Полный текст (7 019 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الأوزاعي، وهو قول الشافعي ﵀ وأبي ثور.
والمستحب أن يجيء ماشيا لما ذكرنا عن عمر ﵁: «من السنة أن يأتي العيد ماشيا» . رواه الترمذي وابن المنذر. وبه قال عمر بن عبد العزيز، وكره النخعي الركوب، واستحب المشي الثوري، والشافعي - رحمهما الله- وأحمد كقولنا، وهو أقرب إلى التواضع وموافقة السنة، والركوب مباح، وفي المرغيناني: لا بأس بالركوب في الجمعة والعيدين، والمشي أفضل، ومثله في " الذخيرة، «وكان ﵇ يقول عند خروجه: اللهم إني خرجت إليك مخرج العبد الذليل» .
فإن قلت: ما أصل اختلاف الطريق يوم العيد عند الخروج إلى المصلى.
قلت: روي عن عمر «أن رسول الله ﷺ أخذ يوم العيد في طريق، ثم رجع في طريق آخر» رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم، وروى البخاري من حديث جابر أنه ﵇ «كان يعدو يوم الفطر والأضحى في طريق ويرجع الأخرى.»
فإن قلت: ما الحكم فيه قلت ذكر فيه وجوه الأول أنه إنما فعل ذلك ليكون للطريق الآخر حظا من العبادة والثاني لأن الناس يسألون عن الشرائع وما كانوا يقدرون على الوقوف له في طريق واحد الثالث أن كل واحد الثالث أن كل واحد كان يتمنى النظر إلى وجهه ولا يتيسر له في طريق واحد. الرابع: ليبين أن ذلك كله حسن مختار. الخامس: أنه كان يفعله احتياطا وتحرزا عن كيد الكفار. السادس: أن ذلك لكثرة الزحمة، يروى عن ابن عمر السابع: لأجل الغبار. الثامن: للتسوية بين أهل الطريقين في التبرك به. التاسع: لتعم الصدقة مساكين الطريقين، العاشر: لإظهار كثرة أهل الإسلام وانتشارهم. وفي "التجنيس" الحكمة في ذلك أن مكان القربة يشهد لصاحبها، ففي اختلاف الطريقين كثرة الشهود.
стр. 1437
ويتوجه إلى المصلى ولا يكبر عند أبي حنيفة ﵀ في طريق المصلى ويكبر عندهما اعتبارا بالأضحى، وله أن الأصل في الثناء الإخفاء.
ــ
[البناية]
م: (ويتوجه إلى المصلى) ش: بالرفع لا بالنصب أي يتوجه من يريد صلاة العيد إلى مصلى العيد. م: (ولا يكبر) ش: يجوز أن تكون الواو للعطف، ويجوز أن تكون للحال، يعني ولا يكبر جهرا. م: (عند أبي حنيفة ﵀ في طريق المصلى) ش: إنما قيدنا بالجهر، لأن التكبير خير موضوع، لا خلاف في جوازه بصفة الإخفاء، وذكر الطحاوي أنه يغدو إلى الصلاة جاهرا بالتكبير في العيدين، ولم يذكر الخلاف.
وقال أبو بكر الرازي في شرح " مختصر الطحاوي " ويحكى عن أبي حنيفة ﵀ أنه يكبر في الأضحى دون الفطر وعليه مشايخنا بما وراء النهر، وفي عامة الكتب الخلاف في الجهرية في طريق المصلى لا في نفس التكبير، ومعنى قوله - ولا يكبر - أي جهرا به عند أبي حنيفة ﵀ كما ذكرنا، ويأتي به سرا كما في سائر الأيام، وهو رواية المعلى عن أبي يوسف ﵀ ذكره المرغيناني.
وقال الأسبيجابي مثلما قال الطحاوي ثم إنه يقطع التكبير إذا انتهى إلى المصلى، وفي رواية: لا يقطعها ما لم يفتتح الإمام صلاة العيد، ذكره في " المحيط ".
واختلف أصحاب الشافعي ﵀ في انقطاع هذا التكبير، فقال المزني: يكبرون حتى يخرج الإمام، وقال البويطي: حتى يفتتح الصلاة، وعن الشافعي ﵀ في القديم: حتى ينصرف من الصلاة، ومثله في الأضحى، ويجهر به في الطريق إجماعا. وكان ابن عمر ﵄ يرفع صوته بالتكبير في العيدين، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁ وأبي أمامة الباهلي ﵁.
م: (ويكبر عندهما) ش: أي يكبر جهرا عند أبي يوسف ﵀ ومحمد في عيد الفطر. م: (اعتبارا بالأضحى) ش: أي قياسا على عيد الأضحى، فإنه يكبر فيه جهرا بلا خلاف، وبه قال النخعي؛ وسعيد بن جبير وابن أبي ليلى، وابن عبد العزيز وأبان بن عثمان، والحكم وحماد ومالك والشافعي ومحمد وإسحاق وأبو ثور ﵃ واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] [البقرة، الآية: ١٨٥] وقال ابن عباس ﵄ هذا ورد في عيد الفطر بدليل عطفه على قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥] والمراد بإكمال العدة إكمال صوم رمضان.
م: (وله) ش: أي لأبي حنيفة ﵀. م: (أن الأصل في الثناء الإخفاء) ش: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] [الأعراف: ٢٠٥] ، وقوله ﵇ «خير الذكر الخفي» ، ولأنه أقرب من الأدب والتطوع، وأبعد من الرياء وقال ﷺ :
стр. 1438
والشرع ورد به في الأضحى لأنه يوم تكبير ولا كذلك يوم الفطر
ولا يتنفل في المصلى قبل صلاة العيد،
ــ
[البناية]
«خير الذكر الخفي، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا» ، وذكر ابن المنذر عن ابن عباس ﵃ أنه سمع الناس يكبرون، فقال: أيكبر الإمام؟ قيل: لا، قال: مجانين الناس، وفي " الحاوي ": سئل النخعي عن ذلك، قال: ذاك تكبير الحاكم.
قلت: هذا خلاف ما مر عنه آنفا أنه يكبر، وقال أبو جعفر: والذي عندنا أنه لا ينبغي أن يمنع العامة من ذلك لقلة رغبتهم في الخيرات، وقال: وبه نأخذ.
م: (والشرع ورد به) ش: أي بالجهر بالتكبير. م: (في الأضحى) ش: أي في عيد الأضحى. م: (لأنه) ش: أي لأن عيد الأضحى. م: (يوم تكبير) ش: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] [البقرة: ٢٠٣] جاء في التفسير: المراد به التكبير في هذه الأيام. م: (ولا كذلك يوم الفطر) ش: لأنه لم يرد به الشرع، وليس في معناه أيضا لأن عيد الأضحى اختص بركن من أركان الحج، والتكبير شرع علما على وقت أفعال الحج، وليس في شوال ذلك.
فإن قلت: لا نسلم أن الشرع لم يرد به، فإن الله تعالى قال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥] [البقرة: ١٨٥] وقد ذكرنا عن ابن عباس ﵁ ما قاله فيه.
قلت: المراد بما في الآية التكبير في صلاة العيد، والمعنى صلوا صلاة العيد، وكبروا الله فيها.
فإن قلت: روى نافع عن ابن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ كان يخرج يوم الفطر ويوم الأضحى رافعا صوته بالتكبير حتى يأتي المصلى» رواه الحاكم والبيهقي.
قلت: في إسناده الوليد بن محمد وهو متروك الحديث أيضا، وصحح البيهقي رفعه، ورواه الشافعي ﵀ أيضا موقوفا.
فروع: قال أبو بكر الرازي، قال مشايخنا: التكبير جهرا في غير هذه الأيام لا يسن إلا بإزاء العدو واللصوص معينا له، وقيل: وكذا في الحريق والمخاوف كلها، وفي جمع النوازل ويكبر كلما لقي جمعا أو هبط واديا كالتلبية.
[التنفل في المصلى قبل صلاة العيد]
م: (ولا يتنفل في المصلى قبل صلاة العيد) ش: وفي بعض النسخ قبل العيد، أي قبل صلاة العيد، وفي " الذخيرة ": ليس قبل صلاة العيدين صلاة، كذا ذكر محمد في الأصل، وإن شاء
стр. 1439
لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك مع حرصه على الصلاة، ثم قيل: الكراهة في المصلى خاصة،
ــ
[البناية]
تطوع بعد الفراغ من الخطبة. وقال أبو بكر الرازي: معناه ليس قبلها صلاة مسنونة لا أنها تكره، إلا أن الكرخي نص على الكراهة قبل العيد حيث قال: يكره لمن حضر المصلى التنفل قبل صلاة العيد.
وفي " التجريد": إن شاء تطوع بعد الفراغ، من الخطبة ولم يذكر أنه تطوع في الجبانة أو في بيته، فإنه قال: لأنه يشبه السنة، فلو أراد أن يفعل ذلك فليفعله في منزله، وكان محمد بن مقاتل الرازي يقول: لا بأس بصلاة الضحى قبل الخروج إلى المصلى، وإنما يكره في الجبانة. وعامة المشايخ على الكراهة مطلقا، وعن علي وابن مسعود وجابر وابن أبي أوفى ﵃ أنهم كانوا لا يرونها قبلها ولا بعدها، وهو قول ابن عمر ومسروق والشعبي والضحاك والقاسم وسالم والزهري ومعمر وابن جريج ومالك وأحمد. وقال أنس والحسن وعروة والشافعي ﵏ يصلي قبلها وبعدها، وعن الشافعي ﵀ في غير الإمام.
وقال أبو مسعود البزدوي: لا يصلي قبلها ويصلي بعدها، وبه قال علقمة، والأسود، ومجاهد، والثوري، والنخعي، والأوزاعي وابن أبي ليلى، وفي "الجواهر " للمالكية: لا يتنفل قبلها ولا بعدها في هذا اليوم، حكى ذلك عن ابن حبيب المالكي، وهو مردود بالإجماع، وعند أشهب لا يتنفل قبلها في المسجد ويتنفل بعدها، وفي " المغني ": قال أحمد: أهل الكوفة لا يتطوعون قبلها ولا بعدها.
م: (لأنه ﵇ لم يفعل ذلك مع حرصه على الصلاة) ش: أي لأن النبي ﷺ لم يصل قبل العيد مع حرصه على فعل الصلاة، وقد روى الأئمة الستة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ خرج فصلى بهم العيد ولم يصل قبلها ولا بعدها.»
وروى ابن ماجه في "سننه " من حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئا، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين» .
م: (ثم قيل الكراهة في المصلى خاصة) ش: قائله محمد بن مقاتل الرازي، وأشار بقوله خاصة إلى أنه لا يكره في غير المصلى، وروي عن علي ﵁ أنه رأى في المصلى أقواما يصلون قبل الإمام، فقال: ما هذه الصلاة؟ لم نكن نعرفها على عهد رسول الله ﷺ ؟ فقيل له: ألا تنهاهم؟ فقال: أكره أن أكون من الذي قال الله تعالى في حقهم: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى - عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠] وقال واحد منهم: إني أعلم أن الله لا يعذب عبدا على الصلاة، قال علي ﵁: أنا أعلم أن الله لا يثيب على مخالفة رسول الله ﷺ ، قوله "خاصة" منصوب على الحال من الكراهة، والعامل فيه "قيل"، وكذلك الكلام في عامة.
стр. 1440
وقيل فيه وفي غيره عامة؛ لأنه ﷺ لم يفعله، وإذا حلت الصلاة بارتفاع الشمس دخل وقتها إلى الزوال،
فإذا زالت الشمس خرج وقتها؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي العيد والشمس على قيد رمح أو رمحين،
ــ
[البناية]
م: (وقيل فيه وفي غيره عامة) ش: أي قيل الكراهة في المصلى وغير المصلى، وهو قول عامة المشايخ، كما ذكر، ثم إذا أراد أن يصلي بعدها صلى أربعا، وفي "زاد الفقهاء ": إن أحب أن يصلي بعدها صلى أربعا، إلا أن مشايخنا قالوا: المستحب أن يصلي أربعا بعد الرجوع إلى منزله، كيلا يظن ظان أنه هو السنة المتوارثة، ولكن ذكر في " فتاوى" قاضي خان جواز التطوع في الجبانة بغير كراهة إذا كان بعد صلاة العيد من غير ذكر عدم الاستحباب، وكذلك أطلق الجواز في " التحفة "، فقال: أما لو فعل بعد الفراغ من الخطبة فلا بأس به.
م: (لأنه ﵇ لم يفعله) ش: أي لم يفعل الصلاة، أي لم يصل في المصلى قبل صلاة العيد ولا بعدها، وعدم فعله دليل الكراهة، وفي فتاوى الكردي والولوالجي وعليه الفتوى وفي " الصحيحين " عن النبي ﵇ «أنه خرج يوم الأضحى فصلى ركعتين ولم يصل قبلهما، ولا بعدهما، وقال أبو داود: ويوم الفطر» .
م: (وإذا حلت الصلاة) ش: قال السغناقي: من الحل لا من الحلول، لأن الصلاة قبل ارتفاع الشمس كانت حراما، كما جاء في الحديث: ثلاث أوقات نهانا رسول الله ﷺ ... الحديث، وقال تاج الشريعة: يحتمل أن يكون من الحلول يعنى الوجوب، ويحتمل أن يكون من الحل؛ لأن قبل ارتفاع الشمس لا تحل الصلاة.
قلت: الصواب ما قاله على ما لا يخفي. م: (بارتفاع الشمس) ش: ارتفاعها عند ابيضاضها، وذكر في " المحيط " أن أول وقتها حين تبيض الشمس، وآخر وقتها حين نزولها. وفي " الينابيع " فإذا صليت الصلاة بارتفاع الشمس يريد به إذا حل الوقت بالمباح للصلاة وذلك إذا ارتفعت الشمس وابيضت، وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله- وأكثر أهل العلم.
وقال الشافعي ﵀ أول وقتها طلوع الشمس، ويستحب تأخيرها قدر رمح. م: (دخل وقتها إلى الزوال) ش: أي إلى زوال الشمس عن كبد السماء.
[وقت صلاة العيدين]
م: (وإذا زالت الشمس خرج وقتها؛ لأن النبي ﷺ «كان يصلي العيد والشمس على قيد رمح أو رمحين» ش: قال الزيلعي: هذا حديث غريب، وقال السروجي: قال شمس الدين سبط بن الجوزي: متفق عليه.
وروى أبو داود، ثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان، ثنا يزيد بن خمير الرحبي، قال: «خرج عبد الله بن بسر صاحب النبي ﷺ مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى فأنكر إبطاء الإمام، وقال: إن كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح» أي وقت جواز التسبيح أي صلاة
стр. 1441
ولما شهدوا بالهلال بعد الزوال أمر بالخروج إلى المصلى من الغد،
ويصلي الإمام بالناس ركعتين يكبر في الأولى للافتتاح وثلاثا بعدها، ثم يقرأ الفاتحة وسورة ويكبر تكبيرة يركع بها،
ــ
[البناية]
الجمعة وهي صلاة الضحى، قوله: على قيد رمح بكسر القاف وسكون الياء يقال بينهما قيد رمح وقاد رمح، أي قدره.
م: (ولما شهدوا بالهلال بعد الزوال أمر بالخروج إلى المصلى من الغد) ش: هذا دليل خروج وقت صلاة العيد بزوال الشمس، بيانه أنه ﵇ أمر بالخروج إلى المصلى من الغد بعد شهادة الشهود، ولو جاز الأداء بعد الزوال لم يكن للتأخير معنى، إذ لا يجوز تأخيرها بدون العذر السماوي، ولا عذر هاهنا يجوز التأخير سوى أنه خرج الوقت، والضمير في - شهدوا - يرجع إلى الركب الذين جاءوا إلى النبي ﷺ وشهدوا برؤية الهلال في اليوم المكمل للثلاثين من رمضان بعد الزوال، فعند ذلك أمر ﵇ بالخروج من الغد.. إلى آخر ما ذكرناه الآن.
وأصل الحديث ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه واللفظ لابن ماجه من حديث أبي بشر جعفر بن وحشية «عن أبي عمير بن أنس: حدثني عمومتي من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: أغمي علينا هلال شوال، فأصبحنا صياما، فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر رسول الله ﷺ أن يفطروا وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد» وبهذه اللفظة رواه الدارقطني في " سننه "، وقال: إسناده حسن، ولفظ أبي داود والنسائي «أن ركبا جاءوا إلى النبي ﷺ يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم أن يفطروا وإذا أصبحوا يغدوا إلى مصلاهم»
[كيفية صلاة العيدين]
م: (ويصلي الإمام بالناس ركعتين) ش: أي يصلي الإمام صلاة العيد بالناس ركعتين. م: (يكبر في الأولى للافتتاح) ش: أي يكبر في الركعة الأولى لأجل الافتتاح، وهي تكبيرة الإحرام. م: (وثلاثا بعدها) ش: أي يكبر ثلاث تكبيرات بعد تكبيرة الافتتاح، ولكن بعد الثناء والتعوذ ويرفع يديه في كل تكبيرة.
م: (ثم يقرأ الفاتحة) ش: أي بعد الفراغ من التكبيرات الثلاث يقرأ فاتحة الكتاب. م: (وسورة معها) ش: أي ويقرأ سورة مع الفاتحة أو آية طويلة أو ثلاث آيات قصيرة. م: (ويكبر تكبيرة) ش: أي بعد الفراغ من القراءة يكبر تكبيرة واحدة لأجل الركوع وهو معنى قوله. م: (يركع بها) ش: أي بهذه التكبيرة وهذه الجملة في محل النصب، لأنها صفة لقوله - تكبيرة - فتكون التكبيرات الزوائد في هذه الركعة ثلاث تكبيرات قبل القراءة، ومع تكبيرات الافتتاح وتكبيرة الركوع
стр. 1442
ثم يبتدئ في الركعة الثانية بالقراءة، ثم يكبر ثلاثا بعدها ويكبر رابعة يركع بها، وهذا قول ابن مسعود ﵁ وهو مذهبنا. وقال ابن عباس ﵁: يكبر في الأولى للافتتاح وخمسا بعدها، وفي الثانية يكبر خمسا ثم يقرأ.
ــ
[البناية]
خمسة.
م: (ثم يبتدئ في الركعة الثانية بالقراءة) ش: كما في سائر الصلوات. م: (ثم يكبر ثلاثا بعدها) ش: أي ثم يكبر ثلاث تكبيرات بعد الصلاة. م: (ويكبر الرابعة) ش: أي يكبر تكبيرة رابعة بعد التكبيرات الثلاث لأجل الركوع، وهو معنى قوله. م: (يركع بها) ش: أي بهذه التكبيرة الرابعة في الركعة الثانية أيضا الزوائد ثلاث تكبيرات كما في الأولى، فالجملة ست تكبيرات زوائد ولا يرفع يديه في تكبير الركوع.
م: (وهذه قول عبد الله بن مسعود ﵁) ش: أي وهذا الذي ذكرنا بالكيفية المذكورة قول عبد الله بن مسعود، وبقوله قال أبو موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان وعقبة بن عامر وابن الزبير وأبو مسعود البدري، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين والثوري وعلماء الكوفة، وهو رواية عن أحمد وهو رواية عن ابن عباس ﵄ وهو قول ابن مسعود، هذا رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " ثنا هشيم ثنا مجالد عن الشعبي عن مسروق قال: كان عبد الله بن مسعود ﵁ يعلمنا التكبير في العيدين تسع تكبيرات خمس في الأولى وأربع في الآخرة ويوالي بين القراءتين في الأولى تكبيرة الافتتاح والتكبيرات الزوائد وتكبيرة الركوع والأربع في الركعة الأخيرة؛ التكبيرات الثلاث الزوائد وتكبيرة الركوع. وروى محمد بن الحسن في كتاب " الآثار " أنا أبو حنيفة ﵀ عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه كان قاعدا في مسجد الكوفة ومعه حذيفة بن اليمان وأبو موسى الأشعري فخرج عليه الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو أمير الكوفة يومئذ، فقال: إن غدا عيدكم فكيف أصنع؟ فقال: أخبره يا أبا عبد الرحمن، فأمره عبد الله بن الزبير أن يصلي بغير أذان ولا إقامة وأن يكبر في الأولى خمسا وفي الثانية أربعا وأن يوالي بين القراءتين وأن يخطب بعد الصلاة على راحلته.
م: (وهو مذهبنا) ش: أي قول ابن مسعود مذهبنا، وهو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين على ما ذكرناه آنفا.
م: (وقال ابن عباس ﵁: يكبر في الأولى للافتتاح) ش: أي يكبر في الركعة الأولى لأجل الافتتاح، وهي تكبيرة الإحرام (وخمسا بعدها) أي يكبر خمس تكبيرات أخرى بعد تكبيرة الافتتاح. م: (وفي الثانية يكبر خمسا) ش: أي يكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات. م: (ثم يقرأ) ش: أي بعد التكبيرات الخمس يشرع في قراءة القرآن.
стр. 1443
وفي رواية يكبر أربعا
ــ
[البناية]
فتكون الجملة ثلاثة عشر تكبيرات، سبعة في الأولى الزوائد خمسة، والثنتان تكبيرة الافتتاح والركوع، وفي الركعة الثانية خمس تكبيرات زوائد، واحدة أصلية، فالجملة ثلاث عشرة، ثلاث أصليات وعشر زوائد، فالخلاف بين قول ابن مسعود، وابن عباس ﵄ في موضعين: أحدهما: في عدد التكبيرات الزوائد، فعند ابن مسعود: ست، وعند ابن عباس: عشر، والآخر: أن التكبيرات الزوائد عند ابن مسعود بعد القراءة، وعند ابن عباس ﵁: قبلها.
وهذه الرواية عن ابن عباس، رواها ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا يزيد بن هارون ثنا حميد عن عمار بن أبي عمار أن ابن عباس ﵁ كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة، سبعا في الأولى وخمسا في الثانية.
م: (وفي رواية يكبر أربعا) ش: أي في رواية أخرى عن ابن عباس ﵄ أنه يكبر أربع تكبيرات في الركعة الثانية فتكون الجملة اثنتي عشرة تكبيرة، منها سبع في الأولى وهي تكبيرة الإحرام، وخمس بعدها الزوائد وتكبيرة الركوع وأربع في الركعة الأخرى زوائد وواحدة أصلية، فالجملة ثنتي عشرة.
وعن ابن عباس ﵁ في رواية أخرى يكبر في العيدين تسعا تسعا ويروى ذلك عن المغيرة وأنس وسعيد بن المسيب والنخعي، وعن ابن عباس أيضا أنه يكبر في عيد الفطر ثلاث عشرة تكبيرة، سبع في الأولى منهن تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع، وست في الثانية، منهن تكبيرة الركوع قبل القراءة وواحدة بعدها، وعن ابن عباس أيضا في رواية أخرى أنه تسع يوم الفطر ويوم الأضحى، وإحدى عشرة وثلاث عشرة.
وعنه أيضا كمذهبنا رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا هشيم أبو خالد الحداد عن عبد الله بن الحارث قال: صلى ابن عباس يوم عيد فكبر تسع تكبيرات، خمسا في الأولى وأربعا في الآخرة، ووالى بين القراءتين، ورواه عبد الرزاق أيضا في " مصنفه "، وزاد فيه: ونقل المغيرة بن شعبة مثل ذلك.
وهاهنا مسائل أخرى:
الأولى: يكبر في الأولى ستا وفي الثانية خمسا ويقرأ فيهما بعد التكبير، وهو مذهب الزهري والأوزاعي ومالك وأبي ثور وأحمد، في ظاهر قوله.
الثانية: يكبر في الأولى خمسا وفي الثانية ثلاثا سوى تكبيرتي الركوع، قاله الحسن البصري.
стр. 1444
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الثالثة: يكبر في الأولى أربعا غير تكبيرة الصلاة، وفي الثانية ثلاثا بعد القراءة، سوى تكبيرة الركوع، وهو مذهب جابر بن عبد الله ﵁.
الرابعة: يكبر ثلاثا في الأولى سوى تكبيرة الافتتاح ثم يقرأ في الثانية بعد القراءة ثم يكبر في الركوع وهو رواية عن الحسن البصري.
الخامسة: التفرقة بين الفطر والأضحى، وهي أن يكبر في الفطر تكبيرة الافتتاح ثم يقرأ ثم يكبر خمسا يركع بآخرهن ثم يقوم فيقرأ ثم يكبر خمسا ثم يركع بآخرهن وتقدم القراءة على التكبيرات، وفي الأضحى يكبر خمسا غير تكبيرة الافتتاح، ثم يقرأ ثم يكبر ثنتين يركع بإحداهما ثم يقوم فيقرأ ثم يكبر ثنتين يركع بإحداهما، وهو مذهب علي بن أبي طالب ﵁ وبه قال شريك بن عبد الله وابن جني.
السادسة: عن علي أيضا في رواية يكبر إحدى عشرة تكبيرة في الفطر والأضحى جمعا ثلاث أصليات وثمان زوائد ثلاث في الأولى واثنتان في الأخرى.
الثامنة: يكبر تكبيرتين ثم يقرأ، وكذا في الثانية وفي الفطر كقول أصحابنا، وهو مذهب يحيى بن أحمد.
التاسعة: ليس فيه شيء مؤقت، وهو مذهب حماد بن أبي سليمان، شيخ أبي حنيفة.
العاشرة: يأخذ بأي هذه التكبيرات شاء وهو مذهب ابن أبي ليلى، ورواية عن أبي يوسف.
الحادية عشرة: يكبر خمس عشرة تكبيرة، ثلاث أصليات واثنتا عشرة تكبيرة زائدة في ركعة، ست منها وهو مذهب أبي بكر الصديق ﵁.
الثانية عشرة: عن أبي بكر أيضا يكبر ست عشرة تكبيرة، ثلاث أصليات، وثلاث عشرة زوائد، سبع في الأولى وست في الثانية.
وقد ذكرنا عن ابن عباس ﵄ ست روايات فتصير الجملة ثمانية عشر قولا، ومع قول أصحابنا تسعة عشر قولا، ثم الاختلاف محمول على أن كل ذلك فعله رسول الله ﷺ في الأحوال المختلفة، لأن القياس لما لم يدل عليه حمل على أن كل واحد من الصحابة ﵃ روى قوله عن رسول الله ﷺ وكل واحد من التابعين روى قوله عن صحابي ﵁ إلا أن أصحابنا رجحوا قول ابن مسعود لوجوه: الأول: هو كون جماعة من الصحابة مع ابن مسعود ﵁ فيما ذهب إليه على ما ذكرناه.
الثاني: لما روى أبو داود في " سننه " مسندا إلى مكحول، قال: أخبرني أبو عائشة جليس لأبي
стр. 1445
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
هريرة «أن سعيد بن العاص سأل أبو موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان: كيف كان رسول الله ﷺ يكبر في الأضحى والفطر؟ فقال أبو موسى: كان يكبر أربع تكبيرات على الجنائز، فقال حذيفة: صدق، فقال أبو موسى: كذلك كنت أكبر في البصرة حيث كنت عليهم، وقال أبو عائشة: وأنا حاضر سعيد بن العاص» . ورواه أحمد أيضا في " مسنده ". قوله: تكبيره على الجنائز، أي كتكبيره على الجنائز، واستدل به ابن الجوزي في " التحقيق " لأصحابنا ثم أعله بعبد الرحمن بن ثوبان الذي في سنده فقال: قال ابن معين: وهو ضعيف، وقال أحمد: لم يكن بالقوى، وأحاديثه مناكير. وفي " التنقيح ": عبد الرحمن بن ثوبان وثقه غير واحد. وقال ابن معين: ليس به بأس، ولكن أبو عائشة قال ابن حزم فيه: مجهول، وقال ابن القطان: لا نعرف حاله.
قلت: أبو داود أخرج له وسكت عنه، وأدنى المرتبة أن يكون حديثه حسنا.
فإن قلت: قال البيهقي: خولف، وإنه في موضعين رفعه، وفي جواب أبي موسى والمشهور أنهم أسندوه إلى ابن مسعود فأفتاهم بذلك، ولم يسنده إلى النبي ﷺ ، قلت: سكوت أبي داود يدل على أنه مرفوع، لأن مذهب المحققين أن الحكم للرافع لأنه زاد، وأما جواب أبي موسى فيحتمل أنه قارب مع ابن مسعود فأسند الأمر إليه مرة، وكان عنده حديث فيه عن النبي ﷺ فذكره مرة أخرى.
وقال أبو بكر الرازي: حديث الطحاوي مسند إلى النبي ﷺ «أنه صلى يوم عيد وكبر أربعا، أقبل بوجهه حين انصرف، فقال: لا تشبهوا بتكبير الجنائز، وأشار بأصابعه، وقبض إبهامه» وفيه قبول وفعل وإشارة إلى أصل وتأكيد، والأخذ به أولى، وأراد بالأربع أربع تكبيرات متوالية.
فإن قلت: ما تقول فيما أخرجه الترمذي وابن ماجه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده عمرو بن عوف المزني «أن رسول الله ﷺ كبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة، وفي الآخرة خمسا قبل القراءة.» قال الترمذي: حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب. وقال في " علله الكبرى ": سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: ليس في
стр. 1446
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
هذا الباب شيء أصح منه، وبه أقول.
قلت: قال ابن القطان في كتابه: هذا ليس بصريح في الصحيح، فقوله: ليس في هذا الباب شيء أصح منه، يعني أقل ضعفا، وقوله: وبه أقول، يحتمل أن يكون من كلام الترمذي، أي: أنا أقول، أنا محمد، الحديث أحسن ما في الباب، قال: ونحن وإن خرجنا عن ظاهر اللفظ، ولكن كثير بن عبد الله: متروك، قال أحمد: لا يساوي شيئا وضرب على حديثه في المسند ولم يحدث به، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء.
وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال الشافعي: هو ركن من أركان الكذب.
وقال ابن حبان: يروي عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب إلا على سبيل التعجب.
وقال ابن ماجه في كتابه " العلم المشهور ": وقد حسن الترمذي في كتابه من أحاديث موضوعة وأسانيد واهية منها هذا الحديث، فإن الحسن عندهم ما نزل عن درجة الصحيح ولم يرد عليه إلا من كلامه، فإنه قال في علله التي في كتابه " الجامع ": والحديث الحسن عندنا ما روي من غير وجه، ولم يكن شاذا ولا في إسناده من يتهم بالكذب.
الوجه الثالث: أن قول ابن مسعود لم يضطرب وقد ساعده جماعة من الصحابة الذين ذكرناهم، وفي قول غيره اضطراب، فصار الأخذ بقوله أولى، على أنه قد نقل عن أحمد أنه ليس يروى في التكبير في العيدين حديث صحيح، قال أبو بكر بن المولى: لم يثبت في التكبير شيء يصح.
فإن قلت: ذكر البيهقي في " سننه " أحاديث محتجا بها لمذهب إمامه وصحح بعضها، ولم يتعرض للتضعيف. منها: حديث عائشة ﵂.
قالت: «كان النبي ﷺ يكبر في العيدين في الأولى بسبع تكبيرات، وفي الثانية بخمس قبل القراءة سوى تكبيرتي الركوع» رواه أبو داود وابن ماجه. ومنها: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال النبي ﷺ : «التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الثانية والقراءة بعد كلتيهما» رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني.
стр. 1447
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
ومنها: حديث عمرو بن عوف المزني وقد ذكرناه الآن.
ومنها: حديث عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد مؤذن رسول الله ﷺ ، قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ : «كان يكبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة، وفي الثانية خمسا قبل القراءة» رواه ابن ماجه.
ومنها: حديث عبد الله بن محمد بن عمار عن أبيه عن جده، قال: «كان رسول الله ﷺ يكبر في العيدين في الأولى سبع تكبيرات وفي الأخرى خمسا» رواه الدارقطني. ومنها: حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «التكبير في العيدين في الأولى سبع تكبيرات وفي الأخرى خمس تكبيرات» ، رواه الدارقطني أيضا.
قلت: حديث عائشة ﵂: في سنده عبد الله بن لهيعة وأمره ظاهر.
وقال الدارقطني في " علله ": فيه اضطراب، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ضعفه جماعة، منهم ابن معين.
فإن قلت: صححه البخاري والنووي.
قلت: فيه عبيد الله بن عبد الرحمن الطائفي، وقد ضعفه أحمد، وضعفه ابن الجوزي أيضا، وذكره في الضعفاء والمتروكين مع كونه موافقا لمذهبه، وحديث عمرو بن عوف ذكرنا حاله عن قريب. وحديث مؤذن رسول الله ﷺ وحديث عبد الله بن محمد بن عمار، ضعفه أحمد به، وقال ابن معين: ليس بشيء. وحديث عبد الله بن عمر فيه الفرج بن فضالة، قال البخاري: وهو ذاهب الحديث.
الوجه الرابع: في قول ابن مسعود، فرجح، لأنه أثبت ولا تردد فيه ولا اضطراب، ولأن قوله يُبقي الزيادة وأقوال غيره.
قلت: والنفي موافق القياس، إذ القياس على غيرها من الصلوات ينفي إدخال زيادة الأذكار فيها، والإثبات يخالفه، وإذا ترجح قوله في العدد ترجح في الموضع إذ الرواية واحدة.
стр. 1448
وظهر عمل العامة اليوم بقول عبد الله بن عباس لأمر بينه الخلفاء، فأما المذهب فالقول الأول لأن التكبير ورفع الأيدي خلاف المعهود، فكان الأخذ بالأقل أولى، ثم التكبيرات من أعلام الدين حتى يجهر بها فكان الأصل فيه الجمع، وفي الركعة الأولى يجب إلحاقها بتكبيرة الافتتاح لقوتها من حيث الفرضية والسبق، وفي الثانية لم يوجد إلا تكبيرة الركوع فوجب الضم إليها، والشافعي ﵀ أخذ بقول ابن عباس ﵁ إلا أنه حمل المروي كله على الزوائد فصارت التكبيرات عنده خمس عشرة أو ست عشرة.
ــ
[البناية]
م: (وظهر عمل العامة اليوم بقول عبد الله بن عباس لأمر بينه الخلفاء) ش: أي ظهر عمل الناس كافة بقول ابن عباس لأجل أن بينه الخلفاء لما انتقلت إليهم الخلافة أمروا الناس بالعمل في التكبيرات بقول جدهم وليتولى مناشيرهم ذلك. وعن هذا صلى أبو يوسف بالناس حين قدم بغداد صلاة العيد وكبر تكبير ابن عباس، فإنه صلى خلفه هارون الرشيد وأمره بذلك، وكذلك روي عن محمد ﵀ وذلك لأن المسألة مجتهد فيها وطاعة الإمام فيها ليس فيه معصية واجبة، وهذا ليس بمعصية، لأنه قول بعض الصحابة.
م: (فأما المذهب فالقول الأول) ش: أي فأما مذهب أصحابنا فالقول الأول، وهو قول عبد الله بن مسعود وهو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين على ما ذكرنا. م: (لأن التكبير) ش: غير تكبير الافتتاح والتكبيرات التي يتخلل في الصلاة.
م: (ورفع الأيدي) ش: في الصلاة. م: (خلاف المعهود، فكان الأخذ بالأقل أولى) ش: أي بأقل التكبيرات وهي الست الزوائد أولى، لأن الأخبار تواترت فيه، فيكون ثبوته بيقين. م: (ثم التكبيرات من أعلام الدين حتى يجهر بها) ش: فكان كتكبيرة الافتتاح، وإنما أنث الضمير بتأويل التكبير. م: (فكان الأصل فيه الجمع) ش: أي فكان الأصل في التكبير الزوائد الجمع مع التكبير الأصلي لأن الجنسية علة الضم. م: (وفي الركعة الأولى يجب إلحاقها بتكبيرة الافتتاح لقوتها من حيث الفرضية والسبق) ش: تقريره أن تكبيرات العيد لم تؤخر في الركعة الأولى عن القراءة إلحاقا لها بتكبيرة الركوع، كما هو قول علي ﵁ بل قدمت على القراءة إلحاقا لها بتكبيرة الافتتاح، لأن تكبيرة الافتتاح أقوى من حيث إنها فرض، ومن حيث إنها سابقة.
م: (وفي الثانية) ش: أي وفي الركعة الثانية. م: (لم يوجد إلا تكبيرة الركوع فوجب الضم إليها) ش: لوجود الجنسية. م: (والشافعي ﵀ أخذ بقول ابن عباس ﵁) ش: وهو الأكثر احتياطا. م: (إلا أنه حمل) ش: التكبير. م: (المروي كله على الزوائد) ش: إلا أن الشافعي ﵀ حمل التكبير المروي كله على التكبيرات الزوائد. م: (فصارت التكبيرات عنده خمس عشرة أو ست عشرة) .
ش: لأن الزوائد لما كانت عنده ثلاث عشرة أو ثنتي عشرة، وضمت إلى الأصليات وهي
стр. 1449
قال: ويرفع يديه في تكبيرات العيدين
ــ
[البناية]
ثلاثة، تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع في الركعتين تصير الكل ست عشرة، والمراد بالمروي هو الذي روي عن ابن عباس؛ لأنه روي عنه سبع أو خمس فهي مع تكبيرة الافتتاح وتكبير في الركوع ست عشرة تكبيرة، واعترض على المصنف بأن المراد بالمروي إن كان ما ذكره فيما مضى من قوله.
وقال ابن عباس: يكبر في الأولى للافتتاح إلى آخره لا تجيء التكبيرات هذا المقدار، لأن الزوائد فيه عشرة أو تسعة، وبالأصليات يكون ثلاث عشرة أو ثنتي عشرة، وإن كان غير ما ذكره يكون في كلامه القياس، وتعقيد يعلو قدره عن ذلك.
وأجيب عنه: بأن ابن عباس روي عنه روايتان: أحدهما: أنه يكبر في العيدين ثلاث عشرة تكبيرة، والأخرى: أنه يكبر بثنتي عشرة تكبيرة، ففسر علماؤنا روايته بأن ذلك إنما هو بإضافة الأصليات لأنها ثلاثة، تكبيرة الافتتاح وتكبير في الركوع في الركعتين، فإذا أضيفت إلى خمسة وخمسة كانت ثلاثة عشرة، وإذا أضيفت إلى خمسة وأربعة كانت ثنتي عشرة.
قلت: ظهر من تفسير علمائنا روايتي ابن عباس أن عمل اليوم وقع عليه لا على تفسير الشافعي ﵁ فعلى هذا قول من قال: العمل اليوم في التكبيرات على مذهب الشافعي ﵀ غير مستقيم، ولهذا قال المصنف: وظهر عمل العامة اليوم بقول ابن عباس ﵄. وفي " المحيط ": ثم اعملوا برواية الزيادة في عيد الفطر، وبرواية النقصان في عيد الأضحى ليكون عملا بالروايتين، وإنما اختاروا النقصان في عيد الأضحى لاستعجال الناس بالقرابين فيه، وفي " المبسوط " عن أبي حنيفة ﵀ أنه سكت بين كل تكبيرتين بقدر ثلاث تسبيحات، لأن صلاة العيد تقام بجمع عظيم، فهو والى بين التكبيرات يشبه على من كان ناويا عن الإمام، والاشتباه يزول بهذا القدر من الكسب، ثم قال: هذا القدر ليس بلازم، بل يختلف ذلك بكثرة الزحام وقلته.
[رفع اليدين في تكبيرات العيدين]
م: (قال: ويرفع يديه في تكبيرات العيدين) ش: وبه قال الشافعي وأحمد وهو مذهب عطاء والأوزاعي، وقال الثوري وابن أبي ليلى ومالك: لا يرفع، وهو مذهب الظاهرية أيضا.
وقال الإمام حميد الدين الضرير: روي عن أبي يوسف رواية شاذة أنه لا يرفع يديه في تكبيرات العيد.
قلت: هذه ليست برواية شاذة، فإن الكرخي قال في " مختصره ": قال أبو حنيفة ومحمد: يرفع يديه في التكبيرات الزوائد في العيدين، وقال ابن أبي ليلى: لا يرفع يديه، وهو قول أبي
стр. 1450
يريد به ما سوى التكبير في الركوع لقوله ﷺ : «لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن» وذكر من جملتها تكبيرات الأعياد، وعن أبي يوسف ﵀ أنه لا يرفع، والحجة عليه ما رويناه.
ــ
[البناية]
يوسف، وكذا ذكر القدوري في " شرح مختصر الكرخي " وأبو بكر الرازي وأبو نصر البغدادي وصاحب " التحفة " والحاكم الشهيد في " مختصر الكافي " عن أبي يوسف كذلك، ومع نقل هذه الأئمة الثقات عن أبي يوسف عدم رفع اليدين فيها كيف تكون شاذة.
م: (ويريد به ما سوى التكبير في الركوع) ش: أي يريد القدوري برفع اليدين فيما سوى تكبيرتي الركوع، لأن تكبير الركوع لا ترفع فيه الأيدي عندنا.
فإن قلت: قد قلتم إن تكبيرة الركوع في الركعة الثانية واجبة إلحاقا لها بأخواتها، فهلا قلتم ترفع اليد إلحاقا لها بتكبيرات العيدين.
قلت: القول بوجوب تكبيرة الركوع نوع احتياط، بخلاف القول بالرفع، فإنه عمل على خلاف القياس فلا يتحقق بها.
م: «لقوله ﷺ لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن» ش: تقدم الكلام في هذا الحديث في باب صفة الصلاة مستوفى، وإنما قال في سبعة مواطن بتأويل البقاع. م: (وذكر من جملتها تكبيرات الأعياد) ش: أي ذكر في الحديث من جملة السبعة المواطن تكبيرات العيدين.
م: (وعن أبي يوسف أنه لا يرفع) ش: أي روي عن أبي يوسف أنه لا ترفع اليد في تكبيرات العيد، رواها عنه أبو عصمة.
م: (والحجة عليه ما رويناه) ش: أي الحجة على أبي يوسف ما رويناه، وهو الحديث المذكور.
فإن قلت: استدل أبو يوسف ومن ذهب إلى ما ذهب إليه بعموم قوله ﷺ : قال: «أراكم رافعي أيديكم كأذناب خيل شمس، اسكنوا في الصلاة» وبحديث البراء «أنه ﷺ رفع يديه عند الافتتاح ثم لا يرفع» ولأن السنة رفع يديه عند الافتتاح، وهذه التكبيرات ما لا يفتتح بها، ألا ترى أن تكبيرة الركوع فيها ولا رفع إليها وهي أصلية، ففي الزوائد أولى.
قلت: القياس متروك بالأثر، والحديث ليس على عمومه بالاتفاق، وحديث البراء يحتمل عدم الرفع في غير صلاة العيد، والحديث محكم، فكان أولى لا خلاف أنه يأتي بالثناء بعد الافتتاح قبل القراءة، فيقدم على الزوائد.
وقال محمد وأبو حنيفة - رحمهما الله- في رواية الشافعي وأحمد رحمهما الله: يأتي به بعد الزوائد عند افتتاح القراءة، وعند مالك لا يعود، ولا يرد في " المبسوط "، لا ذكر بين التكبيرات مسنون ولا مستحب؛ لأنه لم ينقل، وبه قال الكرخي التسبيح أولى، ذكره في " القنية ".
стр. 1451
وقال: ويخطب بعد الصلاة خطبتين،
ــ
[البناية]
وقال الشافعي ﵀: " يحمد ويهلل بين كل تكبيرتين مقدار آية لا طويلة ولا قصيرة، ولو قال الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا فحسن، وقد روي عن ابن مسعود نحوه: أدرك الإمام وقد كبر بعض التكبيرات يتابعه فيما أدرك ويقضي ما فاته في الحال ثم تابع إمامه، وبه قال الشافعي ﵀ في القديم ومالك وأحمد.
وقال في الجديد: لا يقضي ما فاته، ولو أدرك بعد الفراغ من التكبيرات لا يأتي في الجديد، وفي القديم يأتي بها ثم يفعل بالقراءة كذلك في تتمتهم، ولو أدركه في القراءة كبر على رأي نفسه، وكذا لو أدركه في الركوع ولم يخف فوته يأتي بها عند أبي حنيفة ﵀ ومحمد خلافا لأبي يوسف والشافعي - رحمهما الله- وأحمد.
ولو كبر بعد الفاتحة قبل السورة يعيد الفاتحة والمسبوق بركعة يكبر فيما مضى على رأي نفسه كالمنفرد واللاحق يتبع رأي الإمام فيها، ولو قرأ " ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] " والغاشية تبركا بقراءة النبي ﷺ فحسن كذا في " المبسوط " وعند الشافعي ﵀ يستحب أن يقرأ في زمان الأولى سورة " ن " وفي الثانية " ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] ".
وقال مالك وأحمد: يقرأ بسبح والغاشية، وتكبيرات العيد واجبة حتى يجب السهو بتركها، وعند الشافعي لا سهو عليه، يتابع الإمام في التكبير من الإمام، فإن كان يسمع من المنادي فلا ينبغي أن يدع شيئا وإن كثرت.
[الخطبة بعد الصلاة في العيدين]
م: (قال: ويخطب بعد الصلاة خطبتين) ش: كما في الجمعة، لكنها تخالف خطبة الجمعة من وجهين، أحدهما أن الجمعة لا تجوز بلا خطبة، بخلاف العيد، والثاني أنها في الجمعة متقدمة على الصلاة، بخلاف العيد، ولو قدمها في العيد أيضا جاز، ولا تعاد الخطبة بعد الصلاة.
وبتقديم الصلاة على الخطبة قال أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي والمغيرة وابن عباس وابن مسعود ﵃ وهو قول الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبي ثور وإسحاق وجمهور أهل العلم، وعن عثمان ﵁ أنه لما كثر الناس خطب قبل الصلاة، ومثله عن ابن الزبير ومروان بن الحكم، ذكر ذلك ابن المنذر في " الإشراق "، قال أبو بكر بن العربي: هذا غلط من عثمان ﵁. وفي " المفيد " عن الزهري: أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة معاوية.
وفي " المحيط ": والخطبة فيها سنة، وهي بعد الصلاة. وفي " الذخيرة ": يجوز تركها ويغيرها
стр. 1452
فبذلك ورد النقل المستفيض،
ــ
[البناية]
عن محلها، ويجوز قاعدا كما فعله النبي ﷺ على ناقته العضباء والراكب قاعد، وذكر ركن الدين الصيادي أن الكلام لا يكره عند هذه الخطبة. وفي " السامع " فيشترط بصلاة العيد ما يشترط للجمعة الخطبة، فإنها سنة فيها.
وفي " الولوالجي ": شروط العيد مثل شروط الجمعة في المصر، والقوم والسلطان والوقت إلا الخطبة، وعن عطاء عن عبد الله بن السائب قال: «لما قضى رسول الله الصلاة، قال: إنا نخطب، فمن أحب أن يذهب فليذهب» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وهذا دليل على أن الخطبة فيها سنة، ولو كانت واجبة لوجب الجلوس لها وإسماعها.
وفي " الذخيرة ": ولا يخرج المنبر يوم العيد، وذكر شيخ الإسلام في شرحه أن في زماننا لا بأس بإخراجه، قال: وكره بعضهم بناءه في الجبانة، وهذا إنكاره بقول يخطب الإمام قائما على الأرض أو على دابته، ولم يكرهه آخرون.
وفي " جمع النوازل " يبدأ بالتحميد في خطبة الجمعة والاستسقاء والنكاح، وبالتكبيرات في خطبة العيدين، ويستحب أن يفتتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات وفي الثانية سبع، وبه قال الشافعي ﵀ وفي " النتف ": التوارث في الخطبة افتتاحها بالتكبير ويكبر من حين أن ينزل من المنبر أربع عشرة، وإذا صعد المنبر لا يجلس عندنا، وعند بعض أصحاب الشافعي ﵏ وفي رواية عن مالك: أن الجلوس لانتظار المؤذن أن يفرغ من الأذان، والأذان غير مشروع في العيد فلا حاجة إلى الجلوس، وقال بعض أصحاب الشافعي ﵀ ومالك في رواية يجلس كما في الجمعة.
م: (فبذلك ورد النقل المستفيض) ش: أي بخطبتين بعد الصلاة ورد النقل الشائع، فروى البخاري عن نافع عن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ ثم أبو بكر وعمر ﵄ يصلون العيد قبل الخطبة» وأخرج الطحاوي ومسلم أيضا عن عطاء هو ابن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال: «قام النبي ﷺ يوم الفطر فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم خطب....» الحديث. رواه البخاري ومسلم أيضا قال: «شهدت العيد مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فإنهم كانوا يصلون العيد قبل الخطبة» .
وأخرج الجماعة إلا البخاري عن طارق بن شهاب عن أبي سعيد الخدري «أن رسول الله ﷺ كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر فيبدأ بالصلاة ... الحديث» وأخرج ابن ماجه عن جابر
стр. 1453
ويعلم الناس فيها صدقة الفطر وأحكامها، لأنها شرعت لأجله،
ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام لم يقضها.
ــ
[البناية]
قال: «خرج رسول الله ﷺ يوم فطر أو أضحى فخطب قائما ثم قعد قعدة ثم قام» .
وقال النووي في " الخلاصة ": وروي عن ابن مسعود أنه قال: «السنة أن يخطب في العيدين خطبتين يفصل بينهما بجلوس خفيف غير متصل» ولم يثبت في تكرير الخطبة شيء، ولكن المعتمد فيه القياس على الجمعة.
م: (ويعلم الناس فيها) ش: أي ويعلم الخطيب في خطبة عيد الفطر. م: (صدقة الفطر) ش: أنها واجبة. م: (وأحكامها) ش: أي ويعلم أيضا أحكام صدقة الفطر كيف يخرج، ومن أي شيء يخرج، وكم يخرج، وفي أي وقت يخرج، وغير ذلك مما يتعلق بها. م: (لأنها شرعت لأجله) ش: أي لأن خطبة صلاة عيد الفطر شرعت لأجل تعليم أحكام صدقة الفطر، والضمير في "لأجله" يرجع إلى التعليم الذي يدل عليه، قوله: يعلم الناس، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] (المائدة: الآية ٨) أي العدل.
[حكم من فاتته صلاة العيد مع الإمام]
م: (ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام لم يقضها) ش: كلمة مع متعلقة بالصلاة لا بقوله فاتته، أي فاتت الصلاة عنه بالجماعة، وليس معناه فاتت الصلاة عنه وعن الإمام، حاصله أدى الإمام صلاة العيد ولم يؤدها هو، وأما إذا فاتت الإمام أيضا فائتة يصليها مع الجماعة في اليوم الثاني إذا كان الفوات بعذر.
وفي " جوامع الفقه " و " قاضي خان " إذا تركها بغير عذر لا يقضيها أصلا، وبعذر يقضيها في اليوم الثاني في وقتها، وبه قال الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق، وقال ابن المنذر: وبه أقول، وفي " جوامع الفقه ": العذر مثل أن يظهر أنهم صلوها بعد الزوال في يوم غيم، وعلى قول ابن شجاع: لا يجوز في اليوم الثاني، وبه قال مالك، فإن تركها في اليوم الثاني بعذر أو بغير عذر لا يصليها.
وقال الشافعي: من فاتته صلاة العيد يصلي وحده كما يصلي مع الإمام، وهذا بناء على أن المنفرد هل يصلي صلاة العيد، عندنا لا يصلي، وعنده يصلي.
وقال السروجي: وللشافعي قولان الأصح قضاؤها، فإن أمكن جمعهم في يوم صلى بهم، وإلا صلاها من الغد، وهو فرض قضاء النوافل عنده، وعلى القول الآخر هي الجمعة يشترط الجماعة والأربعين ودار الإقامة، وفعله من الغد إن قلنا إذا لا يصليها في بقية اليوم، وإلا صلاها في نفسه وهو الصحيح عندهم.
стр. 1454
لأن الصلاة بهذه الصفة لم تعرف قربة إلا بشرائط لا تتم بالمنفرد،
فإن غم الهلال وشهدوا عند الإمام برؤية الهلال بعد الزوال صلى العيد من الغد،
ــ
[البناية]
وتأخيرها عنه قيل لا يسقط أنه لو قيل إلى آخر الشهر، وقال السروجي في الذي تفوته صلاة العيد مع الإمام: لكنه إن أحب أن يصلي إن شاء صلى ركعتين وإن شاء أربعا كصلاة الضحى كسائر الأيام، ومثله في البدائع، وعن ابن مسعود ﵁ يصلي أربعا، وبه قال أحمد، لكن إن شاء بتسليمة واحدة، وإن شاء بتسليمتين، واستحبه الثوري، وعند الأوزاعي يصلي ركعتين ولا يجهر فيهما بالقراءة ولا يكبر تكبير الإمام.
وقال إسحاق: إن يصلي في الجبانة صلاها ركعتين وإلا صلاها أربعا.
وقال السغناقي: فإن أحب أن يصلي فالأفضل أن يصلي أربع ركعات لما روي عن ابن مسعود أنه قال: من فاتته صلاة العيد صلى أربع ركعات يقرأ في الركعة الأولى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] (الأعلى: الآية ١) وفي الثانية ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] (الشمس: الآية ١) وفي الثالثة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] (الليل: الآية ١) وفي الرابعة ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: ١] (الضحى: الآية ١) وروي في ذلك عن النبي ﷺ وعدا جميلا وثوابا جزيلا، كذا في " المحيط ".
قلت: قال ابن المنذر: لا يصح فيه حديث ابن مسعود ﵁.
م: (لأن الصلاة بهذه الصفة) ش: أراد بها التكبيرات المخصوصة بها. م: (لم تعرف قربة إلا بشرائط لا تتم بالمنفرد) ش: أراد بالشرائط هي الشرائط المخصوصة بها، نحو الجماعة والسلطان والمصر والمنفرد عاجز عن ذلك، فلا يجب عليه صلاتها.
وفي " نهاية المطلب " تصح صلاة العيد من المنفرد والمسافر والنساء في الدور وراء الخدور كالنوافل، غير أن الجماعة فيها مستحبة، وقال ابن المنذر: يصليها المسافر ومن لا تجب عليه الجمعة والمرأة في بيتها والعبد، وهو قول الحسن البصري.
وقال الأوزاعي: ليس على المسافر صلاة الأضحى ولا الفطر، وبه قال مالك وإسحاق، وهو قول على بن أبي طالب ﵁.
[الحكم لو غم هلال شوال وشهدوا برؤيته عند الإمام بعد الزوال]
م: (فإن غم الهلال) ش: بضم الغين المعجمة على ما لم يسم فاعله، معناه إذا ستره عنهم غيم أو غيره فلم ير. م: (وشهدوا عند الإمام برؤية الهلال) ش: من الأمس. م: (بعد الزوال صلى العيد من الغد) ش: أي صلى الإمام العيد من الغد، ذكر الطحاوي في شرح " الآثار " أن هذا قول أبي يوسف ﵀ وهو أصح قولي الشافعي وأحمد رحمهما الله.
وقال أبو حنيفة ﵀: إذا فات في اليوم الأول لم يقض، وهو أحد قولي الشافعي ﵀ وقول مالك ﵀.
стр. 1455
لأن هذا تأخير بعذر وقد ورد فيه الحديث،
فإن حدث عذر يمنع من الصلاة في اليوم الثاني لم يصلها بعده، لأن الأصل فيها أن لا تقضى كالجمعة إلا أنا تركناه بالحديث وقد ورد بالتأخير إلى اليوم الثاني عند العذر،
ويستحب في يوم الأضحى أن يغتسل ويستاك ويتطيب لما ذكرناه، ويؤخر الأكل حتى يفرغ من الصلاة لما روي «أن النبي ﷺ كان لا يطعم في يوم النحر حتى يرجع فيأكل من أضحيته» ويتوجه إلى المصلى
ــ
[البناية]
م: (لأن هذا تأخير بعذر) ش: لأن تركهم الصلاة كان لعدم رؤية الهلال وهو عذر. م: (وقد ورد فيه الحديث) ش: أي والحال أنه قد ورد في الصلاة من الغد، الحديث المذكور عند قوله ولما شهدوا بالهلال..... إلخ، والقياس في صلاة العيد أن لا يقضي، لأنها صلاة تختص بجماعة كالجمعة إلا أن القياس ترك فيما إذا تركت بعذر للحديث المذكور، بخلاف القياس فبقي ما ترك بلا عذر على أهل القياس فلم يجز قضاؤها في اليوم الثاني إذا تركت.
م: (فإن حدث عذر يمنع من الصلاة في اليوم الثاني) ش: الذي هو وقتها عند العذر. م: (لم يصلها بعده، لأن الأصل فيها) ش: أي في صلاة العيد. م: (أن لا تُقضى كالجمعة) ش: فإنه إذا فات وقتها لا يَقضي وينقلب إلى الظهر. م: (إلا أنا تركناه) ش: أي إلا أنا تركنا الأصل الذي هو القياس. م: (بالحديث) ش: وهو الحديث المذكور. م: (وقد ورد) ش: أي الحديث المذكور. م: (بالتأخير) ش: أي بتأخير صلاة العيد. م: (إلى اليوم الثاني عند العذر) ش: وعند عدم العذر يقتصر على القياس.
[ما يسن للمصلي يوم الأضحى]
م: (ويستحب في يوم الأضحى أن يغتسل ويستاك ويتطيب لما ذكرناه) ش: أراد به عند قوله: وكان يغتسل في العيدين، أي كان رسول الله ﷺ . م: (ويؤخر الأكل) ش: بالنصب عطف على ما قبله، أي يستحب أيضا أن يؤخر أكله. م: (حتى يفرغ من الصلاة) ش: أي من صلاة العيد. م: (لما روي «أنه ﵇ كان لا يطعم في يوم النحر حتى يرجع فيأكل من أضحيته» .
ش: هذا الحديث رواه عبد الله بن بريدة عن يزيد، قال: «كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يرجع» رواه ابن ماجه والترمذي وابن حبان في "صحيحه" والحاكم في " مستدركه " وزاد الدارقطني وأحمد في " مسنده " «فيأكل من أضحيته» وصحح هذه الرواية ابن القطان في كتابه.
والناس في هذا اليوم أضياف الله يستحب أن يكون أول تناولهم من لحوم الأضاحي التي هي ضيافة الله، فاستحب تأخير الأكل إلى ما بعد الصلاة، وهذا في حق المصري، أما القروي فإنه يذوق من حين أصبح ولا يمسك كما في عيد الفطر، لأن الأضاحي تذبح في القرى من الإصباح، بخلاف المصر، حيث لا يذبح فيه إلا بعد الفراغ من الصلاة. م: (ويتوجه إلى المصلى
стр. 1456
وهو يكبر، لأنه ﷺ كان يكبر في الطريق، ويصلي ركعتين كالفطر، كذلك نقل،
ويخطب بعدها خطبتين، لأنه ﷺ كذلك فعل، ويعلم الناس فيها الأضحية وتكبير التشريق؛ لأنه مشروع الوقت والخطبة ما شرعت إلا لتعليمه، فإن كان عذر يمنع من الصلاة في يوم الأضحى صلاها من الغد وبعد الغد، ولا يصليها بعد ذلك؛ لأن الصلاة مؤقتة بوقت الأضحية فيتقيد بأيامها لكنه مسيء في التأخير من غير عذر لمخالفة المنقول.
ــ
[البناية]
وهو يكبر) ش: أي والحال أنه يكبر طول الطريق بلا توقف، فإذا انتهى إليه يترك كذا في " التحفة " وفي " الكافي " لا يقطعه حتى يشرع الإمام في الصلاة.
فرع: ولو قال يوم العيد تقبل الله منا ومنك، في " القنية " اختلف الناس فيه ولم يذكروا الكراهة عن أصحابنا، قال مالك: يكره لأنه من فعل الأعاجم.
وقال أحمد: لا بأس به، لأن أبا أمامة الباهلي وواثلة بن الأسقع كانا يقولان ذلك. وقال الأوزاعي: بدعة، وقال الحسن: حديث، وقال أحمد: حديث أبي أمامة جيد، وروي مثله عن ليث بن سعد.
م: (لأنه ﵇ كان يكبر في الطريق) ش: هذا غريب، ولم يتعرض إليه أحد من الشراح ولكن روى البخاري في " الصحيح " وقال: كان ابن عمر وأبو هريرة ﵄ يخرجان إلى السوق أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما. م: (ويصلي ركعتين كالفطر كذلك نقل) ش: أي جماعة من الصحابة، وهم عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري وحذيفة ﵃ وآخرون، وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث في ذلك عن ابن عمر وجابر وابن عباس ﵃.
م: (ويخطب بعدها خطبتين، لأنه ﷺ كذلك فعل ويعلم الناس فيها الأضحية) ش: من كونها واجبة أو سنة وما يتعلق بها من أحكامها. م: (وتكبير التشريق) ش: أي ويعلم أيضا كيف يكبر التشريق. م: (لأنه) ش: أي لأن كل واحد من الأضحية وتكبير التشريق أيام الأضحية. م: (مشروع الوقت والخطبة ما شرعت إلا لتعليمه) ش: أي ليعلم مشروع الوقت، ومعنى مشروع الوقت أن كلا من الأضحية وتكبير التشريق ما يشرع إلا في أيام الأضحى.
م: (فإن كان عذر يمنع من الصلاة في يوم الأضحى صلاها من الغد وبعد الغد) ش: يعني ثلاثة أيام. م: (ولا يصليها بعد ذلك) ش: يعني في اليوم الرابع وما بعده. م: (لأن الصلاة مؤقتة بوقت الأضحية) ش: ووقت الأضحية هو ثلاثة أيام. م: (فيتقيد بأيامها لكنه مسيء في التأخير من غير عذر لمخالفة المنقول) ش: أراد بالمنقول أنه ﷺ صلى عيد الأضحى في اليوم العاشر من ذي الحجة، ولم يرد غير ذلك، وقوله لمخالفة المنقول يصح أن يكون جوابا عن سؤال مقدر، وهو أن يقول: لما كانت الصلاة مؤقتة بوقت، فلو أخرها بغير عذر فكيف يكون مسيئا، فأجاب بقوله: لكنه مسيء
стр. 1457
والتعريف الذي يصنعه الناس ليس بشيء.
ــ
[البناية]
لمخالفة ما نقل عن النبي ﷺ .
م: (والتعريف الذي يصنعه الناس ليس بشيء) ش: التعريف مصدر مبتدأ، وخبره قوله: " ليس بشيء "، وإنما قيد بقوله: " الذي يصنعه الناس " لأن التعريف يجيء لمعان: للإعلام وللتطيب من العرف وهو الريح، وإنشاد الضالة والوقوف بعرفات والوقوف بغيرها شبها بأهلها، وهذا المعنى هو المراد هاهنا على ما يجيء الآن، وفي " المغرب " التعريف المحدث هو التشبه بأهل عرفة في غير عرفة، وهو أن يخرجوا إلى الصحراء فيدعوا ويتضرعوا، وقال الأترازي: التعريف في اللغة الوقوف بعرفات.
قال الفرزدق:
إذا ما التقينا بالمحصب من منى ... صبيحة يوم النحر من حيث عرفوا
قلت: ليس معنى هذا اللفظ الوقوف بعرفات فقط، وإنما هو مستعمل في اللغة لمعان كثيرة كما ذكرنا الآن.
قوله: م: (ليس بشيء) ش: أي ليس بشيء في حكم الوقوف كقول محمد في الأصل: دم السمك ليس بشيء، أي ليس بشيء في حكم الدماء، وهذا لأنه شيء حقيقة لكونه موجودا، إلا أنه لما لم يكن معتبرا نفى عنه اسم الشيء، ويقال: ليس بشيء معتبر، يعني غير مسنون ولا مستحب يتعلق به الثواب، وسئل مالك عن ذلك، قال: وإنما مفاتيح هذه الأشياء البدع.
وفي " المحيط ": ولم يرد به محمد نفي مشروعيته أصلا، لأنه دعاء وتسبيح، بل أراد نفي وجوبه كما قيل في سجدة الشكر عند أبي حنيفة. وعن أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله- في غير رواية الأصول: لا يكره، وبه قال أحمد؛ لما روي أن ابن عباس ﵄ أنه فعل ذلك بالبصرة.
قلنا: ذلك محمول على أنه ما كان للتشبيه بل كان للدعاء والتضرع، وهذا لو طاف حول مسجد سوى الكعبة يخشى عليه الكفر، حتى لو اجتمعوا لشرف ذلك اليوم لا للتشبيه جاز، كذا في " جامع قاضي خان " والتمرتاشي وفي " جمع التفاريق " عن أبي يوسف: يكره أن يجتمع قوم فيعتزلون في موضع يعبدون الله ويفرغون أنفسهم لذلك، وأهل كان معهم أهلوهم.
وفي " الكافي ": قيل: يستحب ذلك؛ لأنه سبب لأهل الطاعة، فيكون لهم ثوابهم، ولهذا فعله ابن عباس، وخروجهم إلى الجبانة سنة وإن وسعهم الجامع.
وقال السروجي: روي عن عمرو بن حريث وثابت ومحمد بن واسع ويحيى بن معين مثل
стр. 1458
وهو أن يجتمع الناس يوم عرفة في بعض المواضع تشبها بالواقفين بعرفة؛ لأن الوقوف عرف عبادة مختصة بمكان مخصوص، فلا يكون عبادة دونه كسائر المناسك.
ــ
[البناية]
ما روي عن أبي يوسف ﵀ في غير رواية الأصول أنه لا يكره، وعن أحمد لا بأس به، وقيل له: أنت تفعل ذلك؟ قال: أما أنا فلا، وقال عطاء الخراساني: إن استطعت أن تخلو بنفسك عشية عرفة فافعل.
وقال شمس الأئمة السرخسي: ولو فعلوا ذلك، أي التعريف تشبها بالواقفين لزمهم أن يكشفوا رءوسهم أيضا، تشبها بالمحرمين، وهذا لا يقول به أحد، لأنه تشبه بالنصارى في كنائسهم ومتعبداتهم.
قال: ولو فعلوا ذلك لطافوا أيضا حول مساجدهم أو بنوا بيتا آخر يطوفون حوله تشبها بالطائفين حول البيت ويسعون في أسواقهم تشبها بالساعين بين الصفا والمروة.
قلت: والملازمة في الوجهين ممنوعة، لأن التشبه لا يستدعي العموم.
م: (وهو) ش: أي التعريف المذكور. م: (أن يجتمع الناس يوم عرفة في بعض المواضع تشبها بالواقفين بعرفة) ش: وهذا تعريف التعريف الذي يصنعه الناس، وهو الذي عليه أنه ليس بشيء، وقال الأترازي: وحقه أن يقال بعرفات، لأن عرفة اسم اليوم، وعرفات اسم المكان.
قلت: معناه بالواقفين يوم عرفة والواقفين بعرفات، وأدى بحقه على أنه يقال جبل عرفة، كما يقال جبل عرفات، وذلك شائع في ألسنة الناس.
م: (لأن الوقوف) ش: هذا تعليل لقوله: ليس بشيء؛ أي لأن الوقوف بعرفات. م: (عرف عبادة مختصة بمكان مخصوص) ش: أي بعرفات. م: (فلا يكون عبادة دونه) ش: أي لا يكون الوقوف عبادة دون الوقوف، وفي بعض النسخ دونها، أي دون عرفات. م: (كسائر المناسك) ش: أي كيفية مناسك الحج مثل الطواف والسعي بين الصفا والمروة، فإن الناس لا يسعون في الأسواق مكشوفي الرأس تشبها بالساعين في هذه الأيام بين الصفا والمروة.
стр. 1459
فصل في تكبيرات التشريق ويبدأ بتكبير التشريق بعد صلاة الفجر من يوم عرفة ويختم عقيب العصر من يوم النحر عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: يختم عقيب صلاة العصر من آخر أيام التشريق.
ــ
[البناية]
[فصل في تكبيرات التشريق]
م: (فصل في تكبيرات التشريق) ش: أي هذا فصل في بيان تكبيرات التشريق، ولما فرغ من بيان صلاتي العيد وإحداهما صلاة الأضحى شرع في بيان التكبيرات التي هي مختصة بأيامها، فلذلك أفردها بالفصل، والتشريق مصدر من شرق اللحم إذا بسطه في الشمس ليجف، وسميت بذلك أيام التشريق، لأن لحم الأضاحي كانت تشرق فيها بمنى، وقيل: سميت به، لأن الهدي والضحايا لا تنحر حتى تشرق الشمس، أي تطلع، وكان المشركون يقولون أشرق ثبير كيما نغير، ثبير بفتح الثاء المثلثة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره راء، جبل بمنى، أي ادخل أيها الجبل في الشروق، وهو ضوء الشمس، كيما نغير أي ندفع للنحر.
وذكر بعضهم أن أيام التشريق سميت بذلك، وقيل: التشريق صلاة العيد، لأنها تؤدى عند إشراق الشمس وارتفاعها، كما جاء في الحديث «لا جمعة ولا تشريق» ، وفي حديث آخر «لا ذبح إلا بعد التشريق» ، والمراد بالتشريق فيهما صلاة العيد، كذا في " المبسوط ".
وفي " الخلاصة ": أيام النحر ثلاثة وأيام التشريق ثلاثة، ويمضي ذلك في أربعة أيام، فإن العاشر من ذي الحجة نحر خاص، والثالث عشر تشريق خاص، واليومان فيما بينهما للنحر والتشريق، وقال العلامة شمس الأئمة الكردري: هذه الإضافة -يعني إضافة التكبير إلى التشريق- مستقيم على قولهما، لأن بعض التكبيرات يقع في أيام التشريق عندهما، وعند أبي حنيفة ﵀ لا يقع شيء منهما في أيام التشريق، ولكن أدنى الملابسة كاف للإضافة.
م: (ويبدأ) ش: أي المصلي. م: (بتكبير التشريق بعد صلاة الفجر من يوم عرفة ويختم) ش: التكبير. م: (عقيب العصر) ش: أي صلاة العصر. م: (من يوم النحر عند أبي حنيفة ﵀) ش: وهو قول عبد الله بن مسعود وعلقمة والأسود والنخعي ﵃.
م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد رحمهما الله. م: (يختم عقيب صلاة العصر من آخر أيام التشريق) ش: وهو قول عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ﵃ وبه قال سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وأبو ثور وأحمد والشافعي ﵏ في قول. وفي " التحرير " ذكر عثمان ﵁ معهم. وفي " المفيد " وأبا بكر ﵁ وعليه الفتوى، ذكره في " الكامل " و " التحرير " وهاهنا تسعة أقوال، وقد ذكرنا القولين.
стр. 1460
والمسألة مختلفة بين الصحابة ﵃ فأخذا بقول علي ﵁ أخذا بالأكثر؛ إذ هو الاحتياط في العبادات،
ــ
[البناية]
الثالث: يختم بعد ظهر يوم النحر، وروي ذلك عن ابن مسعود فعلى هذا يكبر في سبع صلوات، وعلى قولهما في ثلاث وعشرين صلاة.
الرابع: يكبر في ظهر يوم النحر ويختم في صبح آخر أيام التشريق وهو قول مالك والشافعي ﵀ في المشهور ويحيى الأنصاري، وروي ذلك عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز ﵄ وهو رواية عن أبي يوسف رجع إليه، حكاه في " المبسوط " و " شرح الأقطع ".
الخامس: من ظهر عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، حكي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير.
السادس: يبدأ من ظهر يوم النحر إلى ظهر يوم النحر الأول، وهو قول بعض أهل العلم.
والسابع: حكاه ابن المنذر عن ابن عيينة، واستحسنه أحمد أن أهل منى يبتدئون من ظهر يوم النحر، وأهل الأمصار من صبح يوم عرفة، وإليه مال أبو ثور.
والثامن: من ظهر عرفة إلى ظهر يوم النحر، حكاه ابن المنذر.
والتاسع: من مغرب ليلة النحر عند بعضهم، قاله قاضي خان وغيره.
م: (والمسألة) ش: أي مسألة تكبيرات التشريق. م: (مختلفة بين الصحابة ﵃) ش: وهم الشيوخ منهم والصبيان، فالشيوخ عمر وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ﵃ والشباب عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وعائشة أم المؤمنين. م: (فأخذا) ش: أي أبو يوسف ومحمد رحمهما الله. م: (بقول علي ﵁ أخذا بالأكثر، إذ هو الاحتياط) ش: أي الأخذ بالأكثر هو الاحتياط. م: (في العبادات) ش: والأكثر هو تكبيرات علي ﵁ وهو أكثر من تكبيرات ابن مسعود ﵁ والعبادات يحتاط فيها بالأكثر، واحتجا أيضا بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] (البقرة: الآية ٢٠٣) ، والمراد منها أيام التشريق بالنقل عن أئمة التفسير.
فإن قلت: فعلى هذا يلزمهما تكبيرات العيد؟
قلت: لا نسلم، لأنه ثمة دلت شواهد الأصول على ترجيح قول ابن مسعود ﵁ بخلاف تكبيرات التشريق، فإن الترجيح لما لم يكن لاتفاق مذهب الصحابة في الثبوت والرواية عن النبي ﷺ أخذ بالأكثر احتياطًا.
стр. 1461
وأخذ بقول ابن مسعود أخذا بالأقل؛ لأن الجهر بالتكبير بدعة.
ــ
[البناية]
م: (وأخذ بقول ابن مسعود ﵁) ش: أي أخذ أبو حنيفة ﵀ بقول عبد الله بن مسعود ﵁. م: (أخذا بالأقل) ش: أخذا على أنه مفعول مطلق لقوله أخذ. م: (لأن الجهر بالتكبير بدعة) ش: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] (الأعراف: الآية ٥٥) .
واحتج أبو حنيفة ﵀ أيضا بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] (البقرة: الآية ٢٠٣) ، والمراد منه أيام التشريق بالنقل عن أهل التفسير، فكان ينبغي أن يكون التكبير واجبا في جميع أيام العشر إلا أن ما قبل يوم عرفة خص بالإجماع من الصحابة ﵃ وفيما بعد يوم الأضحى لا نص ولا إجماع فكان الاقتصار على تكبير ابن مسعود أولى.
فإن قلت: لا نسلم عدم النص في أيام التشريق، ألا ترى إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] ؟
قلت: لا نسلم أن المراد منه الذكر المفعول عقيب الصلوات، بل المراد منه الذكر عند رمي الجمار بدليل سياق الآية ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] لأن ذلك الحكم يختص برمي الجمار. وقالت الشافعية: الأخذ بالأكثر أولى احتياطا، لأن هذا باب لا يعرف بالرأي والزيادة في الأخبار عن الثقات مقبولة، ولأن هذه التكبيرات منسوبة إلى أيام التشريق واتفقنا أنه يكبر في غير أيام التشريق، وهو يوم عرفة والنحر، فلأن يكبر في أيام التشريق أولى.
وفي " شرح الوجيز ": أما تكبير الأضحى فالناس فيه قسمان حاج وغيرهم، فالحاج يبدءون به عقيب ظهر يوم النحر، ويختمون عقيب الصبح آخر أيام التشريق، وأما غيرهم ففيه طريقان أصحهما على ثلاثة أقوال أظهرها أنهم كالحاج، والثاني أنهم يبدءون عقيب عرفة من الصبح ويختمون عقيب العصر من آخر أيام التشريق، وقال الصيدلاني وغيره: وعليه العمل في الأمصار والطريق الثاني القطع بالقول الأول، إذ هو الاحتياط.
وفي " شرح المهذب " للنووي: الحاج يبدأ به من ظهر يوم النحر ويختم في صبح آخر أيام التشريق بلا خلاف، وأما غير الحاج فللشافعي فيه نصوص ثلاثة، أحدها: كالحاج وهو المشهور، ونصه في " مختصر المزني والبويطي والإمام والقديم "، قال الحاوي: نصه في " القديم " و " الجديد ". وقال صاحب " الشامل ": هو نصه في أكثر كتبه.
الثاني: يبدأ به خلف المغرب ليلة النحر كليلة الفطر على أصله.
الثالث: من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، كقولهما فالقول الأول خمس
стр. 1462
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
عشرة صلاة، والقول الثاني ثماني عشرة صلاة.
وقال أبو إسحاق المروزي: لا خلاف في المذهب أنه يكبر من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، وإنما ذكره ليلة النحر للقياس على ليلة الفطر وظهر يوم النحر على قياس الحجيج، واختارته طائفة منهم كابن شريح والمزني والروياني والبيهقي.
قال النووي: هو الذي اختاره وقرره بما روي عن جابر ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يكبر من يوم عرفة من صلاة الغداة إلى صلاة العصر آخر أيام التشريق» .
قال البيهقي: يرويه عمرو بن شمر عن جابر الجعفي، ولا يحتج بهما، وروى الحاكم في " المستدرك «أنه ﷺ كان يجهر ب " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] " ويقنت في صلاة الفجر ويكبر يوم عرفة من صلاة الصبح، ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق» قال: هذا حديث صحيح لا أعلم في رواته منسوبا إلى الجرح.
قلت: روى البيهقي هذا الحديث بإسناد الحاكم، ثم قال: هذا الحديث مشهور بعمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن أبي الطفيل، وكلا الإسنادين ضعيف، وقال النووي: والبيهقي أشد تحريا من نسخة الحاكم وأتقن.
قلت: هذا الذي هو أشد تحريا يروي عن الضعفاء، وتكلف في التصحيح إذا وافق مذهبه، وإذا كان حديثهم عليه ضعفه، وذكر من تكلم فيهم، فإذا كان دأب التحري فما ترى ظنك بغيره كالحاكم وأمثاله من المتحرين الشافعية.
وفي " جامع الأسبيجابي " و " المجتبى " و " فتاوى العتابي " و " التحرير " و " الخلاصة " الفتوى على قولهما، أي على قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله- وعليه عمل الأمصار في أغلب الأعصار. وعن الفقيه أبي جعفر أن مشايخنا يرون التكبير في الأسواق في الأيام العشر، كذا في " الفتاوى الظهيرية ".
وفي " جامع التفاريق " قيل لأبي حنيفة ﵀ ينبغي لأهل الكوفة وغيرها أن
стр. 1463
والتكبير أن يقول مرة واحدة: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد،
ــ
[البناية]
يكبروا أيام التشريق في الأسواق والمساجد؟ قال: نعم، قال أبو الليث: وكان إبراهيم بن يوسف ﵀ يغني بالتكبير في الأسواق في الأيام العشر. وقال الهندواني: وعندي أنه لا ينبغي أن يمنع العامة من ذلك لقلة رغبتهم في الخير، وبه نأخذ؛ كذا في " المجتبى ".
[صيغة التكبير]
م: (والتكبير أن يقول مرة واحدة: " الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد ") ش: وهو قول عمر بن الخطاب وابن مسعود، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق، وفيه أقوال أخر، الأول قول الشافعي ﵀ أنه يكبر ثلاثا معا، وهو قول ابن جبير والحسن.
وفي " المحيط " قال الشافعي: التكبير أن يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاث مرات أو خمسا أو سبعا أو تسعا، لأن التنصيص عليه في القرآن التكبير، قال الله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] (الحج: الآية ٣٧) ، والتكبير قوله: " الله أكبر "، وأما قوله: " لا إله إلا الله " فتهليل، وقوله: " الحمد لله " تحميد فمن شرط هذا فقد زاد على الكتاب. قال صاحب " الدراية ": فعلم أن قول المصنف والتكبير....إلخ احترازا عن قول الشافعي ﵀ في موضعين وفي المدة وتعيين الكلام.
الثاني: قول لمالك أنه يقف على الثانية ثم يقطع فيقول الله أكبر لا إله إلا الله، حكاه الثعلبي عنه.
الثالث: عن ابن عباس: الله أكبر الله أكبر أجل الله أكبر ولله الحمد.
الرابع: هو: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، روي عن ابن عمر ﵁.
الخامس: عن ابن عباس: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الحي القيوم يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
السادس: عن ابن عباس عن عبد الرحمن: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر الحمد لله، ذكره في " المحلى ".
السابع: أنه ليس فيه شيء موقت، قاله الحاكم وحماد.
وقول أصحابنا أولى، لأن عليه جماعة من الصحابة والتابعين. قوله: م: (مرة واحدة) ش: وعن الشافعي ﵀ يقول ثلاثا معا، وهو قوله في " الجديد "، وفي " القديم " يكبر مرتين، وقال مالك: إن شاء يكبر ثلاثا، وإن شاء مرتين، وقولنا هو مذهب عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ﵄، وهو قول الثوري وإسحاق وأحمد ﵏.
стр. 1464
وهذا هو المأثور عن إبراهيم الخليل ﵇ وهو عقيب الصلوات المفروضات على المقيمين في الأمصار في الجماعات المستحبة عند أبي حنيفة ﵀
ــ
[البناية]
م: (وهذا هو المأثور عن إبراهيم الخليل ﵇) ش: أي هذا الذي ذكرناه من كيفية التكبير هو المأثور عن إبراهيم الخليل ﵇ قال الزيلعي: لم أجده مأثورا عن الخليل، ولكنه مأثور عن ابن مسعود، رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " بسند جيد، حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن الأسود قال: كان عبد الله يكبر في صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
وقال أيضا: حدثنا يزيد بن هارون ثنا شريك قال: قلت لأبي إسحاق: كيف كان يكبر علي وعبد الله؟ قال: كانا يقولان الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد.
وذكر في " المفيد " هو المأثور عن الخليل وإسماعيل وجبريل ﵈ فإنه لما تله للجبين وتناول المدية باليمين، وجاء جبريل بالفداء، ونادى في الهواء الله أكبر الله أكبر فسمعه الخليل فقال: لا إله إلا الله والله أكبر فسمعه إسماعيل أو إسحاق حسبما اختلفوا في الذبيح، فقال: الله أكبر ولله الحمد.
وفي " المبسوط " و " قاضي خان " أصله أن إبراهيم ﵇ لما اشتغل بمقدمات ذبح ولده وجاء جبريل ﵇ بالفداء من السماء خاف العجلة فنادى الله أكبر الله أكبر، فلما سمع إبراهيم ذلك رفع رأسه إلى السماء فعلم أنه جاء بالفداء فقال: لا إله إلا الله والله أكبر فسمعه الذبيح، فقال الله أكبر ولله الحمد، فصار ذلك سنة إلى يوم القيامة.
م: (وهو) ش: أي التكبير م: (عقيب الصلوات المفروضات على المقيمين في الأمصار في الجماعات المستحبة عند أبي حنيفة) ش: وهو مذهب ابن مسعود، وكان ابن عمر إذا صلى وحده لا يكبر، وبه قال الثوري، وهو المشهور عن أحمد.
وقوله: م: (عقيب الصلوات) ش: إشارة إلى أنه لا يجوز أن يخلل ما يقطع به حرمة الصلاة حتى لو قام وخرج من المسجد أو تكلم لم يكبر، وإنما قيد بالمفروضات ليخرج الوتر وصلاة العيدين والسنن والنوافل، وقيد بالمقيمين ليخرج المسافرين، وقيد في الأمصار ليخرج المقيمين بالقرى، وقيد بالجماعة ليخرج المنفرد، وقيد بالمستحب ليخرج جماعة النساء وحدهن.
وفي " المبسوط " و " جوامع الفقه " و " العدنوي " و " شرح أبي نصر " لا يكبر بعد الوتر وصلاة العيدين والجنائز والسنن والنوافل ويكبر بعد الجمعة، لأنها مكتوبة، وقال مالك وأحمد وسائر الفقهاء لا يكبر عقيب النوافل خلافا للشافعي فإنه عنده يكبر في النوافل والجنائز على الأصح.
стр. 1465
وليس على جماعة النساء إذا لم يكن معهن رجل ولا على جماعة المسافرين إذا لم يكن معهم مقيم، وقالا: هو على كل من صلى المكتوبة، لأنه تبع للمكتوبة. وله ما روينا من قبل،
ــ
[البناية]
وفي " الدراية " وللشافعي خلف النوافل طريقان أحدهما أنه يكره قولا واحدا، والثاني فيه قولان. وفي " الحاوي " طريقة ثالثة أنه لا يكبر خلفها قولا واحدا. وقيل: ما سن له الجماعة من النوافل يكبر له وما لا فلا يكبر خلفه.
واختلف المشايخ على قول أبي حنيفة ﵀ أنه هل يشترط للإقامة الحرية أم لا؟
والأصح أنها ليست بشرط عنده، والسلطان ليس بشرط عنده، وقول المصنف على المقيمين يدل على وجوب هذه التكبيرات، وكذا قولهما على كل من صلى المكتوبة.
ونص في " المفيد " و " المزيد " و " قاضي خان " و " جوامع الفقه " على وجوبها، وذكر في " فتاوى المرغيناني " في [....
..] أنها سنة، وبه قال مالك والشافعي رحمهما الله - وأحمد، والصحيح الوجوب، لأنها من الشعائر كتكبيرات العيدين.
[التكبير للنساء والمسافرين]
م: (وليس على جماعة النساء إذا لم يكن معهن رجل) ش: يعني إذا لم يكن إمامهن رجلا، فإذا كان يجب عليهن بطريق التبعية م: (ولا على جماعة المسافرين إذا لم يكن معهم مقيم) ش: أي وليس التكبير على جماعة المسافرين إذا لم يكن إمامهم مقيما، وإذا صلى المسافرون جماعة في مصر فيه روايتان، الأصح أنه لا يجب عليهم.
م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد م: (هو) ش: أي التكبير م: (على كل من صلى المكتوبة) ش: وبه قال مالك والشافعي - رحمهما الله - والأوزاعي، والمشهور عن أحمد أن المنفرد لا يكبر كقول أبي حنيفة، وقوله: م: (كل من صلى المكتوبة) ش: أي الفرض سواء كان مصريا أو مقيما أو مسافرا جماعة أو منفردا. م: (لأنه تبع للمكتوبة) . ش: أي لأن التكبير تبع للمفروضة يكبر كل من صلاها.
قلنا: التبعية عرفت شرعا بخلاف القياس، لأنه لم يشرع في غير هذه الأيام فتراعى لهذه التبعية جميع ما ورد به النص، والنص جعل من إحدى شرائطه المصر فوجب أن يشترط القوم الخاص والجماعة، كما في الجمعة والعيد والمسلمون يكبرون عقيب صلاة العيد، لأنها تؤدى بالجماعة فأشبهت الجمعة، وعند غيرهم لا يكبرون، لأن صلاة العيد في الأصل غير مكتوبة.
م: (وله) ، ش: أي ولأبي حنيفة ﵀. م: (ما روينا من قبل) ش: وهو الذي ذكره في أول باب صلاة الجمعة ولا تشريق ولا فطر إلا في مصر جامع.
فإن قلت: هذه التكبيرات شرعت تبعا للمكتوبات، فكيف يشترط لها ما لم يشترط للمتبوع؟
стр. 1466
والتشريق هو التكبير، كذا نقل عن الخليل بن أحمد
ــ
[البناية]
قلت: النص على خلاف القياس.
واختلف المشايخ في اشتراط الحرية على قوله فمنهم من شرطها قياسا على الجمعة والعيد ومنهم من لم يشترطها قياسا على سائر الصلاة، وفائدته تظهر فيما إذا أم العبد صلاة المكتوبة في هذه الأيام، فمن شرطها لم يوجب التكبير، ومن لم يشترط أوجبه.
م: (والتشريق هو التكبير) . ش: أشار بهذا إلى أن المراد من قوله في الحديث المذكور آنفا لا جمعة ولا تشريق، أي ولا يكبر، وإن كان متعددا كما ذكرناه في أول الفصل، وأشار إلى صحة مجيء التشريق بمعنى التكبير بقوله، م: (كذا نقل عن الخليل بن أحمد) ، ش: وهو من أئمة اللغة، وكذا نقل عن النصر بن سهيل.
وقال تاج الشريعة: فإن صح النقل عنهما فظاهر وإلا فلا بد من التحمل لقول الفقهاء، فيقول: إن التشريق في اللغة تقديد اللحم في الشمس، والمطلق من الشرع لصلاة العيد مأخوذ من شروق الشمس، أي طلوعها أو إشراقها أي إضاءتها، لأن ذلك وقتها، وتسمية أيام التشريق، إما أنها توابع ليوم النحر، أو لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها.
إذا عرفت ذلك نقول التكبير يصح مرادا بالتشريق مجازا فيحمل النص عليه، وإنما قلنا إنه يصح مرادا، لأنه وصلاة العيد مشتركان في الوقت، ويكون كل واحد منهما شعارا يجهر به من شعائر الإسلام وملازمته بينهما من حيث إنهم يجهرون بالتكبير في الخروج إلى المصلى وهو مسنون في عيد الأضحى بلا خلاف، وفي عيد الفطر في رواية، وإطلاق اسم أحد الملزمين أو المتلازمين على الآخر مجازا شقص صحيح كإطلاق الأسد على الجريء والصلاة غير معينة به في الحديث، لأن حكمها قد أفيد بقوله: " لا فطر ولا أضحى "، فإن المراد بها صلاة العيدين وهو ظاهر، أو بقول التشريق، وإن كان على حقيقته فإنه أراد بقوله: " ولا تشريق " ولا تكبير تشريق فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. انتهى.
قلت: ولهذا يجاب لمن قال: إذا كان التشريق هو التكبير بقوله: كأنه قال: تكبير التكبير، وهذا ممتنع، لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه فافهم.
واعلم أن الخليل بن أحمد بن عمرو بن حتم الفراهيدي، ويقال الفرهودي الأزدي التحمدي كان إماما في علم النحو واللغة، وله تصانيف فيهما، وسيبويه أخذ عنه علوم الأدب، مات في سنة خمس وسبعين ومائة، وقيل: عاش أربعا وسبعين سنة، ومن تلامذته النضر بن شميل بن خرشة التميمي المازني النحوي البصري وله تصانيف، مات في سلخ ذي الحجة سنة أربع ومائتين بمدنية مرو من بلاد خراسان وبها ولد، ونشأ في البصرة فكذلك نسب إليها.
стр. 1467
ولأن الجهر بالتكبير خلاف السنة، والشرع ورد به عند استجماع هذه الشرائط إلا أنه يجب على النساء إذا اقتدين بالرجال، وعلى المسافرين عند اقتدائهم بالمقيم بطريق التبعية، قال يعقوب ﵀: صليت بهم المغرب يوم عرفة فسهوت أن أكبر فكبر أبو حنيفة ﵀، دل أن الإمام وإن ترك التكبير لا يتركه المقتدي وهذا لأنه لا يؤدى في حرمة الصلاة، فلم يكن الإمام فيه حتما وإنما هو مستحب.
ــ
[البناية]
م: (ولأن الجهر بالتكبير خلاف السنة) ، ش: لأن الأصل في الدعاء الإخفاء، فلا تكون سنة إلا في موضع النص أو الإجماع ولم يوجدا فيما ذكرناه. م: (والشرع ورد به) ، ش: أي بالجهر. م: (عند استجماع هذه الشرائط) ، ش: أشار به إلى الفرض والإقامة والمصر والجماعة والذكورية. م: (إلا أنه) ، ش: أي إلا أن التكبير. م: (يجب على النساء إذا اقتدين بالرجال وعلى المسافرين) ، ش: أي ويجب أيضا على المسافرين. م: (عند اقتدائهم بالمقيم بطريق التبعية) ، ش: أي الإمام، وفي النحر غير أن المسافر يكبر جهرا والمرأة لا تكبر جهرا.
م: (قال يعقوب) ، ش: أي أبو يوسف، م: (صليت بهم المغرب) ، ش: أي بالمسافرين، م: (يوم عرفة) ، ش: هذا مجاز لقرب المغرب من النهار، أو لأن ليلة النحر ملحقة باليوم الذي قبلها في حكم الوقت، لأن مدركها مدرك الحج، م: (فسهوت أن أكبر) ، ش: أي عن التكبير فكلمة أن مصدرية، م: (فكبر أبو حنيفة ﵀ دل) ، ش: أي تكبير أبي حنيفة ﵀، م: (أن الإمام وإن ترك التكبير لا يتركه المقتدي) ، ش: كالذي يتلو آية السجدة إذا تركها وهو إمام السامعين لا يترك السامعون.
م: (وهذا) ، ش: توضيح لما قبله، م: (لأنه) ، ش: أي لأن التكبير، م: (لا يؤدى في حرمة الصلاة) ، ش: بل يؤدى في أثرها، م: (فلم يكن الإمام فيه حتما) ، ش: أي واجبا، بخلاف سجود السهو إذا تركها الإمام يتركه المقتدي أيضا، م: (وإنما هو) ، ش: أي الإمام، م: (مستحب) ، ش: أي وجوده في التكبير فيكبر إذا تركه إمامه، ولكن إنما يكبر قبله إذا وقع إلباس عن تكبير إمامه بأن قام، وفي ذكر هذه المسألة فوائد.
منها: بيان منزلة أبي يوسف عند أبي حنيفة ﵀ حيث قدمه واقتدى به، ومنها بيان حشمة أستاذه حيث ذكره بسهوه فكبر ليتذكر هو ويكبر.
ومنها: أن الأستاذ إذا تفرس في بعض أصحابه الخير يقدمه ويعظمه عند الناس حتى يعظموه كما فعل أبو حنيفة ﵀.
ومنها: أن التلميذ لا ينبغي أن ينسى حرمة أستاذه وإن قدمه أستاذه وعلمه، ألا ترى أن أبا يوسف شغله ذلك حتى سها.
стр. 1468
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
فروع: فاتته صلاة في غير أيام التشريق فقضاها في أيام التشريق أو على العكس أو قضاها في أيام التشريق من العام القابل لا يكبر، ولو قضاها في أيام التشريق من العام من هذه السنة يكبر.
اختلفوا في المسبوق متى يكبر، قال الجمهور: يقضي ما فاته ثم يكبر عقيب سلامة برأيه.
وقال الحسن البصري: يكبر ثم يقضي. وعن مكحول ومجاهد: يكبر ثم يقضي [....
..] ، قال ابن أبي ليلى ﵀ محل هذا التكبير دبر كل صلاة ما لم يتخلل قاطع من حديث عمل أو قهقهة أو كلام أو خروج من المسجد، فمن نسيه فتذكر قبل وجود القاطع كبر وبعده لا يكبر.
وقال الشافعي: لا يكبر ليلة عيد الفطر عند الجمهور، وإنما يكبر عند الغدو إلى صلاة العيد، وعن سعيد بن المسيب وعروة وداود: وجوب التكبير في عيد الفطر، ووقته غروب الشمس ليلة العيد عند الشافعي ﵀ ومذهب الجمهور قول علي وابن عمر وأبي أمامة وآخرين من الصحابة. وبه قال عبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير والنخعي وأبو الزناد وعمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن محمد وحماد والحكم ومالك وإسحاق وأبو ثور.
стр. 1469
باب صلاة الكسوف
ــ
[البناية]
[باب صلاة الكسوف] [عدد ركعات صلاة الكسوف وكيفيتها]
م: (باب صلاة الكسوف) ش: أي هذا باب في بيان صلاة الكسوف، وجه المناسبة بين البابين من حيث إنهما يؤديان بالجماعة في النهار بغير أذان ولا إقامة، وآخرها من العيد، لأن صلاة العيد واجبة على الأصح كما ذكرناه فيما مضى، والتناسب بين هذه الأبواب الثلاثة أعني باب صلاة العيد والكسوف والاستسقاء ظاهر وأوردها حسب رتبها، وقدم العيد لكثرة وقوعها، وكذلك قدم الكسوف على الاستسقاء لهذا، ولأن للإنسان حالتين حالة السرور والفرح، وحالة الحزن والفزع، فقدم حالة السرور على حالة الفزع.
يقال: كسفت الشمس والقمر، بفتح السين فيهما، وكسفا على ما لم يسم فاعله، وانكسفا الكسوف اللازم، والكسف المتعدي، وأخسفا وانخسفا فهي ست لغات في الشمس والقمر وقيل الكسوف أوله والخسوف آخره فيهما، لأنه يقال انخسفت الأرض إذا ساحت ما عليها، وهو أقوى من الكسف.
قال النووي: وقد جاءت اللغات الست في " الصحيحين " والأشهر في سنة الفقهاء تخصيص الكسوف بالشمس والخسوف بالقمر وهو الأفصح، وقيل: لا يقال في الشمس إلا خسف، وفي القمر إلا كسف، والقرآن يرده، وقيل الخسوف في الكل، والكسوف في القمر فقط، وقال الليث: الخسوف فيهما والكسوف في الشمس فقط، وقال ابن دريد: خسف القمر وانكسفت الشمس، وقال الفراء في " الأجود ": كسفت الشمس وخسف القمر، وقيل العكس، وقيل: هما سواء، وقيل: الكسوف تغير لونها والخسوف تغيبها في السواد.
وأصل الكسوف التغير، ومنه كسف البال أي تغير الحال، والخسوف الذهاب بالكلية، ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١] ، ولما كان القمر يذهب ضوؤه كان أولى بالخسف.
قال شمس الأئمة السرخسي في " المبسوط ": عاب أهل الأدب على محمد ﵀ في لفظه كسوف على القمر، وقالوا: إنما يقال خسوف القمر، كقوله وخسف القمر، قال: قلنا الكسوف ذهاب دائرته، والخسوف ذهاب دون دائرته، وقيل: الكسوف والخسوف تغيره والخسوف ذهاب لونه.
قلت: قد مر أن الكسوف والخسوف فيهما لا يعاب عليه، وقال السغناقي: كسفت الشمس كسوفا ويكسفها الله كسفا يتعدى ولا يتعدى، قال الشاعر:
الشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمر
стр. 1470
قال: وإذا انكسفت الشمس صلى الإمام بالناس ركعتين
ــ
[البناية]
أي ليست تكسف ضوء النجوم مع طلوعها، ولكن لقلة ضوئها وبكائها عليك لم يظهر لها نور، وكذلك كسف القمر، إلا أن الأجود فيه أن يقال خسف القمر، وذكر الإمام جمال الدين الأديب في شرح الأبيات يرثي جريرة هذا عمر بن عبد العزيز، ومعنى قوله " تبكي ": أي تغلبت النجوم في البكاء، يقال بكيته فبكيته، أي غلبته في البكاء، وروي " النجوم " بالرفع والنصب، فعلى تقدير الرفع كان الواو في والقمر بمعنى مع والألف للإشباع.
م: (قال: وإذا انكسفت الشمس صلى الإمام بالناس ركعتين) ، ش: أصل مشروعية صلاة الكسوف بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] (الإسراء: الآية ٥٩) ، والكسوف آية من الآيات المخوفة، والله تعالى يخوف عباده ليتركوا المعاصي ويرجعوا إلى الطاعة التي فيها فوزهم.
وأما السنة فقوله ﷺ : «إذا رأيتم شيئا من هذا الإفزاع فافزعوا إلى الصلاة» .
وأما الإجماع فإن الأمة قد اجتمعت عليها من غير إنكار أحد ثم يحتاج بعد هذا إلى معرفة ستة أشياء، سبب شرعيتها وهو الكسوف، لأنها تضاف إليه ويتكرر بتكرره وشرط جوازها ما اشترط لسائر الصلاة. وصفتها وهي سنة وليست بواجبة على الأصح، وقال بعض مشايخنا إنها واجبة للأمر بها، ونص في " الأسرار " على وجوبها وكيفية أدائها بالجماعة، ولكن اختلفوا فيها كما سيجيء بيانه إن شاء الله تعالى.
وموضع صلاته أنه يصلي في المسجد الجامع أو في مصلى العيد ووقتها هو الوقت الذي يستحب فيه سائر الصلاة دون الأوقات المكروهة، وبه قال مالك. وقال الشافعي ﵀: لا يكره في الأوقات المكروهة، فقوله ركعتين. وفي " المحيط " عن أبي حنيفة ﵀ إن شاءوا صلوا ركعتين، وإن شاءوا صلوا أربعا.
وفي " البدائع " و " المفيد " و " التحفة " و " العتيبة ": إن شاءوا صلوها ركعتين وإن شاءوا أربعا، وإن شاءوا أكثر من ذلك، هكذا روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ والجماعة فيها أفضل، فلذلك قال: يصلي الإمام بالناس، ويجوز فرادى، ذكره في " المحيط "، وفي " الذخيرة " الجماعة فيها سنة ويصلي بهم الإمام الذي يصلي الجمعة والعيدين. وفي المرغيناني: يؤمهم فيها إمام حيهم بإذن السلطان، لأن اجتماع الناس ربما أوجب فتنة وضلالا ولا يصلون في مساجدهم بل يصلون جماعة واحدة.
стр. 1471
كهيئة النافلة في كل ركعة ركوع واحد. وقال الشافعي ﵀ ركوعان، له رواية عائشة ﵂
ــ
[البناية]
م: (كهيئة النافلة) ش: بغير أذان ولا إقامة، م: (في كل ركعة ركوع واحد) ، ش: مثل صلاة الفجر والجمعة، وبه قال النخعي والثوري وابن أبي ليلى، وهو مذهب عبد الله بن الزبير، رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس.
م: (وقال الشافعي: ركوعان) ، ش: أي في كل ركعة ركوعان، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق ﵏ وعن أحمد وإسحاق يركع في كل ركعة ثلاث ركوعات، وحكى ابن المنذر عن حذيفة وابن عباس في كل ركعة ثلاث ركوعات.
وعن علي ﵁ خمس ركوعات، وعن إسحاق يجوز في كل ركعة ركوعات ثلاثة وأربعة، لأنه ثبت ذلك كله عن النبي ﷺ ، وقال العلاء بن زياد: لا يزال يركع ويقوم ويراقب الشمس حتى تنجلي. وفي " البدائع " قال أبو منصور: اختلاف الروايات محمول على النسخ دون التخيير لاختلاف الأئمة، ولو كان على التخيير لما اختلفوا.
م: (له) ، ش: أي للشافعي ﵀، م: (رواية عائشة ﵂) ، ش: حديث عائشة ﵂ أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: «خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فقام فكبر فصف الناس وراءه فقرأ قراءة طويلة ثم ركع فركع ركوعا طويلا، ثم رفع رأسه، فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم قام فقرأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى ثم كبر فركع ركوعا طويلا هو أدنى من الأول، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك فاستكمل أربع ركعات وأربع تحيات فانجلت الشمس قبل أن ينصرف، ثم قام فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة» .
وأخرج البخاري ومسلم أيضا عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ » - فذكر نحو حديث عائشة، وأخرجا أيضا نحوه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
وحديث الثلاث ركعات في كل ركعة أخرجه مسلم عن عطاء عن جابر ﵁ قال: «كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى ست ركعات بأربع سجدات» وأخرجه أيضا عن عائشة ﵂، وعن ابن عباس بنحوه.
وحديث الأربع ركعات في كل ركعة، أخرجه مسلم عن طاووس «عن ابن عباس أنه ﵇ صلى في الكسوف فقرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع ثم سجد» . وعن علي مثل
стр. 1472
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
ذلك.
وحديث الخمس ركعات في كل ركعة، أخرجه أبو داود في " سننه " من حديث أبي بن كعب أن «النبي ﷺ صلى بهم في كسوف الشمس، فقرأ سورة من الطوال وركع خمس ركعات وسد سجدتين وفعل في الثانية مثل ذلك، ثم جلس يدعو حتى ينجلي كسوفها» وفي إسناده أبو جعفر الرازي، واسمه عيسى بن عبد الله بن هامان فيه مقال، وذكر أبو عمر وابن حزم عن عائشة ﵂ أنه ﷺ صلى في كسوف عشر ركعات في أربع سجدات، وروى أبو داود «عشر ركعات في كل ركعة» .
ثم صورة هذه الصلاة عند الشافعي ﵀ ما ذكره في " شرح الوجيز " أقل هذه الصلاة أن يحرم بنية صلاة الكسوف ويقرأ الفاتحة ويركع ثم يرفع رأسه ويقرأ الفاتحة ثم يركع ثم يسجد ثم يفعل كذلك في الركعة الثانية، وكلاهما أن يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة سورة البقرة أو بقدرها ثم يركع ويسبح بقدر مائة آية ثم يرفع رأسه ويقرأ في القيام الثاني مقدار مائتي آية من سورة البقرة، ثم يركع ويسبح بقدر ثمانين آية، ثم يرفع رأسه ويقرأ ويسجد كما يسجدها في غيرها.
وقال ابن شريح: يطيل السجود على حسب ما قبله من الركوع، وقال غيره: لا يطيل بل هو كالسجود في سائر الصلاة والأول أصح ثم يقرأ في الركعة الثانية بعد الفاتحة مائة وخمسين آية، ثم يركع ويسبح بقدر سبعين آية ثم يرفع رأسه ويقرأ بعد الفاتحة بقدر مائة آية ثم يركع ويسبح بقدر خمسين آية، ثم يركع ويسجد، وهذا اختيار المزني وقول صاحب " الحلية ".
وقال السغناقي: في صورة صلاة الكسوف عند الشافعي ﵀ أن يقوم في الركعة الأولى ويقرأ فيها بفاتحة الكتاب وسورة البقرة إن كان يحفظها، وإن كان لا يحفظها يقرأ غير ذلك مما بعدها، ثم يركع ويمكث في ركوعه مثلما يمكث في قيامه، ثم يرفع رأسه ويقوم ويقرأ سورة آل عمران إن كان يحفظها، وإن كان لا يحفظها يقرأ غير ذلك مما بعدها ثم يركع ثانيا ويمكث في ركوعه مثلما يمكث في قيامه هذا، ثم يرفع رأسه ثم يسجد سجدتين ثم يقوم فيمكث في قيامه ويقرأ فيه ما يقرأ في القيام الثاني في الركعة الأولى فيمكث في ركوعه مثلما يمكث في هذا القيام ثم يقوم ويمكث في مقامه مثلما يمكث في الركوع ثم يرفع رأسه ويقوم مثل ثلثي قيامه في القيام الأول من هذه الركعة الثانية، ثم يسجد سجدتين وتتم الصلاة، كذا في " المحيط ".
стр. 1473
ولنا رواية سمرة وابن عمر ﵄
ــ
[البناية]
وذكر في " الخلاصة الغزالية ": فإذا كسفت الشمس في وقت مكروه أو غير مكروه يؤدي الصلاة جماعة وصلى الإمام بالناس في المسجد ركعتين وركع في كل ركعة ركوعين أوائلها أطول من أواخرها، ثم ذكر قراءة الطوال الأربع، ثم قال: وسبح في الركوع الأول قدر مائة آية، وفي الثانية قدر ثمانين، وفي الثالثة قدر سبعين، وفي الرابع قدر خمسين آية.
م: (ولنا رواية سمرة وابن عمر ﵄) ، ش: في أكثر النسخ، ولنا رواية ابن عمر ولم يذكر سمرة - أما حديث سمرة بن جندب، فما أخرجه أبو داود حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا الأسود بن قيس حدثني ثعلبة بن عباد العبدي ثم من أهل البصرة أنه شهد خطبة يوما لسمرة بن جندب قال: «قال سمرة بن جندب: بينما أنا وغلام من الأنصار نرمي غرضين لنا حتى إذا كانت الشمس قيد رمح أو رمحين أو ثلاثة في عين الناظر من الأفق اسودت حتى آضت كأنها تَنُّومَة، فقال أحدنا لصاحبه انطلق بنا إلى المسجد، فوالله ليحدثن شأن هذه الشمس لرسول الله ﷺ في أمته حدثا قال: فدفعنا فإذا هو بارز فاستقدم فصلى فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتا. قال: ثم ركع بنا كأطول ما ركع بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتا، ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتا، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، قال: فوافق تجلي الشمس جلوسه في الركعة الثانية، قال: ثم سلم ثم قام فحمد الله وأثنى عليه وشهد أن لا إله إلا الله وشهد أنه عبده ورسوله» ثم ساق أحمد بن يونس خطبة النبي ﷺ ، وأخرجه النسائي أيضا مطولا ومختصرا.
وأخرجه ابن ماجه والترمذي مختصرا. وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا والطحاوي، وفي لفظهما نرمي غرضا لنا. قوله: غرضين مثنى غرض بفتح الغين والراء وهو الهدف. قوله " قيد رمحين " بكسر القاف أي قدر رمحين. آضت: أي رجعت، من آض يئيض أيضا، قوله " تنومة " بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد النون وضمها بعدها واو ساكنة ثم ميم مفتوحة وفي آخره هاء، وهو نوع من نبات الأرض، فيه وفي ثمره سواد قليل، ويقال هو شجر له ثمر كمد اللون، قوله " فإذا هو بارز " من البروز وهو الظهور، وقال الخطابي: هذا تصحيف من الراوي [....
.....] بهم لكثرتهم.
وأما حديث ابن عمر بدون الواو في عمر لم نجده، وإنما المروي حديث ابن عمرو، هو: عبد الله بن عمرو بن العاص، ولعل الخطأ من الناسخ، وحديث ابن عمرو أخرجه أبو داود
стр. 1474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
والنسائي والترمذي في " الشمائل " عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقام رسول الله ﷺ فلم يكد يركع ثم ركع فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع وفعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، ثم نفخ في آخر سجوده، فقال أف أف، ثم قال رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم، ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون، ففرغ رسول الله ﷺ من صلاته وقد أمحصت الشمس» . وأخرجه الحاكم أيضا وقال: صحيح ولم يخرجاه من أجل عطاء بن السائب.
قلت: قد أخرج البخاري عن عطاء حديثا مقرونا لأبي بشر، وقال أيوب ثقة، ولنا حديث أخرجه النسائي، عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: «إذا خسفت الشمس والقمر فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة» ورواه أحمد في " مسنده " والحاكم في " مستدركه "، وقال على شرطهما، ورواه أبو داود ولفظه «كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فجعل يصلي ركعتين ركعتين ويسأل عنها حتى انجلت» .
وأخرجه ابن ماجه أيضا، وقال البيهقي: هذا مرسل، أبو قلابة لم يسمع من النعمان.
قلت: صرح في الكمال بسماعه من النعمان، وقال ابن حزم: وأبو قلابة أدرك النعمان وروى هذا الخبر عنه، وصرح ابن عبد البر بصحة هذا الحديث، وقال من أحسن حديث ذهب إليه الكوفيون حديث أبي قلابة عن النعمان يظهر من البيهقي دعوى بلا دليل، والعجب من النووي حكمه بصحة هذا الحديث، ثم قال إلا أنه روي بزيادة رجل بين أبي قلابة والنعمان، ثم اختلف في ذلك الرجل، واسم أبي قلابة عبد الله بن زيد الحربي.
ومنها حديث أخرجه أبو داود عن قبيصة الهلالي قال: «كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج فزعا يجر ثوبه وأنا معه يومئذ بالمدينة فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام، ثم انصرف وانجلت فقال: إنما هذه الآيات يخوف الله بها، فإذا رأيتموها فصلوا، كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة» .
стр. 1475
والحال أكشف على الرجال لقربهم
ــ
[البناية]
وأخرجه النسائي أيضا والحاكم في " المستدرك " وقال: حديث صحيح على شرائط الشيخين ولم يخرجاه، ورواه البيهقي أيضا، ثم قال: يسقط بين أبي قلابة وقبيصة رجل وهو هلال بن عامر. وقال النووي في " الخلاصة ": وهذا لايقدح في صحة الحديث.
ومنها حديث أخرجه البخاري في " صحيحه " عن الحسن عن أبي بكر قال «خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج يجر رداءه حتى انتهى إلى المسجد وبادر الناس فصلى بهم ركعتين مثل صلاتكم» ووهم النووي في " الخلاصة " فعزا هذا الحديث للصحيحين، وإنما انفرد به البخاري.
ومنها حديث أخرجه مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة وفيه فصلى ركعتين، فظاهر هذا الحديث والحديث الذي قبله: أن الركعتين بركوع واحد، وقد اختلفوا في الجواب عنهما لأجل أنهما عليهم، فقال النووي: قوله: " صلى ركعتين " يعني في كل ركعة قيامان وركوعان.
وقال القرطبي: يحتمل أنه إنما أخبر عن حكم ركعة واحدة وسكت عن الأخرى.
قلت: في هذين الجوابين إخراج اللفظ عن ظاهره، فلا يجوز إلا بدليل. وأيضا فلفظ النسائي كما تصلون، وابن حبان مثل صلاتكم يرد ذلك، وفي " العارضة " روى الكسوف عن النبي ﷺ سبعة عشرة رجلا.
م: (والحال أكشف على الرجال لقربهم) ، ش: هذا جواب عن حديث عائشة ﵂ الذي احتج به الشافعي ﵀ فيما ذهب إليه أن حال النبي ﷺ وهي الهيئة التي كان ﵇ عليها في صلاة الكسوف أكشف على الرجال من النساء بقرب الرجال منه ﵇، لأنهم يقومون قبل صف النساء.
ومن هذا أخذ محمد بن الحسن في " الآثار " فقال: يحتمل أنه ﷺ أطال الركوع زيادة على قدر ركوع سائر الصلوات فرفع أهل الصف الأول رؤوسهم ظنا منهم أنه ﷺ رفع رأسه من الركوع من خلفهم ورفعوا رؤوسهم، فلما رأى أهل الصف الأول رسول الله ﷺ راكعا ركعوا ثمة خلفهم ركعة، فلما رفع رسول الله ﷺ رأسه من الركوع رفع القوم رؤوسهم ومن خلف الصف الأول ظنوا أنه ركع ركوعين، فرووه على حسب ما رفع عندهم.
ومثل هذا الاشتباه قد يقع لمن كان آخر الصفوف وعائشة ﵂ كانت واقعة في صف النساء، وابن عباس في صف الصبيان في ذلك الوقت، فنقلا كما وقع عندهم فيحمل
следующие страницы →