Полный текст (7 019 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
كهيئة النافلة في كل ركعة ركوع واحد. وقال الشافعي ﵀ ركوعان، له رواية عائشة ﵂
ــ
[البناية]
م: (كهيئة النافلة) ش: بغير أذان ولا إقامة، م: (في كل ركعة ركوع واحد) ، ش: مثل صلاة الفجر والجمعة، وبه قال النخعي والثوري وابن أبي ليلى، وهو مذهب عبد الله بن الزبير، رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس.
م: (وقال الشافعي: ركوعان) ، ش: أي في كل ركعة ركوعان، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق ﵏ وعن أحمد وإسحاق يركع في كل ركعة ثلاث ركوعات، وحكى ابن المنذر عن حذيفة وابن عباس في كل ركعة ثلاث ركوعات.
وعن علي ﵁ خمس ركوعات، وعن إسحاق يجوز في كل ركعة ركوعات ثلاثة وأربعة، لأنه ثبت ذلك كله عن النبي ﷺ ، وقال العلاء بن زياد: لا يزال يركع ويقوم ويراقب الشمس حتى تنجلي. وفي " البدائع " قال أبو منصور: اختلاف الروايات محمول على النسخ دون التخيير لاختلاف الأئمة، ولو كان على التخيير لما اختلفوا.
م: (له) ، ش: أي للشافعي ﵀، م: (رواية عائشة ﵂) ، ش: حديث عائشة ﵂ أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: «خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فقام فكبر فصف الناس وراءه فقرأ قراءة طويلة ثم ركع فركع ركوعا طويلا، ثم رفع رأسه، فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم قام فقرأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى ثم كبر فركع ركوعا طويلا هو أدنى من الأول، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك فاستكمل أربع ركعات وأربع تحيات فانجلت الشمس قبل أن ينصرف، ثم قام فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة» .
وأخرج البخاري ومسلم أيضا عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ » - فذكر نحو حديث عائشة، وأخرجا أيضا نحوه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
وحديث الثلاث ركعات في كل ركعة أخرجه مسلم عن عطاء عن جابر ﵁ قال: «كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى ست ركعات بأربع سجدات» وأخرجه أيضا عن عائشة ﵂، وعن ابن عباس بنحوه.
وحديث الأربع ركعات في كل ركعة، أخرجه مسلم عن طاووس «عن ابن عباس أنه ﵇ صلى في الكسوف فقرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع ثم سجد» . وعن علي مثل
стр. 1472
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
ذلك.
وحديث الخمس ركعات في كل ركعة، أخرجه أبو داود في " سننه " من حديث أبي بن كعب أن «النبي ﷺ صلى بهم في كسوف الشمس، فقرأ سورة من الطوال وركع خمس ركعات وسد سجدتين وفعل في الثانية مثل ذلك، ثم جلس يدعو حتى ينجلي كسوفها» وفي إسناده أبو جعفر الرازي، واسمه عيسى بن عبد الله بن هامان فيه مقال، وذكر أبو عمر وابن حزم عن عائشة ﵂ أنه ﷺ صلى في كسوف عشر ركعات في أربع سجدات، وروى أبو داود «عشر ركعات في كل ركعة» .
ثم صورة هذه الصلاة عند الشافعي ﵀ ما ذكره في " شرح الوجيز " أقل هذه الصلاة أن يحرم بنية صلاة الكسوف ويقرأ الفاتحة ويركع ثم يرفع رأسه ويقرأ الفاتحة ثم يركع ثم يسجد ثم يفعل كذلك في الركعة الثانية، وكلاهما أن يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة سورة البقرة أو بقدرها ثم يركع ويسبح بقدر مائة آية ثم يرفع رأسه ويقرأ في القيام الثاني مقدار مائتي آية من سورة البقرة، ثم يركع ويسبح بقدر ثمانين آية، ثم يرفع رأسه ويقرأ ويسجد كما يسجدها في غيرها.
وقال ابن شريح: يطيل السجود على حسب ما قبله من الركوع، وقال غيره: لا يطيل بل هو كالسجود في سائر الصلاة والأول أصح ثم يقرأ في الركعة الثانية بعد الفاتحة مائة وخمسين آية، ثم يركع ويسبح بقدر سبعين آية ثم يرفع رأسه ويقرأ بعد الفاتحة بقدر مائة آية ثم يركع ويسبح بقدر خمسين آية، ثم يركع ويسجد، وهذا اختيار المزني وقول صاحب " الحلية ".
وقال السغناقي: في صورة صلاة الكسوف عند الشافعي ﵀ أن يقوم في الركعة الأولى ويقرأ فيها بفاتحة الكتاب وسورة البقرة إن كان يحفظها، وإن كان لا يحفظها يقرأ غير ذلك مما بعدها، ثم يركع ويمكث في ركوعه مثلما يمكث في قيامه، ثم يرفع رأسه ويقوم ويقرأ سورة آل عمران إن كان يحفظها، وإن كان لا يحفظها يقرأ غير ذلك مما بعدها ثم يركع ثانيا ويمكث في ركوعه مثلما يمكث في قيامه هذا، ثم يرفع رأسه ثم يسجد سجدتين ثم يقوم فيمكث في قيامه ويقرأ فيه ما يقرأ في القيام الثاني في الركعة الأولى فيمكث في ركوعه مثلما يمكث في هذا القيام ثم يقوم ويمكث في مقامه مثلما يمكث في الركوع ثم يرفع رأسه ويقوم مثل ثلثي قيامه في القيام الأول من هذه الركعة الثانية، ثم يسجد سجدتين وتتم الصلاة، كذا في " المحيط ".
стр. 1473
ولنا رواية سمرة وابن عمر ﵄
ــ
[البناية]
وذكر في " الخلاصة الغزالية ": فإذا كسفت الشمس في وقت مكروه أو غير مكروه يؤدي الصلاة جماعة وصلى الإمام بالناس في المسجد ركعتين وركع في كل ركعة ركوعين أوائلها أطول من أواخرها، ثم ذكر قراءة الطوال الأربع، ثم قال: وسبح في الركوع الأول قدر مائة آية، وفي الثانية قدر ثمانين، وفي الثالثة قدر سبعين، وفي الرابع قدر خمسين آية.
م: (ولنا رواية سمرة وابن عمر ﵄) ، ش: في أكثر النسخ، ولنا رواية ابن عمر ولم يذكر سمرة - أما حديث سمرة بن جندب، فما أخرجه أبو داود حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا الأسود بن قيس حدثني ثعلبة بن عباد العبدي ثم من أهل البصرة أنه شهد خطبة يوما لسمرة بن جندب قال: «قال سمرة بن جندب: بينما أنا وغلام من الأنصار نرمي غرضين لنا حتى إذا كانت الشمس قيد رمح أو رمحين أو ثلاثة في عين الناظر من الأفق اسودت حتى آضت كأنها تَنُّومَة، فقال أحدنا لصاحبه انطلق بنا إلى المسجد، فوالله ليحدثن شأن هذه الشمس لرسول الله ﷺ في أمته حدثا قال: فدفعنا فإذا هو بارز فاستقدم فصلى فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتا. قال: ثم ركع بنا كأطول ما ركع بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتا، ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتا، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، قال: فوافق تجلي الشمس جلوسه في الركعة الثانية، قال: ثم سلم ثم قام فحمد الله وأثنى عليه وشهد أن لا إله إلا الله وشهد أنه عبده ورسوله» ثم ساق أحمد بن يونس خطبة النبي ﷺ ، وأخرجه النسائي أيضا مطولا ومختصرا.
وأخرجه ابن ماجه والترمذي مختصرا. وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا والطحاوي، وفي لفظهما نرمي غرضا لنا. قوله: غرضين مثنى غرض بفتح الغين والراء وهو الهدف. قوله " قيد رمحين " بكسر القاف أي قدر رمحين. آضت: أي رجعت، من آض يئيض أيضا، قوله " تنومة " بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد النون وضمها بعدها واو ساكنة ثم ميم مفتوحة وفي آخره هاء، وهو نوع من نبات الأرض، فيه وفي ثمره سواد قليل، ويقال هو شجر له ثمر كمد اللون، قوله " فإذا هو بارز " من البروز وهو الظهور، وقال الخطابي: هذا تصحيف من الراوي [....
.....] بهم لكثرتهم.
وأما حديث ابن عمر بدون الواو في عمر لم نجده، وإنما المروي حديث ابن عمرو، هو: عبد الله بن عمرو بن العاص، ولعل الخطأ من الناسخ، وحديث ابن عمرو أخرجه أبو داود
стр. 1474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
والنسائي والترمذي في " الشمائل " عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقام رسول الله ﷺ فلم يكد يركع ثم ركع فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع وفعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، ثم نفخ في آخر سجوده، فقال أف أف، ثم قال رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم، ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون، ففرغ رسول الله ﷺ من صلاته وقد أمحصت الشمس» . وأخرجه الحاكم أيضا وقال: صحيح ولم يخرجاه من أجل عطاء بن السائب.
قلت: قد أخرج البخاري عن عطاء حديثا مقرونا لأبي بشر، وقال أيوب ثقة، ولنا حديث أخرجه النسائي، عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: «إذا خسفت الشمس والقمر فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة» ورواه أحمد في " مسنده " والحاكم في " مستدركه "، وقال على شرطهما، ورواه أبو داود ولفظه «كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فجعل يصلي ركعتين ركعتين ويسأل عنها حتى انجلت» .
وأخرجه ابن ماجه أيضا، وقال البيهقي: هذا مرسل، أبو قلابة لم يسمع من النعمان.
قلت: صرح في الكمال بسماعه من النعمان، وقال ابن حزم: وأبو قلابة أدرك النعمان وروى هذا الخبر عنه، وصرح ابن عبد البر بصحة هذا الحديث، وقال من أحسن حديث ذهب إليه الكوفيون حديث أبي قلابة عن النعمان يظهر من البيهقي دعوى بلا دليل، والعجب من النووي حكمه بصحة هذا الحديث، ثم قال إلا أنه روي بزيادة رجل بين أبي قلابة والنعمان، ثم اختلف في ذلك الرجل، واسم أبي قلابة عبد الله بن زيد الحربي.
ومنها حديث أخرجه أبو داود عن قبيصة الهلالي قال: «كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج فزعا يجر ثوبه وأنا معه يومئذ بالمدينة فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام، ثم انصرف وانجلت فقال: إنما هذه الآيات يخوف الله بها، فإذا رأيتموها فصلوا، كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة» .
стр. 1475
والحال أكشف على الرجال لقربهم
ــ
[البناية]
وأخرجه النسائي أيضا والحاكم في " المستدرك " وقال: حديث صحيح على شرائط الشيخين ولم يخرجاه، ورواه البيهقي أيضا، ثم قال: يسقط بين أبي قلابة وقبيصة رجل وهو هلال بن عامر. وقال النووي في " الخلاصة ": وهذا لايقدح في صحة الحديث.
ومنها حديث أخرجه البخاري في " صحيحه " عن الحسن عن أبي بكر قال «خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج يجر رداءه حتى انتهى إلى المسجد وبادر الناس فصلى بهم ركعتين مثل صلاتكم» ووهم النووي في " الخلاصة " فعزا هذا الحديث للصحيحين، وإنما انفرد به البخاري.
ومنها حديث أخرجه مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة وفيه فصلى ركعتين، فظاهر هذا الحديث والحديث الذي قبله: أن الركعتين بركوع واحد، وقد اختلفوا في الجواب عنهما لأجل أنهما عليهم، فقال النووي: قوله: " صلى ركعتين " يعني في كل ركعة قيامان وركوعان.
وقال القرطبي: يحتمل أنه إنما أخبر عن حكم ركعة واحدة وسكت عن الأخرى.
قلت: في هذين الجوابين إخراج اللفظ عن ظاهره، فلا يجوز إلا بدليل. وأيضا فلفظ النسائي كما تصلون، وابن حبان مثل صلاتكم يرد ذلك، وفي " العارضة " روى الكسوف عن النبي ﷺ سبعة عشرة رجلا.
م: (والحال أكشف على الرجال لقربهم) ، ش: هذا جواب عن حديث عائشة ﵂ الذي احتج به الشافعي ﵀ فيما ذهب إليه أن حال النبي ﷺ وهي الهيئة التي كان ﵇ عليها في صلاة الكسوف أكشف على الرجال من النساء بقرب الرجال منه ﵇، لأنهم يقومون قبل صف النساء.
ومن هذا أخذ محمد بن الحسن في " الآثار " فقال: يحتمل أنه ﷺ أطال الركوع زيادة على قدر ركوع سائر الصلوات فرفع أهل الصف الأول رؤوسهم ظنا منهم أنه ﷺ رفع رأسه من الركوع من خلفهم ورفعوا رؤوسهم، فلما رأى أهل الصف الأول رسول الله ﷺ راكعا ركعوا ثمة خلفهم ركعة، فلما رفع رسول الله ﷺ رأسه من الركوع رفع القوم رؤوسهم ومن خلف الصف الأول ظنوا أنه ركع ركوعين، فرووه على حسب ما رفع عندهم.
ومثل هذا الاشتباه قد يقع لمن كان آخر الصفوف وعائشة ﵂ كانت واقعة في صف النساء، وابن عباس في صف الصبيان في ذلك الوقت، فنقلا كما وقع عندهم فيحمل
стр. 1476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
على هذا توفيقا بين الروايتين.
قلت: هذا الاحتمال لا يجدي شيئا، لأنا وإن سلمنا هذا في ركوعين، فماذا يقال في ثلاث ركوعات في رواية وأربع ركوعات في أخرى كما ذكرنا.
وقال الأترازي في قوله: " والحال أكشف على الرجال ": فيه نظر، لأن الشافعي ﵀ لا يتمسك بما روت عائشة ﵂ وحدها حتى يلزم ترجيح رواية الرجال على رواية النساء، بل يتمسك بروايتها ورواية ابن عباس فلا يتأتى الترجيح إلا بما قلنا من القياس.
قلت: ابن عباس في ذلك الوقت كان في صف الصبيان، فتكون روايته ورواية عائشة ﵂ على السواء على هذا.
قال الأكمل: فإن قيل روى حديثها من الرجل ابن عباس، وقد كان في صفهم.
أجيب: بأنه كان في صف الصبيان في ذلك الوقت.
قلت: هذا أيضا لا يجوز، وكل منهما حام حول الحمى فلم ينجيا، لأن الشافعي ﵀ لم يتعلق بحديث عائشة ﵂ وحده، في الاحتجاج لمذهبه، بل يتعلق به وبحديث جابر وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهما، بل الصواب ها هنا أن يقال اختلفوا في صلاة الكسوف، بل يقال تحروا الكل، وكل واحد منهم تعلق بحديث، ورآه أولى من غيره بحسب ما أدى اجتهاده إليه في صحته وموافقته للأصل المعهود في أبواب الصلاة.
وأبو حنيفة ﵀ تعلق بأحاديث موافقة للقياس في أبواب الصلاة، لأن في سائر الصلوات من المكتوبات والتطوع مع كل ركعة سجدتان، فكذلك ينبغي أن تكون صلاة الكسوف كذلك.
وقال أبو إسحاق المروزي وأبو الطيب وغيرهما: تحمل أحاديثنا على الاستحباب وأحاديثهم على الجواز، وقال السروجي: فلم ينقل ذلك بالمدينة إلا مرة واحدة، فإذا حصل هذا الاضطراب الكثير من الركوع واحد إلى عشرة ركوعات يعمل بما له أصل في الشرع، انتهى.
قلت: فيه نظر، لأن بعضهم قالوا: صلى النبي ﷺ صلاة الكسوف غير مرة، وفي غير سنة فروى كل واحد ما شاء هذه من صلاته وضبطه من فعله.
وذكر النووي في " شرح المهذب " أن عند الشافعية ﵏ لا تجوز الزيادة على ركوعين، وبه قطع جمهورهم، قال: وهو ظاهر نصوصه.
قلت: الزيادة من العدل مقبولة عندهم، وقد صحت الزيادة على الركوعين ولم يعلموا بها،
стр. 1477
فكان الترجيح لروايته،
ويطول القراءة فيهما
ــ
[البناية]
فكل جواب لهم عن الزيادة على الركوعين، فهو جواب لنا عما زاد على ركوع واحد. وقال السرخسي: وتأويل الركوعين فيما زاد أنه ﵇ طول الركوع فيها، لأنه عرض عليه الجنة والنار فمل بعض القوم وظنوا أنه رفع رأسه فرفعوا رءوسهم إلى آخر ما ذكرنا عن محمد عن قريب فيه ما قيد ما ذكرنا، وقيل رفع رأسه ﷺ [ليتحقق] حال الشمس هل انجلت أم لا؟ وهكذا قيل في كل ركوع وفيه نظر أيضا.
وقد قال مناظر محمد بن الحسن ألم يعلم أن الحديث إذا جاء من وجهين، واختلفا وكانت فيه زيادة كان الأخذ بالزيادة أولى، لأن الآتي بها أثبت من الذي يقص الحديث؟ قال: نعم، قال المناظر: ففي حديث من الزيادة ما ينبغي أن يرجع إليه، قال محمد: فالنعمان بن بشير لا يذكر في كل ركعة ركوعين، قال المناظر: قلت: فالنعمان يزعم أن النبي ﷺ صلى ركعتين ثم نظر فلم تنجل الشمس، فقام: فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين أفتأخذ به؟ قال: لا، قلت: فأنت إذا تخالف قول النعمان وحديثه، انتهى.
قلت: لقائل أن يقول له كما قال لمحمد سواء أنت تأخذ بحديث عائشة ﵂ وجابر وابن عباس، فإن قال: نعم قيل له قد صح عنهم ما ذكر من ثلاث ركعات في كل ركعة ست ركعات، فهذه زيادة أتأخذ بها؟ فإن قال: لا، قيل له: فأنت إذا تخالف ما ذكرت، لأنك اعتمدته وتخالف أيضا ويخالفه أيضا ما ذهبنا إليه بحجتنا [....
... ] . وأما حديث أبي بن كعب ﵁ حدثنا فيه زيادة، رواه الحاكم من حديث أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: «انكسفت الشمس فصلى النبي ﷺ فقرأ سورة من الطوال وركع خمس ركعات وسجد سجدتين» . وهذا الحديث فيه ألفاظ زائدة، ورواته صادقون وصححه أيضا أبو محمد الأصيلي، وأقره الحافظان ابن القطان وابن [
..] فكان ينبغي أن يعمل بها لأن خبر الزيادة من الثقة.
م: (فكان الترجيح لروايته) ، ش: الفاء فيه جواب شرط محذوف، أي إذا كان الحال أكشف للرجال من النساء يؤمهم من النبي ﷺ ، فكان الترجيح لرواية ابن عمرو بن العاص، وقد ذكرنا أنه وقع في الكتاب ابن عمر بدون الواو وليس كذلك كما بينا.
[القراءة في صلاة الكسوف]
م: (ويطول القراءة فيهما) ، ش: أي ويطول الإمام القراءة في ركعتي الكسوف لما مر أن النبي ﷺ قام في الأولى مقدار البقرة، وفي الثانية بقدر آل عمران، وفي " المرغيناني " يقرأ فيهما بما أحب كالمكتوبة، ولو طول القراءة خفف الدعاء أو على العكس، وروى الحسن بن زياد عن أبي
стр. 1478
ويخفي عند أبي حنيفة، وقالا: يجهر. وعن محمد مثل قول أبي حنيفة ﵀. أما التطويل في القراءة فبيان الأفضل ويخفف إن شاء؛ لأن المسنون استيعاب الوقت بالصلاة والدعاء، فإذا خفف أحدهما طول الآخر، وأما الإخفاء والجهر فلهما رواية عائشة ﵂ أنه ﷺ جهر فيها، ولأبي حنيفة ﵀ رواية ابن عباس وسمرة بن جندب ﵄،
ــ
[البناية]
حنيفة ﵏ في كسوف الشمس أنهم إن شاؤوا صلوا ركعتين وإن شاؤوا أربعا، وإن شاؤوا أكثر من ذلك، وإن شاؤوا سلموا في كل ركعتين، وإن شاؤوا في كل أربعة؛ لأنها نافلة.
م: (ويخفي) ، ش: أي القراءة. م: (عند أبي حنيفة) ، ش: وبه قال الشافعي ومالك ﵏ م: (وقالا) ، ش: أي قال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - م: (يجهر) ، ش: بالقراءة، وبه قال أحمد ومالك ﵀ في رواية. م: (وعن محمد مثل قول أبي حنيفة) ش: أي روي عن محمد أنه لا يجهر بالقراءة كمثل قول أبي حنيفة ﵀: وفي " التحفة " عن محمد روايتان فيه. وفي " البدائع " وفي عامة الرواية مع أبي حنيفة ﵀.
م: (أما التطويل في القراءة فبيان الأفضل) ، ش: لا بيان الوجوب، لأن قوله: " ويطول القراءة فيهما " قول القدوري، وروي في " مختصره " وهو يحتمل الوجوب وغيره. فأشار بقوله أما التطويل إلى آخره إلى أن التطويل غير واجب، ولو قال: وأما التطويل في القراءة فبيان السنة لكان أولى على ما لا يخفى. م: (ويخفف) ، ش: القراءة. م: (إن شاء، لأن المسنون استيعاب الوقت) ، ش: أي استغراقه. م: (بالصلاة والدعاء فإذا خفف أحدهما طول الآخر) ، ش: يعني إذا خفف الصلاة طول الدعاء وهو بالخيار في هذا الدعاء إن شاء جلس فدعا ويستقبل القبلة، وإن شاء قام ودعا واستقبل الناس بوجهه.
م: (وأما الإخفاء والجهر فلهما) ، ش: أي فلأبي يوسف ومحمد - رحمهما الله -. م: (رواية عائشة ﵂ أنه ﷺ جهر فيها) ، ش: حديث عائشة ﵂ أخرجه البخاري ومسلم عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: «جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته» الحديث. والمراد بالخسوف كسوف الشمس والدليل عليه ما رواه البخاري أيضا من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: «جهر النبي ﷺ في صلاة الكسوف» ورواه أبو داود، ولفظه: «أن النبي ﷺ قرأ قراءة طويلة فجهر بها يعني في صلاة الكسوف» ورواه الترمذي، ولفظه: «أن رسول الله ﷺ صلى صلاة الكسوف فجهر فيها بالقراءة» وحسنه، ورواه ابن حبان أيضا في " صحيحه " قالوا: وفي هذه الألفاظ ما يدفع قول من فسر لفظ " الصحيحين " بخسوف القمر.
م: (ولأبي حنيفة ﵁ رواية ابن عباس وسمرة بن جندب ﵄)
стр. 1479
والترجيح قد مر من قبل، كيف وأنها صلاة النهار، وهي عجماء، ويدعو بعدها حتى تنجلي؛ الشمس لقوله ﷺ «إذا رأيتم من هذه الأفزاع شيئا فارغبوا إلى الله بالدعاء»
ــ
[البناية]
ش: حديث ابن عباس روه أحمد في " مسنده " عن عكرمة عن ابن عباس قال: «صليت مع النبي ﷺ الكسوف فلم أستمع منه فيها حرفا من القراءة» ورواه أبو يعلى الموصلي أيضا في " مسنده " وأبو نعيم في " الحلية " والطبراني في " معجمه " والبيهقي في " المعرفة ".
وحديث سمرة بن جندب، رواه الأربعة عن ثعلبة بن عباد العبدي قال: «قال سمرة بن جندب: بينما أنا وغلام من الأنصار نرمي غرضين لنا.. الحديث وفيه: " صلى بنا رسول الله ﷺ الكسوف لا نسمع له صوتا» وقد مر هذا الحديث في هذا الباب بتمامه.
م: (والترجيح قد مر من قبل) ، ش: أراد به قوله: " والحال أكشف على الرجال لقربهم "، م: (كيف وأنها صلاة النهار وهي عجماء) ، ش: كيف اسم، وعن سيبويه أنه ظرف، ومعناه كيف يجهر بالقراءة في صلاة الكسوف والحال أنها صلاة النهار عجماء، أي ليس فيها قراءة مسموعة، أخذ من العجماء التي هي البهيمة، سميت به لأنها لا تتكلم، وكل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم. م: (ويدعو بعدها) ، ش: أي ويدعو الإمام بعد صلاة الكسوف. م: (حتى تنجلي الشمس) ، ش: أي حتى تنكشف، لأن الصلاة كانت الدعاء، فإذا فرغوا من الصلاة يجب أن يدعوا.
وقال الشافعي ﵀ يخطب خطبتين بعد كما في العيدين، وبه قال أحمد، واحتجا بما روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ انصرف وقد انجلت الشمس فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا..» الحديث.
ولنا أنه ﷺ خطب خطبتين أمر بالصلاة ولم يأمر بالخطبة ولو كانت مسنونة فيهما لبينهما ولم ينقل عنه ﷺ أنه خطب خطبتين، فليس عليهما دليل ولا القياس، وحديث ابن مسعود وابن عمر وعائشة في " الصحيحين " ولم يذكر الخطبة.
والجواب عن الحديث المذكور أنه ﷺ خطب ليردهم عن قولهم: إن الشمس كسفت لموت إبراهيم بن رسول الله ﷺ فقال: «إن الشمس والقمر ... » الحديث هو محمول على الدعاء.
م: (لقوله ﷺ : «إذا رأيتم من هذه الأفزاع شيئا فارغبوا إلى الله بالدعاء» ، ش: هذا اللفظ غريب وهو في " الصحيحين " من حديث المغيرة بن شعبة: «فإذا رأيتموها فارغبوا إلى ذكر الله» .
стр. 1480
والسنة في الأدعية تأخيرها عن الصلاة، ويصلي بهم الإمام الذي يصلي بهم الجمعة، فإن لم يحضر صلى الناس فرادى
ــ
[البناية]
وأخرجه أيضا عن عائشة: «فإذا رأيتموها فكبروا وادعوا» ، وروى أبو سليمان في كتاب الصلاة قريبا من لفظ المصنف عن محمد عن أبي يوسف عن أبان عن ابن أبي عباس عن الحسن البصري عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا رأيتم من هذه الأفزاع شيئا فافزعوا إلى الصلاة» .
قلت: هذا مرسل وهو حجة عندنا، قوله: " فافزعوا " بالزاي المعجمة، أي التجئوا إليه، يقال فزع إليه، أي التجأ، والمفزع الملجأ.
[الدعاء في صلاة الكسوف]
م: (والسنة في الأدعية تأخيرها عن الصلاة) ، ش: لما روى الترمذي في " جامعه " في كتاب الدعوات والنسائي في كتاب اليوم والليلة عن عبد الرحمن بن سابط «عن أبي أمامة قيل: يا رسول الله ﷺ أي الدعاء أسمع؟ قال: " جوف الليل الأخير، ودبر الصلاة المكتوبة» قال الترمذي: حديث حسن، ورواه عبد الرزاق في " مصنفه "، وقال ابن القطان: وعبد الرحمن بن سابط لم يسمع من أبي أمامة.
وروى أبو داود والنسائي «عن معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال له: " يا معاذ والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ لا تدع عن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» .
واحتج البخاري في " تاريخه الأوسط " عن المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ «أنه كان يدعو دبر كل صلاة» .
م: (ويصلي بهم الإمام الذي يصلي بهم الجمعة) ، ش: يعني يصلي صلاة الكسوف بالقوم الإمام الذي يصلي بهم الجمعة والعيدين، وفي " التحفة " أو غيره بإذن الإمام، كما في الجمعة والعيدين، وفي " المرغيناني " ويؤمهم فيها إمام حيهم بإذن السلطان في مساجدهم بل يصلون جماعة واحدة، ولو لم يقمها الإمام صلى الناس فرادى.
وفي " مبسوط بكر " عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول لكل إمام مسجد أن يصلي بجماعته في مسجده. وذكر في " المحيط " وقال الأسبيجابي: يمكن بإذن الإمام الأعظم.
م: (فإن لم يحضر) ، ش: أي الإمام الذي يصلي بهم الجمعة. م: (صلى الناس فرادى) ، ش: أي
стр. 1481
تحرزا عن الفتنة،
وليس في كسوف القمر جماعة لتعذر الاجتماع في الليل أو لخوف الفتنة، وإنما يصلي كل واحد بنفسه؛ لقوله ﷺ «إذا رأيتم شيئا من هذه الأهوال فافزعوا إلى الصلاة» وليس في الكسوف؛ خطبة لأنه لم ينقل.
ــ
[البناية]
منفردين، وانتصابه على الحال. م: (تحرزا عن الفتنة) ، ش: في التقديم والتقدم.
[الصلاة لكسوف القمر جماعة]
م: (وليس في كسوف القمر جماعة) ، ش: هذا لفظ محمد في " المبسوط "، وقد عيب عليه بأن لفظ الكسوف لا يستعمل إلا في الشمس، ورد بأن كلا من لفظ الكسوف والخسوف مستعمل في كل واحد من الشمس والقمر، وقد حققنا الكلام فيه في أول الباب، ووقع في بعض النسخ وليس في خسوف القمر جماعة، والأول أصح، وقيل الجماعة جائزة لكنها ليست بسنة. م: (لتعذر الاجتماع بالليل) ، ش: أي لتعذر اجتماع الناس بالليل، وكان في زمان النبي ﷺ كسوف القمر كما كان كسوف الشمس، فلو كان فيه جماعة كما في كسوف الشمس لنقل، وأما نفس الصلاة فبالأحاديث المذكورة عن قريب. م: (أو لخوف الفتنة) ، ش: لأن اجتماع الناس بالليل من أطراف البلد لا يكاد يسلم عن وقوع فتنة منهم، إما من جهة وقوع الزحام وإما من جهة اختيار الإمام.
م: (وإنما يصلي كل واحد بنفسه) ، ش: يعني منفردين، وعند الشافعي ﵀ يصلي صلاة الخسوف بالجماعة كما في الكسوف، وقال مالك: لا صلاة فيه. وفي " المغني " لابن قدامة، وعن مالك: ليس في كسوف القمر سنة ولا صلاة، وانفرد به من بين أهل العلم. وقال الشافعي ﵀ يصليها جماعة بركوعين وبالجهر بالقراءة وبخطبتين بينهما جلسة ككسوف الشمس، وهو قول أحمد وإسحاق إلا في الخطبة.
م: (لقوله ﷺ : «إذا رأيتم شيئا من هذه الأهوال فافزعوا إلى الصلاة» ، ش: في هذا الموضع نظر من وجهين: الأول: أن هذا الحديث بهذا اللفظ غريب، وإنما الذي صح ما رواه البخاري ومسلم وحديث عائشة ﵂ «فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة» .
والثاني: أن هذا الحديث لا يطابق مرآه، يظهر ذلك بالتأمل ولا ينكر ذلك إلا المعاند. م: (وليس في الكسوف خطبة) ، ش: وقال الأكمل: أي في كسوف الشمس والقمر خطبة.
قلت: ليس في خسوف القمر جماعة فضلا عن الخطبة فلا يحتاج إلى ذكر القمر، وإنما عرفوا قول السغناقي من قول المصنف، وليس في الكسوف خطبة، هذا راجع إلى كسوف الشمس والقمر وليس كذلك، لأن المعنى كسوف الشمس خاصة كما ذكرنا، لأن الخسوف فيه جماعة، فكيف يكون فيه الخطبة حتى ينفي.
م: (لأنه لم ينقل) ش: أي لأن كون الخطبة في كسوف الشمس لم ينقل، وهذا غير صحيح، لما روى البخاري ومسلم من حديث أسماء: «ثم انصرف بعد أن انجلت الشمس والقمر فقام
стр. 1482
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن يخوف الله بهما عباده، ما من شيء كنت لم أره إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار. ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم مثل وقريبا من فتنة الدجال..» الحديث.
وأخرجا أيضا من حديث ابن عباس فقال: «إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرا قط» الحديث.
وأخرجا أيضا «عن عائشة ﵂ أنه ﷺ قال: " يا أمة محمد؛ ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته..» الحديث. وأخرج مسلم عن جابر ﵁: «ولقد جيء بالنار وذلكم حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها ... » الحديث.
وأخرج أحمد من حديث سمرة بن جندب «فحمد الله وأثنى عليه وشهد أنه عبد الله ورسوله ثم قال: " يا أيها الناس أنشدكم الله إن كنتم تعلمون أني قصرت في شيء من تبليغ رسالات ربي ... » الحديث بطوله، وأخرجه الحاكم أيضا في " مستدركه "، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأخرج ابن حبان في " صحيحه " من حديث عمرو بن العاص: «فقام فحمد الله وأثنى عليه
.» الحديث.
وقال الأكمل: ولنا أنه لم ينقل، وذلك دليل على أنه يفعل. وقال صاحب " الدراية " ولنا ما روي من الحديث في المتن وعدم النقل. وقال السغناقي: معنى قوله " لأنه لم ينقل " أي بطريق الشهرة.
قلت: أما كلام الأكمل فإنه غير وارد على منهج الصواب؛ لأن قوله " لم ينقل " غير صحيح؛ لأنه ﷺ قد فعله، وكذلك قوله وذلك دليل على أنه لم يفعله غير صحيح؛ لأنه ﷺ قد فعله، وأما كلام صاحب " الدراية " ففيه نظر من وجهين:
الأول: أن قوله ولنا ما روي من الحديث في المتن غير سديد، ولا يوجد، لأن الحديث الذي في المتن لا يدل على نفي الخطبة في الكسوف.
الثاني: أن قوله: " وعدم النقل " غير صحيح لما ذكرنا. وأما قول السغناقي: " أي بطريق الشهرة ": فإقرار منه أن النقل موجود، وأما قوله: " أي بطريق الشهرة ": فغير صحيح، وكيف لا يكون مشهورا، وقد رواه غير واحد من الصحابة، وكما ذكرناه الآن؟
ثم أجاب الأكمل بعد اعترافهم بالنقل بأنه ﷺ لم يقصد الخطبة، وإنما قال ذلك دفعا لقول من قال: إن الشمس انكسفت لموت إبراهيم ﵇ وإخبارا عما رآه من الجنة والنار.
стр. 1483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
قلت: سبحان الله. كيف لا يكون خطبة، ومقاصد الخطبة لا تنحصر في شيء معين، ولا سيما ورد أنه صعد المنبر وبدأ بما هو المقصود من الخطبة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر فضل الخطبة وغير ذلك، وصعود المنبر رواه النسائي وأحمد في " مسنده " وابن حبان في " صحيحه "، ولفظهم «ثم انصرف بعد أن انجلت الشمس، فقام وصعد المنبر فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: " إن الشمس والقمر ... » الحديث.
فروع: لو طلعت مكسوفة لم يصل حتى تحل النافلة، وبه قال مالك وأحمد وآخرون، وقال ابن المنذر وبه أقول، خلافا للشافعي.
ووقتها الوقت المستحب كسائر الصلوات. وفي " المبسوط ": ولا يصلي الكسوف وفي الأوقات الثلاثة، وبه قال الحسن وعطاء بن أبي رباح وعكرمة وعمرو بن شعيب وقتادة وأيوب وإسماعيل بن علية وأحمد.
وقال إسحاق: يصلون بعد العصر ما لم تصفر الشمس وبعد صلاة الصبح ولو كسفت في الغروب لم يصل إجماعا من جنس الكسوف مثل الريح الشديد والظلمة الهائلة بالنهار والثلج والأمطار الدائمة والصواعق والزلازل وانتشار الكواكب والضوء الهائل بالليل وعموم الأمراض وغير ذلك من النوازل والأهوال والأفزاع، إذا وقعت صلوا وحدانا، واسألوا وتضرعوا، وكذا في الخوف الغالب من العدو، وعند الشافعي كذلك.
ولا يصلي عنده جماعة في غير الكسوفين، وروى الشافعي أن عليا ﵁ صلى في زلزلة جماعة، قال: إن صح هذا الحديث قلت به.
وقال النووي: هذا الأمر لم يثبت عن علي ﵁. وفي " الجواهر " لا يصلى للزلازل وغيرها من الآيات عند مالك، وحكى اللخمي عن أشهب الصلاة، واختاره. وعند أحمد يصلي للزلزلة ولا يصلي للرجفة والريح الشديدة وغيرهما كما ذكرناه الآن، وقال الآمدي: منهم من يصلي لجميع ما ذكرناه حكاه عن ابن أبي موسى.
стр. 1484
باب الاستسقاء قال أبو حنيفة ﵀: ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة، فإن صلى الناس وحدانا جاز،
ــ
[البناية]
[باب الاستسقاء] [عدد وكعات صلاة الاستسقاء وكيفيتها]
م: (باب الاستسقاء) ش: أي هذا باب في بيان حكم الاستسقاء، والمناسبة بين البابين من حيث إن كلا منهما يؤدى بجمع عظيم، إلا أن صلاة الكسوف أقوى لكونها تؤدى بجماعة بلا خلاف، وفي أداء الاستسقاء بالجماعة خلاف.
والاستسقاء على وزن استفعال، وهو طلب السقيا، بضم السين وهو المطر يقال سقى الله عباده الغيث وأسقاهم واستقيت فلانا إذا طلبت منه أن يسقيك، وفي " المطالع " يقال سقى وأسقى بمعنى واحد، وقرئ: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ [المؤمنون: ٢١] بالوجهين، وكذا ذكر الخليل سقى الله الأرض وأسقاها. وقال آخرون: سقيته ناولته ليشرب، وأسقيته جعلت له سقيا يشرب منه، ويقال سقيته بشفة وأسقيته لما سقيته لماشيته وأرضه، والاسم السقي بالكسر.
م: (قال أبو حنيفة ﵀: ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة) ، ش: وبه قال إبراهيم النخعي وأبو يوسف في رواية. وقال النووي: لم يقل أحد غير أبي حنيفة هذا القول.
قلت: هذا ليس بصحيح، وقد روى ابن أبي شيبة في " مصنفه " بسند صحيح وقال: حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم أنه خرج مع المغيرة بن عبد الله السقفي ليستسقي قال فصلى المغيرة فرجع إبراهيم حيث رآه يصلي، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁ قال ابن أبي شيبة: ثنا وكيع عن عيسى بن حفص بن عاصم عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي عن أبيه قال: خرجنا مع عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ليستسقي فما زاد على الاستغفار.
وقد تجرأ بعض المتعصبين بمن لا يبالي بما لا يترتب عليه في تعصبه بالباطل فقال: قال أبو حنيفة: إن صلاة الاستسقاء بدعة لما قال: ليست بسنة، ولا يلزم من نفي السنة إثبات البدعة؛ لأن عدم السنة يحتمل الجواز، ويحتمل الاستحباب، وفي المنافع مطلق الفعل لا يدل على كونه سنة.
م: (فإن صلى الناس وحدانا) ش: بضم الواو جمع واحد، كركبان جمع راكب، وانتصابه على الحال، أي منفردين، م: (جاز) ، ش: يعني لا يمنع، وفي " شرح مختصر الكرخي "، قال أبو حنيفة: إن صلوا وحدانا فلا بأس بها، وقال صاحب " الروضة ": يصلون وحدانا عنده، وفي " البدائع ": في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة لا صلاة بجماعة في الاستسقاء. وقال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عن الاستسقاء هل فيه صلاة بجماعة ودعاء مؤقت وخطبة، فقال: أما الصلاة بجماعة فلا، ولكن فيها الدعاء والاستغفار فإن صلوا وحدانا فلا بأس.
стр. 1485
وإنما الاستسقاء والدعاء والاستغفار
ــ
[البناية]
وفي " مختصر الكرخي ": السنة عند تأخر الغيث الاستغفار والصلاة في جماعة عنده ليست بمسنونة، ولو لم يخرج الإمام وأمر الناس بالخروج فلهم أن يخرجوا ولا يصلون جماعة إلا أن يأمر من يصلي بهم في جماعة، ذكره في " التحفة "، وإن خرجوا بغير إذنه جاز، لأنه لطلب الرزق والمنفعة فلا يتوقف على الإذن، إلا أنهم لا يصلون جماعة.
م: (وإنما الاستسقاء والدعاء والاستغفار) ، ش: الدعاء التضرع إلى الله تعالى والطلب منه، والاستغفار طلب المغفرة، وليس فيه دعاء مؤقت، وإنما روي عن ابن عباس ﵁ قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله....
. ثم قال: " اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا مريعا طبقا غدقا عاجلا غير رائث "، ثم ترك فما يأتيه أحد من الوجوه إلا قالوا قد أحيينا» رواه ابن ماجه، وذكره الشافعي في " الأم ".
وروى ابن عيينة بإسناده في غريب الحديث عن أنس «أنه ﷺ خرج للاستسقاء فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما وقرأ ما كان يقرأ في العيدين والاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] ، وفي الثانية بفاتحة الكتاب و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] فلما قضى صلاته استقبل القوم بوجهه وقلب رداءه، ورفع يديه وكبر تكبيرة قبل أن يستسقي، ثم قال: " اللهم اسقنا وأغثنا غيثا مغيثا وسقيا جدا طبقا غدقا مغدقا موسقا هنيئا مريئا مريعا سائلا مسيلا مجللا دائما دررا نافعا غير ضار عاجلا غير رائث، اللهم لتحيي به البلاد وتسقي به العباد وتجعله بلاغا للحاضر منا والباد، اللهم أنزل في أرضنا زينتها وأنزل علينا في أرضنا سكنها، اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورا فأحيي به بلدة ميتا واسقه مما خلقت إنسا وأنعاما وأناسي كثيرا» .
فقوله: " غيثا " أي مطرا. قوله: " مغيثا " بضم الميم من الإغاثة، وهي الإعانة. قوله: " هنيئا " هو الذي لا ضرر فيه. قوله: " مريئا " بالهمزة، وهو المحمود العاقبة المسمن للحيوان والمسمن له. قوله: " مريعا " بفتح الميم وكسر الراء من المراعاة، وهي الخصب، وروي " مربعا " بضم الميم وسكون الراء وكسر الباء الموحدة من الربيع، وروي " مرتعا " بالتاء المثناة من فوق من ماء يرتع فيه الإبل، ويروى بالثاء المثلثة بمعنى الأول.
قوله " طبقا " بفتح الطاء والباء الموحدة. قال الأزهري: هو الذي طبق الأرض والبلاد مطره كالطبق عليها. قوله: " غدقا " بفتح الدال. قال الأزهري: هو كثير الماء والخير. قوله: " غير رائث " أي غير بطيء. قوله: " حيا مقطورا " المطر العام، وكذلك " الجد " بالجيم وتخفيف الدال، والسابل بالباء الموحدة المطر.
стр. 1486
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] (نوح: الآية ١٠) ، ورسول الله ﷺ استسقى ولم ترو عنه الصلاة. وقالا يصلي الإمام ركعتين
ــ
[البناية]
م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] (نوح: الآية ١٠، ١١) ، ش: علق نزول الغيث بالاستغفار لا بالصلاة، فكان الأصل فيه الدعاء والتضرع دون الصلاة.
ولما روى البخاري ومسلم من طرق عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنه قال: «دخل المسجد يوم الجمعة رجل من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله ثم قال: يا رسول الله هلكت المواشي والأموال وانقطعت السبل فادع الله يغثنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: " اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا " قال أنس: فلا والله ما نرى من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال أنس: فلا والله ما رأينا الشمس سبعا، ثم دخل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائما، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: " اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر " قال: فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس» قال شريك: فسألت أنس بن مالك أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري، فقد استسقى رسول الله ﷺ ولم يصل له، وهو معنى قوله: م: (ورسول الله ﷺ استسقى ولم يرو عنه الصلاة) ش: يعني في هذا الحديث الذي ذكرناه، ونبه عليه بقوله: " ورسول الله ﷺ استسقى ولا يظن أن قوله ولم يرو عنه الصلاة على الإطلاق، فإنه رويت أحاديث كثيرة بأنه ﵇ صلى صلاة الاستسقاء على ما نذكره إن شاء الله تعالى في قوله نحو دار القضاء سميت دار القضاء لأنها بيعت في قضاء ابن عمر الذي كتبه على نفسه كبيت مال المسلمين، وهي ثمانية وعشرون ألفا من معاوية، وهي داره.
وإن قوله في هذا الحديث " لا قزعة " بفتح القاف والزاي قطعة من السحاب، و " السلع " بفتح السين المهملة وسكون اللام وبالعين المهملة جبل بالمدينة. قوله " حوالينا " أي اجعله حوالينا، يقال: رأيت الناس حوله وحواليه. و " الآكام " جمع أكمة وهو الرابية، وقيل المرتفع من الأرض، و " الظراب " بكسر الظاء المعجمة جمع الظرب، وهي الروابي والجبال الصغار.
م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد، م: (يصلي الإمام ركعتين) ش: وبه قال مالك والشافعي وأحمد، إلا أن عندهما ومالك يكبر، وعن أحمد لا يكبر، وعند الشافعي وأحمد في رواية يكبر كما في الجمعة والعيد، ثم إنه لم يذكر في ظاهر الرواية قول أبي يوسف مع محمد، وذكر عن محمد يصلي الإمام أو نائبه فيه ركعتين بجماعة، كما في العيد، وذكر في مواضع قول أبي
стр. 1487
لما روي أن النبي ﷺ صلى فيه ركعتين كصلاة العيد، رواه ابن عباس
ــ
[البناية]
يوسف مع أبي حنيفة، وكذا ذكره في " المبسوط "، وذكر في رواية بشر بن غياث مع محمد، وكذا ذكره الطحاوي مع محمد، وهو الأصح، والمرغيناني قال أبو حنيفة: ليس في الاستسقاء صلاة، وهو قول أبي يوسف. قال علاء الدين الكاشاني معناه بجماعة.
قال الولوالجي: فإن صلى عندهما لا يجهر بالقراءة، وعند محمد يجهر كصلاة الجمعة والعيدين وعن محمد في رواية لا يجهر، ذكرها في " القنية ".
وفي " البدائع " و " التحفة ": الأفضل أن يقرأ فيهما ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] في الأولى و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] في الثانية، كما ورد في العيدين ولا يكبر فيهما زوائد العيد في المشهور، ويكبر في رواية ابن كاس عن محمد، ذكرها القدوري في " شرحه "، وقال الشافعي: يكبر خمسا في الأولى وخمسا في الثانية. وقال النووي: والحديث فيه ضعيف.
م: (كصلاة العيدين) ش: يعني من حيث إنه يصلي بالنهار بالجمع ويجهر فيهما بالقراءة، ومن حيث إنه يصلي بلا أذان ولا إقامة، ولكن لا يكبر فيه التكبيرات الزوائد في العيد، ثم الاستسقاء لا يختص بوقت صلاة العيدين ولا بغيره ولا بيوم، وفي " تهذيب زوائد الروضة " قال أبو حامد والمحاملي: يختص بوقت صلاة العيد، قال: والصحيح أنه لا يختص بوقت كما لا يختص بيوم، وفي " المدونة " يصلي ركعتين ضحوة فقط، ولو اقتصر المصنف على قوله يصلي الإمام ركعتين ولم يذكر كصلاة العيد لكان أولى، لأن الشافعي احتج بقوله كصلاة العيد على أنه يكبر فيها تكبيرات التشريق، لأنه جاء مصرحا عن ابن عباس.
ورواه الحاكم والدارقطني والبيهقي «عن طلحة قال: أرسلني مروان إلى ابن عباس أسأله عن سنة الاستسقاء، فقال: سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين، إلا أن رسول الله ﷺ قلب رداءه فجعل يمينه على يساره، ويساره على يمينه وصلى ركعتين، كبر في الأولى سبع تكبيرات، وقرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وقرأ في الثانية ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] وكبر فيها خمس تكبيرات» قال الحاكم: هذا صحيح الإسناد.
وأجيب عنه: بأنه ضعيف، فإن فيه محمد بن عبد العزيز بن عمر، قال البخاري فيه: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث، ويقال: إنه معارض بحديث روي عن أنس، أخرجه الطبراني في " الأوسط «أن رسول الله ﷺ استسقى فخطب قبل الصلاة واستقبل القبلة، وحول رداءه، ثم نزل فصلى ركعتين لم يكبر فيهما إلا تكبيرة» .
م: (رواه ابن عباس) ، ش: أخرج الأئمة الأربعة رواية ابن عباس عن عبد الله بن كنانة قال: «أرسلني الوليد بن عقبة وكان أمير المدينة إلى ابن عباس أسأله عن استسقاء رسول الله ﷺ فقال: خرج رسول الله ﷺ مبتذلا متواضعا متضرعا حتى أتى المصلى فلم يخطب خطبتكم هذه، لكن
стр. 1488
قلنا فعله مرة وتركه أخرى فلم يكن سنة
ــ
[البناية]
لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد» وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأخرجه الحاكم في " مستدركه " وسكت عنه.
م: (قلنا: فعله مرة وتركه أخرى لم يكن سنة) ، ش: هذا جواب عن أبي حنيفة عن رواية ابن عباس التي احتجا بها، أي فعل النبي ﷺ ما ذكره من الصلاة في الاستسقاء مرة واحدة وترك مرة أخرى.
وقال الأكمل: قلنا: إن ثبت ذلك دل على الجواز، ونحن لا نمنعه، وإنما الكلام في أنها سنة أم لا، والسنة مواظبة النبي ﷺ ، وها هنا فعله مرة وتركه أخرى فلم يكن فعله أكثر من تركه حتى يكون مواظبة، فلا يكون سنة. انتهى.
قلت: فيه نظر من وجوه، الأول: قوله " إن ثبت ذلك " غير سديد، لأنه ثبت، نص عليه الترمذي كما ذكرنا عنه الآن.
والثاني: قوله " والسنة ما واظب النبي ﷺ " ليس كذلك، فإن النبي ﷺ إذا واظب على شيء يكون واجبا.
والثالث: وارد عليه وعلى المصنف أيضا، وهو قوله: فعله مرة، وتركه أخرى، فلم يكن فعله أكثر من تركه حتى يكون مواظبة، لأنه لم يدل الدليل على أنه فعله مرة.
وقال الأترازي في الجواب فيما ذهب إليه الشافعي في أنه يكبر في الاستسقاء كتكبيرات الزوائد من صلاة العيد أنه لم ينقل عن رسول الله ﷺ فيها التكبيرات كما نقلت في العيد.
قلت: هذا أيضا غير سديد، لأن ما ذكر الآن أنه ﷺ كبر كتكبيرات العيد في صلاة الاستسقاء، ولو اطلع عليه كأن يقول لأنه نقل، ولكنه ضعيف.
وقال الأكمل: فإن قيل كلام المصنف متناقض، لأنه قال أولا ولم يرو عنه الصلاة، ثم قال لما روي عنه فالجواب أن المروي لما كان شاذا فيما تعم به البلوى جعله كأنه غير مروي.
قلت: لا نسلم أن المروي شاذ، لأن الشاذ عند أكثر المحدثين أن يروي الراوي ما لا يرويه الثقات سواء خالفهم أو لا، والمروي رواه غير واحد من الصحابة منهم عم عباد بن تميم، قال: «خرج رسول الله ﷺ يستسقي وصلى ركعتين....» الحديث، رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، وعم عباد بن تميم هو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني.
стр. 1489
وقد ذكر في الأصل قول محمد وحده ويجهر فيهما بالقراءة اعتبارا بصلاة العيد، ثم يخطب لما روي أن النبي ﷺ خطب ثم هي كخطبة العيد عند محمد. وعند أبي يوسف ﵀ خطبة واحدة، ولا خطبة عند أبي حنيفة؛ لأنها تبع للجماعة ولا جماعة عنده.
ــ
[البناية]
ومنهم عائشة ﵂ قالت: «شكى الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر ... الحديث، وفيه فصلى ركعتين» رواه أبو داود. ومنهم ابن عباس وقد مضى حديثه عن قريب. ومنهم أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: «خرج النبي ﷺ يستسقي فصلى ركعتين
» الحديث، أخرجه ابن ماجه والطحاوي.
م: (وقد ذكر في الأصل) ، ش: أي في " المبسوط ". م: (قول محمد وحده) ، ش: أشار بهذا إلى أن الخلاف المذكور في صلاة الاستسقاء بين محمد وبين أبي حنيفة وبين أبي يوسف، كذا ذكره في " المبسوط " و " المحيط "، وذكر في " الأسرار " و " التحفة " أن محمدا مع أبي يوسف فيه، وأبو حنيفة وحده.
م: (ويجهر فيهما بالقراءة) ، ش: أي في ركعتي صلاة الاستسقاء م: (اعتبارا بصلاة العيد) ، ش: والجمعة، وعند محمد للجهر، ذكرها في " القنية " م: (ثم يخطب) ، ش: أي بعد الصلاة يخطب الإمام، م: (لما روي أنه ﵇ خطب) ، ش: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في " سننه " عن أبي هريرة ﵁ قال: «خرج رسول الله ﷺ يوما فاستسقى فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ودعا الله وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه، ثم قلب رداءه، فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن» ورواه البيهقي في " سننه "، وقال: تفرد به النعمان بن راشد عن الزهري. قال البخاري: هو صدوق، لكن في حديثه وهم كثير.
م: (ثم هي) ، ش: أي خطبة الاستسقاء، م: (كخطبة العيد عند محمد) ش: يعني يطمئن بخطبتين يفصل بينهما بجلسة، وبه قال الشافعي، م: (وعند أبي يوسف خطبة واحدة) ، ش: لأن المقصود منها الدعاء، فلا يقطعها بالجلسة، وفي " التحفة " بالجلوس بينهما روايتان عن أبي يوسف، م: (ولا خطبة عند أبي حنيفة، لأنها تبع للجماعة) ، ش: أي لأن الخطبة والتكبير باعتبار المذكور. وفي غالب النسخ لأنها على الأصل، م: (ولا جماعة عنده) ش: أي عند أبي حنيفة، به قال مالك وأحمد، وفي " الحلية " لم يذكر أحمد الخطبة لعدم النقل.
قلت: فيه نظر، لأن النقل موجود، وقال ابن عبد البر، وعلى الخطبة جماعة الفقهاء، وفيه أربع روايات، والرواية المشهورة أن فيها الخطبة.
والثانية: يخطب قبل الصلاة، روي ذلك عن عمر وابن الزبير وأبان بن عثمان وهشام بن
стр. 1490
ويستقبل القبلة بالدعاء لما روي «أنه ﷺ استقبل القبلة وحول رداءه»
ــ
[البناية]
إسماعيل وأبي بكر محمد بن عمر بن مخزوم، وذهب إليه الليث بن سعد وابن المنذر.
والثالثة: أنه سجدتان [و] الخطبة قبل الصلاة وبعدها.
والرابعة: أنه لا يخطب وإنما يدعو ويتضرع.
[الدعاء في صلاة الاستسقاء]
م: (ويستقبل القبلة بالدعاء لما روي أنه ﷺ استقبل القبلة) ش: لما روى أبو داود عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد أخبره «أن النبي ﷺ خرج إلى المصلى يستسقي وأنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة، ثم يحول رداءه» . وفي " المبسوط " و " المحيط " عن أبي يوسف إن شاء رفع يديه بالدعاء وإن شاء أشار بإصبعيه، لأن رفع اليد بالدعاء سنة، فإنه ﷺ كان يدعو بعرفات باسطا يديه كالمستطعم المسكين. وفي " النهاية " علم بهذا أن رفع اليدين في الأدعية كلها جائز سوى المواضع السبعة، لأن الاستسقاء غيرها، ولو أشار بظهر كفه إلى السماء يجوز، لما روى أنس ﵁ «أنه ﷺ استسقى وأشار بظهر كفه» .
وفي " شرح الوجيز " قال العلماء: وهذه السنة لمن دعا لدفع البلاء، وإذا سأل شيئا من الله يجعل باطن كفه إلى السماء، وكذا في " المبسوط ".
م: (وحول رداءه) ، ش: وفي بعض النسخ ويقلب رداءه، والتحويل أعم من التقليب وصفة ما قاله في " المبسوط " إن كان مربعا جعل أعلاه أسفله، وإن كان مدورا جعل الجانب الأيمن على الأيسر.
وفي " المحيط ": ما يمكن أن يجعل أعلاه أسفل جعل، وإلا جعل يمينه على يساره عند أبي يوسف. وفي الأسبيجابي، و " التحفة ": فإن كان أعلاه وأسفله واحدا كالطيلسان والخميصة حول يمينه على شماله، وشماله على يمينه. وروى محمد بن الحكم عن مالك أنه قال: جعل ما على ظهره منه على شماله يلي السماء، وما كان يلي السماء على ظهره، وبه قال أحمد وأبو ثور.
وفي " الذخيرة " للمالكية: والتحويل أن يأخذ يمينه ما على عاتقه الأيسر، ويمر من ورائه على الأيمن، وما على الأيمن على الأيسر.
وفي " المحيط " إنما قلب ﵇ رداءه ليكون أثبت على عمامته عند رفع يديه في الدعاء أو عرف بالوحي تغير الحال من الجدب إلى الخصب عند تغير الرداء، قلت: جاء ذلك مصرحا في " مستدرك " الحاكم من حديث جابر وصححه، وقيل وحول رداءه ليتحول القحط؛
стр. 1491
ويقلب رداءه لما روينا. قال ﵁: وهذا قول محمد أما عند أبي حنيفة ﵀ فلا يقلب رداءه لأنه دعاء فيعتبر بسائر الأدعية وما رواه كان تفاؤلا
ــ
[البناية]
وكذلك رواه الدارقطني في " سننه "، وفي " السؤالات " للطبراني من حديث أنس وقلب رداءه لكي يقلب القحط إلى الخصب، وفي " مسند " إسحاق بن راهويه لتتحول السنة من الجدب إلى الخصب، وذكره من قول وكيع.
م: (لما روينا) ، ش: أراد به قوله روي «أنه ﵇ استقبل القبلة وحول رداءه» - م: (قال ﵀) ، ش: أي قال المصنف، م: (وهذا قول محمد ﵀) ، ش: أي قلب الرداء قول محمد، وبه قال مالك والشافعي وأحمد والأكثرون، م: (أما عند أبي حنيفة فلا يقلب رداءه لأنه) ، ش: أي لأن الاستسقاء، م: (دعاء فيعتبر بسائر الأدعية) ، ش: وسائر الأدعية لا يقلب فيها الرداء فكذلك الاستسقاء ولم يذكر قول أبي يوسف، ونقله في " منتقى البخاري شرح المنظومة "، وفي " المبسوط " إذا مضى صدر خطبته قلب رداءه، ولم يحك خلافا في المرغيناني، ذكر قوله مع أبي حنيفة، وهكذا ذكره الحاكم، وذكر الكرخي مع محمد والطحاوي ذكره مع أبي حنيفة في موضع، ومع محمد في موضع.
وقال في " الذخيرة ": اختلف المتأخرون على قول أبي يوسف، وفي " جوامع الفقه " لم يذكر قلب الرداء إلا على قول أبي يوسف. وفي " المحيط " و " البدائع " و " التحفة " و " الفقيه " ذكر قوله مع محمد وفي " مبسوط " شيخ الإسلام ثم إذا دعي لا يقلب رداءه عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: يقلب رداءه.
واحتجوا بما روي من حديث عبد الله بن زيد، وقد مر عن قريب ووقت إليه بسبب عندنا عند مضي صدر الخطبة، وبه قال ابن الماجشون من المالكية، وفي رواية ابن القاسم بعد تمامها، وقيل قبل تمامها عند أصبغ، وقيل بين الخطبتين، وهذه الثلاثة عن مالك والمشهور عنه بعد تمامها، وبه قال الشافعي.
م: (وما رواه كان تفاؤلا) ، ش: أي وما رواه محمد من الحديث الذي احتج به كان لأجل التفاؤل ليقلب حالهم من الجدب إلى الخصب، فلم يكن لبيان السنة، وفي " المبسوط "، ولا تأويل لما رواه سوى أنه ﵇ يتفاءل بتغير الهيئة ليغير الهواء يعني ما كان عليه فغير اللهم الحال.
وفي الجنازية يحتمل أنه ﵇ يحول رداءه فأصلحه فظن الراوي أنه قلبه وفيه وجهان آخران ذكرناهما عن قريب، قيل في كلام المصنف نظر من وجهين، الأول: أنه تعليل في مقابلة النص وهو غير جائز. والثاني: أنه كان ينبغي أن يتأسى بالنبي ﵇ إن كان فعله تفاؤلا.
стр. 1492
ولا يقلب القوم أرديتهم، لأنه لم ينقل أنه ﷺ أمرهم بذلك
ــ
[البناية]
وأجيب عن الأول أنا لا نسلم أنه تعليل في مقابلة النص، بل هو من باب العمل بالقياس لتعارض النصين بالنفي والإثبات وذلك لأن ما احتج به محمد مثبت، وما احتج به أبو حنيفة ناف، وهو حديث أنس ﵁ «أن رجلا شكى إلى النبي ﵇ هلاك المال وجهد العيال، فدعا الله واستسقى» قال البخاري: ولم يذكر أنه حول رداءه، وفيه نظر لأن المصنف لم يذكر ما احتج به أبو حنيفة من الحديث، وإنما ذكر ما احتج به من القياس، ووجه النظر أنه عمل بالقياس مع وجود الحديث الصحيح.
وأجيب عن الثاني بأنه ﵇ يجوز أن يكون علم بالوحي أن الحال ينقلب إلى الخصب من قلب الرداء، وهذا مما لا يتأتى من غيره، فلا فائدة في التأسي ظاهرا فيما ينفيه القياس، وفيه نظر، لأنه لا يلزم أن يعلم الحكمة فيما فعله ﵇، حتى يأتي به فيه، وكيف يقال لا فائدة في التأسي ظاهرا، ومجرد التأسي عين الفائدة لوجود صورة الاتباع به ﵇، ولو كان في أمر غير واجب التأسي بفعل النبي ﵇ كيف يترك بالقياس، وهو في الدرجة الرابعة.
م: (ولا يقلب القوم أرديتهم) ، ش: لا يقلب بالتشديد، لأنه للتكثير بخلاف قوله - ويقلب رداءه - فإنه بالتخفيف والأردية جمع رداء، وعدم تقليبهم أرديتهم نحو قولنا قول سعيد بن المسيب وعروة والثوري والليث بن سعد وابن عبد الحكم وابن وهب من المالكية وعند مالك والشافعي وأحمد القوم كالإمام فيه، م: (لأنه لم ينقل أنه ﵇ أمرهم بذلك) ، ش: أي لأن الشأن لم ينقل أن النبي ﵇ أمر أصحابه بذلك، أي بتقليب الأردية حين كانوا معه في صلاة الاستسقاء.
قيل فيه نظر، لأنه استدلال بالمنع وهو غير جائز، لأنه احتجاج بلا دليل، وأجيب بأن الاستدلال بالنفي إنما لا يجوز إذا لم تكن العلة متعينة، أما إذا كانت فلا بأس به، لأن انتفاء العلة الشخصية تستلزم انتفاء الحكم، ألا ترى إلى قول محمد في ولد المغصوب أنه لا يضمن، لأن اسم المغصوب لم يرد عليه.
فإن قيل: إن القوم قلبوا أرديتهم حين قلب النبي ﵇ رداءه، ولم ينكر عليهم أجيب بأن قلبهم هذا كخلعهم النعل حتى رأوه ﵇ خلع نعليه، في صلاة الجنازة، فلم يكن ذلك حجة، فكذا هذا.
قلت: لقائل أن يقول لم ينقل عنه ﵇ أنه عرف ذلك منهم. بل الظاهر أنه لم يعرفهم، لأنه كان مستدبرا لهم، فإذا كان كذلك فلا يصح قياس ذلك على خلع النعال.
стр. 1493
ولا يحضر أهل الذمة الاستسقاء، لأنه لاستنزال الرحمة، وإنما تنزل عليهم اللعنة.
ــ
[البناية]
[حضور أهل الذمة الاستسقاء]
م: (ولا يحضر أهل الذمة الاستسقاء لأنه) ، ش: أي لأن الاستسقاء، م: (لاستنزال الرحمة) ، ش: أي لطلب نزول الرحمة، م: (وإنما تنزل عليهم اللعنة) ، ش: فلا يستجاب دعاؤهم، أي لطلب نزول الرحمة، قال تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤] [الرعد: ١٤] ، وهم أهل السخط واللعنة المطلوب ذلك، وهذا لا خلاف فيه بين أصحابنا ومنع أصبغ خروجهم دفعا للعنة عن شفعاء المسلمين، وبه قال الزهري والشافعي، ولم ير مكحول بخروجهم بأسا.
وقال إسحاق: ولا يؤمرون به ولا ينهون عنه، وجوز القاضي من المالكية والظاهرية والشافعي خروجهم منفردين إخفاء لشعارهم، ومنعه ابن حبيب كيلا يحصل السقي في يومهم فيفتن الناس، ولو خرجوا مع أنفسهم إلى بيعهم أو كنائسهم أو إلى الصحراء لم يمنعوا من ذلك، وفي " المرغيناني " يخرجون ثلاثة أيام، وفي " المحيط " و " البدائع " و " التحفة " متتابعات مشاة في ثياب خلق أو مرقعة أو غسيلة متذللين متواضعين منه ناكسي رءوسهم ويقدمون الصدقة في كل يوم قبل خروجهم.
وذكر النووي أنهم يصومون ثلاثة أيام ويدعون في يومهم الرابع، وفي " تهذيب زوائد الروضة " إذا تأخرت الإجابة، هل يخرجون من الغد؟ نقل المزني الجواز، وفي القديم الاستحباب، وفي خزانة الأكمل عن أبي يوسف أنه قال أحسن سماعنا فيه أن يصلي الإمام ركعتين جاهرا بالقراءة مستقبلا القبلة بوجهه قائما على الأرض دون المنبر متكئا على قوس يخطب بعد الصلاة بخطبتين، فإن خطب خطبة واحدة فحسن، فإذا مضى صدر خطبته حول رداءه، وفي " منية المفتي " إن اتكأ على عصى أو قوس كان حسنا، وفي الأسبيجابي: متنكبا قوسه، معناه يجعلها على منكبيه، قال وذكر الكرخي أنه يعتمد على قوسه، وفي " مختصر الكرخي " يعتمد على قوس أو سيف أو عصى، لأنه يعينه على طول القيام.
وفي " الذخيرة " للمالكية لا يخرج المنبر، ولكن يتوكأ على عصى، وأول من أحدث المنبر من طين عثمان ﵁، وفي " البدائع " ولا يصعد المنبر ولو كان في موضع الدعاء، وفي " الجواهر " يستحب أن يأمرهم الإمام قبلها بالقربة ورد المظالم وتحليل الناس بعضهم من بعض، لأن الذنوب سبب المصائب، وفي " الدراية " والمستحب أن يصلي صلاة الاستسقاء في مصلى العيد، ويستحب إخراج الأطفال، والشيوخ الكبار، والعجائز اللاتي لا هيئة لهن. وفي " المحيط " لا يخرج المنبر، بل يقوم الإمام والناس قعود، وإن أخرج لاستسقاء الإمام جاز.
стр. 1494
باب صلاة الخوف إذا اشتد الخوف جعل الإمام الناس طائفتين: طائفة إلى وجه العدو، وطائفة خلفه، فيصلي بهذه الطائفة ركعة وسجدتين،
ــ
[البناية]
[باب صلاة الخوف] [مشروعية صلاة الخوف وكيفيتها]
م: (باب صلاة الخوف) ش: أي هذا باب في بيان صلاة الخوف، والمناسبة بين البابين من حيث إنهما شرعا بالعارض لكن قدم الاستسقاء لأن العارض فيه سماوي وهو انقطاع المياه، وهاهنا اختياري وهو الجهاد الذي بسبب كفر الكافر.
م: (إذا اشتد الخوف جعل الإمام الناس طائفتين) ، ش: هذه العبارة للقدوري، والمصنف تبعه واشتداد الخوف ليس بشرط عند عامة العلماء من أصحابنا، فإنه جعل في " التحفة " و " المبسوط " و " المحيط " سبب جوازها نفس قرب العدو من غير ذكر الاشتداد، وفي " مبسوط شيخ الإسلام " المراد بالخوف حضرة العدو لا حقيقة الخوف، لأن حضرة العدو أقيم مقام الخوف، كما في تعلق الرخص بنفس السفر، فعلى هذا إذا رأوا سوادا فظنوا أنه العدو وصلوا صلاة الخوف، فإن بين أنه العدو فصلاتهم جائزة، وإن بين أنه سواد إبل أو بقر أو غنم فصلاتهم غير جائزة.
قوله - جعل الإمام الناس طائفتين - هذا إنما يحتاج إليه إذا تنازع القوم في الصلاة خلف إمام واحد، أما إذا لم يتنازعوا فالأفضل للإمام أن يجعل القوم طائفتين، فيصلي كل طائفة بإمام، فطائفة يقومون بإزاء العدو، وطائفة يصلي بهم إمامهم تمام صلاتهم ثم يقومون بإزاء العدو، ويصلي رجل من الطائفة التي كانوا بإزاء العدو صلاتهم تمامها.
م: (طائفة إلى وجه العدو) ، ش: ويجوز في طائفة النصب والرفع، أما النصب فعلى تقدير جعل طائفة، وأما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير أحدهما طائفة إلى وجه العدو، م: (وطائفة خلفه) ، ش: بالوجهين أيضا نحوه.
م: (فيصلي) ، ش: أي الإمام، م: (بهذه الطائفة) ، ش: وهم الذين جعلهم خلفه، م: (ركعة وسجدتين) ، ش: قيد بهذا احترازا عن قول بعض العلماء أنه إذا سجد سجدة واحدة سجد معه الصف الأول، ويحرسهم الصف الثاني من العدو، ثم يتأخر هذا الصف، ويتقدم الصف الثاني فيسجد بهم السجدة الثانية، ويحرسهم الصف الأول من العدو، ثم يصلي الركعة الثانية على هذا الوجه ويتشهد ويسلم بهم وتمسكوا بظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] [النساء: ١٠٢] قلنا: السجدة المطلقة تنصرف إلى الكامل المعهود وهو السجدتان.
فإن قلت: قوله - ركعة - كان يكفي، لأن الركعة يتم سجدة، ولم يحتج إلى ذكر السجدتين.
стр. 1495
فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية مضت هذه الطائفة إلى وجه العدو وجاءت تلك الطائفة فيصلي بهم الإمام ركعة وسجدتين وتشهد وسلم، ولم يسلموا وذهبوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الأولى فصلوا ركعة وسجدتين وحدانا بغير قراءة؛ لأنهم لاحقون وتشهدوا وسلموا ومضوا إلى وجه العدو وجاءت الطائفة الأخرى وصلوا ركعة وسجدتين بقراءة لأنهم مسبوقون وتشهدوا وسلموا
ــ
[البناية]
قلت: ذكر سجدتين تأكيدا لرفع هذا الاحتمال.
م: (فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية مضت هذه الطائفة) ، ش: وهم الذين صلى بهم ركعة وسجدتين، م: (إلى وجه العدو) ، ش: بحيث لا يلحقهم سهام العدو، م: (وجاءت تلك الطائفة) ، ش: وهم الذين كانوا واقفين تجاه العدو، م: (فيصلي بهم الإمام ركعة وسجدتين وتشهد وسلم ولم يسلموا) ، ش: لأنه بقيت عليهم ركعة وسجدتان، م: (وذهبوا إلى وجه العدو) ، ش: ويقفون تجاههم.
م: (وجاءت الطائفة الأولى) ، ش: وهم الذين صلى بهم أولا ركعة وسجدتين، م: (وصلوا ركعة وسجدتين وحدانا) ، ش: يعني منفردين، وانتصابه على الحال، م: (بغير قراءة) ، ش: يعني لا يقرءون، م: (لأنهم لاحقون) ، ش: واللاحق ليس عليه قراءة، م: (وتشهدوا وسلموا ومضوا إلى وجه العدو) ، ش: ويقفون تجاههم، م: (وجاءت الطائفة الأخرى وصلوا ركعة وسجدتين بقراءة؛ لأنهم مسبوقون) ، ش: وللمسبوق عليه القراءة، لأنه في حكم المنفرد فيما عليه من الصلاة.
م: (وتشهدوا وسلموا) ، ش: فتمت صلاة الطائفتين بهذا الوجه.
وقال مالك: إذا صلى بالطائفة الأولى ركعة وسجدتين وقف حتى تتم هذه الطائفة صلاتها ويسلموا قبل إمامهم ويذهبون إلى وجه العدو، وتأتي تلك الطائفة التي لم تصل فيصلي بهم الإمام الثانية وتسلم وتذهب إلى وجه العدو. وقول الشافعي وأحمد مثله، إلا أنه لا يسلم الإمام عندهما، بل يقف منتظرا حتى تتم الطائفة الثانية صلاتها فيسلم بهم.
وقال النووي: ثم إذا قام الإمام إلى الثانية يقرأ ويطيل القراءة حتى تأتي الطائفة الثانية ولا يعتد بهذه القراءة الطويلة، حتى إذا جاءت الطائفة الثانية يقرأ معها الفاتحة وسورة قصيرة في أحد القولين، وهو في " الإملاء "، وقال في إمام لا يقرأ بل يسبح ويذكر الله حتى تأتي الطائفة الثانية، والطائفة الثانية إذا صلى بهم الركعة الثانية فارقوه ليتموا الركعة الباقية عليهم ولا ينوون مفارقته.
واتفقوا على أن الطائفة الأولى إذا صلت الركعة الأولى مع الإمام تنوي مفارقة الإمام وتمت صلاتها وتذهب إلى وجه العدو، وفي " المستصفى " للشافعية ثلاثة أقوال في قول مثل قولنا، وفي قول يصلي بالطائفة التي معه تمام الصلاة ثم تجيء الطائفة الأخرى فصلى بهم مرة أخرى، فإن عنده اقتداء المفترض بالمتنفل جائز، وفي قول وهو المشهور منه يصلي بالطائفة الأولى ركعة
стр. 1496
والأصل فيه رواية ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف على الصفة التي قلنا
ــ
[البناية]
فيقوم ويقف ولا يقرأ، ويمد القيام في انتظار الطائفة الأخرى كذا ذكره المزني، ويصلي بهذه الطائفة تمام صلاتهم، لكن ينبغي أن ينووا مفارقته ويسلمون حتى تجيء الطائفة الأخرى، فيصلي بهم ركعة ولا يسلم، بل يمكث جالسا حتى تصلي هذه الطائفة تمام صلاتهم من غير نية المفارقة، ثم يسلم الإمام ويسلمون معه، كذا في خلاصتهم والوجيز.
وقال أبو بكر بن العربي في " العارضة ": قد رويت عن النبي ﵇ في صلاة الخوف روايات كثيرة، أصحها ست عشرة رواية مختلفة، وفي " القبس شرح الموطأ "، صلاها رسول الله ﵇ أربعا وعشرين مرة، وذكر بعضهم أنه ﵇[صلاها] في عشرة مواضع.
والذي استقر عند أهل السير والمغازي أربعة مواضع؛ ذات الرقاع عند البخاري ومسلم، عن سهل بن حثمة، وبطن نخلة عند النسائي عن جابر ﵁ وعسفان عن أبي داود والنسائي عن جابر أيضا. وذي قرد عن النسائي عن ابن عباس ﵄.
وروى الواقدي في " المغازي " حديث سعيد بن عثمان عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله قال: أول ما صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف [في] غزوة ذات الرقاع، ثم صلاها بعد بعسفان بينهما أربع سنين، قال الواقدي: وهذا عندنا أثبت من غيره، قيل وأغربها ما رواه مسلم عن جابر ﵁ أنه ﵇ صلى بكل طائفة ركعتين، فكانت للنبي ﵇ أربعا ولهم ركعتان ركعتان.
ومن أغربها ما رواه أبو داود عن حذيفة بن اليمان ﵁ «أنه ﵇ صلى بكل طائفة ركعة ثم يسلم ولم يقضوا» . وروي عن ابن عباس والحسن وإسحاق بن راهويه أن صلاة الخوف ركعة، ونقل عن جابر ﵁ وطاوس والضحاك مثله، لكن نقل أبو حامد عن هؤلاء أن الفرض على الإمام ركعتان، وعلى المأمومين ركعة والذي نقله الجمهور عنهم أن الواجب على الكل ركعة.
قال النووي: مذهب العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن الخوف لا يوجب القصر، وقال الأسبيجابي: الخوف لا يوجب قصر الصلاة، ويجوز المشي والانتقال، وقال الحسن البصري: يصلي الإمام المغرب ستا والقوم ثلاثا.
م: (والأصل فيه) ش: أي في هذا الباب م: (رواية ابن مسعود ﵁ «أن النبي ﵇ صلى صلاة الخوف» على الصفة التي قلنا) ش: يعني أنه جعل الناس طائفتين، طائفة خلفه وطائفة في وجه العدو إلى آخر ما ذكرناه، وحديث ابن مسعود رواه أبو داود، وحدثنا عمران
стр. 1497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
ابن مسيرة، ثنا ابن فضيل، ثنا خصيف عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود، قال: «صلى رسول الله ﵇ صلاة الخوف فقاموا صفا خلف رسول الله ﵇ وصفا يستقبل العدو، فيصلي بهم النبي ﵇، ثم جاء الآخرون فقاموا مقامهم واستقبل هؤلاء العدو فصلى بهم النبي ﵇ ركعة، ثم سلم فقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا ثم ذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبل العدو، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا» .
وروى البيهقي أيضا، وقال أبو عبيدة: لم يسمع من أبيه، وخصيف ليس بالقوي.
قلت: أبو عبيدة اسمه عامر بن عبد الله ثقة، أخرج له البخاري محتجا به في غير موضع. وروى له مسلم وغيره، وخصيف بضم الخاء المعجمة ابن عبد الرحمن وثقه أبو زرعة، وابن مغيرة وابن سعد. وقال النسائي: صالح.
وفي " المبسوط " روى سالم عن ابن عمر «أنه ﵇ صلى بالطائفتين» كما روى ابن مسعود ﵁.
قلت: حديث ابن عمر أخرجه الأئمة الستة في كتبهم، واللفظ للبخاري - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، قال: «غزوت مع رسول الله ﵇ قبل نجد فوازينا العدو فصاففنا لهم فقام رسول الله ﷺ يصلي بنا فقامت طائفة معه، فصلى وأقبلت طائفة على العدو وركع رسول الله ﵇ بمن معه وسجد سجدتين ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل، فجاءوا فركع رسول الله ﵇ بهم ركعتين وسجد سجدتين ثم سلم، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه وسجد سجدتين» وقال القرطبي في شرح مسلم: والفرق بين حديث ابن عمر وحديث ابن مسعود أن في حديث ابن عمر كان قضاؤهم، في حالة واحدة، ويبقى الإمام كالحارس وحده. وفي حديث ابن مسعود كان قضاؤهم متفرقا عل صيغة صلاتهم.
واستدل السروجي لأصحابنا بحديث ابن عمر هذا، وفي حديث ابن عمر لم يذكر كيفية قضائهم، فحمل على تفسير ابن مسعود، فإنه نص في الكيفية، وهكذا نص أشهب من المالكية على تفسيره، واختاره موافقا لمذهبهم، وقال ابن حبيب: قضوا معا، وهو باطل.
واحتج الشافعي وأحمد بحديث صالح بن خوات بن جبير عن سهل بن أبي حثمة «أنه ﵇ صلاهما» كمذهبهما، في غزوة ذات الرقاع في صحيحي البخاري ومسلم، ورواه مالك مرفوعا، ورجح موقوفه على سهل بن أبي حثمة على مرفوعه، [....
..] ،
стр. 1498
وأبو يوسف وإن أنكر شرعيتها في زماننا فهو محجوج عليه بما روينا
ــ
[البناية]
وقال النووي: صالح تابعي، وخوات صحابي، وذات الرقاع بكسر الراء موضع قبل نجد من أرض غطفان، وقيل سميت باسم شجر هناك، وقيل اسم جبل فيه بياض وحمرة وسواد، وقيل: الرقاع كانت في ألويتهم. وقال النووي: ولو فعل [....
..] رواية ابن عمر، ففي صحته قولان، والصحيح المشهور صحته، وقال الغزالي: قال بعض أصحابنا بعيد. وقال النووي أيضا: وغلط في شيئين، أحدهما نسبته إلى بعض الأصحاب، بل نص عليه الشافعي في الجديد وفي الرسالة، والثاني تضعيفه.
قلت: هم يقولون قال الشافعي إذا صح الحديث فهو مذهبي، وأي شيء يكون أصح من حديث ابن عمر، وقد خرجته الجماعة. وقال الغزالي في " الوسيط ": له رواية خوات بن جبير وهو غلط، وإنما الراوي ابنه صالح عن سهل حيثما خرجه الشيخان. وجعل المازري حديث ابن عمر قول الشافعي وأشهب، وحديث جابر قول أبي حنيفة ﵁ هكذا في العلم وهو سهو فيهما، ثم قال: ولا معنى للأخذ به إلا إذا كان العدو بينهم وبين القبلة.
قلت: بل أخذ أبو حنيفة ﵁ وأصحابه وأشهب برواية ابن عمر والشافعي برواية سهل بن أبي حثمة. وقال القدوري في " شرح مختصر الكرخي " وأبو نصر البغدادي في " شرح مختصر القدوري " الكل جائز، وإنما الخلاف في الأولى، ثم الركوب في حالة الذهاب والمجيء، إذا كانوا نزولا، ولا يجوز بأن كان قريبا من العدو.
وفي " التحفة " فإن انصرفوا ركبانا لا تصح صلاتهم سواء كانوا من القبلة إلى العدو أو من العدو إلى القبلة، وهو جواب ظاهر الرواية عن أصحابنا. وفي " المرغيناني " إن ركب واحد منهم عند انصرافه إلى العدو فسدت صلاته، وفي " المبسوط " من ركب منهم عند انصرافه إلى وجه العدو فسدت صلاته، لأن الركوب عمل كثير، بخلاف المشي إلى العدو للضرورة.
م: (وأبو يوسف وإن أنكر شرعيتها في زماننا فهو محجوج عليه بما روينا) ش: الكلام هنا في موضعين. الأول: في معنى التركيب، وهو أن قوله وأبو يوسف..إلخ جملة معطوفة على ما قبلها، لأن قوله أبو يوسف مبتدأ وخبره الجملة، أعني قوله فهو محجوج عليه بما روينا ودخول الفاء فيها لتعلق الجملة الشرطية بالمتبدأ، والواو في قوله وإن أنكر عطف على مقدر تقدير الكلام: وأبو يوسف لم ينكر شرعية صلاة الخوف وإن أنكر فهو محجوج عليه بما روينا، ولكن كلامه لا يخلو عن نظر، لأن أبا يوسف لم ينكر مشروعية صلاة الخوف في زمان الرسول حتى يكون حديث ابن مسعود حجة عليه، لأن مراده بما روينا هو حديث ابن مسعود ﵁ الذي قال والأصل فيه رواية ابن مسعود بل يمكن أن يقال هو محجوج عليه بأحاديث مذكورة في غير هذا الموضع:
стр. 1499
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
منها: حديث سعيد بن العاص، رواه أبو يعلى وأبو داود [....
..] ثنا يحيى عن سفيان حدثني الأشعث بن سليم عن الأسود بن هلال «عن ثعلبة بن زهدم، قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقام فقال: أيكم صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا وأخرجه أيضا النسائي،» وسعيد بن العاص كان عثمان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - استعمله على الكوفة وغزا بالناس بطبرستان ففتحها، وهي بلاد كثيرة المياه والأشجار شرقي كيلان.
ومنها: ما رواه أبو داود وغيره عن عبد الرحمن بن سمرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا عبد الصمد بن حبيب قال: أخبرني أبي أنهم غزوا مع عبد الرحمن بن سمرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كابل، فصلى بنا صلاة الخوف، وكابل بضم الباء الموحدة ناحية من ثغور طخارستان متاخم للهند.
ومنها: ما رواه البيهقي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنه صلاها بصفين وغيرها، وقال: ويذكر جعفر بن محمد بن أبيه أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - صلى المغرب صلاة الخوف ليلة الهرير.
ومنها: ما رواه أيضا من طريق قتادة عن أبي العالية عن أبي يوسف أنه صلى صلاة الخوف، فهؤلاء الصحابة ﵃ أقاموها بعد النبي ﵇ من غير إنكار أحد، فحل محل الإجماع.
١ -
الموضع الثاني: أن العلماء اختلفوا في مشروعية صلاة الخوف بعد رسول الله ﵇ فالجمهور على مشروعيتها، وذهب الحسن بن زياد اللؤلؤي والمزني وأبو يوسف في رواية أنها غير مشروعة الآن، أما الحسن فالحجة عليه ما ذكرنا من حديث حذيفة مع سعيد بن العاص، وأما المزني فعلل بالنسخ في زمان النبي ﵇ حيث أخرها يوم الخندق، وهو مردود بما روي عن هؤلاء الصحابة ويوم الخندق متقدم على المشهور، فكيف ينسخ المتأخر، ذكره النووي وغيره.
وأما أبو يوسف فإنه علل بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] [النساء: ١٠٢] ، فقد شرط كونه ﵇ فيهم لإقامتها، ولأن الناس كانوا يرغبون في الصلاة خلفه ما لا يرغبون خلف غيره، فشرعت بصفة الذهاب والمجيء على خلاف القياس، لينال كل فريق فضيلة الصلاة خلفه، وقد ارتفع هذا المعنى بعده، فلا يجوز أداؤها بصفة الذهاب والمجيء.
стр. 1500
فإن كان الإمام مقيما صلى بالطائفة الأولى ركعتين وبالطائفة الثانية ركعتين
ــ
[البناية]
وأجاب الجمهور في الرد عليه بما فعله الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بعده ﵇ وأن سببها الخوف، وهو يتحقق بعده ﵇، كما في حياته، ولم يكن ذلك دليلا لنيله فضيلة الصلاة خلفهن لأن ترك المشي وترك الاستدبار فريضة، والصلاة خلفه فضيلة فلا يجوز ترك الفريضة لإحراز الفضيلة، ثم الآن يحتاجون إلى فضيلة تكثير الجماعة، فإنها كلما كانت أكثر كانت أفضل.
ومعنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] ... إلخ، أنت أو من يقوم مقامك في الإقامة، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] [التوبة: ١٠٣] ، وقد يكون الخطاب للنبي ﷺ ولا يختص به كما هو في قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] (الطلاق: الآية١) كذا في " المحيط "، و " المبسوط " مع أن الأصل عندنا أن تعليق الحكم بالشرط لا يوجب عدمه عند عدم الشرط، بل هو موقوف على قيام الدليل، وقد قام الدليل، وهو فعل الصحابة بعد وفاته ﵇ على وجود الحكم، أو نقول لما جاز للنبي ﵇ بعذر فجاز لغيره بذلك العذر، كصلاة المريض.
ثم اختلف الأصحاب في نقل هذا القول عن أبي يوسف فقال في " المبسوط "، و " ملتقى البحار " إنه قوله الثاني وقد رجع إليه، وفي " المحيط " و " زيادات الشهيد "، وفي " المرغيناني " أطلقت الرواية عنه من غير تعرض إلى كونه قوله الأول والثاني، وفي " المفيد " و " المزيد " و " شرح مختصر الكرخي " و " شرح مختصر القدوري " لأبي نصر البغدادي أن هذا قوله الأول وقد رجع عنه، ثم اعلم أن الخوف لا يؤثر في نقصان عدد الركعات إلا عند ابن عباس والحسن البصري وطاوس، حيث قالوا: إنها ركعة، وقد ذكرناه.
م: (فإن كان الإمام مقيما صلى بالطائفة الأولى ركعتين، وبالطائفة الثانية ركعتين) ش: وإنما اختص الإمام لأنه لو كان مقيما تصير صلاة من اقتدى به أربعا، ولأن الإمام هو الخليفة أو السلطان، وفي الأداء يعبتر نيته لا نية الجند، وبقولنا قال الشافعي وأحمد ومالك في المشهور، وعن مالك لا تجوز صلاة الخوف في الحضر، وقال أصحابه يجوز، خلافا لابن الماجشون، فإنه قال: لا يجوز. ونقل النووي عن مالك عدم جوازها في الحضر على الإطلاق غير صحيح، فإن المشهور عنده الجواز كما ذكرنا، وقال ابن حزم: يصلي في الحضر بكل طائفة أربع ركعات، وفي المغرب يصلي بكل طائفة ثلاثا.
والثانية للإمام تطوع، ولو جعلهم في العصر أربع طوائف يصلي بكل طائفة ركعة فسدت صلاة الطائفة الأولى والثانية، لأنها انصرفت في غير أوان الانصراف، فلا مرخص لها فيه، وصحت صلاة الثالثة، والرابعة.
стр. 1501
لما روي «أنه ﷺ صلى الظهر بالطائفتين ركعتين ركعتين»
ــ
[البناية]
أما الثالثة: فلأنها من الطائفة الأولى لإدراكها الشفع الأول، فقد انصرفت في أوانه.
وأما الرابعة: فلأنها من الطائفة الثانية لأنها أدركت الشفع الثاني فقد انصرفت أيضا في أوانه.
[ما يفعل المسبوق في صلاة الخوف] ١
ومن صلى صلاته ثم قام يقضي ما فاته خلف الإمام يقرأ فيما سبق، لأنه منفرد فلا يقرأ فيما لحق، لأنه خلف الإمام حكما، وتقدم ما لحق على ما سبق، وإذا لم يقرأ اللاحق يقف بقدر قراءة الإمام، وإن وقف أقل أو أكثر فلا بأس به، وفي " المنافع " يقوم بقدر ما يطلق عليه اسم القيام. وقال النووي في " شرح المهذب ": إذا صلى بكل فرقة ركعة وانتظر فراغها، ويجيء التي بعدها، ففي جوازها قولان، ويبنى عليها صحة صلاة الإمام، ووجه البطلان زيادة الانتظار.
وفي " المغني " لابن قدامة: لا تصح صلاة الأولى والثانية، لأنهما فارقتاه بعذر، وبطلت صلاة الثالثة والرابعة إذا علمنا ببطلان صلاتهما، وفي " المرغيناني ": لو كان الإمام مسافرا والقوم مقيمين، صلى بالطائفة الأولى التي معه ركعة، فانصرفوا إلى جهة العدو، وصلى بالطائفة الثانية ركعة وسلم، ثم جاءت الطائفة الأولى، فصلى ثلاث ركعات بغير قراءة، أما الركعة الثانية فلا شك في أنهم لا يقرءون فيهما لأنهم خلف الإمام حكما، وفي الآخرتين منفردين فيهما، وذكر الحسن في " المجرد " أنهم يقرءون فيهما.
وذكر السرخسي بأن المقيم خلف المسافر لا تلزمه القراءة فيما يقضي رواية واحدة، وإن كان القوم فيهم مسافرا أيضا يصلي بالأولى ركعة، فمن كان مسافرا بقي له ركعة، ومن كان مقيما بقي له ثلاث ركعات، ثم ينصرفون إلى جهة العدو وترجع الطائفة الأولى إلى مكان الإمام، فمن كان منهم مسافرا يصلي ركعة بغير قراءة، ومن كان مقيما يصلي ثلاثا بغير قراءة في ظاهر الراوية وفي رواية الحسن يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب، ولا يقرأ في الأولى، فإذا أتمت الطائفة الأولى صلاتها ذهبت إلى وجه العدو، وتجيء الثانية إلى مكان صلاتها، فمن كان منهم مسافرا يصلي ركعة بقراءة، ومن كان مقيما يصلي ثلاث ركعات، الأولى بفاتحة الكتاب وسورة والأخريين بفاتحة الكتاب على الروايات كلها. م: (لما روي «أنه ﵇ صلى الظهر بالطائفتين ركعتين ركعتين» ش: هذا الحديث رواه مسلم «عن جابر ﵁، قال: أقبلنا على رسول الله ﵇ حتى إذا كنا بذات الرقاع.. الحديث وفيه: ثم نودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان، وليس فيه ذكر الظهر» وهو عند أبي داود وأخرجه بسند صحيح عن الحسن عن أبي بكر. قال: «صلى النبي ﵇ في خوف الظهر، فصلى بعضهم خلفه، وبعضهم
стр. 1502
ويصلي بالطائفة الأولى من المغرب ركعتين وبالثانية ركعة واحدة،
ــ
[البناية]
بإزاء العدو، فصلى ركعتين، ثم سلم فانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلوا خلفه، فصلى بهم ركعتين ثم سلم، فكانت لرسول الله ﷺ أربعا، ولأصحابه ركعتين ركعتين» .
واعلم أن هذا الحديث صريح في أنه ﵇ سلم في ركعتين، وحديث جابر ليس صريحا فلذلك حمله بعضهم على حديث أبي بكرة، ومنهم النووي، ومنهم من لم يحمله عليه، ومنهم القرطبي، وقال المنذري في " مختصره ": قال بعضهم: كان النبي ﵇ في بعض سفر غير حكم سفر وهم مسافرون. وقال بعضهم: هذا خاص بالنبي ﵇ لفضيلة الصلاة خلفه، وقيل: فيه دليل على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل واعترض بأنه ﵊ لم يسلم في الفرض كما في حديث جابر ﵁ وقيل: إنه ﵊ كان مخيرا بين القصر والإتمام في السفر، فاختار الإتمام واختار لمن خلفه القصر. وقال بعضهم: كان في حضر ببطن نخلة على باب المدينة، وكان خائفا فخرج منه محترسا. وقيل قد يتقوى هذا بحديث أخرجه البيهقي في " المعرفة " من طريق الشافعي: أخبرنا الفقيه ابن علية أو غيره عن يونس عن الحسن عن جابر «أن النبي ﵇ كان يصلي بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطن نخلة فصلى بطائفة ركعتين، ثم سلم. ثم جاءت طائفة أخرى فصلى بهم ركعتين ثم سلم» . وأخرج الدارقطني عن عتيبة عن الحسن عن جابر «أن النبي ﵇ كان محاصرا يحارب فنودي بالصلاة، فذكره نحوه» والأول أصح إلا أن فيه شائبة الانقطاع، قال: شيخ الشافعي مجهول.
وأما الثانية ففيه عيينة بن سعيد القطان الواسطي ضعفه غير واحد وقيل لم يحفظ عن النبي ﵇ أنه صلى صلاة الخوف قط في حضر، ولم يكن له حرب قط في حضر إلا يوم الخندق، ولم تكن آية الخوف نزلت بعد، ولما ذكر الطحاوي حديث أبي بكرة المذكور، قال محمد: إن يكن ذلك كان وقت كانت الفريضة تصلى مرتين، فإن ذلك كان يفعل أول الإسلام، حتى نهي عنه، ثم ذكر حديث ابن عمر «أن النبي ﵇ نهى أن يصلى فريضة في يوم مرتين» قال: والنهي لا يكون إلا بعد الإباحة.
م: (ويصلي بالطائفة الأولى، ركعتين من المغرب، وبالثانية ركعة واحدة) ش: وهذا قول عامة أهل العلم. وقال الثوري: يصلي بالطائفة الأولى ركعة، وبالثانية ركعتين، وهو أحد قولي الشافعي، وأصحهما الأول، وصلاها هكذا علي ﵁ ليلة الهرير، بفتح الهاء وكسر الراء من ليالي صفين، سميت بذلك لأنهم كانت لهم هرير عند حمل بعضهم على بعض،
стр. 1503
لأن تنصيف الركعة الواحدة غير ممكن فجعلها في الأولى أولى بحكم السبق، ولا يقاتلون في حال الصلاة، فإن فعلوا بطلت صلاتهم؛
ــ
[البناية]
وذكر شيخ الإسلام، وقال الشافعي: الإمام في المغرب بالخيار إن شاء صلى مثل مذهبنا، وإن شاء صلى مثل مذهب الثوري، فلو أخطأ الإمام فصلى الأولى ركعة، وبالثانية ركعتين جازت صلاة الإمام، لأنه لم يبرح مكانه.
وقال سحنون: فسدت صلاته، لأنه ترك سنتها، وهو قول الشافعي، وفسدت صلاة الطائفتين، أما الطائفة الأولى فلأنهم انصرفوا في غير أوان انصرافهم وهو مفسد لوجود المشي من غير حاجة، وأما الطائفة الثانية فلأنهم في الأولى لإدراكهم الشطر الأول وقد انصرفوا بعد الثالثة وهو أوان عودهم إليها، فانصرافهم مفسد للإعراض عن العبادة من غير حاجة وعودهم إليها لا يفسد للإقبال على الطاعة، ولو جعلهم ثلاث طوائف، فصلى بالأولى ركعة فانصرفوا، وبالثانية الثانية فانصرفوا، وبالثالثة الثالثة فصلاة الطائفة الأولى فاسدة وصلاة الثانية جائزة ويقضون ركعتين بقراءة والثالثة بغير قراءة لأنه لا حق فيها، والأولى بقراءة لأنه مسبوق فيها، ولو أنه صلى بثلاث طوائف بكل طائفة ركعة، فصلاة الإمام تامة، وصلاة الطائفة الأولى فاسدة، وصلاة الطائفة الثانية والثالثة صحيحة.
م: (لأن تنصيف الركعة الواحدة غير ممكن) ش: تعليل لما قبله، وتقرير هذا أن الأصل إن صلى الإمام بكل طائفة شطر الصلاة وشطر المغرب ركعة ونصف، فيثبت حق الطائفة الأولى في نصف ركعة وتنصيفها غير ممكن، لأنها لا تتجزأ، فيثبت حقهم في كلها م: (فجعلها في الأولى أولى بحكم السبق) ش: هذا كأنه جواب عن سؤال مقدر، تقديره أن يقال إذا كان الأمر كذلك فما وجه تخصيص الطائفة الأولى بركعتين، فأجاب بقوله فجعلها، أي جعل الركعة الواحدة التي هي الركعة الثانية في الأولى، أي في الطائفة الأولى أحق بحكم السبق، وفيه مدرك آخر وهو أن الركعة الثانية أعطيت حكم الركعة الأولى في وجوب القراءةوضم السورة والجهر بالقراءة دون الركعة الثالثة، والطائفة الأولى هي المختصة بالركعة الأولى دون الطائفة الثانية.
م: (ولا يقاتلون في حال الصلاة) ش: وبه قال ابن أبي ليلى، وقال الشافعي: يقاتلون وعليهم الإعادة. وقال ابن سريج: لا إعادة عليهم، وفي " الغاية " وللشافعية ثلاثة أوجه: الأول: تبطل، رجحه صاحب المهذب والبندنيجي، ووافقهما في الترجيح كثير من العراقيين.
الثاني: لا تبطل، الثالث: إن كرر في شخص تبطل. وقراءة الحاضر في " اشتراط الجواهر " للمالكية في صلاة المسابقة خوف فوات الوقت وجوازها مع القتال والمطاردة، واختاره ابن المنذر.
م: (فإن فعلوا) ش: أي فإن فعلوا القتال في الصلاة م: (بطلت صلاتهم) ش: وقال الشافعي
стр. 1504
لأنه ﷺ شغل عن أربع صلوات يوم الخندق، ولو جاز الأداء مع القتال لما تركها
ــ
[البناية]
ومالك: ولا تبطل لظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] [١٠٢ النساء] ، والأمر بأخذ السلاح لا يكون إلا للقتال، ولهذا يجب أخذ السلاح في صلاة الخوف عند الشافعي في قول إن كان في وضعه خطر، وإن كان الظاهر السلامة يستحب، وبه قال أحمد وداود.
واحتج المصنف لأصحابنا بقوله م: (لأنه ﵇ شغل عن أربع صلوات يوم الأحزاب ولو جاز الأداء مع القتال لما تركها) ش: أي لما ترك أربع صلوات مع القتال، وفيه نظر، لأن صلاة الخوف ما شرعت بعد يوم الأحزاب.
فإن قلت: روي عن ابن إسحاق والواقدي أن غزوة ذات الرقاع كانت قبل غزوة الخندق، وقد صلى رسول الله ﵇ صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، وقال الأترازي: فثبت أن صلاة الخوف كانت شرعت قبل الخندق، فلما ترك رسول الله عليه الصلاة السلام يوم الخندق لأجل القتال، دل أن القتال يمنع الصلاة.
قلت: قال البيهقي: لا حجة لهم، لأن صلاة الخوف إنما شرعت بعد الخندق، وقد جاء التصريح في طريق الحديث، بأن صلاة يوم الأحزاب كانت قبل نزول صلاة الخوف، رواه النسائي في سننه وابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما، والبيهقي في سننه والشافعي وأبو يعلى والدارمي في مسانيدهم كلهم عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري «عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: جئنا يوم الخندق، فذكره إلى أن قال: وذلك قبل أن ينزل ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] [البقرة: ٢٣٩] » .
١ -
وقال القاضي عياض في " الشفاء ": والصحيح أن حديث الخندق كان قبل نزول الآية فهي ناسخة، ويمكن أن يعتذر عن المصنف في احتجاجه بالحديث المذكور بأنه اعتد ما روي عن الواقدي، لأن هذا مختلف فيه، فعن هذا قال النووي: قيل إنها أي أن صلاة الخوف شرعت في غزوة ذات الرقاع، وهي سنة خمس من الهجرة. وقيل: إنها شرعت في غزوة بني النضير، والحديث المذكور تقدم في باب قضاء الفوائت ويوم الأحزاب هو يوم حفر الخندق في المدينة، والأحزاب هم الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] [الأحزاب: الآية١٠] وذلك أن أهل مكة جمعوا الأعراب وأتوا المدينة من فوق الوادي من قبل المشرق بنو غطفان، ومن أسفل الوادي من قبل المغرب قريش فتحزبوا وقالوا: سنكون جملة واحدة حتى نناضل محمدا، فأرسل الله عليهم ريح الصبا في ليلة شاتية فسفت التراب في وجوههم وقلعت الملائكة الأوتاد وقطعت الأطناب، وأطفئت النيران وأكفئت القدور، وماجت الخيل بعضها في بعض، وقذف في قلوبهم الرعب، وكبرت الملائكة في جوانب عدتهم فانهزموا من غير قتال.
стр. 1505
فإن اشتد الخوف صلوا ركبانا فرادى يومئون بالركوع والسجود إلى أي جهة شاؤوا إذا لم يقدروا على التوجه إلى القبلة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] (البقرة: الآية ٢٣٩] ، وسقط التوجه للضرورة. وعن محمد ﵀ أنهم يصلون بجماعة، وليس بصحيح لانعدام الاتحاد في المكان
ــ
[البناية]
وحين سمع رسول الله ﷺ بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة - أشار عليه بذلك سلمان الفارسي ﵁ واشتد الخوف، وظن المؤمنون كل الظن، وقال بعض المنافقين كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر، ولا يقدر أن يذهب إلى الغائط، وكانوا ثم قريبا من شهر حتى أنزل الله النصر، وذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ [الأحزاب: ٩] أي ريح الصبا ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩] أي جنود الملائكة، إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥] [الأحزاب: ٢٥] أي بالريح والملائكة، قال ﵇: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» .
م: (فإن اشتد الخوف) ش: يعني إذاكان الخوف أشد من الأول، بحيث لا يتهيأ لهم النزول عن الدابة لأجل هجوم العدو عليهم م: (صلوا ركبانا) ش: أي حال كونهم راكبين م: (فرادى) ش: أي منفردين م: (يومئون بالركوع والسجود إلى أي جهة شاؤوا) ش: ويجعلون السجود أخفض من الركوع م: (إذا لم يقدروا على التوجه إلى القبلة) ش: هذا قيد إلى قوله إلى أي جهة شاؤوا.
وفي " الذخيرة ": إذا اشتد الخوف صلوا رجالا قياما على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبيلها، وقال القاضي عياض في " الإكمال ": لا يجوز ترك استقبال القبلة فيها عند أبي حنيفة، وهو غلط منه، ولا يجوز في جماعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وبه قال ابن أبي ليلى.
م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] (البقرة: ٢٣٩) ش: أي فإن كان بكم خوف من عدو فصلوا رجالا، أي راجلين، وهو جمع راجل، وهو الماشي لا جمع رجل، قوله ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] يجوز بالإيماء م: (وسقط التوجه) ش: أي إلى القبلة م: (للضرورة) ش: أي لأجل الضرورة م: (وعند محمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أنهم) ش: أي أن الركبان م: (يصلون بجماعة) ش: يعني عند محمد يجوز، وبه قال الشافعي م: (وليس بصحيح) ش: أي ما قاله محمد ها هنا، بخلاف ظاهر الراوية وهو غير صحيح م: (لانعدام الاتحاد في المكان) ش: أي في مكان الصلاة، وهذا لا يلزم الفصل بين المقتدي وبين الإمام بما ليس بمكان للصلاة، فلا يجوز كما لو كان بينهما نهر أو طريق أو حائط.
وإن صلوا ركبانا والدابة تسير تجوز، والأصل أن كل صلاة تجوز راكبا تجوز مع السير كالنفل، وفي " المحيط " ولأن السير فعل الدابة حقيقة، وإنما أضيف إليه بمعنى فإذا جاء العدو
стр. 1506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
انقطعت الإضافة إليه، بخلاف ما إذا صلى وهو يمشي حيث تفسد صلاته، لأن المشي فعل حقيقة، وهو مناف، بخلاف الذاهب إلى وجه العدو، لأنه ليس بمصل في تلك الحال، بل هو في حرمة الصلاة.
وفي " زيادات الشهيد ": لا تجوز بالإيماء في المصر عند أبي حنيفة، وعن أبي يوسف تجوز في حالة المشي بالإيماء، وبه قال مالك والشافعي، ويصلون ركبانا ومشاة في جماعة، والخوف من العدو والسبع سواء، فالخائف من السبع إذا لم يستطع النزول عن دابته يصلي بالإيماء، كالخائف من العدو، وكذلك السابح في البحر، لأن فعلهما ينافي الصلاة فصار كالأكل.
والراكب لا يصلي في حال السير إذا كان طالبا، لعدم الضرورة، وإن كان مطلوبا يصلي للضرورة، وإذا رأوا سوادا ظنوا أنه عدو فصلوا صلاة الخوف فإذا هو إبل أو بقر أو غنم فعليهم الإعادة، وبه قال الشافعي في قول أحمد. واختاره المزني، وفي قول لا يجب عليهم الإعادة، وبه قال مالك. ولو كان ماشيا هاربا من العدو فحضرته الصلاة ولم يمكنه الوقوف لا يصلي ماشيا، وعند الشافعي يصلي بالإيماء في تلك الحالة ثم يعيد. والفرض على الدابة بعذر المطر واللص، وفي البادية تجوز إذا لم يقدروا على صلاة الخوف على ما وصفن آخرها، ولا يصلون صلاة غير مشروعة، وعن مجاهد وطاوس والحكم والحسن وقتادة والضحاك يصلون صلاة الخوف لركعة واحدة يومئون إيماء.
وروي هذا عن جابر أيضا، وقال الضحاك: فإن لم يقدروا يكبرون تكبيرتين، حيث كان وجههم، وقال إسحاق: إن لم يقدروا فتكبيرة واحدة.
أخذ الأسلحة ليس بواجب، وأخذها لا يفسد صلاته بالنص، وبه قال مالك وأحمد وداود، وعند الشافعي في وجوب أخذ السلاح قولان، والأصح استحبابه وعدم وجوبه، وفي " الوسيط " وكيف ما كان لا تبطل الصلاة بتركه.
ذهب فقهاء الأمصار إلى أن صلاة الخوف تصح بثلاثة أنفس، إمام ومأموم وآخر تجاه العدو. ونقل أبو بكر بن أبي داود عن الشافعي أن كل طائفة أن كل طائفة بثلاثة، ونقل عنه القرافي مثله، وفي " المغني " للحنابلة كل طائفة ثلاثة، وقال ابن حزم: يصليها من خاف من كافر أو مسلم باغ أو سبع أو سيل أو نار أو مجنون، أو حيوان عاد أو خوف عطش أو فوت رفقة أو متاع أو ضلال طريق. قال النووي: هي جائزة في كل قتال ليس بحرام واجبا كقتال الكفار، والبغاة وقطاع الطريق، وكذا الصائل على الإنسان إذا أوجبنا الدفع أو كان مباحا كقتال من قصد أخذ ماله أو مال غيره.
стр. 1507
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
ولا يجوز في الحرم كقتال أهل العدل، وقتال أهل الأموال لأخذها، وقتال القبائل عصبية، ويجوز للمنهزمين إذا زاد الكفار على الضعف أو كانوا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة، وإلا فلا.
ولو كان عليه القصاص يرجو العفو إذا سكن غضبه فهرب يصلي صلاة الخوف، واستبعده إمام الحرمين، وهذا عند شدة الخوف، وعند مالك وأحمد لا يترخص في كل قتال هو حرام.
وفي " فتاوي المرغيناني " في صلاة الخوف ليست مشروعة في حق العاصي في السفر.
وفي " الزيادات ": لا يجوز الانحراف بعد ذهاب العدو، ولزوال سبب الرخصة، ولو شرعوا فيها ثم حضر العدو جاز الانحراف في أوانه، ولو انحرفوا على ظن العدو، ثم بان أنه إبل بنوا ما لم يجاوزوا الصفوف استحسانا، وفي " المبسوط " لو سها الإمام في صلاة الخوف سجد للسهو وتابعه الطائفة الأولى يسجدون في إتمام صلاتهم.
стр. 1508
باب الجنائز إذا احتضر الرجل وجه إلى القبلة على شقه الأيمن
ــ
[البناية]
[باب الجنائز] [ما يفعل بالمحتضر]
م: (باب الجنائز) ش: أي هذا باب في بيان أحكام الجنازة. وجه المناسبة بين البابين من حيث إن السابق في بيان حالة الخوف، وهذا الباب في أمور الموت والخوف قد يفضي إلى الموت أو الباب السابق في بيان حالة صلاة الحياة، وهذا في صلاة حالة الموت.
وأما تأخير هذا الباب عن الأبواب السابقة في بيان الصلوات المطلقة أي الكاملة، وهذا الباب في الصلاة المعدة والأبواب السابقة في الصلوات التي هي حسن بمعنى في نفسها وهذا الباب في صلاة حسن بمعنى في غيرها، فالأول مقدم على الثاني. والجنائز جمع جنازة، وهي بفتح الجيم، اسم للميت المحمول، وبكسرها اسم للنعش الذي يحمل عليه الميت، ويقال عكس ذلك، حكاه صاحب المطالع. ويقال الجنازة بكسر الجيم وفتحها، والكسر أفصح، واشتقاقها من جنزه، إذا ستره، ذكره ابن فارس وغيره، ومضارعه يجنز بكسر النون.
م: (إذا احتضر الرجل) ش: بضم التاء وكسر الضاد المعجمة. قال في " المغرب ": احتضر الرجل: مات لأن الوفاة حضرته أو ملائكة الموت. ويقال فلان يحتضر، أي قريب من الموت. قال: ومنه إذا احتضر الرجل. وفي " النهاية " حضر الرجل واحتضر على ما لم يسم فاعله إذا دنا موته، وروي بالخاء المعجمة، وقيل تصحيف. وفي " المحيط " احتضر الرجل، أي دنا موته، وعلاماته أن يسترخي قدماء فلا ينتصبان، ويتعوج أنفه ويتخسف صدغاه، وتمتد جلدة الخصية؛ لأن الخصبة تنشمر بالموت وتدلى جلدتها.
م: (وجه إلى القبلة على شقه الأيمن) ش: وعليه نص الشافعي وأكثر أصحابه، وبه قال مالك وأحمد، وكرهه مالك وفي رواية ابن القاسم، لأن سعيد بن المسيب أنكر على من فعل ذلك.
وللجمهور ما رواه البيهقي «عن أبي قتادة أن النبي ﵇ حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور ﵁ فقالوا: توفي وأوصى بثلثه لك يا رسول الله وأوصي أن يوجه إلى القبلة لما احتضر، فقال رسول الله ﵇: " أصاب الفطرة، وقد رددت ثلثه على ولده " ثم ذهب فصلى عليه، وقال: " اللهم اغفر له وارحمه وأدخله جنتك وقد فعلت» . وقال الحاكم: هذا الحديث صحيح، ولا أعلم في توجيه المحتضر إلى القبلة غيره.
قلت: هذا ليس بمساعد له على الصفة المذكورة، وإنما فيه مجرد الإيصاء بالتوجيه إلى القبلة، وأما مجرد التوجيه ففيه حديث عمر بن قتادة، وكانت له صحبة «أن رجلا سأل النبي ﵇ ما الكبائر، قال هي تسع، الشرك بالله والسحر، وقتل النفس التي حرم الله، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وعقوق
стр. 1509
اعتبارا بحال الوضع في القبر لأنه أشرف عليه، والمختار في بلادنا الاستلقاء، لأنه أيسر لخروج الروح،
ــ
[البناية]
الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا» .
أخرجه أبو داود في الوصايا، والنسائي في المحاربة وذكر أبوحفص بن شاهين في كتاب الجنائز له بابا في توجيه المحتضر، ولم يذكر فيه غير أثر عن إبراهيم النخعي قال: يستقبل بالميت القبلة. وعن عطاء بن أبي رباح نحوه بزيادة على شقه الأيمن، ما علمت أحدا تركه في سنته م: (اعتبارا بحال الوضع في القبر) ش: يعني يعتبر توجيه من أشرف على الموت إلى القبلة على شقه الأيمن اعتبارا بحال وضع الميت في قبره فإنه في قبره يوجه إلى القبلة على شقه الأيمن.
وقال الأترازي لأنه السنة، ولم يبين السنة كيف هي! وقال السغناقي الاضطجاع على ستة أنواع: اضطجاع في حالة المرض، فإنه يضطجع على شقه الأيمن عرضا للقبلة. واضطجاع في حالة صلاة المريض، وقد ذكر اضطجاعه في حالة النزع، فإنه يوضع كما يوضع في حالة المرض. واضطجاع في حالة الغسل بعدما قضى نحبه فلا رواية فيه عن أصحابنا كيف يوضع على التخت، إلا أن العرف فيه يضطجع مستلقيا على قفاه طولا نحو القبلة كما في حالة الصلاة. واضطجاع في حالة الصلاة عليه، فإنه يضطجع معترضا للقبلة على قفاه. واضطجاع في حالة الوضع في اللحد، فإنه يوضع على شقه الأيمن، كما في حالة المرض.
قلت: هذا كله بالعرف والقياس، ولم يذكر فيه أثرا، ولا حديثا، مع أن المصنف قاس اضطجاع من أشرف على الموت على اضطجاع الميت في قبره، وهذا الشارح ذكر عكس هذا. وذكر صاحب الدراية هنا حديث البراء بن معرور المذكور آنفا، وقد استوفى الكلام فيه.
م: (لأنه أشرف عليه) ش: هذا تعليل قوله: اعتبارا بحال الوضع في القبر؛ أي لأن المحتر أشرف على القبر، والإشراف على الشيء الدنو منه وما قرب من الشيء يأخذ حكمه م: (والمختار في بلادنا) ش: أراد بها ما وراء النهر م: (الاستلقاء) ش: أي استلقاء المحتضر على قفاه م: (لأنه الأيسر لخروج الروح) ش: أي لأن الاستلقاء أيسر لخروج الروح، وبه قال الشافعي في قول، وفي " شرح الوجيز ": ويلقى على قفاه.
وفي " المحيط " و " الأسبيجابي " وغيرهما أن العرف أنه يوضع مستلقيا على قفاه وقدماه إلى القبلة، قالوا هو أيسر لخروج الروح، ولم يذكروا وجه ذلك، ولا يمكن معرفته بالتجربة، وهو أسهل لتغميضه وشد لحييه عقيب الموت، وأمنع لتقوس أعضائه ويرفع رأيه قليلا ليصير وجهه إلى القبلة دون السماء، وبه قطع الجوسي والغزالي من الشافعية، قال إمام الحرمين: وعليه عمل
стр. 1510
والأول هو السنة، ولقن الشهادة لقوله ﷺ : «لقنوا مواتكم شهادة أن لا إله إلا الله»
والمراد الذي قرب من الموت.
ــ
[البناية]
الناس. وقال أبو بكر الرازي: هذا إذا لم يشق عليه، فإن شق ترك على حاله، والمرجوم لا يوجه.
م: (والأول هو السنة) ش: أي توجيهه إلى القبلة على شقه الأيمن هو السنة، ولم يبين السنة ما هي م: (ولقن الشهادة) ش: كذا بالإفراد، ولفظ القدوري ولقن الشهادتين بالتثنية، وقال السغناقي: لقن الشهادة، ولفظ " المختصر " ولقن الشهادتين، وهوالمراد أيضا هنا. وفي نسخة الأترازي بخطه، ولقن الشهادتين، ثم فسره بقوله لا إله إلا الله، وقوله أشهد أن محمدا رسول الله. وذكر السروجي بلفظ الإفراد، ثم قال: ومثله في " المحيط " و " البدائع "، و " الأسبيجابي "، و " شرح مختصر الكرخي " و " التجريد " و " جوامع الفقه " و " خير مطلوب " و " القنية ".
وفي " المفيد " و " المزيد " و " التحفة " و " الينابيع " و " المنافع " ولقن الشهادتين، وهو الصواب. واكتفي فيما تقدم بشهادة التوحيد، لأن الشهادة بالرسالة تبع لها، ولا يقبل دون الشهادة الثانية، ولهذا لم يذكر الثانية في الحديث الذي يأتي بعده، وكذا اختلفت كتب الشافعية، وفي " الذخيرة " للمالكية و " المغني " للحنابلة: لقن قوله لا إله إلا الله ووجههم أنه موجه، ويلزم من اعترافه بالتوحيد اعترافه بالشهادة الأخرى. قلت: فيه نظر لا يخفى، وعلم من هذا كله أن نسخة المصنف بالإفراد، والأترازي أصلح وأثبته بالتثنية، فافهم.
م: (لقوله ﵇ «لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله» ش: هذا الحديث روي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر وواثلة بن الأسقع وابن عباس ومسعود وعائشة ﵃، وحديث الخدري عند الجماعة ما خلا البخاري. وحديث أبي هريرة عند مسلم نحوه سواء. وحديث جابر عند الطبراني في كتاب الدعاء له مرفوعا نحوه. ورواه العقيلي في الضعفاء، وأعله بعبد الوهاب بن مجاهد. وحديث عبد الله بن جعفر عند البزار في " مسنده "، وحديث عبد الله بن عمر عند ابن شاهين في كتاب الجنائز ل وحديث واثلة بن الأسقع عند أبي نعيم في " الحلية " وحديث ابن مسعود وابن عباس عند الطبراني، وحديث عائشة عند الطبراني أيضا مرفوعا، وعند النسائي أيضا، «لقنوا هلكاكم» بدل موتاكم.
م: (والمراد به الذي قرب من الموت) ش: بطريق المجاز، باعتبار ما يؤول إليه، وذلك لأن
следующие страницы →