الداراني: من عَمِلَ عَمَلَ خيرٍ من غير نية كفاه نيَّة اختيارهِ للإِسلام على غيرهِ مِنَ الأديان (١)، وظاهر هذا أنَّه يُثاب عليه من غيرِ نيّةٍ بالكلية، لأنَّه بدخوله في الإِسلام مختارٌ لأعمالِ الخيرِ في الجُملة، فيثابُ على كلِّ عمل يعملُه منها بتلك النية، والله أعلم. وقوله: "أرأيت لو وضعها في الحرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال، كان له أجر". هذا يُسمَّى عند الأصوليين قياسَ العكس، ومنه قولُ ابن مسعودٍ، قال النبيُّ ﷺ كلمةً وقلتُ أنا أخرى، قال: "من مات يُشرِكُ باللهِ شيئًا دخل النار"، وقلت: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة (٢). والنوع الثاني من الصدقة التي ليست مالية: ما نفعُه قاصرٌ على فاعله، كأنواع الذِّكر: مِنَ التَّكبير، والتَّسبيح، والتَّحميد، والتَّهليل، والاستغفار، وكذلك المشيُ إلى المساجدِ صدقة، ولم يذكر في شيءٍ من الأحاديث الصَّلاة والصيام والحج والجهاد أنَّه صدقة، وأكثرُ هذه الأعمال أفضلُ من الصَّدقاتِ الماليَّة، لأنَّه إنَّما ذكر ذلك جوابًا لسؤالِ الفُقراء الَّذينَ سألوه عمَّا يُقاوم تطوَّع الأغنياء بأموالهم، وأما الفرائض، فقد كانوا كلهم مشتركين فيها. وقد تكاثرتِ النُّصوصُ بتفضيل الذكر على الصدقة بالمال وغيرها من

стр. 584

الأعمال، كما في حديث أبي الدرداء، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ألا أنبِّئُكُم بخيرِ أعمالكم، وأزكاها عند مليكِكُم، وأرفعِها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والفِضة، وخيرٍ لكم من أن تَلْقَوا عدوَّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "ذكرُ اللهِ " خرَّجه الإِمام أحمد والترمذي، وذكره مالك في "الموطأ" موقوفًا على أبي الدرداء (١). وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ قال: لا إله إلا الله وحدَه لا شَريكَ له، له الملكُ، وله الحمدُ، يُحيي ويُميت، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ في يوم مئة مرَّة، كانت له عَدْلَ عشر رقاب، وكُتبت له مئة حسنةٍ، ومُحيت عنه مئة سيئةٍ، وكانت له حِرْزًا من الشَّيطان يومَه ذلك حتَّى يُمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ ممَّا جاءَ به إلَّا أحدٌ عَمِلَ أكثرَ من ذلك" (٢). وفيهما أيضًا عن أبي أيوبَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "من قالها عشرَ مرَّاتٍ، كان كمن أعتقَ أربعةَ أنفُسٍ مِنْ ولدِ إسماعيل" (٣). وخرَّج الإمام أحمد، والترمذي من حديث أبي سعيدٍ أن النبيَّ ﷺ سُئِلَ: أيُّ العباد أفضلُ درجة عندَ اللهِ يومَ القيامة؟ قال: "الذاكرون الله كثيرًا" قلتُ:

стр. 585

يا رسولَ الله، ومِنَ الغازي في سبيل الله؟، قال: "لو ضرب بسيفه في الكُفَّار والمشركين حتَّى ينكسر ويختضب دمًا، لكان الذاكرون لله أفضلَ منه درجةً" (١). ويُروى نحوه من حديث معاذ وجابر مرفوعًا، والصوابُ وقفُه على معاذ من قوله (٢). وخرَّج الطبراني من حديث أبي الوازع، عن أبي بُردة، عن أبي موسى، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لو أن رجلًا في حجره دراهمُ يقسِمُها، وآخرَ يذكر الله، كان الذاكر لله أفضلَ" (٣). قلت: الصحيحُ عن أبي الوازع عن أبي برزة الأسلمي من قولِه. خرَّجه جعفر الفريابي (٤). وخرَّج أيضًا من حديث أنس، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "من كبَّرَ مئة، وسبَّح

стр. 586

مئة، وهلَّل مئة، كانت خيرًا له من عشر رِقابٍ يَعْتِقُها، ومن سبع بَدَناتٍ ينحَرها" (١). وخرَّج ابن أبي الدُّنيا بإسناده عن أبي الدرداء أنه قيل له: إنَّ رجلًا أعتق مئة نسمة، فقال: إن مئة نسمة من مالِ رجلٍ كثيرٌ، وأفضلُ من ذلك إيمانٌ ملزومٌ باللَّيل والنَّهار، وأن لا يزال لسانُ أحدكم رطبًا من ذكرِ الله . وعن أبي الدَّرداء أيضًا، قال: لأن أقولَ: الله أكبرُ مئة مرة، أحبُّ إليَّ من أن أتصدَّق بمئة دينار (٢). وكذلك قال سلمان الفارسي وغيرُه من الصَّحابة والتابعين: إنَّ الذِّكرَ أفضلُ من الصَّدقة بعددِه من المال. وخرَّج الإمامُ أحمد والنسائي من حديث أمِّ هانئ أن النبيَّ ﷺ قال لها: "سَبِّحي الله مئة تسبيحة، فإنَّها تَعدِلُ مئة رقبة من ولد إسماعيل، واحمدي الله مئة تحميدة، فإنها تَعدِلُ لكِ مئة فرس مُلجَمة مُسرَجة تحملين عليهنَّ في سبيل الله، وكبِّري الله مئة تكبيرة، فإنَّها تعدِلُ لك مئة بَدَنة مقلَّدة مُتَقبَّلة، وهلِّلي الله مئة تهليلة - لا أحسبه إلا قال: - تملأ ما بَيْنَ السماء والأرض، ولا يُرفَع يومئذٍ لأحدٍ مثلُ عملك إلَّا أن يأتيَ بمثل ما أتيت" (٣)، وخرَّجه أحمد أَيضًا وابنُ ماجه، وعندهما: "وقولي: لا إله إلا الله مئة مرة، لا تذر ذنبًا، ولا يسبقها العمل" (٤).

стр. 587

وخرَّجه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدِّه عن النبي ﷺ بنحوه (١). وخرَّج الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعًا: قال: "ما صَدقةٌ أفضلَ من ذكرِ الله ". وخرَّج الفريابي بإسنادٍ فيه نظرٌ عن أبي أمامة مرفوعًا: "من فاته اللَّيلُ أن يُكابِدَه، وبَخِل بمالِه أن ينفِقه، وجَبُنَ مِنَ العدوِّ أن يُقاتِله، فليكثر فِي سُبحان الله وبحمده، فإنَّها أحبُّ إلى الله مِنْ جبلِ ذهبٍ، أوجبل فضةٍ يُنفقه في سبيل الله " (٢). وخرَّجه البزار (٣) بإسنادٍ مُقارب من حديث ابن عباس مرفوعًا وقال في حديثه: "فليكثر ذكر الله"، ولم يزِدْ على ذلك، وفي المعنى أحاديثُ أخَرُ متعدِّدة.

стр. 588

الحديث السادس والعشرون عَنْ أبي هُرَيرةَ، ﵁، قال: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عليهِ صَدَقةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمْسُ: تَعدِلُ بَينَ الاثنينِ صدَقَةٌ، وتُعينُ الرَّجُلَ في دابَّتِهِ، فتحمِلُهُ عليهَا، أو تَرْفَعُ لهُ عليها مَتاعَهُ صَدَقةٌ، والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقةٌ، وبكُلِّ خُطوةٍ تَمشيها إلى الصَّلاةِ صَدَقةٌ، وتُميطُ الأذى عَنِ الطريقِ صَدَقةٌ". روَاهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ (١). هذا الحديث خرَّجاه من رواية همَّام بن مُنَبِّه عن أبي هريرة، وخرَّجه البزار (٢) من رواية أبي صالح عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "الإِنسان ثلاث مئة وستون عظمًا، أو ستة وثلاثون سلامى، عليه في كلِّ يوم صدقةٌ" قالوا: فمن لم يجد؟ قال: "يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر" قالوا: فمن لم يستطع؟ قال: "يرفع عَظْمًا عن الطَّريقِ" قالوا: فمن لم يستطع؟ قال: "فليُعن ضعيفًا" قالوا: فمن لم يستطع ذلك؟ قال: "فليدع النَّاسَ مِنْ شَرِّه". وخرَّج مسلم من حديث عائشة عن النبيِّ ﷺ قال: "خُلِقَ ابنُ آدم على ستين وثلاث مئة مَفْصِل، فمن ذكر الله، وحَمِدَ الله، وهلَّل الله، وسبَّح الله، وعزل حجرًا عن طريق المسلمين، أو عزل شوكةً، أو عزل عظمًا، أو أمر بمعروفٍ، أو نهى عن منكر عددَ تلك الستين والثلاث مئة السُّلامى أمسى من يومه وقد زَحْزَحَ نفسه عن النَّارِ" (٣).

стр. 589

وخرَّج مسلم أيضًا من رواية أبي الأسود الدِّيلي عن أبي ذرٍّ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "يُصبح على كلِّ سُلامى مِن أحدكم صدقةٌ، فكلُّ تسبيحةٍ صدقةٌ، وكلُّ تحميدةٍ صدقة، وكلُّ تهليلةٍ صدقةٌ، وكلُّ تكبيرة صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عَن المُنكر صدقة، ويُجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضُّحى" (١). وخرَّج الإمام أحمد، وأبو داود من حديث بُريدة عن النبي ﷺ ، قال: "في الإنسان ثلاث مئة وستونَ مَفْصِلًا، فعليه أن يتصدَّقَ عن كلِّ مَفصِل منه بصدقة" قالوا: ومَن يُطيق ذلك يا نبى الله؟ قال: "النُّخَاعَةُ في المسجد تَدفنها، والشَّيء تُنَحِّيه عن الطريق، فإن لم تجد، فركعتا الضحى تجزئُك" (٢). وفي "الصحيحين" عن أبي موسى، عن النبيِّ ﷺ قال: "على كلِّ مسلم صدقة" قالوا: فإن لم يجد؟ قال: "فيعملُ بيده، فينفع نفسَه ويتصدَّقُ" قالوا: فإن لم يستطع، أو لم يفعل؟ قال: "يُعينُ ذا الحاجة الملهوف" قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: "فليأمر بالخير، أو قال: بالمعروف" قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: "فليُمسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فإنَّه له صدقة" (٣). وخرَّج ابن حبان في "صحيحه" (٤) من حديث ابن عباس عن النبيِّ ﷺ ، قال: "على كل مَنْسِمٍ من ابن آدم صدقة كُلَّ يوم" فقال رجل من القوم: ومن

стр. 590

يُطِيق هذا؟ قال: "أمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، والحملُ على الضَّعيف صدقة، وكلُّ خطوةٍ يخطوها أحدُكم إلى الصَّلاة صدقة". وخرَّجه البزار وغيره. وفي رواية: "على كل مِيسَم من الإنسان صدقة كل يوم أو صلاة" فقال رجل: هذا من أشدِّ ما أتيتنا به، فقال: "إنَّ أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر صلاة أو صدقة، وحملك عن الضعيف صلاة، وإنحاؤُكَ القذرَ عَنِ الطَّريق صلاة، وكلُّ خطوة تَخطوها إلى الصَّلاة صلاة". وفي رواية البزار: "وإماطةُ الأذى عَنِ الطَّريقِ صَدقة" أو قال: "صلاة". وقال بعضهم: يريد بالمِيسم كلَّ عضو على حِدة مأخوذ من الوسم: وهو العلامة، إذ ما مِنْ عظم ولا عرق ولا عَصَبٍ إلا وعليه أثَرُ صنعِ الله، فيجبُ على العبدِ الشكرُ على ذلك للهِ والحمد له على خلقه سويًا صحيحًا، وهذا هو المراد بقوله: "عليه صلاة كلَّ يوم"، لأن الصلاة تحتوي على الحمد والشكر والثناء. وخرَّج الطبراني من وجه آخر في ابن عباس رفع الحديث إلى النبيِّ ﷺ ، قال: "على كلِّ سُلامَى، أو على كلِّ عضوٍ من بني آدم في كلِّ يوم صدقة، ويُجزئ من ذلك ركعتا الضحى" (١). ويُروى من حديث أبي الدرداء عن النبيِّ ﷺ ، قال: "على كلِّ نفس في كلِّ يوم صدقة" قيل: فإن كان لا يجد شيئًا؟ قال: "أليس بصيرًا شهمًا فصيحًا صحيحًا؟ " قال: بلى، قال: "يُعطي من قليله وكثيره، وإنَّ بصرَك للمنقوصِ بصرُه صدقة، وإن سمعكَ للمنقوص سمعهُ صدقة" (٢). وقد ذكرنا في شرح الحديث الماضي - حديثَ أبي ذرٍّ - الذي خرَّجه ابن

стр. 591

حبان في "صحيحه" (١) أن النبيَّ ﷺ قال: "لَيسَ مِنْ نفسِ ابن آدم إلا عليها صدقةٌ في كلِّ يومٍ طلعت فيه الشمس"، قيل: يا رسولَ الله، ومن أين لنا صدقة نتصدَّقُ بها؟ قال: "إنَّ أبوابَ الخيرِ لكثيرةٌ: التَّسبيحُ، والتَّحميدُ، والتَّكبير، والتَّهليلُ، والأمرُ بالمعروف، والنَّهيُ عن المُنكر، وتُميط الأذى عن الطَّريق، وتُسمِعُ الأصمَّ، وتهدي الأعمى، وتدُلُّ المستدلَّ على حاجته، وتسعى بشدَّة ساقيك مع اللَّهفان المستغيث، وتحمل بشدَّةِ ذراعيك، معَ الضَّعيف، فهذا كلُّه صدقةٌ منكَ على نفسِكَ". فقوله ﷺ : "على كل سُلامى مِن الناس عليه صدقة". قال أبو عُبيد (٢): السُّلامى في الأصل عَظْمٌ يكون في فِرْسِنِ البعير، قال: فكأنَّ معنى الحديث: على كُلِّ عظم من عظام ابن آدم صدقةٌ، يُشير أبو عُبيد إلى أن السُّلامى اسمٌ لبعض العظام الصغار التي في الإبل، ثم عبر بها عن العظام في الجملة بالنسبة إلى الأدمي وغيره. فمعنى الحديث عنده: على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة. وقال غيرُه: السُّلامى: عظم في طرف اليد والرِّجلِ، وكنى بذلك عن جميع عظام الجسد، والسُّلامى جمع، وقيل: هو مفرد. وقد ذكر علماء الطبِّ أن جميعَ عظام البدن مئتان وثمانية وأربعون عظمًا سوى السِّمسمانيات، وبعضهم يقول: هي ثلاث مئة وستون عظمًا، يظهر منها للحسِّ مئتان وخمسة وستون عظمًا، والباقية صغارٌ لا تظهر تُسمى السمسمانية، وهذه الأحاديث تُصدق هذا القول، ولعلَّ السلامى عبر بها عن هذه العظام الصغار، كما أنها في الأصل اسم لأصغر ما في البعير من العظام، ورواية البزار لحديث أبي هريرة يشهد لهذا، حيث قال فيها: "أو ستةٌ وثلاثون سُلامى" وقد

стр. 592

خرَّجه غيرُ البزار، وقال فيه: "إنَّ في ابن آدمَ ست مئة وستين عظمًا" وهذه الرواية غلطٌ. وفي حديث عائشة وبُريدة ذكر ثلاث مئة وستين مفصلًا. ومعنى الحديث: أن تركيب هذه العظام وسلامتها مِن أعظم نِعَمِ الله على عبده، فيحتاج كلُّ عظم منها إلى صدقة يتصدق ابنُ آدم عنه، ليكونَ ذلك شكرًا لهذه النعمة. قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٦ - ٨]. وقال : ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣]، وقال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، وقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٨ - ٩]، قال مجاهد: هذه نِعَمٌ من الله متظاهرةٌ يقرِّرُكَ بها كيما تَشكُر (١)، وقرأ الفُضيلُ ليلةً هذه الآية، فبكى، فسئل عن بكائِهِ، فقال: هل بتَّ ليلة شاكرًا لله أن جعل لك عينين تُبصر بهما؟ هل بتَّ ليلة شاكرًا لله أن جعل لك لسانًا تنطق به؟ وجعل يعدِّد من هذا الضرب. وروى ابنُ أبي الدُّنيا (٢) بإسناده عن سلمانَ الفارسي، قال: إنَّ رجُلًا بُسِطَ له مِنَ الدُّنيا، فانتزع ما في يديه، فجعل يحمَدُ الله ، ويُثني عليه، حتَّى لم يكن له فراش إلا بوري (٣)، فجعل يَحمد الله، ويُثني عليه، وبسط للآخر من الدنيا، فقال لصاحب البُوري: أرأيتك أنتَ على ما تحمد الله ؟ قال: أحْمَدُ الله على ما لو أعْطِيتُ به ما أُعْطِيَ الخَلقُ، لم أعْطِهِمْ إيَّاه، قال:

стр. 593

وما ذاك؟ قال: أرأيتَ بصرَك؟ أرأيت لسانَك؟ أرأيت يديك؟ أرأيت رجليك؟ وبإسناده عن أبي الدرداء أنَّه كان يقول: الصِّحَّةُ غِنى الجسد (١). وعن يونس بن عبيد أن رجلًا شكا إليه ضِيقَ حاله، فقال له يونس: أيسُرُّك أن لك ببصرك هذا الذي تُبصِرُ به مئة ألف درهم؟ قال الرجل: لا، قال: فبيدك مئة ألف درهم؟ قال: لا، قال: فبرجليك؟ قال: لا، قال: فذكره نِعَمَ الله عليه، فقال يونس: أرى عندك مئين ألوفٍ وأنت تشكو الحاجة (٢). وعن وهب بن مُنَبِّهٍ، قال: مكتوبٌ في حكمة آل داود: العافية المُلك الخفيُّ (٣). وعن بكر المزني قال: يا ابن آدم، إن أردتَ أن تعلمَ قدرَ ما أنعمَ اللهُ عليك، فغمِّضْ عينيك (٤). وفي بعض الآثار: كم مِنْ نِعمَةٍ لله في عرقٍ ساكن (٥). وفي "صحيح البخاري" (٦) عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، قال: "نِعْمَتان مغبونٌ فيهما كثيرَ من الناس: الصِّحَّةُ والفراغ". فهذه النعم مما يُسألُ الإنسانُ عن شكرها يومَ القيامة، ويُطالب به كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. وخرَّج الترمذيُّ وابنُ حبانَ

стр. 594

من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ أوَّلَ ما يُسأل العبد عنه يوم القيامة مِن النعيم، فيقول له: ألم نصحَّ لك جسمَك، ونُرْويكَ من الماء البارد؟ " (١). وقال ابن مسعود ﵁: النعيمُ الأمنُ والصحة (٢). وروي عنه مرفوعًا (٣). وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، قال: النعيم: صحَّةُ الأبدان والأسماع والأبصار، يسأل الله العبادَ: فيما استعملوها؟ وهو أعلمُ بذلك منهم، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] (٤). وخرَّج الطبراني من رواية أيوب بن عُتبة - وفيه ضعف - عن عطاء، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله، كان لهُ بها عهدٌ عند الله، ومن قال: سبحان الله وبحمده، كتب له بها مئة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة" فقال رجل: كيف نَهلِكُ بعدَ هذا يا رسول الله؟ قال: "إنَّ الرجلَ ليأتي يومَ القيامة بالعمل، لو وُضِعَ على جبل لأثقله، فتقوم النعمَةُ مِن نعمِ اللهِ، فتكاد أن تستنفد ذلك كلَّه، إلَّا أن يتطاول الله برحمته" (٥).

стр. 595

وروى ابن أبي الدنيا (١) بإسناد فيه ضعف أيضًا عن أنس، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "يُؤتى بالنعم يومَ القيامة، وبالحسنات والسيئات، فيقول الله لنعمةٍ مِنْ نِعَمِهِ: خذي حقك من حسناته فما تترك له حسنةً إلا ذهبت بها". وبإسناده عن وهب بن مُنَبِّه قال: عَبَدَ الله عابدٌ خمسين عامًا، فأوحى الله إليه: إنِّي قد غفرتُ لك، قال: يا ربِّ، وما تغفر لي ولم أذنبْ؟ فأذِنَ الله لِعِرْقٍ في عنقه، فضرب عليه، فلم ينم، ولم يُصلِّ، ثم سكن وقام، فأتاه مَلَك، فشكا إليه ما لقي من ضربان العرق، فقال الملك: إنَّ ربَّك يقول: عبادتُك خمسين سنة تعدل سكون ذا العرق (٢). وخرَّج الحاكم (٣) هذا المعنى مرفوعًا من رواية سليمان بن هرم القرشي عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبيِّ ﷺ : أن جبريل أخبره أن عابدًا عبد الله على رأس جبل في البحر خمس مئة سنة، ثم سأل ربَّه أن يَقبضَهُ وهو ساجدٌ، قال: فنحن نمُرُّ عليه إذا هبطنا وإذا عرَجنا، ونجد في العَلم أنه يُبعث يَوْمَ

стр. 596

القيامةِ، فيوقف بَيْنَ يدي الله ، فيقول الربُّ : أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، فيقولُ العبدُ: يا ربِّ، بعملي، ثلاثَ مرَّات، ثم يقول الله للملائكة: قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله، فيجدون نعمة البصر قد أحاطت بعبادةِ خمس مئة سنة، وبقيت نِعَمُ الجسد له، فيقول: أدخلوا عَبْديَ النار، فيجر إلى النار، فينادي ربه: برحمتك أدخلني الجنة، برحمتك، فيدخله الجنة، قال جبريل: إنما الأشياءُ برحمة الله يا محمد. وسُليمان بن هرم، قال العقيلي (١): هو مجهول وحديثُه غيرُ محفوظ. وروى الخرائطي (٢) بإسنادٍ فيه نظر عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "يُؤتى بالعبد يومَ القيامة، فيُوقَفُ بين يدي الله فيقول للملائكة: انظرُوا في عمل عبدي ونعمتي عليه، فينظرون فيقولون: ولا بقدْرِ نعمة واحدةٍ من نِعَمِكَ عليه، فيقول: انظروا في عمله سيِّئه وصالحه، فينظرون فيجدون كَفافًا، فيقول: عبدي، قد قبلتُ حسناتِك، وغفرت لك سيِّئاتِك، وقد وهبتُ لك نعمتي فيما بين ذلك. والمقصودُ: أن الله تعالى أنعمَ على عباده بما لا يُحصونَه كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وطلب منهمُ الشُّكرَ، ورضي به منهم. قال سليمان التيمي: إن الله أنعم على العباد على قدره، وكلّفهم الشكر على قدرهم حتى رضِيَ منهم مِنَ الشُّكرِ بالاعتراف بقلوبهم بنعمه، وبالحمد بألسنتهم عليها (٣)، كما خرَّجه أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن غَنَّام، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "من قال حينَ يُصبِحُ: اللهمَّ ما أصبَحَ بي من نعمة أو بأحدٍ من خلقك، فمنك وحْدَكَ لا شريكَ لك، فلكَ الحمدُ ولك الشُّكْرُ، فقد

стр. 597

أدَّى شُكْرَ ذلك اليومِ، ومن قالها حين يُمسي أدَّى شكر ليلته" (١). وفي رواية للنسائي عن عبد الله بن عباس (٢). وخرَّج الحاكم من حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: "ما أنعم الله على عبدٍ نعمةً، فعلم أنها مِنْ عند الله إلا كتب الله له شُكرها قبل أن يَشكُرَها، وما أذنَبَ عبد ذنبًا، فندم عليه إلا كتب الله له مغفرته قبل أن يستغفره" (٣). قال أبو عمرو الشيباني: قال موسى ﵇ يوم الطُّورِ: يا ربِّ، إن أنا صلَّيتُ، فمِنْ قِبَلِكَ، وإن أنا تصدقت، فمن قبلك، وإن أنا بلَّغتُ رسالتَك، فمن قبلك، فكيف أشكرُكَ؟ قال: الآن شكرتني (٤). وعن الحسن، قال: قال موسى ﵇: يا ربِّ، كيف يستطيع آدم أن يؤدِّي شكرَ ما صنعت إليه؟ خلقتَه بيدِكَ، ونفخت فيه من رُوحكَ، وأسكنته جنَّتَكَ، وأمرتَ الملائكة فسجدوا له، فقال: يا موسى، عَلِمَ ان ذلك مني، فحمدني عليه، فكان ذلك شكرًا لما صنعته (٥).

стр. 598

وعن أبي الجلد قال: قرأتُ في مسألة داود أنه قال: أي ربِّ كيف لي أن أشكُرَكَ وأنا لا أصلُ إلى شكرك إلَّا بنعمتك؟ قال: فأتاه الوحي: أن يا داود، أليس تعلمُ أن الذي بك من النِّعم مني؟ قال: بلى يا ربِّ، قال: فإنِّي أرضى بذلك منك شكرًا (١). قال: وقرأت في مسألة موسى: يا ربِّ، كيف لي أن أشكركَ وأصغرُ نعمةٍ وضعتَها عندي مِنْ نِعَمِكَ لا يُجازي بها عملي كله؟ قال: فأتاه الوحيُ: أن يا موسى، الآن شكرتني (٢). وقال بكر بن عبد الله: ما قال عبد قطُّ: الحمدُ لله مرَّة، إلَّا وجبت عليه نعمةٌ بقوله: الحمد لله، فما جزاء تلك النعمة؟ جزاؤها أن يقولَ: الحمد لله، فجاءت نعمة أخرى، فلا تنفد نعماءُ الله (٣). وقد روى ابنُ ماجه (٤) من حديثِ أنس مرفوعًا: "ما أنعمَ الله على عبدٍ نعمةً، فقال: الحمدُ لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ". وروينا نحوه من حديث شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد مرفوعًا أيضًا (٥). وروي هذا عن الحسن البصري من قوله (٦).

стр. 599

وكتب بعضُ عمال عمر بن عبد العزيز إليه: إني بأرضٍ قد كثُرَت فيها النِّعم، حتى لقد أشفقتُ على أهلها مِنْ ضعفِ الشُّكر، فكتب إليه عُمَرُ: إنِّي قد كنتُ أراك أعلم بالله ممَّا أنتَ، إنَّ الله لم يُنعم على عبدٍ نعمةً؛ فحمِدَ الله عليها، إلَّا كان حمدُه أفضلَ من نِعَمِه، لو كنتَ لا تعرف ذلك إلَّا في كتاب الله المنزل، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥] وقال الله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر: ٧٣] وأيّ نعمة أفضلُ من دخول الجنَّة (١)؟ وقد ذكر ابنُ أبي الدنيا في "كتاب الشكر" (٢) عن بعض العُلماء أنَّه صوَّب هذا القولَ: أعني قولَ من قال: إن الحمدَ أفضلُ من النعم، وعن ابن عُيينة أنه خطَّأ قائلَه، قال: ولا يكون فعلُ العبدِ أفضلَ من فعلِ الربِّ . ولكن الصواب قول من صوَّبه، فإنَّ المرادَ بالنعم: النعم الدنيوية، كالعافية والرِّزق والصِّحَّة، ودفع المكروه، ونحو ذلك، والحمد هو مِنَ النِّعم الدينية، وكلاهما نعمةٌ مِنَ اللهِ، لكن نعمة الله على عبده بهدايته لشكر نعمه (٣) بالحمد عليها أفضل من نعمه (٤) الدنيوية على عبده، فإنَّ النعم الدنيوية إن لم يقترن بها الشُّكرُ، كانت بليةً كما قال أبو حازم: كلُّ نعمة لا تقرِّبُ مِنَ اللهِ فهي بليَّةٌ (٥)، فإذا وفَّقَ الله عبدَه للشكر على نعمه الدنيوية بالحمدِ أو غيره من أنواع الشكر، كانت هذه النعمةُ خيرًا من تلك النعم وأحبَّ إلى الله منها، فإن الله

стр. 600

يُحِبُّ المحامدَ، ويرضى عن عبدِه أن يأكلَ الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة، فيحمَده عليها، والثناء بالنعم والحمدُ عليها وشكرُها عندَ أهل الجود والكرم أحبُّ إليهم من أموالهم، فهم يبذلُونَها طلبًا للثناء، والله أكرمُ الأكرمين، وأجودُ الأجودين، فهو يَبذُلُ نِعَمَهُ لعباده، ويطلب منهم الثناءَ بها، وذكرها، والحمد عليها، ويرضى منهم بذلك شكرًا عليها، وإن كان ذلك كلُّه من فضله عليهم، وهو غيرُ محتاجٍ إلى شكرهم، لكنه يُحِبُّ ذلك من عباده، حيث كان صلاحُ العبدِ وفلاحُه وكماله فيه. ومِن فضله أنَّه نسب الحمدَ والشُّكر إليهم، وإن كان من أعظم نِعَمِه عليهم، وهذا كما أنَّه أعطاهم ما أعطاهم من الأموال، ثم استقرض منهم بعضَهُ، ومدحهم بإعطائه، والكلُّ (١) ملكُه، ومِنْ فضله، ولكن كرمه اقتضى ذلك، ومِنْ هُنا يُعلم معنى الأثرِ الذي جاء مرفوعًا وموقوفًا: "الحمد لله حمدًا يُوافي نعمَه، ويكافئُ مزيده". ولنرجع الآن إلى تفسير حديث: "كلُّ سُلامى مِنَ النَّاس عليه صدقة كُلَّ يوم تطلع فيه الشَّمسُ". يعني: أن الصَّدقةَ على ابن آدمَ عن هذه الأعضاء في كُلِّ يومٍ من أيَّامِ الدُّنيا، فإنَّ اليوم قد يُعَبَّرُ به عن مدَّةٍ أزيدَ مِنْ ذلك، كما يقال: يوم صِفِّين، وكان مدَّةَ أيَّام، وعن مطلق الوقت كما في قوله: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨]، وقد يكون ذلك ليلًا ونهارًا، فإذا قيل: كلَّ يوم تطلعُ فيه الشمس، علم أن هذه الصدقة على ابن آدم في كلِّ يوم يعيشُ فيه من أيام الدُّنيا، وظاهرُ الحديث يدلُّ على أن هذا الشُّكرَ بهذه الصَّدقة واجبٌ على المسلم كلَّ يوم، ولكن الشُّكر على درجتين: إحداهما: واجب، وهو أن يأتي بالواجبات، ويجتنب المحارم، فهذا لا بدَّ
следующие страницы →