Полный текст (7 019 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
صرفا للسلام المذكور إلى ما هو المعهود ويأتي بالصلاة على النبي ﵇ والدعاء في قعدة السهو هو الصحيح،
ــ
[البناية]
الإسلام: ولو سلم بتسليمتين لا يأتي بسجود السهو بعد ذلك، لأنه كالكلام، ونسب أبو اليسر القائل بالتسليمة الواحدة إلى البدعة.
فإن قلت: ما فائدة قولهم: أن التسليمة الأولى تحليل وتحية، والثانية: تحية.
قلت: فائدة هذا أنه لا يصح الاقتداء بعد الأولى ولو قهقه بعد الأولى ولا تنتقض طهارته، وقيل عند أبي حنيفة وأبي يوسف يسلم تسليمتين.
م: (صرفا للسلام المذكور إلى ما هو المعهود) ش: صرفا بالفتح نصب على أنه مفعول مطلق، كذا قيل، والصحيح أنه نصب على التعليل أي لأجل الصرف للسلام المذكور في قوله وفعله ﷺ في الحديث المذكور بعد السلام إلى ما هو المعهود في الصلاة وهو التسليمتان.
م: (ويأتي بالصلاة على النبي ﵇ والدعاء في قعدة السهو) ش: أي يأتي من عليه سجود السهو بالصلاة على النبي ﷺ في قعدته الأخير وهي قعدة السهو أي سجود السهو.
وفي " الذخيرة ": اختلفوا في الصلاة على النبي ﷺ وفي الدعوات أنها في قعدة الصلاة أم في سجدتي السهو، ذكر أبو جعفر الأسروشتي أن ذلك كله قبل سلام السهو، وذكر الكرخي في " مختصره " أنها في قعدة سجدتي السهو، لأنها هي القعدة الأخيرة، واختار فخر الإسلام في " المصنف " وقال: م: (هو الصحيح) ش: أي الإتيان بالصلاة على النبي ﷺ والدعاء في قعدة السهو هو الصحيح.
وقال فخر الإسلام في " شرح الجامع الصغير ": فمن مشايخنا من اختار الدعاء قبل السلام وبعده، ثم قال: وهو الطحاوي ﵀، لأن كل واحد من التشهدين في آخر الصلاة.
وفي " المحيط " اختلفوا في الصلاة على النبي ﵇، وفي الدعوات قال الطحاوي: كل قعدة فيها سلام فيها صلاة، فعلى هذا يصلي في القعدتين جميعا عنده. وفي " فتاوى الظهيرية ": الأحوط أن يصلي في القعدتين، وقيل عند أبي حنيفة وأبي يوسف يصلي ويدعو في الأولى دون الثانية بناء على أن سلام الإمام أو من عليه السهو يخرجه عن الصلاة عندهما وعند محمد في الأخيرة خاصة، لأن السلام لا يخرجه عنده، وقال الأكمل: وفيه نظر، لأن الأصل المذكور متقرر، فلو كانت هذه المسألة مبنية على ذلك لكان الصحيح مذهبهما.
قلت: هذا النظر غير بين، لأنه لا يلزم من كون الأصل المذكور متقررا عدم جواز بناء المسألة المذكورة عليه، وقوله: لكان الصحيح مذهبهما، يرده ما ذكره في " المفيد " أنه هو الصحيح.
стр. 1262
لأن الدعاء موضعه آخر الصلاة.
قال: ويلزمه السهو إذا زاد في صلاته فعلا من جنسها ليس منها، وهذا يدل على أن سجدة السهو واجبة هو الصحيح؛ لأنها تجب لجبر نقص تمكن في العبادة، فتكون واجبة كالدماء في الحج،
ــ
[البناية]
م: (لأن الدعاء موضعه آخر الصلاة) ش: هذا التعليل ما اختاره المصنف بقوله هو الصحيح، ومعناه أن الدعاء مشروع بعد الفراغ من الأداء أو الفراغ قبل الخبر.
قلت: لقائل أن يقول: آخر الصلاة حقيقة هو قعدة الصلاة الأخيرة، وسجدة السهو ليست من نفس الصلاة وقعدتها كذلك.
[متى يلزم سجود السهو]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ويلزمه السهو) ش: هذا البيان ما ذكر في أول الباب بقوله يسجد للسهو للزيادة والنقصان لأنه لم يعلم من ذلك أنه، أي زيادة أو نقصان موجب ذلك، ففسر هناك بقوله ويلزمه السهو، أي يلزم الساهي في صلاته سجود السهو م: (إذا زاد في صلاته فعلا من جنسها) ش: أي من جنس الصلاة م (ليس منها) ش: أي والحال أن الذي زاد ليس من جنس الصلاة، كما إذا ركع ركوعين أو سجد ثلاث سجدات ساهيا، لأن الركوع الزائد والسجود الزائد من جنس الصلوات من حيث إنهما ركوع وسجود، ولكنهما ليسا من الصلاة لكونهما زيادة.
م: (وهذا) ش: أي قول القدوري ويلزمه السهو م: (يدل على أن سجدة السهو واجبة) ش: لأن لفظ اللزوم ينبئ عن ذلك، وقال محمد ﵀ إذا سهى الإمام وجب على المؤتم أن يسجد يدل عليه قوله ﵇: «من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم» ومطلق الأمر للوجوب، م: (وهو الصحيح) ش: أي كون سجود السهو واجبا هو الصحيح من المذهب، ذكره في " المحيط " و " المبسوط " و " الذخيرة " و " البدائع "، وبه قال مالك وأحمد في " فتاوى المرغيناني "، غير الكرخي من أصحابنا بقوله أنه سنة. وفي " التحفة " و " المفيد " قال القدوري: هو سنة، وقول الشافعي لأنه يجب بترك بعض السنن والخلف لا يكون فوق الأصل، كذا في " المحيط ".
م: (لأنها) ش: تعليل الوجوب، أي لأن سجود السهو م: (تجب لجبر نقص تمكن في العبادة، فتكون واجبة كالدماء في الحج) ش: عند وقوع الجناية.
فإن قلت: جبر النقصان في الصلاة بالسجدة، وفي باب الحج بالدم فما وجه تشبيه ذلك بهذا.
قلت: الأصل أن الجبر من جبر الكسر، وللمال مدخل في باب الحج فيجبر نقصانه بالدم ولا مدخل للمال في باب الصلاة، فجبر النقصان بالسجدة، ووجه التشبيه في كون كل منهما جبرا.
стр. 1263
وإن كان واجبا لا يجب إلا بترك واجب أو تأخيره، أو تأخير ركن ساهيا
ــ
[البناية]
م: (وإذا كان) ش: أي سجدتا السهو: (واجبا لا يجب إلا بترك واجب) ش: نحو ما إذا ترك القعدة الأولى أو القراءة فيها وقام إلى الثالثة ساهيا، لأنه ﵇ علق إيجابها بالسهو بقوله لكل سهو سجدتان، وإنما تضاف إلى الشروع في السهو إضافة لازمة، فلو أوجبنا ذلك في العمل لما لزمها الإضافة في السهو. وقال الشافعي: إن العمل إذا تعمد الخطأ فيما تجب فيه السجدة تجب سجدة السهو، لأنها تجبر النقصان، والنقصان يحصل فيها حالة العمد، كما يحصل حالة السهو، وفي " المجتبى " وفي العمد لا يجب السهو خلافا للشافعي إلا في مسألتين ذكرهما البديع، فلو ترك القعدة الأولى عمدا أو شك في بعض أفعال الصلاة فتفكر عمدا حتى شغله ذلك عن ركن يجب السجدة، فقلت له كيف يجب سجدة السهو بالعمد؟، قال: ذلك سجود العذر لا سجود السهو: (أو تأخيره) ش: أي تأخير واجب نحو ما إذا قام إلى الخامسة ساهيا، لأن إصابة لفظ السلام واجبة، أو بقي قاعدا على ظن أنه سلم ثم تبين أنه لم يسلم يجب عليه سجود السهو م: (أو تأخير ركن) ش: نحو ما إذا أتى بثلاث سجدات أو وعى في القعدة الأولى، لأن القيام ركن يتأخر بزيادة السجدة أو الدعاء م: (ساهيا) ش: نصب على الحال، وذو الحال محذوف تقديره يجب بترك المصلي الواجب حال كونه ساهيا، وكذلك مقدر في قوله أو تأخيره أو تأخير الركن فهذه ثلاث أشياء ذكرها المصنف.
وفي " الذخيرة " وتكلم الشيخ في هذا وأكثرهم على أنه يجب بستة أشياء بترك الترتيب فيما شرع مكررا كالسجدة وتقديم الركن وتأخيره وتكراره وترك الواجب وتغييره. وفي " المحيط " و " التحفة " و " القنية " يجب بترك الواجب الأصلي. قال في " التحفة " هو الذي يجب بسبب التحريمة، أما لو ترك واجبا ليس بأصلي في الصلاة كما لو وجب عليه سجدة التلاوة فذكرها في آخر الصلاة لا يجب عليه السهو لتأخيرها، وكذا لو سلم ساهيا ولم يتذكرها لا يسجد للسهو بتأخيرها. وذكر الأسبيجابي أنه يسجد للسهو بتأخير سجدة التلاوة عن موضعها.
ومثله في " المحيط ". وفي رواية " النوادر " لا يلزمه، وفي " الذخيرة " أما تقديم الركن قبل أن يركع وقبل أن يقرأ أو يسجد قبل أن يركع، وتأخير الركن أن يترك سجدة صلاتية سهوا فيذكرها في الركعة الثانية أو في آخر الصلاة أو تأخير القيام إلى الثالثة بالزيادة على التشهد. وتكرار الركن أن يركع ركوعين، أو يسجد ثلاث سجدات، وترك الواجب أن يترك القعدة الأولى في الفرائض. وفي " المرغيناني " في الفرائض أو التطوع وتغيير الواجب أن يجهر الإمام فيما يخافت أو يخافت فيما يجهر.
وفي " التحفة " و " الذخيرة " في رواية الأصل سوى بين الجهر والمخافتة وفي " النوادر " أن
стр. 1264
هذا هو الأصل، وإنما وجبت بالزيادة؛ لأنها لا تعرى عن تأخير ركن أو ترك واجب. قال: ويلزمه إذا ترك فعلا مسنونا كأنه أراد به فعلا واجبا إلا أنه أراد بتسميته سنة أي وجوبها ثبت بالسنة. قال: أو ترك قراءة الفاتحة.
ــ
[البناية]
يجهر فيما يخافت فعليه السهو قل أو كثر، وإن خافت فيما يجهر إن كان بفاتحة الكتاب أو أكثر فعليه السهو وإلا فلا، وفي غير الفاتحة إن خافت في ثلاث آيات قصار أو آية طويلة عند الكل أو قصيرة عنده فعليه السهو وإلا فلا، وعن ابن سماعة عن محمد إن جهر بأكثر من الفاتحة سجد ثم رجع إلى مقدار ما يجوز به الصلاة. وعن أبي يوسف إن جهر بحرف واحد فسجد والصحيح مقدار ما تجوز به الصلاة، والفاتحة وغيرها سواء، والمنفرد للسهو عليه ذكره في الأصل، وذكر الناطفي رواية مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في المنفرد إذا جهر في المخافتة أن عليه السهو وفي ظاهر الرواية لا سهو عليه. وفي " المحيط " في رواية النوادر عليه السهو، وذكر الحلواني أن المنفرد لو كان عنده رجل يصلي وحده فعليه السهو. وفي " نوادر أبي سليمان " لو نسي حاله وظن أنه قام فجهر سجد للسهو.
م: (هذا هو الأصل) ش: يعني أن الأصل في وجوب سجدة السهو ترك الواجب أو تأخير الواجب أو تأخير الركن سهوا، فإن وجد واحدا منها يتحقق سبب الوجوب فيجب سجود السهو م: (وإنما وجب بالزيادة) ش: هذا جواب ما يقال لا يجب بالزيادة أيضا ولا ترك هناك ولا تأخير، فأجاب عن ذلك بقوله، م: (لأنها) ش: أي لأن الزيادة م: (لا تعرى عن تأخير ركن) ش: كما في زيادة السجود م: (أو ترك واجب) ش: أي الزيادة لا تعرى عن تأخير واجب كما في تأخير القيام بأن قام إلى الخامسة ساهيا، لأنه حينئذ يلزم بترك الواجب وهو إصابة لفظ السلام.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ويلزمه) ش: أي ويلزم الساهي سجود السهو م: (إذا ترك فعلا مسنونا) ش: معناه ظاهرا فعلا ثابتا بالسنة، ولكن فسره بقوله م: (كأنه) ش: أي كأن محمدا م: (أراد به) ش: أي بقوله فعلا مسنونا م: (فعلا واجبا، إلا أنه أراد بتسميته سنة) ش: أي تسمية الواجب سنة، م: (أي وجوبها ثبت بالسنة) ش: يعني ثبوت وجوبها بالسنة من إطلاق اسم السبب على المسبب، وإنما أنث الضمير مع أنه يرجع إلى الفعل على تأويل القعدة لأنها واجبة بالسنة أو على تأويل سنة الفعل، وقيل أراد بقوله مسنونا ما ذكره صاحب " المحيط " وبترك سنة مضافة إلى جميع الصلاة.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (أو ترك قراءة الفاتحة) ش: هذا البيان أنه كما يجب سجود السهو بترك الأفعال يجب لترك الفاتحة، وإن ترك أقلها فلا سهو عليه فكأنه قرأ كلها ذكره في " المحيط "، وإن قرأ الفاتحة مرتين في إحدى الأوليين فعليه السهو لتأخير الواجب، وهو السورة، ولو قرأ الفاتحة وسورة ثم أعاد الفاتحة فلا سهو عليه، وروى إبراهيم عن محمد إذا قرأ الفاتحة في الأوليين في ركعة مرتين فعليه السهو من غير فصل، وفي الأخيرتين لا سهو عليه، وفي " جمع
стр. 1265
لأنها واجبة،
أو القنوت، أو التشهد أو تكبيرات العيدين؛ لأنها واجبات، فإنه ﵇: واظب عليها من غير تركها مرة، وهي أمارة الوجوب؛ ولأنها تضاف إلى جميع
ــ
[البناية]
التفاريق " كذلك في تكرار التشهد يعني إن كرره في القعدة الأولى فعليه السهو، وإن كرره في الثانية فلا سهو عليه، وفي " العيون " إذا تشهد مرتين فلا سهو عليه، ومثله في " المحيط ". ولو قرأ الفاتحة وآية قصيرة فعليه السهو، وإن أخر الفاتحة عن السورة فعليه السهو.
وفي " الذخيرة " و " العيون ": لو قرأ آية في ركوعه أو سجوده أو القومة أو القعود فعليه سجدتا السهو ولو تشهد في ركوعه أو سجوده أو القومة فلا سهو عليه. وذكر الناطفي في " أجناسه " عن محمد لو تشهد في قيامه قبل قراءة الفاتحة لا سهو عليه، وبعدها يلزمه وهو الأصح، وفي " المحيط " و " العيون " لو تشهد في ركوعه أو سجوده يلزمه السهو.
م: (أو القنوت) ش: أي ترك القنوت، ولو تذكره بعدما سجد عليه السهو، وكذا بعدما رفع رأسه من الركوع ويمضي ولا يقنت، ولو تذكر في الركوع ففي عوده إلى القنوت روايتان، ذكره في " المبسوط " وفي " الذخيرة "، وفي " الينابيع " وسجد للسهو فيهما أو التشهد أي ترك لو قعد قدر التشهد في الركعة الأخيرة، ولم يتشهد فعن أبي يوسف روايتان في سجود السهو، ولو ترك بعض التشهد يجب السهو، وفي " الفتاوى الظهيرية " قرأ التشهد قائما إن كان في الركعة الأولى لا يلزمه شيء، وإن كان في الثانية اختلف المشايخ فيه، والأصح أنه لا يجب م: (أو تكبيرات العيد) ش: أي أو ترك تكبيرات العيد. وفي " التحفة " والعيد لا يجب السهو بترك الأذكار. قال " الأسبيجابي " كالثناء والتعوذ وتكبيرات الركوع والسجود لمجاريها إلا في أربعة وهي القراءة والقنوت والتشهد الأخير وتكبيرات العيدين. وفي " الأسبيجابي " إلا في خمسة وزاد تأخير السلام، وأطلق التشهد ولم يقيده بالآخر، ثم قال ويجب بتركه فيهما. وفي " التجريد و " مختصر البحر " لو ترك تكبيرة الركوع من صلاة العيد يجب السهو. قال " صاحب المحيط " والظاهر أنه أراد تكبيرة به الركوع الثاني، لأنه تبع لتكبيرات العيد، وفي " البدائع " لو زاد في تكبيرات العيدين يسجد، رواه الحسن عن أبي حنيفة.
م: (لأنها) ش: أي لأن القنوت والتشهد وتكبيرات العيدين م: (واجبات فإنه ﵇ واظب عليها) ش: أي على هذه الأشياء م: (من غير تركها مرة) ش: ومواظبة النبي ﵇ عليها معروفة، ولم ينقل الترك، وفي " المبسوط " ترك التشهد في القعدة الأولى أو قنوت الوتر أو تكبيرات العيدين الفائتة لا يسجد للسهو، لأن هذه الأركان سنة وبتركها لا يكون كثير من النقصان، كما إذا ترك الثناء والتعوذ، وفي الاستحسان يجب كما ذكره المصنف.
م: (وهي) ش: أي مواظبة النبي ﵇ م: (أمارة الوجوب) ش: بفتح الهمزة، أي علامة للوجوب م: (ولأنها) ش: أي ولأن القنوت والتشهد وتكبيرات العيد م: (تضاف إلى جميع
стр. 1266
الصلاة فدل على أنها من خصائصها وذلك بالوجوب، ثم ذكر التشهد يحتمل القعدة الأولى، والثانية، والقراءة فيها، وكل ذلك واجب.
ــ
[البناية]
الصلاة فقال: قنوت الوتر وتشهد الصلاة وتكبيرات صلاة العيد فدل) ش: أي الإضافة م: (أنها) ش: أي أن هذه الأشياء م: (من خصائصها) ش: أي من خصائص الصلاة، لأن الإضافة دليل الاختصاص م: (وذلك) ش: أي الاختصاص إنما يكون م: (بالوجوب) ش: لأن اختصاص الشيء بالشيء يقتضي وجوده معه، والوجوب طريق للوجود، والخصائص جمع خصيصة تأنيث الخصيص بمعنى الخاص، كالشريك والنديم بمعنى المشارك والمنادم م: (ثم ذكر التشهد) ش: أي ذكر القدوري التشهد في " مختصره " بقوله أو ترك فاتحة الكتاب أو القنوت أو التشهد م: (يحتمل القعدة الأولى والثانية والقراءة فيهما) ش: أي في الأولى والثانية وذلك لأن التشهد يطلق على الدعاء الذي فيه ذكر الشهادتين وتطلق على القعدتين م: (وكل ذلك واجب) ش: أي كل المذكور من القعدتين الأولى والثانية والقراءة فيهما واجب، وقد استشكل هاهنا من أربعة أوجه:
الأول: أن القعدة الثانية فرض، وذكر أنها واجبة.
والثاني: أن قراءة التشهد في القعدة الأولى عنده سنة، وذكر أنه واجب. والثالث: فيه الجمع بين الحقيقة والمجاز، إذ التشهد للقراءة فيهما حقيقة وللقعدة مجاز، إطلاقا لاسم الحال على المحل.
الرابع: أنه لو كان القعدة مرادة لزم التكرار، لأنه ذكر قبله إذا ترك فعلا مسنونا أي واجبا بالسنة.
فالجواب عن الأول: أنه أراد بقوله كل ذلك واجب غير القعدة الثانية، إذ التخصيص شائع، فإن ذكره سابقا أنها فرض دليل على أنها غير مرادة، وهو كقوله تعالى ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] (النمل: الآية ٢٣) ، مع نفي أنها لم تؤت كثيرا من الأشياء، فلهذا ذكره صاحب " الدراية " وفيه نظر، لأن ظاهره يناقض، ولأجل هذا حمله بعضهم على السهو من المصنف، وتشبيهه بقوله ﴿وَأُوتِيَتْ﴾ [النمل: ٢٣] ليس بملائم، لأن التخصيص فيه بالحسن على أن قوما زعموا أن التخصيص لا يجري في الخبر كالنسخ. وأجاب الأترازي لأنه أراد وجوبها أنه إذا سهى عنها بأن قام إلى الخامسة ثم عاد إلى التشهد يلزمه سجود السهو لترك الواجب، لأنه كان يجب عليه أن لا يؤخر الركن وهو القعدة الأخيرة، فلما سهى عنها ترك الواجب.
قلت: فيه نظر أيضا، لأنه لا يدل شيء على ما ذكره من ظاهر لفظ المصنف ولا قامت قرينة تدل على ذلك، والأوجه أن يقال نعم القعدة الأخيرة فرض، ولكنها فرض ذاتا، وقد أشار إليه فيما سبق وأوجبه محلا وموضعا، ألا ترى أنه إذا قام إلى الخامسة يعود إلى القعدة ما لم يقيدها بالسجدة ويسجد للسهو ولا يعيد صلاته، فعلم أن اتصالها بالركعة الأخيرة واجب، وقد أشار
стр. 1267
وفيها سجدة السهو، وهو الصحيح
ــ
[البناية]
إليه هاهنا فلا يندفع الإشكال إلا بهذا، ويحمل كلامه على السهو والخطأ فحمل كلامه على هذا الذي قررناه أحسن من حمله على السهو، وفي " النهاية " والأوجه فيه أن يحمل كلامه على رواية الحسن عن أبي حنيفة بأنه يجوز الصلاة بدون القعدة الأخيرة، وذكره في " الأسرار ".
قلت: هذا إنما يتمشى إذا كان المصنف ذهب إليه لظاهر المذهب خلاف ذلك، ويبعد عنه أن يكون هذا مذهبه.
وقال الأكمل: وأجيب بأن المراد بتركها تأخيرها بالقيام إلى الخامسة، فإن في التأخير نوع ترك، وتأخير الركن يوجب السجدة.
قلت: هذا جواب بعضهم نقله صاحب " النهاية "، ونقل عنه الأكمل ثم ينظر فيه بما حاصله أنه أراد حقيقة الترك في غيرها، ولو أريد به التأخير فيها لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهذا النظر أيضا لغيره، ومع هذا فلقائل أن يقول بجواز الجمع بينهما عند اختلاف المحل عند بعضهم فافهم.
الجواب عن الثاني: أن قراءة التشهد في القعدة الأولى فيها اختلاف، هل هي سنة أم واجبة، فالمصنف وإن كان يراها سنة وإنما ذكر أنها هاهنا واجبة على قول من يذهب إلى الوجوب.
وعن الثالث: أن المستحيل اجتماعها مرادين وهو مما يعارض للإرادة، إلا أن يقول القرء يحتمل الحيض والطهر وهو الجواب عن الرابع.
م: (وفيها سجدة) ش: أي في ترك قراءة الفاتحة والقنوت والتشهد وتكبيرات العيدين م: (سجدة السهو وهو الصحيح) ش: أي وجوب سجدتي السهو في هذه الأشياء هو الصحيح، واحترز به عن جواب القياس في هذه الأشياء حيث لا يجب فيها شيء، كما لو ترك الثناء والتعوذ.
وقال الأكمل: قوله وهو الصحيح احترازا عما قبل قراءة التشهد في القعدة الأولى سنة، وقال الأترازي: إنما قيد بالصحيح احترازا عما قال القاضي الإمام أبو جعفر الأستروشني ﵀، إن قراءة التشهد في القعدة الأولى سنة.
وقال صاحب " الدراية ": هو الصحيح احترازا عن جواب القياس في التشهد، وكذا قال السغناقي ثم قال ولكن جواب الاستحسان أنه واجب.
قلت: الكل متفقون على ما ليس بمراد المصنف، فالأوجه الاستدلال الذي ذكرته على ما لا يخفى على المصنف.
وفي " المحيط " قال الكرخي والطحاوي وبعض المتأخرين: القعدة الأولى واجبة وقراءة
стр. 1268
ولو جهر الإمام فيما يخافت، أو خافت فيما يجهر تلزمه سجدتا السهو؛ لأن الجهر في موضعه، والمخافتة في موضعها من الواجبات. واختلفت الرواية في المقدار، والأصح قدر ما تجوز به الصلاة في الفصلين، لأن اليسير من الجهر والإخفاء لا يمكن الاحتراز عنه. وعن الكثير ممكن، وما تصح به الصلاة كثير غير أن ذلك عنده.
ــ
[البناية]
التشهد فيها سنة عند بعض المشايخ وهو الأقيس، وعند بعضهم واجبة وهو الأصح، وقراءة التشهد في القعدة الأخيرة واجبة بالاتفاق.
وقال السغناقي: وفيه احتراز أيضا عن إحدى الروايتين عن أبي يوسف في ترك قراءة التشهد في القعدة الثانية أنه لا يجب السهو في رواية عنه، وكذا في " جامع قاضي خان ".
م: (ولو جهر الإمام فيما يخافت) ش: يخافت على صيغة المجهول نحو صلاة الظهر والعصر م: (أو خافت فيما يجهر) ش: يجهر أيضا على صيغة المجهول، نحو صلاة المغرب والعشاء والصبح م: (يلزمه سجدتا السهو) ش: أي يلزمه سجود السهو م: (لأن الجهر في موضعه، والمخافتة في موضعها من الواجبات) ش: لمواظبة النبي ﷺ عليهما فبتركهما يلزم السهو.
وقال الشافعي: لا يجب السهو بترك الجهر والمخافتة لأنه لم يترك المقصود في المحل، وإنما ترك صفته، وقال مالك وأحمد: إن جهر في موضع الإسرار يسجد للسهو بعد السلام، وإن أسر في موضع الجهر سجد قبل السلام، وعن أحمد إن سجد فحسن، وإن ترك فلا بأس.
م: (واختلفت الرواية في المقدار) ش: وفي بعض النسخ، واختلفت بالواو وهذه أحسن، أي اختلفت الرواية عن أصحابنا في مقدار ما يتعلق به السهو من الجهر فيما يخفى، والإخفاء فيما يجهر، فذكر الحاكم الخليل عن ابن سماعة عن محمد أنه قال: إذا جهر بأكثر الفاتحة يسجد ثم رجع فقال إذا جهر مقدار ما يجوز به الصلاة تجب وإلا فلا.
وروى أبو سليمان عن محمد إن جهر بأكثر الفاتحة سجد، وإن جهر بغير الفاتحة بآية طويلة، وقد مر الكلام فيه مستقصى عن قريب.
م: (والأصح قدر ما يصح به الصلاة) ش: أي الأصح في المقدار الجهر الذي يجب به السهو القراءة قدر ما تصح به الصلاة وهو ثلاث آيات أو آية طويلة بالاتفاق أو آية قصيرة على مذهب أبي حنيفة، واحترز بقوله والأصح عما ذكره شمس الأئمة السرخسي أنه يجب سجدتا السهو، وإن كان ذلك كلمة م) في الفصلين) ش: أرد بهما جهر الإمام فيما يخفى والإخفاء فيما يجهر م: (لأن اليسير من الجهر والإخفاء لا يمكن الاحتراز عنه، وعن الكثير يمكن) ش: أراد بالإمكان وعدمه من حيث العادة م: (وما تصح به الصلاة كثير) ش: أي الذي تصح به الصلاة من القراءة يعد كثيرا، وما لا يصلح به الصلاة يعد يسيرا م: (غير أن ذلك) ش: أي الكثرة الذي تصح به الصلاة م: (عنده) ش:
стр. 1269
آية واحدة، وعندهما: ثلاث آيات
وهذا في حق الإمام دون المنفرد؛ لأن الجهر والمخافتة من خصائص الجماعة.
ــ
[البناية]
أي عند أبي حنيفة م: (آية واحدة، وعندهما ثلاث آيات) ش: على ما عرف في موضعه.
فإن قلت: روى البخاري ومسلم وأبو داود واللفظ له عن أبي قتادة قال: كان النبي ﷺ «يصلي بنا يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، يسمعنا الآية أحيانا» ... الحديث. فدل على أن الإخفاء لم يكن واجبا كما ذهب إليه الشافعي.
قلت: هذا محمول على أنه أراد به بيان جواز الجهر في القراءة السرية، وإن الإسرار ليس بشرط لصحة الصلاة بل هو سنة، ويحتمل أن الجهر بالآية كان يحصل سبق اللسان للاستغراق في التدبر.
م: (وهذا) ش: أي وجوب السجدة في الفصلين م: (في الإمام) ش: أي في حق الإمام م: (دون المنفرد، لأن الجهر والمخافتة من خصائص الجماعة) ش: أي وجوبهما من خصائص الجماعة.
فإن قلت: هذا الجواب في حق المنفرد في حق الصلاة التي يجهر فيها صحيح، لأنه لا يجب الجهر على المنفرد، بل من مخير بين الجهر والمخافتة في حق الصلاة يخافت فيها ينبغي أن يجب سجدة السهو بالجهر فيها، لأن المخافتة على المنفرد واجبة فيها كالإمام.
قلت: هذا الذي ذكره جواب ظاهر الرواية.
وأما جواب رواية " النوادر " فإنه يجب عليه سجدة السهو، وكذا ذكر الناطفي في " واقعاته " رواية أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في المنفرد، وإذا جهر فيما يخافت أن عليه السهو. وفي " نوادر الظهيرية " روى أبو سليمان أن المنفرد إذا ظن أنه إمام فجهر كما يجهر الإمام يلزمه سجود السهو وفي " المجتبى " سها الإمام فخافت بالفاتحة، ثم ذكر فجهر بالسورة لا يعيد الفاتحة، وقال شرف الدين العقيلي: لا خلاف أنه إذا جهر بأكثر الفاتحة، ثم ذكرها يتمها مخافتة ولو خافت بأكثر الفاتحة فيما يجهر، قيل يتمها ولا يعيد الفاتحة، وقال شمس الأئمة: وقياس مسائل " الجامع الصغير " أن يؤمر بالإعادة جهرا، وفي ترك الأولى في القراءة سهوا اختلاف بين أبي يوسف ﵀ ومحمد سهى عن قراءة البسملة في أول ركعة، فعن أبي يوسف يلزمه السهو، وفي " المنتقى " و " غريب الرواية " لو أم في النفل يجهر، فإن خافت فعليه السهو.
وفي " المحيط " زاد في التشهد الأول حرفا يجب السهو عندنا.
وقال أبو شجاع: إنما يجب إذا قال اللهم صل على محمد، وقال الشيخ أبو منصور الماتريدي ﵀ إنما يجب إذا قال معه، وعلى آل محمد، وقال المرغيناني: المعتبر قدر ما يؤدي فيه ركنا، وعن أبي يوسف ومحمد لا سهو عليه.
стр. 1270
قال: وسهو الإمام يوجب على المؤتم السجود لتقرر السبب الموجب في حق الأصل، ولهذا يلزمه حكم الإقامة بنية الإمام، فإن لم يسجد الإمام لم يسجد المؤتم؛ لأنه يصير مخالفا لإمامه.
ــ
[البناية]
وقال الشافعي لو ترك الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول سجد للسهو.
م: (وسهو الإمام يوجب على المؤتم السجود) ش: السجود منصوب لأنه مفعول يوجب م: (لتقرر السبب الموجب في حق الأصل) ش: أراد بالسببية السهو، وبالأصل الإمام، فلما وجب عليه وجب على من خلفه، لأن النقصان المتمكن في صلاته متمكن في صلاة القوم، لأن صلاتهم متعلقة بصلاته صحة وفسادا، فوجب عليهم السجود م: (ولهذا) ش: أي ولأجل تقرر السبب الموجب في حق الأصل م: (يلزمه) ش: أي يلزم المؤتم م: (حكم الإقامة بنية الإمام) ش: يعني إذا نوى الإمام في وسط صلاته الإقامة يصير فرضهم أربعا، وإن لم يوجد من القوم النية.
م: (فإن لم يسجد الإمام لم يسجد المؤتم) ش: يعني لا يجب عليه أن يسجد م: (لأنه) ش: أي لأن المؤتم م: (يصير مخالفا لإمامه) ش: إذا سجد بدون أن يسجد الإمام، وبه قال المزني والبويطي من أصحاب الشافعي وأحمد في رواية، وعند الشافعي، ومالك وأحمد في رواية يسجد المأموم، ومذهبنا قول عطاء والحسن والنخعي والثوري والقاسم وحماد بن أبي سليمان.
وفي حديث ابن عمر «فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه السهو» ذكر هذا الحديث ابن تيمية في " شرحه "، وكلمة على للوجوب.
فإن قلت: هاهنا إشكالان:
الأول: يشكل على هذه المسائل التسع التي ذكرت في " الخلاصة " و " الخزانة " أنها إذا لم يفعلها الإمام يفعلها القوم، وهي إذا لم يرفع الإمام يديه عند تكبيرة الافتتاح يرفع القوم. وإذا لم يبن فالمقتدي يبني، وإذا ترك تكبيرة الركوع وتسبيحته وتسميته وتكبيرة الانحطاط وقراءة التشهد والتسليم، يأتي بذلك كله المقتدي والتاسع تكبيرة التشريق.
قلت: هذه الأحكام لا تثبت في ضمن شيء باشره الإمام بل يثبت ابتداء على كل واحد من الإمام والمقتدي، ولا تجزئ فيه النيابة، بخلاف سجدة السهو، فإنها إنما تثبت في ضمن ما باشره الإمام، فلما لم يأت به لم يجب على غيره الإشكال.
الثاني: يرد على قوله لأنه يصير مخالفا وهو ما إذا قام المسبوق لقضاء ما سبق بعد فراغ الإمام والمقيم المقتدي بالمسافر يتم ركعتين بعد فراغ الإمام.
قلت: المخالفة بعد فراغ لا تعد مخالفة، وليس في المسألتين تعلق بصلاة الإمام فلا تكون مخالفة لا صورة ولا معنى.
وفي " مبسوط أبي اليسر ": ويسجد المسبوق مع الإمام للسهو سواء أدركه في القعدة أو في
стр. 1271
وما التزم الأداء إلا متابعا،
فإن سها المؤتم لم يلزم الإمام ولا المؤتم السجود؛ لأنه لو سجد وحده كان مخالفا لإمامه، ولو تابعه الإمام ينقلب الأصل تبعا،
ومن سها عن القعدة الأولى، ثم تذكر وهو إلى حالة القعود أقرب
ــ
[البناية]
وسط الصلاة، لقوله ﷺ : «فلا تختلفوا عليه» ولو لم يسجد معه وقام إلى قضاء ما سبق ثم سلم الإمام لا يلزمه سجدتا السهو بالقياس لأنه خرج عن صلاة الإمام، وفي " الاستحسان " يلزمه لأن هذه الصلاة كلها واحدة من حيث التحريمة يجب الإتيان بالكل.
وقال الشافعي: لو سها الإمام فيما أدركه بعد فسجد مع الإمام إذا سجد قبل السلام.
وعن ابن سيرين أنه لا يتابعه، وإن سجد الإمام بعد السلام لم يتابعه فيه وعندنا يتابعه، ولو سجد مع الإمام قبل السلام وقضى ما عليه يعيد سجود السهو في آخر صلاته في قوله الجديد، وفي القديم لا يعيد، ولو سها الإمام فيما لم يدركه المسبوق يلزمه حكم سهو إمامه، وقيل لا يلزمه، ولو قام المسبوق في قضاء ما سبق ولم يسجد آتيا للسهو فعليه أن يسجد ثلاثا.
م: (وما التزم الأداء إلا متابعا) ش: وما التزم المقتدي أداء الصلاة إلا حال كونه متابعا لإمامه، فلما لم يسجد إمامه لم يسجد هو أيضا تحقيقا للمتابعة.
م: (فإن سها المؤتم لم يلزم الإمام ولا المؤتم السجود) ش: السجود مرفوع لأنه فاعل لقوله لم يلزم م: (لأنه) ش: أي لأن المؤتم م: (لو سجد وحده) ش: أي بدون الإمام م: (كان مخالفا لإمامه) ش: قال ﷺ : " ولا تختلفوا على المتكلم "، ولأنه لم يجز أن ينفرد بسهو نفسه فكذلك لم يجز أن ينفرد بسهو إمامه م: (لو تابعه الإمام) ش: أي لو تابع المقتدي إمامه في سجود السهو الذي سهاه المتقدي م: (ينقلب الأصل) ش: وهو الإمام م: (تبعا) ش: فلا يجوز لأنه متبوع، وهذا قلب الموضوع.
فإن قلت: سجود السهو يؤتى به في آخر الصلاة بعد السلام، فلم لا يصير إلى أن يسلم الإمام فيخرج عن متابعته ثم يسجد.
قلت: لا يمكن ذلك، لأن السنة أن يسلم الإمام والمأموم عقبه، فإذا سجد يقع سجوده بعد خروجه من الصلاة، لأنه يخرج بسلام الإمام.
م: (ومن سها عن القعدة الأولى) ش: أي في الفرائض الثلاثية والرباعية م: (ثم تذكر) ش: أي القعدة الأولى التي تركها م: (وهو إلى حالة القعود أقرب) ش: أي والحال أنه أقرب إلى القعود من القيام، وفي " الكافي " يعتبر ذلك بالنصف الأسفل، فإذا كان النصف الأسفل مستويا كان إلى القيام أقرب وإلا لا، وفي " الجنازية " وعلامة القرب بأن لم يرفع ركبتيه من الأرض.
وفي " المحيط ": ولو رفع أليتيه من الأرض وركبتاه عليها بعد ولم يرفعهما قعد ولا سهو عليه، وفي " البدائع " إذا كان إلى القيام أقرب فلوجود القيام وهو انتصاب النصف الأعلى.
стр. 1272
عاد وقعد وتشهد؛ لأن ما يقرب إلى الشيء يأخذ حكمه، ثم قيل: يسجد للسهو للتأخير، والأصح أنه لا يسجد كما إذا لم يقم ولو كان إلى القيام أقرب لم يعد؛ لأنه كالقائم معنى ويسجد للسهو؛ لأنه ترك الواجب،
ــ
[البناية]
والنصف الأسفل جميعا وما بقي من الانحناء غير معتبر م: (عاد) ش: إلى القعود م: (وقعد وتشهد؛ لأن ما يقرب إلى الشيء يأخذ حكمه) ش: كفناء المصر له حق المصر في صلاة العيد والجمعة. وحريم البئر له حكم البئر، وما يقرب إلى العامر له حكم العامر في المنع من الإحياء.
م: (ثم قيل: يسجد للسهو) ش: أشار بهذا أن المشايخ اختلفوا في الصورة المذكورة، هل يلزمه سجود السهو، أم لا؟
فقال الولوالجي وأبو نصر السرخسي وغيرهما والشافعي وأحمد يسجد وهو معنى قوله ثم قيل يسجد للسهو م: (للتأخير) ش: أي لتأخير القعدة التي هي واجبة لأنه بهذا المقدار من القيام صار مؤخرا واجبا عن وقته م: (والأصح أنه لا يسجد) ش: وهو اختيار أبي بكر محمد بن الفضل وبعض أصحاب الشافعي م: (كما إذا لم يقم) ش: يعني لو لم يقم ما كان يلزمه السهو، فكذا هاهنا، لأن كأنه لم يقم، لا إنه إذا كان إلى القعود أقرب كان له حكم القاعد فينتفي عنه إطلاق القيام عليه.
م: (ولو كان إلى القيام أقرب) ش: بأن رفع ركبتيه من الأرض م: (لم يعد إليه) ش: أي إلى القعود م: (لأنه كالقائم) ش: يعني ولو كان حقيقة القيام لما عاد إلى القعدة بالاتفاق، فكذا هاهنا لأنه أخذ حكمه بقربه منه، ثم إنما لا يعود عنه في حقيقة القيام كما أن القيام فرض والقعدة الأولى واجبة، فلا يترك الفرض لأجل الواجب م: (ويسجد للسهو لأنه ترك الواجب) ش: هذا خلاف بيننا وبين الشافعي، وأما عندنا فلأنه ترك للواجب وهو القعدة الأولى، وأما عند الشافعي فلأن عنده لا يتعلق السهو بترك السنة سوى التشهد الأول والقنوت والصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول.
فإن قلت: يشكل على هذا ما لو قرأ آية السجدة في القيام، إن كان يترك القيام قصدا وهو فرض لأجل سجدة التلاوة وهي واجبة.
قلت: قال شيخ الإسلام: القياس هاهنا أن لا يترك القيام إلا أنه يجوز ذلك بالأثر، فإنه ﷺ والصحابة ﵃ يسجدون ويتركون القيام لأجلها فترك القياس به.
وفي " المجتبى " قال الحسن: لو عاد بعد الانتصاب قيل يتشهد لنقضه القيام، والصحيح، أنه لا يتشهد ويقوم وينتقض قيامه بقعوده لم يؤمر به كمن قرأ الفاتحة والسورة، وركع لا ينتقض الركوع بسورة أخرى ينتقض ركوعه، ولو سها عن بعض التشهد فعليه السهو عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولو ذكر في ركوع الثالثة أنه لم يسجد في الثانية يعود فيسجد ويتشهد ثم يصلي الثالثة
стр. 1273
وإن سها عن القعدة الأخيرة حتى قام إلى الخامسة، رجع إلى القعدة ما لم يسجد؛ لأن فيه إصلاح صلاته وأمكنه ذلك؛ لأن ما دون الركعة بمحل الرفض. قال: وألغى الخامسة لأنه رجع إلى شيء محله قبله فيرتفض، وسجد للسهو لأنه أخر واجبا، وإن قيد الخامسة بسجدة بطل فرضه عندنا خلافا للشافعي ﵀ لأنه استحكم شروعه في النافلة قبل إكمال أركان المكتوبة؛ لأن ما دون الركعة،
ــ
[البناية]
بركوعها ولو ذكر بعد السجود يقضي السجدة ويتشهد ولا يعيد الركوع.
وفي " شرح الوجيز " إن عاد عمدا وهو عالم بأنه لا يجوز العود بطلت صلاته، وإن عاد ناسيا لم تبطل وعليه أن يقوم إذا تذكر، وإن عاد جاهلا ففي عدم الجواز وجهان ذكره في " التهذيب ". أحدهما أنه لا يعيد وتبطل صلاته لتقصيره بترك التعليم، وأصحهما أنه لا يعيد ولا تبطل صلاته كالناسي.
م: (وإن سها عن القعدة الأخيرة) ش: في ذوات الأربع كالظهر والعصر والعشاء فقام إلى الخامسة، أو في ذوات الثلاث كالمغرب والوتر فقام إلى الرابعة أو في ذوات الاثنين كالفجر فقام إلى الثالثة. م: (حتى قام إلى الخامسة رجع إلى القعدة ما لم يسجد، لأن فيه) ش: أي لأن في رجوعه إلى القعدة م: (إصلاح صلاته وأمكنه ذلك) ش: أي إصلاح صلاته. م: (لأن ما دون الركعة بمحل الرفض) ش: لأنه ليس من تمام الصلاة، ولهذا لا يحنث به في يمينه لا يصلي.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وألغى الخامسة) ش: أي الركعة الخامسة التي قام إليها م: (لأنه رجع إلى شيء محله قبله) ش: أي رجع إلى القعود الذي محله قبل القيام إلى الخامسة م: (فيرتفض) ش: أي قيامه إلى الخامسة ليكون إتيانه القعود في محله م: (ويسجد للسهو لأنه أخر واجبا) ش: لأن الواجب عليه أن يأتي بالقعدة الأخيرة قبل القيام إلى الخامسة.
وفي " الكافي ": أراد بالواجب الواجب القطعي وهو الفرض وهو القعدة الأخيرة، لأن بتأخيره الفرض يجب السهو م: (وإن قيد الخامسة) ش: أي الركعة الخامسة التي قام إليها م: (بسجدة) ش: أي بأن سجد للخامسة م: (بطل فرضه عندنا) ش: لأن الركعة الواحدة بسجدة صلاة حقيقة وحكما حتى يحنث في يمينه لا يصلي م: (خلافا للشافعي) ش: ومالك وأحمد، فعندهم لا يبطل فرضه ويرجع ويقعد ويتشهد ويسلم لما روي «أنه ﵇ صلى الظهر خمسا فقيل له: أزيد في الصلاة؟ قال: " وما ذاك؟ " قالوا: صليت خمسا. فسجد سجدتين بعدها» م: (لأنه) ش: دليلنا العقلي أي لأن الشأن م: (استحكم شروعه في النافلة قبل إكمال أركان المكتوبة) ش: والشروع في النافلة قبل إكمال الفرض يفسد له، كما لو صلى ركعتين بخلاف ما إذا لم يقيد الخامسة بسجدة م: (لأن ما دون الركعة) ش: ليس لها حكم الصلاة بدليل مسألة اليمين، وتأويل الحديث أنه ﷺ قعد على الرابعة بدليل أنه قال: " صلى الظهر خمسا " والظهر اسم لجميع الأركان، ومنها
стр. 1274
ومن ضرورته خروجه عن الفرض، وهذا لأن الركعة بسجدة واحدة صلاة حقيقة، حتى يحنث بها في يمينه لا يصلي، وتحولت صلاته نفلا عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافا لمحمد ﵀ على ما مر فيضم إليها ركعة سادسة،
ولو لم يضم لا شيء عليه؛ لأنه مظنون،
ــ
[البناية]
القعدة، وإنما قام إلى الخامسة على ظن أن هذه القعدة الأولى حملا لفعله ﷺ على ما هو أقرب إلى الصواب م: (ومن ضرورته) ش: أي ومن ضرورة الشرع م: (خروجه عن الفرض) ش: لأن بينهما منافاة.
م: (وهذا) ش: أي هذا الذي ذكرنا من الركعة بلا سجدة لا تبطل صلاته، وإن كانت سجدة تبطل م: (لأن الركعة بسجدة واحدة صلاة حقيقة) ش: لأن الصلاة عبارة عن القراءة والقيام والركوع والسجود، وقد وجدت حكما م: (حتى يحنث بها في يمينه لا يصلي) ش: نتيجة ما قبله وقد مر الكلام فيه عن قريب م: (وتحولت صلاته نفلا) ش: أي الذي لم يقعد في الرابعة قدر التشهد، وقيد الخامسة بالسجدة تحولت، أي صارت تلك الصلاة التي صلاها نفلا م: (عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافا لمحمد على ما مر) ش: أشار به إلى ما ذكره في باب قضاء الفوائت أن بطلان الوصف لا يوجب بطلان الأصل عندهما خلافا لمحمد ﵀ م: (فيضم إليها ركعة سادسة) ش: يعني عندهما، لأن النفل شرع شفعا لا وترا للنهي عن النبي، وهل يجب عليه سجدة السهو لم يذكره، واختلفوا فيه، والأصح أنه لا يسجد، لأن النقصان بالفساد لا يجبر بالسجدة.
م: (ولو لم يضم لا شيء عليه) ش: يعني لا قضاء عليه م: (لأنه مظنون) ش: أي لأن الذي شرع فيه مظنون، والمظنون غير مضمون، لأنه قام على ظن أنها ثالثة، وهذا عند علمائنا الثلاثة، خلافا لزفر ﵀، فإن اقتدى به إنسان في الخامسة أو السادسة ثم أفسدها يلزمه قضاء ست ركعات في قول أبي يوسف لبقاء التحريمة ذكره في " قاضي خان ". وفي " المحيط " إن اقتدى به إنسان في الخامسة ثم أفسدها بأن عاد الإمام إلى القعدة يقضي أربعا، وإن قضى يقضي ستا عندهما.
وعند محمد لا يتصور القضاء لبطلان أصل الصلاة، قالوا: أخبر أبو يوسف بجواب محمد، فقال: زه صلاة فسدت يصلحها، الحديث، وهذا معنى ما يسأله العامة إنه صلاة يصلحها، الحديث، ففسد هذه الصلاة على قول محمد، وإنما قال أبو يوسف هذا لغيظ لحقه من محمد وهو أنه روي أن محمدا أمر بمسجد خراب قد راعت فيه الدواب وبالت فيه الكلاب فقال: هذا مسجد أبي يوسف، لأن مثل هذا يبقى مسجدا، إلى أن تقوم الساعة عنده، وعند محمد يعود إلى ملك الواقف أو إلى ورثته بعد وفاته.
قال الأترازي ﵀: زه، كلمة استعجاب عند أهل العراق، وإنما قالها أبو يوسف تهكما، وقيل الصواب: زه بالضم، والزاي ليست بخالصة كذا قال صاحب " المغرب "، وفي
стр. 1275
ثم إنما يبطل فرضه بوضع الجبهة عند أبي يوسف ﵀ لأنه سجود كامل، وعند محمد ﵀ يرفعه؛ لأن تمام الشيء بآخره وهو الرفع، ولم يصح مع الحدث، وثمرة الاختلاف فيما إذا سبقه الحدث في السجود بنى عند محمد خلافا لأبي يوسف ﵀، ولو قعد في الرابعة، ثم قام ولم يسلم عاد إلى القعدة ما لم يسجد للخامسة وسلم؛ لأن التسليم في حالة القيام غير مشروع، وأمكنه الإقامة.
ــ
[البناية]
" الفوائد الظهيرية ": زه بزاي مكسورة منقوطة من فوقها.
قلت: الصواب الكسر تقولها العجم عند إعجابهم بشيء فافهم.
م: (ثم إنما يبطل فرضه بوضع الجبهة عند أبي يوسف) ش: هذا بيان خلاف آخر بين أبي يوسف ومحمد، والأصل فيه أن الانتقال من الفرض إلى النفل لا يتحقق ما لم يسجد في الخامسة، ثم هذا الانتقال هل يحصل بمجرد وضع الجبهة أم لا؟، فعند أبي يوسف يحصل، لأن وجود السجدة بوضع الجبهة على الأرض لا بالرفع م: (لأنه) ش: أي لأن وضع الجبهة على الأرض م: (سجود كامل) ش: لكون السجود حقيقة في وضع الجبهة م: (وعند محمد يرفعه) ش: أي يرفع المصلي جبهته عن الأرض م: (لأن تمام الشيء بآخره وهو الرفع) ش: أي آخر السجود رفع الجبهة م: (ولم يصح مع الحدث) ش: أي لم يصح السجود مع الحدث بالاتفاق، إنما ذكر هذا لأن محمدا لما قال تمام الشيء بآخره وهو الفرع، قال لا خلاف بيننا أن الرفع لم يصح مع الحدث فلم يتم السجود.
ثم أشار المصنف إلى ثمرة هذا الخلاف بقوله م: (وثمرة الاختلاف فيما إذا سبقه الحدث في السجود) ش: يعني إذا سبقه الحدث في هذا السجود، فذهب ليتوضأ ثم تذكر أنه لم يقعد في الرابعة يتوضأ ويعود إلى القعدة ويبني على صلاته م: (وعند محمد) ش: يعني يتمها بالتشهد والسلام م: (خلافا لأبي يوسف ﵀) ش: فعنده لا يبني، لأن صلاته فسدت بوضع الجبهة، ولا بناء على الفاسد، قال فخر الإسلام: المختار للفتوى قول محمد لأنه أوفق وأقيس، لأن السجود لو تم قبل الرفع وجعل دوامه لتكراره لم ينقضه الحدث، يعني بالاتفاق أن الحدث ينقض كل ركن وجد هو فيه، حتى لو قضى وبنى على صلاته وجب عليه إعادة ذلك الركن الذي وجد فيه الحدث، ولو تم السجود بوضع الجبهة لما احتاج إلى إعادته كما لو وجد الحدث بعد الرفع.
م: (ولو قعد في الرابعة ثم قام ولم يسلم) ش: أي ولو قعد المصلي في آخر الركعة الرابعة ثم قام إلى الخامسة والحال أنه لم يسلم على ظن أنها القعدة الأولى م: (عاد إلى القعدة ما لم يسجد للخامسة وسلم) ش: يعني ما لم يقيد الركعة الخامسة بالسجدة، لأن النبي ﷺ قام إلى الخامسة فسبح به فعاد وسلم وسجد سجدتي السهو م: (لأن التسليم في حالة القيام غير مشروع، وأمكنه الإقامة) ش: أي
стр. 1276
على وجهه بالقعود؛ لأن ما دون الركعة بمحل الرفض.
وإن قيد الخامسة بالسجدة ثم تذكر ضم إليها ركعة أخرى، وتم فرضه؛
ــ
[البناية]
أمكنه إقامة السلام م: (على وجهه) ش: أي على الوجه المسنون م: (بالقعود) ش: يعني بالعود إلى القعود م: (لأن ما دون الركعة محل الرفض) ش: كما لو أقام المؤذن وهو في الركعة الأولى، ولا يقيدها بالسجدة فإنه يرفضها.
فإن قلت: إذا سلم قائما ماذا حكمه؟.
قلت: لا تفسد صلاته، كذا في " الخلاصة " وغيرها، ثم في هذه المسألة إذا عاد لا يعيد التشهد، وكذا لو قام عامدا. وقال الناطفي: يعيد، ثم قيل: القوم يتبعونه، فإن عاد عادوا معه، وإن مضى في النافلة اتبعوه لأن صلاتهم تمت بالقعدة، والصحيح ما ذكره البلخي عن علمائنا أنهم لا يتبعونه، لأنه لا اتباع في البدعة، لكن ينتظرونه قعودا، فإن عاد قبل تقيد الخامسة بالسجدة اتبعوه بالسلام، فإن قيد سلموا في الحال، كذا في " المحيط " و " التمرتاشي ".
م: (وإن قيد الخامسة بالسجدة ثم تذكر) ش: أنه زاد ركعة خامسة، وأنه ترك السلام م: (ضم إليها) ش: أي إلى الخامسة م: (ركعة أخرى) ش: لفظ ضم وفي " المبسوط " ما يدل على الوجوب، فإنه قال: وعليه أن يضيف، وكلمة على للإيجاب.
وعند الشافعي: لا يضم لأن الركعة الواحدة مشروعة عنده م: (وتم فرضه) ش: لكن في الظهر والعصر والعشاء يضيف إليها السادسة لتكون الأربع الأول فرضا، والآخران نفلا، وعند الشافعي: يعود إلى القعدة ولا يضيف السادسة فإن أضافها فسدت صلاته لأنه انتقل إلى صلاة أخرى وعليه ركن، لأن إضافة لفظ السلام ركن عنده، وعندنا لا تفسد ظهره، لأنه انتقل إلى صلاة أخرى وليس عليه ركن لأن إصابة لفظ السلام ليس بركن عندنا، وإضافة السادسة للاحتراز عن البتيراء المنهية.
فإن قلت: النهي يدل على المشروعية عندكم كما عرف في الأصول.
قلت: يذكر النهي ويراد به المنفي كالفسخ يراد به النسخ يدل عليه قول ابن مسعود ﵁ ما أخرت ركعة قط ولا يضيف السادسة في العصر، لأن التنفل بعد العصر مكروه، وعن هشام عن محمد أنه لا بأس به لأن التنفل بعد العصر إنما يكره إذا قصده أما إذا وقع فيه لا يقصده فلا يكره، لأنه لا يخصان إلا عن اختيار، كذا ذكر الصدر الشهيد في شرح " الجامع الصغير ". قال الصدر الشهيد: الفتوى على قول محمد. وقال قتادة والأوزاعي فيمن صلى المغرب أربعا تضيف إليها ركعة أخرى فتكون الركعتان له نافلة قال: وإن لم يضم إليها ركعة أخرى فلا شيء عليه لأنه مظنون.
стр. 1277
لأن الباقي إصابة لفظ السلام وهي واجبة. وإنما يضم إليها أخرى لتصير الركعتان نفلا؛ لأن الركعة الواحدة لا تجزئه لنهيه ﵇ عن البتيراء، ثم لا تنوبان عن سنة الظهر وهو الصحيح؛ لأن المواظبة عليها بتحريمة مبتدأة، ويسجد للسهو استحسانا
ــ
[البناية]
م: (لأن الباقي) ش: من صلاته م: (إصابة لفظ السلام وهي) ش: أي إصابة لفظ السلام م: (واجبة) ش: وترك الواجب لا يفسد الصلاة، ولكن يوجب سجدتي السهو م: (وإنما يضم إليها أخرى لتصير الركعتان) ش: الزائدتان على الأربع نفلا م: (لأن الركعة الواحدة لا تجزئه لنهيه ﷺ عن البتيراء) ش: قد مر الكلام في حديث البتيراء في باب الوتر.
م: (ثم لا تنوبان) ش: أي هاتان الركعتان الزائدتان لا ينوبان، يعني لا تقومان ولا يجزئان م: (عن سنة الظهر) ش: وهي الركعتان المسنونتان بعده م: (وهو الصحيح) ش: يعني عدم إنابة هاتين الركعتين عن سنة الظهر هو الصحيح، واحترز بقوله عن قول بعض المشايخ أنهما ينوبان عن سنة الظهر وهي رواية ابن سماعة عن محمد.
وقيل: هو قول أبي يوسف ومحمد لأنه أتى بالركعتين في موضع السنة فيقومان عنها، كما قال شمس الأئمة الحلواني فيمن صلى آخر الليل ركعتين بنية التطوع على ظن أن الفجر لم يطلع فظهر أنه كان قد طلع عند افتتاحها لفظ هذا الجواب أنهما يجزئانه عن ركعتي الفجر، كذلك هنا، وإلى عدم جواز الإنابة ذهب فخر الإسلام البزدوي وأبو عبد الله الخير وشمس الأئمة وقاضي خان وجماعة من مشايخ بخارى، وقيل: هو قول أبي حنيفة ﵁.
م: (لأن المواظبة عليها بتحريمة مبتدأة) ش: أي لأن مواظبة النبي ﷺ على سنة الظهر كانت بتحريمة مبتدأة أي مستقلة لا مبنية على غيرها، لأن السنة عبارة عن طريقة النبي ﵇ وهو كان يتطوع بتحريمة مبتدأة قصدا، ولأن المشروع صلاة كاملة على صفة السنة فلا يتأدى بما هو مظنون ناقصا غير مضمون.
م: (ويسجد للسهو استحسانا) ش: أي من حيث الاستحسان، والقياس يقتضي أن لا يسجد للسهو، لأن السهو وإن تمكن في الفريضة فقد أدى بعدها صلاة أخرى ولزم من صحة الشروع فيها الانقطاع عن الفريضة، ومن سهى في صلاته لا يسجد في صلاة أخرى.
وجه الاستحسان وإن انتقل من الفرض إلى التنفل بناء على التحريمة فيجعل في حق وجوب السهو، فإنهما صلاة واحدة، وهذا كمن صلى ست ركعات تطوعا بتسليمة واحدة وسهى في الشفع الأول يسجد للسهو في آخر الصلاة، وإن كان كل شفع صلاة على حدة لكن كلها في حق التحريمة صلاة واحدة.
стр. 1278
لتمكن النقصان في الفرض بالخروج لا على الوجه المسنون، وفي النفل بالدخول لا على الوجه المسنون، ولو قطعها لم يلزمه القضاء؛ لأنه مظنون، ولو اقتدى به إنسان فيهما يصلي ستا عند محمد ﵀؛ لأنه المؤدى بهذه التحريمة، وعندهما ركعتين لأنه استحكم خروجه عن الفرض، ولو أفسده المقتدي فلا قضاء عليه عند محمد ﵀ اعتبارا بالإمام،
ــ
[البناية]
ثم اختلف في هذه السجدة هل هي لنقص في النفل أو لنقص في الفرض؟، فقال أبو يوسف لنقص في النفل، وقال محمد لنقص في الفرض، وأشار المصنف إلى قوليهما من غير تصريح باسمهما بقوله م: (لتمكن النقصان في الفرض) ش: أشار هنا إلى قول محمد أراد أن النقصان تمكن في الفرض م: (بالخروج) ش: عنه م: (لا على الوجه المسنون) ش: هو خروجه بإصابة لفظ السلام بعد أربع ركعات، وقد ترك ذلك فيكون نقصانا في الفرض.
وقوله: م: (وفي النفل) ش: وهو الركعتان إشارة إلى قول أبي يوسف وهو تمكن النقصان في النفل م: (بالدخول) ش: أي بدخوله م: (لا على الوجه المسنون) ش: وهو كونه بلا تحريمة مبتدأة، وإنما قدم قول محمد على قول أبي يوسف لأنه هو المختار والمعتمد للفتوى، وذكره فخر الإسلام في " الجامع الصغير ".
م: (ولو قطعها) ش: أي ولو قطع الخامسة بأن لم يضف إليها سادسة م: (لا يلزمه القضاء) ش: عندنا خلافا لزفر م: (لأنه مظنون) ش: والمشروع من الصلاة أو الصوم على وجه الظن غير ملزم عندنا خلافا له م: (ولو اقتدى به) ش: أي بالمصلي المذكور م: (إنسان فيهما) ش: أي الركعتين المضمومتين م: (يصلي ستا) ش: أي ست ركعات م: (عند محمد لأنه هو المؤدى) ش: بفتح الدال م: (بهذه التحريمة) .
م: (وعندهما) ش: أي عند أبي حنيفة وأبي يوسف م: (ركعتين) ش: أي يصلي ركعتين م: (لأنه استحكم خروجه من الفرض) ش: فلا يلزمه غير هذا الشفع، وذكر صاحب " خلاصة الفتاوى " الخلاف بين محمد وصاحبه كما ذكر صاحب " الهداية " ولكن المذكور في " شرح الجامع الصغير " للصدر الشهيد و " شرح الطحاوي " و " المنظومة " و " شروحها " أنه يصلي ستا عند محمد وركعتين عند أبي يوسف، ولم يذكر قول أبي حنيفة وهو الصحيح، لأنه ذكر الناطفي في " الأجناس " قول أبي يوسف عن النوادر المعلي وعن قول محمد عن نوادر ابن سماعة، ولم يذكر قول أبي حنيفة في كتب المتقدمين.
م: (ولو أفسده المقتدي) ش: أي لو أفسده المقتدي أي الواحد المقتدي ما شرع فيه م: (فلا قضاء عليه عند محمد اعتبارا بالإمام) ش: يعني اعتبر محمدا اعتبار الحال الإمام، فإن هذه الصلاة المظنونة غير مضمونة في حق الإمام، فلو صارت في حق المقتدي مضمونة لصار بمنزلة اقتداء المفترض بالمنتفل وهو باطل.
стр. 1279
وعند أبي يوسف يقضي ركعتين؛ لأن السقوط بعارض يخص الإمام. وقال: ومن صلى ركعتين تطوعا فسها فيهما وسجد للسهو، ثم أراد أن يصلي أخريين لم يبن لأن السجود يبطل لوقوعه في وسط الصلاة بخلاف المسافر إذا سجد للسهو، ثم نوى الإقامة حيث يبني؛
ــ
[البناية]
م: (وعند أبي يوسف يقضي ركعتين لأن السقوط) ش: أي سقوط وصف الضمان م: (بعارض) ش: أي بسبب عارض م: (يخص الإمام) ش: وهو شروعه ساهيا على عزم أداء الواجب، ولم يوجد هذا العارض في حق المقتدي فيلزمه القضاء دون الإمام، لكن يقضي ركعتين لانقطاع إحرام الفرض عند أبي يوسف، والأصل فيه ما ذكر فخر الإسلام ناقلا عن " النوادر " أنه إذا شرع في صلاة مظنونة هل تكون هي مضمونة هل تكون هي مضمونة في حق المقتدي أم لا.
قال أبو يوسف هي مضمونة وقال محمد: غير مضمونة، وأما نقص الصلاة فهي مضمونة في الأصل لأن ابتداء النفل بلا ضمان غير مشروع إذا كان قصدا كاملا، بخلاف الصبي والمعتوه، فإن شروعهما ليس بملزم لقصور قصدهما فلو قصد قصر هذا الحصر بسبب شروعه ساهيا التحق بهما، بخلاف المقتدي فإنه شرع عامدا فلم يجز إلحاقه بهما وفتوى فخر الإسلام هنا على قول أبي يوسف، وفرق أبو يوسف بين هذا وبين ما إذا لم يقعد على الرابعة بأن هناك بطل فرضه، ولأن الإحرام في الابتداء منعقد بست ركعات، فإذا اقتضى به إنسان لزمه موجب تلك التحريمة، وأما هاهنا فقد تم فرضه لما ذكرنا، وشرع في النفل والمقتدي اقتدى به النفل فلا يلزمه غير ركعتين.
والحاصل أن هناك صلاة واحدة فيلزم الجميع، وهاهنا صلاتان فتلزم الأخرى. وقال الأكمل: قيل فرق الكلام عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
قلت: قائل هذا هو السغناقي فإن قال ذلك بدليل ما تقدم في قوله، وعندهما ركعتان بدليل ما ذكر في " الجامع الصغير " لقاضي خان، وعندهما يقضي الركعتين.
م: (قال) ش: أي قال محمد في " الجامع الصغير ": م: (ومن صلى ركعتين تطوعا فسها فيهما وسجد للسهو، ثم أراد أن يصلي أخريين لم يبن) ش: يعني ليس ذلك م: (لأن السجود) ش: أي سجود السهو م: (يبطل لوقوعه في وسط الصلاة) ش: لأن سجود السهو لم يرع إلا في آخر الصلاة، ومع هذا لو بنى صح بناؤه لبقاء التحريمة وغير المذكور في ظاهر الرواية، كذا قال خواهر زادة في " مبسوطه "، ثم قال: وينبغي أن يعيد سجدتي السهو ثانيا لأن سجود السهو في وسط الصلاة لا يعيدها.
قال المرغيناني: ولو بنى جاز نص عليه في " الاعتصام "، وفي " المحيط " لو بنى جاز، وفي إعادة السجود اختلف المشايخ والمختار يعيد م: (بخلاف المسافر إذا سجد للسهو ثم نوى الإقامة) ش: يعني المسافر إذا سهى فسجد لسهوه ثم نوى الإقامة يتم، وإن كان يلزم إبطال سجود السهو.
стр. 1280
لأنه لو لم يبن تبطل جميع الصلاة، ومع هذا لو أدى صح لبقاء التحريمة
ويبطل سجود السهو هو الصحيح، ومن سلم وعليه سجدتا السهو فدخل رجل في صلاته بعد التسليم، فإن سجد الإمام كان داخلا وإلا فلا، وهذا عند أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد ﵀: هو داخل سجد الإمام أو لم يسجد؛ لأن عنده سلام من عليه السهو لا يخرجه عن الصلاة أصلا؛ لأنها وجبت جبرا للنقصان، فلا بد من أن يكون في إحرام الصلاة، وعندهما يخرجه على سبيل التوقف؛ لأنه
ــ
[البناية]
م: (لأنه لو لم يبن تبطل جميع الصلاة) ش: أي صلاته أصلا، لأنه صار فرضه أربعا بنية الإقامة، وأبطل السجود في إبطال الصلاة، فلأجل هذه الضرورة، قلنا بمشروعية البنائية في حق المسافر دون المتطوع، حيث لا ضرورة في بنائه.
وفي " المبسوط " لأن ذلك بعذر شرعي قد يكون بغير صنعه كالجند يصيرون مقيمين بنية الإمام والمرأة بنية زوجها والعبد بنية سيده، وهنا بالمباشرة وقصده، وفي " المرغيناني ": لو نوى الإقامة بعد الصلاة قيل لم تصح صلاته بنية في هذه الصلاة، وقيل معناه مع كونه لم يبن ويسقط عنه سجود السهو. م: (ومع هذا) ش: أي ومع وقوع سجود السهو في وسط الصلاة م: (لو أدى صح لبقاء التحريمة) ش: في حق التطوع، وذكرنا أن الاختلاف في إعادة سجود السهو عند البناء.
م: (ومن سلم وعليه سجدتا السهو) ش: أي ومن سلم في آخر صلاته، والحال أنه عليه سجدتا السهو م: (فدخل رجل في صلاته بعد التسليم) ش: أي فاقتدى به رجل في الصلاة هذا الإدخال يفصل فإن سجد الإمام كان داخلا يعني فإن عاد الإمام إلى سجود السهو كان الرجل داخلا لكون الإمام في حرمة الصلاة بعوده إلى السجود م: (وإلا فلا) ش: يعني وإن لم يعد الإمام إلى السجود، فلا يكون الرجل داخلا م: (وهذا) ش: أي هذا الحكم بالقصد المذكور.
م: (عند أبي حنيفة وأبي يوسف) ش: وأصل هذه المسألة أن سلام من عليه السهو لا يخرجه عن حرمة الصلاة، وإلا فلا، وأشار إلى هذا الأصل والتعليل من الجانبين بقوله م: (وقال محمد هو) ش: أي الرجل م: (داخل) ش: أي في صلاة الإمام م: (سجد الإمام أو لم يسجد، لأن عنده) ش: أي عند محمد.
م: (سلام من عليه السهو لا يخرجه عن الصلاة أصلا) ش: يعني لا خروجا موقوفا ولا باتا م: (لأنها) ش: أي لأن سجدة السهو م: (وجبت جبرا للنقصان) ش: المتمكن في الصلاة م: (فلا بد من أن يكون في إحرام الصلاة) ش: أي فلا بد أن يكون الجابر للنقصان في إحرام الصلاة فحينئذ يسقط معنى التحليل على السلام، ولهذا لو سجد سقط معنى التحليل بالاتفاق.
م: (وعندهما) ش: أي وعند أبي حنيفة وأبي يوسف م: (يخرجه) ش: أي يخرج سلام الإمام إياه عن الصلاة م: (على سبيل التوقف) ش: على العود فإن عاد كان الرجل داخلا وإلا فلا م: (لأنه)
стр. 1281
محلل في نفسه، وإنما لا يعمل لحاجته إلى أداء السجدة فلا يظهر دونها ولا حاجة على اعتبار عدم العود ويظهر الاختلاف في هذا
وفي انتقاض الطهارة بالقهقهة، وتغير الفرض بنية الإقامة
ــ
[البناية]
ش: أي لأن السلام م: (محلل في نفسه) ش: لقوله ﷺ : «تحليلها التسليم» ، وبالإجماع أيضا م: (وإنما لا يعمل) ش: أي السلام لا يعمل عمله هاهنا م: (لحاجته) ش: أي لحاجة المصلي وضرورته م: (إلى أداء السجدة فلا يظهر) ش: أي عمله م: (دونها) ش: أي دون الحاجة م: (ولا حاجة إلى اعتبار) ش: إعادتها م: (عدم العود) ش: فيعمل عمله حينئذ لتحقق المقتضى وزوال المانع.
فإن قلت: ينبغي أن لا يصح الاقتداء، وإن عاد إليها، لأن التحريمة عندهما يعود ضرورة يمكنه من السجود، فينبغي أن لا يظهر في حق غيره.
قلت: العود وإن ثبت بطريق الضرورة، لكن لما ثبت ثبت مع ما هو من لوازمه وضروراته وصحة الاقتداء من ضروراته، وهذا كما هو في حرة تحت عبد قالت لمولاه: أعتق عبدك عني بألف درهم، وقع العتق عنها وثبت الملك لها بطريق الضرورة، وجاء فساد النكاح وثبت الولاء لها، لأن الفساد من لوازم الملك والولاء من لوازم العتق، والشيء ثبت بلوازمه.
ولما بين الأصل والتعليل من الحديثين شرع في بيان ثمرة الاختلاف المذكور بقوله م: (ويظهر الاختلاف في هذا) ش: أي تظهر فائدة الاختلاف المذكور بين سجدة في المذكور من المسألة، وهو ما إذا دخل رجل في صلاة رجل، وعليهما السهو هل يكون داخلا أم لا؟ فعند محمد يكون داخلا سواء سجد للسهو أو لا، وعندهما إن سجد يكون داخلا وإلا فلا، ثم إذا سجد الإمام حتى صار الرجل داخلا في صلاته، فلو سجد مع الإمام ثم قام يقضي ما عليه لم يكن عليه أن يعيد السهو، وإن كان ذلك للسهو في وسط الصلاة، لأن هذا آخر صلاة الإمام حقيقة، فتكون آخر صلاته حكما تحقيقا للمتابعة، فإن سها الرجل فيما يقضي فعليه أن يسجد للسهو، وسجود الأول مع الإمام لا يجزئه مع سهوه، لأن المسبوق فيما يقضي منفردا فسجوده مع الإمام لا يجزئه عن سهوه في حالة انفراده.
م: (وفي انتقاض الطهارة بالقهقهة) ش: أي وتظهر فائدة الاختلاف المذكور يعني إن ضحك الذي سلم، وعليه سجود السهو تنقض طهارته عند محمد وزفر، لأنه ضحك في حرمة الصلاة، وعندهما لا تنقض، وكذلك لو ضحك المقتدي في هذه الحالة م: (وتغير الفرض بنية الإقامة) ش: أي وتظهر أيضا فائدة الخلاف المذكور في تغير الفرض بنية الإقامة يعني المسافر إذا نوى الإقامة في هذه الحالة قبل سجود السهو، فعند محمد وزفر يتغير فرضه أربعا كما نوى قبل السلام، وعندهما لا يتغير فرضه سواء سجد للسهو أو لا، والصورة التي ذكرها المصنف ثلاثة، والصورة الرابعة: فمن اقتدى به بنية التطوع ثم تكلم هذا المقتدي قبل أن يسجد الإمام للسهو لا
стр. 1282
في هذه الحالة،
ومن سلم يريد به قطع الصلاة، وعليه السهو فعليه أن يسجد لسهوه؛
ــ
[البناية]
قضاء على المقتدي عندهما، وعند محمد يلزمه قضاء ما سهى الإمام، كذا في " الجامع الصغير " لقاضي خان.
وسئل تاج الشريعة عن مسألة القهقهة بقوله:
فإن قلت: لما كان أمر الخروج موقوفا لم يحكم بتمامه، فكان ينبغي أن يلزمه الوضوء لصلاة أخرى.
قلت: وإن كان يتوقف فإن حرمة الصلاة هاهنا واقعة بالإضافة إلى حرمة الصلاة القائمة قطعا، فلا يساوي هتكها في إيجاب الزاجر وهو تجديد الوضوء هتك لهذه الحرمة، فأشبه هتك حرمة الصلاة على الجنازة.
وقال الأكمل: فإن قيل: إذا كان الخروج موقوفا كان خارجا من وجه دون وجه، وذلك يستدعي أن يكون حكم هذه المسائل عندهما فحكمها عنده احتياطا.
أجيب: بأنه ليس معناه الخروج من وجه دون وجه، بل معناه الخروج من كل وجه يمكن تعرضه العود.
قلت: سئل هذا الكلام من كلام السغناقي حيث قال: قلت: وهذا يعرف إن عندهما من سلم للسهو يخرج عن حرمة الصلاة من كل وجه، لا أن يكون معنى التوقف إن ثبت الخروج من وجه دون وجه، ثم بالسجود يدخل في حرمة الصلاة لأن لو كان في حرمة الصلاة من وجه لكانت الأحكام على حكمها عندهما أيضا، كما هو مذهب محمد من انتقاض الطهارة بالقهقهة، ولزوم الأداء بالاقتداء ولزوم الأربع عند غير الإقامة عملا بالاحتياط.
قلت: هذا لا يخلو عن نظر، لأنهم فسروا قوله سلام من عليه السهو لا يخرجه عن الصلاة أصلا بقولهم، لا خروجا موقوفا ولا باتا يعني عند محمد وعندهما يخرجه خروجا موقوفا، فافهم.
م: (في هذه الحالة) ش: قيد الصور الثلاثة يعني بعد السلام قبل سجود السهو.
م: (ومن سلم يريد قطع الصلاة) ش: يعني في عزمه أن لا يسجد للسهو، ومع هذا عليه السهو وهو معنى قوله م: (وعليه السهو) ش: أي والحال أن عليه السهو هاهنا حالان:
الأول: جملة فعليه مضارعة بدون الواو.
الثاني: جملة اسمية بالواو وعلى الأصل.
م: (فعليه أن يسجد لسهوه) ش: أي ما يوجب عليه أن يسجد لأجل سهوه، وهذا كما تراه
стр. 1283
لأن هذا السلام غير قاطع، ونيته تغيير المشروع فلغت لا تصح نيته
ــ
[البناية]
مطلق، ولكن قيده في الأصل حيث قال إنه يسجد للسهو قبل أن يقوم أو يتكلم، وفي رواية قبل أن يتكلم أو يخرج من المسجد.
فالأول يدل على أنه متى قام عن مجلسه فاستدبر القبلة لا يأتي بسجود السهو، وإن لم يخرج من المسجد، والثاني يدل على أنه يأتي به قبل أن يتكلم ويخرج من المسجد، وأن يمشي وانحرف عن القبلة وهو قول بعض المشايخ من أصحابنا.
م: (لأن هذا السلام) ش: أي لأن السلام الذي أراد به قطع الصلاة م: (غير قاطع) ش: لحرمة الصلاة، أما عند محمد فظاهر، لأنه لا يخرجه عن حرمة الصلاة أصلا.
وأما عندهما فلا يخرجه [ ... ] ، فلا ينقطع الإحرام به مطلقا م: (ونيته) ش: أي إرادته بذلك السلام قطع الصلاة م: (تغيير المشروع) ش: لأن السلام غير قاطع شرعا، فجعله قاطعا بالنية تغيير المشروع وهو لا يتغير بالقصد والعزائم. م: (فلغت) ش: أي بنية قطع الصلاة بالسلام، كما إذا نوى الإبانة بصريح الطلاق م: (لا تصح نيته) ش: فيكون رجعيا، أو كما لو نوى الظهر ستا أو نوى المسافر أربعا تلغو نيته، كذا في " المبسوط ".
فإن قلت: لو سلم وهو ذاكر بسجدة صلاتية أو سجدة تلاوية أو التشهد فسدت صلاته، كذا في " المحيط "، وهذه النية تغيير للمشروع، فلم تلغ.
قلت: تلك الأشياء يؤتى بها في حقيقة الصلاة وقد بطلت بالسلام العمد وسجود السهو يؤتى بها في حرمتها وهي باقية إذا كان عليه سجود السهو.
فإن قلت: نية الكفر تبطل الإيمان، ولم تلغه وإن كانت بغير المشروع.
قلت: نية الكفر كفر، ومتى ثبت الكفر ارتفع الإيمان، لأنهما لا يجتمعان.
فإن قلت: السلام وحده يخرج عن حرمة الصلاة عندهما، فكيف لا يكون مخرجا مع نية القطع، وهذا تناقض.
قلت: هذان وإن كانا مختلفين صورة لكنهما متفقان معنى فلا تناقض، لأن سلام من عليه السهو يخرج عن إحرام الصلاة، لكن على عرضه العود إليه بالسجود من غير فصل بين أن ينوي العود أو ينوي عدمه أو لم ينو شيئا فلا عبرة لنيته، فكان الأول لبيان الإطلاق، والثاني لبيان التقييد فافهم.
واستشكل بأن النية هنا لم توجد مجردة عن العمل إذا لم يكن ذلك العمل المقرون به النية مستحقا على زمان اقتران النية والسلام زمان اقتران النية به تستحق عليه، لأنه يوجب عليه أن يسلم حتى يتمكن من أن يسجد للسهو فلا تعمل النية، فكانت النية مجردة عن العمل على هذا
стр. 1284
ومن شك في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا، وذلك أول ما عرض له استأنف؛ لقوله ﵇: «إذا شك أحدكم في صلاته أنه كم صلى فليستقبل الصلاة» .
ــ
[البناية]
التقدير.
[حكم الشك في عدد ركعات الصلاة]
م: (ومن شك في صلاته) ش: الشك في اللغة خلاف اليقين، وقد شككت في كذا ربت م: (فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا) ش: ذكره بالفاء تنبيها على معنى الشك بأنه عبارة عن تساوي الطرفين فإن عدم دراية صلاته بثلاث ركعات مثل عدم درايته بأربع ركعات فالطرفان متساويان وإلا فالتركيب كان يقتضي بواو الحال والهمزة فيه للتسوية لأنها خرجت عن الاستفهام الحقيقي، فعند ذلك ترد لمعان كثيرة منها التسوية وانتصاب ثلاثا بقوله صلى م: (وذلك) ش: أي الشك م: (أول ما عرض له) ش: اختلفوا في معناه، وقال صاحب " الأجناس " معناه أول ما سها في عمره، وقال شمس الأئمة السرخسي: معناه أن السهو ليس بعادة له لا أنه لم يشتبه في عمره، قال الفقيه: أول ما سها في هذه الصلاة، وقيل: أول السهو وقع له ولم يكن سها في صلاته قط من حين بلغ.
م: (استأنف) ش: أي استقبل الصلاة، وهذه الجملة وقعت جوابا م: (لقوله ﵇: «إذا شك أحدكم في صلاته أنه كم صلى فليستقبل الصلاة» ش: هذا بهذا اللفظ غريب ولم يبين أحد من الشراح حال هذا الحديث، فهذا عجيب منهم، وأعجب من ذلك ما قاله الأترازي ولنا ما روى خواهر زاده وغيره في " المبسوط " عن النبي ﷺ أنه قال «إذا شك أحدكم» .. إلخ، وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه " من حديث ابن سيرين عن ابن عمر ﵄ أنه قال: أما أنا فإذا لم أدر كم صليت فإني أعيد، وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عمر في الذي لا يدري ثلاثا صلى أو أربعا قال: يعيد حتى يحفظ، وعن جرير عن منصور قال: سألت ابن جبير عن الشك في الصلاة، فقال: أما أنا فإذا كنت في المكتوبة فإني أعيد، وعن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: يعيد. وكان شريح يقول يعيد، وعن ليث وعن طاوس قال: إذا صليت فلم تدر كم صليت فأعدها مرة، فإن التبست عليك مرة أخرى فلا تعدها، وقال عطاء: يعيد مرة، وروي ذلك عنه عن مالك وعبد الملك.
ومذهب الشافعي أنه يبني على الأقل وبه قال مالك في الأحوال كلها وبه قال أحمد في المنفرد، وعن أحمد في الإمام روايتان أحدهما أنه يبني على الأقل، والثانية أنه يبني على غالب الظن ويسجد للسهو، واحتج الشافعي بما رواه أبو سعيد الخدري ﵁، أنه ﵇ قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليلق الشك وليبن على اليقين» ، رواه مسلم وأبو داود والنسائي، وابن ماجه أمر بالبناء على اليقين ولم يفصل، ونحن نقول: إن إلقاء الشك كما يكون بالبناء على الأقل يكون بالاستئناف بل الاستئناف أولى، لأنه أبعد من الشك، لكونه خروجا عن العهدة بيقين، والعجب أن أكثر الشراح يحتجون للشافعي بحديث أبي سعيد
стр. 1285
وإن كان يعرض له كثيرا
ــ
[البناية]
المذكور، ثم يحتجون لهم بما ذكره المصنف، فما أبعد هذا من القواعد!
أقول: قال القدوري: قال أصحابنا: الشك يتحرى ولم يفصلوا وهذه رواية الأصول، ووجهه حديث ابن مسعود مرفوعا: «وإذا شك أحدكم فليتحر الصواب فليتم عليه» ، أخرجه البخاري ومسلم، وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵁ أنه يبني على اليقين كما في حديث أبي سعيد الخدري الذي احتج به الشافعي، ووفق أصحابنا بين الأحاديث، وحملوا حديث الاستقبال على الشك في أول أمره، لأنه لا حرج عليه فيه وحملوا حديث ابن مسعود على ما إذا كان يعرض له الشك كثيرا، أوله رأي لأن في الاستئناف في كل مرة حرجا بينا، وفي البناء على اليقين احتمال خلط النافلة بالفرض قبل تمامه، وحملوا حديث أبي سعيد على من تكرر له الشك وليس له ظن وترجيح.
وقال النووي: قال أبو حنيفة: إن حصل له الشك أول مرة بطلت صلاته، وإن صار عادة له اجتهد وعمل بغالب ظنه، وإن لم يظن شيئا عمل بالأقل، ثم قال: قال أبو حامد: قال الشافعي في القديم: ما رأيت قولا أقبح من قول أبي حنيفة هذا، ولا أبعد من السنة.
قلت: قد ذكر عن النبي ﷺ في كل واحدة من الأحوال الثلاث حديث، فكيف يقبح الشافعي القول المؤيد بالحديث ويقول: ولا أبعد من السنة، مع كونه قول ابن عمر كما ذكرنا عن قريب، فذكرنا قوله أيضا عن جماعة من السلف الصالحين أئمة الهدى ممن بعده أبا حنيفة، فحينئذ ليس في تخصيصه قول أبي حنيفة بالتقبيح والتبعيد عن السنة معنى، وليس هذا من دأب أهل العلم.
ونقل النووي وابن قدامة وغيرهما من المخالفين لنا عن أبي حنيفة أنه قال إن حصل له الشك أول مرة بطلت صلاته ليس بصحيح، ولا يوجد هذا في أمهات كتب أصحابنا المشهورة، بل المشهور فيها أنهم قالوا استقبل لتقع صلاته على وصف الصحة بيقين.
وقال أبو نصر البغدادي المعروف بالأقطع: الاستئناف أولى لأنه يسقط به الشك بيقين، وفي " الذخيرة " عطف على مسألة الكتاب بقوله أو هل أحدث أم لا؟، أو هل أصاب ثوبه نجاسة؟ إن كان ذلك أول مرة استقبل ولا شك أن صلاته لا تبطل بالشك.
م: (وإن كان) ش: الشك م: (يعرض له كثيرا) ش: أي غالب أحواله ذلك، وقال القدوري في " شرح مختصر الكرخي " كان أبو الحسن يقول معناه إن الشك يعتاده حتى يصير غالب حاله كلما أعاد شك ولا يتوصل إلى أداء فرضه باليقين إلا بمشقة، فجاز أن يرجع إلى الاجتهاد، وقال شيخ الإسلام: معناه أن السهو في صلاة واحدة مرتين، وقيل مرتين في عمره، وقيل: مرتين في
стр. 1286
بنى على أكبر رأيه؛ لقوله ﵇: «من شك في صلاته فليتحر الصواب» .
وإن لم يكن له رأي بنى على اليقين
ــ
[البناية]
سنة م: (بنى على أكثر رأيه) ش: إن كان له رأي، وعند الشافعي ومالك بنى على الأقل كما ذكرناه م: (لقوله ﵇ «من شك في صلاته فليتحر الصواب» ش: هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا، ولفظهما «إذا شك أحدكم فليتحر الصواب فيتم عليه» .
فإن قلت: قال البيهقي في " المعرفة " حديث ابن مسعود هذا رواه الحاكم بن عتيبة والأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله دون لفظ التحري، ورواه إبراهيم بن سويد عن علقمة عن عبد الله دون لفظ التحري، فأشبه أن يكون من جهة ابن مسعود أو من دونه فأدرج في الحديث.
قلت: تمام الحديث عن عبد الله بن مسعود «صلى رسول الله ﷺ فزاد أو نقص فلما سلم قيل يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟، قال: وما ذاك؟، قالوا صليت كذا وكذا، قال فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: " إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكني أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتين» ، هذا لفظ البخاري في أوائل كتاب الصلاة في باب التوجه إلى القبلة حيث كان ولم يذكر مسلم السلام، ولفظه: " فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين "، وأخرجه أبو داود بلفظ البخاري، ولفظ ابن ماجه فيه بالواو، ولفظه: «ويسلم، ويسجد سجدتين» وأما النسائي فلم يذكر فيه وإذا شك أحدكم.. إلخ. وقد رأيت لفظ التحري مضافا إلى النبي ﷺ ، وقد رواه جماعة من الحفاظ كمسعود والثوري وشعبة ووهب بن خالد وفضيل بن عياض وجرير وغيرهم، والزيادة من الثقة مقبولة إذا لم يكن فيها خلاف الجماعة، والتحري طلب ما هو الأحرى وهو الصواب، هكذا فسره الأترازي والأكمل.
قلت: هذا من باب التفعل فلا يدل على الطلب المطلق، وإنما هو تكلف وإظهار التجلد فيه، ومعنى التحري تكلف ما هو الأحرى، والأحرى هو ما يكون أكثر رأيه عليه، وكيفيته إذا شك وهو قائم أو راكع أو ساجد يتم تلك الركعة ثم يقعد لاحتمال الرابعة والقعدة فيها فرض، ثم يصلي ركعة أخرى لاحتمال أنها كانت الثالثة فيحتاج إلى الرابعة ثم يتشهد ويسلم ويسجد للسهو.
م: (فإن لم يكن له رأي بنى على اليقين) ش: أي على الأقل لأنه هو المتيقن صورته إذا وقع له الشك بين الركعة والركعتين يجعلها ركعة، وإن وقع بين الركعتين والثلاث يجعلها ركعتين، وإن وقع بين الثلاث والأربع يجعلها ثلاثا فيتم صلاته على ذلك هكذا رواه البيهقي من حديث عبد الرحمن بن عوف في " سننه الكبرى "، وفي " المنتقى " رواه أحمد وابن ماجه والترمذي
стр. 1287
لقوله ﵇: «من شك في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا بنى على الأقل» . والاستقبال بالسلام أولى؛ لأنه عرف محللا دون الكلام.
ــ
[البناية]
وصححه وعليه أن يتشهد عقيب الركعة التي يقع الشك أنها آخر صلاته احتياطا، ثم يقوم ويضيف إليها ركعة أخرى ولو شك بعد الفراغ منها فلا إعادة عليه، ويجعل كأنه صلى أربعا أو خمسا، وإن شك أنه صلى فردا أو اثنتين أو ثلاثا، وفي الأربع أنه صلى أربعا أو خمسا، فإن كان قائما يقعد بجواز أن تكون هذه آخر صلاته، ثم يصلي ركعة أخرى احتياطا، وإن كان قاعدا فإن رأى أنها ثانية تجزئه، وإن لم يكن له رأي تفسد لجواز أنه ترك القعدة في الثانية فيحتمل الفساد ليفسد احتياطا ذكر هذا كلها في " المحيط ".
وفي " المجتبى " بنى على الأقل، أي يأخذ بالأقل لكن يقعد حتما في كل موضع يوهم أنه آخر صلاته، وفي القعدة الأولى اختلاف المشايخ حتى إن من شك في قيام ذوات الأربع أنها الثالثة أو الرابعة يأتي بركعتين بقعدتين، فلو شك أنها الثانية أو الثالثة أو الرابعة فثلاث ركعات بثلاث قعدات، وإن شك أنها الأولى أم الثانية أم الثالثة أم الرابعة فأربع ركعات بأربع قعدات، ولو شك في الخامسة يجلس بعد الركوع فيتشهد ثم يسجد سجدتين ثم يتشهد ثم يتم ثلاث ركعات بثلاث قعدات، ولو كان الشك في الخامسة بعد السجود فسدت، وكذا في الرابعة والخامسة، إلا أنه إذا ذكر أنه ترك سجدتين من ركعة وركوعا.
م: (لقوله ﵇: «من شك في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا بنى على الأقل» ش: هذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه عن عبد الرحمن بن عوف، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أو اثنتين فليبن على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثا فليبن على ثنتين، فإن لم يدر ثلاثا صلى أو أربعا فليبن على ثلاث ويسجد سجدتين من قبل أن يسلم» هذا لفظ الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، ولفظ ابن ماجه: «إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أم اثنتين فليجعلها واحدة، وإذا شك في اثنتين أو ثلاث فليجعلها اثنتين وإذا شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثا ثم ليتم ما بقي من صلاته حتى يكون الوهم في الزيادة ثم يسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يسلم» ، وأخرجه الحاكم في المستدرك ولفظه: «فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليتم، فإن الزيادة خير من النقصان» ، وقال صحيح على شرط الشيخين، وتعقبه الذهبي في " مختصره "، فإن فيه عمار بن مطرز الرهاوي، وقد تركوه. قلت: عمار ليس في " السنن ".
م: (والاستقبال بالسلام أولى) ش: هذا متعلق بقوله: استأنف يعني إذا استأنف الصلاة وفيها إذا عرض له السهو أول مرة استأنف بالسلام وهو أولى م: (لأنه) ش: أي لأن السلام م: (عرف محللا دون الكلام) ش: لأن السلام عرف محللا للصلاة شرعا، ولم يعلم ذلك بأن الكلام
стр. 1288
ومجرد النية لغو، وعند البناء على الأقل يقعد في كل موضع يتوهم آخر صلاته، كيلا يصير تاركا فرض القعدة، والله أعلم.
ــ
[البناية]
موضع السلام شرعا، وإنما ذكر الكلام لدفع شبهة، فإنه عسى أن يهم الوهم بأن هذا لما كان قطعا للصلاة لاستقبال الصلاة من الابتداء لا يتفاوت الحكم من السلام والكلام، إذ كل منهما قاطع للصلاة، فإن استأنف بالكلام أيضا يجوز، لأنه أيضا قاطع كالسلام م: (ومجرد النية تلغو) ش: أي نفس النية بقطع الصلاة من غير اقتران السلام بها ليست بكافية للقطع، لأن النية بوصف التجرد لا تأثير لها في الشيء الذي يتوقف تحققه على النية، وعمل الجوارح وقطع الصلاة من هذا فلا يثبت بمجرد النية.
م: (وعند البناء على الأقل يقعد في كل موضع يتوهم آخر صلاته كيلا يصير تاركا فرض القعدة) ش: هذا متعلق بقوله شك في صلاته.. إلخ، وقد بيناه مفصلا عن قريب.
فروع: شك في صلاته أنه صلاها أم لا، فإن كان في الوقت يعيد، ولو شك خارج الوقت لا يعيدها شك في الركوع والسجود، وإن كان بعدما يأتي بهما وبعد الخروج منها، فالظاهر أنه لم يتركها، شك في الحدث وأيقن بالطهارة فهو متطهر وبالعكس فحدث شك في بعض وضوئه وهو أول ما عرض له غسل ذلك الموضع، وإن كان يعرض له كثيرا لا يلتفت إليه، وكذا لو شك أنه كبر للافتتاح، فإن كان أول ما عرض له استقبل، وإن كثر وقوعه يمضي، صلى يقوم شهرا ثم قال لهم صليت على غير وضوء لا يصدق، ولو عرض وغلب على ظنهم صدقه يجب عليهم القضاء قام المسبوق في قضاء ما سبق ثم تذكر الإمام أن عليه سجدة التلاوة، فعاد فسجدها، فإن عاد المسبوق إلى متابعته فسدت صلاته، وإن مضى على صلاته ففي فسادها روايتان.
وفي " الروضة " فالواجب على المسبوق بعد سلام الإمام القعود ولا يقوم إلى قضاء ما سبق، حتى يوجد من الإمام ما يفسد صلاته من الانحراف والكلام والشروع في صلاة أخرى، قال أبو شجاع: إذا قال في القعدة الأولى: اللهم صل على محمد يلزمه السهو، وعن أبي حنيفة إذا زاد حرفا يجب سجود السهو، وقال الإمام أبو منصور الماتريدي: لا يجب ما لم يقل وعلى آل محمد وعن الصفار: لا سهو عليه في هذا، وعن محمد أنه استقبح إن أوجب سجود السهو بالصلاة على النبي ﷺ ، ولو قرأ فاتحة الكتاب قبل التشهد يلزمه السهو وبعده لا.
стр. 1289
باب صلاة المريض
إذا عجز المريض عن القيام
ــ
[البناية]
[باب صلاة المريض] [كيفية صلاة المريض]
م: (باب صلاة المريض) ش: أي هذا باب في بيان أحكام صلاة المريض، وهو فعيل بمعنى فاعل من باب علم يعلم، قال الجوهري: المرض القسم، قلت: هو ضعف القوى، وترادف الآلام.
وفي " البدرية " الإضافة في صلاة المريض من باب إضافة الفعل إلى فاعله أو إلى محله، كتحريك الخشبة.
وأنه شائع كقولهم: جرح زيد لا يندمل، وقال السغناقي: قولهم: جرح زيد لا يندمل يجمعها. قلت: ينبغي أن يتعين المعنى الأول، لأن المعنى الصلاة الصادرة من المريض، فالمريض فاعلها وموجدها، بخلاف جرح زيد لأن زيدا المجروح فلا يكون نظيره، لأن المريض بمعنى المارض كما ذكرنا، ثم المناسبة بين البابين من حيث إن كلا منهما مشتمل على نوع من العوارض السماوية، لكن قدم باب السهو لكثرة وقوعه وشدة سائر الحاجة إلى بيانه، أو لأن في كل منهما صلاة مع قصور ولها جابر، ففي الأول سجدتا السهو، وفي هذا قدر الإمكان.
م: (إذا عجز المريض عن القيام) ش: بأن يلحقه بالقيام ضرر، ولم يرو هذا العجز أصلا، بحيث لا يمكنه القيام بأن يصير مقعدا بل بحيث لا يقدر على القيام، إلا أنه يضعفه ضعفا شديدا أو يجد وجعا، كذا في " المحيط "، وقيل: بحيث لو قام سقط عن ضعف أو دوران رأس.
وقيل: بحيث أن يصير صاحب فراش، وقيل: بحيث يبيح ما يسمح الإفطار به، وقيل لا يبيح التيمم به، وقيل ما يعجزه عن القيام بحوائجه.
وأصح الأقاويل ما ذكرناه أولا، وهو أن يلحقه بالقيام ضرر كذا ذكره التمرتاشي، وفي " فتاوى الظهيرية " وعليه الفتوى.
وعن أبي جعفر الطحاوي: ولو قدر على بعض القيام ولو قدر آية أو تكبيرة يقوم ذلك القدر وإن عجز عن ذلك قعد، وإن لم يفعل ذلك خفت أن تفسد صلاته، هذا هو المذهب، ولا يروى عن أصحابنا خلافه، وكذا إذا عجز عن القعود وقدر على الاتكاء أو الاستناد إلى إنسان أو حائط أو وسادة لا يجزئه إلا كذلك.
ولو استلقى لا يجزئه خصوصا على قولهما فإنهما يجعلان قدرته على الوضوء بغيره كقدرته بنفسه، فكذلك في " مبسوط شيخ الإسلام "، الفرق بين هذا وبين الصوم أن المريض إذا كان قادرا على الصوم في بعض اليوم ثم عجز فإنه لا يصوم أصلا، وهاهنا يصلي قائما بقدر ما رأته لنا أفطر في آخر اليوم لم يكن فعله معتدا به في أول اليوم فلا ينتقل به، وفي الصلاة قيامه في
стр. 1290
صلى قاعدا يركع ويسجد؛ لقوله ﵇ لعمران بن حصين ﵁: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى الجنب تومئ إيماء» ، ولأن الطاعة بحسب الطاقة.
قال: فإن لم تستطع الركوع والسجود أومئ إيماء، يعني قاعدا؛
ــ
[البناية]
أولها يبقى معتدا به، وإن قعد في آخرها، وفي " المحيط " و " المجتبى " لو تكلف المريض إلى الجماعة فعجز عن القيام.
قيل: لا يخرج مخافة فوت الركن، والأصح أن يخرج، لأن الفرض القدرة على الاقتداء. وفي " الخلاصة " وعليه الفتوى.
م: (صلى قاعدا يركع ويسجد) ش: قاعدا نصب على الحال من المريض، ويركع ويسجد أيضا حالان متداخلان أو مترادفان م: (لقوله ﷺ لعمران بن حصين ﵁: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى الجنب تومئ إيماء» ش: هذا الحديث أخرجه الجماعة إلا مسلما.
عن «عمران بن حصين قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: " صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» وزاد النسائي: «فإن لم تستطع فمستلقيا، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها» .
وفي رواية أبي داود عن «عمران بن حصين قال: كان بي الناصور، فسألت النبي ﷺ » -.. الحديث، الناصور بالنون والصاد المهملة، ويقال: الناسور بالسين، وهي علة تحدث في مآقي العين تبقى فلا تقطع، وقد تحدث أيضا في أحوال المقعدة وهو المراد هاهنا، وقد تحدث أيضا في اللبة وهو معرب.
والباسور بالباء الموحدة علة تحدث في المقعدة وفي داخل الأنف أيضا، ويجمع على بواسير، وفي لفظ مبسورا، وقيل بالنون، وقيل: لا يسمى باسورا إلا إذا خرج وفتحت أفواه عروقه من داخل المخرج. وفي " المغرب " الباصور فرجة غائرة فلا تندمل.
م: (ولأن الطاعة بحسب الطاقة) ش: أي بحسب القدرة، قال الله تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] (البقرة: الآية ٢٨٦) .
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (فإن لم تستطع الركوع والسجود أومئ إيماء) ش: أومأ أصله بالهمزة ولكنها تلين م: (يعني قاعدا) ش: هذا تفسير كلام القدوري، فإن قال: فإن لم تستطع الركوع والسجود أومئ إيماء، وجعل السجود أخفض من الركوع، ولم يتعرض أنه يومئ قائما أو قاعدا، فقال المصنف مراده يومئ قاعدا.
فإن قلت: إذا قدر على القيام ولم يقدر على الركوع أو السجود ينبغي أن لا يسقط عنه فرض القيام، ويصلي قائما بالركوع والسجود، وهو قول الشافعي لحديث عمران بن حصين: «فإن لم
стр. 1291
لأنه وسع مثله وجعل سجوده أخفض من ركوعه؛ لأنه قام مقامهما، فأخذ حكمهما ولا يرفع إلى وجهه شيء يسجد عليه؛ لقوله ﵇: «إن قدرت أن تسجد على الأرض فاسجد، وإلا فأومئ برأسك» ،
ــ
[البناية]
تستطع فقاعدا» حيث نقل الحكم من القيام إلى القعود بشرط العجز عن القيام.
قلت: أجاب السغناقي محالا على " مبسوط شيخ الإسلام " بقوله ذلك محمول على ما إذا كان قادرا على الركوع والسجود حال القيام، بدليل أنه ذكر الإيماء حال ما يصلي على الجنب، فدل أن المراد بحال القيام القدرة على الأركان.
قلت: في أي طريق من طرق حديث عمران بن حصين ذكر الإيماء حتى يقول بدليل أنه ذكر الإيماء إلى آخره.
فإن قلت: لم يبين صفة القعود كيف هي.
قلت: قال صاحب " الدراية " و " التحفة ": اختلفت الروايات عن أصحابنا في أنه كيف يقعد، فروى محمد عن أبي حنيفة أنه يجلس كيفما شاء.
وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه إذا افتتح الصلاة يتربع، وإذا ركع يفترش رجله اليسرى ويجلس عليها، وعن أبي يوسف أنه يتربع في جميع صلاته، وعن زفر ﵀ أنه يفترش رجله اليسرى في جميع صلواته، والصحيح رواية محمد، لأن عذر المرض يسقط عنه الأركان، فلأن تسقط عنه الهيئات أولى.
م: (لأنه وسع مثله) ش: أي لأن الإيماء بالركوع والسجود قاعدا وسع مثل هذا الرجل، هذا الذي لا يقدر على القيام والركوع والسجود م: (وجعل سجوده أخفض من ركوعه) ش: أي أوطأ م: (لأنه) ش: أي لأن الإيماء م: (قائم مقامهما) ش: أي مقام الركوع والسجود م: (فأخذ حكمهما) ش: أي فأخذ الإيماء حكم الركوع والسجود، وهو أن السجود يكون أخفض من الركوع. فكذا في الإيماء.
م: (ولا يرفع إلى وجهه شيء يسجد عليه) ش: لا يرفع على صيغة المجهول، وقوله شيء مفعول قائم مقام الفاعل.
وقوله: يسجد عليه جملة في محل الرفع لأنها صفة لقوله شيء م: (لقوله ﷺ : «إن قدرت أن تسجد على الأرض فاسجد وإلا فأومئ برأسك» ش: هذا الحديث رواه جابر وابن عمر ﵃، فحديث جابر أخرجه البزار في " مسنده " والبيهقي في " المعرفة " عن أبي بكر الحنفي حدثنا سفيان الثوري حدثنا أبو الزبير عن جابر «أن النبي ﷺ عاد مريضا فرآه يصلي على وسادة، فأخذها فرمى بها فأخذ عودا ليصلي عليه فرمى به، وقال ﷺ : " إن استطعت وإلا فأومئ إيماء
стр. 1292
وإن فعل ذلك وهو يخفض رأسه أجزأه لوجود الإيماء. وإن وضع ذلك على جبهته
ــ
[البناية]
واجعل سجودك أخفض من ركوعك» .
وقال البزار: لا نعلم أحدا رواه عن الثوري إلا أبو بكر الحنفي، قال البيهقي: هذا بعيد من أفراد أبي بكر الحنفي وقد تابعه عبد الوهاب بن عطاء عن الثوري به، وهذا لا يحتمل أن يكون في وسادة مرفوعة إلى جبهته، ويحتمل أن تكون موضوعة على الأرض.
وحديث ابن عمر أخرجه الطبراني في " معجمه " عن طارق بن شهاب عن ابن عمر قال: «عاد النبي ﷺ رجلا من أصحابه مريضا» .. فذكره.
م: (وإن فعل ذلك) ش: أي إن رفع إلى وجهه شيئا يسجد عليه م: (وهو يخفض رأسه) ش: أي والحال أنه يخفض رأسه م: (أجزأه لوجود الإيماء) ش: الذي هو الفرض، يعني الإيماء في حقه، وفي الأصل يكره للمومئ أن يرفع عودا أو وسادة يسجد عليها.
وفي " الينابيع " يكون شيئا وتجوز صلاته إن وجد فيه تحريك رأسه، وإن لم يوجد لا يجوز. ثم اختلفوا هل يعد هذا سجودا أو إيماء؟، قيل: هو إيماء وهو الأصح، وفي " المبسوط " جازت صلاته بالإيماء لا بوضع الرأس، وقيل: هو سجود، فإن كانت الوسادة موضوعة على الأرض وسجد عليها جازت لما روى الحسن عن أمه قالت: رأيت أم سلمة زوج النبي ﷺ تسجد على وسادة من أدم من رمد بها، رواه البيهقي بإسناده، وعن ابن عباس ﵄ أنه رخص في السجود على الوسادة والمخدة ذكره البيهقي، وكذا ذكر في " سننه " عن أبي إسحاق قال: رأيت عدي بن حاتم يسجد على جدار في المسجد ارتفاعه قدر ذراع، وذكره أيضا ابن أبي شيبة في " مصنفه "، وذكر ابن أبي شيبة عن أبي أنس أنه كان يسجد على مرفقه، وعن أبي العالية أنه كان مريضا وكانت المرفقة سكنى له فيسجد عليها، وكره ذلك ابن عمر وكان عمر ﵁ يكره أن يسجد الرجل على العود، ومثله عن ابن مسعود والحسن، ذكره ابن أبي شيبة في " مصنفه ".
وفي " المحيط ": لو كان على جبهته عذر دون الأنف لم يجزه الإيماء ويسجد على أنفه، لأنه كالجبهة. وقال أبو بكر: إذا كان بجبهته أو أنفه عذر يصلي بالإيماء ولا يلزمه تقريب الجبهة إلى الأرض بأقصى ما يمكنه.
وفي " المجتبى ": كيفية الإيماء بالركوع والسجود شبيهة على أنه هل يكفي بعض الانحناء أم أقصى ما يمكنه؟ فظفرت على الرواية، فإنه ذكر شيخ الإسلام المومئ إذا اخفض رأسه للركوع شيئا ثم للسجود جاز، ولو وضع بين يديه وسائد وألصق جبهته فإن وجد جاز وإلا فلا.
م: (وإن وضع ذلك) ش: أي وإن وضع ذلك الشيء بأن وضعه م: (على جبهته) ش: أي على
стр. 1293
لا يجزئه لانعدامه، وإن لم يستطع القعود استلقى على ظهره وجعل رجليه إلى القبلة، وأومأ بالركوع والسجود؛ لقوله ﵇: «يصلي المريض قائما فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى قفاه يومئ إيماء، فإن لم يستطع فالله تعالى أحق بقبول العذر منه»
ــ
[البناية]
جبهة المريض م: (لا يجزئه لانعدامه) ش: أي لانعدام الإيماء م: (وإن لم يستطع القعود استلقى على ظهره وجعل رجليه إلى القبلة وأومأ بالركوع والسجود) ش: قال الشيخ حميد الدين بن الضرير وغيره: توضع وسادة تحت رأسه حتى يكون شبه القاعد، ليتمكن من الإيماء للركوع والسجود، إذ حقيقة الاستلقاء تمنع الأصحاء عن الإيماء، فيكف في المرضى؟
ثم اختلفت الروايات عن أصحابنا في كيفية الاستلقاء، ففي ظاهر الرواية يصلي مستلقيا على قفاه ورجلاه إلى القبلة، وروى ابن كاس عنهم أنه يصلي على جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة، فإن عجز عن ذلك استلقى على قفاه، وهو قول الشافعي وقول مالك وأحمد كظاهر الرواية المذكورة م: (لقوله ﵇: «يصلي المريض قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى قفاه يومئ إيماء، فإن لم يستطع فالله أحق بقبول العذر منه» ش: هذا حديث غريب رواه أصحابنا في كتبهم عن النبي ﷺ ولم يبينوا رواته ولا حاله.
وإنما ذكر صاحب " المبسوط " فقال: «دخل رسول ﷺ على عمران بن حصين يعوده في مرضه، فقال: كيف أصلي؟، قال: " صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى الجنب تومئ إيماء، فإن لم تستطع فالله تعالى أولى بالعذر» ، أي بقبول العذر منك.
وقد روى الدارقطني في " سننه " من حديث علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يصلي المريض قائما، فإن لم يستطع صلى قاعدا، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدا صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع صلى مستلقيا ورجلاه مما يلي القبلة» .
وفيه [الحسن بن] الحسين العرني قال عبد الحق: كان من رؤساء الشيعة ولم يكن عندهم بصدوق، ووافقه ابن القطان وفيه الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
قال ابن عدي: أنا أرجو أن لا بأس به إلا أني وجدت في بعض حديثه نكرة، وقال السغناقي: قوله فإن لم يستطع فالله أحق بقبول العذر منه، هذا من تتمة الحديث، ولفظ " المبسوطين " و " الأسرار " أولى فكان أحق معناه على قول من يقول لا يسقط القضاء عنه وإن لم يقدر على الإيماء أي أحق بقبول عذر التأخير لا عذر الإسقاط، وعلى قول من يقول بعدم القضاء
стр. 1294
قال: وإن استلقى على جنبه ووجهه إلى القبلة فأومأ جاز؛ لما روينا من قبل، إلا أن الأولى هو الأولى عندنا خلافا للشافعي ﵀؛ لأن إشارة المستلقي تقع إلى هواء الكعبة،
ــ
[البناية]
وهو الأصح أي أحق بقبول عذر الإسقاط.
قلت: هذا كلام حسن إذا ثبت أنه حديث.
م: (وإن استلقى على جنبه ووجهه إلى القبلة فأومأ جاز) ش: أطلق ذكر الجنب ليتناول الأيمن والأيسر وهو مذهب الشافعي، ولكنه قال على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع استلقى على ظهره ويستقبل القبلة برجليه لحديث عمران بن حصين ولأنه لو اضطجع على جنبه يكون وجهه إلى القبلة فهو أولى كما إذا احتضر وجهه إلى القبلة على شقه الأيمن، وكذا في القبر، وسنجيب عن هذا عن قريب.
ثم اعلم أن الاضطجاع المشروع ستة:
أحدها: في الصلاة على الخلاف.
الثاني: المحتضر عند الموت يوضع على شقه عرضا ووجهه إلى القبلة، ولكن المتأخرين اختاروا الاضطجاع مستلقيا، وزعموا أنه أسهل لخروج الروح وهو الثالث.
الرابع: الميت إذا وضع على التخت لغسله، ولا رواية فيه لأصحابنا، لكن تعارفوا اضطجاعه على قفاه.
الخامس: الاضطجاع في حالة الصلاة يكون مستلقيا على قفاه كما هو المعهود بين الناس.
السادس: الاضطجاع في اللحد يضطجع على جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة.
م: (لما روينا من قبل) ش: أراد به حديث عمران بن حصين الذي ذكره في أول الباب م: (إلا أن الأولى هو الأولى عندنا) ش: الأولى بفتح الهمزة بمعنى الأحرى والأجدر، والأولى الثاني بضم الهمزة تأنيث الأول، وأراد به الاستلقاء على الظهر.
فإن قلت: كيف وجه التأنيث، والمذكور من الاستلقاء على الظهر مذكر؟
قلت: لما كان هذه هيئة وحالة ذكر بالتأنيث على تأويل الهيئة، ويجوز أن يكون على تأويل الرواية الأولى، وجعله السغناقي من باب المزاوجة خطأ فلا حاجة إلى ذلك، والتأويل المذكور أحسن، وفي بعض النسخ الأولى بالضم يقدم على الأولى بالفتح، وعلى هذا فسره الأكمل.
م: (خلافا للشافعي) ش: فإن عنده هو الثاني كما ذكرنا م: (لأن إشارة المستلقي تقع إلى هواء الكعبة) ش: هذه إشارة إلى أوجه المعقول، أراد أن المستلقي على قفاه إذا أومأ يقع إيماؤه إلى هواء الكعبة، وقد علم أن شرط المصلي أن يصلي إلى القبلة، والصلاة بالإيماء ما له فعل غير الإيماء
стр. 1295
وإشارة المضطجع على جنبه إلى جانب قدميه، وبه تتأدى الصلاة،
فإن لم يستطع الإيماء برأسه أخرت الصلاة عنه،
ــ
[البناية]
والإيماء أن يقع إلى الكعبة بما قلنا، ألا ترى أنه لو حققه لذلك سجودًا كان إلى القبلة.
وعلى ما قاله الخصم لو حققه لكن إلى يسار الكعبة م: (وإشارة المضطجع على جنبه إلى جانب قدميه) ش: فيكون توجه البدن إلى الكعبة والشرط أداء الصلاة إلى الكعبة لا البدن، بدون الأداء، فالخصم مال إلى ظاهر التوجه ببدنه، كما في الميت، ونحن إلى التوجه مصليًا، وهذا أولى، وقال الأكمل في هذا الموضع: ولنا تعارض حديث عمران بن حصين، وحديث عبد الله بن عمر ﵃ وفي حالة العذر جاز العمل بكل منهما، إلا أن ما ذكرنا أولى، لأن المعقول معنا، فإن إشارة المستلقي.... إلخ.
قلت: لم يبين هو حديث ابن عمر أصلًا ولا ذكره، وكيف قال ولما تعارض حديث عمران وحديث ابن عمر؟ أقول حديث ابن عمر رواه البيهقي عن نافع عن ابن عمر قال: «يصلي المريض مستلقيًا» ولا يسلم المعارضة بينهما، فإن في حديث عمران أيضًا «فإن لم يستطع فمستلقيًا» رواه النسائي كما ذكرنا.
وقال صاحب " الدراية ": وحديث عمران محتمل، وما رويناه أعني حديث ابن عمر محكم، والعمل بالمحكم أولى.
قلت: هذه الدعوى إنما تصح إذا لم يكن في حديث عمران ذكر الاستلقاء على القفا، والحال انه قد ذكر فيه، فحينئذ كلاهما يتساويان فلا تصح دعوى كل واحد من الأكمل وصاحب " الدراية "، على أن أصحابنا احتجوا بأول حديث عمران بن حصين وهو قوله: «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدًا» فعلى هذا ذكر المصنف، واحتج الشافعي بتمامه لأن آخر الحديث: «فإن لم تستطع فعلى الجنب» .
ثم أجاب أصحابنا عن هذا أن معنى قوله ﵇ فعلى الجنب أي ساقطًا على الأرض، والمستلقي على الأرض ساقط.
قلت: هذا ليس بسديد، لأنه يلزم منه التكرار في الحديث بلا فائدة، فافهم.
والكلام الموجه فيه أن يقال إن كل واحد من الحديثين يدل على جواز ما قالوا وما قلنا: غاية ما في الباب أن أصحابنا رجحوا صورة الاستلقاء على القفا لمساعدة العقول إياه كما ذكرنا، وما في الباب يرجح غير هذا.
م: (وبه تتأدى الصلاة) ش: أي بوقوع الإشارة إلى هواء الكعبة تتأدى الصلاة.
م: (فإن لم يستطع الإيماء برأسه أخرت الصلاة عنه) ش: أي أخرت الصلاة عن هذا المريض عند
стр. 1296
ولا يومئ بعينيه ولا بقلبه ولا بحاجبيه، خلافا لزفر ﵀ لما روينا من قبل؛ ولأن نصب الإبدال بالرأي ممتنع، ولا قياس على الرأس لأنه يتأدى به ركن الصلاة.
ــ
[البناية]
عدم الاستطاعة على الإيماء برأسه وسيجيء الكلام فيه مفصلًا م: (ولا يومئ بعينيه ولا بقلبه) ش: وفي " التحفة " و" القنية " عند الحسن يومئ بقبله وبحاجبيه ويعيد م: (ولا بحاجبيه) ش: أي ولا يومئ أيضًا بحاجبيه م: (خلافًا لزفر ﵀) ش: فعنده يومئ بعينيه وحاجبيه وقلبه.
واعلم أن المريض إذا عجز عن الإيماء بالرأس هل يلزمه الإيماء بالعينين والحاجبين أم لا؟، ولم يذكر هذا في ظاهر الرواية، روي عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول أنه قال لا يومئ المريض بحاجبيه ولا بعينيه ولا بقلبه في الصلاة، وهكذا روي عن أبي يوسف أيضا، وروي عن محمد بن الحسن أنه قال لا يومئ بقلبه ولم يذكر الحاجبين والعينين.
وعن زفر أنه يومئ بالحاجبين لقربه من الرأس، فإن عجز فبالعينين، فإن عجز فبقلبه، وقال الحسن بن زياد: يومئ بعينيه وبحاجبيه ولا يومئ بقلبه، كذا ذكر شيخ الإسلام خواهر زاده في "مبسوطه " خلافهم.
وقال القدوري وصاحب " التحفة ": قال الحسن بن زياد: يومئ بحاجبيه وبقلبه ويعيد متى قدر على الأركان.
وفي " الحاوي " يومئ بعينيه وبحاجبيه وقلبه عند زفر وأبي يوسف، ولم يجزه أبو حنيفة. وقال محمد: لا أشك أن الإيماء بالرأس يجوز، ولا شك أنه بالقلب لا يجوز وأشك في العينين، ذكره في " الذخيرة ".
وقاضي خان وفي "الحاوي " عن محمد الإيماء بالقلب لا يجوز عند أبي يوسف، ولست أحفظ قوله في الإيماء بالعينين والحاجبين. وعند زفر بعينيه وحاجبيه، وإذا صح أعاد. وقال الشافعي: إذا عجز عن الإيماء برأسه أومأ بطرفه، فإن عجز أجرى أفعال الصلاة على قلبه، وكذا القراءة والأذكار يجريها على قلبه عند العجز، وما دام عاقلًا لا تسقط الصلاة، وفي " الدراية " وقال الشافعي ومالك يومئ بعينيه، فإن عجز فبقلبه لأنه وسع مثله.
م: (لما روينا من قبل) ش: أشار به إلى «قوله ﵇ إن قدرت أن تسجد على الأرض فاسجد وإلا فأومئ برأسك:» م: (ولأن نصب الإبدال بالرأي ممتنع) ش: هذا دليل عقلي تقديره أن الشارع اقتصر على الرأس في الحديث المذكور في موضع البيان، ولو جاز غيره لبينه فحينئذ لا يجوز نصب البدل عن الإيماء بالرأس بالرأي م: (ولا قياس على الرأس) ش: جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال هذا ليس من باب نصب الإبدال بالرأي بل بالقياس على الرأس، وتقدير الجواب أن القياس على الرأس لا يصح م: (لأنه يتأدى به ركن الصلاة) ش: أي لأن الشأن يتأدى بالرأس
стр. 1297
دون العين وأختيها.
وقوله: أخرت عنه إشارة إلى أنه لا تسقط الصلاة عنه، وإن كان العجز أكثر من يوم وليلة إذا كان مفيقا وهو الصحيح لأنه يفهم مضمون الخطاب، بخلاف المغمى عليه، قال: وإن قدر على القيام ولم يقدر على الركوع والسجود لم يلزم القيام.
ــ
[البناية]
ركن الصلاة وهو السجود م: (دون العين وأختيها) ش: أراد بالأختية الحاجبين والقلب، وذلك لأنه لا يتأدى بهما ركن من أركان الصلاة، فالقياس مع وجود الفارق باطل.
م: (وقوله: أخرت عنه) ش: أي قول القدوري في "مختصره"، فإن لم يستطع الإيماء برأسه أخرت عنه، أي أخرت الصلاة عن هذا المريض، ولكن غالب عادة المحتضر، فإن لم يستطع الإيماء برأسه أخر الصلاة، والمعنى واحد.
م: (إشارة إلى أنه لا تسقط الصلاة) ش: إشارة بالرفع خبر المبتدأ، أعني قوله والضمير في أنه للسان والشرط في عدم السقوط، وإن كان أكثر من يوم وليلة أن يكون مفيقًا أشار إليه بكلمة "إن" الواصلة بقوله: م: (وإن كان العجز أكثر من يوم وليلة إذا كان مفيقًا) ش: لوجود فهم الخطاب، وسبب الوجوب صلاحية الذمة، وهو الذي ذكره الكرخي في "مختصره"، واختاره المصنف فلذلك نبه عليه بقوله: م: (هو الصحيح) ش: واحترز به عن قول شيخ الإسلام وفخر الإسلام وقاضي خان وآخرين، فإنهم قالوا الصحيح أنه يسقط، وبه قال مالك، وفي "فتاوى الظهيرية" وهو ظاهر الرواية وعليه الفتوى لأن مجرد العقل لا يكفي لتوجه الخطاب.
قال محمد: قال في " النوادر " من قطعت يداه من المرفقين ورجلاه إلى الساقين لا صلاة عليه، فعلم أن مجرد الفعل لا يكفي لتوجه الخطاب.
وفي " المحيط " قال بعض المشايخ: إذا كانت الفوائت أكثر من يوم وليلة لا يجب عليه القضاء، وإن كان أقل من ذلك فعليه القضاء كالجنون والإغماء وهو الصحيح، وللشافعية وجه حكاه صاحب " العدة " والبيان أنه إذا عجز عن الإيماء بالرأس سقطت عنه، وفي "منية المفتي " إن دام العجز أكثر من يوم وليلة سقطت في الأصح.
وقال بعضهم: لا يسقط، وإن دام أكثر من يوم وليلة حتى إذا برئ لزمه القضاء، ولو مات قضى عنه ورثته.
قال في " النافع ": هو الصحيح، وقال بعضهم: يسقط مطلقًا من غير تفصيل، واختاره السرخسي.
م: (لأنه أي لأن هذا المريض يفهم مضمون الخطاب) ش: لوجود عقله م: (بخلاف المغمى عليه) ش: لعجزه عن فهم الخطاب م: (وإن قدر على القيام ولم يقدر على الركوع والسجود لم يلزمه القيام
стр. 1298
ويصلي قاعدا يومئ إيماء؛ لأن ركنية القيام للترسل به إلى السجدة لما فيها من نهاية التعظيم، فإذا كان لا يتعقبه السجود لا يكون ركنا فيتخير، والأفضل هو الإيماء قاعدا؛ لأنه أشبه بالسجود، وإن صلى الصحيح بعض صلاته قائما ثم حدث به مرض أتمها قاعدا يركع ويسجد أو يومئ إن لم يقدر أو مستلقيا إن لم يقدر لأنه بنى الأدنى على الأعلى فصار كالاقتداء.
ــ
[البناية]
ويصلي قاعدًا يومئ إيماء) ش: وقال زفر والشافعي لم يسقط عنه القيام في هذه الحالة، لأن ركن فلا يسقط بالعجز عن إدراك ركن آخر م: (لأن ركنية القيام للترسل به إلى السجدة لما فيها) ش: أي في السجدة م: (من نهاية التعظيم، فإذا كان لا يتعقبه السجود) ش: أي فإذا كان لا يتعقبه السجود يعني إذا سقطت عنه السجدة وهي الأصل سقط عنه القيام وهو الوسيلة، كمن سقطت عنه الصلاة سقطت عنه الطهارة حينئذ م: (لا يكون ركنًا فيتخير) ش: أي المريض المصلي بين أن يصلي قائمًا بالإيماء، وبين أن يصلي قاعدًا بالإيماء.
م: (والأفضل هو الإيماء قاعدًا لأنه أشبه بالسجود) ش: لكون القعود أقرب إلى السجود من القيام.
فإن قلت: فقد جاء أفضل الصلاة طول القنوت أي القيام.
قلت: إنما كان كذلك لانضمام قراءة القرآن إليه، فيكون فضله لأجل الجمع بين الركنين وهو يحصل في القعود، ولا ترد صلاة الجنازة حيث لم يلزم ثمة سقوط القيام بسبب سقوط السجود، لأنها ليست بصلاة حقيقة بل هي دعاء.
م: (وإن صلى الصحيح بعض صلاته قائمًا وحدث به مرض يتمها قاعدًا يركع ويسجد أو يومئ إن لم يقدر) ش: أي على الركوع والسجود، وفي " فتاوى قاضي خان " ما يخالف هذا حيث قال: تفسد صلاته عند أبي حنيفة في هذه الصورة، وهذه رواية [....] ابن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، لأن تحريمته انعقدت للركوع والسجود فلا يجوز بدونها م: (أو مستلقيًا إن لم يقدر) ش: أي أو يصلي حال كونه مستلقيًا على قفاه إن لم يقدر على القعود، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يستقبل.
م: (لأنه بنى الأدنى على الأعلى) ش: أي في الصور الثلاث وهو الإيماء قاعدًا بالركوع والسجود عند عدم القدرة على القيام والإيماء قاعدًا عند عدم القدرة على الركوع والسجود والإيماء ومستلقيًا عند عدم القدرة على الإيماء قاعدًا.
م: (فصار كالاقتداء) ش: أي فصار بناء المريض على أول صلاته كالاقتداء أي يجوز كما يجوز ذاك، فإنه يصح اقتداء القاعد بالقائم والمومئ بالراكع والساجد، والأصل في المسألة أن كل موضع يصح الاقتداء يصح البناء وإلا فلا.
стр. 1299
ومن صلى قاعدا يركع ويسجد لمرض، ثم صح بنى على صلاته قائما عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وقال محمد ﵀: يستقبل بناء على اختلافهم في الاقتداء وقد تقدم بيانه وإن صلى بعض صلاته بإيماء ثم قدر على الركوع والسجود استأنف عندهم جميعا، لأنه لا يجوز اقتداء الراكع بالمومئ، فكذا البناء، ومن افتتح التطوع قائما ثم أعيا لا بأس بأن يتوكأ على عصا أو حائط أو يقعد؛ لأن هذا عذر، وإن كان الاتكاء بغير عذر يكره؛ لأنه إساءة في الأدب، وقيل: لا يكره عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنه لو قعد عنده يجوز من غير عذر، فكذا لا يكره الاتكاء،
ــ
[البناية]
م: (ومن صلى قاعدًا يركع ويسجد لمرض ثم صح بنى على صلاته قائمًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد يستقبل بناء على اختلافهم في الاقتداء) ش: أي بنوا بناء على صلاتهم، أراد به اختلاف الثلاثة المذكورين في الاقتداء يعني أن كل فصل جوز الاقتداء فيه جوز بناء آخر الصلاة على أولها وإلا فلا. ثم عند محمد لا يقتدي القائم بالقاعد، فكذا لا يبني في حق نفسه وعند القائم يقتدي بالقاعد، فكذا يبني في حق نفسه.
فإن قلت: يرد على هذا ما إذا افتتح الصحيح التطوع قاعدًا وأدى بعض صلاته قاعدًا ثم له أن يقوم فقام وصلى الباقي قائمًا أجزأه بالإجماع، وهذا الأصل المذكور يقتضي أن لا يجوز على قول محمد.
قلت: تحريمة المريض لم ينعقد لقيام لقدرته عنده، فجاز بقاؤه عليه. م: (وقد تقدم بيانه) ش: أي بيان اختلافهم في الاقتداء في باب الإمامة.
م: (وإن صلى بعض صلاته بإيماء ثم قدر على الركوع والسجود استأنف) ش: أي صلاته م: (عندهم جميعًا) ش: أي عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وعند زفر والشافعي ومالك وأحمد يبني محافظة على عمله م: (لأنه لا يجوز اقتداء الراكع بالمومئ، فكذا البناء) ش: لأنه يصير بناء القوي على الضعيف.
م: (ومن افتتح التطوع قائمًا ثم أعيا) ش: أي تعب، يقال: أعيا الرجل في المشي، إذا تعب وأعياه الله لازم ومتعد. وقال الجوهري: أعيي فهو معي، فلا يقال عيان، وأعي علة الأمر ونقيا ونقايا بمعنى م: (لا بأس أن يتوكأ على عصا أو حائط أو يقعد) ش: أي أو أن يقعد م: (لأن هذا عذر) ش: ففي الاتكاء بعض القيام، وفي القعود بدله م: (وإن كان الاتكاء بغير عذر يكره لأنه إساءة في الأدب) ش: قال البزدوي: الاتكاء بغير عذر يكره، بخلاف القعود، فإن مشروع ابتداء إذ صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم كما ورد في الحديث به بخلاف الاتكاء م: (وقيل: لا يكره عند أبي حنيفة، لأنه لو قعد عنده) ش: أي لأن المصلي لو قعد عند أبي حنيفة م: (يجوز من غير عذر) ش: مع أنه ينافي القيام م: (فكان لا يكره الاتكاء) ش: لأنه ليس أدنى حال من القعود، لأنه لا ينافي في القيام،
стр. 1300
وعندهما يكره؛ لأنه لا يجوز القعود عندهما، فيكره الاتكاء، وإن قعد بغير عذر يكره بالاتفاق، وتجوز الصلاة عنده، ولا تجوز عندهما
ــ
[البناية]
فلما كان القيام بغير عذر جائزًا مكروهًا عنده كان الاتكاء غير مكروه م: (وعندهما يكره) ش: أي الاتكاء.
م: (لأنه لا يجوز القعود عندهما) ش: يعني بغير عذر م: (فيكره الاتكاء) ش: بغير عذر، لأن القعود بغير عذر يقطع الصلاة عندهما.
والإيماء برأسه دون القعود باعتبار أنه لا يتأتى في القيام فكان مكروهًا لكونه إساءة في الأدب، وبعضهم قالوا على قول أبي حنيفة يجب أن يكره الاتكاء بخلاف القعود، فإنه إذا قعد بعدما افتتح قائمًا لا يكره عنده، ووجه ذلك أنه في الابتداء مخير بين أن يفتتح التطوع قائمًا وبين أن يفتتحه قاعدًا، فيبقى هذا الخيار في الانتهاء من غير كراهة، وأما في حق الاتكاء فهو غير مخير في الابتداء بين أن يصلي متكئًا وبين أن يصلي غير متكئ، بل يكره له ذلك لما فيه من الأدب وإظهار التخير، وكذلك في الانتهاء.
م: (وإن قعد بغير عذر يكره بالاتفاق) ش: أي وإن قعد في صلاة التطوع بغير عذر بعدما شرع قائمًا يكره بالاتفاق بين الثلاثة، لكن هل تجوز الصلاة أم لا؟، فعند أبي حنيفة يجوز، وعندهما لا يجوز، أشار إليه بقوله م: (وتجوز الصلاة عنده، ولا تجوز عندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد، وقال الأكمل: وفي كلامه تسامح، لأن ما لا يجوز لا يوصف بالكل إذًا، وقد قال: يكره بالاتفاق.
وقال صاحب " الدراية ": بعد أن قال ثم عندهما لا يجوز، فكيف يوصف بالكراهة عند العلامة حميد الدين ﵀، يجوز أن يراد به أنه صلى ركعة قائما، ثم قعد في الثانية ليقرأ لإعياء به ثم قام فأتم الثانية، فإن هذه الصلاة جائزة مع الكراهة.
وقال الأكمل: وفيه نظر لأن قعوده إذا كان الإعياء به فكذلك قعود بعذر، والكلام ليس فيه، بل يجب أن يكون مكروها.
قلت: هما لا يقولان بالكراهة في فصل عدم الجواز، وإنما يقولان بعدم الجواز فيما إذا قعد ثم قام وأتم الصلاة قاعدًا أو بالجواز مع الكراهة فيما إذا قعد ثم قام وأتم الصلاة قائمًا، ومجرد القعود لا يعدم وصف الجواز، وهو نظير ما إذا قرأ القرآن بالفارسية من عذر لا يجوز عندهما فيما إذا لم يعد القراءة بالعربية أما إذا أعاده فيجوز مع الكراهة.
في " الجنازية" و" الكافي " قوله يكره بالاتفاق يخالف ما ذكر قبل هذا بقوله: ولو قعد عنده يجوز ويجاب عن هذا ذكر في " مبسوط فخر الإسلام " لو قعد في النفل لا يكره عنده في
следующие страницы →