Полный текст (7 019 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
انقطعت الإضافة إليه، بخلاف ما إذا صلى وهو يمشي حيث تفسد صلاته، لأن المشي فعل حقيقة، وهو مناف، بخلاف الذاهب إلى وجه العدو، لأنه ليس بمصل في تلك الحال، بل هو في حرمة الصلاة.
وفي " زيادات الشهيد ": لا تجوز بالإيماء في المصر عند أبي حنيفة، وعن أبي يوسف تجوز في حالة المشي بالإيماء، وبه قال مالك والشافعي، ويصلون ركبانا ومشاة في جماعة، والخوف من العدو والسبع سواء، فالخائف من السبع إذا لم يستطع النزول عن دابته يصلي بالإيماء، كالخائف من العدو، وكذلك السابح في البحر، لأن فعلهما ينافي الصلاة فصار كالأكل.
والراكب لا يصلي في حال السير إذا كان طالبا، لعدم الضرورة، وإن كان مطلوبا يصلي للضرورة، وإذا رأوا سوادا ظنوا أنه عدو فصلوا صلاة الخوف فإذا هو إبل أو بقر أو غنم فعليهم الإعادة، وبه قال الشافعي في قول أحمد. واختاره المزني، وفي قول لا يجب عليهم الإعادة، وبه قال مالك. ولو كان ماشيا هاربا من العدو فحضرته الصلاة ولم يمكنه الوقوف لا يصلي ماشيا، وعند الشافعي يصلي بالإيماء في تلك الحالة ثم يعيد. والفرض على الدابة بعذر المطر واللص، وفي البادية تجوز إذا لم يقدروا على صلاة الخوف على ما وصفن آخرها، ولا يصلون صلاة غير مشروعة، وعن مجاهد وطاوس والحكم والحسن وقتادة والضحاك يصلون صلاة الخوف لركعة واحدة يومئون إيماء.
وروي هذا عن جابر أيضا، وقال الضحاك: فإن لم يقدروا يكبرون تكبيرتين، حيث كان وجههم، وقال إسحاق: إن لم يقدروا فتكبيرة واحدة.
أخذ الأسلحة ليس بواجب، وأخذها لا يفسد صلاته بالنص، وبه قال مالك وأحمد وداود، وعند الشافعي في وجوب أخذ السلاح قولان، والأصح استحبابه وعدم وجوبه، وفي " الوسيط " وكيف ما كان لا تبطل الصلاة بتركه.
ذهب فقهاء الأمصار إلى أن صلاة الخوف تصح بثلاثة أنفس، إمام ومأموم وآخر تجاه العدو. ونقل أبو بكر بن أبي داود عن الشافعي أن كل طائفة أن كل طائفة بثلاثة، ونقل عنه القرافي مثله، وفي " المغني " للحنابلة كل طائفة ثلاثة، وقال ابن حزم: يصليها من خاف من كافر أو مسلم باغ أو سبع أو سيل أو نار أو مجنون، أو حيوان عاد أو خوف عطش أو فوت رفقة أو متاع أو ضلال طريق. قال النووي: هي جائزة في كل قتال ليس بحرام واجبا كقتال الكفار، والبغاة وقطاع الطريق، وكذا الصائل على الإنسان إذا أوجبنا الدفع أو كان مباحا كقتال من قصد أخذ ماله أو مال غيره.
стр. 1507
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
ولا يجوز في الحرم كقتال أهل العدل، وقتال أهل الأموال لأخذها، وقتال القبائل عصبية، ويجوز للمنهزمين إذا زاد الكفار على الضعف أو كانوا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة، وإلا فلا.
ولو كان عليه القصاص يرجو العفو إذا سكن غضبه فهرب يصلي صلاة الخوف، واستبعده إمام الحرمين، وهذا عند شدة الخوف، وعند مالك وأحمد لا يترخص في كل قتال هو حرام.
وفي " فتاوي المرغيناني " في صلاة الخوف ليست مشروعة في حق العاصي في السفر.
وفي " الزيادات ": لا يجوز الانحراف بعد ذهاب العدو، ولزوال سبب الرخصة، ولو شرعوا فيها ثم حضر العدو جاز الانحراف في أوانه، ولو انحرفوا على ظن العدو، ثم بان أنه إبل بنوا ما لم يجاوزوا الصفوف استحسانا، وفي " المبسوط " لو سها الإمام في صلاة الخوف سجد للسهو وتابعه الطائفة الأولى يسجدون في إتمام صلاتهم.
стр. 1508
باب الجنائز إذا احتضر الرجل وجه إلى القبلة على شقه الأيمن
ــ
[البناية]
[باب الجنائز] [ما يفعل بالمحتضر]
م: (باب الجنائز) ش: أي هذا باب في بيان أحكام الجنازة. وجه المناسبة بين البابين من حيث إن السابق في بيان حالة الخوف، وهذا الباب في أمور الموت والخوف قد يفضي إلى الموت أو الباب السابق في بيان حالة صلاة الحياة، وهذا في صلاة حالة الموت.
وأما تأخير هذا الباب عن الأبواب السابقة في بيان الصلوات المطلقة أي الكاملة، وهذا الباب في الصلاة المعدة والأبواب السابقة في الصلوات التي هي حسن بمعنى في نفسها وهذا الباب في صلاة حسن بمعنى في غيرها، فالأول مقدم على الثاني. والجنائز جمع جنازة، وهي بفتح الجيم، اسم للميت المحمول، وبكسرها اسم للنعش الذي يحمل عليه الميت، ويقال عكس ذلك، حكاه صاحب المطالع. ويقال الجنازة بكسر الجيم وفتحها، والكسر أفصح، واشتقاقها من جنزه، إذا ستره، ذكره ابن فارس وغيره، ومضارعه يجنز بكسر النون.
م: (إذا احتضر الرجل) ش: بضم التاء وكسر الضاد المعجمة. قال في " المغرب ": احتضر الرجل: مات لأن الوفاة حضرته أو ملائكة الموت. ويقال فلان يحتضر، أي قريب من الموت. قال: ومنه إذا احتضر الرجل. وفي " النهاية " حضر الرجل واحتضر على ما لم يسم فاعله إذا دنا موته، وروي بالخاء المعجمة، وقيل تصحيف. وفي " المحيط " احتضر الرجل، أي دنا موته، وعلاماته أن يسترخي قدماء فلا ينتصبان، ويتعوج أنفه ويتخسف صدغاه، وتمتد جلدة الخصية؛ لأن الخصبة تنشمر بالموت وتدلى جلدتها.
م: (وجه إلى القبلة على شقه الأيمن) ش: وعليه نص الشافعي وأكثر أصحابه، وبه قال مالك وأحمد، وكرهه مالك وفي رواية ابن القاسم، لأن سعيد بن المسيب أنكر على من فعل ذلك.
وللجمهور ما رواه البيهقي «عن أبي قتادة أن النبي ﵇ حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور ﵁ فقالوا: توفي وأوصى بثلثه لك يا رسول الله وأوصي أن يوجه إلى القبلة لما احتضر، فقال رسول الله ﵇: " أصاب الفطرة، وقد رددت ثلثه على ولده " ثم ذهب فصلى عليه، وقال: " اللهم اغفر له وارحمه وأدخله جنتك وقد فعلت» . وقال الحاكم: هذا الحديث صحيح، ولا أعلم في توجيه المحتضر إلى القبلة غيره.
قلت: هذا ليس بمساعد له على الصفة المذكورة، وإنما فيه مجرد الإيصاء بالتوجيه إلى القبلة، وأما مجرد التوجيه ففيه حديث عمر بن قتادة، وكانت له صحبة «أن رجلا سأل النبي ﵇ ما الكبائر، قال هي تسع، الشرك بالله والسحر، وقتل النفس التي حرم الله، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وعقوق
стр. 1509
اعتبارا بحال الوضع في القبر لأنه أشرف عليه، والمختار في بلادنا الاستلقاء، لأنه أيسر لخروج الروح،
ــ
[البناية]
الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا» .
أخرجه أبو داود في الوصايا، والنسائي في المحاربة وذكر أبوحفص بن شاهين في كتاب الجنائز له بابا في توجيه المحتضر، ولم يذكر فيه غير أثر عن إبراهيم النخعي قال: يستقبل بالميت القبلة. وعن عطاء بن أبي رباح نحوه بزيادة على شقه الأيمن، ما علمت أحدا تركه في سنته م: (اعتبارا بحال الوضع في القبر) ش: يعني يعتبر توجيه من أشرف على الموت إلى القبلة على شقه الأيمن اعتبارا بحال وضع الميت في قبره فإنه في قبره يوجه إلى القبلة على شقه الأيمن.
وقال الأترازي لأنه السنة، ولم يبين السنة كيف هي! وقال السغناقي الاضطجاع على ستة أنواع: اضطجاع في حالة المرض، فإنه يضطجع على شقه الأيمن عرضا للقبلة. واضطجاع في حالة صلاة المريض، وقد ذكر اضطجاعه في حالة النزع، فإنه يوضع كما يوضع في حالة المرض. واضطجاع في حالة الغسل بعدما قضى نحبه فلا رواية فيه عن أصحابنا كيف يوضع على التخت، إلا أن العرف فيه يضطجع مستلقيا على قفاه طولا نحو القبلة كما في حالة الصلاة. واضطجاع في حالة الصلاة عليه، فإنه يضطجع معترضا للقبلة على قفاه. واضطجاع في حالة الوضع في اللحد، فإنه يوضع على شقه الأيمن، كما في حالة المرض.
قلت: هذا كله بالعرف والقياس، ولم يذكر فيه أثرا، ولا حديثا، مع أن المصنف قاس اضطجاع من أشرف على الموت على اضطجاع الميت في قبره، وهذا الشارح ذكر عكس هذا. وذكر صاحب الدراية هنا حديث البراء بن معرور المذكور آنفا، وقد استوفى الكلام فيه.
م: (لأنه أشرف عليه) ش: هذا تعليل قوله: اعتبارا بحال الوضع في القبر؛ أي لأن المحتر أشرف على القبر، والإشراف على الشيء الدنو منه وما قرب من الشيء يأخذ حكمه م: (والمختار في بلادنا) ش: أراد بها ما وراء النهر م: (الاستلقاء) ش: أي استلقاء المحتضر على قفاه م: (لأنه الأيسر لخروج الروح) ش: أي لأن الاستلقاء أيسر لخروج الروح، وبه قال الشافعي في قول، وفي " شرح الوجيز ": ويلقى على قفاه.
وفي " المحيط " و " الأسبيجابي " وغيرهما أن العرف أنه يوضع مستلقيا على قفاه وقدماه إلى القبلة، قالوا هو أيسر لخروج الروح، ولم يذكروا وجه ذلك، ولا يمكن معرفته بالتجربة، وهو أسهل لتغميضه وشد لحييه عقيب الموت، وأمنع لتقوس أعضائه ويرفع رأيه قليلا ليصير وجهه إلى القبلة دون السماء، وبه قطع الجوسي والغزالي من الشافعية، قال إمام الحرمين: وعليه عمل
стр. 1510
والأول هو السنة، ولقن الشهادة لقوله ﷺ : «لقنوا مواتكم شهادة أن لا إله إلا الله»
والمراد الذي قرب من الموت.
ــ
[البناية]
الناس. وقال أبو بكر الرازي: هذا إذا لم يشق عليه، فإن شق ترك على حاله، والمرجوم لا يوجه.
م: (والأول هو السنة) ش: أي توجيهه إلى القبلة على شقه الأيمن هو السنة، ولم يبين السنة ما هي م: (ولقن الشهادة) ش: كذا بالإفراد، ولفظ القدوري ولقن الشهادتين بالتثنية، وقال السغناقي: لقن الشهادة، ولفظ " المختصر " ولقن الشهادتين، وهوالمراد أيضا هنا. وفي نسخة الأترازي بخطه، ولقن الشهادتين، ثم فسره بقوله لا إله إلا الله، وقوله أشهد أن محمدا رسول الله. وذكر السروجي بلفظ الإفراد، ثم قال: ومثله في " المحيط " و " البدائع "، و " الأسبيجابي "، و " شرح مختصر الكرخي " و " التجريد " و " جوامع الفقه " و " خير مطلوب " و " القنية ".
وفي " المفيد " و " المزيد " و " التحفة " و " الينابيع " و " المنافع " ولقن الشهادتين، وهو الصواب. واكتفي فيما تقدم بشهادة التوحيد، لأن الشهادة بالرسالة تبع لها، ولا يقبل دون الشهادة الثانية، ولهذا لم يذكر الثانية في الحديث الذي يأتي بعده، وكذا اختلفت كتب الشافعية، وفي " الذخيرة " للمالكية و " المغني " للحنابلة: لقن قوله لا إله إلا الله ووجههم أنه موجه، ويلزم من اعترافه بالتوحيد اعترافه بالشهادة الأخرى. قلت: فيه نظر لا يخفى، وعلم من هذا كله أن نسخة المصنف بالإفراد، والأترازي أصلح وأثبته بالتثنية، فافهم.
م: (لقوله ﵇ «لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله» ش: هذا الحديث روي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر وواثلة بن الأسقع وابن عباس ومسعود وعائشة ﵃، وحديث الخدري عند الجماعة ما خلا البخاري. وحديث أبي هريرة عند مسلم نحوه سواء. وحديث جابر عند الطبراني في كتاب الدعاء له مرفوعا نحوه. ورواه العقيلي في الضعفاء، وأعله بعبد الوهاب بن مجاهد. وحديث عبد الله بن جعفر عند البزار في " مسنده "، وحديث عبد الله بن عمر عند ابن شاهين في كتاب الجنائز ل وحديث واثلة بن الأسقع عند أبي نعيم في " الحلية " وحديث ابن مسعود وابن عباس عند الطبراني، وحديث عائشة عند الطبراني أيضا مرفوعا، وعند النسائي أيضا، «لقنوا هلكاكم» بدل موتاكم.
م: (والمراد به الذي قرب من الموت) ش: بطريق المجاز، باعتبار ما يؤول إليه، وذلك لأن
стр. 1511
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
التلقين حقيقة، ما يطاوعه التلقن، وحصول ذلك من الميت محال، فالأمر به حقيقة يكون أمرا للعاجز عنه، والعقل يأباه فوجب حمله على هذا المعنى.
فإن قلت: عند أهل السنة، هذا على حقيقته لأن الله تعالى يحييه على ما جاءت به الآثار فلم يحمله على المجاز.
قلت: لأن المقصود من ذلك أن يكون آخر كلام الميت كلمة الشهادة، فالتلقين في قبره لا يساعده المقصود، وقد قال ﵇: «من كان آخر كلامه قول لا إله إلا الله دخل الجنة» رواه أبو هريرة وأخرجه ابن حبان، وعزاه ابن الجوزي للبخاري، وليس كذلك، فإنه ليس فيه وجعله المحب الطبري من المتفق عليه، وليس كذلك، ومعنى التلقين أن تذكر بين يديه، وإذا قال مرة لا تعاد عليه إلا أن يتكلم، ولا يقال له قل.
وفي شرح " الوجيز " ولا يلح عليه ولا يواجهه، بل يذكر بين يديه، وهذا التلقين مستحب بالإجماع.
وأما التلقين بعد الموت فلا يلقن عندنا في ظاهر الرواية، وعند الشافعي يستحب أن يلقن بعد الدفن، فيقال يا عبد الله أو يا أمة الله اذكر ما خرجت عليه من الدنيا من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن الجنة حق، والنار حق والبعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنك رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا، وبالقرآن إماما، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا، لظاهر قوله ﵇ «لقنوا موتاكم» كذا في " شرح الوجيز ".
قلت: روى الطبراني «عن أبي أمامة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله ﵇ أن نصنع بموتانا، أمرنا رسول الله ﷺ ، فقال: " إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل يا فلان بن فلان، فإنه يسمعه ولا يجيبه، ثم يقول: يا فلان بن فلان، فإنه يستوي قاعدا ثم يقول يا فلان بن فلان فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله ولكن لا تشعرون فليقل اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه، ويقول انطلق بنا ما يقعدنا عند من لقن حجته.
قال: فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف أبيه قال ينسبه إلى أمه حواء ﵍ يا فلان بن حواء» إسناده صحيح، وقد قواه الضياء في أحكامه، كذا قيل، ولكن الراوي عن أبي
стр. 1512
فإذا مات شد لحياه وغمض عيناه، بذلك جرى التوارث ثم فيه تحسينه فيستحسن
ــ
[البناية]
أمامة سعيد الأزدي وقد بيض له ابن أبي حاتم. وفي " خيرة الفقهاء "، و " فتاوى الظهيرية " جوز بعض المشايخ التلقين بعد الدفن، ولا أراه يفعل.
قلت: وكيف لا يفعل! وقد روي عنه ﵇ «أنه أمر بالتلقين بعد الدفن، فيقول يا فلان بن فلان، أو يا فلانة بنت فلانة دينك الذي كنت عليه» إلى آخر ما ذكرناه في " شرح الوجيز ".
وقال الحلواني: لا نهي ولا يؤمر به: قال قاضي خان: إن كان التلقين لا ينفع لا يضر أيضا فيجوز، وحكي عن ظهير الدين المرغيناني أنه لقن بعض الأئمة من السلف بعد دفنه، وأوصى أن يلقن هو أيضا بعد دفنه، كذا في " عباب المفتي ".
[ما يفعل بالميت عقب موته]
م: (فإذا مات) ش: أي المحتضر م: (شد لحياه) ش: بفتح اللام تثنية لحي، وهو الحنك م: (وغمض عيناه) ش: يعني أطبق جفناه م: (بذلك) ش: أي شد اللحيين وتغميض العينين م: (جرى التوارث) ش: من الأئمة على ذلك، وفي تغميض البصر أحاديث: منها ما أخرجه مسلم في صحيحه «عن أم سلمة قالت: دخل رسول الله ﵇، على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ... » الحديث.
ومنها ما رواه ابن ماجه في " سننه " عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرا، فإن الملائكة تؤمن على ما يقول أهل الميت» ، ورواه أحمد في " مسنده "، وأعله ابن حبان بقزعة بن سويد، أحد رواته، «ويقول مغمضه بسم الله وعلى ملة رسول الله، وروي وعلى وفاة رسول الله، اللهم يسر عليه أمره وسهل عليه ما بعده وأسعده بلقائك، واجعل ما خرج إليه خيرا مما خرج عنه» .
م: (ثم فيه تحسينه فيستحسن) ش: أي فيما ذكر من شد اللحيين وتغميض العينين تحسين صورة الميت، لأنه إذا ترك التغميض يبقى فظيع المنظر في أعين الناس، وفي ترك شد اللحيين كاف من دخول الهوام في جوفه، والماء عند غسله، ويشد بعصابة عريضة من فوق رأسه.
وفي " المنتقى " يصنع بالميت عشرة أشياء: يوجه إلى القبلة على قفاه أو على يمينه، ويمد أعضاءه، ويغمض عيناه، ويقرأ سورة يس عنده، ويوضع عنده من الطيب، ويلقن كلمة الشهادة، ويخرج من عنده الحائض والنفساء والجنب، ويوضع على بطنه سيف أو مرآة لئلا ينتفخ، ويقرأ عنده القرآن إلى أن يرفع، وهكذا في كتب أصحاب الشافعي.
وكره مالك قراءة القرآن عنده، وأصحابنا كرهوا القراءة بعد موته حتى يغسل، ويجعل
стр. 1513
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
على سرير أو لوح، حتى لا تغيره نداوة الأرض. وفي " فتاوى قاضي خان ": ولا بأس بجلوس الحائض والجنب عند موته، ثم المستحب أن يعجل في جهازه ولا يؤخر، ويستحب أن يلي المريض أرفق أهله به، وأعلمهم بسياسته وأتقاهم، ويذكره بالتوبة من المعاصي والمظالم، وبالوصية، وإذا رآه قد نزل به [....] بل حلقه بأن يقطر في فيه ماء أو شرابا، ويندى بفيه بقطنة ونحوها.
стр. 1514
فصل في الغسل
ــ
[البناية]
[فصل في غسل الميت] [ كيفية غسل الميت]
م: (فصل في الغسل) ش: أي هذا فصل في بيان غسل الميت، وهو بفتح الغين، وفي بعض النسخ فصل في غسل الميت، ولما بين ما يفعل بالمحتضر وقت احتضاره، شرع يبين ما يفعل به بعد موته، فبدأ بالغسل، لأنه أول ما يفعل بالميت، ثم ذكر فصل التلقين ثم فصل الصلاة، ثم فصل حمله، ثم فصل الدفن على الترتيب الخارجي، ليوافق الترتيب الوضعي.
وقال الشيخ أبو نصر البغدادي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الأصل في وجوب غسل الميت أن الملائكة ﵈ غسلوا آدم ﵇ وقالوا لولده: هذه سنة موتاكم، وغسل النبي ﵇ حين مات، وفعل ذلك المسلمون بعده، وقال صاحب الدراية: هو واجب على الأحياء بالسنة وإجماع الأمة، وتفرغ من المعنى.
أما السنة: فما روي عن أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﵇ أنه قال «إن آدم ﵇ لما حضرته الوفاة نزلت الملائكة بحنوطه وكفنه من الجنة، فلما مات غسلوه بالماء والسدر ثلاثا، وكفنوه في وتر من الثياب، وصلوا عليه عند البيت، وأمهم جبريل ﵇، وقال هذه سنة ولد آدم من بعده» .
وما روي أنه ﵇ «قال لأم عطية حين توفيت ابنته رقية اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا أو أكثر إن رأيتن ذلك، وقال بماء وسدر» وقال ﵇: «للمسلم على المسلم ستة حقوق، وذكر منها إذا مات أن يغسله» وأجمعت الأمة على هذا.
وأما المعنى أن الميت في الصلاة بمنزلة الإمام، حتى لا تجوز الصلاة بدونه، وهذا شرط تقديمه على القوم، وطهارة الإمام شرط لصلاة القوم، ولأن ما بعد الموت حال العرض على الرب والرجوع عليه، فوجب تطهيره بالغسل تعظيما للرب، وفي " شرح الوجيز " الغسل والتلقين والصلاة فرض الكفاية بالإجماع. انتهى.
قلت: حديث أبي بن كعب رواه عبد الله بن أحمد في " المسند " ولفظه «أن آدم ﵇ غسلته الملائكة ولقنوه وحنطوه وحفروا له وألحدوا وصلوا عليه، ثم دخلوا قبره فوضعوه فيه ووضعوا عيه اللبن، ثم خرجوا من قبره، ثم حثوا عليه التراب، ثم قالوا: يا بني آدم هذه سنتكم» رواه البيهقي بمعناه.
وحديث أم عطية أخرجه البخاري ومسلم، واختلف المشايخ في سبب وجوب غسل الميت، قال بعضهم هو الحدث، فإن الموت سبب لاسترخاء مفاصله، والنهي عن غسل الأعضاء الأربعة في الحياة لتكرر سببه، والموت لا يتكرر، وقال الشيخ أبو عبد الله الجرجاني وغيره من
стр. 1515
وإذا أرادوا غسله وضعوه على سرير لينصب الماء عنه، وجعلوا على عورته خرقة إقامة لواجب الستر ويكتفى بستر العورة الغليظة هو الصحيح تيسيرا
ــ
[البناية]
مشايخ العراق: يقولون إنما وجب لنجاسة الموت، إذ الآدمي له دم مسفوح كسائر الحيوانات، ولهذا تنجس البئر بموته فيها.
وفي " المحيط " و " البدائع ": لو دفع فيها بعد غسله لا يتنجس، ولو حمل ميتا وصلى به قبل غسله لا تصح صلاته، بخلاف المحدث، وفي " البدائع " عن محمد بن شجاع البلخي، أن الآدمي لا ينجس بالموت كرامة له، لأنه لو نجس لما حكم بطهارته بالغسل كسائر الحيوانات التي حكم بنجاستها بالموت، وقول أبي عبيد الله هو قول العامة وهو الأظهر، وعند كل واحد من مالك والشافعي وأحمد، خلاف في تنجس المؤمن بالموت، وقال بعض الحنابلة: يتنجس بالموت ولا يظهر بالغسل، ويتنجس الثوب الذي ينشف به كسائر الميتات، وهذا باطل بلا شك.
م: (وإذا أرادوا غسله) ش: بفتح الغين، أي غسل الميت م: (وضعوه على سرير لينصب الماء عنه) ش: أي لينزل الماء عنه إلى أسفل، واختلف في كيفية الوضع. قال الأسبيجابي وصاحب شرح الطحاوي: يوضع مستلقيا على قفاه نحو القبلة كالمحتضر، ومثله قال بعض أئمة خراسان، واختاره بعض أصحابنا أنه يوضع مستلقيا عرضا، كما يوضع في القبر، وقال شمس الأئمة: الأصح أنه يوضع كما تيسر، وفي " التحفة " يوضع على شقه الأيسر حتى يبدأ بشقه الأيمن في الغسل، ثم على الأيمن، وقال الأسبيجابي: لا رواية عن أصحابنا في ذلك، والعرف أن يوضع على التخت على قفاه طولا نحو القبلة.
م: (وجعلوا على عورته خرقة) ش: لأن ستر العورة واجب على كل حال، والآدمي محترم حيا وميتا، ألا ترى أنه لا يحل للرجال غسل النساء، ولا للنساء غسل الرجال الأجانب بعد الوفاة، وقد عرف فيما مضى حد العورة أنها من السرة إلى الركبة والركبة عورة عندنا، وهذا هو الأصل.
ولكن ظاهر الرواية خلاف هذا، أشار إليه بقوله: م: (ويكتفى بستر العورة الغليظة) ش: وهي القبل والدبر، وعليه الفتوى أشار إليه بقوله: م: (هو الصحيح) ش: من المذهب، وبه قال مالك أيضا، ذكره أيضا في " المدونة "، واحترز به عن رواية النوادر، فإنه قال فيه ويوضع على عورته خرقة من السرة إلى الركبة.
وفي " المبسوط " وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يؤزر بإزار سابغ، كما يفعله بحياته إذا أراد الاغتسال، وفي ظاهر الراوية قال يشق عليهم غسل ما تحت الإزار فيكتفى ستر العورة الغليظة بخرقة، م: (تيسيرا) ش: أي لأجل التيسير على الغاسل.
стр. 1516
ونزعوا ثيابه ليمكنهم التنظيف
ــ
[البناية]
وفي " البدائع " يغسل عورته تحت الخرقة بعد أن يلف على يده خرقة وينجى عند أبي حنيفة، كما كان يفعله في حال حياته، وعندهما لا ينجى، وفي " المحيط " و " الروضة " لا ينجى عند أبي يوسف ويغسل سرته بخرقة يلقها على يده، وقيل يجعل الغاسل عل إصبعه خرقة يمسح أسنانه ولهاته ولبته ويدخلها في منخريه أيضا.
م: (ونزعوا ثيابه ليمكنهم التنظيف) ش: أي تنظيف الميت، وعن مالك مثله، وهو ظاهر قول أحمد وقول ابن سيرين.
وقال الشافعي وأحمد في رواية: المستحب أن يغسل في قميص واسع الكمين، وإن كان ضيق الكمين خرقهما، لأنه ﵇ غسل في قميص فما كان سنة في حقه فهو سنة في حقنا. قلت: نص الشافعي أنه يستحب أن يغسل الميت في قميص يلبس عند إرادة غسله، وصرح به المسعودي والرافعي، ويدخل الغاسل يده في كمه، ويصب الماء من فوق القميص ويغسل من تحته، واستدل على ذلك بحديث عائشة ﵂ «أن رسول الله ﵇ غسلوه وعليه قميصه يصبون الماء عليه ويدلكونه من فوق القميص» رواه أبو داود، وقال النووي: إسناده صحيح.
قلت: قيل إنه ضعيف، ولئن سلمنا صحته فنقول كان ذلك من خصائصه ﵇، يدل على ذلك ما رواه أبو داود «عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: لما أرادوا غسل النبي ﵇ قالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله ﵇ من ثيابه كما نجرد موتانا، أو نغسله وعليه ثيابه، فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو، اغسلوا رسول الله وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله ﵇ فغسلوه وعليه قميص، يصبون الماء فوق القميص دون أيديهم» .
وكانت «عائشة ﵂ تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه» يعني لو علمنا أن رسول الله ﵇ يغسل بعد الوفاة، ما غسله إلا نحن، وهذا يدل على أن عادتهم كانت تجرد موتاهم، كان في زمان رسول الله ﵇ عند غسلهم، وخص من ذلك النبي ﵇ لأجل احترامه وتعظيمه، ولأنه إذا غسل في قميصه ينجس القميص بما يخرج منه، وقد لا يطهر بصب الماء عليه، فيتنجس الميت به، بخلاف النبي ﷺ ، فإنه كان مأمونا في حقه؛ لأنه كان طيبا حيا وميتا، على أن مذهبهم خلاف ما فعل رسول الله ﵇، فإنه لم يلبس قميصا عند غسله، بل غسل في قميصه الذي مات فيه إن صح الحديث به.
стр. 1517
ووضؤوه من غير مضمضة واستنشاق، لأن الوضوء سنة الاغتسال، غير أن إخراج الماء منه متعذر فيتركان، ثم يفيضون الماء عليه اعتبارا بحال الحياة، ويجمر سريره وترا
ــ
[البناية]
[وضوء الميت من غير مضمضة واستنشاق]
م: (ووضؤوه من غير مضمضة واستنشاق) ش: بتشديد الضاد من وضأ بالتشديد، وفي " المبسوط " ويبدأ بالميامن في وضوئه.
وقال صاحب " المغني ": ولا يدخل الماء فاه ولا منخريه. وفي قول أكثر أهل العلم وهو قول سعيد بن جبير والنخعي والثوري وأحمد، وقال الشافعي: يمضمض ويستنشق كما يفعله الحي.
قلنا: المضمضمة إدارة الماء في داخل الفم، والاستنشاق إدخال الماء في الأنف وجذبه إلى الخياشيم، وهذا كله متعذر، وقال النووي: المضمضة جعل الماء في فيه.
قلت: هذا خلاف ما قاله أهل اللغة. وقال الجوهري: المضمضة تحريك الماء في الفم، وإمام الحرمين لم يصوب [....
.] .
وفي " المحيط " و " الروضة " فرق بين الميت والجنب في الغسل في خمسة أشياء: لا يمضمض بخلاف الجنب، والميت لا يستنشق بخلاف الجنب، والميت يبدأ بغسل وجهه، والجنب يغسل يديه، وفيه خلاف الثلاث، والميت لا يمسح برأسه. هكذا روي عن محمد في " النوادر "، ومثله في " الإيضاح ".
وقال خواهر زاده في " شرح المبسوط ": الصحيح أن الميت كالجنب في مسح الرأس، والميت لا يؤخر غسل رجليه، بخلاف الجنب.
وفي " مبسوط شيخ الإسلام ": الصحيح أن الجواب في غسل الرجلين واحد. وقال الحلواني: هذا الذي ذكر في حق البالغ والصبي العاقل، أما في الصبي الغير عاقل لا يوضأ وضوء الصلاة. لأنه كان في حياته لا يصلي.
م: (لأن الوضوء سنة الاغتسال، غير أن إخراج الماء منه) ش: من الفم والأنف م: (متعذر فيتركان) ش: أي المضمضة والاستنشاق م: (ثم يفيضون الماء عليه اعتبارا بحال الحياة) ش: أي يفيضون الماء على الميت ثلاث مرات كما في حالة الحياة م: (ويجمر سريره وترا) ش: أي ويبخر.
وفي " المغرب ": جمر ثوبه وأجمره إذا بخره وفي طلبه فيطيب بعود إذا، وفي تجميره يفعل هذا عند إرادة غسله، إخفاء للرائحة وإكراما للميت، وقيل: المراد من التجمير إدارة المجمر حول السرير وترا، يعني واحدة أو ثلاثا أو خمسا.
وقال الأسبيجابي: لا يزاد عليها، وتعيين الوتر لقوله ﵇: «إن الله وتر يحب
стр. 1518
لما فيه من تعظيم الميت، وإنما يوتر لقوله ﷺ «إن الله وتر يحب الوتر» ، ويغلي الماء بالسدر
ــ
[البناية]
الوتر» رواه البزار في " مسنده " من حديث نافع عن ابن عمر مرفوعا وسكت عنه وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسو الله ﵇: «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدة، من أحصاها دخل الجنة، إنه وتر يحب الوتر» .
وروى الأربعة وأحمد عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: «يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر» . قال الترمذي: حديث حسن، ورواه ابن خزيمة في " صحيحه "، وروى البزار عن أبي سعيد الخدري نحو روايته عن ابن عمر.
فإن قلت: ما المراد من السرير.
قلت: ذكر في " المجتبى " أن المراد من السرير الجنازة، فيجمر السرير والكفن، وقد ترك الناس التجمير على الجنازة في ديارنا، وبقي التجمير مقصورا على الكفن. وفي " الكافي " معنى قوله: ويجمر [....
....] وقال صاحب " الدراية ": وسياق كلام المصنف يدل على أن المراد من السرير التخت الذي يغسل عليه الميت، وقد صرح في " المجمع " بقوله: وغسل على سرير مجمر.
م: (لما فيه) ش: أي في التجمير، دل عليه قوله: ويجمر م: (من تعظيم الميت) ش: وإكرامه بالرائحة الطيبة ولدفع الرائحة الكريهة م: (وإنما يوتر) ش: يعني وإنما يجمر وترا م: (لقوله ﵇ «إن الله وتر يحب الوتر» ش: وقد مر الكلام فيه آنفا.
م: (ويغلي الماء بالسدر) ش: يغلي من الإغلاء لا من الغلي والغليان، لأنه لازم، والسدر ورق شجر النبق، وهو عود، وكرهت الشافعية وبعض الحنابلة الماء المسخن وخيره مالك ذكره في " الجواهر " وفي " المحلى " من كتب الشافعية قيل: المسخن أولى بكل حال، وهو قول إسحاق ﵀.
وفي " الدراية " وعند الشافعي وأحمد - رحمهما الله - الماء البارد أفضل إلا أن يكون عليه وسخ أو نجاسة لا تزول إلا بالماء الحار، أو يكون البرد شديدا، إلا أن البارد يشد البدن والحار يرخيه، والميت استرخى، فلو غسل بالماء الحار ازداد استرخاؤه فيفضي إلى النجس فتتنجس الأكفان، فكان البارد أولى. قلت: الحار أولى؛ لأن المقصود منه غاية التطهير.
стр. 1519
أو بالحرض مبالغة في التنظيف، فإن لم يكن فالماء القراح لحصول أصل المقصود، ويغسل رأسه ولحيته بالخطمي ليكون أنظف له، ثم يضجع على شقه الأيسر فيغسل بالماء والسدر حتى يرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت منه،
ــ
[البناية]
م: (أو بالحرض) ش: بضم الحاء المهملة وسكون الراء بعدها الضاد المعجمة وهو الأشنان م: (مبالغة في التنظيف) ش: أي لأجل المبالغة في تنظيف الميت م: (فإن لم يكن) ش: أي السدر والأشنان م: (فالماء القراح) ش: بفتح القاف وهو الخالص. وقوله الماء مبتدأ والقراح صفته، والخبر محذوف، أي فالماء القراح متعين م: (لحصول أصل المقصود) ش: وهو التطهير، لأن الماء هو الأصل في باب التطهير، وهذا الترتيب الذي ذكره يوافق مبسوط شمس الأئمة ولا يوافق مبسوط فخر الإسلام و " المحيط " لأنه ذكر فيها أولا بالماء القراح، ثم بالماء الذي يطرح فيه السدر، ثم في الثالثة يجعل الكافور في الماء ويغسل في المرة الأولى، والثانية بالماء القراح، والثالثة بالسدر، وقال الشافعي: يختص السدر بالأولى، وبه قال ابن الخطاب من الحنابلة. وعن أحمد: يستعمل السدر في الثلاث كلها، وهو قول عطاء والنخعي وإسحاق وسليمان بن حرب ﵏.
[غسل رأس الميت ولحيته بالخطمي]
م: (يغسل رأسه ولحيته بالخطمي) ش: بكسر الخاء المعجمة، وهو خطمي العراق، لأنه مثل الصابون في التنظيف، وللشافعي ﵀ في استعمال السدر والخطمي في غسل لحيته ورأسه وجهان. وقال أبو إسحاق المروزي ﵀: المقصود من الغسل التنظيف، فيجب أن يستعان بما يزيد فيه التطهير، وأظهرهما أنه لا استعمال بهما، لأنهما سالبان للطهورية.
قلت: لا نسلم ذلك بل يزيد في التطهير، وبقولنا قال أحمد، وكره ابن سيرين الخطمي، إلا أن لا يجد سدرا.
م: (ليكون أنظف له) ش: أي ليكون غسل رأسه ولحيته بالخطمي أنظف له، أي للميت م: (لم يضجع على شقه الأيسر) ش: أي على جانبه الأيسر، وذلك ليكون بداية الغسل من الميمنة، لأنها هي السنة م: (فيغسل بالماء والسدر حتى يرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت منه) ش: بالخاء المعجمة، لأن بالمهملة توهم أن غسل ما يلي التخت يجب في الجانب لا الجانب المتصل بالتخت أما بالمعجمة يفهم الجانب المتصل منه، أي من الميت. وقال ابن سيرين: يغسل شق وجهه الأيمن ثم الأيسر ثم منكبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جنبه الأمين ثم الأيسر، ثم فخذه اليمنى، ثم اليسرى، ثم الساقان كذلك، ولو فعل كذلك أجزأه.
ولا يكب الميت على وجهه فيغسل ظهره، وعن أبي حنيفة ﵁ في غير رواية الأصول أنه يقعده ويمسح بطنه أولا، وهو قول الشافعي ثم يغسله بعد ذلك، وفي " الذخيرة " للمالكية: يغسل جنبه الأيمن، والأيسر غسلة واحدة، فيغسل مثله ثلاثا.
стр. 1520
ثم يضجع على شقه الأيمن فيغسل حتى يرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت منه، لأن السنة هو البداية بالميامن ثم يجسله ويسنده إليه ويمسح بطنه مسحا رفيقا تحرزا عن تلويث الكفن، فإن خرج منه شيء غسله ولا يعيد غسله ولا وضوءه،
ــ
[البناية]
م: (ثم يضطجع على شقه الأيمن فيغسل حتى يرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت منه، لأن السنة هي البداية بالميامن) ش: فيه حديث عائشة ﵂ «كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمن في كل شيء حتى تنعله وترجله» رواه الجماعة، وحديث أم عطية رواه الجماعة أيضا، واللفظ للبخاري، قالت: «لما غسلنا ابنة رسول الله ﷺ قال لنا ونحن نغسلها: " ابدأوا بميامنها ومواضع الوضوء منها» " وهذه الأبنة هي زينب زوج ابن أبي العاص، وهي أكبر بناته، وصرح به في رواية مسلم عن أم عطية قالت: «لما ماتت زينب ابنة رسول الله ﷺ قال: " اغسلنها وترا ... » الحديث.
وقد جاء في " سنن أبي داود " و " مسند أحمد " و " تاريخ البخاري الأوسط " أنها أم كلثوم ﵂ أخرجوه عن ابن إسحاق وقال المنذري في " مختصره " فيه محمد بن إسحاق وفيه من ليس بمشهور. والصحيح أن هذه القصة في زينب، لأن أم كلثوم ﵂ توفيت ورسول الله ﷺ غائب ببدر والله أعلم.
م: (ثم يجلسه) ش: أي ثم يجلس الغاسل الميت م: (ويسنده إليه ويمسح بطنه مسحا رفيقا) ش: بالفاء من رفق به، أي مسحا لينا بغير عنف م: (تحرزا عن تلويث الكفن) ش: أي احترازا عن تلويث الكفن إذا مسح بالعنف. قال أبوبكر الرازي: ويمسح بطنه في الثانية مسحا خفيفا، وفي " البدائع " ويمسح بطنه بعد غسله مرتين، وروي أن عليا ﵁ مسح بطن رسول الله ﵇ فلم يخرج منه شيء، فقال: طبت حيا وميتا. وفي " المبسوط ": عزاه إلى العباس، وروي أنه لما مسح بطنه فاح من رسول الله ﵇ ريح المسك في البيت. وفي " المبسوط ": لم يذكر في ظاهر الرواية سوى مسحه، وفي " المحيط " ذكر مسحه وغسله.
م: (وإن خرج منه شيء غسله) ش: أي غسل ذلك الخارج م: (ولا يعيد غسله ووضوءه) ش: وبه قال الثوري ومالك والمزني، وللشافعية ثلاثة أوجه، أصحها كقولنا، لأن الميت خرج بالموت من التكليف ينقض الطهارة، وضعف المحاملي وآخرون إعادة غسله، ونقل صاحب " البيان " تضعيفه عن أبي حامد ﵀، وصحح المحاملي والرافعي وآخرون عدم وجوب إعادة غسله ووضوئه، وأجمعوا على أنه لو خرج منه شيء بعد إدراجه في الكفن لا يجب غسله ولا وضوؤه بلا خلاف، وصرح به المحاملي في " التجريد "، وأبو الطيب في " المجرد "، والسرخسي في " الأمالي " وصاحب " العدة "، وجزموا بالاكتفاء بغسل النجاسة بعد الإدراج، وذكر في
стр. 1521
لأن الغسل عرفناه بالنص وقد حصل مرة،
ثم ينشفه بثوب كيلا تبتل أكفانه، ويجعله في أكفانه، ويجعل الحنوط على رأسه ولحيته
ــ
[البناية]
" الروضة " لا يغسل منه شيء بعده عندنا، الوجه الثاني يعاد الوضوء، والثالث يعاد الغسل.
ثم الغسل المسنون ثلاث مرات. هكذا في " المبسوط " و " المحيط "، وفي " البدائع " الواجب فيه مرة واحدة وما زاد سنة، ومثله في " المفيد " وهو قول الشافعي ﵀ ومالك مع الدلك. وقال ابن حزم في " المحلى ": وغسله ثلاثا فرض. وقال ابن المسيب والحسن البصري والنخعي ﵃: يغسل ثلاثا، وكذا غمسه في الماء يكفي، ولو غرق في الماء أو أصابه المطر بعد موته لا يجزئه، لأن الواجب فعلنا.
وفي " البدائع ": إن كان المخرج حركة في الماء كما يحرك الشيء بقصد تطهيره سقط غسله، وفي " المحيط " عن أبي يوسف: يجزئه مرة في الماء ويغسل مرتين، وإن مات في سفينة غسل وكفن ثم يرمى في البحر. وذكره البيهقي عن الحسن البصري ﵀ وإن غرق وتفيح في الماء صب عليه الماء، وكذا إن احترق، ذكره في " الروضة "، والنية ليست بشرط عندنا، وفي " الينابيع " يحركه في الماء فيكون ذلك غسلا له، ولم يشترط النية.
م: (لأن الغسل) ش: بضم الغين وفتحها، وقال السغناقي: كذا وجدته مقيدا بخط شيخي ﵀.
قلت: الفرق بينهما ظاهر، وكل واحد منهما يصلح ها هنا، ولا يحتاج إلى الرواية م: (عرفناه بالنص وقد حصل مرة) ش: أي وقد حصل الغسل مرة، فلا يحتاج إلى الإعادة.
[تنشيف الميت بعد الغسل]
م: (ثم ينشفه بثوب) ش: أي يأخذ ما عليه من بلل، وهو من باب علم يعلم، كذا في " الدستور ". وقال السغناقي: أي يأخذ ما عليه من بلل بثوب حتى يجف من الماء، أخذه بخرقة من باب ضرب يضرب، الأصح ما ذكره في " الدستور "، وقال ابن الأثير: يقال نشفت الأرض الماء تنشفه نشفا شربته، ونشف الثوب العرق وتنشف م: (كيلا تبتل أكفانه) ش: لأنها إذا ابتلت تصير كالمثلة.
م: (ويجعله في أكفانه) ش: أي بعد الفراغ من الغسل والتنشف يدرج في أكفانه م: (ويجعل الحنوط على رأسه ولحيته) ش: والحنوط ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى ولأجسامهم خاصة.
ومنه الحديث أن ثمود لما استيقنوا بالعذاب تكفنوا بالأنطاع، وتحنطوا بالصبر لئلا يجيفوا وينتنوا.
وفي " المحيط ": لا بأس بسائر الطيب في الحنوط غير الزعفران والورس في حق الرجال، ولا بأس بهما في حق النساء، فيدخل فيه المسك، وأجازه أكثر العلماء وأمر به علي ﵁، واستعمله أنس وابن عمر وابن المسيب، وبه قال مالك والشافعي وأحمد ﵏ -
стр. 1522
والكافور على مساجده، لأن التطيب سنة، والمساجد أولى
ــ
[البناية]
وإسحاق، وكرهه عطاء والحسن، ومجاهد، وقالوا ﵏ إنه سنة، واستعماله في حنوط النبي ﵇ حجة عليهم، وفي " الروضة " ولا بأس بأن يجعل المسك في الحنوط، وفي " الصحاح ": الحنوط ذريرة، وهو طيب الميت.
[وضع الكافور على مساجد الميت]
م: (والكافور على مساجده) ش: أي ويجعل الكافور على مساجده، وهو جمع مسجد، بفتح الجيم وهي الجبهة والأنف واليدان والركبتان والقدمان، رواه البيهقي عن ابن مسعود، وهو قول النخعي، والمساجد أولى لهذه الكرامة، وعن زفر: يذره على عينيه وأنفه وفمه إبعادا للدود عنها، وقال إمام الحرمين: وذراعيه على الجملة لطرد الهوام، وبالكافور يجعل طيب الرائحة، ويندفع مكروهها عن المصلين عليه، وفيه تبريك وتخفيف وحفظ للميت من إسراع التغير والفساد وتعويقه ويزيد الإمساك ومنع الهوام، وكرهه أحمد، وقال: يتلف العضو، وما سمعناه إلا في المساجد، وقال النخعي: يوضع الحنوط على الجبهة والراحتين والركبتين والقدمين، وفي " المفيد " وإن لم يفعل لم يضر.
قال ابن الجوزي والقرافي: يستحب في المرة الثالثة شيء من الكافور، قالا: وقال أبو حنيفة: لا يستحب.
قلت: نقلهما ذلك عنه خطأ.
م: (لأن التطيب سنة) ش: أي تطيب الميت أو التطيب مطلقا سنة، والأول هو الأظهر هنا، والسنة هنا حديث أم عطية المخرج في الكتاب والسنة، قال لهن ﵇: «اغسلنها ثلاثا أو خمسا، واجعلن في الآخرة كافورا» .
وفي حديث عبد الله بن مغفل: " «إذا أنا مت فاجعلوا في آخر غسلي كافورا وكفنوني في ثوبين وقميص» . أخرجه الحاكم وسكت عنه.
وفيه حديث أبي بن كعب المتقدم في قصة آدم ﵇. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه " عن علي ﵁ كان عنده مسك، فأوصى أن يحنط به، وقال: هو فضل حنوط رسول الله ﷺ ، ورواه الحاكم أيضا وسكت عنه.
والمساجد أولى بزيادة الكرامة، هذا كأنه جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال لما كان الطيب سنة فما بال تخصيص المساجد دون سائر البدن؟. فأجاب عنه بقوله م: (والمساجد أولى)
стр. 1523
بزيادة الكرامة،
ولا يسرح شعر ميت ولا لحيته ولا يقص ظفره ولا شعره لقول عائشة ﵂ علام تنصون ميتكم
ــ
[البناية]
ش: يعني من غيرها م: (بزيادة الكرامة) ش: لأنها الأعضاء التي عليها قوام البدن. وفي " الروضة ": ولا بأس بأن يحشى مخارقه كأنفه وفمه ومسامعه بالقطن، وأن يجعل القطن على وجهه، وجوز الشافعي ذلك في دبره واستقبحه مشايخنا. وفي " الأسبيجابي " عن أبي حنيفة: لا بأس بأن يحشى مخارقه كالدبر والقبل والأذنين والفم. وفي " المرغيناني ": قال بعضهم: ولا بأس بأن يجعل القطن في صماخ أذنيه.
[تسريح شعر الميت ولحيته]
م: (ولا يسرح شعر الميت ولا لحيته) ش: التسريح تخليص بعض الشعر عن بعض، وقيل تخليله بالمشط. وقال الشافعي: سرح شعره ولحيته بمشط واسع إذا كان ملبدا م: ولا يقص ظفره ولا شعره) ش: ولا تحلق عانته ولا ينتف إبطه ولا يختن، وبه قال محمد بن سيرين ومالك.
وقال ابن المنذر: هذا أحب إلي. وقال الأوزاعي: يقص الأظفار إذا طالت ولا يمس غير ذلك، وفيها خلاف الشافعي، وذكر في " البيان " في ختانه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يختن، الثاني: يختن، والثالث: يختن الكبير لا الصغير، وله قولان في غير الختان، القديم كقولنا، والجديد يفعل ذلك.
وقال الرافعي: لا خلاف أن هذه الأمور لا تستحب، وإنما القولان في الكراهة ورد عليه، وصححوا الكراهة. قال النووي: وهو المختار نقله البندنيجي عن بعض الشافعية. وفي " مختصر المزني ": قال الشافعي: تركه أعجب إلي.
م: (لقول عائشة ﵂ علام تنصون ميتكم) ش: أخرجه عبد الرزاق في " مصنفه "، أخبرنا سفيان الثوري عن حماد عن إبراهيم عن عائشة " رأيت امرأة تكدون رأسها بمشط. فقالت: علام تنصون ميتكم "، ورواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعي به. ورواه أبو عبيد القاسم بن سلام وإبراهيم الحربي في كتابيهما وفي غريب الحديث. وقال أبو عبيد: هو مأخوذ من نصوت الرجل أنصوه نصوا إذا مددت ناصيته. فأرادت عائشة ﵂ أن الميت لا يحتاج إلى تسريح الرأس، وذلك بمنزلة الأخذ بالناصية.
وفي " المغرب " وجعل اشتقاقه من منصت العروس خطأ، قوله: م: (علام) ش: أم أصله على ما دخل حرف الجر على ما الاستفهامية فأسقط ألفها للتخفيف، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] .
فإن قلت: ذكر الرافعي في كتابه، وروي أنه ﷺ قال: «افعلوا بميتكم ما تفعلون بعروسكم» وذكره الغزالي في " الوسيط " أيضا، ولفظه: «افعلوا بموتاكم ما تفعلون بأحيائكم» .
стр. 1524
ولأن هذه الأشياء للزينة، وقد استغنى الميت عنها.
وفي الحي كان تنظيفا لاجتماع الوسخ تحته، وصار كالختان
ــ
[البناية]
قلت: قال ابن الصلاح: بحثت عنه فلم أجده ثابتا. وقال أبو حامد في كتاب السواك: هذا الحديث غير معروف.
م: (ولأن هذه الأشياء للزينة، وقد استغنى الميت عنها) ش: لأنه فارقها وفارق أهلها، ولأن من حكم الميت أن يدفن بجميع أجزائه، فلا معنى لفصل بعض أجزائه ثم دفنه معه
م: (وفي الحي كان تنظيفا لاجتماع الوسخ تحته) ش: قال صاحب " الدراية ". هذا جواب قول الشافعي أنه تنظيف له كالحي.
وقال السغناقي: هذا جواب إشكال، أي لا يشكل علينا الحي، حيث يسرح شعره ويقص ظفره، لأنه يخرج إلى الزينة، ولا يعتبر في حقه زوال الجزء، بخلاف الميت فإنه لا يسن فيه إزالة الجزء.
قلت: الذي ذكره السغناقي هو الصواب، لأن خلاف الشافعي لم يذكر في الكتاب حتى يجاب عنه، والضمير في كان يرجع إلى كل واحد من قص الظفر والشعر، وكذلك الضمير في قوله تحته، أي تحت كل واحد من قص الظفر والشعر.
قلت: هذا ليس معنى هذا التركيب، وهو ظاهر، فإذا علم مرجع الضمير في صار يحل التركيب كما ينبغي، والضمير يرجع إلى مقدر تقديره وصار الفرق أو الحكم بين الميت والحي في إزالة الجزء من حيث إنه لا يعتبر في حق الحي، لأنه يحتاج إلى الزينة، كما في الختان، ويعتبر في حق الميت فلا يسن في حقه إزالة الجزء، كما في الختان فإنه لا يختن بالاتفاق.
فروع: يغسل الرجال الرجال، والنساء النساء، إلا أن يكون الميت صغيرا لا يشتهى، أو صغيرة لا تشتهى فلا بأس أن يغسلها الرجال والنساء.
وقال ابن المنذر حكاية عنه تغتسل المرأة الصغير ما لم يتكلم، والرجل الصغيرة ما لم تتكلم.
قلت: ذكره في " المبسوط " والصحيح الأول. وقال الحسن: يغسله النساء إذا كان فطيما أو فوقه بشيء يسير. وقال الأوزاعي وإسحاق: إذا كان ابن أربع أو خمس.
وقال مالك وأحمد: ابن سبع، وهو قريب من قول أصحابنا، وكذا الجارية في حق الرجل وفيمن قال تغسل المراة الصغيرة، ويغسل الرجل الصغيرة الحسن وابن سيرين والأوزاعي وأحمد وإسحاق ﵏، ونقل ابن المنذر في كتاب " الإجماع " [....
....] الإجماع
стр. 1525
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
على جواز غسل المرأة زوجها. وعن أحمد منفردا في رواية ذكرها عنه النووي، وأما غسله زوجته فغير جائز عندنا، وهو قوله، وهو قول الثوري والأوزاعي وكرهه الشعبي ﵀.
قال الشافعي ﵀ ومالك وأحمد وآخرون ﵏: يجوز، قال النووي: احتجوا بحديث «عائشة ﵂ قالت: قلت: وارأساه لصداع في رأسي، فقال ﷺ : " بل أنا وارأساه يا عائشة ما ضرك لومت قبلي فغسلتك وكفنتك..» الحديث رواه أحمد وابن ماجه والدارقطني والدارمي والبيهقي بإسناد ضعيف، وفيه محمد بن إسحاق كذبه مالك وغيره.
وقال ابن الجوزي: رواه البخاري ومسلم ولم يقل غسلتك، إلا ابن إسحاق، واحتجوا أيضا بما رواه البيهقي وابن الجوزي عن فاطمة ﵂ أنها قالت لأسماء بنت عميس يا أسماء إذا مت فاغسليني أنت وعلي بن أبي طالب، فغسلاها. قال ابن الجوزي: في إسناده عبد الله بن نافع. قال يحيى: ليس بشيء. وقال النسائي: متروك، والبيهقي رواه في " سننه الكبرى " ولم يتكلم عليه، وظن أنه يخفى.
وقال صاحب " المبسوط " و " المحيط " و " البدائع " وجماعة غيره أن ابن مسعود أنكر على علي ﵁ ذلك، فقال له إنها زوجته في الدنيا والآخرة، يعنون أن الزوجية باقية بينهما لم تنقطع.
قلت: وفيه نظر، لأنه لو بقيت الزوجية بينهما لما تزوج أمامة بنت زينب بعد موت فاطمة وقد مات عن أربع حرائر، ولو مات الرجل في السفر ومعه نساء إن كانت فيهن امرأته غسلته وكفنته وصلين عليه، وتقوم إمامهن وسطهن. وعند مالك والشافعي النساء وحدهن يصلين عليه منفردات ثم يدفنه، وإن لم يكن فيهن امرأته ومعهن كافر يعلمنه الغسل والتكفين ثم يخلين بينهما ثم يصلي عليه النساء ويدفنه، ويروى جواز غسل الكافر للمسلم عن مكحول وسفيان وعلقمة وغيرهم.
وإن لم يكن معهن كافر، وكانت معهن صبية لا تشتهي وتطيق غسله، عليها الغسل والتكفين، ثم يصلي عليه النساء ويدفنه، وإن لم يكن ييممنه وإن ماتت ولي سمعه مسلمات ومعها رجل كافر أو كافرة أو صبي لم يبلغ حد الشهوة فالرجل يعلمها كما تقدم، وكذا المرأة تيمم عندنا، وبه قال ابن المسيب والنخعي وحماد بن أبي سليمان ومالك وأحمد.
стр. 1526
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وقال الحسن البصري وقتادة والزهري وإسحاق ﵏: يصب عليها الماء من فوق ثيابها. وعن ابن عمر ونافع تغمس في ثيابها. وقال الأوزاعي: تدفن كما هي ولا تيمم.
وقال ابن المنذر: بالتيمم أقول.
وعند الشافعية في أحد الوجهين تغسل الأجنبية بخرقة وتستر بثوب. وقال القاضي حسين: وتصح بغير خرقة بلا خلاف. وييمم المحرم بغير خرقة، وغير المحرم بخرة، وكذا الأمة تيمم الرجل، والرجل ييمم الأمة بغير خرقة، ذكره في " البدائع ". وقال أبو قلابة: يغسل الرجل ابنته. وقال مالك: لا بأس بأن يغسل أمه وأخته عند الضرورة، وقال الأوزاعي: يصب عليها الماء، وأنكر أحمد فعل أبي قلابة، وينظر إلى وجهها دون ذراعيها.
وقال مالك ﵀: الرجل ييممها إلى الكوعين، والمرأة إلى المرفقين. ولو كانت زوجته حاملا فوضعت لا تغسله، خلافا لمالك ﵀. ولو بانت منه قبل موته وارتدت قبله أو بعده أو قتلت ابنه أو أباه أو وطئت بشبهة، قال في " المحيط " في رواية الحسن عنه، وهي الأصح يحرم عليه غسله، خلافا لزفر، والمطلقة الرجعية تغسله، وبه قال أحمد، وعند الشافعي: لا يغسل أحدهما الآخر كالبائن والفسخ، وعند مالك ﵀ في الرجعي كالمذهبين. وفي " المبسوط " و " المحيط ": لو كانت مجوسية وهو مسلم لا تغسله إلا أن تسلم، ولو ارتدت ثم أسلمت لا تغسله، ولو وطئت بشبهة ثممات وانقضت عدتها من ذلك الوطء لا تغسله خلافا لأبي يوسف، ولو طلق إحد امرأتيه ثلاثا وقد دخل بها لم تغسله واحدة منهما. وفي " المحيط ": إذا ظاهر منهما ثم مات الأصح أنها تغسله، ولا تغسله أمته، لأنه مثل الغير، ولا مديرته ولا أم ولده. وفي " البدائع " في أم الولد روايتان، في رواية تغسله لقول زفر ومالك وأحمد ﵏ والثانية لا تغسله. وقال النووي: الأصح أنه ليس لأم الولد أن تغسل سيدها، وله غسلها.
وقال المرغيناني: الخنثى ييمم، وقيل: يغسل في ثيابه. وقال الحلواني: يجعل في كوارة ويغسل. وعند الشافعية يغسل المحرم وإن لم يكن، قيل يغسل من فوق بثوب، وقيل ييمم.
لا غسل على من غسل ميتا، وهو قول عامة أهل العلم كابن عباس وابن عمر وعائشة والحسن البصري والنخعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ﵏ وحكاه أبو بكر ابن المنذر وقال: لا شيء عليه، وليس فيه حديث يثبت.
وعن علي وأبي هريرة أنهما قالا من غسل ميتا فليغتسل، وبه قال ابن المسيب وابن سيرين والزهري. وقال النخعي وأحمد وإسحاق ﵏ يتوضأ. وقال مالك: أحب له
стр. 1527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الغسل، واستحبه الشافعي. وقال في " البويطي ": إن صح الحديث قلت بوجوبه. والأول أصح.
وروى أبو هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: «من غسل ميتا فليغتسل» رواه أبو داود وغيره.
وقال البيهقي: الصحيح أنه موقوف على أبي هريرة ﵁. وقال الترمذي عن البخاري أنه قال: إن أحمد وعلي بن المديني قالا: لا يصح في الباب شيء، وكذا قال محمد بن يحيى شيخ البخاري، ورواه البيهقي أيضا من رواية حذيفة مرفوعا، وإسناده ساقط.
وأما «حديث علي ﵁ أنه غسل أباه أبا طالب فأمره النبي ﷺ أن يغتسل» ورواه البيهقي من طريق فهو حديث باطل.
وحديث عائشة ﵂ «أنه ﷺ كان يغتسل من الجنابة ويوم الجمعة ومن الحجامة وغسل الميت» رواه أبو داود وغيره بإسناد ضعيف، وهكذا الحديث في الوضوء من حمل الميت ضعيف. وروى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ» وقال الترمذي: حديث حسن، قال النووي: بل عليه قوله حسن بل هو ضعيف، بين ضعفه البيهقي وغيره.
وقال المزني: هذا الغسل غير مشروع، وكذا الوضوء من مس الميت وحمله، لأنه لم يصح فيها شيء. وقال في " المختصر ": لو مس خنزيرا فليس عليه شيء من الوضوء ولا الغسل، فالمؤمن أولى. قال النووي: هذا قوي.
وقال أصحابنا: هذا إذا ثبت محمول على غسل ما أصابه من غسالة الميت. والوصي إذا حمله ليصلي عليه، والمحرم وغير المحرم فيه سواء عندنا. وقال مالك مثله. وقال الشافعي وأحمد وعطاء وداود لا يغطى رأسه، وإن كان امرأة لا يغطى وجهها، ولا يلبس المخيط ولا يقرب الطيب.
стр. 1528
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
ولنا عموم قوله ﷺ : «غطوا رؤوس موتاكم ولا تشبهوا باليهود» ، ويستحب أن يكون الغاسل أقرب الناس إلى الميت، فإن لم يكن أو كان لا يعلم الغسل يغسله أهل الأمانة والورع. ولو كان الغاسل جنبا أو حائضا أو كافرا جاز، ولكن يكره.
ولو اختلط موتى المسلمين بموتى الكافرين يغسلون إن كان المسلمون أكثر. وقال مالك والشافعي - رحمهما الله -: يصلى عليهم بالتحري، ومن لا يدري أنه مسلم أوكافر إن كان عليه شبه المسلمين، أو في متاع دار الإسلام يغسل، وإلا فلا. ولو سبي صبي مع أحد أبويه ثم مات لا يغسل حتى يقر بالإسلام أو يعقل. وفي الكل اختلاف. ولو سبي وحده غسل وصلي عليه تبعا للدار.
ولو وجدت أكثر الميت أو نصفه مع الرأس غسل وصلي عليه وإلا فلا، وبه قال مالك. وقال الشافعي وأحمد - رحمهما الله -: يغسل القليل أيضا ويصلى عليه. وقال ابن جبير: لا غسل إلا على البدن الكامل، والأفضل أن يغسل الميت مجانا، ولو طلب الغاسل الأجر فإن كان في البلدة غيره يجوز له أخذ الأجرة، وإن لم يكن لا يجوز، وأما أجرة خائطة الكفن وأجرة الحامل والدفان من رأس المال.
стр. 1529
فصل في التكفين السنة أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب، إزار وقميص ولفافة، لما روي «أنه ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية»
ــ
[البناية]
[فصل في التكفين] [ما يجزئ في الكفن بالنسبة للرجل]
م: (فصل في التكفين) ش: أي هذا فصل في بيان أمور التكفين. ولما فرغ من بيان غسل الميت، شرع في بيان كفنه على الترتيب. والتكفين مصدر من كفن بالتشديد. وقال الجوهري: الكفن غزل الصوف. يقال: كفن يكفن يعني من باب نصر ينصر، ثم قال: والكفن معروف، يقال: كفنت الميت تكفينا.
م: (السنة أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب) ش: ذكر لفظ السنة هنا لبيان كيفية التكفين لا في أصله، لأن أصل التكفين واجب بدليل أنه يقدم على الدين والوصية والإرث، وبدليل أن الميت إذا لم يترك شيئا، أو لم يكن له من يجب عليه نفقته يفترض على الناس أن يكفنوه إن قدروا عليه، وإلا سألوا الناس. وأما قول صاحب " التحفة " عن تكفين الميت بعد الغسل، لأنه سنة ففيه تسامح، وقد نص في " البدائع " وغيره على أنه واجب وقيل فرض كفاية كالصلاة والغسل.
م: (إزار وقميص ولفافة) ش: يجوز جر هذه الأشياء ورفعها، أما الجر فعلى أنها بدل من أثواب، وأما الرفع فعلى أنها خبر مبتدأ محذوف أي هي إزار وقميص ولفافة، وسيأتي بيانها عن قريب م: (لما روي «أنه ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية» ش: هذا الحديث رواه الأئمة الستة في كتبهم من حديث عائشة ﵂ قالت: «كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة» .
وفي رواية أبي داود «ثلاثة أثواب يمانية بيض» . وفي رواية النسائي فذكر لعائشة قولهم في ثوبين وبرد حبرة، فقالت: قد أتى بالبرد، ولكنهم ردوه. وفي رواية لمسلم: «أما الحلة فإنها شبه على الناس فيها أنها اشتريت له ليكفن فيها فتركت الحلة» .
قيل: استدلال المصنف بهذا الحديث لا يتم، لأنه حجة عليه في عدة القميص.
قلت: استدلاله لا يتم إلا بحديث جابر بن سمرة فإنه قال: «كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب قميص وإزار ولفافة» رواه ابن عدي في " الكامل ". وهذا هو المناسب في الاستدلال وحديث عائشة ﵁ لا يناسب، لأنه صرح فيه بعدم القميص، والشافعي أخذه بظاهره واحتج به على أن الميت يكفن في ثلاث لفائف، وبه قال أحمد. وقال النووي: في إ زار ولفافتين ليس فيها قميص، والإزار من السرة، واستحب مالك القميص كقولنا.
стр. 1530
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وقال النووي: إن شاء كفنه بقميص ولفافتين، وإن شاء بثلاثة لفائف. وقال ابن المنذر: وممن قال يكفن في ثلاثة أثواب طاوس والأوزاعي، ومالك يجيز اثنين إذا لم يوجد غيرهما، قال: وقال النعمان: ويكفن الرجل في ثوبين.
قلت: السنة عنده ثلاثة كما هو مذكور في كتب أصحابنا، ونقله عنه خطأ، ولكن يجزئه ثوبان. وفي " المحيط " و " جوامع الفقه " ثلاثة أثواب قميص وإزار ورداء، فذكر الرداء موضع اللفافة.
فإن قلت: إذا لم يتم الاستدلال بالحديث المذكور، فما دليل أصحابنا أن الثلاثة فيها قميص، والحديث ليس فيها قميص؟ قلت: أكثر أصحابنا احتجوا بالحديث المذكور بناء على أن نقلهم بعض الحديث الذي يوافق لما ذهبوا إليه غير أن صاحب " الدراية " قال: ولنا حديث ابن عباس «أنه ﷺ كفن في ثلاثة أثواب فيها قميص» . وروى عبد الله بن مغفل «أنه ﷺ كفن في قميصه الذي مات فيه» .
وروى البخاري ومسلم «أن عبد الله بن أبي بن سلول سأل رسول الله ﷺ أن يعطيه قميصه ليكفن فيه أباه، فكفن فيه» .
وروى البزار «أنه ﷺ كفن في سبعة أثواب» يعني ثلاثة سحولية وقميصه وعمامته وسراويله وقطيفته التي جعلت تحته.
قلت: هذا الشارح نقل هذه الأحاديث نقلا مجردا من غير تعرض لحالها. وأما حديث ابن عباس، فرواه أبو داود، وأحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة قالا: ثنا ابن إدريس عن يزيد يعني ابن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس قال: «كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب نجرانية الحلة ثوبان، وقميصه الذي مات فيه» . قال عثمان: «في ثلاثة أثواب، حلة حمراء وقميصه الذي مات فيه» .
وأما حديث عبد الله بن مغفل، وأما حديث البزار فرواه عن علي ﵁، ورواه أحمد وابن أبي شيبة أيضا.
فإن قلت: في سند حديث ابن عباس ﵄ يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف،
стр. 1531
ولأنه أكثر ما يلبسه عادة في حياته، فكذا بعد مماته
ــ
[البناية]
ولا يحتجون بحديثه.
قلت: لا نسلم ذلك، فإن مسلما قد أخرج له في المتابعات، وفي " الكمال " روى له مسلم وأبو داود والترمذي، ولما أخرج أبو داود حديثه هذا سكت عنه، وذلك دليل رضاه بصحته.
فإن قلت: في سند حديث علي ﵁ عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو سيء الحفظ.
قلت: قالوا إن حديثه يصلح للمتابعات، وإذا انفرد فحسن، وإذا خالف فلا يقبل، وروى الحاكم من حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵁ ما يعضد رواية ابن عقيل هذه.
ولنا في هذا الباب حديث آخر، رواه ابن عدي في " الكامل " عن ناصح بن عبد الله الكوفي عن سماك عن جابر بن سمرة ﵁ قال: «كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب، قميص وإزار ولفافة» . وروى محمد بن الحسن في كتاب " الآثار " أخبرنا أبو حنيفة عن حماد ابن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي «أن النبي ﷺ كفن في حلة يمانية وقميص» . وأخرجه عبد الرزاق في " مصنفه " وأخرج عن الحسن نحوه.
قوله: " ثلاثة أثواب " الأثواب جمع ثوب. وقوله: " بيض " بكسر الباء جمع أبيض. وقوله: " سحولية " بفتح السين ثياب منسوبة إلى السحول، وهو القشر، لأنه يسحلها أي يقشرها، أو سحول قرية باليمن، وبالضم جمع سحل، وهو الثوب الأبيض من القطن، وعلى هذا ذكرها مع البيض للتأكيد، وفيه شذوذ من حيث نسبتها إلى الجمع، وتجمع على سحل أيضا، وقيل بالضم أيضا اسم القرية. وفي " المغرب " الفتح هو المشهور.
وقال الهروي: بفتح السين وهي ثياب منسوبة إلى قرية باليمن، وعن الأزهري بالضم. وجاء في رواية " ثلاثة أثواب سحول " بالضم، بدل من الأثواب جمع سحل أو وصف معناه بيض.
م: (ولأنه أكثر ما يلبسه عادة في حياته، فكذا بعد مماته) ش: هذا دليل عقلي، أي ولأن الميت أكثر ما يلبس الثياب الثلاث عادة في حياته فكذلك ينبغي أن يكون كفنه ثلاثة أثواب بعد مماته اعتبارا بحال الحياة.
وفي " المبسوط " وغيره: لأنه كان يخرج في ثلاثة أثواب في العادة قميص وسراويل وعمامة، وفيه نظر، لأن عادة الخارج من بيته أن يكون في أربعة أثواب يلبس فوق القميص قباء أو جبة أو نحوهما، ثم الزيادة على الثلاثة فقد ذكر في " الذخيرة " في كتاب الحي لو صام يكفن
стр. 1532
فإن اقتصروا عل ثوبين جاز. والثوبان إزار ولفافة، وهذا كفن الكفاية لقول أبي بكر ﵁ اغسلوا ثوبي هذين وكفنوني فيهما
ــ
[البناية]
الرجل زيادة على الثلاثة إلى خمسة أثواب، مثل كفن النساء فلا يكره، ولا بأس به.
وبه قال الشافعي ﵀ وقال مالك: يستحب إلى الخمسة للرجال والنساء، وإلى التسعة مباحة، وما زاد فسرف، ذكره في " الذخيرة " للمالكية، وكره أحمد ﵀ الزيادة على الثلاثة والنقص عنها، عنه رواية أخرى كقولنا.
ولنا أن ابن عمر كفن ابنه واقدا في خمسة أثواب، قميص وعمامة وثلاث لفائف وأدار العمامة غل تحت حنكه، رواه سعيد بن منصور، وأوصى أنس إلى ابن سيرين ﵀ أن يغسله فغسله وكفنه في خمسة أثواب، أحدها العمامة وطلاه بالمسك من فوقه إلى قدمه، رواه ابن حرب في " مسائله ".
وفي " المبسوط ": وكره بعض مشايخنا العمامة، لأنه يصير شغفا، واستحسنه بعض المشايخ لحديث ابن عمر المذكور، وكان يعمم الميت، ويجعل دفنها على الوجه، بخلاف الحي، لأنه للزينة في الحي.
وفي " المرغيناني ": قال بعض المشايخ: إن كن عالما معروفا أو من الأشراف يعمم، وإن كان من الأوساط لا يعمم.
م: (فإن اقتصروا على ثوبين جاز، والثوبان إزار ولفافة) ش: أي الثوبان اللذان اقتصروا عليهما إزار ولفافة، وهذا ذكر في " المفيد " و " المزيد " و " التحفة " والدليل عليه قوله ﷺ في المحرم الذي وقصته دابته «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين» رواه البخاري وغيره في السنة من حديث ابن عباس م: (وهذا كفن الكفاية) ش: أي الاقتصار على الثوبين كفن الكفاية، لأن الأكفان على ثلاثة أقسام كفن السنة، وكفن الكفاية، وكفن الضرورة، وقد ذكر كفن السنة في حق الرجل، وهذا كفن الكفاية، وسيأتي بيان كفن الضرورة عن قريب.
م: (لقول أبي بكر ﵁: اغسلوا ثوبي هذين وكفنوني فيهما) ش: هذا أخرجه أحمد في كتابه " الزهد ": ثنا يزيد بن هارون أنا إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله التيمي مولى الزبير بن العوام عن عائشة بأطول منه، وفيه: انظروا ثوبي هذين فاغسلوهما ثم كفنوني فيهما، فإن الحي أحوج إلى الجديد منهما.
وروى ابنه عبد الله بن أحمد ﵄ في كتاب " الزهد " أيضا ثنا هارون بن معروف ثنا حمزة عن جابر بن أبي سلمة عن عباد بن نسي قال: لما حضرت أبا بكر والوفاة قال لعائشة ﵂: اغسلوا ثوبي هذين ثم كفنوني فيهما، فإنما أكون أحد رجلين إما
стр. 1533
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
مكسو أحسن الكسوة أو مسلوب أسوأ السلب.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عائشة ﵂ قالت: قال أبو بكر ﵁ لثوبيه الذي كان مرض فيهما: اغسلوهما وكفنوني فيهما، فقالت عائشة ﵂: ألا نشتري لك جديدا؟ قال: لا، إن الحي أحوج إلى الجديد من الميت.
وروي أيضا عن جريج عن عطاء، قال: سمعت عبيد بن عمير يقول: أمر أبو بكر ﵁ إما عائشة وإما أسماء بنت عميس بأن يغسل ثوبين كان مرض فيهما ويكفن فيهما، فقالت عائشة ﵂: أو ثيابا جددا؟ قال: الأحياء أحق بذلك.
ورواه ابن سعد في " الطبقات " أنا الفضل بن دكين أنا سيف بن أبي سليمان، قال: سمعت القاسم بن محمد قال: قال أبو بكر ﵁ حين حضره الموت: كفنوني في ثوبي هذين اللذين كنت أصلي فيهما واغسلوهما فإنها للمهل والتراب.
ورواه أيضا عن الواقدي عن معمر بسند عبد الرزاق ومتنه، وذكره محمد بن الحسن في كتاب " الآثار " بلاغا، فقال: بلغنا عن أبي بكر ﵁ أنه قال: اغسلوا ثوبي هذين وكفنوني فيهما.
قلت: العجب من السروجي كيف يقول في الكتاب لقول أبي بكر الصديق اغسلوا ثوبي هذين وكفنوني فيهما لا أصل له.
نعم روى البخاري خلاف هذا أخرج عن عائشة أن أبا بكر قال لها: في كم كفن رسول الله ﷺ ؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، قال: في أي يوم توفي رسول الله ﷺ ؟ قلت: يوم الاثنين، قال: فأي يوم هذا؟ قال: يوم الاثنين، قال: أرجو فيما بيني وبين الليل فنظر إلى ثوب كان مرض فيه به ردع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين، فكفنوني فيهما، قالت: إن هذا أخلق، قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة، فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء ودفن قبل أن يصبح، انتهى.
الردع بفتح الراء اللطخ والأثر، والمهلة بضم الميم وكسرها وفتحها هي دم الميت وصديده.
والجواب عن قولها ليس فيها قميص أن معناه لم يتخذ قميص جديد أو قميص كامل له كمان ودخاريص، ويقال معناه لم يكن فيها قميص الأحياء، وأيضا حديث عائشة ﵂ معارض بما روي عن عبد الله بن المغفل وابن عباس، والأولى أن يعمل بروايتهما، لأنهما حضرا تكفين النبي ﷺ وعائشة لم تحضر، والحال أكشف على الرجال، لأنهم هم المباشرون،
стр. 1534
ولأنه أدنى لباس الأحياء، والإزار من القرن إلى القدم، واللفافة كذلك، والقميص من أصل العنق إلى القدم، وإذا أرادوا لف الكفن ابتدؤوا بجانبه الأيسر فلفوه عليه ثم بالأيمن كما في حال الحياة وبسطه أن يبسط اللفافة أولا ثم يبسط عليها الإزار ثم يقمص الميت ويوضع على الإزار ثم يعطف الإزار من قبل اليسار ثم من قبل اليمين، ثم اللفافة كذلك،
ــ
[البناية]
ومع ذلك الميت أولى من الباقي.
م: (ولأنه أدنى لباس الأحياء) ش: هذا دليل عقلي، والضمير في لأنه يرجع إلى الاقتصار الذي يدل عليه قوله: " فإن اقتصروا على ثوبين " أي لأن الاقتصار على ثوبين أدنى لباس الأحياء، فيقتصر أيضا في التكفين على ثوبين، لأنهما كسوته بعد الوفاة، فيعتبر بكسوته في الحياة، ولهذا تجوز صلاته فيهما بلا كراهة.
م: (والإزار من القرن إلى القدم) ش: هذا دليل حد الإزار الذي هو أحد الثياب الثلاثة، وأراد بالقرن الرأس، يقال الأول ما تطلع الشمس قرن الشمس وقرنا الرأس، أي ناحيتاه. وقال الأترازي: القرن ها هنا بمعنى الشعر.
قلت: كل ضفيرة من ضفائر الشعر تسمى قرنا. والقرن يأتي لمعان كثيرة م: (واللفافة كذلك) ش: أي من القرن إلى القدم.
م: (والقميص من أصل العنق إلى القدم) ش: لكن بلا جيب ولا دخريص وفي " مغني الحنابلة " يلبس القميص ويكون مثل قميص الحي له كمان ودخاريص وأزارر [......] .
قلنا: الحي يحتاج إلى هذه الأشياء ليتمكن له المشي فيه، بخلاف الميت.
م: (وإذا أرادوا لف الكفن ابتدؤا بجانبه الأيسر، فلفوه ثم بالأيمن) ش: هذه صفة لف الكفن على الميت، وإنما يقدم الابتداء بالجانب الأيسر، لأن لليمين فضلا على اليسار، فإذا أخر لف اليمين فوق اليسار، أشار إليه بقوله " ثم بالأيمن " أي ثم ابتدأوا بالجانب بالجانب الأيمن ليكون على الأيسر م: (كما في حال الحياة) ش: أي كما يبتدأ في حالة الحياة في لبس القباء بالجانب الأيسر، ليكون الجانب الأيمن عليه، وحالة الموت تعتبر بحالة الحياة. م: (وبسطه) ش: أي وبسط الكفن، وهو مبتدأ وخبره قوله: م: (أن بسط اللفافة أولا) ش: يعني بغير شيء.
م: (ثم يبسط عليها الإزار) ش: أي على اللفافة، فيكون الإزار بين اللفافة والقميص م: (ثم يقمص الميت) ش: أي ثم يلبس الميت قميصه م: (ويوضع على الإزار ثم يعطف الإزار من قبل اليسار، ثم من قبل اليمين) ش: وذلك كما ذكرنا ليكون الجانب الأيمن على الأيسر م: (ثم اللفافة كذلك) ش: أي ثم يعطف اللفافة كما يعطف الإزار في الابتداء من الجانب الأيسر، ليكون الأيمن فوقه.
стр. 1535
وإن خافوا أن ينتشر الكفن عنه عقدوه بخرقة صيانة عن الكشف، وتكفن المرأة في خمسة أثواب درع وإزار وخمار ولفافة وخرقة تربط فوق ثدييها
ــ
[البناية]
[ما يجزئ في الكفن بالنسبة للمرأة]
م: (وإن خافوا أن ينتشر الكفن عقدوه بخرقة صيانة) ش: أي لأجل صيانة الميت م: (عن الكشف) ش: ولا سيما في المرأة م: (وتكفن المرأة في خمسة أثواب) ش: هذا كفن السنة في حقها على ما يأتي عن قريب م: (درع وإزار وخمار ولفافة تربط فوق ثدييها) ش: يجوز في درع وما بعده الجر على البدلية والرفع على أنه خبر مبتدأ، أي درع.... إلخ، ويجوز النصب أيضا على تقدير أعني درعا وإزارا وخمارا ولفافة وخرقة، وقوله تربط فوق ثدييها في محل الرفع أو الجر أو النصب على أنه صفة لخرقة.
وقال ابن المنذر في " الأشراف " كل من يحفظ عنه يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب كالشعبي والنخعي والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وعن ابن سيرين: تكفن المرأة في خمسة أثواب درع وخمار ولفافتين وخرقة.
وعن النخعي ﵀ تكفن في خمسة، درع وخمار ولفافة ومبطن ورداء وعن الحسن: في خمسة، درع وخمار وثلاثة لفائف. وعن عطاء: تكفن في ثلاثة أثواب درع وثوب تحته وثوب فوقه. وقال سليمان بن موسى الأشدق الدمشقي: تكفن في درع وخمار ولفافة تدرج فيها.
وقال الشافعي: تكفن في خمسة: ثلاث لفائف وإزار وخمار، وفي " القديم " قميص ولفافتان وهو الأصح، واختاره المزني: وقال أحمد: تكفن في قميص ومئزر ولفافة ومقنعة وخامة تشد بها فخذها.
وفي " المنافع ": الخرقة ثوب واحد من بين ركبتيها إلى صدرها، وتكون فوق الأكفان على الثديين والبطن حتى لا يشد الكفن عنها. وفي " المبسوط " و " المجتبى " والخرقة تشد فوق الأكفان على القدمين والمبطن لئلا ينتشر الكفن. وقيل: على الثديين إن عظمتا وإلا على البطن.
وعند زفر: على فخذها كيلا يضطرب إذا حملت على السرير، والصبي المراهق كالبالغ، والمراهقة كالبالغة، وأدنى ما يكفن به الصبي الصغير ثوب واحد، والصغيرة ثوبان، وفي " المبسوط " والطفل الذي لم يتكلم إن كفن في خرقتين إزار ورداء فحسن، ويجوز في إزار واحد، والسقط والمولود ميتا يلف في خرقة.
وقال ابن المسيب: يكفن الصبي في ثوب. وقال النووي: يجزئه ثوب. وقال أحمد وإسحاق: يكفن في خرقة، وإن كفنوه في ثلاثة فلا بأس. وعن الحسن يكفن في ثوبين. وقال الشافعي: وأقله ما يستر العورة، وعنهم ثوب يعم البدن، وأكثرهم صحح الأول، وإمام الحرمين والغزالي والبغوي والسرخسي من الشافعية قطع بالثاني وحسين صححه، وحكى
стр. 1536
لحديث أم عطية «أن النبي ﷺ أعطى اللوائي غسلن ابنته خمسة أثواب»
ــ
[البناية]
البندنيجي وجها ثالثا، وهو وجوب الثلاثة.
وقال النووي: وهو شاذ مردود، ثم المستحب في الكفن البياض جديدا كان أو غسيلا. وفي " البدائع " هما سواه إن كان خلقا، وقال حسين والبغوي من الشافعية: الغسيل أفضل من الجديد. وفي " الروضة " ويكفن في القطن والكتان والبرود إن كان لها أعلام ما لم يكن فيها تماثيل.
وفي " شرح المهذب " للنووي: ويجوز بالكتان والقطن والصوف والوبر والشعر على لبسه عادة، ويكره للرجال المزعفر والمعصفر، والحرير، والإبريسم، ذكرها في " المحيط " و " الإيضاح " وغيرهما، ولا يكره للنساء. وقال الشافعي ﵀ يكره تكفينها في الحرير والمعصفر والمزعفر، ومن يكره تكفين الموتى في الحرير الحسن البصري وابن المبارك وإسحاق.
وقال ابن قدامة في تكفين المرأة في الحرير احتمالان، أقيسهما الجواز، وكره مالك المعصفر في " المدونة "، ومنع الحرير فيه للرجال والنساء، وروي جوازه للرجال والنساء، وكره في " الذخيرة " وجوزه ابن حبيب للنساء خاصة، وذكره مالك الخز لأن سداه حرير.
ولنا أن حالها بعد موتها في حق الكفن معتبرة بحال الحياة، والمرأة لا يكره في حقها في حال حياتها ذلك فكذا بعد موتها بخلاف الرجل، وإن لم يوجد إلى حرير يجوز الكفن به ولا يزاد على ثوب واحد.
١ -
م: (لحديث أم عطية أن «النبي ﷺ أعطى اللوائي غسلن ابنته خمسة أثواب» ش: اسم أم عطية نسيبة بنت الحارث، وقيل بنت كعب الغاسلة، وحديثها بهذا اللفظ غريب، وبغير هذا اللفظ أخرجه الجماعة، ولفظ البخاري قالت: «لما غسلنا ابنة رسول الله ﷺ هي زينب زوج أبي العاص،» وهي أكبر بناته -، ومصرح به في لفظ مسلم: عن أم عطية قالت: «لما ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ قال لنا ونحن نغسلها: اغسلنها وترا....» الحديث.
وفي " سنن أبي داود " و " مسند أحمد " و " تاريخ البخاري الأوسط " أنها أم كلثوم أخرجوه عن ابن إسحاق حدثني نوح بن حكيم الثقفي وكان قارئا للقرآن عن رجل من بني عروة بن مسعود يقال له داود قد ولدته أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ «عن ليلى بنت قانف الثقفية قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ عند وفاتها، فكان أول ما أعطانا رسول الله ﷺ الحقاء ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر، قالت: ورسول الله ﷺ جالس عند الباب ومعه كفنها يناولناها ثوبا ثوبا» .
وقال المنذري في " مختصره " فيه محمد بن إسحاق، وفيه من ليس بمشهور، والصحيح أن
стр. 1537
ولأنها تخرج فيها حالة الحياة، فكذا بعد الممات. هذا كفن السنة. وإن اقتصر على ثلاثة أثواب جاز وهي ثوبان وخمار وهو كفن الكفاية، ويكره أقل من ذلك، وفي الرجل يكره الاقتصار على ثوب واحد إلا في حالة الضرورة، لأن مصعب بن عمير حين استشهد كفن في ثوب واحد، وهذا كفن الضرورة.
ــ
[البناية]
هذه القضية في زينب. لأن أم كلثوم توفيت ورسول الله ﷺ غائب ببدر، قوله " الحقاء " بكسر الحاء هو الحقو بالفتح والكسر، وهو المئزر، و " قانف " بالنون.
م: (ولأنها تخرج فيها حالة الحياة، فكذا بعد الممات) ش: أي ولأن المرأة تخرج من بيتها في خمسة أثواب، درع وخمار وإزار وملاءة ونقاب، فكذا يكون بعد موتها، وفي " المبسوط " ويجوز لها أن تخرج فيها وتصلي، فكذا بعد الموت.
م: (هذا كفن السنة) ش: أشار بهذا إلى أن ما ذكره في خمسة أثواب في كفن المرأة، هو كفن السنة، للحديث المذكور، م: (وإن اقتصر) ش: على صيغة المجهول م: (على ثلاثة أثواب جاز، وهي ثوبان وخمار) ش: المراد من الثوبين: (الإزار واللفافة، صرح بذلك في " الينابيع ".
م: (وهو كفن الكفاية) ش: أي الاقتصار على الثلاثة هو كفن الكفاية في حق المرأة م: (ويكره أقل من ذلك) ش: أي يكره الاقتصار على أقل من الثلاثة في حق المرأة إذا كان بغير عذر.
م: (وفي الرجل يكره الاقتصار على ثوب واحد) ش: لأنه لا يستركما ينبغي، ولهذا أجمعوا على أنه لا يكفن في ثوب يصف ما تحته ولا يستر، وقال ابن تيمية: ولا يجزئ ستر العورة وحدها، خلافا للشافعي م: (إلا في حالة الضرورة) ش: أي حالة الضرورة مستثناة في الشرع م: (لأن «مصعب بن عمير ﵁ حين استشهد كفن في ثوب واحد» ش: هذا أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه «عن خباب بن الأرت ﵁ قال: هاجرنا مع النبي ﷺ نريد وجه الله.
فوقع أجرنا على الله فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد وترك نمرة، فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا بها رجليه بدت رأسه، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه شيئا من الإذخر» أخرجه الترمذي في " المناقب " والباقي في الجنائز.
«وكفن حمزة ﵁ في ثوب واحد، وأمرنا ﵇ بتغطية رجليه بالإذخر» دليل ذلك على أن ستر العورة وحدها لا تجزئ، خلافا للشافعي. والنمرة بفتح النون وكسر الميم كساء ملون، والإذخر على مثال الإثمد نبت بمكة، كذا قاله الأترازي وليس بمخصوص بمكة.
م: (وهذا كفن الضرورة) ش: أي الثوب الواحد كفن الضرورة. وفي " المبسوط " ولو كفنوه في ثوب واحد فقد أساؤوا، لأن في حياته تجوز صلاته في إزار واحد مع الكراهة، فكذا بعد
стр. 1538
وتلبس المرأة الدرع أولا، ثم يجعل شعرها ضفيرتين على صدرها فوق الدرع، ثم الخمار فوق ذلك ثم الإزار تحت اللفافة، وتجمر الأكفان قبل أن يدرج فيها الميت وترا؛ «لأنه ﷺ أمر بإجمار أكفان ابنته وترا» والإجمار هو التطيب،
ــ
[البناية]
الموت إلا عند الضرورة بأن لم يوجد غيره.
م: (وتلبس المرأة الدرع أولا ثم يجعل شعرها ضفيرتين على صدرها فوق الدرع) ش: وقال الشافعي: يسرح شعرها ويجعل ثلاثة ضفائر، ويجعل خلف ظهرها، لأن التي غسلت ابنة النبي ﷺ فعلت كذلك، والظاهر أنها فعلت ذلك بأمر النبي ﷺ .
قلنا: هذا للزينة، والميت مستغن عنها، وما رواه يحتمل والحكم لا يثبت به. م: (ثم الخمار فوق ذلك) ش: أي ثم تلبس الخمار فوق الدرع تحت الإزار م: (ثم الإزار) ش: أي تلبس الإزار م: (تحت اللفافة) ش: يعني تبسط اللفافة، ثم يبسط الإزار فتوضع المرأة في الإزار، ويكون الخمار تحت الإزار واللفافة، وتربط فوق عند الصدر، وقد ذكرنا الروايات فيه.
م: (وتجمر الأكفان قبل أن يدرج فيها الميت وترا) ش: أي قبل أن يدرج الميت في الأكفان وانتصاب وترا على أنه صفة للتجمير الذي يدل عليه قوله أي تجميرا وترا، يعني مرة أو ثلاثا أو خمسا، ولا يزاد على ذلك، وفي " الإمام " عن أبي يعلى الموصلي عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جمرتم الميت فأوتروا» والتجمير هو إحراق عود في المجمرة لتبخر به الأكفان، وفي " المجتبى " قيل: يحتمل بالتجمير جمع الأكفان وترا ها هنا قبل الغسل، يقال أجمر كذا إذا جمعه، والأول هو الأظهر.
وفي " الذخيرة " للمالكية: وللتجمير أربع أحوال عند خروج روحه كرهه مالك، واستحسنه ابن حبيب، وعند غسله يستحب بقطع الروائح كتجمير ثيابه، وهو متفق عليه، وخلف الجنازة متفق على كراهته، وقال ﵇: «لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار» رواه أبو داود، ولما فيه من التشاؤم بالنار: وفي " المبسوط " يكره الإجمار في القبر واتباع الميت بها. قال النخعي: أكره أن يكون آخر زاده من الدنيا نارا.
م: (لأنه ﵇ أمر بإجمار أكفان ابنته وترا) ش: هذا غريب لم يرد هذا الوجه، ولكن روى ابن حبان في " صحيحه " من حديث جابر مثلما ذكر عن أبي يعلى آنفا، ولكن لفظه أن النبي ﷺ قال: «إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثا» وفي لفظ له «فأوتروا» وفي لفظ للبيهقي «جمروا كفن الميت ثلاثا» قال النووي: وسنده صحيح.
م: (والإجمار هو التطيب) ش: يقال: ثوب مجمر، أي مبخر بالطيب، ويقال من باب التفعل، ومن باب الإفعال يعني مجمر ومجمر، وجمرت الثوب، وأجمرته، والذي يتولى ذلك يقال له مجمر من التجمير.
стр. 1539
فإذا فرغوا عنه صلوا عليه، لأنها فريضة
ــ
[البناية]
م: (فإذا فرغوا عنه) ش: أي عن تكفين الميت م: (صلوا عليه، لأنها) ش: أي لأن الصلاة على الميت م: (فريضة) ش: أراد به فرض الكفاية، وهذا مجمع عليه. وقال أصبغ من المالكية: هي سنة، قاله ابن القاسم في المجموعة، وقال مسند صاحب " الطراز " وهو المشهور، بل قال مالك: هي أخفض من السنة والجلوس في المسجد والنافلة أفضل منها إلا جنازة من ترجى بركته أوله حق قرابة أو غيرها، واستدلوا بانتقاله ﷺ لصلاة الكسوف عن الصلاة على ولده، ولو كانت واجبة لقدمت. قال النووي: هذا قول مردود لا يلتفت إليه.
قلت: لا تعلق لهم به، فإنه أخرها حتى يجهز فأمكن الجمع بينهما.
وفي " البدائع " و " التحفة ": هي فريضة لقوله ﷺ : «صلوا على كل بر وفاجر» ، ولقوله ﷺ : «صلوا على من قال لا إله إلا الله» رواه الدارقطني، وهو ضعيف. وقال صاحب " المحيط ": وهي فرض كفاية كالجهاد لكي لا ينبغي الاجتماع على الترك كالجهاد.
فروع: تكفين الميت واجب، وقيل: سنة، والأول هو الصحيح، نص على وجوبه في " البدائع " وغيره، وعلى ورثته أن يكفنوه من جميع ماله قبل الدين والوصية والميراث، ويستثنى منه ما إذا كانت التركة عبدا جانيا أو كانت مرهونة، فإنهما يقدمان على التكفين، وفي " المحلى " والدين مقدم على الكفن، وتكفينه حينئذ واجب على من حضر من المسلمين من غريم وغيره، انتهى.
وقال خلاس بن عمرو: التكفين من الثلث، وقال طاوس: إن كان ماله كثيرا فمن رأس ماله، وإلا فمن ثلثه، ولو أوصى بزيادة على كفن المثل يعتبر من ثلث ماله ويقدم على وصاياه، وتبطل بالدين [....
... ] فإن لم يكن له مال يجب على من تجب عليه نفقته في حياته من أقاربه إلا الزوجة، فإنه يجب على زوجها عند أبي يوسف، وعليه الفتوى، وهكذا في الملتقطات و " منية المفتي " وعامة كتب الفقه. وفي " شرح الفرائض السراجية " لمصنفها جعله قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو الأصح في قول الشافعي ﵁، وبه قال مالك.
وقال محمد: الزوج كالأجنبي وهو قول الشعبي وأحمد. وفي " جوامع الفقه ": ويجب على ولدها عند محمد، ثم قال: الأقارب فالأقرب فالأقرب، ثم على بيت المال. وفي " الجوامع " أيضا: فإن لم يكن شيء من ذلك سألوا من الناس بما يواريه، وإن لم يوجد غسل ودفن، وجعل [ ... ] على قبره.
ولا يجب على الزوجة كفن الزوج بالإجماع لنفقته. وقال ابن الماجشون: كفنها عليه، إن كان لها مال، وهو رواية عن مالك. وفي " المرغيناني " و " الروضة " وغيرهما: يجب الكفن على قدر المواريث، كما إذا ترك أبا أو ابنا فعلى الأب السدس وعلى الابن خمسة الأسداس، فإن ترك
стр. 1540
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
بنتا وأختا لأب فعليهما نصفان، ولو كانت له خالة موسرة ومولاه الذي أعتقه قال محمد: كفنه على خالته. ومن لا يجب عليه نفقته لا يجب عليه الكفن وإن كان وارثا كابن العم، ذكره المرغيناني.
ولو كفنه من يرثه يرجع به في تركته، ون كفنه من أقاربه لا يرجع به في التركة، سواء أشهد بالرجوع أو لا، نص عليه في " الهارونيات ". وفي " جوامع الفقه ". ليس لصاحب الدين أن يمنع من كفن السنة، وهو ثلاثة أثواب في الرجل، وخمسة في المرأة مثل ثيابهما في العيدين والجمعة.
وقال الفقيه أبو جعفر: كفن المثل يعتبر بما يلبسه غالبا، ومثل ثيابه. وفي " المرغيناني ": لو كان في المال كثرة وفي الورثة قلة فكفن السنة أولى، وإن كان على العكس فكفن الكفاية أولى، ويجوز كفن السنة مع وجود الأيتام ولا يمنعه تحسين الكفن.
وفي " الذخيرة " للمالكية: ليس للغرماء منع الورثة من ثلاثة، وإن استغرقت الدين. وقال النووي في " شرح المهذب " عند الدين المستغرق يكفن في ثوب واحد في أصح الوجهين، وفي الوجه الثاني في ثلاثة كالمفلس يترك له الثياب اللائقة.
١ -
وإن نبش قبره يكفن ثانيا من رأس المال وبعد قسمة التركة ووفاء الديون تجب على الورثة دون الغرماء وأصحاب الوصايا، وإن نبش بعدما يفتح يلف في خرقة، ولو كفنه أجنبي ثم أكله سبع أو غيره فالكفن للأجنبي، لأنه لم يخرج عن ملكه بعدم التمليك، إذ الميت ليس من أهله. وفي " الذخيرة " جعله قول أبي يوسف ومحمد.
ولو وهبه لوارثه ليكفنه به فهو له، ولو جمعت دارهم تكفنه ثم فضلت فضلة ردت على أصحابها إن علموا وإن لم يعلم معطيها صرفت إلى كفن ميت آخر، فإن تعذر تصدق بها، وهو قول الحنابلة، ذكره ابن تيمية.
حي عريان وميت وبينهما ثوب أو ثوب [....
..] ، فالحي أولى به، وإن كان الحي وارثا. فإن كان الميت كفن وبحضرته مضطر إليه لبرد أو ثلج أو سبب آخر يخشى منه التلف يقدم الحي على الميت، كما لو كان للميت ماء وهناك مضطر إليه لعطش، قدم به على غسله.
بخلاف ما لو كان حاجة الحي إلى السترة للصلاة أو إلى الماء للطهارة، فإن الميت يستر به وبمائه أحق، لأنه باق على ملكه، والحي يمكنه أن يصلي عريانا أو متيمما لوجود العذر، وقالت الشافعية والحنابلة. ويجمع بين الاثنين والثلاثة في كفن واحد عند الضرورة، وعندنا لا يجمع بينهما في كفن واحد فلا ساتر عورة أحدهما عورة الآخر.
стр. 1541
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وفي " قاضي خان " اشترى الوصي من التركة تابوتا وثوبا عليه، وأعطى القراء والشعراء والنوائح الحضار في التعزية، وبنى في القبر بناء منكرا، أو حظيرة، أو مقبرة لا يجوز، ويضمن جميع ذلك إلا التابوت، ولو اشترى بعض الورثة من التركة تابوتا للميت من غير إذن البقية، والأرض يقبر فيها بغير تابوت، يجب عليه دونهم.
مات رجل وله أثواب هو لابسها، وعليه ديون يكفن فيها ولا يباع ثوباه للدين، كما في حال الحياة. مات في السفر وأخذ صاحبه ماله وأنفقه في التجهيز والتكفين لا يضمن استحسانا.
стр. 1542
فصل في الصلاة على الميت وأولى الناس بالصلاة على الميت السلطان إن حضر، لأن في التقدم عليه ازدراء به، فإن لم يحضر فالقاضي، لأنه صاحب ولاية، فإن لم يحضر فيستحب تقديم إمام الحي لأنه رضيه في حال حياته
ــ
[البناية]
[فصل في الصلاة على الميت] [حكم الصلاة على الميت وأولى الناس بالصلاة عليه]
م: (فصل في الصلاة على الميت) ش: أي هذا فصل في بيان الصلاة على الميت، ولما فرغ من بيان تكفينه شرع في بيان الصلاة عليه على الترتيب.
م: (وأولى الناس بالصلاة على الميت) ش: أي بإقامة الصلاة على الميت م: (السلطان إن حضر، لأن في التقدم عليه ازدراء به) ش: أي استخفافا به، والواجب تعظيمه وتوقيره م: (فإن لم يحضر السلطان فالقاضي) ش: أي فإن لم يحضر السلطان فالقاضي أولى الناس بالصلاة عليه م: (لأنه صاحب ولاية) ش: فيكون أولى من غيره.
م: (فإن لم يحضر) ش: أي القاضي م: (فيستحب تقديم إمام الحي، لأنه رضيه في حال حياته) ش: أي لأن الميت رضيه إماما في حال حياته، فكذا بعد مماته، وهذا الذي ذكره ترتيب القدوري، وروى الحسن ﵁ في كتاب الصلاة عن أبي حنيفة ﵁ أن الإمام الأعظم وهو الخليفة أولى بالصلاة عليه إن حضر، فإن لم يحضر فإمام المصر، وهو سلطانها، لأنه في معنى الخليفة، وبعده القاضي، وبعده صاحب الشرط، وبعده خليفة الوالي، وبعده خليفة القاضي، وبعده هو إمام الحي، فإن لم يحضروا فالأقرب من ذوي قرابته، وبهذه الرواية أخذ كثير من المشايخ.
وفي " الذخيرة " ذكر محمد في كتاب الصلاة أن إمام الحي أولى بالصلاة على الميت. وفي " البدائع " ذكر في الأصل أن إمام الحي أولى بالصلاة عليه. وفي " الذخيرة " وإنما قدم إمام الحي في كتاب الصلاة، لأن الخليفة والسلطان لا يوجدان في كل بلد ولا يحضران في الجنائز.
وقال الكرخي في كتابه: وتقديم إمام الحي ليس بواجب، ولكنه أصل، أما تقديم الإمام الأعظم والسلطان فواجب. وقال تاج الشريعة: أولى الناس بالإمامة السلطان الأعظم إن حضر، فإن لم يحضر فسلطان كل مصر، فإن لم يحضر فإمام المصر أو القاضي، فإن لم يحضر أحدهما فإمام الحي.
وفي " الخلاصة ": ولو حضر والي المصر والقاضي فالوالي أولى، فإن لم يحضر الوالي لكن حضر خليفته فخليفته أحق من القاضي وصاحب الشرط. والمختار أن الإمام الأعظم أولى، فإن لم يحضر فسلطان المصر، وإن لم يكن فإمام المصر أو القاضي، فإن لم يكن فإمام الحي،
стр. 1543
قال: ثم الولي والأولياء على الترتيب المذكور في النكاح
ــ
[البناية]
وقال الإمام العتابي: إمام مسجد الجامع أولى من إمام مسجد المحلة.
م: (قال: ثم الولي) ش: أي قال القدوري: ثم الولي أحق بالصلاة عليه. وقال النووي في " شرح المهذب " إن اجتمع الوالي والولي فقولان مشهوران، القديم: الوالي ثم إمام المسجد ثم الولي. والجديد: والولي مقدم. ومثله عن الضحاك، وبالأول قال علي وابن مسعود وأبو هريرة وزيد بن ثابت والحسن والحسين وعلقمة والأسود والحسن البصري وسويد بن غفلة ومالك وأحمد وإسحاق ﵏.
قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم، قال: وبه أقول. وجه قوله الجديد قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] (الأنفال: الآية ٧٥) ، مطلقا من غير فصل بين الحياة والممات، والاعتبار بولاية النكاح، ولأن معظم الفرض هاهنا الدعاء للميت، فمن يختص بالشفقة فدعاؤه أقرب إلى الإجابة، بخلاف سائر الصلوات.
وأما ما روي أن الحسن بن علي ﵄ لما مات خرج الحسين والناس معه لصلاة الجنازة فقدم الحسين ﵁ سعيد بن العاص، وكان أميرا على المدينة من قبل معاوية، فأبي سعيد أن يتقدم، فقال له الحسين تقدم وصل، ولولا السنة ما قدمتك، ولأن هذه صلاة تقام بالجماعة غالبا، فيكون السلطان أولى، ولأن الوالي نائب الرسول ﷺ ، وهو الذي كان أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فينوب نائبه منابه في التقدم، ولأن ولايته وولاية القاضي عامة، والآية محمولة على المواريث وعلى ولاية الإنكاح، وليس ولاية الإمامة كولاية الإنكاح، ولأن ولاية الإنكاح مما لا يتصل بالجماعة، فكان القريب أولى كالتكفين والغسل.
وأما قوله دعاء القريب أولى بالإجابة، فقلنا: لا بل دعاء الإمام أقرب لما روي أنه ﵇ قال: «ثلاثة لا يحجب دعاؤهم " وعد منهم الإمام» كذا في " مبسوط شيخ الإسلام " و " المحيط ". م: (والأولياء على الترتيب المذكور في النكاح) ش: أي الترتيب المذكور في النكاح كالترتيب في الإرث والأبعد محجوب بالأقرب، وها هنا كذلك يعتبر الأقرب فالأقرب من ذوي الأنساب، فإن تساويا في القرابة فأسنهما أولى مثل ولدين أو أخوين لأب وأم أو عمين هما متساويان في القرابة وأحدهما أكبر سنا من الآخر، ولو اجتمع الأب والابن ذكر في كتاب الصلاة أن الأب أولى، ومن مشايخنا من قال: هذا قول محمد، وأما على قول أبي حنيفة الابن أولى، وبه قال مالك. وقال أبو يوسف: الولاية لهما لكن الابن يقدم تعظيما له، كما في النكاح. وقيل: لا بل الأب أولى، وبه قال الشافعي وأحمد، وفي " المحيط " وهو الأصح.
стр. 1544
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
ولو اجتمع أخوان لأب وأم أو لأب فأكبرهما سنا أولى كما ذكرنا، وبه قال الشافعي في قول.
ولو أراد الأسن أن يقدم الأجنبي ليس له ذلك إلا برضى الآخر، لأن الحق لهما، لكن قدمناه بالسنة ولا سنة في تقديم من قدمه. وفي قول للشافعي الأتقى مقدم، لأنه أولى. وفي فتاوى العتابي الزوج كالأجنبي، وبه قال الشافعي ومالك. وعن أصحابنا أن الزوج أولى من الأجنبي، وكذا الجار.
وفي " المحيط " ابن عم المرأة أولى من زوجها إذا لم يكن لها ابن من الزوج، وإذ كان للزوج من ولد فالزوج أولى، خلافا للشافعي ومالك، وقال القدوري: سائر القرابات أولى من الزوج، وكذا مولى العتاقة وابنه لأنهما عصبته.
وقال الشافعي: الزوج أولى منهما. وحكى ابن المنذر في " الأشراف " عن أبي بكر الصديق وابن عباس والشعبي وعطاء وعمر بن عبد العزيز وإسحاق وأحمد، أن الزوج أولى بالصلاة على زوجته من الولي. وقال عمر بن الخطاب وسعيد بن المسيب والزهري وبكير بن الأشج والحكم، وقتادة وأصحابنا ومالك والشافعي ﵏ لا ولاية للزوج لانقطاع الزوجية بالموت. قال عمر ﵁ في امرأته أنتم أحق بها بعد موتها. وقال الأوزاعي والحسن البصري: الأب أحق، ثم الزوج ثم الابن ثم الأخ، وعند الشافعي وأحمد ﵄ يقدم الأب على الابن، وكذا الجد وعند الشافعي.
وعند مالك الابن أولى، وعن محمد أبو الميتة أولى من ابنها إن كان من غير زوجها، فإن كان منه فالأب أولى ثم الزوج، وفي " شرح الأسبيجابي " ابن ابنها أولى من أبيها، لأنه عصبة لكن يقدم الجد وهو أبو الميتة، ولا يقدم أباه وهو زوجها إلى برضى الجد ثم الأب يقدم على الجد، لكن يقدم أباه، وكذا المكاتب إذا مات ابنه أو عبده فالولاية للمكاتب، وله أن يقدم سيده.
وإن مات المكاتب من غير وفاء وله أب أو ابن وهما حران فالمولى أحق، فإن ترك وفاء فأديت كتابته أو كان المال حاضرا لا يخاف التوى، فالأب أحق، عبد مات فاختصم في الصلاة عليه المولى وابن العبد وأبوه وهما حران، فالمولى أحق، وقيل أبوه الحر أوأخوه الحر أولى لانقطاع الملك بالموت، والفتوى على الأول ذكره في " الملتقطات ".
وفي المجنونة: الأب أحق من الابن عند الكل، هكذا قاله بعض المشايخ، ونص هشام، عن محمد، عن أبي حنيفة ﵀ في " النوادر ": أن الأب أولى، ولو تشاجر الوليان فتقدم أجنبي، إن صلى الأولياء خلفه جازت، وإلا تعاد، وإلا للولي إعادتها، وإن دفن أعاد على قبره، ولا يعيد من صلى مع الأجنبي من غير الأولياء.
стр. 1545
فإن صلى غير الولي أو السلطان أعاد الولي، يعني إن شاء لما ذكرنا أن الحق للأولياء، وإن صلى الولي لم يجز لأحد أن يصلي بعده لأن الفرض يتأدى بالأولى والتنفل بها غير مشروع، ولهذا
ــ
[البناية]
م: (فإن صلى غير الولي أو السلطان أعاد الولي) ش: قيد بالسلطان لأنه لو صلى السلطان فلا إعادة لأحد، لأنه هو المقدم على الولين ثم هو ليس بمنحصر على السلطان، بل كان من كان مقدما على الولي في ترتيب الإمامة في صلاة الجنازة فصلى هو لا يعيد الولي ثانيا، كذا في " فتاوى الولوالجي ". وفي " الظهيرية ": وكذا لو صلى إمام مسجد الجامع لا تعاد. وفي " التجنيس ": للقوم الإعادة ولو اقتدى بعض الأولياء مع رجل وصلى ليس للباقين الإعادة.
م: (يعني إن شاء) ش: أي الولي، وإنما قيد به لأنه لو لم يقيد كان يفهم الوجوب، ولما كان الحق له إن شاء أجاز فعله، وإن شاء لم يجز م: (لما ذكرنا أن الحق للأولياء) ش: فيكون لهم الخيار في ذلك.
م: (وإن صلى الولي لم يجز لأحد أن يصلي بعده) ش: وبه قال النخعي والثوري والليث والحسن بن حي ومالك. وقال الشافعي والأوزاعي يصلي عليه، وعند أحمد إلى شهر.
وقال النووي: فيه أربعة أوجه، أصحها باتفاق الأصحاب لا تستحب الإعادة بل المستحب تركها، وفي وجه يكره إعادتها، وبه قطع الفوراني وصاحب " العدة " وغيرهما، وعند الحنابلة فيها وجهان، واستدلوا بصلاة الصحابة على النبي ﷺ أفرادا. قال ابن عبد البر ﵀: " مجمع عليه عند أهل السير والنقل. وقال ابن دحية: أنا أستعجب من قوله مع اتساع علمه، فإن الخلاف منصوص عليه هل صلوا عليه صلاتنا على موتانا أم لا؟ حكى ابن القصار قولين، وهل صلوا عليه أفرادا أو جماعة؟ على الاختلاف.
واختلف فيمن أم، قيل: أبو بكر ﵁، ذكره ابن القصار ولا يصح لضعف روايته، وحكى البزار والطبراني أنه ﷺ قال: «أول من صلى علي رب العزة» وهو موضوع، قاله الأزدي والبزار. وقيل صلوا عليه بصلاة جبريل ﵇، وهو معلول، والصحيح أنهم صلوا أفرادا لا يؤمهم أحد، وهذا مخصوص به. وروي أنه أوصى بذلك، ذكره البزار والطبري، وفي حديث ابن عباس ﵄ قال: «انتهى ﵇ إلى قبر رطب وصفوا خلفه فكبر أربعا» متفق عليه.
وحجتنا ما أشار إليها المصنف بقوله: م: (لأن الفرض يتأدى بالأولى) ش: أي فرض الصلاة على الميت يتأدى بالصلاة الأولى، لأنها فرض كفاية ولا معنى للثانية م: (والتنفل بها غير مشروع) ش: هذا كأنه جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال: لم لا يجوز أن يصلي ثانية وكانت نافلة كما في غيرها من الفرائض، فأجاب عن ذلك بقوله " والتنفل بها " أي بالصلاة على الميت غير مشروع، يعني لم يرد به الشرع، ثم أوضح ذلك بقوله: م: (ولهذا) ش: أي ولعدم مشروعية
следующие страницы →