← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4268

جامع العلوم والحكم - ت الأرنؤوط

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 052 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

القيامةِ، فيوقف بَيْنَ يدي الله ، فيقول الربُّ : أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، فيقولُ العبدُ: يا ربِّ، بعملي، ثلاثَ مرَّات، ثم يقول الله للملائكة: قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله، فيجدون نعمة البصر قد أحاطت بعبادةِ خمس مئة سنة، وبقيت نِعَمُ الجسد له، فيقول: أدخلوا عَبْديَ النار، فيجر إلى النار، فينادي ربه: برحمتك أدخلني الجنة، برحمتك، فيدخله الجنة، قال جبريل: إنما الأشياءُ برحمة الله يا محمد. وسُليمان بن هرم، قال العقيلي (١): هو مجهول وحديثُه غيرُ محفوظ. وروى الخرائطي (٢) بإسنادٍ فيه نظر عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "يُؤتى بالعبد يومَ القيامة، فيُوقَفُ بين يدي الله فيقول للملائكة: انظرُوا في عمل عبدي ونعمتي عليه، فينظرون فيقولون: ولا بقدْرِ نعمة واحدةٍ من نِعَمِكَ عليه، فيقول: انظروا في عمله سيِّئه وصالحه، فينظرون فيجدون كَفافًا، فيقول: عبدي، قد قبلتُ حسناتِك، وغفرت لك سيِّئاتِك، وقد وهبتُ لك نعمتي فيما بين ذلك. والمقصودُ: أن الله تعالى أنعمَ على عباده بما لا يُحصونَه كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وطلب منهمُ الشُّكرَ، ورضي به منهم. قال سليمان التيمي: إن الله أنعم على العباد على قدره، وكلّفهم الشكر على قدرهم حتى رضِيَ منهم مِنَ الشُّكرِ بالاعتراف بقلوبهم بنعمه، وبالحمد بألسنتهم عليها (٣)، كما خرَّجه أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن غَنَّام، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "من قال حينَ يُصبِحُ: اللهمَّ ما أصبَحَ بي من نعمة أو بأحدٍ من خلقك، فمنك وحْدَكَ لا شريكَ لك، فلكَ الحمدُ ولك الشُّكْرُ، فقد

стр. 597

أدَّى شُكْرَ ذلك اليومِ، ومن قالها حين يُمسي أدَّى شكر ليلته" (١). وفي رواية للنسائي عن عبد الله بن عباس (٢). وخرَّج الحاكم من حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: "ما أنعم الله على عبدٍ نعمةً، فعلم أنها مِنْ عند الله إلا كتب الله له شُكرها قبل أن يَشكُرَها، وما أذنَبَ عبد ذنبًا، فندم عليه إلا كتب الله له مغفرته قبل أن يستغفره" (٣). قال أبو عمرو الشيباني: قال موسى ﵇ يوم الطُّورِ: يا ربِّ، إن أنا صلَّيتُ، فمِنْ قِبَلِكَ، وإن أنا تصدقت، فمن قبلك، وإن أنا بلَّغتُ رسالتَك، فمن قبلك، فكيف أشكرُكَ؟ قال: الآن شكرتني (٤). وعن الحسن، قال: قال موسى ﵇: يا ربِّ، كيف يستطيع آدم أن يؤدِّي شكرَ ما صنعت إليه؟ خلقتَه بيدِكَ، ونفخت فيه من رُوحكَ، وأسكنته جنَّتَكَ، وأمرتَ الملائكة فسجدوا له، فقال: يا موسى، عَلِمَ ان ذلك مني، فحمدني عليه، فكان ذلك شكرًا لما صنعته (٥).

стр. 598

وعن أبي الجلد قال: قرأتُ في مسألة داود أنه قال: أي ربِّ كيف لي أن أشكُرَكَ وأنا لا أصلُ إلى شكرك إلَّا بنعمتك؟ قال: فأتاه الوحي: أن يا داود، أليس تعلمُ أن الذي بك من النِّعم مني؟ قال: بلى يا ربِّ، قال: فإنِّي أرضى بذلك منك شكرًا (١). قال: وقرأت في مسألة موسى: يا ربِّ، كيف لي أن أشكركَ وأصغرُ نعمةٍ وضعتَها عندي مِنْ نِعَمِكَ لا يُجازي بها عملي كله؟ قال: فأتاه الوحيُ: أن يا موسى، الآن شكرتني (٢). وقال بكر بن عبد الله: ما قال عبد قطُّ: الحمدُ لله مرَّة، إلَّا وجبت عليه نعمةٌ بقوله: الحمد لله، فما جزاء تلك النعمة؟ جزاؤها أن يقولَ: الحمد لله، فجاءت نعمة أخرى، فلا تنفد نعماءُ الله (٣). وقد روى ابنُ ماجه (٤) من حديثِ أنس مرفوعًا: "ما أنعمَ الله على عبدٍ نعمةً، فقال: الحمدُ لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ". وروينا نحوه من حديث شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد مرفوعًا أيضًا (٥). وروي هذا عن الحسن البصري من قوله (٦).

стр. 599

وكتب بعضُ عمال عمر بن عبد العزيز إليه: إني بأرضٍ قد كثُرَت فيها النِّعم، حتى لقد أشفقتُ على أهلها مِنْ ضعفِ الشُّكر، فكتب إليه عُمَرُ: إنِّي قد كنتُ أراك أعلم بالله ممَّا أنتَ، إنَّ الله لم يُنعم على عبدٍ نعمةً؛ فحمِدَ الله عليها، إلَّا كان حمدُه أفضلَ من نِعَمِه، لو كنتَ لا تعرف ذلك إلَّا في كتاب الله المنزل، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥] وقال الله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر: ٧٣] وأيّ نعمة أفضلُ من دخول الجنَّة (١)؟ وقد ذكر ابنُ أبي الدنيا في "كتاب الشكر" (٢) عن بعض العُلماء أنَّه صوَّب هذا القولَ: أعني قولَ من قال: إن الحمدَ أفضلُ من النعم، وعن ابن عُيينة أنه خطَّأ قائلَه، قال: ولا يكون فعلُ العبدِ أفضلَ من فعلِ الربِّ . ولكن الصواب قول من صوَّبه، فإنَّ المرادَ بالنعم: النعم الدنيوية، كالعافية والرِّزق والصِّحَّة، ودفع المكروه، ونحو ذلك، والحمد هو مِنَ النِّعم الدينية، وكلاهما نعمةٌ مِنَ اللهِ، لكن نعمة الله على عبده بهدايته لشكر نعمه (٣) بالحمد عليها أفضل من نعمه (٤) الدنيوية على عبده، فإنَّ النعم الدنيوية إن لم يقترن بها الشُّكرُ، كانت بليةً كما قال أبو حازم: كلُّ نعمة لا تقرِّبُ مِنَ اللهِ فهي بليَّةٌ (٥)، فإذا وفَّقَ الله عبدَه للشكر على نعمه الدنيوية بالحمدِ أو غيره من أنواع الشكر، كانت هذه النعمةُ خيرًا من تلك النعم وأحبَّ إلى الله منها، فإن الله

стр. 600

يُحِبُّ المحامدَ، ويرضى عن عبدِه أن يأكلَ الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة، فيحمَده عليها، والثناء بالنعم والحمدُ عليها وشكرُها عندَ أهل الجود والكرم أحبُّ إليهم من أموالهم، فهم يبذلُونَها طلبًا للثناء، والله أكرمُ الأكرمين، وأجودُ الأجودين، فهو يَبذُلُ نِعَمَهُ لعباده، ويطلب منهم الثناءَ بها، وذكرها، والحمد عليها، ويرضى منهم بذلك شكرًا عليها، وإن كان ذلك كلُّه من فضله عليهم، وهو غيرُ محتاجٍ إلى شكرهم، لكنه يُحِبُّ ذلك من عباده، حيث كان صلاحُ العبدِ وفلاحُه وكماله فيه. ومِن فضله أنَّه نسب الحمدَ والشُّكر إليهم، وإن كان من أعظم نِعَمِه عليهم، وهذا كما أنَّه أعطاهم ما أعطاهم من الأموال، ثم استقرض منهم بعضَهُ، ومدحهم بإعطائه، والكلُّ (١) ملكُه، ومِنْ فضله، ولكن كرمه اقتضى ذلك، ومِنْ هُنا يُعلم معنى الأثرِ الذي جاء مرفوعًا وموقوفًا: "الحمد لله حمدًا يُوافي نعمَه، ويكافئُ مزيده". ولنرجع الآن إلى تفسير حديث: "كلُّ سُلامى مِنَ النَّاس عليه صدقة كُلَّ يوم تطلع فيه الشَّمسُ". يعني: أن الصَّدقةَ على ابن آدمَ عن هذه الأعضاء في كُلِّ يومٍ من أيَّامِ الدُّنيا، فإنَّ اليوم قد يُعَبَّرُ به عن مدَّةٍ أزيدَ مِنْ ذلك، كما يقال: يوم صِفِّين، وكان مدَّةَ أيَّام، وعن مطلق الوقت كما في قوله: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨]، وقد يكون ذلك ليلًا ونهارًا، فإذا قيل: كلَّ يوم تطلعُ فيه الشمس، علم أن هذه الصدقة على ابن آدم في كلِّ يوم يعيشُ فيه من أيام الدُّنيا، وظاهرُ الحديث يدلُّ على أن هذا الشُّكرَ بهذه الصَّدقة واجبٌ على المسلم كلَّ يوم، ولكن الشُّكر على درجتين: إحداهما: واجب، وهو أن يأتي بالواجبات، ويجتنب المحارم، فهذا لا بدَّ

стр. 601

منه، ويكفي في شكر هذه النعم، ويدلُّ على ذلك ما خرجه أبو داود (١) من حديث أبي الأسود الدِّيلي، قال: كنا عند أبي ذرٍّ، فقال: يُصبح على كُلِّ سُلامى مِنْ أحدكم في كُلِّ يوم صدقة، فله بكلِّ صلاة صدقةٌ، وصيام صدقة، وحجٍّ صدقة، وتسبيح صدقة، وتكبير صدقة، وتحميد صدقة، فعدَّ رسول الله ﷺ مِنْ هذه الأعمال الصالحات قال: "يجزئ أحدكم مِنْ ذلك ركعتا الضحى" وقد تقدَّم في حديث أبي موسى المخرَّج في "الصحيحين": "فإن لم يفعل، فليمسك عَن الشَّرِّ، فإنَّه له صدقة" (٢). وهذا يدلُّ على أنَّه يكفيه أن لا يفعل شيئًا من الشرِّ، وإنما يكلون مجتنبًا للشرِّ إذا قام بالفرائض، واجتنبَ المحارمَ، فإنَّ أعظمَ الشرِّ تركُ الفرائض، ومن هنا قال بعضُ السلف: الشُّكرُ تركُ المعاصي (٣). وقال بعضهم: الشُّكرُ أن لا يُستعانَ بشيءٍ مِنَ النِّعَمِ على معصية. وذكر أبو حازمٍ الزاهد شُكْرَ الجوارح كُلّها، وأن تُكفَّ عن المعاصي وتُستعمل في الطاعات، ثم قال: وأمَّا من شكر بلسانه، ولم يشكر بجميع أعضائه، فمثله كمثل رجل له كِساءٌ، فأخذ بطرفه، فلم يلبسه، فلم ينفعه ذلك من الحرِّ والبرد والثلج والمطر (٤). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لينظر العبدُ في نعم الله عليه في بدنه وسمعه وبصرِه ويديه ورجليه وغير ذلك، ليس من هذا شيءٌ الَّا وفيه نعمةٌ من اللهِ ، حقٌّ على العبد أن يعملَ بالنعم اللاتي هي في بدنه لله

стр. 602

في طاعته، ونعمة أخرى في الرزق، حق عليه أن يعمل للهِ فيما أنعم عليه مِنَ الرِّزق في طاعته، فمن عمل بهذا، كان قد أخذ بحزم الشُّكرِ وأصله وفرعه (١). ورأى الحسن رجلًا يتبختر في مشيته، فقال: للهِ في كُلِّ عُضوٍ منه نعمة، اللهمّ لا تجعلنا ممن يتقوَّى بنعمك (٢) على معصيتك. الدرجة الثانية من الشكر: الشكر المستحبُّ، وهو أن يعملَ العبدُ بعد أداءِ الفرائض، واجتناب المحارم بنوافل الطَّاعات، وهذه درجةُ السَّابقين المقرَّبين، وهي التي أرشد إليهَا النبيُّ ﷺ في هذه الأحاديث التي سبق ذكرُها، وكذلك كان النبيُّ ﷺ يجتهد في الصَّلاة، ويقوم حتَّى تتفطَّر قدماه، فإذا قيل له: أتفعلُ هذا وقد غَفرَ الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ " (٣). وقال بعضُ السلف: لما قال الله : ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]، لم يأتِ عليهم ساعةٌ من ليلٍ أو نهارٍ إلَّا وفيهم مصلٍّ يُصلي (٤). وهذا مع أن بعضَ هذه الأعمال التي ذكرها النبيُّ ﷺ واجبٌ: إمَّا على الأعيان، كالمشي إلى الصلاة عندَ من يرى وجوبَ الصَّلاة في الجماعات في المساجد، وإما على الكفاية، كالأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وإغاثة الملهوف، والعدلِ بينَ الناسِ، إمَّا في الحكم بينهم، أو في الإصلاح. وقد

стр. 603

روي من حديث عبد الله بن عمرو عن النبيِّ ﷺ ، قال: "أفضلُ الصَّدقةِ إصلاحُ ذات البين" (١). وهذه الأنواع التي أشار إليها النبيُّ ﷺ من الصدقة، منها ما نفعُهُ متعدٍّ كالإصلاح، وإعانةِ الرَّجُلِ على دابته يحمله عليها أو يرفع متاعه (٢) عليها، والكلمة الطيبة، ويدخل فيها السلام، وتشميتُ العاطس، وإزالة الأذى عن الطَّريق، والأمر بالمعروف، والنَّهيُ عن المنكرِ، ودفنُ النُّخامة في المسجد، وإعانة ذي الحاجة الملهوف، وإسماع الأصمّ، والبصر للمنقوصِ بصره، وهداية الأعمى أو غيره الطريق. وجاء في بعض روايات حديث أبي ذرٍّ "وبيانك عن الأرتم صدقة" (٣) يعني: من لا يُطيق الكلام، إمَّا لآفةٍ في لسانه، أو لِعُجْمة في لغته، فيُبيِّنُ عنه ما يحتاج إلى بيانه. ومنه ما هو قاصرُ النَّفع: كالتَّسبيحِ، والتَّكبير، والتَّحميد، والتَّهليل، والمشي إلى الصَّلاةِ، وصلاة ركعتي الضُّحى، وإنَّما كانتا مجزئتين عن ذلك كلِّه، لأنَّ في الصَّلاة استعمالًا للأعضاء كلِّها في الطَّاعة والعبادة، فتكون كافيةً في شكر نعمه سلامة هذه الأعضاء. وبقية هذه الخصال المذكورة أكثرُها استعمالٌ لبعض أعضاء البدن خاصَّةً، فلا تكمُلُ الصَّدقةُ بها حتَّى يأتيَ منها بعدد سُلامى البدن، وهي ثلاث مئة وستون كما في حديث عائشة ﵂ (٤).

стр. 604

وفي "المسند" (١) عن ابنِ مسعود، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "أتدرون أيُّ الصَّدقة أفضلُ وخير؟ " قالوا: الله ورسولُه أعلمُ. قال: "المِنحة أن تمنح أخاك الدَّراهم، أو ظهرَ الدابَّةِ، أو لبنَ الشَّاةِ أو لبنَ البقرة". والمراد بمنحة الدراهم: قرضُها، وبمنحة ظهر الدَّابةِ إفقارها، وهو إعارتها لمن يركبُها، وبمنحة لبن الشاة أو البقرة أن يمنحه بقرة أو شاة ليشربَ لبنها ثمَّ يعيدها إليه، وإذا أطلقت المنيحةُ، لم تنصرِفْ إلَّا إلى هذا. وخرَّج الإمام أحمد والترمذي من حديث البراء بن عازبٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "من منح منيحة لبن، أو وَرِقٍ، أو هدى زُقاقًا، كان له مثلُ عِتْقِ رقبةٍ" (٢) وقال الترمذي: معنى قوله: "من منح منيحة وَرِق" إنما يعني به قرض الدراهم، وقوله: "أو هدى زقاقًا" إنما يعني به هداية الطريق، وهو إرشادُ السبيل. وخرَّج البخاري (٣) من حديث حسان بن عطية، عن أبي كبشةَ السَّلولي، قال: سمعتُ عبد اللهِ بنَ عمرٍو يقول: قال رسولُ الله ﷺ : "أربعون خَصلةً، أعلاها منيحة العنز، ما مِنْ عامل يعملُ بخصلةٍ منها رجاءَ ثوابها، وتصديقَ موعودها، إلَّا أدخله الله بها الجنة". قال حسان: فعددنا ما دونَ منيحة العنزِ من ردِّ السَّلام، وتشميت العاطس، وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه، فما استطعنا أن نبلُغَ خمس عشرة خصلة.

стр. 605

وفي "صحيح مسلم" (١) عن جابر، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "حقُّ الإبل حلبُها على الماء وإعارةُ دلوها، وإعارةُ فحلها، ومنيحتها، وحملٌ عليها في سبيل الله". وخرَّج الإمامُ أحمد من حديث جابر عن النبيِّ ﷺ ، قال: "كلُّ معروفٍ صدقةٌ، ومِنَ المعروف أن تلقَى أخاكَ بوجهٍ طلقٍ، وأن تُفرِغَ من دلوك في إنائه". وخرَّجه الحاكم وغيره بزيادة، وهي: "وما أنفق المرءُ على نفسه وأهلِه، كُتِبَ له به صدقةٌ، وما وقى به عرضَه كُتِبَ له به صدقة، وكُلُّ نفقةٍ أنفقها مؤمن، فعلى الله خَلَفُها ضامن إلَّا نفقةً في معصية أو بنيان" (٢). وفي "المسند" (٣) عن أبي جُري الهُجيمي، قال: سألتُ النبيَّ ﷺ عَنِ المعروف، فقال: "لا تَحقِرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تُعْطِي صِلةَ الحبل، ولو أن تُعطي شِسْع النَّعلِ، ولو أن تُفرِغَ من دلوكَ في إناء المستسقي، ولو أَن تُنَحِّي الشَّيءَ مِنْ طريق النَّاس يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاكَ ووجهُك إليه منطلق، ولو أن تلقى أخاك فتسلِّمَ عليه، ولو أن تُؤنسَ الوحشان في الأرض". ومِنْ أنواع الصَّدقة: كفُّ الأذى عن النَّاس باليد واللسان، كما في "الصحيحين" عن أبي ذرٍّ، قلتُ: يا رسولَ الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمانُ بالله، والجهاد في سبيله" قلتُ: فإن لم أفعل؟ قال: "تُعين صانعًا، أو

стр. 606

تصنع لأخرق"، قلت: أرأيت إن ضعُفت عن بعضِ العمل؟ قال: "تكفُّ شرَّك عن النَّاسَ، فإنها صدقة" (١). وفي "صحيح ابن حبان" (٢) عن أبي ذرٍّ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، دُلَّني على عملٍ، إذا عملَ به العبدُ دخلَ الجنَّةَ، قال: "يُؤمِنُ بالله"، قلت: يا رسولَ الله، إنَّ مع الإيمانِ عملًا؟ قال: "يرضخُ ممَّا رزقه الله"، قلتُ: وإن كان معدِمًا لا شيء له؟ قال: "يقول معروفًا بلسانه"، قلتُ: فإن كان عييًا لا يُبلغُ عنه لسانُه؟ قال: "فيُعين مغلوبًا"، قلت: فإن كان ضعيفًا لا قُدرةَ له؟ قال: "فليصنع لأخرق"، قلت: فإن كان أخرقَ؟ فالتفت إليَّ، فقال: "ما تريدُ أن تدعَ في صاحبك شيئًا مِنَ الخيرِ؟ فليدع النَّاس من أذاه"، قلتُ: يا رسول الله، إن هذا كلَّه ليسير، قال: "والذي نفسي بيده، ما مِنْ عبدٍ يعملُ بخصلةٍ منها يُريد بها ما عندَ الله، إلا أخذت بيده يومَ القيامة حتى يدخل الجنَّة". فاشترط في هذا الحديث لهذه الأعمال كلِّها إخلاص النية كما في حديث عبد الله بن عمرو الذي فيه ذكر الأربعين خصلةً (٣)، وهذا كما في قوله : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]. وقد رُوي عن الحسن، وابن سيرين أن فعلَ المعروف يُؤجَرُ عليه، وإن لم يكن له فيه نية. سئل الحسنُ عن الرَّجلِ يسألُه آخَرُ حاجةً وهو يُبغِضُهُ، فيُعطيه حياءً: هل له فيه أجر؟ فقال: إنَّ ذلك لمن المعروف، وإنَّ في المعروف لأجرًا. خرجه حميدُ بنُ زنجويه. وسُئِلَ ابنُ سيرين عن الرجل يتبع الجنازة، لا يتبعها حسبةً، يتبعها حياءً من

стр. 607

أهلها: أله في ذلك أجرٌ؟ فقال: أجرٌ واحد؟ بل له أجران: أجرٌ لِصلاته على أخيه، وأجرٌ لصلته الحيّ. خرَّجه أبو نعيم في "الحلية" (١). ومن أنواع الصدقة: أداءُ حقوق المسلم على المسلم، وبعضُها مذكورٌ في الأحاديث الماضية، ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "حقُّ المسلم على المسلمِ خمسٌ: ردُّ السَّلام، وعيادةُ المريض، واتِّباعُ الجنائز، وإجابةُ الدَّعوة، وتشميتُ العاطس" وفي رواية لمسلم: "للمسلم على المسلم سِتٌّ"، قيل: ما هُنَّ يا رسول اللهِ؟ قال: "إذا لقيته تُسلِّمُ عليه، وإذا دعاك فأجِبه، وإذا استنصحك، فانصح له، وإذا عطس فحَمِدَ الله، فشمِّته، وإذا مَرِضَ فعُدْهُ، وإذا مات فاتَّبعه" (٢). وفي "الصحيحين" عن البراء قال: أمرنا رسولُ الله ﷺ بسبع: بعيادةِ المريض واتِّباع الجنازة، وتَشميتِ العاطس، وإبرارِ القسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام. وفي رواية لمسلم: وإرشاد الضال، بدل إبرار القسم (٣). ومن أنواع الصَّدقة: المشي بحقوق الآدميين الواجبة إليهم، قال ابن عباس: من مشى بحقِّ أخيه إليه ليقضيه، فله بكلِّ خطوة صدقة (٤). ومنها إنظارُ المعسر، وفي "المسند" و "سنن ابن ماجه" عن بُريدة مرفوعًا:

стр. 608

"من أنظرَ معسرًا، فله بكلِّ يوم صدقة قبل أن يَحُلَّ الدَّيْنُ، فإذا حلَّ الدين، فأنظره بعد ذلك، فله بكلِّ يوم مثله صدقة" (١). ومنها الإحسان إلى البهائم، كما قال النبيُّ ﷺ لما سُئِلَ عن سقيها، فقال: "في كلِّ كبدٍ رطبةٍ أجر" (٢)، وأخبر أن بغيًّا سقت كلبًا يلهثُ مِن العطش، فغفر لها (٣). وأمَّا الصَّدقة القاصرةُ على نفس العامل بها، فمثل أنواع الذكر مِن التَّسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهليل، والاستغفار، والصلاة على النبي ﷺ ، وكذلك تلاوةُ القرآن والمشي إلى المساجد، والجلوسُ فيها لانتظار الصلاة، أو لاستماع الذكر. ومن ذلك: التَّواضعُ في اللِّباس، والمشي، والهدي، والتبذل في المهنة، واكتساب الحلال، والتحرِّي فيه. ومنها أيضًا: محاسبةُ النفس على ما سلف من أعمالها، والندم والتوبة من الذُّنوب السالفة، والحزن عليها، واحتقار النفس، والازدراء عليها، ومقتها في الله ، والبكاء من خشية الله تعالى، والتفكر في ملكوت السماوات والأرض، وفي أمور الآخرة، وما فيها مِنَ الوعد والوعيد ونحوِ ذلك مما يزيد الإيمانَ في القلب، وينشأ عنه كثيرٌ من أعمال القلوب؛ كالخشية، والمحبَّةِ، والرَّجاء، والتوكُّل، وغير ذلك. وقد قيل: إن هذا التفكُّر أفضلُ من نوافل الأعمال

стр. 609

البدنية، روي ذلك عن غير واحدٍ من التَّابعين، منهم سعيدُ بن المسيب، والحسن وعمر بن عبد العزيز، وفي كلام الإمام أحمد ما يدلُّ عليه. وقال كعب: لأن أبكي من خشية الله أحبُّ إلي من أن أتصدَّق بوزني ذهبًا (١).

стр. 610

الحديث السابع والعشرون عَنِ النَّواسِ بن سَمعانَ ﵁، عَن النَّبي ﷺ ، قال: "البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإثْمُ: ما حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عليهِ النَّاسُ". رواهُ مسلمٌ (١). وعَنْ وابِصَةَ بن مَعْبَدٍ قال: أتيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فقالَ: "جِئْتَ تَسألُ عن البرّ والإثمِ؟ " قُلْتُ: نعَمْ، قال: "استَفْتِ قَلْبَكَ، البرُّ ما اطمأنَّتْ إليهِ النفْسُ، واطمأن إليهِ القلبُ، والإثمُ ما حَاكَ في النَّفسِ، وتَردَّدَ في الصَّدْرِ، وإنْ أفتاكَ النَّاسُ وأَفْتوكَ" (٢). قال الشيخ ﵀: حديثٌ حسنٌ رويناه في "مسنَدَي" الإمامين أحمد والدَّارميِّ بإسنادٍ حسنٍ. أما حديث النوّاس بن سمعان، فخرَّجه مسلم من رواية معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن النوَّاس، ومعاوية وعبد الرحمن وأبوه تفرَّد بتخريج حديثهم مسلم دونَ البخاري. وأما حديث وابصة فخرَّجه الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن الزبير بن عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مِكرز، عن وابصة بن معبد،

стр. 611

قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ وأنا أريدُ أن لا أدع شيئًا من البرِّ والإثم إلَّا سألتُ عنه، فقال لي: "ادنُ يا وابصةُ"، فدنوتُ منه، حتى مست ركبتي ركبتَه، فقال: "يا وابصة أخبرك ما جئتَ تسأل عنه أو تسألني؟! قلت: يا رسولَ الله أخبرني، قال: "جئتَ تسألني عن البرِّ والإثم" قلت: نعم، فجمع أصابعَه الثلاث، فجعل يَنكُتُ بها في صدري، ويقول: "يا وابصة، استفتِ نفسَك، البر ما اطمأنَّ إليه القلب، واطمأنَّت إليه النفسُ، والإثمُ: ما حاك في القلب، وتردَّد في الصَّدر وإن أفتاك الناس وأفتوك". وفي رواية أخرى للإمام أحمد أن الزبيرَ لم يسمعه من أيوب، قال: وحدَّثني جلساؤه، وقد رأيتُه، ففي إسناد هذا الحديث أمران يُوجب كلُّ منهما ضعفه: أحدهما: انقطاعه بين الزبير وأيوب، فإنه رواه عن قوم لم يسمعهم. والثاني: ضعف الزبير هذا، قال الدارقطني: روى أحاديث مناكير، وضعفه ابن حبان أيضًا، لكنه سماه أيوب بن عبد السلام، فأخطأ في اسمه، وله طريق آخر عن وابصة خرَّجه الإمام أحمد (١) أيضًا من رواية معاوية بن صالح عن أبي عبد الله السلمي، قال: سمعتُ وابصةَ، فذكر الحديث مختصرًا، ولفظه: قال: "البرُّ ما انشرحَ له صدرُك، والإثمُ ما حاك في صدرك، وإن أفتاك عنه الناس". والسلمي هذا، قال عليّ بن المديني: هو مجهول. وخرَّجه البزار والطبراني (٢) وعندهما أبو عبد الله الأسدي، وقال البزار: لا نعلم أحدًا سماه، كذا قال، وقد سمي في بعض الروايات محمدًا. قال عبد الغني بن سعيد الحافظ: لو قال قائلٌ: إنه محمد بن سعيد المصلوب، لما دفعتُ ذلك، والمصلوب هذا صلبه المنصورُ في الزَّندقة، وهو مشهورٌ بالكذب والوضع، ولكنه لم يدرك وابصةَ، والله أعلم.

стр. 612

وقد رُوي هذا الحديثُ عن النبي ﷺ من وجوه متعدِّدة وبعضُ طرقه جيدة، فخرَّجه الإمامُ أحمدُ، وابن حبان في "صحيحه" من طريق يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام، عن جدِّه ممطور، عن أبي أُمامة، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ الله، ما الإثم؟ قال: "إذا حاك في صدرك شيء فدعه" (١) وهذا إسنادٌ جيِّدٌ على شرط مسلم، فإنه خرَّج حديث يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام، وأثبت أحمد سماعَه منه، وإن أنكره ابنُ معين. وخرَّج الإمام أحمد (٢) من رواية عبد الله بن العلاء بن زَبْر: سمعتُ مسلم بن مِشْكَم قال: سمعت أبا ثعلبة الخشني يقول: قلتُ: يا رسولَ الله، أخبرني ما يحلُّ لي وما يحرُمُ عليَّ، فقال: "البرُّ ما سَكَنَتْ إليه النَّفسُ، واطمأنَ إليه القلبُ، والإثم ما لم تسكن إليه النَّفسُ، ولم يطمئنَّ إليه القلب، وإن أفتاك المفتون"، وهذا أيضًا إسنادٌ جيد، وعبد الله بن العلاء بن زبر ثقة مشهور، وخرَّجه البخاري (٣)، ومسلم بن مِشكَم ثقة مشهورٌ أيضًا. وخرَّج الطبراني وغيرُه بإسنادٍ ضعيف من حديث واثلة بن الأسقع قال: قلتُ للنبيِّ ﷺ : أفتني عن أمرٍ لا أسألُ عنه أحدًا بعدَك، قال: "استفت نفسَك"، قلت: كيف لي بذاك؟ قال: "تدعُ ما يَريبُك إلى ما لا يريبُك، وإن أفتاك المفتون"، قلتُ: وكيف لي بذاك؟ قال: "تضعُ يدكَ على قلبك، فإنَّ الفؤاد يسكن للحلالِ، ولا يسكن للحرام" (٤). ويُروى نحوه من حديث أبي هريرة بإسنادٍ ضعيفٍ أيضًا.

стр. 613

وروى ابنُ لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن سويدَ بن قيس أخبره عن عبد الرحمن بن معاوية: أن رجلًا سأل النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله ما يَحِلُّ لي مما يحرمُ عليَّ؟ وردَّد عليه ثلاث مِرارٍ، كلَّ ذلك يسكتُ النبي ﷺ ، ثم قال: "أين السائل؟ " فقال: أنا ذا يا رسول الله، فقال بأصابعه: "ما أنكر قلبُك فدعه". خرَّجه أبو القاسم البغوي في "معجمه" (١) وقال: لا أدري عبد الرحمن بن معاوية سمع من النبيِّ ﷺ أم لا؟ ولا أعلم له غير هذا الحديث. قلتُ: هو عبد الرحمن بن معاوية بن حديج جاء منسوبًا في كتاب "الزهد" (٢) لابن المبارك، وعبد الرحمن هذا تابعيٌّ مشهور، فحديثه مرسل. وقد صحَّ عن ابن مسعود أنه قال: الإثم حوازُّ القلوب (٣)، واحتجَّ به الإمام أحمد (٤)، ورواه عن جرير، عن منصور، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: قال عبد الله: إياكم وحزَّاز القلوب، وما حزَّ في قلبك من شيءٍ فدعه. وقال أبو الدرداء: الخير في طمأنينة، والشرُّ في ريبة (٥). وروي عن ابن مسعود من وجه منقطع أنه قيل له: أرأيتَ شيئًا يَحيكُ في صدورنا، لا ندري أحلال هو أم حرامٌ؟ فقال: إيَّاكم والحَكَّاكَاتِ، فإنَّهنَّ الإثم (٦)، والحَزُّ والحكُّ متقاربان في المعنى، والمراد: ما أثر في القلب ضِيقًا

стр. 614

وحَرجًا، ونُفورًا وكراهة. فهذه الأحاديث اشتملت على تفسيرِ البرِّ والإِثم، وبعضُها في تفسير الحلال والحرامِ، فحديثُ النَّوَّاس بن سمعان فسَّرَ النبيُّ ﷺ فيه البرَّ بحُسن الخلق، وفسَّره في حديث وابصة وغيره بما اطمأنَّ إليه القلبُ والنفس، كما فسر الحلالَ بذلك في حديث أبي ثعلبة. وإنما اختلف تفسيرة للبر، لأن البرَّ يُطلق باعتبارين معينين: أحدُهما: باعتبار معاملة الخلق بالإحسان إليهم، وربما خصَّ بالإِحسانِ إلى الوالدين، فيقال: برُّ الوالدين، ويطلق كثيرًا على الإحسان إلى الخلق عمومًا، وقد صنف ابنُ المبارك كتابًا سماه "كتاب البرِّ والصلة"، وكذلك في "صحيح البخاري" و "جامع الترمذي": "كتاب البرّ والصلة"، ويتضمن هذا الكتاب الإحسان إلى الخلق عمومًا، ويقدم فيه بر الوالدين على غيرهما. وفي حديث بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده، أنه قال: يا رسول الله مَنْ أبرُّ؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "ثم أباك"، قال: ثم من؟ قال: "ثم الأقرب فالأقرب" (١). ومن هذا المعنى: قول النبي ﷺ : "الحج المبرور ليس له جزاءٌ إلَّا الجنَّة" (٢). وفي "المسند" (٣) أنه ﷺ سُئِلَ عن برِّ الحجِّ، فقال: "إطعامُ الطَّعام،

стр. 615

وإفشاءُ السَّلام"، وفي رواية أخرى: "وطيبُ الكلام" (١). وكان ابنُ عمر ﵄ يقول: البر شيء هيّن: وجهٌ طليق وكلام ليِّن (٢). وإذا قرن البرُّ بالتَّقوى، كما في قوله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، فقد يكون المرادُ بالبرِّ معاملةَ الخلق بالإحسان، وبالتَّقوى: معاملة الحقِّ بفعل طاعته، واجتناب محرّماته، وقد يكونُ أريد بالبرِّ: فعل الواجبات، وبالتقوى: اجتناب المحرَّمات، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] قد يُراد بالإثم: المعاصي، وبالعدوان: ظُلم الخلق، وقد يُراد بالإثم: ما هو محرَّم في نفسه كالزنى، والسَّرقة، وشُرب الخمر، وبالعُدوان: تجاوز ما أذن فيه إلى ما نُهي عنه ممَّا جنسُه مأذون فيه، كقتل مَن أبيح قتلُه لِقِصاص، ومن لا يُباح، وأخذُ زيادة على الواجب من الناس في الزكاة ونحوها، ومجاوزة الجلد الذي أمر به في الحدود ونحو ذلك. والمعنى الثاني من معنى البرِّ: أن يُراد به فعلُ جميع الطاعات الظاهرة والباطنة، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقد رُوي أن النبيَّ ﷺ سئل عن الإيمان، فتلا هذه الآية (٣).

стр. 616

فالبرّ بهذا المعنى يدخل فيه جميعُ الطاعات الباطنة كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والطاعات الظاهرة كإنفاق الأموال فيما يحبُّه الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، والوفاء بالعهد، والصَّبرِ على الأقدار، كالمرض والفقر، وعلى الطَّاعات، كالصَّبر عِند لقاءِ العدوّ. وقد يكون جوابُ النبي ﷺ في حديث النوّاس شاملًا لهذه الخصال كلِّها، لأن حُسنَ الخُلق قد يُراد به التخلُّقُ بأخلاق الشريعة، والتأدُّبُ بآداب الله التي أدَّبَ بها عبادَه في كتابه، كما قال تعالى لرسول الله ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقالت عائشة: كان خُلُقُه ﷺ القرآن (١)، يعني أنَّه يتأدَّب بآدابه، فيفعل أوامرَه ويجتنب نواهيه، فصار العملُ بالقرآن له خُلقًا كالجبلَّة والطَّبيعة لا يُفارِقُه، وهذا أحسنُ الأخلاق وأشرفُها وأجملُها. وقد قيل: إنَّ الدِّين كلَّه خُلُقٌ. وأما في حديث وابصة، فقال: "البرُّ ما اطمأنَّ إليه القلبُ، واطمأنت إليه النفس"، وفي رواية: "ما انشرح إليه الصَّدرُ"، وفسر الحلالَ بنحوِ ذلك في حديث أبي ثعلبة وغيره، وهذا يدلُّ على أن الله فطرَ عبادَه على معرفة الحق، والسكون إليه وقبوله، وركَّز في الطباع محبةَ ذلك، والنفور عن ضدِّه. وقد يدخل هذا في قوله في حديث عياض بن حِمار: "إني خلقتُ عبادي حنفاءَ مسلمين، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، فحرَّمَتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمَرَتهُم أن يُشرِكوا بي ما لم أنزِّل به سلطانًا" (٢).

стр. 617

وقوله: "كلُّ مولودٍ يُولدُ على الفطرةِ، فأبواه يهوِّدانه، وينصِّرانه، ويمجِّسانه، كما تُنتج البهيمةُ بهيمةً جمعاء، هل تُحِسُّونَ فيها من جدعاء؟ " قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (١). ولهذا سمَّى الله ما أمرَ به معروفًا، وما نهى عنه منكرًا، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقال في صفة الرسول ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وأخبر أن قلوب المؤمنين تطمئنُّ بذكره، فالقلبُ الذي دخله نورُ الإيمان، وانشرح به وانفسح، يسكن للحقِّ، ويطمئن به ويقبله، وينفر عن الباطل ويكرهه ولا يقبله. قال معاذ بن جبل: أحذركم زيغةَ الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، فقيل لمعاذ: ما يُدريني أن الحكيمَ قد يقول كلمة الضلالة، وأنَّ المنافق يقول كلمةَ الحقِّ؟ قال: اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يُقال: ما هذه؟ ولا يثنينك ذلك عنه، فإنَّه لعلَّه أن يُراجع، وتَلَقَّ الحقَّ إذا سمعته، فإن على الحقِّ نورًا، خرَّجه أبو داود (٢). وفي رواية له قال: بل ما تشابه عليك من قول الحكيم حتَّى تقول: ما أراد بهذه الكلمة؟ فهذا يدل على أن الحقَّ والباطل لا يلتبسُ أمرُهما على المؤمن البصير، بل يعرف الحقَّ بالنُّور الذي عليه، فيقبله قلبُه، ويَنفِرُ عن الباطل، فينكره ولا يعرفه، ومِنْ هذا المعنى قولُ النبيِّ ﷺ : "سيكون في آخر الزَّمان قوم يحدِّثونَكم بما لم

стр. 618

تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإيَّاكم وإيَّاهم" (١): يعني أنَّهم يأتون بما تستنكره قلوبُ المؤمنين، ولا تعرفه، وفي قوله: "أنتم ولا آباؤكم" إشارةٌ إلى أن ما استقرَّت معرفتُه عند المؤمنين مع تقادُمِ العهد وتطاولِ الزَّمان، فهو الحقُّ، وأنَّ ما أحدث بعد ذلك مما يستنكر، فلا خيرَ فيه. فدلَّ حديثُ وابصة وما في معناه على الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه، فما إليه سكن القلبُ، وانشرح إليه الصَّدرُ، فهو البرُّ والحلالُ، وما كان خلافَ ذلك، فهو الإثم والحرام. وقوله في حديث النوَّاس: "الإثم ما حاك في الصدر، وكرِهتَ أنْ يطْلع عليه الناس" إشارة إلى أن الإثم ما أثَّر في الصدر حرجًا، وضيقًا، وقلقًا، واضطرابًا، فلم ينشرح له الصَّدرُ، ومع هذا، فهو عندَ الناسِ مستنكرٌ، بحيث ينكرونه عند اطِّلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عندَ الاشتباه، وهو ما استنكره النَّاس على فاعلِه وغير فاعله. ومن هذا المعنى قولُ ابن مسعود: ما رآه المؤمنونَ حسنًا، فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا، فهو عند الله قبيح (٢).

стр. 619

وقوله في حديث وابصة وأبي ثعلبة: "وإن أفتاك المفتون" يعني: أنَّ ما حاك في صدر الإنسان، فهو إثمٌ، وإن أفتاه غيرُه بأنه ليس بإثمٍ، فهذه مرتبةٌ ثانيةٌ، وهو أن يكونَ الشيءُ مستنكرًا عندَ فاعله دونَ غيره، وقد جعله أيضًا إثمًا، وهذا إنَّما يكون إذا كان صاحبُه ممَّن شرح صدره بالإيمان، وكان المفتي يُفتي له بمجرَّد ظنٍّ أو ميلٍ إلى هوى من غير دليلٍ شرعيٍّ، فأمَّا ما كان مع المفتي به دليل شرعي، فالواجب على المستفتي الرُّجوعُ إليه، وإن لم ينشرح له صدرُه، وهذا كالرخص الشرعية، مثل الفطر في السفر، والمرض، وقصر الصَّلاة في السفر، ونحو ذلك ممَّا لا ينشرحُ به صدور كثيرٍ مِنَ الجُهَّال، فهذا لا عبرةَ به. وقد كان النبيُّ ﷺ أحيانًا يأمرُ أصحابَه بما لا تنشرحُ به صدورُ بعضهم، فيمتنعون من فعله، فيغضب منْ ذلك، كما أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة (١)، فكرهه من كرهه منهم، وكما أمرهم بنحر هديهِم، والتَّحلُّل من عُمرة الحُديبية، فكرهوه، وكرهوا مقاضاتَه لقريش على أن يرجِعَ من عامِه، وعلى أن من أتاه منهم يردُّه إليهم (٢). وفي الجملة، فما ورد النص به، فليس للمؤمن إلا طاعةُ الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].

стр. 620

وينبغي أن يتلقى ذلك بانشراح الصَّدر والرِّضا، فإنَّ ما شرعه الله ورسولُه يجبُ الإيمانُ والرضا به، والتَّسليمُ له، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وأما ما ليس فيه نصٌّ من الله ورسوله ولا عمن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان، المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين منه شيءٌ، وحكَّ في صدره لشبهة موجودة، ولم يجد مَنْ يُفتي فيه بالرُّخصة إلَّا من يخبر عن رأيه، وهو ممن لا يُوثَقُ بعلمه وبدينه، بل هو معروفٌ باتِّباع الهوى، فهنا يرجعُ المؤمن إلى ما حكَّ في صدره، وإن أفتاه هؤلاء المفتون. وقد نصَّ الإمامُ أحمد على مثل هذا، قال المروزى في "كتاب الورع": قلتُ لأبي عبد الله: إنَّ القطيعة أرفقُ بي من سائر الأسواق، وقد وقع في قلبي من أمرها شيءٌ، فقال: أمرُها أمرٌ قذر متلوِّث، قلت: فتكره العملَ فيها؟ قال: دع ذا عنك إنْ كان لا يقعُ في قلبك شيء، قلت: قد وقع في قلبي منها، قال: قال ابن مسعود: الإثم حوازُّ القلوب (١). قلت: إنَّما هذا على المشاورة؟ قال: أيُّ شيءٍ يقع في قلبك؟ قلت: قد اضطربَ عليَّ قلبي، قال: الإِثم حَوازُ القلوب. وقد سبق في شرح حديث النعمان بن بشير: "الحلالُ بَيِّنٌ والحَرامُ بيِّنٌ"، وفي شرح حديث الحسن بن علي: "دع ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك"، وشرح حديث: "إذا لم تستحي، فاصنع ما شئت" شيءٌ يتعلَّقُ بتفسير هذه الأحاديث المذكورة هاهنا. وقد ذكر طوائفُ مِن فقهاءِ الشافعيَّة والحنفية المتكلمين في أصول الفقه

стр. 621

مسألة الإلهام: هل هو حجَّةٌ أم لا؟ وذكروا فيه اختلافًا بينهم، وذكر طائفةٌ من أصحابنا أن الكشفَ ليس بطريق للأحكام، وأخذه القاضي أبو يعلى من كلام أحمد في ذمِّ المتكلِّمين في الوساوس والخطرات، وخالفهم طائفة من أصحابنا في ذلك، وقد ذكرنا نصَّ أحمد هاهنا بالرُّجوع إلى حوازِّ القلوب، وإنَّما ذمَّ أحمدُ وغيرُه المتكلمين على الوساوس والخطرات من الصوفية حيث كان كلامُهم في ذلك لا يستندُ إلى دليلٍ شرعيٍّ، بل إلى مجرَّد رأي وذوقٍ، كما كان ينكرُ الكلامَ في مسائلِ الحلال والحرام بمجرَّدِ الرَّأي من غير دليلٍ شرعيٍّ. فأمَّا الرُّجوع إلى الأمور المشتبهة إلى حوازًا لقلوب، فقد دلَّت عليه النُّصوص النبوية، وفتاوى الصحابة، فكيف يُنكره الإِمام أحمد بعدَ ذلك؟ لا سيَّما وقد نصَّ على الرُّجوع إليه موافقةً لهم. وقد سبق حديث: "إن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة" (١)، فالصدق يتميَّزُ من الكذب بسكونِ القلب إليه، ومعرفته، وبنفوره عن الكذب وإنكاره، كما قال الربيعُ بن خثيم: إنَّ للحديث ضوءًا كضوء النَّهار تعرفه، وظلمةً كظُلمة الليل تُنكره (٢). وخرَّج الإمام أحمد (٣) من حديث ربيعة، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد، عن أبي حميد وأبي أسيد أن رسولَ الله ﷺ قال: "إذا سمعتُمُ الحديثَ عنِّي تعرفُهُ قلوبُكم، وتلينُ له أشعارُكم وأبشارُكم، وترَوْنَ أنَّه منكم قريبٌ، فانا أولاكم به، وإذا سمعتُم الحديث عنِّي تُنكره قلوبُكم، وتَنفرُ منه أشعارُكم وأبشارُكم، وترون أنَّه منكم بعيدٌ، فأنا أبعدكم منه". وإسناده قد قيل: إنه على

стр. 622

شرط مسلم، لأنه خرَّج بهذا الإسناد بعينه حديثًا (١)، لكن هذا الحديث معلول، فإنَّه رواه بُكير بن الأشج، عن عبد الملك بن سعيد، عن عباس بن سهل، عن أبيِّ بن كعب من قوله (٢)، قال البخاري (٢): وهو أصحُّ. وروى يحيى بنُ آدم عن ابن أبي ذئبٍ عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إذا حُدِّثتُم عني حديثًا تعرفونه، ولا تنكرونه، فصدِّقُوا به، فإنِّي أقولُ ما يُعرف ولا يُنكر، وإذا حُدِّثتُم عنِّي حديثًا تنكرونه ولا تعرفونه، فلا تصدقوا به، فإنِّي لا أقول ما يُنكر ولا يعرف" (٣)، وهذا الحديث معلولٌ أيضًا، وقد اختلف في إسناده على ابن أبي ذئب، ورواه الحفاظ عنه عن سعيد مرسلًا، والمرسل أصحُّ عند أئمة الحفاظ، منهم ابنُ معين والبخاري (٤) وأبو حاتم الرازي (٥) وابن خزيمة، وقال: ما رأيتُ أحدًا من عُلماء الحديث يُثبت وصلَه. وإنما تُحمل مثل هذه الأحاديث - على تقدير صحَّتها - على معرفة أئمة الحديث الجهابذة النُّقَّاد، الذين كَثُرت ممارستهم لكلام النبيِّ ﷺ ، وكلام غيره، ولحال رُواةِ الأحاديث، ونَقَلَةِ الأخبار، ومعرفتهم بصدقهم وكذبهم وحفظهم وضبطهم، فإن هؤلاء لهم نقدٌ خاصُّ في الحديث يختصون بمعرفته، كما يختصُّ الصيرفي الحاذق بمعرفة النُّقود، جيِّدِها ورديئها، وخالصها

стр. 623

ومشوبِها، والجوهري الحاذق في معرفة الجوهر بانتقاد الجواهر، وكلٌّ من هؤلاء لا يمكنُ أن يُعبِّرَ عن سبب معرفته، ولا يُقيم عليه دليلًا لغيره، وآيةُ ذلك أنَّه يُعرَضُ الحديثُ الواحدُ على جماعة ممن يعلم هذا العلم، فيتَّفقونَ على الجواب فيه مِنْ غير مواطأة. وقد امتحن هذا منهم غيرَ مرَّةٍ في زمن أبي زُرعة وأبي حاتم، فوُجِدَ الأمرُ على ذلك، فقال السائل: أشهدُ أن هذا العلم إِلهامٌ. قال الأعمش: كان إبراهيم النخعي صيرفيًا في الحديث، كنت أسمعُ مِنَ الرِّجالِ، فأعرض عليه ما سمعته (١). وقال عمرو بن قيس: ينبغي لصاحب الحديث أن يكونَ مثل الصيرفيّ الذي ينتقد الدراهم، فإن الدراهم فيها الزائفَ والبَهْرَجَ وكذلك الحديث. وقال الأوزاعي: كنا نسمع الحديث فنَعرِضُهُ على أصحابنا كما نَعرِضُ الدرهم الزَّائف على الصيارفة، فما عرفوا أخذنا، وما أنكروا تركنا (٢). وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: إنك تقولُ للشيء: هذا صحيح وهذا لم يثبت، فعن من تقولُ ذلك؟ فقال: أرأيتَ لو أتيتَ الناقد فأريتَه دراهمك، فقال: هذا جيد، وهذا بهرَجٌ أكنت تسأله عن من ذلك، أو كنت تسلم الأمر إليه؟ قال: لا، بل كنت أسلمُ الأمر إليه، قال: فهذا كذلك لطول المجالسة والمناظرة والخُبْر به. وقد روي نحو هذا المعنى عن الإمام أحمد أيضًا، وأنه قيل له: يا أبا عبد الله تقولُ: هذا الحديث منكر، فكيف علمتَ ولم تكتب الحديثَ كلَّه؟ قال:

стр. 624

مَثَلُنا كمثل ناقدِ العين (١) لم تقع بيده العَيْنُ كلُّها، وإذا وقع بيده الدينارُ يعلم أنه جيدٌ، وأنه رديء. وقال ابنُ مهدي: معرفةُ الحديث إلهام. وقال: إنكارُنا الحديث عند الجهال كهانة. وقال أبو حاتم الرازي: مَثَلُ معرفة الحديث كمثل فصٍّ ثمنه مئة دينار، وآخر مثله على لونه، ثمنُه عشرة دراهم، قال: وكما لا يتهيأ للناقدِ أن يُخبر بسبب نقده، فكذلك نحن رُزِقنا علمًا لا يتهيأ لنا أن نُخبِر كيف علمنا بأنَّ هذا حديثٌ كذِبٌ، وأن هذا حديثٌ مُنكرٌ إلا بما نعرفه، قال: وتُعرَفُ جودةُ الدينارِ بالقياسِ إلى غيره، فإن تخلف عنه في الحمرة والصَّفاء علم أنَّه مغشوش، ويُعلم جنسُ الجوهر بالقياس إلى غيره، فإنْ خالفه في المائيَّة والصَّلابة، علم أنَّه زجاج، ويُعلَمُ صحةُ الحديث بعدالة ناقليه وأن يكون كلامًا يصلح مثلُه أن يكون كلامَ النبوة، ويُعرف سُقمه وإنكاره بتفرُّد من لم تصحَّ عدالته بروايته والله أعلم (٢). وبكلِّ حالٍ فالجهابذةُ النقادُ العارفون بعلل الحديث أفرادٌ قليلٌ من أهل الحديث جدًّا، وأوَّل من اشتهر بالكلام في نقد الحديث ابنُ سيرين، ثم خلفه أيوبُ السختياني، وأخذ ذلك عنه شعبةُ، وأخذ عن شعبة يحيى القطان وابنُ مهدي، وأخذ عنهما أحمد، وعلي بن المديني، وابن معين، وأخذ عنهم مثلُ البخاري وأبي داود وأبي زُرعة وأبي حاتم. وكان أبو زرعة في زمانه يقول: قلَّ من يفهم هذا، وما أعزّه إذا دفعت هذا عن واحد أو اثنين، فما أقلَّ من تجد من يُحسن هذا! ولما مات أبو زرعة، قال أبو حاتم: ذهب الذي كان يُحسن هذا - يعني أبا زرعة - ما بقي بمصر ولا

стр. 625

بالعراق واحد يحسن هذا. وقيل له بعدَ موت أبي زُرعة: تعرف اليوم أحدًا يعرف هذا؟ قال: لا. وجاء بعد هؤلاء جماعة، منهم: النسائي والعقيلي وابنُ عدي والدارقطني، وقلَّ من جاء بعدهم ممَّن هو بارع في معرفة ذلك حتى قال أبو الفرج بن الجوزي في أوَّل كتابه "الموضوعات" (١): قد قلَّ من يفهم هذا بل عُدِمَ. والله أعلم.

стр. 626

الحديث الثامن والعشرون عَنْ العِرْبَاض بن ساريةَ ﵁ قالَ: وَعَظَنا رسولُ الله ﷺ مَوعِظَةً، وَجِلَتْ مِنْهَا القُلوبُ، وذَرَفَتْ مِنها العُيونُ، فَقُلْنا: يَا رَسولَ اللهِ، كأنَّهَا مَوعِظَةُ مُودِّعٍ، فأوْصِنا، قال: "أوصيكُمْ بتَقوى اللهِ، والسَّمْعِ والطَّاعةِ، وإنْ تَأمَّرَ عَليكُم عَبْدٌ، وإنَّه من يَعِشْ مِنكُمْ بعدي فَسَيرى اختلافًا كَثيرًا، فعَليكُمْ بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلفاء الرَّاشدينَ المهديِّينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكُم ومُحْدَثاتِ الأمورِ، فإنَّ كُلَّ بِدعةٍ ضَلالَةٌ" رواه أبو داود والتِّرمذيُّ، وقال: حديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ (١). هذا الحديث خرَّجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من رواية ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، زاد أحمد في رواية له، وأبو داود: وحُجْر بن حجر الكلاعي، كلاهما عن العِرباض بن سارية، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحافظ أبو نعيم: هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين، قال: ولم يتركه البخاري ومسلم من جهة إنكارٍ منهما له، وزعم الحاكمُ أن سبَبَ تركهما له أنهما توهَّما أنَّه ليس له

стр. 627

راوٍ عن خالد بن معدان غيرَ ثور بن يزيد، وقد رواه عنه أيضًا بحير بن سعد ومحمد بن إبراهيم التيمي وغيرهما. قلتُ: ليس الأمرُ كما ظنَّه، وليس الحديثُ على شرطهما، فإنهما لم يخرِّجا لعبد الرحمن بن عمرو السُّلمي، ولا لحُجْرٍ الكلاعي شيئًا، وليسا ممَّن اشتهر بالعلم والرواية. وأيضًا، فقد اختُلِفَ فيه على خالد بن معدان، فروي عنه كما تقدَّم، وروي عنه عن ابن أبي بلال عن العِرباض، وخرَّجه الإِمام أحمد مِنْ هذا الوجه أيضًا، وروي أيضًا عن ضمرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العِرباض، خرَّجه من طريقه الإمام أحمد وابن ماجه، وزاد في حديثه: "فقد تركتُكم على البيضاءِ، ليلُها كنهارها، لا يزيغُ عنها بعدي إلا هالكٌ"، وزاد في آخر الحديث: "فإنَّما المؤمن كالجمل الأنِفِ، حيثما قيدَ انقاد". وقد أنكر طائفةٌ مِنَ الحُفَّاظ هذه الزيادة في آخر الحديث، وقالوا: هي مدرجةٌ فيه، وليست منه، قاله أحمد بن صالح المصري وغيره، وقد خرَّجه الحاكم، وقال في حديثه: وكان أسد بن وداعة يزيد في هذا الحديث: "فإنَّ المؤمن كالجملِ الأنِفِ، حيثما قيد انقاد". وخرَّجه ابن ماجه أيضًا من رواية عبد الله بن العلاء بن زبر، حدثني يحيى بن أبي المطاع، سمعتُ العرباض فذكره، وهذا في الظاهر إسناد جيد متَّصلٌ، ورواته ثقات مشهورون، وقد صرَّح فيه بالسَّماع، وقد ذكر البخاري في "تاريخه" (١) أن يحيى بن أبي المطاع سمع من العِرباض اعتمادًا على هذه الرواية، إلَّا أن حفَّاظ أهلِ الشَّام أنكروا ذلك، وقالوا: يحيى بن أبي المطاع لم يسمع من العرباض، ولم يلقه، وهذه الرواية غلطٌ، وممَّن ذكر ذلك أبو زرعة

стр. 628

الدِّمشقي، وحكاه عن دُحيم (١)، وهؤلاء أعرفُ بشيوخهم من غيرهم، والبخاري ﵀ يقع له في تاريخه أوهام في أخبار أهل الشام، وقد رُوي عن العِرباض من وجوه أخر، ورُوي من حديث بُريدة عن النبيِّ ﷺ ، إلَّا أن إسنادَ حديث بُريدة لا يثبت، والله أعلم. فقولُ العِرباض: وعظنا رسولُ الله ﷺ موعظة، وفي رواية أحمد وأبي داود والترمذي: "بليغة"، وفي روايتهم أن ذلك كان بعد صلاةِ الصُّبح، وكان النبيُّ ﷺ كثيرًا ما يَعِظُ أصحابَه في غير الخُطَب الرَّاتبة، كخطب الجمع والأعياد، وقد أمره الله تعالى بذلك، فقال: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]، وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، ولكنه كان لا يُديم وَعظهم، بل يتخولُهُم به أحيانًا، كما في "الصحيحين" عن أبي وائل، قال: كان عبدُ الله بنُ مسعودٍ يذكِّرنا كلَّ يوم خميسٍ، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، إنَّا نحبُّ حديثَك ونشتهيه، ولَودِدْنا أنك حدَّثتنا كلَّ يومٍ، فقال: ما يمنعني أن أحدِّثكم إلَّا كراهةَ أن أمِلَّكم، إن رسول الله ﷺ كان يتخوَّلنا بالموعظة كراهة السآمة علينا (٢). والبلاغةُ في الموعظة مستحسنةٌ، لأنها أقربُ إلى قَبولِ القلوب واستجلابها، والبلاغةُ: هي التَّوصُّل إلى إفهام المعاني المقصودة، وإيصالها إلى قلوب السامعين بأحسنِ صُورِة مِنَ الألفاظ الدَّالَّةِ عليها، وأفصحها وأحلاها للأسماع، وأوقعها في القلوب. وكان ﷺ يقصر خطبتها، ولا يُطيلُها، بل كان يُبلغُ ويُوجزُ. وفي "صحيح مسلم" (٣) عن جابر بن سمُرَة قال: كنتُ أصلِّي معَ النَّبيِّ ﷺ ،

стр. 629

فكانت صلاتُه قصدًا، وخطبته قصدًا. وخرَّجه أبو داود (١) ولفظه: كان رسولُ الله ﷺ لا يُطيلُ الموعظةَ يومَ الجمعة، إنَّما هو كلمات يسيرات. وخرَّج مسلم من حديث أبي وائل قال: خطبنا عمارٌ فأوْجَزَ وأبْلغَ، فلما نزل، قلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفَّستَ، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ طُولَ صلاة الرَّجُلِ، وقِصَر خُطبتِهِ، مَئِنَّة من فقهه، فأطيلوا الصَّلاة، وأقصروا الخطبة، فإنَّ من البيان سحرًا (٢) ". وخرَّج الإمام أحمد وأبو داود من حديث الحكم بن حزن، قال: شهدتُ مع رسولِ الله ﷺ الجمعة فقام متوكئًا على عصا أو قوس، فحمِدَ الله، وأثنى عليه كلماتٍ خفيفاتٍ طيِّباتٍ مباركاتٍ (٣). وخرَّج أبو داود عن عمرو بن العاص أن رجلًا قام يومًا، فأكثر القولَ، فقال عمروٌ: لو قَصَد في قوله، لكان خيرًا له، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لقد رأيتُ - أو أمرتُ - أن أتجوَّزَ في القول، فإنَّ الجواز هو خير" (٤). وقوله: "ذرفت منها العيونُ ووَجِلت منها القلوب" هذان الوصفان بهما مدح الله المؤمنين عندَ سماع الذكر كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] وقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ. الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥] وقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ

стр. 630

قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، وقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]. وكان ﷺ يتغيَّرُ حالُه عند الموعظةِ، كما قال جابر: كان النبي ﷺ إذا خطبَ، وذكر الساعةَ، اشتدَّ غضبه، وعلا صوتُه، واحمرَّت عيناه، كأنه منذرُ جيش يقول: صبَّحَكُم ومسَّاكم. خرَّجه مسلم بمعناه (١). وفي "الصحيحين" عن أنس أنَّ النبيَّ ﷺ خرج حين زاغت الشَّمسُ، فصلى الظُّهرَ، فلمَّا سلم، قام على المنبر، فذكر السَّاعة، وذكر أن بَيْنَ يديها أمورًا عظامًا، ثم قال: "من أحبَّ أن يسألَ عن شيء فليسأل عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء إلَّا أخبرتُكم به في مقامي هذا"، قال أنس: فأكثر النَّاسُ البكاءَ، وأكثر رسولُ الله ﷺ أن يقول: "سلوني"، فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسولَ الله، قال: "النار" وذكر الحديث (٢). وفي "مسند" الإِمام أحمد (٣) عن النُّعمان بن بشير أنه خطب، فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يَخْطُبُ يقول: "أنذرتكم النَّار، أنذرتكم النار، حتَّى لو أن رجلًا كان بالسُّوق لسمعه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه. وفي "الصحيحين" عن عدي بن حاتمٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "اتقوا

стр. 631

النَّار"، قال: وأشاح، ثم قال: "اتقوا النَّار"، ثم أعرض وأشاح ثلاثًا حتى ظننا أنَّه ينظر إليها، ثم قال: "اتَّقوا النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ، فمن لم يجد فبكلمة طيِّبةٍ" (١). وخرَّج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن سلمة عن عليٍّ، أو عن الزُّبير بن العوام، قال: كان رسولُ الله ﷺ يخطُبنا، فيذكِّرُنا بأيَّام الله، حتَّى يُعرَف ذلك في وجهه، وكأنه نذيرُ قوم يُصبِّحهم الأمرُ غُدوةً، وكانَ إذا كان حديثَ عهدٍ بجبريلَ لم يتبسَّمْ ضاحكًا حتَّى يرتفع عنه (٢). وخرَّجه الطبراني والبزارُ من حديث جابر، قال: كان النبيُّ ﷺ إذا أتاه الوحيُ، أو وعظَ، قلت: نذير قوم أتاهُم العذابُ، فإذا ذهبَ عنه ذلك، رأيت أطلقَ الناس وجهًا، وأكثَرهم ضَحِكًا، وأحسنهم بِشرًا ﷺ (٣). وقولهم: "يا رسول الله كأنَّها موعظةُ مودِّع، فأوصنا" يدلُّ على أنَّه كان ﷺ قد أبلغَ في تلك الموعظة ما لم يبلغ في غيرها، فلذلك فَهموا أنَّها موعظةُ مودِّع، فإن المودِّع يستقصي ما لا يستقصي غيرُه في القول والفعل، ولذلك أمر النبيُّ ﷺ أن يُصلي صلاة مودِّع، لأنَّه مَنِ استشعر أنَّه مودع بصلاته، أتقنها على أكمل وجوهها. ولرُبما كان قد وقع منه ﷺ تعريضٌ في تلك الخطبة بالتَّوديع، كما عرَّض بذلك في خطبته في حجة الوداع، وقال: "لا أدري، لعلي لا ألقاكم

стр. 632

بعد عامي هذا" (١)، وطفق يودِّعُ الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع، ولمَّا رجع من حجِّه إلى المدينة، جمع الناس بماءٍ بين مكة والمدينة يُسمى خُمًّا، وخطبهم، فقال: "يا أيُّها النَّاس، إنَّما أنَا بَشرٌ يوشِكُ أن يأتينِي رسولُ ربِّي فأجيب"، ثم حضَّ على التمسُّك بكتابِ الله، ووصَّى بأهل بيته، خرَّجه مسلم (٢). وفي "الصحيحين" ولفظه لمسلم عن عقبةَ بن عامرٍ، قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحدٍ، ثم صَعِدَ المنبر كالمودِّع للأحياء والأموات، فقال: "إنِّي فَرَطُكُم على الحوض، فإنَّ عَرْضَهُ، كما بين أيلةَ إلى الجُحفةِ، وإنِّي لست

стр. 633

أخشى عليكم أن تُشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكُم الدُّنيا أن تنافسوا فيها، وتقتتلوا، فتهلكوا كما هلك مَنْ كان قبلكم". قال عقبة: فكانت آخرَ ما رأيت رسولَ الله ﷺ على المنبر (١). وخرَّجه الإمام أحمد (٢) ولفظه: صلَّى رسولُ الله ﷺ على قتلى أحُدٍ بعد ثمانِ سنين كالمودِّعِ للأحياء والأموات، ثم طلَع المنبرَ، فقال: "إنِّي فرطُكم، وأنا عليكم شهيدٌ، وإنَّ موعدَكم الحوضُ، وإنِّي لأنظرُ إليه، ولستُ أخشى عليكمُ الكُفر، ولكن الدُّنيا أن تنافسوها". وخرَّج الإمام أحمد أيضًا عن عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسولُ الله ﷺ يومًا كالمودِّع، فقال: "أنا محمد النبيُّ الأميُّ - قال ذلك ثلاث مرّات - ولا نبيَّ بعدي، أوتيتُ فواتِحَ الكَلِم وخواتمَه وجوامعه، وعلمت كم خزنةُ النَّار، وحملةُ العرش، وتَجوَّزَ لي ربِّي وعُوفيتُ وعُوفِيَتْ أمَّتي، فاسمعوا وأطيعوا ما دمتُ فيكم، فإذا ذُهِبَ بي، فعليكم بكتاب الله، أحلُّوا حلاله، وحرِّموا حرامه" (٣). فلعلَّ الخطبة التي أشار إليها العرباضُ بنُ سارية في حديثه كانت بعضَ هذه الخطب، أو شبيهًا بها ممَّا يشعر بالتوديع. وقولهم: "فأوصنا": يعنون وصيةً جامعةً كافية، فإنهم لمَّا فهموا أنَّه مودِّعٌ، استوصوهُ وصيَّةً ينفعهم التمسُّك بها بعدَه، ويكون فيها كفايةٌ لمن تمسَّك بها، وسعادةٌ له في الدنيا والأخرة. وقوله ﷺ : "أوصيكم بتقوى الله، والسَّمع والطَّاعة"، فهاتان الكلمتان

стр. 634

تجمعان سعادةَ الدُّنيا والأخرة. أمَّا التَّقوى، فهي كافلةٌ بسعادة الآخرة لمن تمسَّك بها، وهي وصيةُ الله للأوَّلين والأخرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]، وقد سبق شرح التقوى بما فيه كفاية في شرح حديث وصية النبيِّ ﷺ لمعاذ (١). وأمَّا السَّمع والطَّاعة لوُلاة أُمور المسلمين، ففيها سعادةُ الدُّنيا، وبها تنتظِمُ مصالحُ العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعةِ ربِّهم، كما قال عليٌّ ﵁: إنَّ الناسَ لا يُصلحهم إلَّا إِمامٌ بَرٌّ أو فاجر، إِن كان فاجرًا عبدَ المؤمنُ فيه ربَّه، وحمل الفاجر فيها إلى أجله (٢). وقال الحسن في الأمراء: هم يلونَ من أمورنا خمسًا: الجمعةَ والجماعة والعيد والثُّغور والحدود، والله ما يستقيم الدِّينُ إلَّا بهم، وإن جاروا وظلموا، والله لَمَا يُصْلحُ الله بهم أكثرُ ممَّا يُفسدون، مع أن - والله - إن طاعتهم لغيظ، وإن فرقتهم لكفر. وخرَّج الخلال في "كتاب الإِمارة" من حديث أبي أمامة قال: أمرَ النبي ﷺ أصحابَه حينَ صلَّوا العشاء "أن احشُدوا، فإن لي إليكم حاجةً"، فلمَّا فرغ مِنْ صلاةِ الصُّبح، قال: "هل حشدتم كما أمرتكم؟ " قالوا: نعم، قال: "اعبدوا الله، ولا تُشركوا به شيئًا، هل عقلتم هذه؟ " ثلاثًا، قلنا: نعم، قال: "أقيموا الصَّلاةَ، وآتوا الزَّكاة، هل عقلتم هذه؟ " ثلاثًا. قلنا: نعم، قال: "اسمعوا وأطيعوا" ثلاثًا، "هل عقلتم هذه؟ " ثلاثًا، قلنا: نعم، قال: فكنَّا نرى أن رسول الله ﷺ سيتكلَّم كلامًا طويلًا، ثم نظرنا في كلامه، فإذا هو قد جمع لنا الأمرَ كلَّه (٣).

стр. 635

وبهذين الأصلين وصَّى النبيُّ ﷺ في خطبته في حجة الوداع أيضًا، كما خرَّج الإمامُ أحمد والترمذي من رواية أمِّ الحصين الأحمسية، قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يخطُبُ في حَجةِ الوداع، فسمعتهُ يقول: "يا أيُّها النَّاسُ، اتَّقوا الله، وإن أُمِّرَ عليكم عبد حبشيٌّ مجدَّعٌ، فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتابَ الله" (١). وخرَّج مسلم منه ذكرَ السمعِ والطاعة (٢). وخرَّج الإمام أحمد والترمذي أيضًا من حديث أبي أمامة، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يخطُبُ في حَجَّةِ الوداع، يقول: "اتَّقوا الله، وصلُّوا خمسَكُم، وصوموا شهركم، وأدُّوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخُلُوا جنَّةَ ربِّكم"، وفي رواية أخرى أنه قال: "يا أيُّها النَّاس، إنَّه لا نبيَّ بعدي، ولا أمَّةَ بعدكم" وذكر الحديث بمعناه (٣). وفي "المسند" (٤) عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "من لقِيَ الله لا يشركُ به شيئًا، وأدَّى زكاةَ مالهِ طيِّبةً بها نفسُه محتسبًا، وسمع وأطاع، فله الجنة، أو دخل الجنة". وقوله ﷺ : "وإن تأمَّرَ عليكم عبدٌ" وفي رواية: "حبشي" هذا مما تكاثرت به الرِّوايات عن النبيِّ ﷺ ، وهو مما اطلع عليه النبيُّ ﷺ من أمرِ أمته بعده،
следующие страницы →