← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 4270

فدائيون من عصر الرسول

أحمد الجدع

Полный текст (161 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

هكذا علّم الإسلام محمد بن مسلمة أن يعامل الناس وفاء بوفاء، وأن يقيل عثرات الكرام، فما أعظم ما يجنيه الناس من هذا الدين العظيم. واستسلمت بنو قريظة، ونزلوا على حكم سعد بن معاذ، فتذكر سعد غدرهم وخستهم واستحضر وقاحتهم حين قالوا له: ومن رسول الله، لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد. . وتذكر ما كادوا ينزلونه بالمسلمين من إبادة لولا أن تداركهم الله برحمته، فحكم عليهم بالموت، وأقر الرسول هذا الحكم لأنه حكم العدالة الإلهية، فأمر ﵇ أن يجمع رجالهم في ناحية، وأوكل أمر حراستهم إلى محمد بن مسلمة إلى أن نفذ فيهم حكم الله العادل. * * العدو الألد: جن جنون يهود، فلم يبق في عقولهم متسع للتفكير المتزن، ولم يبق في قلوبهم مجال لغير الحقد والحسد فراحوا يعملون بكل ما لديهم لحرب الله ورسوله، وقام زعماؤهم وأحبارهم بحملة شرسة ضد الاسلام وأهله، فهم لم يكتفوا بأن يقفوا دون إيمان عامة يهود بالدين الحق، بل أوغروا قلوبهم عليه وجندوهم لحربه، ثم راحوا يستعدون قريشاً وعامة القبائل لحرب المسلمين، وأخذ شعراؤهم في هجاء المسلمين والتشبيب بنسائهم. .

стр. 72

وكان رأس كل هؤلاء كعب بن الأشرف، وهو رجل طويل جسيم جميل وشاعر مجيد، ذو مال وفير جعله يسود يهود الحجاز ويكون فيهم مطاعاً. وأظهر كعب عداءه للاسلام من أول يوم حل فيه الرسول ﷺ في المدينة المنورة، حسداً من عند نفسه، وانسجاماً مع جبلة يهود التي تأبى أن ترى السيادة مع غيرها. وبدأت حملة العداء التي تولى كبرها كعب عندما جاءه أحبار بني قينقاع وبني قريظة، كما هي عادتهم كل عام، ليأخذوا صلته! قال لهم كعب: أسمعتم بهذا الرجل القرشي الذي جاء يثرب يدعو إلى الدين الجديد؟ قالوا: نعم. قال: فما عندكم من أمره؟ قالوا: هو الذي كنا ننتظر، ما أنكرنا من نعوته شيئاً! قال كعب: حرمتم كثيراً من الخير! فارجعوا إلى أهلكم فإن الحقوق في مالي كثير! لم يكن أحبار يهود يتوقعون هذه الإجابة من كعب، ولو كانوا يعلمون بما يكنه من عداء للنبي ﷺ لما أجابوه بكلمة الحق، فالمال عندهم مقدم على كل حق فكيف يرتقون ما فتقوا ويصلحون ما أفسدوا، فإن الفساد كل الفساد في

стр. 73

شرعهم أن يحرموا المال ويمنعوه! فراجعوا أنفسهم وقارنوا بين المال والصدق وبين الدنيا والآخرة، وغلبت عليهم أخلاقهم المتأصلة في كيانهم، فاختاروا المال والدنيا على الصدق والآخرة، ونكسوا على رؤوسهم وعادوا إلى كعب أذلة خانعين وقالوا له: يا سيد يهود، إنا أعجلناك فيما خبرناك به، ولما استثبتنا علمنا أن غلطنا، وليس هو المنتظر! بهذا الموقف المتخاذل من أحبار السوء كسب كعب الجولة في عدائه للإسلام، فسارع إلى هؤلاء النفر من الأحبار فوصلهم وأغدق عليهم، وأعلن أن لكل من يتابعهم على رأيهم هذا من الأحبار خرجاً من ماله ومنزلة في سلطانه! وهكذا ضمن كعب يهود إلى جانبه، أما المشركون من قريش فهم معه على كل حال، ولكنه أراد أن يصل ما بينه وبينهم وينسق عمله معهم، فارتحل إلى مكة في سبعين راكباً من يهود، ونزلوا على أبي سفيان بن حرب فرحب بهم وأكرمهم، ورأى بمقدمهم فرصة مواتية ليثبت قريشاً على عدائها لمحمد ودين محمد، فعقد لليهود مجلساً في ملأ من قريش وأحلافهم، وقال لهم والناس تسمع: يا معشر يهود، إنكم أهل كتاب، ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم، فإن أردتم أن نحالفكم ونقاتل محمداً معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما!

стр. 74

واشرأبّت القلوب، وأنصتت الآذان، وأطرقت العيون، فما كان ليهود أن تسجد للأصنام وتؤمن بها وهي التي كانت تدعوهم لعبادة الله ونبذ هذه الأصنام. . أيمكن أن يحدث هذا؟ وما راع الناس إلا منظر سبعين يهودياً يعلنون إيمانهم بالأصنام ويسجدون لها! فعلها أبناء القردة وسلالة الخنازير، ولكنها لم تكن غريبة منهم ولا عجيبة، فقد سجدوا من قبل لعجل السامري، وإنما هؤلاء الأحفاد من أولئك الأجداد! وهكذا عقد الحلف بين جاهلية الأصنام وجاهلية الأحبار، ومع أنه يبدو للناس بأن هذا الحلف قوي، إلا أنه والله سحاب هريق ماؤه وسراب ليس وراءه إلا الخيبة والضياع! وقوي ساعد كعب، أو هكذا ظن هو، فتمادى في عدائه للمسلمين، وأخذ يحرض عليهم بشعره، ويهجوهم به ويشنع عليهم. وقد كان للشعر عند العرب منزلة وأي منزلة، فكان أشد ما يؤلمهم بيت من الشعر يهجون به، وكان أشد ما سله عليهم كعب شعره هذا الذي يفتري فيه على الله وعلى رسوله وعلى المسلمين. وصبر المسلمون على ما أعلنه كعب من عداوتهم، فهم

стр. 75

الآن في شغل عنه بتنظيم أمور المدينة، وبمراقبة قريش والأعراب الطامعين بغزو المدينة. ونشبت المناوشات بين قريش والمسلمين، وأفضت المناوشات إلى الصدام الكبير في بدر، وفيها أكد المسلمون قوتهم وتحسنت سمعتهم الحربية بين الأعراب، ورسخ مركزهم وثبتت أقدامهم كقوة في الجزيرة يحسب حسابها ويخشى جانبها، وتخلصوا في بدر من زعماء قريش الذين صرعتهم الأيدي المتوضئة والقلوب المؤمنة. وأرسل الرسول – ﵇ – بين يدي عودته منتصراً من بدر بشيرين إلى المدينة يزفان أخبار النصر المؤزر في بدر. واجتمع حولهم سكان المدينة مسلمهم وكافرهم وانضم اليهم يهود، وكلهم يسأل عن أخبار بدر، فجعل البشيران عبد الله بن راوحة وزيد بن حارثة يقولان: قُتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام وزمعة بن الأسود وأمية بن خلف وابو البختري بن هشام ونبيه بن الحجاج ومنبه بن الحجاج. وعمت الفرحة قلوب المسلمين، وساد الوجوم أهل الشرك ويهود، فقد عدد البشيران زعماء قريش وسادة العرب وفرسان المعارك. كان كعب بن الأشرف يقف وسط هذه الجموع وقد

стр. 76

تقاذفتها أفكار متضاربة، فهم بين فرح مسرور وحزين مقهور، ودارت الأرض تحت قدمي كعب وهمس لنفسه: أحق ما يقول هؤلاء؟ لا، لا إن هذا أمر أغرب من الخيال ولا بد أن البشيرين يحلمان! وأفاق كعب من سكرته، وهب صائحاً بأعلى صوته: أيها الناس، لا تصدقوا هذين، فإنهما لا يعلمان ما يقولان فهؤلاء الذين عدوا من بين القتلى هم أشراف العرب وملوك الناس، ووالله إن كان محمد قتل هؤلاء القوم فبطن الأرض خير من ظهرها! وانسحب الناس بين مصدق ومكذب، وانتظر المسلمون عودة رسول الله لتهنئته بالنصر المبين، فلما عاد – ﵇ – وتيقن كعب الخبر، راح يبكي قتلى بدر ويُحرض قريشاً بشعره على المسلمين وأخذت الرسل تأتي وتذهب بينه وبين قريش الموتورة، وكان مما أرسل إليه أبو سفيان بن حرب يسأله: " إنك تقرأ الكتاب، ونحن أميون فأينا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق نحن أم محمد؟ "، فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً مما هو عليه! ! وتمادى كعب لما رآه من كف المسلمين أيديهم عنه، ولما يؤمله من قدوم قريش للثأر لقتلى بدر، وألح في هجاء المسلمين، وتطاول على رسول الله بلسانه القذر، وتعرض لنساء المسلمين فشبب بهن وذكرهن بالسوء.

стр. 77

قتل كعب بن الأشرف: عند ذلك قال الرسول ﷺ في مجلس من أصحابه: " اللهم أكفني ابن الأشرف بما شئت في إعلانه الشر وقوله الأشعار " ثم التفت إلى أصحابه وقال: " من لنا بابن الأشرف فقد استعلن بعداوتنا وهجائنا، وآذى الله ورسوله وقوّى المشركين علينا ". فقال محمد بن مسلمة: " أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله ". فقال – ﵇ –: " إفعل إن قدرت على ذلك ". وكان كعب بن الأشرف عزيزاً في قومه، ممتنعاً في حصنه، يحتاج الوصول إليه إلى خطة محكمة وعزم كالجبال. وأدرك الصحابي الجليل محمد بن مسلمة عظم المهمة وصعوبتها، فقضى ثلاث ليال لا يأكل ولا يشرب إلا ما يبقي على نفسه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأرسل إليه، فلما حضر قال له: لم تركت الطعام والشراب؟ قال: " يا رسول الله، قلت قولاً لا أدري أفي به أم لا. قال رسول الله ﷺ : إنما عليك الجهد. قال: يا رسول الله، إنه لا بد لنا أن نقول ". قال ﵇: قولوا ما بدا لكم، فأنتم في حلٍ من ذلك.

стр. 78

وأعطت هذه الكلمات محمد بن مسلمة روحاً متوثبة، ونفساً متأهبة، فذهب من فوره ليختار من يساعده على هذه المهمة، وكان لا بد من التروي في الاختيار، فالمهمة صعبة، والرجل ممتنع، وأمر رسول الله لا بد أن ينفذ. جلس محمد بن مسلمة يستعرض في ذهنه أصحاب رسول الله ممن يستطيع أن يعتمد عليهم في قتل ابن الأشرف. وبعد طول تفكر استقر رأيه على أربعة نفر: أبو نائلة سلكان بن سلامة وهو أخو كعب بن الأشرف من الرضاع، وعباد بن بشر، والحارث بن أوس من بني عبد الأشهل، وأبو عبس بن جبر أخو بني حارثة. لقد وافق محمد بن مسلمة في تكوين فرقته الفدائية، فهو ابن أخت كعب بن الأشرف وأبو نائلة أخو كعب من الرضاع، وهذا يساعد على كسب ثقة كعب، والثلاثة الباقون من أشجع الرجال ومن أشدهم إخلاصاً واندفاعاً لنصرة الإسلام. اجتمع الفدائيون وتداولوا الأمر وقلبوه على وجوهه، ثم اتفقوا على خطة أحكموا فصولها، وابتدأ أبو نائلة في تنفيذ دوره فيها، ذهب إلى كعب بن الأشرف زائراً، فجلس عنده ساعة وتناشدا الأشعار، ثم أطرق أبو نائلة إطراقة المهموم، فقال له كعب: ما لك يا أخي؟ قال أبو نائلة: ويحك يا بن الأشرف، اني قد جئتك

стр. 79

لحاجة أريد ذكرها لك، فاكتم علي. قال كعب: أفعل. قال أبو نائلة: كان قدوم هذا الرجل (يعني النبي) بلاء علينا. عادتنا العرب، ورمونا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس. قال كعب: أنا ابن الأشرف، أما والله لقد كنت أخبرتك يا بن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما كنت أقول. قال أبو نائلة: إني قد أردت أن تبيعنا طعاماً ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك. قال كعب: ترهنوني نساءكم؟ قال أبو نائلة: على رسلك يا كعب، فكيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب ولا نأمنك عليهن؟ قال كعب: ترهنوني أبناءكم. قال أبو نائلة: لقد أردت أن تفضحنا. إن معي أصحاباً لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن في ذلك، ونرهنك من الحلقة (السلاح) ما فيه لك وفاء. قال كعب: إن في الحلقة لوفاء. قال أبو نائلة: ومتى آتيك بهم؟ قال كعب: متى شئت، وليكن ليلاً حتى لا تثيروا ريبة محمد وأصحابه!

стр. 80

وعاد أبو نائلة إلى أصحابه، وقد أدى دوره كما رسم له وأحكم الفصل الأول من الخطة المرسومة، فقد أفهم كعباً أن معه جماعة على رأيه حتى لا يرتاب بهم متى قدموا معه واتفق معه أن يرهنون سلاحهم مقابل بيعهم الزاد لأجل، وذلك حتى لا يرتاع إذا رآهم يحملون السلاح، لقد استطاع أبو نائلة أن يدخل إلى قلب هذا اليهودي من طريقين يعرفهما ممهدين عنده، عدائه لمحمد وحبه للمال والربا. وتواعدت الجماعة لتنفيذ الفصل الثاني من الخطة في الليلة التالية. وفي الموعد المحدد من الليلة التالية التأم جمع الفدائيين فانطلقوا إلى رسول الله ﷺ وحدثوه بما تم بين أبي نائلة وكعب، وما عزموا على تنفيذه الليلة، فمشى معهم رسول الله حتى بقيع الغرقد، وهناك ودعهم ودعا لهم قائلاً: " انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم ". * * كان كعب بن الأشرف حديث عهد بعرس، يسمر مع عروسه وقد أغرق جسمه وثيابه بالطيب، وطاب الحديث بين العروسين فامتد إلى ساعة متأخرة من الليل، وعندما ثقلت جفونهما واستعدا للنوم سمعا صوتاً ينادي: يا كعب بن الأشرف، يا كعب بن الأشرف.

стр. 81

فوثب كعب يلبي النداء، فهبت عروسه وتعلقت بطرف ثوبه وأخذت تناشده أن لا ينزل من حصنه، وتقول له: يا كعب، إنك امرؤ محارب، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في مثل هذه الساعة. قال كعب: إنه أخي أبو نائلة، لو عرف أني نائم ما أيقظني. قالت، وهي لا تزال تتشبث بطرف ثوبه: والله إني لأسمع صوتاً كأنه يقطر منه الدم! قال: قلت لك إنه رضيعي أبو نائلة وابن أختي محمد بن مسلمة. قالت: والله إني لأشعر أن في صوته شراً. نظر إليها مبتسماً، ثم قال مدلاً بفتوته، معتزاً ببطولته دعيني، لو دعي الفتى لطعنة لأجاب. وسحب طرف ثوبه من يدها برفق، ثم نزل من حصنه، واستقبلته الجماعة بالترحاب، وساروا معاً يتجاذبون أطراف الحديث، ويذكرون ما أصابهم بعد مجيء محمد، ويسألونه أن يبيعهم. . . وكعب لا يفتأ يذم لهم النبي ومن آمن معه، ويذكر لهم ما جرّه على يثرب من بلاء، ويقول: حتى يثرب ما عادت تسمى باسمها القديم، فقد أخذ أصحابه يسمونها مدينة الرسول، وهو كما سمعت يسميها طيبة وطابة.

стр. 82

قال له أحدهم: سيعود اسمها القديم يا كعب، فاصبر حتى ندبر أمرنا. فيقول كعب: إن صبرت على هذا فكيف أصبر على ما حرمه على الناس من التعامل بالربا وكيف اصبر وقد باعد ما بيننا وبين إخواننا من الأوس والخزرج، وزعم أنهم ومن أتى معه أمة واحدة؟ وكيف تصبرون أنتم وقد جعل آلهتكم إلهاً واحداً؟ كان الحديث متصلاً، وكعب سادر في غيه وضلاله إلا أن وصلوا إلى مكان يقال له " شعب العجوز "، فوضع أبو نائلة يده على رأس كعب ثم شمها وقال: ما رأيت طيباً أعطر من هذا الطيب! قال كعب: كيف، وعندي أعطر نساء العرب وأجملهن؟ قال أبو نائلة: يا كعب، أدن مني رأسك أشمه وأمسح به وجهي. وبحركة سريعة وضع يده على رأسه واستمسك به وصاح بجماعته: اضربوا عدو الله! انهالت على كعب أسياف أربعة، فلم تغن في حلكة الليل، وصاح عدو الله صيحة أيقظت من بالحصون المحيطة وكلها حصون يهود، فلم يبق حصن إلا وعليه نار، وحاولت يهود أن تأخذ على الفدائيين الطريق، ولكنهم اعجزوهم، وكان الحارث بن أوس قد أصيب بأسياف

стр. 83

إخوانه في عماية الليل، فاحتمله محمد بن مسلمة، وساروا يشتدون حتى وصلوا بقيع الغرقد، فكبروا: الله أكبر الله أكبر. وكان رسول الله ﷺ يقضي ليله مصلياً منذ غادروه لمهمتهم، فما إن سمع تكبيرهم حتى كبر كما كبروا. وعلم أنهم قتلوه، وخرج إلى باب المسجد يستقبلهم، فلما أقبلوا عليه قال لهم عبارته المشهورة في مثل هذه المواقف: " أفلحت الوجوه ". قالوا: أفلح وجهك يا رسول الله. وقادهم رسول الله ﷺ إلى داخل المسجد، وجلسوا متحلقين حوله. ثم أخذ قائد الجماعة محمد بن مسلمة يحدث عن صنيعهم، فقال: عندما رأيت أن أسيافنا لا تغني تذكرت خنجراً حاداً كان معي، فتناولته وطعنته في بطنه حتى انفذته، فعلمت اني قتلته. وفاضت وجوه الحاضرين بشراً وسروراً، وحمدوا لهذه الجماعة ما قامت به من عمل في سبيل الله، وتمنى كل واحد لو توكل إليه مهمة كهذه، ويوفقه الله لإتمامها، ليقوم مقام هؤلاء الصحابة أمام رسول الله، ويسمع ما سمعوا منه عند استقباله لهم امام المسجد: " أفلحت الوجوه "!

стр. 84

* * عندما أصبح الناس واشرقت الشمس بنور ربها جاءت وفود يهود، وقد ملأهم الرعب واستحوذ عليهم الفزع، فقالوا: يا محمد قتل صاحبنا غيلة! فأخذ رسول الله ﷺ يذكرهم بصنيعه من التحريض على المسلمين، وهجائهم والتشبيب بنسائهم. عندئذ علموا أن الرسول هو الذي أمر بقتله، وكانوا من قبل يشكون في ذلك، فازدادوا خوفاً ورعباً وعادوا إلى ديارهم، وحرصوا على إغلاق أبواب حصونهم مع غروب الشمس وما عادوا يفتحونها لأحد أبداً. ورأى رسول الله الفرصة مواتية لكسر شوكة يهود وإرهابهم، فقال لأصحابه: من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه. وكان لهذا الأمر ما يبرره، فيهود لم تتوقف عن التآمر على المسلمين، ولم يفتر عداؤها للاسلام لحظة واحدة، ولم تنفع معها عهود أو عقود، فكان لزاماً وحقاً أن يقابلهم المسلمون عداء بعداء وقسوة بحزم. * * تأديب القبائل المعادية: كان للنشاط الذي ابداه محمد بن مسلمة في خدمة الإسلام والذود عن المسلمين أثره في نفس الرسول ﷺ وكان رسول الله خير من يعرف الرجال وما يصلحون له، فقرب إليه

стр. 85

محمد بن مسلمة، وأوكل إليه مهام حربية كثيرة، معظمها لو درسناها بععمق مهام فدائية، مثل تأديب القبائل المحيطة بالمدينة والتي كانت مصدر شغب على المسلمين، وكانت تساعد قريشاً وتمدها بالرجال. كانت القبائل النجدية القوة الرئيسية التي ساعدت الأحزاب يوم الخندق وكثرت عددهم. ومن بين هذه القبائل قبيلة بكر بن كلاب، فجرد عليها الرسول – ﵇ – حملة من ثلاثين راكباً، أمّر عليهم محمد بن مسلمة، وأمره بالإغارة عليهم والتنكيل بهم حتى لا يفكروا بالعودة إلى إعانة أعداء الإسلام على المسلمين. خرج محمد بن مسلمة بفرقته الخفيفة، وسار يكمن النهار ويسير الليل ليفاجىء القوم. وفي عماية الصبح وقف المسلمون يحيطون بمضارب بني بكر، فوجدوا القوم في نومهم لم يعلموا بهم، فهتف محمد بن مسلمة: الله أكبر. وردد خلفه ثلاثون صوتاً: الله أكبر. الله أكبر، وانقضوا على القوم يفتكون بهم، وبنو بكر لا تدري ماذا تفعل. ولم يجدوا أمامهم سوى الفرار عن العيال والمال، فاستاق المسلمون ما خلفه البكريون غنائم وعادوا بها إلى المدينة. وفي طريق العودة بث محمد بن مسلمة، القائد النابه، رجاله حتى لا يفاجأ بكرة بني بكر عليهم، فاشتبه أحد رجال الحملة برجل يسير منفرداً في الصحراء، فأسره،

стр. 86

وجاء به إلى القائد الذي حقق معه، فتبين له أن الرجل سيد من سادات بني حنيفة اسمه ثمامة بن أثال، جاء متنكراً لاغتيال الرسول ﷺ ، فقدم به محمد بن مسلمة على رسول الله صى الله عليه وسلم ليرى فيه رأيه. * * إلى خيبر: انضم كثير من يهود المدينة إلى يهود خيبر، وراحوا يكيدون للإسلام وأهله، وتمادوا في ضلالهم ومؤامراتهم رغم الطرق العديدة التي اتبعها معهم المسلمون في محاولات لردعهم وإسكاتهم. ولكن هيهات هيهات، فيهود أشد الناس عداوة للذين آمنوا، ولا زالت عداوتهم تقودهم من تهلكة إلى تهلكة، وهم سادرون فيما هم فيه من غل وبغضاء، ولن يكفوا عن ضلالهم حتى يقودهم إلى البوار والفناء. وكان لا بد من غزو خيبر، فانتدب الرسول المسلمين لهذا الغزو، فلبوا النداء، فسار بهم الرسول إلى خيبر، وفي خيبر أعظم حصون يهود، وفي حصونها أشد رجالهم بأساً وأكثرهم شجاعة وإقداماً. وعندا أطل الجيش الإسلامي على خيبر، وقف الرسول ينظر إليها، ووقف المسلمون خلفه ينتظرون ما هو صانع، فإذا برسول الله ﷺ يرفع صوته قائلاً: " الله أكبر،

стр. 87

خربت خيبر، إنا اذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ". وكبّر المسلمون لتكبير رسول الله، وتجاوبت بالتكبير بطاح خيبر وحصونها وبساتينها، ونشط المسلمون للقتال، وتفاءلوا بالنصر المبين. أما يهود خيبر فما إن سمعوا هذا النداء الخالد حتى فزعوا وراحوا يهرعون إلى حصونهم، بل حجورهم، وهم يقولون: محمد والخميس! (١) محمد والخميس! قتل مرحب وكنانة: واحاط الجيش الاسلامي بالحصون والأسوار، واستعد للقتال، فبرز من خلال الحصون " مرحب " أشهر فرسان يهود واشدهم إقداماً، فبرز له رجال من المسلمين فقتلهم، وكان قبل خروجه من الحصن قد رمى حجراً من فوق أحد الأسوار فقتل به محمود بن مسلمة الأنصاري. وجال مرحب حول عسكر المسلمين وأخذ يرتجز: قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب ثم وقف أمام الجيش وصاح: هل من مبارز؟ هل من مبارز؟ فقال رسول الله: من لهذا؟

стр. 88

فنهض محمد بن مسلمة وتقدم من رسول الله ﷺ وقال: أنا له يا رسول الله، انا والله الموتور الثائر. قتل أخي محمود. فقال له رسول الله: " قم اليه ". ثم دعا له قائلاً: اللهم أعنه عليه. ونزل محمد بن مسلمة إلى غريمه الذي قتل عدداً من المسلمين من قبل. نزل إليه ودعاه رسول الله يرن في أذنه: " اللهم اعنه عليه ". فمن كان الله في عونه لا يقدر عليه أحد. واندفع البطل بإيمان لا يتزعزع وبشجاعة يقر له بها كل من عرفه، وصاول مرحباً وجاوله، وكلما ظن أنه تمكن منه وجده قد راغ كما يروغ الثعلب. ودار كل من الفارسين حول صاحبه يريد أن يقتنص منه فرصة فيغتنمها. وكان المسلمون ينظرون إلى محمد بن مسلمة بإعجاب وثقة. وكانت يهود تضع كل أملها في فارسها الهمام، فلا تتوقع الهزيمة، ولا تعرف ماذا تصنع بعده! ولاحت الفرصة لمرحب فانقض على البطل المسلم وحمل عليه بسيفه وضربه به ضربة هائلة انحبست لها انفاس المسلمين جميعاً، ولكن محمد بن مسلمة تلقاها بالدرقة، فنفذ نصل السيف فيها، وعضت عليه، ودون أن تأخذ ابن مسلمة المفاجأة انقض على غريمه فضربه بسيف فصرعه (١) !

стр. 89

وهتف المسلمون بصوت واحد: الله أكبر. وانسحبت يهود من ظهور أسوارها، وقد ملأها رعباً ويأساً مصرع فارسها مرحب. ودب الحماس والنشاط في جيش المسلمين، فشددوا من هجماتهم وغاراتهم على اسوار خيبر واستطاعوا أن يقتلوا عدداً من رجال يهود. وأسروا في هجمة من هجماتهم كنانة بن الربيع، وهو سيد من سادات يهود، فطلبه محمد بن مسلمة من رسول الله ﷺ ليقتله بأخيه محمود، فاستجاب له رسول الله، فأخذه إلى ناحية من عسكر المسلمين وضرب عنقه. * * هديه الرسول للمجاهد: قضى محمد بن مسلمة حياته إلى جانب رسول الله ﷺ يدعوه فيهرع إلى تلبية النداء، ينتدبه لأعماله فينفذها على أحسن الوجوه وأكملها، يؤمره فيجده نعم الأمير. وتقديراً من رسول الله لبطولات محمد بن مسلمة ناداه ذات يوماً وأهداه سيفاً وقال له: " يا محمد بن مسلمة، جاهد بهذا السيف في سبيل الله، فإذا رأيت المسلمين اقبل بعضهم على بعض فأت به أحداً فاضربه به حتى تكسره، ثم كف لسانك ويدك حتى تأتيك منية قاضية أو يد خاطئة ".

стр. 90

وامتدت يد محمد بن مسلمة إلى يد رسول الله، وأمسكت بالسيف، ثم راح البطل العظيم يخطر بالسيف أمام المسلمين والفرحة تملأ فؤاده. وعندما جلس ابن مسلمة إلى نفسه تذكر كلمات رسول الله: " فإذا رأيت المسلمين اقبل بعضهم على بعض فاضرب به أحداً، وساءل نفسه: أأعيش إلى أن أرى هذا اليوم الأغبر؟ أيمكن أن يضرب المسلمون رقاب بعض؟ ويرد على تساؤلاته فيقول: لا، لا، لا يمكن أن يسلّ المسلم سيفه في وجه أخيه المسلم! ولكنه عندما يتذكر أنه سمع هذه الكلمات من رسول الله نفسه، يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أسألك العافية. * * محاورة: كان لمحمد بن مسلمة – ﵁ – من البنين عشرة ومن البنات ست، اجتمعوا عنده ذات ليلة، وقد بلغ السبعين، وأخذوا يلحون عليه لكي يحدثهم بأخبار جهاده مع رسول الله ﷺ وبأخباره مع خلفائه من بعده. قال ﵁: إني لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة قط إلا واحدة في تبوك، خلفني على المدينة. قال أحد أبنائه: هذا والله يا أبي شرف عظيم نتيه به على الدنيا، فهل تحدثنا عن سرايا رسول الله ﷺ ؟

стр. 91

قال: إنه ما من سرية لرسول الله ﷺ تخفى عليّ، إما أن أكون فيها أو أن أعلمها حين خرجت. قال آخر من أبنائه: إنا لنعلم يا أبي أنك كنت ملازماً لرسول الله ﷺ وانك امرؤ كاتب، والكاتبون على عهدكم قليل، فهل كتبت شيئاً لرسول الله ﷺ ؟ قال: نعم يا أبنائي، لقد كنت ممن شهد على وثيقة صلح الحديبية، كما شهت على الكتاب الذي أرسله رسول الله ﷺ لوفد ثمالة والحدّان في عُمان، كما شهدت على كتاب الرسول الأمين إلى زُميل بن عمرو من بني عذرة كما كتبت كتاب رسول الله – ﵇ – إلى مهري بن الأبيض من أهل مهرة. قال ولده: ما دمت حضرت الحديبية فإنا نحب أن نعرف ماذا فعلت فيها بالإضافة إلى شهادتك على كتاب الصلح؟ قال: عندما وصلنا الحديبية وصلت الأخبار إلى رسول الله ﷺ أن قريشاً تستعد للحرب، وأنتم تعلمون أننا كنا نقصد العمرة ولا نريد قتالاً، ولكنا كنا دائماً على استعداد للحرب، لا نغفل عن ذلك أبداً، فقد كانت هذه توصيات رسول الله لنا، فعندما علم الرسول استعداد قريش للحرب أعد ثلاث فرق للحراسة والاستطلاع حتى لا نفاجأ بالعدو، وقد شرفني الرسول الكريم بأن أكون قائداً لفرقة منها،

стр. 92

وزاد في إكرامي وتشريفي أن أعطاني فرسه، فكنت اركبها أثناء قيادتي لفرقة الاستطلاع والحراسة. قال ولده: وهل حدث تصادم بينكم وبين كفار قريش؟ قال: اعدت قريش فرقة من خمسين رجلاً من أبطال قريش وفرسانها، وأرادت أن تفاجئنا، ولكني استطعت أن اعلم خبرهم من العيون التي بثثتها، فهيأت لهم كميناً استطعت به أن آخذهم جميعاً اسرى وجئت بهم إلى رسول الله ﷺ . قال ولده: لقد علمنا أنك قتلت مرحباً فارس يهود في غزوة خيبر، وكذلك سيداً من ساداتهم، فهل كان لك أعمال أخرى في غزوة خيبر، فإنها كانت من أعظم غزوات الرسول ﵇؟ قال: كل المسلمين كانوا يضطلعون بأعمال كثيرة، فالرجل المسلم في تلك الأيام كان يقوم بما يقوم به العشرة بل المائة من رجال اليوم، وقد كنت في خيبر على حرس رسول الله ﷺ ، وأنا الذي ارتدت الموق الملائم لمقر قيادة الجيش الإسلامي. قال ولده: لقد كسوتنا يا والدي فخراً ابدياً لا يحول ولا يزول، ونحب أن نعلم إن كنت رافقت الرسول ﷺ في عمرة القضية. قال: نعم، لقد رافقت رسول الله ﷺ في عمرة

стр. 93

القضية، وعندما وصلنا إلى ذي الحليفة أمرني رسول الله أن اتقلد قيادة الفرسان، وكان معنا مائة فارس، ثم أمرني أن أتقدم الجيش بفرساني حتى نكون طليعة لهم. قال ولده: أريد يا والدي أن أسألك سؤالاً أرجو أن لا يكون محرجاً، ما موقفك يوم فر المسلمون يوم أحد؟ قال: أي بني، إني لا أحتمل أن أفارق رسول الله لحظة في سلم وفي حرب، فعندما رأيت الدائرة تدور على المسلمين في أحد، هرعت إلى رسول الله ﷺ لأكون بقربه أذبّ عنه وأدفع عنه الشر والأذى، أما أولئك الذين فروا من المعركة فقد ظنوا أن رسول الله – فداء نفسي وأهلي – قد قتل، وإلا لما فروا عنه أبداً، وأريدكم يا بني أن لا تصغوا إلى أقوال المتحذلقين الذي لا يجيدون سوى مضغ الكلام، فوالله لو كانوا معنا يوم أحد لمات واحدهم مكانه فزعاً وهلعاً. قال ولده: وماذا عن غزوة ذي القصّة؟ قال: أمرني رسول الله ﷺ على سرية من عشرة من الصحابة لتأديب بني ثعلبة وبني عوال الذين كانوا يسكنون في ذي القصة، مكان يبعد عن المدينة أربعة عشر ميلاً، وحاولنا أن نحيط تحركاتنا بالسرية، ولكن القوم علموا بنا وكمنوا لنا بمائة من فرسانهم فأحاطوا بنا وأعملوا فينا سيوفهم، وقاومنا ما وسعتنا المقاومة، وقتل أصحابي

стр. 94

العشرة، وأصبت أنا بجروح بليغة، فظن القوم أني مت فتركوني وانصرفوا، فقمت بعد انصرافهم ويسّر الله من حملني معه إلى المدينة. قال ولده: سألناك عن أعمالك الجانبية مع رسول الله أما أعمالك الأخرى معه فإنا نعلمها ونحفظها، فهل قمت بأعمال للخليفة العظيم عمر بن الخطاب؟ قال: نعم، فقد ولاني صدقات جهينة، وعندما وصلت شكاوى أهل الكوفة على سعد بن أبي وقاص كلفني بتحري صحتها، وأمرني بأمور فنفذتها كما أمرني بها. قال ولده: لقد أكثر أهل الكوفة من شكوى ولاتهم، واعجب لقوم يشكون خال رسول الله ﷺ وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وماذا كانت شكاتهم من سعد؟ قال: اشتكوا بأنه بنى داراً بالكوفة، وأنه احتجب فيها عنهم. قال ولده: وبماذا امر عمر ﵁؟ قال: أمرني أن أعمد إلى باب الدار فأحرقه، ثم أبحث في شكاوى القوم. قال ولده: وهل فعلت ذلك؟ قال: نعم، فعندما وصلت الكوفة سألت عن دار سعد وعمدت إلى بابها فأحرقته.

стр. 95

قال ولده: وهل حققت في شكاواهم؟ قال: وهل ذهبت إلا لذلك؟ لقد حققت فلم أجد إلا خيراً، وما كنت لأجد عند سعد إلا الخير والبر والتقوى. قال ولده: نريد أن نسمع قصتك مع عمرو بن العاص. قال: رأى عمر أن ابن العاص أثرى بمصر، فأحب أن يبرأ إلى الله، فأمرني أن أذهب إليه وأقاسمه ماله. قال ولده: وهل فعلت؟ قال: نعم قد فعلت. قال ولده: وماذا كان رد ابن العاص؟ قال: ما كان له أن يخالف أمر عمر. وما كان المال هم صحابة رسول الله ﵇. قال ولده: لقد أكثرنا عليه من السؤال يا والدي، ولكنا أحببنا أن لا يفوتنا شيء من أخبار جهادك مع رسول الله ﷺ ، فإن ذلك فخر لنا. قال: إنما الفخر أن تجاهدوا في سبيل الله كما جاهدنا، والفخر لكل من آمن بالإسلام هو العمل للإسلام والجهاد في سبيله، فهذا هو طريق الفلاح إلى يوم الدين. قال أولاده بصوت واحد: أطال الله عمرك يا والدنا، ونحن على عهد الإسلام ما حيينا. قال: بارك الله فيكم، لقد حان وقت النوم، فانصرفوا راشدين.

стр. 96

* * الفتنة والاعتزال: ومضت أعوام تحركت خلالها الفتنة، وافترى قوم على ذي النورين عثمان بن عفان ﵁، وقتلوه ظلماً وعدواناً، وافترق المسلمون بعده، وسل المسلمون سيوفهم في وجوه بعض. وتذكر محمد بن مسلمة وصية رسول الله ﷺ ، فحمل سيفه واتجه نحو أُحد فضرب به الصخر حتى كسره، ثم عاد إلى بيته واتخذ لنفسه سيفاً من خشب، وكأنه يقول: ليت هذه السيوف التي يقتتل بها المسلمون تنقلب خشباً. واعتزل محمد بن مسلمة الناس إلى أن مات في المدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم، وذلك سنة ست وأربعين من الهجرة عن عمر يقارب السابعة والسبعين. رحم الله فارس نبي الله، وقائد الحرس النبوي، وجعل في المسلمين اليوم رجالاً كمحمد بن مسلمة، فما أحوجنا إلى أمثاله ﵁ وأرضاه.

стр. 97

كان عمرو بن أمية الضمري ساعي رسول الله الوافدي في كتابه " فتوح الشام "

стр. 98

عمرو بن أمية الضمري الرجال الذؤبان: أسمعت بالرجال الذؤبان؟ إنهم صنف من الرجال عاشوا في الجاهلية، كان الرجل منهم كالذئب شجاعة وإقداماً وجرأة، وفيه من صفات الذئب أيضاً، المنعة والصدود، والفتك والرهبة، والخفة وسرعة العدو. كان هؤلاء الرجال محل احترام المجتمع الجاهلي، ذلك لأن مجتمع الجاهلية لم يكن يقدر الرجال ويحترمهم إلا لشجاعتهم وفتكهم أو لثرائهم وبذهم. ومن الرجال الذين جمعوا صفات الذؤبان، فملكوا الشجاعة والجرأة، ووصفوا بالفتك والعدو، حتى عُدّ من رجالات العرب وعدّائيهم، أبو أمية عمرو بن أمية الضمري.

стр. 99

* * فترة العداء: وعندما أهلت دعوة الحق، وجاء الله بالإسلام، وقف أبو أمية موقف الغالبية العظمى من رجالات الجاهلية فلم يؤمن، وساهم مع من ساهم في حرب الاسلام والمسلمين، ويبدو أن هذه المساهمة اقتصرت على الاشتراك في الجيوش التي حاربت المسلمين في بدر وأحد، فلم تذكر لنا المصادر على كثرتها، أي موقف آخر لأبي أمية في الصد عن الاسلام ومحاربته. التفكير السليم: ويبدو أن ابا أمية كان على قدر من العقل وحظ من التفكير، فلم يطل به العداء للاسلام، فما إن انصرف من معركة أحد حتى خلا بنفسه يفكر في موقفه ويزنه بميزان العقل الراجح والتفكير السليم: لماذا رفض محمد كل ما عرض عليه من أمور الدنيا، فقد عرضت عليه قريش المال والملك والسلطان فرفضها بحزم، وثبت على دعوته ثبوت الرواسي؟ ! ما الذي يجعل المستضعفين من أبناء قريش وعبيدها يقفون في وجه السادة ويتحملون عذابهم وظلمهم وقهرهم، حتى إن الواحد منهم ليموت دون هذا الاسلام الذي آمن به؟

стр. 100

كيف يصير أثرياء مكة الذين آمنوا بما جاء به محمد، على ازدراء قومهم لهم، وعلى ضياع المال وفنائه، ولا يلتفتون إلا لمحمد ودعوته؟ ! ما الذي جعل العشرات من رجال مكة ونسائها يهاجرون إلى الحبشة بحراً، وهي بلاد نائية ومسالكها وعرة، والعرب لا تعرف ركوب البحر وتخافه وتخشاه؟ ! ما الذي جعل أهل يثرب يتحدون العرب ويهود ويرحبون بمحمد؟ وما الذي جعلهم لا يعلنون إجارتهم لمحمد، على عادة العرب، ويعلنون استعدادهم للقتال دونه ودون هذا الدين الذي يدعو إليه؟ وكيف تنتصر قلة من الرجال بأسلحة بسيطة، على العدد الكبير والنفير العظيم والسلاح الوفير؟ لقد شهدت هذا بنفسي في بدر، وانهزمت أمامهم، ولا والله ما كنت يوماً جباناً افرّ من أمام الرجال. وحتى في أحد رأيتهم يهزموننا، وفينا أبطال الحروب وفرسان القتال، وعندما دارت دائرة الحرب عليهم وأحطنا بهم دافعوا عن نبيهم وترّس الرجل منهم عنه بجسمه حتى الموت! وأدار عمرو هذه التساؤلات في عقله ومحصها في وجدانه وقلّبها على وجهها، فوجد أن كل هذا لا يمكن أن يحدث إلا بمعجزة، وما المعجزة إلا هذا الدين الذي جاء

стр. 101

به محمد، لقد كشف الستار، وبان الصبح لذي عينين، إن الرجل لنبي وإن هذا الدين لحق، فيكفي ما ضيعت من عمري في جانب الباطل، لم يبق لي مقام بين المشركين وما مقامي إلا بين الذين آمنوا بأن الله واحد وأن محمداً رسول الله. في بئر معونة: لم يكن قد مضى شهر على اسلام أبي أمية عندما وفد على رسول الله رجل مهيب تبدو عليه ملامح الشجاعة ومظاهر السيادة. قال رجل لصاحبه: من هذا الذي دخل لتوه على رسول الله ﷺ ؟ فأجابه: ألم تعرفه، إنه اشهر من نار على علم، إنه سيد بني عامر، وهو في الذروة شجاعة ونسباً، إنه أبو براء عامر بن مالك، تدعوه العرب " ملاعب الأسنة " لبراعته في فنون الحرب والنزال. قال الرجل: اذن هيا بنا نشهد حديثه مع رسولنا الكريم. استقبل الرسول أبا براء استقبالاً حسناً، وعرض عليه الإسلام. وكان في وجه أبي براء ملامح القبول وعلامات الرضا، ولكنه لم يبادر إلى إعلان إسلامه، وطلب من

стр. 102

رسول الله أن يمهله ليفكر فيما سمع منه. وقبل أن ينصرف قال لرسول الله: يا محمد، إن أمرك هذا حسن جميل، فلو بعثت رجالاً من اصحابك إلى أهل نجد، فدعوهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا لك. فقال رسول الله ﷺ : اني اخشى عليهم أهل نجد. قال أبو براء: أنا لهم جار أن يعرض لهم أحد، فابعثهم فليدعوا إلى أمرك. فبعث رسول الله سبعين رجلاً من خيار المسلمين فيهم عمرو بن أمية الضمري، وأمّر عليهم المنذر بن عمرو الساعدي (١) . وسار الركب المؤمن باتجاه نجد، فلما وصلوا مكاناً يقال " بئر معونة " عسكروا فيه وأرسلوا سرحهم مع عمرو بن أمية الضمري والمنذر بن محمد بن الجلاح، ثم أرسلوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عامر بن الطفيل، وانتظروا ليروا ماذا يكون رده. وصل الخبر الى عامر بن الطفيل أن رسولاً جاء إليه بكتاب النبي، فقطب ما بين عينيه، ثم سأل: أمعه أحد؟

стр. 103

قالوا: معه سبعون رجلاً جلسوا ينتظرونه في " بئر معونة ". وقهقه عامر بصوت رددته الصحراء، وصفق بيديه جذلاً، ونادى خادمه وطلب منه أن يترع له الكأس خمراً. وارتاب أحد الحاضرين في نوايا عامر فقال له: يا عامر، إنهم في جوار أبي براء. فرد عامر: في جوار أبي براء! في جوار أبي براء! ثم شرب كأسه. وفي هذه اللحظات وصل الصحابي الجليل حرام بن ملحان ومد يده بكتاب رسول الله إلى عامر، وأخذ عامر الكتاب ودون أن يفضه ليعرف ما فيه من الخير امتدت يده الآثمة إلى سيفه ووثب إلى حرام وفاجأه بطعنة قاتلة! وتلقى حرام الطعنة الغادرة، فقال وهو يلفظ أنفاسه: الله أكبر، فزت ورب الكعبة! وفي هذه اللحظة التي سمع فيها الناس تكبير حرام، سمعوا أيضاً صوت عامر يدعوهم للوثوب على المسلمين في بئر معونة، ويقول: يا بني عامر أعينوني على هؤلاء المسلمين! لقد غرق بنو عامر في بحر من العجب، رجل يُقتل فيقول: فزت ورب الكعبة. وأين الفوز وهو يموت

стр. 104

ويفارق الحياة؟ ! ورجل يأتيه رسول بكتاب فيقتله قبل أن يعرف ما يحتوي عليه الكتاب ويعلم أن الرجل في جوار عمه، فلا يقيم للجوار وزناً ولا يعرف للقرابة حقاً! ويعيد عامر بن الطفيل دعوته مرة أخرى: ما لكم يا بني عامر لا تجيبون، ألا تعينوني على هؤلاء المسلمين؟ فيرد بنو عامر: يا عامر، لن نخفر جوار أبي براء. وترك عامر هذا الحي واسرع إلى أحياء بني سليم، ودعاهم لغزو كتيبة الإيمان في " بئر معونة " فأجابته قبائل عُصيّة ورعل وذكوان، وسارعوا إلى الشر، وشدوا بالخيل وراء عامر بن الطفيل. التفت المسلمون إلى عجاج الخيل فرأوا قوماً يريدون الشر، فأسرعوا إلى أسلحتهم، فما كادوا أن يتمكنوا منها حتى أحاط بهم عدوهم وشن عليهم الغارة فاستماتوا في القتال وأثخنوا في عدوهم، ولكن عدوهم فاجأهم، وكان أكثر منهم عدداً وأتم عدة، فاستشهد المسلمون ولم يبق منهم غير أميرهم المنذر بن عمرو الساعدي، فقال له عامر: ان شئت أمّناك! فما التفت إلى كلامهم وكر عليهم بسيفه فتكاثروا عليه وقتلوه، فلما وصل صنيع المنذر إلى رسول الله قال – ﵇ –: " أعنق ليموت " فسمي المنذر يومئذ " المعنق ليموت ". وجاءت الطير فوق جثث الشهداء، فرآها عمرو بن أمية

стр. 105

الضمري والمنذر بن محمد، وكانا في سرح القوم بعيدين عن أرض المعركة، فقالا: ان لهذه الطير لشأنا، وأسرعا إلى بئر معونة حيث خلّفا أصحابهما، فرأيا ويا لهول ما رأيا، أصحابهما صرعى وحولهم الخيل المغيرة بقيادة عامر بن الطفيل! قال المنذر: ماذا ترى يا أبا أمية؟ قال عمرو: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ فنخبره الخبر ليرى رأيه. قال المنذر: لكني ما كنت أرغب عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، وما كنت لتخبرني عنه الرجال، وشد على القوم فقاتلهم حتى استشهد، وشد وراءه عمرو فأسر، ثم أطلقه عامر بن الطفيل فداء لنذر كان على أمه. وانطلق عمرو بن أمية عائداً وقد خلف وراءه سبعين شهيداً من خيرة المسلمين، فكان ثائر النفس يود لو تواتيه الفرصة ليثأر لهم من قاتليهم، وعندما وصل إلى " القرقرة " وجد رجلين من بني عامر، وهم قوم عامر بن الطفيل، فقال لنفسه: أدركت بعض ثأري فاحتال حتى تمكن منهما فقتلهما. ووصل عمرو إلى المدينة وقابل رسول الله ﷺ وأخبره بغدر عامر بن الطفيل وقبائل سليم، فنظر إليه رسول الله وقال له: " أُبت من بينهم! " كأنه يعتب عليه، ثم

стр. 106

أخبره عمر بما فعله بالعامريين، فقال رسول الله – ﵇ –: " بئس ما صعنت! قد كان لهما مني أمان، لأدينّهما ". * * أبو سفيان يحاول اغتيال الرسول: كان أبو سفيان بن حرب من أكبر أعداء الإسلام، وله في حرب الإسلام وأهله مواقف كثيرة، منها أنه كان واحداً من أبرز زعماء قريش الذين حرضوا على الاسلام ورسوله في مكة قبل الهجرة، وحاول أن يفتري على رسول الله ﷺ عند قيصر الروم، وبعد معركة بدر الكبرى تولى القيادة السياسية والعسكرية لقيش، فجيش الجيوش لحرب الاسلام وحرض القبائل على قتال المسلمين، وعقد الأحلاف مع يهود لحرب الرسول – ﵇ – وقاد معركة أحد ومثل فيها بشهداء المسلمين، وقاد معركة الخندق بعد أن حشد لحرب الإسلام عشرة آلاف مقاتل، ووقف موقفاً مزرياً عندما حرض على قتل أسرى المسلمين خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة، ودبّر مؤامرة فاشلة لقتل الرسول غيلة، فقد روي أنه وقف في جمع من قريش وقال: يا معشر قريش ألا أحد يغتال ممحداً، فإنه يمشي في الأسواق؟ فقام رجل أعرابي فقال: لقد وجدت أجمع الرجال

стр. 107

قلباً وأشده بطشاً وأسرعه شداً! فإن أنت أعنتني خرجت اليه حتى أغتاله ومعي خنجر مثل خافية النسر، أذهب إليه وحدي، فإني هاد بالطريق خرّبت! قال أبو سفيان: أنت صاحبنا. فأعطاه بعيراً ونفقة وقال له: اطوِ أمرك. وخرج الأعرابي يسير ليله ويكن نهاره حتى أتى المدينة، فسأل عن رسول ﷺ فدلوه على المسجد، فلما أقبل على رسول الله قال: " إن هذا ليريد غدراً ". فقام إليه أسيد بن الخضير فيجذبه جذبة أطاحت الخنجر من بين ثيابه، فصاح الرجل: دمي، دمي! فقال الرسول ﷺ " اصدقني من أنت ". قال الأعرابي: وأنا آمن؟ قال ﵇: " نعم ". فأخبره أنه صنيعة أبي سفيان بن حرب وأنه أرسله لقتله وأعطاه على ذلك مالاً. فأبو سفيان بن حرب كان الزعيم الذي تطيعه قريش وتجتمع حوله القبائل، وله نشاط فعال في حرب الدعوة الاسلامية والتحريض عليها، وقد ولع في دماء المسلمين وتمادى في كل ذلك، فمن الحكمة أن يتخلص منه المسلمون لعل قريشاًً لا تجد من تجتمع عليه لحرب المسلمين بعده.

стр. 108

محاولة قتل أبي سفيان: أرسل رسول الله ﷺ إلى عمرو بن أمية الضمري وسلمة بن أسلم، وأمرهما أن يذهبا إلى مكة لقتل أبي سفيان، وقال لهما: " إن أصبتما منه غرة فاقتلاه ". خرج الصحابيان الفدائيان من المدينة إلى هدفهما بمكة، ومعهما بعير واحد، وسارا يستخفيان حتى وصلا جبل يأجج بمكة، فحبسا بعيرهما في شعب الجبل، وانتظرا إلى أن خيم الليل بظلامه على الكون فقاما إلى هدفهما، وخطرت فكرة لسلمة فقال: يا أبا أمية، لقد وصلنا مكة، ألا نبدأ فنطوف بالكعب ونصلي ركعتين؟ قال عمرو: لقد جئنا في مهمة يجب أن نقدمها، وأنا أعرف أهل مكة، إنهم إذا تعشوا جلسوا بأفنيتهم فأخشى إن بدأنا بالطواف أن يرانا القوم، وكلهم يعرفني، فنفشل فيما جئنا له. وما زال سلمة بعمرو حتى وافقه، فدخلا مكة وطافا بالكعبة وصليا ركعتين، ثم انطلقا إلى هدفهما، أبي سفيان بن حرب. وبينما كان عمرو وصاحبه يمشيان في طرقات مكة نظر اليهما رجل من أهلها فعرف عمرو بن أمية، وقد كان فيها معروفاً، فصاح الرجل: من؟ عمرو بن أمية بمكة؟ والله إن قدمها إلا لشر! يا معشر قريش عليكم بالرجل قبل أن يفلت! .

стр. 109

ودبت الحركة في طرقات مكة، وتنادى القوم للحاق بالفدائيين، فقال عمرو لصاحبه: النجاه، النجاه. وخرجا يشتدان، وأهل مكة في أثرهما، ولكنهما فاتاهم بمسافة، فوصلا رأس الجبل، ودخلا كهفاً فيه، وسدّا مدخله بالحجارة. ولما رأى المكيون أن الصحابيين قد أفلتا وأن الليل قد أخفاهما، عادوا أدراجهم وهم يتحدثون عن جرأة عمرو ويتساءلون عن الهدف الذي قدم إلى مكة من أجله! وبات الصحابيان ليلتهما في الغار، فلما أصبحا وهمّا بالخروج شاهدا رجلاً من قريش على فرس له، فخشي عمرو أن يراهما فينذر أهل مكة، فخرج إليه خلسة واستل خنجره وأغمده في قلبه وعاد إلى الكهف، فصاح الرجل صيحة أسمعت من بمكة، فاشتدوا نحو الصوت، فوصلوا الرجل وبه رمق. فقالوا: من قتلك؟ قال: عمرو بن أمية. قالوا: وأين ذهب؟ فرفع الرجل رأسه قليلاً، وفتح شفتيه ليتكلم ولكنه لفظ أنفاسه قبل أن ينطق، فاحتمله القوم وعادوا به إلى مكة.

стр. 110

محاولة إنقاذ جثة خبيب: أما الفدائيان ﵄، فكانا في الغار يومين حتى خف عنهما الطلب، فخرجا يريدان المدينة، فمرا بتنظر ذاب له قلباهما أسى ولوعة. . خبيب بن عدي – ﵁ – مصلوب على خشبة وحوله رجال يوقدون نيرانهم ويسهرون على حراسته. فقال عمرو لسلمة: هل لك في أن نأخذ خبيباً ونعود به إلى المدينة؟ قال سلمة: نعم. قال عمرو: انتظر حتى أغافل القوم وأنتزع الجثة. وتسلل عمرو نحو الخشبة، وانتزع عنها جثة خبيب، واشتد مسرعاً، ,ولحق به سلمة يعينه، ولكن الحرس أحسوا بهما، فأسرعوا خلفهما بسيوفهم، ولما رأى عمرو أنهما أدركا، ألقى بالجثة وصاح بسلمة: النجاه النجاة حتى تأتي البعير فتركبه فإني سأشاغل القوم عنك ولا يشغلنك أمري، فإنهم لن يصلوا إلي. ومضى سلمة إلى البعير فركبه وانطلق به إلى المدينة. قتل رجل من بني بكر: ومضى عمرو يطوي الصحراء ماشياً لا يستريح إلا لحيظات ثم يستمر، إلى أن وصل إلى مكان يقال له " ضجنان " فأوى إلى كهف فيه، وألقى بجسمه المكدود وأغمض عينيه
следующие страницы →