Полный текст (7 019 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وفي " قاضي خان " اشترى الوصي من التركة تابوتا وثوبا عليه، وأعطى القراء والشعراء والنوائح الحضار في التعزية، وبنى في القبر بناء منكرا، أو حظيرة، أو مقبرة لا يجوز، ويضمن جميع ذلك إلا التابوت، ولو اشترى بعض الورثة من التركة تابوتا للميت من غير إذن البقية، والأرض يقبر فيها بغير تابوت، يجب عليه دونهم.
مات رجل وله أثواب هو لابسها، وعليه ديون يكفن فيها ولا يباع ثوباه للدين، كما في حال الحياة. مات في السفر وأخذ صاحبه ماله وأنفقه في التجهيز والتكفين لا يضمن استحسانا.
стр. 1542
فصل في الصلاة على الميت وأولى الناس بالصلاة على الميت السلطان إن حضر، لأن في التقدم عليه ازدراء به، فإن لم يحضر فالقاضي، لأنه صاحب ولاية، فإن لم يحضر فيستحب تقديم إمام الحي لأنه رضيه في حال حياته
ــ
[البناية]
[فصل في الصلاة على الميت] [حكم الصلاة على الميت وأولى الناس بالصلاة عليه]
م: (فصل في الصلاة على الميت) ش: أي هذا فصل في بيان الصلاة على الميت، ولما فرغ من بيان تكفينه شرع في بيان الصلاة عليه على الترتيب.
م: (وأولى الناس بالصلاة على الميت) ش: أي بإقامة الصلاة على الميت م: (السلطان إن حضر، لأن في التقدم عليه ازدراء به) ش: أي استخفافا به، والواجب تعظيمه وتوقيره م: (فإن لم يحضر السلطان فالقاضي) ش: أي فإن لم يحضر السلطان فالقاضي أولى الناس بالصلاة عليه م: (لأنه صاحب ولاية) ش: فيكون أولى من غيره.
م: (فإن لم يحضر) ش: أي القاضي م: (فيستحب تقديم إمام الحي، لأنه رضيه في حال حياته) ش: أي لأن الميت رضيه إماما في حال حياته، فكذا بعد مماته، وهذا الذي ذكره ترتيب القدوري، وروى الحسن ﵁ في كتاب الصلاة عن أبي حنيفة ﵁ أن الإمام الأعظم وهو الخليفة أولى بالصلاة عليه إن حضر، فإن لم يحضر فإمام المصر، وهو سلطانها، لأنه في معنى الخليفة، وبعده القاضي، وبعده صاحب الشرط، وبعده خليفة الوالي، وبعده خليفة القاضي، وبعده هو إمام الحي، فإن لم يحضروا فالأقرب من ذوي قرابته، وبهذه الرواية أخذ كثير من المشايخ.
وفي " الذخيرة " ذكر محمد في كتاب الصلاة أن إمام الحي أولى بالصلاة على الميت. وفي " البدائع " ذكر في الأصل أن إمام الحي أولى بالصلاة عليه. وفي " الذخيرة " وإنما قدم إمام الحي في كتاب الصلاة، لأن الخليفة والسلطان لا يوجدان في كل بلد ولا يحضران في الجنائز.
وقال الكرخي في كتابه: وتقديم إمام الحي ليس بواجب، ولكنه أصل، أما تقديم الإمام الأعظم والسلطان فواجب. وقال تاج الشريعة: أولى الناس بالإمامة السلطان الأعظم إن حضر، فإن لم يحضر فسلطان كل مصر، فإن لم يحضر فإمام المصر أو القاضي، فإن لم يحضر أحدهما فإمام الحي.
وفي " الخلاصة ": ولو حضر والي المصر والقاضي فالوالي أولى، فإن لم يحضر الوالي لكن حضر خليفته فخليفته أحق من القاضي وصاحب الشرط. والمختار أن الإمام الأعظم أولى، فإن لم يحضر فسلطان المصر، وإن لم يكن فإمام المصر أو القاضي، فإن لم يكن فإمام الحي،
стр. 1543
قال: ثم الولي والأولياء على الترتيب المذكور في النكاح
ــ
[البناية]
وقال الإمام العتابي: إمام مسجد الجامع أولى من إمام مسجد المحلة.
م: (قال: ثم الولي) ش: أي قال القدوري: ثم الولي أحق بالصلاة عليه. وقال النووي في " شرح المهذب " إن اجتمع الوالي والولي فقولان مشهوران، القديم: الوالي ثم إمام المسجد ثم الولي. والجديد: والولي مقدم. ومثله عن الضحاك، وبالأول قال علي وابن مسعود وأبو هريرة وزيد بن ثابت والحسن والحسين وعلقمة والأسود والحسن البصري وسويد بن غفلة ومالك وأحمد وإسحاق ﵏.
قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم، قال: وبه أقول. وجه قوله الجديد قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] (الأنفال: الآية ٧٥) ، مطلقا من غير فصل بين الحياة والممات، والاعتبار بولاية النكاح، ولأن معظم الفرض هاهنا الدعاء للميت، فمن يختص بالشفقة فدعاؤه أقرب إلى الإجابة، بخلاف سائر الصلوات.
وأما ما روي أن الحسن بن علي ﵄ لما مات خرج الحسين والناس معه لصلاة الجنازة فقدم الحسين ﵁ سعيد بن العاص، وكان أميرا على المدينة من قبل معاوية، فأبي سعيد أن يتقدم، فقال له الحسين تقدم وصل، ولولا السنة ما قدمتك، ولأن هذه صلاة تقام بالجماعة غالبا، فيكون السلطان أولى، ولأن الوالي نائب الرسول ﷺ ، وهو الذي كان أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فينوب نائبه منابه في التقدم، ولأن ولايته وولاية القاضي عامة، والآية محمولة على المواريث وعلى ولاية الإنكاح، وليس ولاية الإمامة كولاية الإنكاح، ولأن ولاية الإنكاح مما لا يتصل بالجماعة، فكان القريب أولى كالتكفين والغسل.
وأما قوله دعاء القريب أولى بالإجابة، فقلنا: لا بل دعاء الإمام أقرب لما روي أنه ﵇ قال: «ثلاثة لا يحجب دعاؤهم " وعد منهم الإمام» كذا في " مبسوط شيخ الإسلام " و " المحيط ". م: (والأولياء على الترتيب المذكور في النكاح) ش: أي الترتيب المذكور في النكاح كالترتيب في الإرث والأبعد محجوب بالأقرب، وها هنا كذلك يعتبر الأقرب فالأقرب من ذوي الأنساب، فإن تساويا في القرابة فأسنهما أولى مثل ولدين أو أخوين لأب وأم أو عمين هما متساويان في القرابة وأحدهما أكبر سنا من الآخر، ولو اجتمع الأب والابن ذكر في كتاب الصلاة أن الأب أولى، ومن مشايخنا من قال: هذا قول محمد، وأما على قول أبي حنيفة الابن أولى، وبه قال مالك. وقال أبو يوسف: الولاية لهما لكن الابن يقدم تعظيما له، كما في النكاح. وقيل: لا بل الأب أولى، وبه قال الشافعي وأحمد، وفي " المحيط " وهو الأصح.
стр. 1544
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
ولو اجتمع أخوان لأب وأم أو لأب فأكبرهما سنا أولى كما ذكرنا، وبه قال الشافعي في قول.
ولو أراد الأسن أن يقدم الأجنبي ليس له ذلك إلا برضى الآخر، لأن الحق لهما، لكن قدمناه بالسنة ولا سنة في تقديم من قدمه. وفي قول للشافعي الأتقى مقدم، لأنه أولى. وفي فتاوى العتابي الزوج كالأجنبي، وبه قال الشافعي ومالك. وعن أصحابنا أن الزوج أولى من الأجنبي، وكذا الجار.
وفي " المحيط " ابن عم المرأة أولى من زوجها إذا لم يكن لها ابن من الزوج، وإذ كان للزوج من ولد فالزوج أولى، خلافا للشافعي ومالك، وقال القدوري: سائر القرابات أولى من الزوج، وكذا مولى العتاقة وابنه لأنهما عصبته.
وقال الشافعي: الزوج أولى منهما. وحكى ابن المنذر في " الأشراف " عن أبي بكر الصديق وابن عباس والشعبي وعطاء وعمر بن عبد العزيز وإسحاق وأحمد، أن الزوج أولى بالصلاة على زوجته من الولي. وقال عمر بن الخطاب وسعيد بن المسيب والزهري وبكير بن الأشج والحكم، وقتادة وأصحابنا ومالك والشافعي ﵏ لا ولاية للزوج لانقطاع الزوجية بالموت. قال عمر ﵁ في امرأته أنتم أحق بها بعد موتها. وقال الأوزاعي والحسن البصري: الأب أحق، ثم الزوج ثم الابن ثم الأخ، وعند الشافعي وأحمد ﵄ يقدم الأب على الابن، وكذا الجد وعند الشافعي.
وعند مالك الابن أولى، وعن محمد أبو الميتة أولى من ابنها إن كان من غير زوجها، فإن كان منه فالأب أولى ثم الزوج، وفي " شرح الأسبيجابي " ابن ابنها أولى من أبيها، لأنه عصبة لكن يقدم الجد وهو أبو الميتة، ولا يقدم أباه وهو زوجها إلى برضى الجد ثم الأب يقدم على الجد، لكن يقدم أباه، وكذا المكاتب إذا مات ابنه أو عبده فالولاية للمكاتب، وله أن يقدم سيده.
وإن مات المكاتب من غير وفاء وله أب أو ابن وهما حران فالمولى أحق، فإن ترك وفاء فأديت كتابته أو كان المال حاضرا لا يخاف التوى، فالأب أحق، عبد مات فاختصم في الصلاة عليه المولى وابن العبد وأبوه وهما حران، فالمولى أحق، وقيل أبوه الحر أوأخوه الحر أولى لانقطاع الملك بالموت، والفتوى على الأول ذكره في " الملتقطات ".
وفي المجنونة: الأب أحق من الابن عند الكل، هكذا قاله بعض المشايخ، ونص هشام، عن محمد، عن أبي حنيفة ﵀ في " النوادر ": أن الأب أولى، ولو تشاجر الوليان فتقدم أجنبي، إن صلى الأولياء خلفه جازت، وإلا تعاد، وإلا للولي إعادتها، وإن دفن أعاد على قبره، ولا يعيد من صلى مع الأجنبي من غير الأولياء.
стр. 1545
فإن صلى غير الولي أو السلطان أعاد الولي، يعني إن شاء لما ذكرنا أن الحق للأولياء، وإن صلى الولي لم يجز لأحد أن يصلي بعده لأن الفرض يتأدى بالأولى والتنفل بها غير مشروع، ولهذا
ــ
[البناية]
م: (فإن صلى غير الولي أو السلطان أعاد الولي) ش: قيد بالسلطان لأنه لو صلى السلطان فلا إعادة لأحد، لأنه هو المقدم على الولين ثم هو ليس بمنحصر على السلطان، بل كان من كان مقدما على الولي في ترتيب الإمامة في صلاة الجنازة فصلى هو لا يعيد الولي ثانيا، كذا في " فتاوى الولوالجي ". وفي " الظهيرية ": وكذا لو صلى إمام مسجد الجامع لا تعاد. وفي " التجنيس ": للقوم الإعادة ولو اقتدى بعض الأولياء مع رجل وصلى ليس للباقين الإعادة.
م: (يعني إن شاء) ش: أي الولي، وإنما قيد به لأنه لو لم يقيد كان يفهم الوجوب، ولما كان الحق له إن شاء أجاز فعله، وإن شاء لم يجز م: (لما ذكرنا أن الحق للأولياء) ش: فيكون لهم الخيار في ذلك.
م: (وإن صلى الولي لم يجز لأحد أن يصلي بعده) ش: وبه قال النخعي والثوري والليث والحسن بن حي ومالك. وقال الشافعي والأوزاعي يصلي عليه، وعند أحمد إلى شهر.
وقال النووي: فيه أربعة أوجه، أصحها باتفاق الأصحاب لا تستحب الإعادة بل المستحب تركها، وفي وجه يكره إعادتها، وبه قطع الفوراني وصاحب " العدة " وغيرهما، وعند الحنابلة فيها وجهان، واستدلوا بصلاة الصحابة على النبي ﷺ أفرادا. قال ابن عبد البر ﵀: " مجمع عليه عند أهل السير والنقل. وقال ابن دحية: أنا أستعجب من قوله مع اتساع علمه، فإن الخلاف منصوص عليه هل صلوا عليه صلاتنا على موتانا أم لا؟ حكى ابن القصار قولين، وهل صلوا عليه أفرادا أو جماعة؟ على الاختلاف.
واختلف فيمن أم، قيل: أبو بكر ﵁، ذكره ابن القصار ولا يصح لضعف روايته، وحكى البزار والطبراني أنه ﷺ قال: «أول من صلى علي رب العزة» وهو موضوع، قاله الأزدي والبزار. وقيل صلوا عليه بصلاة جبريل ﵇، وهو معلول، والصحيح أنهم صلوا أفرادا لا يؤمهم أحد، وهذا مخصوص به. وروي أنه أوصى بذلك، ذكره البزار والطبري، وفي حديث ابن عباس ﵄ قال: «انتهى ﵇ إلى قبر رطب وصفوا خلفه فكبر أربعا» متفق عليه.
وحجتنا ما أشار إليها المصنف بقوله: م: (لأن الفرض يتأدى بالأولى) ش: أي فرض الصلاة على الميت يتأدى بالصلاة الأولى، لأنها فرض كفاية ولا معنى للثانية م: (والتنفل بها غير مشروع) ش: هذا كأنه جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال: لم لا يجوز أن يصلي ثانية وكانت نافلة كما في غيرها من الفرائض، فأجاب عن ذلك بقوله " والتنفل بها " أي بالصلاة على الميت غير مشروع، يعني لم يرد به الشرع، ثم أوضح ذلك بقوله: م: (ولهذا) ش: أي ولعدم مشروعية
стр. 1546
رأينا الناس تركوا عن آخرهم الصلاة على قبر النبي ﷺ وهو اليوم كما وضع
ــ
[البناية]
النفل بالصلاة على الميت م: (رأينا الناس تركوا عن آخرهم الصلاة على قبر النبي ﷺ وهو اليوم) ش: أي والحال أنه اليوم م: (كما وضع) ش: لأن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء ﵈.
١ -
فإن قلت: الاقتصار على صلاة غير الولي جائز، وذلك دليل على سقوط الفرض، ومع هذا لو أعاد الولي جاز فعلم أن التنفل بها مشروع.
قلت: صلاة غير الولي إنما تعتبر عند عدم تعرض الولي، فإذا تعرض بالإعادة زال حكم صلاة غيره، فكان للميت بغير صلاة عليه، فإذا صلى الولي يكون ما صلاه هو الفرض، فإذا كان هو الفرض فكيف يكون نفلا.
فإن قلت: ترك الناس الصلاة على قبر النبي ﷺ إنما كان خوفا من أن يتخذ قبره ﷺ مسجدا أو لم يكن ذلك لأجل عدم مشروعية التنفل بها.
قلت: لا يلزم من الصلاة على قبره اتخاذه مسجدا، ألا ترى أنهم جوزوا أن يصلى عند قبور أهل العلم والأولياء مع مزيد اعتقاد العامة في التعظيم لهم الخارج عن الشرع.
فإن قلت: حق الميت وإن كان مقضيا بالصلاة مرة فلا يوجب سقوطه أولا، لأن الصلاة في الحقيقة دعاء، وهو باق كالوضوء، شرع لإقامة الفرض، والفرض يسقط بواحد، لكن لو أعاده لكل صلاة كان حسنا.
قلت: الأصل أن الميت لا ينتفع بالصلاة عليه لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] (النجم: الآية ٣٩) ، ولكن عرف هذا شرعا بخلاف القياس، فإذا كان كذلك سقط بالمرة الواحدة فلم يتصور الثاني قضاء من عندنا بلا توقيف، بخلاف الدعاء فإن التوقيف فيه باق كما بقي بالأمر بالصلاة على رسول الله ﷺ . هذه على سبيل الدعاء.
فإن قلت: صلى النبي ﷺ على حمزة ﵁ سبعين مرة، وكان الفرض قد تأدى بالأولى؟ قلت: أجيب عنه بجوابين: الأول: أنه كان موضوعا بين يديه فيؤتى بواحد واحد من الذين استشهدوا وكان ﷺ يصلي على كل واحد صلاة، فظن الراوي أنه ﷺ صلى على حمزة في كل مرة، فقال: صلى على حمزة سبعين مرة. الثاني: يجوز أن يكون المراد من قول الراوي صلى على حمزة سبعين مرة للمعنى اللغوي، وهو الدعاء، أي دعا سبعين مرة.
فإن قلت: قد صلى كل واحد من الصحابة على النبي ﷺ صلاة منفردة، فدل على جواز التكرار.
стр. 1547
وإن دفن الميت ولم يصل عليه صلي على قبره، لأن «النبي ﷺ صلى على قبر امرأة من الأنصار»
ــ
[البناية]
قلت: يحتمل أن الصلاة كانت فرض عين على الصحابة لتعظيم حقه كالدعاء اليوم على المسلمين مرة واحدة لقوله صلوا، وكانت تكرار الصلاة عليه من كل أحد لأداء الفرض عليه.
وأما الجواب عن حديث ابن عباس فلأنه ﷺ كان هو الولي، قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (الأحزاب: الآية٦) ، ومن العلماء من جعل الصلاة على القبر من خصائص النبي ﷺ ، بدليل ما روي من قوله ﵇: «وإني أنورها بصلاتي عليهم» .
فإن قلت: ابن حبان يتبع هذا الوجه، فقال: ليس الأمر كما توهموه، بدليل أنه ﵇ صلى الناس خلفه، فلو كان من خصائصه لزجرهم عن ذلك.
قلت: يجوز أن يكون صفهم خلفه لأجل أن يدعو لا للصلاة حقيقة.
[الحكم لو دفن الميت ولم يصل عليه]
م: (وإن دفن الميت ولم يصل عليه صلي على قبره) ش: ولا يخرج منه لأنه قد سلم إلى الله تعالى، وفي إخراجه انكشافه، ويصلى عليه ما لم يعلم أنه تمزق، هكذا في " المبسوط "، وهذا يشير إلى أنه إذا شك في تفرقة وتفسخه يصلى عليه، وقد نص الأصحاب على أنه لا يصلى عليه مع الشك في ذلك، ذكره في " المزيد " و " المفيد " و " جوامع الفقه " وعامة الكتب وبقولنا قال الشافعي وأحمد وهو قول ابن عمر وأبي موسى وعائشة وابن سيرين والأوزاعي، ثم هل يشترط في جواز الصلاة على قبره كونه مدفونا بعد الغسل، فالصحيح أنه يشترط. وروى ابن سماعة عن محمد أنه لا يشترط.
م: (لأنه ﷺ «صلى على قبره امرأة من الأنصار» ش: أخرج ابن عباس ﵁ من حديث خارجة بن زيد بن ثابت «عن عمه زيد بن ثابت ﵏، وكان أكبر من يزيد، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فلما وردنا البقيع إذا هو بقبر، فسأل عنه فقالوا: فلانة، فعرفها، فقال: ألا آذنتموني بها، قالوا كنت قائلا صائما..» الحديث، ثم أتى القبر فصففنا خلفه وكبر عليه أربعا.
وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة «أن رجلا أسود كان يقم المسجد، فمات فسأل النبي ﷺ عنه فقالوا: مات، قال: أفلا آذنتموني به، دلوني على قبره، فأتى قبره فصلى عليه» . قوله: يقم المسجد بضم القاف وتشديد الميم أن يكنسه ويخرج منه القمامة، وهي الكناسة.
فإن قلت: كيف يصلي عليه وهو غائب عن أعين الناس بالتراب؟ قلت: نعم، ولكن هذا لا يمنع جواز الصلاة، ألا ترى أنه قبل الدفن كان غائبا بالكفن، ولم يمنع ذلك عن جواز الصلاة، وهذا إذا دفن بعد الغسل قبل الصلاة عليه.
стр. 1548
ويصلى عليه قبل أن يتفسخ والمعتبر، في معرفة ذلك أكبر الرأي في الصحيح لاختلاف الحال والزمان والمكان
ــ
[البناية]
وإذا دفنوه بعد الصلاة عليه ثم تذكروا أنهم لم يغسلوه، فإن لم يهل التراب عليه يخرج ويغسل، ويصلى عليه، وإن هالوا التراب عليه لم يخرج، وهل يصلى عليه ثانيا في القبر، ذكر الكرخي أنه يصلى عليه، وفي " النوادر " عن محمد: القياس أن لا يصلى عليه. وفي " الأسبيجابي ": أن يصلى عليه، لأن تلك الصلاة لم يعتد بها لترك الطهارة مع الإمكان، والآن زال الإمكان وسقطت فريضة الغسل، فيصلى عليه في قبره.
وأما إذا صلى عليه قبل الغسل وهو لم يدفن بعد فإنه يغسل وتعاد الصلاة عليه بعد الغسل، وكذا لو غسلوه وبقي عضو من أعضائه أو قدر لمعة، كذا في " المبسوط " و " المحيط "، وفي المحيط أيضا لو صلى عليه من لا ولاية له عليه يصلى على قبره.
م: (ويصلى عليه قبل أن يتفسخ) ش: يعني إنما تجوز الصلاة على الميت في قبره أن يتفسخ الميت ويتمزق، ثم أشار إلى معرفة الطريق فيه بقوله: م: (والمعتبر في معرفة ذلك) ش: أي في كونه قبل التفسخ م: (أكبر الرأي) ش: أي غالب الظن، فإن كان غالب الظن أنه يتفسخ لا يصلى عليه، وإن كان غالب الظن أنه لم يتفسخ فيصلى عليه، وإذا شك لا يصلى عليه، رواه ابن رستم عن محمد م: (في الصحيح) ش: احترز به عما روي عن أبي يوسف أنه يصلى عليه إلى ثلاثة أيام وبعدها لا يصلى عليه، وهذا رواية ابن رستم في " نوادره " عن محمد عن أبي حنيفة، لأن الصحابة كانوا يصلون على النبي ﷺ إلى ثلاثة أيام.
وللشافعية ستة أوجه، أولها: إلى ثلاثة أيام، لقول أبي يوسف: إنه يصلى عليه إلى ثلاثة أيام. ثانيها: إلى شهر، كقول أحمد ﵀. ثالثها: ما لم يبل جسده. رابعها: يصلي عليه من كان من أهل الصلاة عليه يوم موته. خامسها: يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم موته. واتفقوا على تضعيفه، وممن صرح به: الماوردي، والمحاملي، والفوراني، والبغوي، وإمام الحرمين، والغزالي، وقال إسحاق ﵀: يصلي القادم من السفر إلى شهر، والحاضر إلى ثلاثة أيام، وقال سحنون من المالكية: لا يصلى على القبر؛ سدا للذريعة في الصلاة على القبور.
م: (لاختلاف الحال) ش: أي لأجل اختلاف حال الميت بالسمن والهزال، فإنه إذا كان سمينا ينفسخ عن قريب، وإن كان مهزولا يبطئ في التفسخ م: (والزمان) ش: أي ولاختلاف الزمان، فإنه يتفسخ في الشتاء عن قريب لحرارة ما تحت الأرض في الشتاء، وفي الصيف يبطئ فيه لبرودة ما تحت الأرض م: (والمكان) ش: أي ولاختلاف المكان، فإنه يبقى في الأرض الصلبة أكثر مما يبقى
стр. 1549
والصلاة أن يكبر تكبيرة......إلخ
ــ
[البناية]
في الأرض الرخوة، فلما اختلفت هذه الأشياء فوض الأمر إلى رأي المبتلى به.
فإن قلت: روى البخاري عن عقبة بن عامر «أنه ﷺ صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين» .
قلت: أجاب السرخسي في " المبسوط " وغيره أن ذلك محمول على الدعاء، ولكنه غير سديد، لأن الطحاوي روى عن عقبة بن عامر «أن النبي ﷺ خرج يوما فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت» .
والجواب السديد: أن أجساده لم تبل، ولما أراد معاوية أن يجري العين التي تؤخذ عند قبور الشهداء أصابت المسحاة إصبع حمزة سيد الشهداء فانفطرت دما، ولما سقط حائط قبر النبي ﷺ في زمن الوليد أخذوا في بنائه فثبت لهم قدم ففزعوا، وقالوا: هذه قدم رسول الله ﷺ قال عروة: لا والله هذه قدم عمر ﵁، ولم تبل بعد ثمانين سنة والمدينة سبخة تأكل الميت الملح ونفسه السبخي وتحيله إلى نفسها، وشرف عمر ﵁ بالنبي ﷺ فما ظنك به، ذكره ابن دحية في العلم المشهور.
وفي " الموطأ ": أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين كان السيل قد حفر قبرهما وهما ممن شهد أحدا، فوجدا لم يتغيرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكفنهما ستة وأربعون سنة.
[كيفية صلاة الجنازة]
م: (والصلاة أن يكبر تكبيرة) ش: وهذا شروع في بيان كيفية الصلاة على الميت، وبينها بقوله: م: (والصلاة) ش: أي الصلاة على الميت م: (أن يكبر تكبيرة ... إلخ) ش: ولم يبين كيف ينوي، وهي أن يقول نويت أن أصلي لله وأدعو لهذا الميت، ذكره في " منية المفتي " وغيره، وذكر في " البدائع " وغيره أنه يقول سبحانك اللهم وبحمدك
إلخ، بعد التكبير.
وفي " المحيط " جعله رواية الحسن عن أبي حنيفة، وذكر في " البدائع " ذكر الطحاوي ﵀ أنه لا استفتاح فيه، كما يستفتحون في سائر الصلوات، وفي " الروضة " يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله الذي يحيي الخلائق ويميتهم، وهو حي قيوم، أبدي لا يزول أبدا، سبحان رب الأرباب، ومسبب الأسباب، ومالك الرقاب، الغني عن خلقه الذي لا إله إلا هو.
وإن قرأ الفاتحة على نية الدعاء جاز، وليس في صلاة الجنازة قراءة القرآن عندنا: قال ابن بطال: وممن كان لا يقرأ في الصلاة على الجنازة وينكر عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر وأبو هريرة ومن التابعين عطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وابن سيرين وابن جبير والشعبي والحكم. وقال ابن المنذر ومجاهد وحماد وبه قال الثوري، وقال مالك ﵁:
стр. 1550
ويحمد الله عقيبها، ثم يكبر تكبيرة ويصلي فيها على النبي ﷺ ثم يكبر تكبيرة يدعو فيها لنفسه وللميت وللمسلمين
ــ
[البناية]
قراءة الفاتحة ليست معمولا بها في بلدنا في صلاة الجنازة، وعند مكحول وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه ﵃ يقرأ الفاتحة في الأولى.
وقال ابن حزم: يقرأها في كل تكبيرة عند الشافعي، وهذا النقل عنه غلط. وقال الحسن بن علي: يقرأها ثلاث مرات. وقال الحسن البصري: يقرأها في كل تكبيرة، وهو قول شهر ابن حوشب، وعن المسور بن مخرمة: يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وسور قصيرة.
م: (ويحمد الله عقبيها) ش: أي عقيب التكبيرة الأولى، قال الأترازي: يعني يقول: سبحانك اللهم وبحمدك..إلخ.
قلت: الحمد لله أعم من قراءة سبحانك اللهم وغيرها، ولكن قال شمس الأئمة السرخسي: اختلف المشايخ فيه، فقال بعضهم يحمد الله كما في ظاهر الرواية، وقال بعضهم يقرأ سبحانك اللهم إلى آخره، كما في الصلوات كلها، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة.
وفي دعاء الاستفتاح للشافعي قولان، أحدهما: يسن كسائر الصلوات. والثاني لا يسن. وقراءة الفاتحة واجبة عنده، وهو قول أحمد لما روى جابر «أنه ﷺ كان يقرأ فيها بأم القرآن.» وقرأ ابن عباس الفاتحة وجهر، ثم قال: عمدا فعلت ليعلم أنه سنة.
قلنا: كان ﷺ يقرأ على سبيل الثناء لا على وجه القراءة، وقال الترمذي: حديث جابر وابن عباس ﵄ إسناده ليس بقوي.
م: (ثم يكبر تكبيرة) ش: ثانية م: (ويصلي فيها على النبي ﷺ ) ش: الصلاة المعروفة في التشهد، وقيل: يقول في الثانية: اللهم صل على النبي الأمي البشير النذير عبدك ورسولك، سيد الأنبياء والمرسلين وخير الخلائق أجمعين، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم اجعل نوامي صلاتك وفواضل بركاتك، وتحيتك ورحمتك ورأفتك على عبدك ونبيك الأمي وسلم تسليما كثيرا.
م: (ثم يكبر تكبيرة) ش: ثالثة م: (يدعو فيها لنفسه وللميت وللمسلمين) ش: الدعاء فيها أن يقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا، صغيرنا وكبيرنا، ذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان. رواه أبو داود، وأحمد. وخصص هذا الميت بالروح والراحة والرحمة والمغفرة والرضوان، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه ووفه الندى والكرامة والزلفى برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لي ولوالدي ولجميع المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأ حياء منهم والأموات،
стр. 1551
ثم يكبر الرابعة ويسلم
ــ
[البناية]
وتابع بيننا وبينهم بالخيرات. إنك مجيب الدعوات، منزل البركات، ورافع السيئات، مقيل العثرات، إنك على كل شيء قدير. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] (آل عمران: الآية ٧) .
وزاد في بعض شروح القدوري: اللهم اجعل قلوبنا قلوب أخيارنا، اللهم آنس وحدته، وارحم غربته، وبرد مضجعه، ولقنه حجته، ووسع مدخله وأكرم منزله، وتقبل حسنته، وامح بعفوك سيئاته، اللهم كن له بعد الأحباب حبيبا، وبعد الأهل والأقارب قريبا، ولدعاء من دعا له سميعا مجيبا، اللهم إنه نزل بك وأنت خير منزول به فإنه يفتقر إلى عفوك وغفرانك وجودك وإحسانك وأنت غني عن عذابه، اللهم اقبل شفاعتنا فيه وارحمنا ببركته يا أرحم الراحمين.
وفي " صحيح مسلم " عن عوف بن مالك «أنه ﷺ صلى على جنازة رجل فقال: اللهم عافه واعف عنه وأكرم نزله وأوسع مدخله واغسله بالثلج والماء والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب النار يا أرحم الراحمين» .
م: (ثم يكبر الرابعة) ش: أي التكبيرة الرابعة ولا يدعوا بعدها. وفي " البدائع ": ليس في ظاهر المذهب بعد التكبيرة الرابعة دعاء سوى السلام، وهو قول مالك وأحمد - رحمهما الله - وقد اختار بعض مشايخنا ما يختم به سائر الصلوات وهو: " اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ". زاد في " المبسوط ": وقنا برحتمك عذاب النار وعذاب القبر وسوء الحساب.
وقال النووي: اتفقوا على أنه يجب الذكر بعد الرابعة، واستحب في أحد الوجهين، والوجه الثاني إن شاء قاله وإن شاء تركه، والذي يقوله: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده. وزاد المحاملي وصاحب " التنبيه ": واغفر لنا وله.
وفي " المجتبى ": قيل: هو مخير بين الدعاء والسكوت، وقيل: يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة....إلخ، وقيل: يقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] (آل عمران: الآية ٨) ، وقيل: يقول: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات: ١٨٠] (الصافات: الآية ١٨٠) إلخ.
م: (ويسلم) ش: عن يمينه وعن يساره. والمشهور عن الشافعي أيضا تسليمتان. قال الفوراني هو أيضا في " الجامع الكبير ". ومن الناس من قال: تسليمة واحدة، وبه قال أحمد وآخرون، لأن مبناها على التخفيف. وهل يرفع صوته بالتسليم؟ قال في " البدائع ": لم يتعرض له في ظاهر الرواية، وذكر الحسن بن زياد أنه لا يرفع صوته، لأن رفعه للإعلام، فلا
стр. 1552
«لأنه ﷺ كبر أربعا في آخر صلاة صلاها»
فنسخت ما قبلها
ــ
[البناية]
حاجة إليه بالتسليم عقيب الرابعة، لأنه مشروع، والأفضل عقيب التكبير. قال: ولكن العمل في زماننا يخالف ما ذكره الحسن. وفي " المحيط ": ويسلم تسليمتين ويخافت في الكل إلا في التكبير. وفي " المرغيناني " لا ينوي الإمام الميت فيهما، بل ينوي من عن يمينه في الأولى ومن عن يساره في الثانية. وفي " الأسبيجابي " وينوي الميت في التسليمة الأولى لا غير، ومن عن يساره في الثانية. وفي " الذخيرة ": من مشايخ بلخ يقولون: السنة أن يسمع الصف الثاني من الصف الأول، والثالث من الثاني. وعن أبي يوسف لا يجهرون كل الجهر ولا يسرون كل الإسرار.
م: «لأنه ﷺ كبر أربعا في آخر صلاة صلاها» فنسخت ما قبلها) ش: لما ذكر أن التكبيرات على الجنازة أربع، استدل في ذلك بقوله «لأنه ﷺ كبر أربعا» هذا روي عن ابن عباس وعمر بن الخطاب وابن أبي خيثمة وأنس بن مالك ﵃.
أما حديث ابن عباس فله طرق. الأول: عند الحاكم في " المستدرك " والدارقطني في " سننه " عن الفرات بن السائب عن ميمون بن مهران عن عبد الله بن عباس - رضي اله عنهم - قال: «آخر ما كبر النبي ﷺ على الجنائز أربع تكبيرات، وكبر عمر على أبي بكر ﵄ أربعا، وكبر ابن عمر على عمر أربعا، وكبر الحسن بن علي على علي ﵃ أربعا، وكبر الحسين بن علي على الحسن أربعا، وكبرت الملائكة على آدم ﵇ أربعا» وسكت الحاكم عنه. وقال الدارقطني: الفرات بن السائب متروك.
الطريق الثاني: عند البيهقي في " سننه " والطبراني في " معجمه " عن النضر أبي عمر عن عكرمة عن ابن عباس قال: «آخر جنازة صلى عليها رسول الله ﷺ كبر عليها أربعا» . قال البيهقي: تفرد به النضر بن عبد الرحمن أبو عمر الخزاز عن عكرمة، وهو ضعيف، وقد روي هذا من وجوه أخر، كلها ضعيفة إلا أن إجماع أكثر الصحابة ﵃ على أربع كالدليل على ذلك الطريق.
الثالث: عند أبي نعيم الأصبهاني عنه «أن النبي ﷺ كان يكبر على أهل بدر سبع تكبيرات وعلى بني هاشم سبع تكبيرات، ثم كان آخر صلاته أربع تكبيرات إلى أن خرج من الدنيا ﷺ .»
الطريق الرابع: عند ابن حبان في كتاب " الضعفاء " من حديث محمد بن معاوية أبي علي النيسابوري عن أبي المليح بن مهران عن ابن عباس، وأعله بمحمد بن معاوية وقال:
стр. 1553
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
إنه يأتي عن الثقات بما لا يتابع عليه، فاستحق الترك إلا فيما وافق الثقات، فإنه كان صاحب حفظ وإتقان قبل أن يظهر منه ما ظهر.
وأما حديث عمر ﵁ فعند الدارقطني من حديث يحيى بن أبي أنيسة عن جابر عن الشعبي عن مسروق قال: «صلى عمر على بعض أزواج النبي ﷺ فسمعته يقول: لأصلين عليها مثل آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ على مثلها، فكبر عليها أربعا ... » ويحيى وجابر الجعفي ضعيفان.
وأما حديث ابن أبي حثمة فرواه أبو عمر في " الاستذكار " قال: «كان النبي ﷺ يكبر على الجنائز أربعا وخمسا وسبعا فثمانيا، حتى جاء موت النجاشي فخرج إلى المصلى فصف الناس وراءه وكبر عليه أربعا، ثم ثبت النبي ﷺ على أربع حتى توفاه الله » .
وأبو حثمة هذا ابن حذيفة بن غانم القرشي العدوي، والد سليمان وأخو أبي جهم، ذكره الذهبي هكذا في " تجريد الصحابة "، ثم قال: له رواية بلا رواية، ولم يذكر له اسم، ومنهم أبو حثمة آخر واسمه عبد الله، وقيل عامر بن ساعدة الأوسي الحارثي والد سهل.
وأما حديث ابن عمر ﵄ فرواه الحارث بن أبي سلمة [....] قال «آخر: ما كبر النبي ﷺ ، فذكر بلفظ حديث ابن عباس، وزاد: وكبر على علي ﵁ يزيد بن المكفف أربعا، وكبر ابن الحنفية على ابن عباس بالطائف أربعا» .
وأما حديث أنس بن مالك ﵁ فعند الحازمي في كتاب " الناسخ والمنسوخ «أن رسول الله ﷺ كبر على أهل بدر سبع تكبيرات وعلى بني هاشم سبع تكبيرات، وكان آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ أربعا حتى خرج من الدنيا» ثم قال: وإسناده واه.
قوله: م: (فنسخت ما قبلها) ش: أي نسخت تكبيراته ﷺ الأربع التكبيرات التي كبرها خمسا أو ستا أو سبعا أو ثمانيا قبل ذلك. ويؤيد ما قاله المصنف قول أبي عمر بن عبد البر -
стр. 1554
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
﵀ انعقد الإجماع على الأربع، ولا نعلم أحدا من فقهاء الأمصار قال خمسا إلا ابن أبي ليلى.
وقال صاحب " المبسوط " وغيره من الأصحاب: قد ثبت ما زاد على الأربع بفعله ﷺ . أما قول أبي عمر ففيه نظر، لأن ابن المنذر ذكر في " الأشراف " أن الخمس قول ابن مسعود وزيد بن أرقم. وأما قول صاحب " المبسوط " فيه نظر: لأنه يمكن أن يحمل الكل على الجواز مع أن الصحابة ﵃ قد فعلوا ذلك بعد النبي ﷺ .
وروى ابن حزم عن ابن عباس ﵁ بإسناد صحيح أنه كان يكبر على الجنازة ثلاثا، وكذا روي عن أنس. وقال ابن سيرين: إنما كانت التكبيرات ثلاثا فزادوا واحدة. وعن جابر بن زيد أنه أمر يزيد بن المهلب أن يكبر على الجنازة ثلاثا، قال: هي أسانيد في غاية الصحة، وكبر زيد بن أرقم على الجنازة خمسا بعد عمر ﵁. وعن علي ﵁ أنه كبر على سهل بن حنيف ستا ثم التفت إلينا وقال: إنه بدري، وذكر ابن بطال عن علي ﵁ أنه كان يكبر على البدري ستا وعلى سائر الصحابة خمسا وعلى غيرهم أربعا، وكبر علي ﵁ على قتادة سبعا، ولكن ما رواه محمد بن الحسن في كتاب " الآثار " في كفاية الاحتجاج على استقرار الأمر على الأربع.
قال أبو حنيفة: عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي ﵏ «أن الناس كانوا يصلون على الجنائز خمسا وستا وأربعا حتى قبض رسول الله ﷺ ، ثم كبروا كذلك في ولاية أبي بكر الصديق ﵁، ثم ولي عمر بن الخطاب ﵁ ففعلوا ذلك، فقال لهم عمر: إنكم معشر أصحاب محمد ﷺ متى تختلفون تختلف الناس بعدكم والناس حديث عهد بالجاهلية فأجمعوا على شيء يجمع عليه من بعدكم، فأجمع رأي أصحاب محمد ﷺ أن ينظروا آخر جنازة كبر عليها النبي ﷺ حتى قبض فيأخذونها ويرفعون ما سواها، فنظروا فوجدوا آخر جنازة كبر عليها رسول الله ﷺ أربعا» .
قلت: فيه انقطاع بين إبراهيم وعمر ﵁، وصح عن النبي ﷺ أن «آخر صلاة صلاها على النجاشي كبر أربعا، وثبت عليها حتى توفي» . وذكر ابن بطال عن همام بن الحارث أن عمر ﵁ جمع الناس على الأربع إلا أهل بدر، فإنهم كانوا يكبرون عليهم خمسا وستا وسبعا.
وقال ابن حزم في " المحلى ": كبر عمر أربعا وعلي أربعا وزيد بن ثابت كبر أربعا على أمه، وعبد الله بن أبي أوفى كبر أربعا على ابنته، وزيد بن أرقم كبر أربعا، وكذا البراء بن عازب وابن عمر وأبو هريرة وعقبة بن عامر ﵃. وصح أن أبا بكر الصديق ﵁ -
стр. 1555
ولو كبر الإمام خمسا لم يتابعه المؤتم، خلافا لزفر ﵀ لأنه منسوخ لما روينا، وينتظر تسليمة الإمام في رواية،
ــ
[البناية]
صلى على النبي ﷺ فكبر أربعا، وصلى صهيب على عمر فكبر أربعا، وصلى الحسن على علي فكبر أربعا، وصلى عثمان ﵁ على خباب فكبر أربعا.
[الحكم لو كبر الإمام خمسا في صلاة الجنازة]
م: (ولو كبر الإمام خمسا لم يتابعه المؤتم خلافا لزفر ﵀) ش: يقول زفر: قال أحمد وابن أبي ليلى والظاهرية والشيعة، وفي " المجتبى " قال أبو يوسف: يتابعه. وفي " النهاية ": وهو رواية عن أبي يوسف. وحكى أحمد عن الشافعي قولا فقال: إذا كبر خمسا يتابعه المأموم، ولا تبطل بها الصلاة عندنا وعند الشافعي في الأظهر، وعند أصحابه وجد أنها تبطل، وعن أصحاب أحمد كذلك.
وفي " الذخيرة " لو زاد الإمام خامسة صحت صلاته، وروى ابن القاسم عن مالك لا يتبع فيها، لأنها من شعار الشيعة، وينظر تسليم الإمام، وهو المختار. وفي " المحيط " وهو الأصح. وفي رواية عن أبي حنيفة ﵁ يسلم ولا ينتظره، وهو قول الثوري ومالك في رواية ابن المنذر وابن القاسم.
وفي " الذخيرة " قال ابن القاسم: يسلمون بسلامه، وجه قول زفر ومن معه أنه مجتهد فيه كما قلنا فيتابعه المقتدي كما في تكبيرات العيد.
ووجه قول أبي حنيفة وأصحابه ما أشار إليه المصنف بقوله: م: (لأنه منسوخ) ش: أي لأن الزائد على أربع تكبيرات منسوخ، ولا متابعة في المنسوخ. وقال الأكمل: قلنا: ثبت أن الصحابة تشاوروا، فرجعوا إلى آخر صلاة صلاها، صار ذلك منسوخا بإجماعهم.
قلت: فيه نظر، لأنا قد ذكرنا عن جماعة من الصحابة والتابعين، أنهم كبروا أكثر من أربع بعد النبي ﷺ ، فكيف يكون إجماعا؟ وكيف يكون النسخ بعد النبي ﷺ ؟.
وقال الأترازي: لم يجز الاقتداء في التكبير الزائد على الأربع، كما لم يجز الاقتداء في تكبيرات العيد إذا زاد الإمام خارجا عن أقاويل الصحابة. قلت: إذا زاد الإمام على الأربع في الجنازة، فعلى كلامه ينبغي أن يتابعه المقتدي ما لم يجاوز عن فعل الصحابة، وقد ذكرنا عن جماعة منهم أنهم كبروا أكثر من أربع بعد النبي ﷺ .
م: (لما روينا) ش: وهو قوله لأنه ﷺ كبر أربعا م: (وينتظر تسليمة الإمام في رواية) ش: أشار بهذا إلى أنه إذا لم يتابعه المقتدي في الزيادة ماذا يصنع، فقال: ينتظر تسليم الإمام، يعني لا يتابعه في الزيادة، ولكنه ينتظر تسليم الإمام فيسلم معه ليصير متابعه فيما وجب المتابعة فيه.
وفي " الواقعات " وعليه الفتوى. وبه قال مالك في رواية، وفي " الحلية " في الانتظار
стр. 1556
وهو المختار،
والإتيان بالدعوات استغفار للميت، والبداية بالثناء ثم بالصلاة سنة الدعاء
ــ
[البناية]
وجهان.
وفي " روضة الزيدوسي " لم يتابعه إذا كان يسمع من الإمام، أما إذا كان يسمع من المنادي يكبر كما في تكبيرات العيد م: (وهو المختار) ش: أي انتظار تسليم الإمام في الزيادة، وهو المختار في رواية عن أبي حنيفة ﵁ لا ينتظر تحقيقا للمخالفة.
م: (والإتيان بالدعوات استغفار للميت والبداية بالثناء ثم بالصلاة سنة الدعاء) ش: أشار بهذا إلى بيان المقصود من إتيان الدعوات للميت بعد التكبيرة الثالثة، وهو أن المقصود من ذلك استغفار للميت، أي طلب المغفرة له، ولكن هذا الدعاء هل سنة يعمل بها حتى يستجيب الله تعالى هذا الدعاء منه، وهو أن يبدأ أولا بالثناء ثم بالصلاة على النبي ﷺ بعد التكبيرة الثانية، ثم يأتي بالدعاء بعد التكبيرة الثالثة، وذلك لقوله ﷺ : «إذا أراد أحدكم أن يدعو فليحمد الله وليصلي على النبي ثم يدعو» كذا ذكره صاحب " الدراية " ولم يبين من حاله شيئا.
قلت: هذا الحديث، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وحديث فضالة بن عبيد قال: «سمع رسول الله ﷺ رجلا يدعو لم يحمد الله ولم يصل على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : " عجل هذا " ثم دعاه فقال له: " إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثم يصلي عل النبي ثم يدعو بعد بما شاء» قال الترمذي: حديث حسن صحيح، ورواه ابن حبان في " صححيه "، والحاكم في " المستدرك " واعتبر ذلك بالتشهد في الصلاة.
وفي " التجنيس " ولا يجهر بشيء من الحمد والثناء والصلاة على النبي ﷺ والدعاء للميت، لأن هذه الأفعال ذكر كلها، والذكر فيه الإخفاء أولى.
وقال بعض المشايخ أن السنة أن يسمع الصف الثاني ذكر الصف الأول، ويسمع الثالث ذكر الصف الثاني. وعن أبي يوسف أنهم لا يجهرون كل الجهر، ولا يسرون كل الإسرار، وينبغي أن يكون بين ذلك.
وقال الكرخي: وليس مما ذكر من الثناء على الله تعالى ولا في الصلاة على النبي ﷺ ، ولا في الدعاء للميت شيء موقت يقرأ من ذلك ما حضره وتيسر عليه، وذلك لما روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ما وقت لنا رسول الله ﷺ في صلاة الجنازة قولا ولا قراءة، كبر ما كبر الإمام، واختر من أطيب الكلام ما شئت.
وقد بسطنا الكلام فيه فيما مضى عن قريب.
стр. 1557
ولا يستغفر للصبي، ولكن يقول اللهم اجعله فرطا واجعله لنا أجرا وذخرا واجعله لنا شافعا ومشفعا. ولو كبر الإمام تكبيرة أو تكبيرتين لا يكبر الآتي حتى يكبر الإمام أخرى بعد حضوره عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وقال أبو يوسف ﵀: يكبر حين يحضر لأن الأولى للافتتاح والمسبوق يأتي به. ولهما أن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة،
ــ
[البناية]
[الاستغفار للصبي في صلاة الجنازة]
م: (ولا يستغفر للصبي، ولكن يقول: اللهم اجعله لنا فرطا، واجعله لنا أجرا وذخرا واجعله لنا شافعا ومشفعا) ش: لأن الصبي مرفوع القلم عنه، ولا ذنب له فلا حاجة إلى الاستغفار.
وفي " البدائع ": إذا كان الميت صبيا يقول: اللهم اجعله فرطا وذخرا وشفعه فينا، كذا روي عن أبي حنيفة، وهو مروي عن النبي ﷺ . وفي " المحيط " إذا كان الميت صبيا أو مجنونا يقول: اللهم اجعله لنا فرطا، اللهم اجعله لنا ذخرا، اللهم اجعله لنا شافعا ومشفعا.
وفي " المفيد " ويدعو لوالديه وللمؤمنين. وقيل: يقول اللهم ثقل به موازينهما وأعظم به أجورهما، اللهم اجعله في كفالة إبراهيم، وألحقه بصالح المؤمنين، وأبدله دارًا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، اللهم اغفر لسلفنا وفرطنا ومن سبقنا بالإيمان.
قوله " فرطا " بفتح الفاء والراء، قال الأصمعي: الفرط والفارط المتقدم في طلب الماء، والمراد هاهنا المتقدم في أمر الآخرة، ومنه قوله ﵇: «أنا فرطكم على الحوض» أي متقدمكم. قوله: ذخرا بضم الذال المعجمة، أي خيرا باقيا مدخرا. قوله: شافعا من شفع له. قوله: مشفعا بتشديد الفاء المفتوحة، أي مقبول الشفاعة.
م: (ولو كبر الإمام تكبيرة أو تكبيرتين لا يكبر الآتي حتى يكبر الإمام أخرى) ش: أي تكبيرة أخرى م: (بعد حضوره) ش: أي حضور الثاني م: (عند أبي حنيفة ومحمد) ش: ثم إذا كبر الإمام يكبر معه، فإذا فرغ الإمام كبر هذا الآتي ما فاته قبل أن ترفع الجنازة. وهذا الحكم، سواء أدرك الإمام بعد التكبيرة الأولى أو الثانية أوالثالثة. قال ابن المنذر: وهو قول الحارث بن يزيد والثوري ومالك وإسحاق وأحمد في رواية.
م: (وقال أبو يوسف: يكبر حين يحضر، لأن الأولى) ش: أي التكبيرة الأولى م: (للافتتاح) ش: أي افتتاح الصلاة، كما في سائر الصلوات م: (والمسبوق يأتي به) ش: أي بتكبير الافتتاح بل انتظار، كما في غير صلاة الجنازة، وبقوله قال الشافعي وأحمد في رواية، وعن أحمد أنه يكبر.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - م: (أن كل تكبيرة) ش: من التكبيرات الأربع م: (قائمة مقام ركعة) ش: فلا يجوز للمسبوق أن يقضي الفائت قبل أن يشرع مع الإمام، والدليل على أن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة أنه لو ترك واحدة منها لا تجوز صلاته، كما لو ترك ركعة، ولهذا قيل أربع كأربع الظهر، ثم إن عندهما يقضيها بعد السلام ما لم ترفع
стр. 1558
والمسبوق لا يبتدئ بما فاته إذ هو منسوخ، ولو كان حاضرا مع الإمام فلم يكبر مع الإمام لا ينتظر الثانية بالاتفاق؛ لأنه بمنزلة المدرك، ويقوم الذي يصلي على الرجل أو المرأة بحذاء الصدر لأنه موضع القلب، وفيه نور الإيمان، فيكون القيام عنده إشارة إلى الشفاعة لإيمانه. وعن أبي حنيفة ﵀ أنه يقوم من الرجل بحذاء رأسه، ومن المرأة بحذاء وسطها
ــ
[البناية]
الجنازة، ولو رفعت بالأيدي ولم توضع على الأكتاف يكبر في ظاهر الرواية، وعن محمد: إن كانت إلى الأرض أقرب يكبر، وإن كانت إلى الأكتاف أقرب لا يكبر، وقيل: لا يقطع حتى يتباعد.
وعند الشافعي قولان، وقد أشار الشافعي إلى ترجيح التكبيرات معا بغير دعاء في " البويطي ". وفي " الأشراف ": قال ابن المسيب وعطاء والنخعي والزهري وابن سيرين والثوري وقتادة ومالك وأحمد في رواية، وإسحاق والشافعي: المسبوق يقضي ما فاته متتابعا قبل أن ترتفع الجنازة، فإذا ارتفعت سلم وانصرف كقول أصحابنا، قال ابن المنذر: وبه أقوال، وقال ابن عمر: لا يقضي ما فاته من التكبير، وبه قال الحسن البصري والسختياني والأوزاعي وأحمد، ولو جاء وكبر الإمام أربعا ولم يسلم لم يدخل معه، وفاتته الصلاة.
وعند أبي يوسف والشافعي - رحمهما الله - دخل معه ويأتي بالتكبيرات معا إن خاف رفع الجنازة. وفي " المحيط ": وعليه الفتوى. وعند الشافعي: يقرأ الفاتحة أيضا، سواء صار مسبوقا بأربع أو أقل، وظاهر مذهبه أنه أتم الصلاة بالصفة المشروعة وإن رفعت الجنازة.
[أحكام المسبوق في صلاة الجنازة]
م: (والمسبوق لا يبتدئ بما فاته إذ هو منسوخ) ش: هذا جواب عن قول أبي يوسف والمسبوق يأتي به، وتقريره أن المسبوق ليس له أن يبتدئ أولا بما فاته من الإدراك مع الإمام، لأنه إذا ابتدأ به يقع في قضاء ما فاته قبل أداء ما أدركه مع الإمام، وأنه منسوخ كان ذلك في صدر الإسلام، ثم نسخ، وكلمة إذ في قوله: إذ هو للتعليل، يعني أن الابتداء بما فاته منسوخ.
م: (ولوكان) ش: أي الرجل الذي يريد الصلاة وقد فاتته التكبيرة الأولى م: (حاضرا مع الإمام فلم يكبر مع الإمام لا ينتظر الثانية) ش: أي التكبيرة الثانية م: (بالاتفاق) ش: بين الأئمة الثلاثة م: (لأنه بمنزلة المدرك) ش: لتلك التكبيرة ضرورة العجز عن المفارق م: (ويقول الذي يصلي على الرجل أو المرأة بحذاء الصدر) ش: أي بحذاء صدر المرأة م: (لأنه) ش: أي لأن الصدر م: (موضع القلب وفيه نور الإيمان) ش: قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢] (المجادلة: الآية ٢٢) ، م: (فيكون القيام عنده) ش: أي عند الصدر م: (إشارة إلى الشفاعة لإيمانه) ش: يعني إشارة إلى أن يشفع لإيمانه. وقال في " المبسوط ": وأحسن مواقف الإمام من الميت بحذاء الصدر. قال في " جوامع الفقه ": هو المختار، واختاره الطحاوي.
م: (وعن أبي حنيفة ﵀ أنه يقوم في الرجل بحذاء رأسه ومن المرأة بحذاء وسطها) ش:
стр. 1559
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وبه قال ابن أبي ليلى، وهو قول النخعي ﵀. وفي " البدائع " وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ في كتاب الصلاة أنه يقوم بحذاء وسط الرجل وعند رأس المرأة، وفي " المبسوط " الصدر هو الوسط، فإن فوقه يديه ورأسه، وتحته بطنه ورجلاه.
قال صاحب " النهاية ": الوسط بسكون السين لأنه اسم مبهم لداخل الشيء، يعني ما بين طرفي الشيء، وليس بمراد، هكذا نقل الأكمل عن صاحب النهاية وهو السغناقي. وقال صاحب " الدراية ": وضبطها بسكون السين هكذا كان معربا بخط شيخ شيخي العلامة، لأنه بالسكون اسم لداخل الشيء، والمتحرك اسم لما بين طرفيه، والمراد بالوسط في الحديث الوسط المعنوي لا اللغوي، والوسط المعنوي هو الصدر، فإن فوقه الرأس مع اليدين، وتحته البطن مع الرجلين. وهذه قسمة عادلة كما ترى.
وأورد بالحديث ما رواه الأئمة الستة في كتبهم من حديث «سمرة بن جندب، قال: صليت وراء النبي ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها فقام عليها للصلاة وسطها.» وأما الأترازي فإنه ضبط بخطه الوسط بتحريك السين في مواضع عديدة، ومن عادته ضبط الألفاظ في تصانيفه بخطه، وهو يحتاط فيه.
قلت: الصواب معه من وجه، لأن الوسط بالسكون، يقال فيما كان متفرق الأجزاء غير متصل كالناس والدواب وغير ذلك، فإذا كان متصل الأجزاء كالدار والرأس، فهو بالفتح، فعلى هذا هنا بالفتح، ويقال: كل منهما يرفع الأجزاء، فعلى هذا يجوز فيه الوجهان، وعلى الصواب الفريقان.
ونقل القاضي عياض عن أبي يحيى وغيره سكون السين في الحديث المذكور، وكذا ضبطه الجبائي. وأجاز ابن دينار الوجهين، وذكر عن بعضهم فتحها.
وفي " التحفة " و " المفيد ": المشهور من الروايات عن أصحابنا في الأصل وغيره أن يقوم من الرجل والمرأة بحذاء الصدر، وعن الحسن بحذاء الوسط منهما إلا أنه يكون في المرأة إلى رأسها أقرب، وعن أبي يوسف أنه يقوم بحذاء الوسط من المرأة، وبحذاء الرأس من الرجل.
ذكره في " المفيد "، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀ ذكره في " المحيط ". وفي ظاهر الرواية يقوم منها بحذاء صدرها، وقال مالك: يقوم في الرجل عند وسطه، ومن المرأة عند منكبيها.
وقال أبو علي الطبري من الشافعية يقوم الإمام عند صدره، واختاره إمام الحرمين والغزالي، وقطع به السرخسي، قال الصيدلاني: وهو اختيار أئمتنا، وقال الماوردي: قال أصحابنا البصريون يقوم عند صدره، وهو قول الثوري. وقال البغداديون عند رأسه وقالوا ليس
стр. 1560
لأن أنسا فعل كذلك، وقال هو السنة
ــ
[البناية]
في ذلك نص، وممن قاله المحاملي في " المجموع " و " التحرير " وصاحب " الحاوي " والقاضي حسين وإمام الحرمين. وفي " المغني " لا يختلف المذهب في أن السنة أن يقوم الإمام في صلاة الجنازة عند صدر الرجل وعند عجيزة المرأة، وروى حرب عن أحمد كقول أبي حنيفة.
م: (لأن أنسا فعل كذلك) ش: أي قام من المرأة بحذاء وسطها م: (وقال هو السنة) ش: أي قال أنس: القيام من المرأة بحذاء وسطها وهو السنة. وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه «عن نافع أبي غالب قال: كنت في سكة المريد فمرت جنازة معها ناس كثير، قالوا: جنازة عبد الله بن عمير فتبعتها، فإذا أنا برجل عليه كساء رقيق على رأسه خرقة تقيه من الشمس فقلت: من هذا الدهقان؟ فقالوا: هذا أنس بن مالك، قال: فلما وضعت الجنازة قام أنس فصلى عليها وأنا خلفه لا يحول بيني وبينه شيء، فقام عند رأسه فكبر أربع تكبيرات لم يطل ولم يسرع ثم ذهب يقعد، فقالوا: يا أبا حمزة المرأة الأنصارية فقربوها وعليها نعش أخضر، فقام عند عجيزتها فصلى عليها نحو صلاته على الرجل ثم جلس فقال العلاء بن زياد: يا أبا حمزة هكذا كان رسول الله ﷺ يصلي علىالجنازة كصلاتك يكبر عليها أربعا ويقوم عند رأس الرجل، وعجيزة المرأة؟ قال: نعم، إلى أن قال أبو غالب: فسألت عن صنيع أنس ﵁ في قيامه على المرأة عند عجيزتها، فحدثوني أنه إنما كان لأنه لم تكن النعوش، فكان يقوم الإمام حيال عجيزتها يسترها من القوم» هذا لفظ أبي داود.
ولفظ الترمذي «عن أبي غالب قال: صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل فقام حيال رأسه، ثم جاءوا بجنازة امرأة من قريش، فقال: يا أبا حمزة صل عليها، فقام حيال وسط السرير، فقال العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، صل عليها، فقام حيال وسط السرير، فقال العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، هكذا رأيت رسول الله ﷺ على الجنازة مقامك منها ومن الرجل مقامك منه، قال: نعم، فلما فرغ قال: احفظوا» .
ولفظ ابن ماجه «عن أبي غالب قال: رأيت أنس بن مالك صلى على رجل، فقام حيال رأسه فجيء بجنازة أخرى، فقالوا: يا أبا حمزة صل عليها، فقام حيال وسط السرير، فقال العلاء بن زياد: يا أبا حمزة هكذا رأيت رسول الله ﷺ قام في الجنازة مقامك من الرجل وقام من المرأة مقامك من المرأة، قال: نعم، فقام، فأقبل علينا العلاء بن زياد، فقالوا: احفظوا» وهذا اللفظ رواه أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى الموصلي في " مسانيدهم " وأبو غالب اسمه نافع، وقيل: رافع الباهلي الخياط البصري، قال يحيى بن معين: صالح، وقال أبو حاتم: شيخ.
стр. 1561
قلنا تأويله أن جنازتها لم تكن منعوشة، فحال بينها وبينهم فإن صلوا على جنازة ركبانا أجزأهم في القياس لأنها دعاء، وفي " الأسبيجابي " لا تجزئهم، لأنها صلاة من وجه لوجود التحريمة، فلا يجوز تركه
ــ
[البناية]
قوله: " المربد " بكسر الميم وسكون الراء وفتح الباء الموحدة وهو الموضع الذي يحبس في الإبل والغنم، وبه سمي مربد المدينة والبصرة، والمربد أيضا الموضع الذي يجعل فيه التمر لينشف، والسكة الطريقة المصطفة من النخل، ومنها قيل: للأزقة السكة، لاصطفاف الدور فيها. قوله " تقيه " أي تحفظه من وقى يقي، والدهقان بكسر الدال وفتحها رئيس القرية ومقدم الساسة وأصحاب الزراعة، وهو معرب، ونونه أصلية، وقيل زائدة، وأبو حمزة كنية أنس.
قوله: " المرأة الأنصارية " وفي رواية الترمذي " امرأة من قريش " قال النووي: لعلها كانت من قريش وبالحلف من الأنصار، وعكسه. قوله: " عليها نعش أخضر " النعش بفتح النون وسكون العين المهملة، وفي آخره شين معجمة، وهو مثل المحفة توضع على السرير، وتغطى بثوب يسرتها عن أعين الناس، وهي كالقبة على السرير.
م (قلنا: تأويله أن جنازتها لم تكن منعوشة، فحال بينها وبينهم) ش: هذا التأويل غير صحيح، لأن في رواية أبي داود فقربوها وعليها نعش أخضر، فيكف يقال إن جنازتها لم تكن منعوشة.
فإن قلت: الماوردي يكون قد اعتمد على رواية الترمذي، فإنها لم يذكر فيها النعش.
قلت: الحديث واحد في قضية واحدة، والراوي عن أنس هو أبو غالب فيحتمل أن الراوي عن أبي غالب قد اقتصر فيه عن ذكر النعش، ولكن يمكن أن يقال: إن المرأة التي صلى عليها أنس كانت جنازتها منعوشة ولا يلزم من ذلك أن يكون النساء اللاتي صلى عليهن رسول الله ﷺ جنائزهن منعوشات، فيصح التأويل. قوله: (فحال بينها وبينهم) أي بين المرأة التي صلى عليها أنس وبين القوم الذين كانوا صلوا معه ليسترها من القوم.
والعجب من الشراح مع نفض أياديهم لم يحوموا حول هذا المكان، ولم يتعرضوا لتحقيقه بالاتفاق، وخصوصا الأترازي يقول: قيل في تأويله لأنه حيث لم تكن النعوش وكان يقوم الإمام حيال عجيزتها، لأنه يسترها من القوم.
قلت: كيف يقال لأنه لم تكن النعوش، وقد حكى البندنيجي أن أول ما اتخذ لزينب بنت رسول الله ﷺ ، فإنه أمر بذلك.
[الحكم لو صلوا على الجنازة ركبانا]
م (فإن صلوا على جنازة ركبانا أجزأهم في القياس لأنها دعاء) ش: ولا يشترط فيها القيام، فلهذا تجوز بلا ركوع وسجود ولا قراءة، والقهقهة فيها ليست بحدث، وبه قال بعض المالكية م: (وفي " الأسبيجابي " لا يجزئهم، لأنه صلاة من وجه لوجود التحريمة، فلا يجوز تركه) ش: أي ترك
стр. 1562
من غير عذر احتياطا،
ولا بأس بالإذن في صلاة الجنازة، لأن التقدم حق الولي، فيملك إبطاله بتقديم غيره. وفي بعض النسخ لا بأس بالأذان أي الإعلام وهو أن يعلم بعضهم بعضا ليقضوا حقه،
ــ
[البناية]
القيام م: (من غير عذر احتياطا) ش: أي لأجل الاحتياط، وبه قال الشافعي، وأحمد وأشهب وآخرون، وقال ابن قدامة ﵁: لا أعلم فيه خلافا، وأراد بالتحريمة التكبيرة الأولى، فإنها ركن فيها، وكذلك يشترط فيها استقبال القبلة والطهارة وسترة العورة وإزالة النجاسة.
م: (ولا بأس بالإذن في صلاة الجنازة) ش: أي لا بأس بإذن الولي لغيره بالإمامة إذا أحسن ظنه شخص في تقديمه من به خير وثواب وشفاعة أرجى له م: (لأن التقدم حق الولي) ش: أي لأن التقدم على الغير في الصلاة على الميت حق الولي م: (فيملك إبطاله) ش: أي يملك الولي إبطال حقه، أي تركه بغيره م: (بتقديم غيره) ش: في الصلاة عليه، وقيل أراد به أن يأذن الأقرب للأبعد أن يقدم في الصلاة عليه.
وقيل أراد به إذن أولياء الميت للمصلين في الانصراف قبل دفن الميت فإنه لا ينبغي لهم أن ينصرفوا قبل دفنه إلا بإذنهم لأنه ﵇ قال: «أميران، وليسا بأميرين: ولي الميت قبل الدفن، والمرأة تكون في الركب» .
وعن أبي هريرة: قال: قال رسول الله ﷺ : «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن كان له قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: مل الجبلين العظيمين» متفق عليه. وفي مسلم «حتى توضع في اللحد " ويورى القيراط مثل أحد» .
م: (وفي بعض النسخ) ش: أي نسخ الجامع الصغير م: (لا بأس بالاذان، أي الإعلام، وهو أن يعلم) ش: الناس م: (بعضهم بعضا ليقضوا حقه) ش: أي ليؤدوا حق الميت، لما روي عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» أخرجه البخاري ومسلم.
وفي " المحيط " وكره بعض المشايخ النداء في الأسواق لأنه سنة عن الجاهلية، والأصح أنه لا بأس به، لأن فيه تكثير الجماعة من المصلين عليه والمستغفرين له. وفي " البدائع " و " جوامع الفقه " يكره النداء في المحال والأسواق، وفي " قاضي خان " وقد استحسن بعض المتأخرين النداء في الأسواق للجنازة إلى ترغيب الناس في الصلاة عليها، ذكر بعضهم ذلك، والأول أصح. وفي " الذخيرة " ذكر بعض مشايخ بلخ ذلك، وذكر الكرخي عن أبي حنيفة أنه لا ينبغي أن يؤذن بها إلا أهلها وجيرانها، وكثير من مشايخ بخارى لم يروا به بأسا، كالنداء الخاص.
стр. 1563
ولا يصلى على ميت في مسجد جماعة لقول النبي ﵇ «من صلى على جنازة في المسجد فلا أجر له»
ــ
[البناية]
[صلاة الجنازة في المسجد]
م: (ولا يصلى على ميت في مسجد جماعة) ش: احترز به عن المسجد الذي بني لأجلها، وبه قال مالك وابن أبي ذئب، وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: لا بأس بها إذا لم يخف تلويثه، واحتجوا بما روي «أن سعد بن أبي وقاص ﵁ لما توفي أمرت عائشة ﵂ بإدخال جنازته المسجد حتى صلى عليها أزواج النبي ﷺ ، ثم قالت لبعض من حولها: هل عاب الناس علينا ما فعلنا؟ فقيل لها نعم، فقالت: ما أسرع ما صلى رسول الله ﷺ على جنازة سهيل بن البيضاء إلا في المسجد» رواه مسلم.
وأشار إلى دليلنا بقوله م: (لقول النبي ﵇ «من صلى على جنازة في المسجد فلا أجر له» ش: هذا الحديث رواه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى على ميت في المسجد فلا شيء له» ، هذا لفظ أبي داود، ولفظ ابن ماجه «فليس له شيء» .
وقال الخطيب: المحفوظ، «فلا شيء له» وروي «فلا أجر له» . وقال ابن عبد البر: رواية «فلا أجر له» خطأ فاحش، والصحيح «فلا شيء له» ورواه ابن أبي شيبة في مصفنه بلفظ «فلا صلاة له» .
فإن قلت: روى ابن عدي في " الكامل " هذا الحديث وعده من منكرات صالح، ثم أسند إلى شعبة أنه كان لا يروي عنه، وينهى عنه، وإلى مالك لا يأخذوا عنه شيئا فإنه ليس بثقة، وإلى النسائي أنه قال فيه ضعف. وقال ابن حبان في كتاب " الضعفاء "، واختلط بآخره ولم يتميز حديث حديثه من قديمه فاستحق الترك، ثم ذكر له هذا الحديث، وقال البيهقي: صالح مختلف في عدالته كان مالك يجرحه.
وقال النووي: أجيب عن هذا بأجوبة أحدها: أنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به، قال أحمد بن حنبل: هذا حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف.
والثاني: أن الذي في النسخ المشهورة المسموعة من سنن أبي داود «فلا شيء عليه» فلا حجة فيه.
والثالث: أن اللام فيه بمعنى على لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] [الإسراء: ٧] أي فعليها، جمعا بين الأحاديث. قلت: الجواب عما قالوه من وجه.
стр. 1564
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الأول: أن أبا داود روى هذا الحديث وسكت عنه، فهذا دليل رضاه به، وأنه صحيح عنده.
الثاني: أن يحيى بن معين الذي هو فيصل في هذا الباب، قال: صالح ثقة، إلا انه اختلط قبل موته، فمن سمع منه قبل ذلك فهو ثبت حجة، ومن سمع منه قبل الاختلاط ابن أبي ذئب، وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث وأسكت ابن أبي ذئب.
الثالث: قال ابن عبد البر: منهم من يقبل عن صالح ما رواه عنه ابن أبي ذئب خاصة.
الرابع: أن غالب ما ذكر منه تحامل، من ذلك قول النووي أن الذي في النسخ المشهورة والمسموعة من سنن أبي داود «فلا شيء عليه» فإنه يرده قول الخطيب المحفوظ فلا شيء له، وقول السروجي وفي " الأسرار " فلا صلاة له، وفي " المرغيناني " فلا وجه له، ولم يذكر ذلك في كتب الحديث، يرده ما ذكرناه من رواية ابن أبي شيبة في مصنفه «فلا صلاة له» وقال الخطيب: وروي «فلا أجر له» فلعدم اطلاعه في هذا الموضع جازف فيه. ومن تحاملهم جعل اللام بمعنى على بالتحكم من غير دليل ولا داع إلى ذلك. ولا سيما أن المجاز عندهم ضروري لا يصار إليه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة ها هنا، وأقوى ما يرد كلامه هذا رواية ابن أبي شيبة، وهي «فلا صلاة له» فلا يمكن له أن يقول ها هنا اللام بمعنى على لفساد المعنى.
الخامس: أن قول ابن حبان هذا باطل جرأة منه على تعطيل الصواب، فكيف هذا القول، وقد رواه أبو داود وسكت، فأقل الأمر أنه يدل على حسنه عنده، وأنه رضي به، وحاشى منه أن يرضى بالباطل.
السادس: ما قاله الجهبذ النقاد الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀ ملخصا، وهوأن الروايات لما اختلفت عن رسول الله ﷺ في هذا الحديث يحتاج إلى إلى الكشف ليعلم المتأخر منها فيجعل ناسخا لما تقدم، فحديث عائشة ﵂ إخبار عن فعل رسول الله ﵇ الذي تقدم على الإباحة، فصار ناسخا لحديث عائشة ﵂، وإنكار الصحابة عليها مما يؤيد ذلك.
فإن قلت: من أي قبيل يكون هذا النسخ؟ قلت: من قبيل النسخ بدلالة التاريخ، وهو أن يكون أحد النصين موجبا للخطر، والآخر موجبا للإباحة، والحظر طارئ عليها، فيكون متأخرا.
فإن قلت: لما لا يجعل بالعكس؟
стр. 1565
ولأنه بني لأداء المكتوبات،
وفيما إذا كان الميت خارج المسجد اختلاف المشايخ،
ــ
[البناية]
قلت: لئلا يلزم النسخ مرتين، وهذا ظاهر.
فإن قلت: ليس بين الحديثين منافاة، فلا تعارض فلا حاجة إلى التوفيق.
قلت: ظهر لك صحة حديث أبي هريرة بالوجوه التي ذكرناها، فثبت التعارض.
فإن قلت: مسلم أخرج حديث عائشة ولم يخرج حديث أبي هريرة.
قلت: لا يلزم من ترك مسلم تخريجه عدم صحته، لأنه لم يلزم إخراج كل ما صح عن النبي ﵇ وكذلك البخاري، ولئن سلمنا ذلك فإن حديث أبي هريرة لا يخلو من كلام، فكذلك حديث عائشة لا يخلو من كلام، لأن جماعة من الحفاظ مثل الدارقطني وغيره عابوا على مسلم تخريجه إياه سندا، لأن الصحي أنه مرسل كما رواه مالك والماجشون عن أبي النضر عن عائشة مرسلا، والمرسل ليس بحجة عند الخصم، وقد أول بعضهم حديث عائشة بأنه ﵇ إنما صلى في المسجد بعذر المطر، وقيل بعذر الاعتكاف، وعلى كل تقدير الصلاة على الجنازة خارج المسجد أولى وأفضل، بل أوجب للخروج عن الخلاف لا سيما في باب العبادات.
م: (ولأنه بني لأداء المكتوبات) ش: أي ولأن المسجد بني لإقامة الصلوات المكتوبات، فيكون غيرها في خارج المسجد أولى وأفضل م (ولأنه يحتمل تلويث المسجد) ش: أي ولأن فعل صلاة الجنازة في المسجد يحتمل تلويثه، وقد أمرنا بتنظيفه، وقد قال ﵇ «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم» فإذا أمروا أن يجبنوا الصبيان والمجانين المساجد فالميت أولى لأنه لا [......] له، فلا يؤمن منه تلويث المسجد.
م: (وفيما إذا كان الميت خارج المسجد اختلاف المشايخ) ش: قوله اختلاف المشايخ مبتدأ وخبره قوله فيما إذا كان الميت وانتصاب خارج المسجد على التوسع، يعني في خارج المسجد، وذكر في تتمة الفتاوى ناقلا عن فتاوى الإمام نجم الدين إذا كانت الجنازة والقوم والإمام في المسجد فالصلاة مكروهة باتفاق أصحابنا، وإذا كانت الجنازة والإمام وبعض القوم خارج المسجد وباقي القوم في المسجد فالصلاة غير مكروهة بالاتفاق.
وإن كانت الجنازة وحدها خارج المسجد فقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا يكره، منهم السيد الإمام أبو شجاع لما أن المسجد بني لأداء المكتوبات، وقال بعضهم لا يكره، لأن المعنى الموجب للكراهة وهو احتمال تلويث المسجد مفقود، ولا يقال يلزم على ما ذهب إليه السيد الإمام أبو شجاع أن لا يجوز التطوع في المسجد، لأنا نقول أن التطوع تبع للمكتوبة، فألحق بها، بخلاف صلاة الجنازة لأنها جنس آخر. وقال إسماعيل المتكلم: الصلاة عليه في
стр. 1566
ومن استهل بعد الولادة سمي وغسل وصلي عليه
ــ
[البناية]
المسجد مكروهة كراهة تحريم، وقال شرف الأئمة العقيلي كراهة تنزيه، ذكره في " قنية المنية ".
[حكم الصلاة على من استهل بعد الولادة ثم مات]
م: (ومن استهل بعد الولادة سمي وغسل وصلي عليه) ش: - استهل - بفتح التاء على بناء الفاعل، لأن المراد ها هنا رفع الصوت لا الإبصار، ففي " المغرب " أهلوا الهلال، استهلوا رفعوا أصواتهم عند رؤيته وأهل واستهل على بناء المفعول إذا أبصر، والمراد رفع الصوت بالبكاء عند ولادته، وفي " الإيضاح " الاستهلال أن يكون منه ما يدل على حياته من بكار أو تحريك عضو وأن يطرف بعينه، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال مالك: لا يصلى عليه إلا أن يطول ذلك فيتحقق حياته. وعن مالك وأحمد في رواية الاستهلال أن يستهل صارخا.
وفي " شرح مختصر الكرخي " ومن ولد حيا ثم مات فعلوا به ذلك كله، يعني التسمية والغسل والصلاة، وكذا إذا استهل، وفي " التحفة " وغيرها إذا لم يستهل لا يغسل ولا يورث ولا يسمى، لأن هذه الأمور من أحكام الأحياء.
وروى الطحاوي أن الجنين الميت يغسل، ولم يحك خلافه، وعن محمد في سقط استبان خلقه يغسل ويكفن ويحنط ولا يصلى عليه، وقال النووي: إذا استهل يصلى عليه لحديث ابن عباس أنه ﵇ قال: «إذا استهل السقط صلي عليه وورث» وهو غريب، ومن رواية جابر. رواه الترمذي والحاكم والبيهقي وإسناده ضعيف.
ونقل ابن المنذر الإجماع على وجوب الصلاة على الطفل، وعن أبي حنيفة لا يصلى عليه حتى يبلغ. وخالف العلماء كافة، وحكى العبدري عن بعض العلماء أنه إن صلى صلي عليه، وهو مردود شاذ، وعن المغيرة بن شعبة أنه ﵇ قال: «الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه» رواه النسائي والترمذي وأحمد، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ومن لا ذنب له يصلى عليه كالنبي والكافر إذا أسلم ومات عقيب إسلامه قبل أن يحدث ذنبا والمجنون الذي استمر جنونه من حين البلوغ حتى مات. وعن ابن عمر يصلى عليه وإن لم يستهل، وبه قال ابن سيرين وإسحاق، وقال أحمد وداود: يصلى عليه إذا كان له أربعة أشهر.
وفي " المحيط " قال أبو حنيفة: إذا خرج أكثر الولد وهو يتحرك صلي عليه، وإن خرج أقله لا يصلى عليه. وقال ابن حزم في " المحلى ": يستحب أن يصلى عليه استهل أو لم يستهل، ولا يجب
стр. 1567
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
واستدل بحديث عائشة ﵂ أنه ﵇ لم يصل على ولده إبراهيم وهو ابن ثمانية عشر شهرا. وقد جاء حديثان مرسلان.
قلت: أخرج أبو داود في " سننه " من طريق ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت: «مات إبراهيم ابن النبي ﵇، وهو ابن ثمانية عشر شهرا فلم يصل عليه رسول الله ﷺ » -، ورواه أيضا أحمد والبزار وأبو يعلى الموصلي في " مسانيدهم "، وأما الحديثان المرسلان فرواهما أبو داود أيضا.
الأول: قال حدثنا هناد بن السري ثنا محمد بن عبيد عن وائل بن داود قال: سمعت البهي قال: «لما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ صلى عليه رسول الله ﷺ في المقاعد» .
الثاني: قال قرأت على سعيد بن يعقوب الطالقاني حدثكم ابن المبارك عن يعقوب بن القعقاع عن عطاء «أن النبي ﵇ صلى على ابنه إبراهيم، وهو ابن سبعين ليلة.» وقال الخطابي إن مرسل عطاء أولى الأمرين، وإن كان حديث عائشة أحسن اتصالا، واعتل هو وغيره ممن سلم ترك الصلاة عليه بعلل ضعيفة منها نقل النبي ﵇ عن الصلاة صلاة الكسوف ومنها أنه استغنى بفضيلة النبي ﵇ عن الصلاة كما استغنى الشهداء بفضيلة الشهادة، ومنها أنه لا يصلى على نبي وقد جاز أنه لو عاش لكان نبيا، ومنها أنه لم يصل عليه هو بنفسه وصلى عليه غيره.
قلت: قد جاء في صلاته ﵇ على إبراهيم عن جماعة من الصحابة ﵃ وهم ابن عباس والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبو سعيد الخدري، فحديث ابن عباس عند ابن ماجه قال: «لما مات إبراهيم ابن النبي ﵇ صلى عليه رسول الله ﵇، وقال: إن له مرضعا في الجنة، ولو عاش لكان صديقا نبيا، ولو عاش لعتقت أخواله القبط وما استرق قبطي» .
وحديث البراء عند أحمد في " مسنده «قال: صلى رسول الله ﵇ على ابنه إبراهيم ومات وهو ابن ستة عشر شهرا» .
وحديث أنس عند أبي يعلى الموصلي «أن النبي ﵇ صلى على ابنه إبراهيم وكبر أربعا» ورواه ابن سعد في " الطبقات ".
стр. 1568
لقوله ﷺ «إذا استهل المولود صلي عليه، وإن لم يستهل لم يصل عليه»
ــ
[البناية]
وحديث الخدري عند البزار في " مسنده " بلفظ أبي يعلى الموصلي، وقال البيهقي: وكونه صلى عليه وهو أشبه بالأحاديث الصحيحة.
قلت: الصلاة عليه مستحبة، ولا يظن به ﵇ ترك المستحب مع أن الإثبات مقدم على النفي، وقال النووي: رواية الإثبات أصح من رواية النفي. قوله البهي بفتح الباء الموحدة وكسر الهاء وتشدد الياء اسمه عبد الله بن يسار مولى مصعب بن الزبير تابعي يعد في الكوفيين. قوله في المقاعد هي مواضع قعود الناس من الأسواق وغيرها.
م: (لقوله ﷺ «إذا استهل المولود صلي عليه، وإن لم يستهل لم يصل عليه» ش: روي هذا عن جابر وعلي وابن عباس والمغيرة بن شعبة وأبي هريرة ﵁: فحديث جابر رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﵇: «الطفل لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل» هذا لفظ الترمذي.
قال: وقد اضطرب الناس فيه فرواه بعضهم عن أبي الزبير مرفوعا، وبعضهم موقوفا، وكأنه أصح، وسنده رواه الحاكم في " المستدرك " وسكت عنه. ولفظ النسائي: «إذا استهل الصبي صلي عليه وورث» ، ولفظ ابن ماجه كلفظ النسائي.
«وحديث علي ﵁ أخرجه ابن عدي في " الكامل " قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول في السقط: لا يصلى عليه حتى يستهل، فإذا استهل صلي عليه وعقل وورث، وإن لم يستهل لم يصل عليه ولم يورث ولم يعقل» وحديث ابن عباس أخرجه ابن عدي أيضا عنه عن النبي ﵇ «إذا استهل الصبي صلي عليه وورث» .
وحديث المغيرة بن شعبة أخرجه الترمذي عن النبي ﵇ قال: «والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» وقال حديث حسن صحيح وحديث أبي هريرة عند ابن ماجه قال: قال رسول الله ﷺ : «صلوا على أطفالكم، فإنهم من أفراطكم» ، وضعفه الدارقطني، وتحمل الأطفال ها هنا والسقط في حديث المغيرة على من استهل، والإفراط جمع فرط بتحريك الراء وهو الذي يتقدم لتهيئة التركة، والسقط مثلث السين.
стр. 1569
ولأن الاستهلال دلالة الحياة فيتحقق في حقه سنة الموتى ومن لم يستهل أدرج في خرقة كرامة لبني آدم ولم يصل عليه لما روينا، ويغسل في ظاهر الرواية، لأنه نفس من وجه، وهو المختار، وإذا سبي صبي مع أحد أبويه ومات لم يصل عليه لأنه تبع لهما، إلا أن يقر بالإسلام وهو يعقل،
ــ
[البناية]
م: (ولأن الاستهلال دلالة الحياة فيتحقق في حقه سنة الموتى) ش: أي إكراما لبني آدم، وانتصابه على التعليل م: (ولم يصل عليه لما روينا) ش: إشارة إلى قوله ﵇ «إذا استهل المولود ... » الحديث.
م: (ويغسل في ظاهر الرواية) ش: وهي رواية عن أبي يوسف ومحمد أنه فيه يغسل، وبه أخذ الطحاوي م: (لأنه نفس من وجه) ش: بدليل ثبوت الاستيلاد به وانقضاء العدة به، ولا يلزم من سقوط الصلاة سقوط الغسل كما في الكافر م: (وهو المختار) ش: أي غيرظاهر الرواية وهو المختار. وعن محمد لا يغسل ولا يصلى عليه، وهو ظاهر الرواية، وبه أخذ الكرخي، وعند الشافعي لو لم تظهر فيه علامة الحياة ولم يكن له أربعة أشهر لف في خرقة ودفن بلا غسل، وإن كن قد بلغ أربعة أشهر ففيه قولان، القديم يغسل ويصلى عليه، وفي الحديث لا يغسل ولا يصلى عليه.
م: (وإذا سبي صبي مع أحد أبويه فمات لم يصل عليه، لأنه تبع لهما) ش: أي للأبوين، وفي بعض النسخ تبع له، أي لأحد أبويه فمات لم يصل عليه الذي سبي الصبي معه، وإنما لا يتبع دار الإسلام لأن تبعية أحد الأبوين أولى، لأن الولد جزؤه، والتبعية على مراتب.
أقواها تبعية الأبوين أو أحدهما، ثم الدار إن لم يكن معه أحد أبويه يكون مسلما تبعا للدار لأن للدار تأثيرا في الاستتباع كما في لقيط يوجد في الدار حيث يجعل على دين أهل الدار ثم بعد الدار تعتبر اليد، حتى لو وضع في الغنيمة صبي في سهم رجل في دار الحرب فمات يصلى عليه ويجعل مسلما تبعا لصاحب اليد.
وفي " المغني ": لا يصلى على أطفال المشركين إلا أن يسلم أحد أبويه أو يموت مشركا فيكون ولده مسلما أو يسبى منفردا مع أحد أبويه، فإنه يصلى عليه، وقال أبو ثور: إذا سبي مع أحد أبويه لا يصلى عليه إلا أن يسلم. وفي " الأشراف " وقال أبو ثور: إذا سبي مع أبويه أو أحدهما أو وحده ثم مات قبل أن يجاوز الإسلام يصلى عليه.
م: (إلا أن يقر بالإسلام وهو يعقل) ش: الاستثناء من قوله لم يصل عليه؛ يعني إذا أقر بالإسلام، والحال أن يعقل صفة الإسلام وصفة الإسلام هي التي ذكرت في حديث جبريل -
стр. 1570
لأنه صح إسلامه استحسانا أو يسلم أحد أبويه لأنه يتبع خير الأبوين دينا،
وإن لم يسب معه أحد أبويه صلي عليه
ــ
[البناية]
﵇ أنه يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله، وقيل: معناه يعقل المنافع والمضار وأن الإسلام هدى، واتباعه خير، والكفر ضلالة واتباعه شر، وكذا لو اشترى جارية واستوصفها صفة الإسلام فلم تعلم لا تكون بذلك مؤمنة، وإنما يصلى عليه عند الإقرار بالإسلام.
م: (لأنه صح إسلامه استحسانا) ش: وبه قال بعض أصحاب الشافعي، وفي القياس لا يصح إسلامه، وهو ظاهر مذهب الشافعي م: (أو يسلم أحد أبويه) ش: ينصب الميم عطف على قوله أن يقر؛ يعني يصلي عليه إذا أسلم أحد أبويه وإن لم يقر الصبي بالإسلام م: (لأنه) ش: أي لأن الصبي م: (يتبع خير الأبوين دينا) ش: أي من حيث الدين حتى إن الصبي إذا كان بين اليهودية والنصرانية يتبع النصرانية، لأن اليهودي شر من النصراني وكذلك بالعكس.
م: (وإن لم يسب معه أحد أبويه صلي عليه) ش: وبه قال بعض أصحاب الشافعي تبعا للسابي حتى لو مات في دار الحرب بعدما وقع في يد مسلم يصلى عليه. وقال بعضهم هو على حكم الكفر وهو ظاهر مذهب الشافعي، وبه قال مالك، وكذا لو دخل دارنا، ولكن بعض مشايخنا جعل تبعية الدار بعد تبعية السابي وجعل تبعية اليد مقدما على تبعية الدار كما في اللقيط، يعني لو وجد في دار يجعل تبعا لأهل تلك الدار كما يجيء إن شاء الله تعالى.
قلت: ذكر في " المحيط " عند انعدام أحد الأبوين يكون تبعا لصاحب اليد، وعند انعدام صاحب اليد يكون تبعا للدار، جعل الإمام قاضي خان تبعية الدار مقدمة على تبعية صاحب اليد.
وفي جامع أبي اليسر: أولاد المسلمين إذا ماتوا حال صغرهم قبل أن يعقلوا يكونون في الجنة، فإن فيهم أحاديث كثيرة، روي عن أبي حنيفة الوقف فيهم، وهذه الرواية غير صحيحه، وإنما وقف أبو حنيفة ﵀ في أولاد الكفار إذا ماتوا في صغرهم قبل أن يعقلوا ووكل أمرهم إلى الله، واختلف أهل السنة في هذا فعن محمد أنه قال: أعرف أن الله لا يعذب بغير ذنب، وقال بعضهم: يكونون خداما للمسلمين في الجنة، وقال بعضهم: إن كان قال يوم أخذ الميثاق بلى عن اعتقاد، يكون في الجنة، وإن كان قال من غير اعتقاد يكون في النار.
وفي " الفتاوى الظهيرية " يحشر السقط، وعن أبي جعفر الكبير إذا نفخ فيه الروح يحشر وإلا فلا، والذي يقتضيه مذهب علمائنا أنه يحشر إذا استبان بعض خلقه، وهو قول الشافعي ﵀ وابن سيرين، وفي " الإحياء " وينبغي أن يسمى السقط.
قال عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية بلغني أن السقط وراء أبيه يوم القيامة يقول ضيعتني
стр. 1571
لأنه ظهرت تبعيته للدار فيحكم بإسلامه كما في اللقيط، وإذا مات الكافر وله ولي مسلم فإنه يغسله ويكفنه ويدفنه، بذلك أمر علي ﵁ في حق أبيه أبي طالب
ــ
[البناية]
وأنت تركتني لا اسم لي اليوم! فقال عمر بن عبد العزيز: كيف ولا ندري أغلام هو أم جارية؟ فقال عبد الرحمن: من الأسماء ما يجمعهما كحمزة وعمارة وطلحة.
[تغسيل وتكفين القريب الكافر]
م: (لأنه ظهرت تبعيته للدار) ش: بعدم سبيه مع أحد أبويه م: (فيحكم بإسلامه) ش: بتبعية الدار م: (كما في اللقيط) ش: يوجد في الدار يكون تبعا لأهل الدار م: (وإن مات الكافر وله ولي مسلم) ش: أي قريب مسلم لأن حقيقة الولاية منفية. وإطلاق الولي شارك كل قريب له من ذوي الفروض والعصبات وذوي الأرحام، وهذا الإطلاق لفظ الجامع الصغير، وذكر في الأصل كافر مات وله ابن مسلم ويغسله ويكفنه ويدفنه إذا لم يكن هناك من أقربائه الكفار من يتولى أمره، فإن كان ثمة أحد منهم فالأولى أن يخلي المسلم بينه وبينهم ليصنعوا به ما يصنعون بموتاهم.
م: (فإنه يغسله ويكفنه ويدفنه بذلك أمر علي ﵁ في حق أبيه أبي طالب) ش: أخرج ابن سعد حديث علي هذا في الطبقات مطابقا لما في المتن، فقال: أخبرنا محمد ابن عمر الواقدي حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده «عن علي ﵁ قال: لما أخبرت رسول الله ﵇ بموت أبي طالب بكى ثم قال لي: اذهب فاغسله وكفنه وواره، قال: ففعلت ثم أتيته فقال لي: اذهب فاغتسل، قال: وجعل رسول الله ﷺ يستغفر له أياما ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه جبريل ﵇ بهذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] الآية (التوبة: ١١٣) .»
وأخرج أبو داود والنسائي عن سفيان عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب «عن علي لما مات أبوه أبو طالب قال: انطلقت إلى النبي ﵇ فقلت له: إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال اذهب فوار أباك ثم لا تحدثن شيئا حتى تأتيني، فذهبت فواريته فأمرني فاغتسلت ودعا. لي» . ورواه أحمد وإسحاق بن راهويه وابن أبي شيبة وأبو يعلى والبزار في مسانيدهم وليس فيه التعرض إلى الغسل والتكفين.
واستدل به البيهقي وغيره من الشافعية على الاغتسال من غسل الميت، مع أن البيهقي روى هذا الحديث في " سننه " من طرق، ثم قال إنه حديث باطل، وأسانيده كلها ضعيفة وبعضها منكرا، واستدل ابن الجوزي بهذا الحديث لمن يرى بجواز غسل قريبه الكافر إذا مات وتكفينه ومواراته، ثم أجاب بأنه كان في ابتداء الإسلام، وهذا ممنوع ليس عليه دليل.
واعلم أن أبا طالب وخديجة بنت خويلد زوج النبي ﵇ ماتا في عام واحد، قاله
стр. 1572
لكن يغسل غسل الثوب النجس ويلف في خرقة وتحفر له حفيرة من غير مراعاة سنة التكفين واللحد ولا يوضع فيه، بل يلقى.
ــ
[البناية]
ابن إسحاق، وقال البيهقي: بلغني أن خديجة توفيت بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام، وزعم الواقدي أنهما ماتا قبل الهجرة بثلاث سنين عام خرجوا من الشعب، وأن خديجة توفيت قبل موت أبي طالب بخمس وثلاثين ليلة، وقال بعضهم: الصحيح أن أبا طالب توفي في شوال سنة عشر من النبوة بعد خروج النبي ﵇ من الحضر بثمانية أشهر وإحدى وعشرين يوما، وكان عمره بضعا وثمانين سنة، ثم توفيت خديجة بعد أبي طالب بثلاثة أيام وكان موتها قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين، وقال ابن كثير: مرادهم قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء.
وأبو طالب اسمه عبد مناف، وهو أخو عبد الله لأمه، وكان له من الولد: طالب مات كافرا وجعفر وعلي وأم هانئ اسمها فاختة، وقيل هند، وقيل فاطمة، وهو الذي كفل رسول الله ﵇ بعد وفاة جده عبد المطلب، وذهب بعض الشيعة إلى أنه مات مسلما، والذي صح في البخاري يخالفه.
م: (لكن يغسل غسل الثوب النجس ويلف في خرقة) ش: بإفاضة الماء عليه وبغير الوضوء، وغير البداية بالميامن، وغير التثليث، ويلف في خرقة من غير مراعاة اعتبار التكفين من اعتبار عدد وغير حنوط وكافور م: (وتحفر له حفيرة) ش: من غير مراعاة ترتيب القبر، وأشار إلى ذلك كله بقوله: م: (من غير مراعاة سنة التكفين واللحد) ش: وهذا يتعلق بالمسألتين، مسألة اللف في الخرقة، ومسألة حفر القبر م: (ولا يوضع فيه) ش: أي في اللحد، يعني لا يجعل له لحد حتى يوضع فيه م: (بل يلقى) ش: في الحفيرة كما تلقى الجيفة، وبقولنا قال الشافعي.
وقال مالك وأحمد: ليس لولي الكافر غسله ولا دفنه، ولكن قال مالك بل لو مواراته، ولم يبين في الكتاب أن ابن المسلم إذا مات وله أب كافر هل يمكن أبوه من القيام بغسله وتجهيزه؟ ينبغي أن لا يمكن من ذلك، بل يفعله المسلمون لأن «ابن اليهودي لما آمن برسول الله ﵇ عند موته قال رسول الله ﷺ لأصحابه: ادفنوه» كذا في " المبسوط " و " الذخيرة "، ولم يحل بينه وبين والده اليهودي.
ويكره أن يدخل الكافر في قبر قريب المسلم ليدفنه، لأن موضع الكافر موضع اللعن، والمسلم يحتاج إلى نزول الرحمة، فيستنزه قبره من ذلك، كذا في " المبسوط " و " المحيط "، وذكر التمرتاشي لو كان هناك من يقوم بذلك من أقاربه الكفرة فالأولى للمسلم أن يدع ذلك لهم، ولكن يتبع الجنازة إن شاء، إلا إذا كان معها كفار ينبغي أن يمشي على ناحية منهم أو أمام الجنازة، ليكون معتزلا عنهم وذكر الإمام الكسائي والمحبوبي أن الكافر إنما يغسل لأنه سنة في عامة بني
стр. 1573
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
آدم ولأنه حال رجوعه إلى الله تعالى يكون ذلك حجة عليه لا تطهيرا، حتى لو وقع الماء أفسده، بخلاف المسلم إذا غسل ثم وقع فيه فإنه لا يفسده. وقيل الغسل يفسده.
وكذا لو صلى وهو حامل ميت مسلم إن كان قبل الغسل لا تجوز صلاته، وبعد الغسل يجوز، بخلاف الكافر حيث لا يجوز قبل الغسل وبعده، غير أن الكافر لا ينجس في حال حياته لحمله أمانة الله تعالى ولاحتمال الإسلام، فلما ختم له بالشقاوة صار شرا من الخنزير.
وفي " الخلاصة " وأما المرتد إذا قتل يحفر له حفيرة ويلقى فيها كالكلب ولا يدفع إلى من انتقل إلى دينهم ليدفنوه، بخلاف اليهودي والنصراني، وذكر في " النوازل " أنه يدفع إلى من يدين بدينهم، وقال أبو يوسف لا يدفع كما ذكرناه إذا اختلط موتى المسلمين وموتى المشركين إن وجدت علامة المسلمين وسيماهم، وهي أربع: الختان، والخضاب، وحلق العانة، ولبس السواد يصلى عليهم، هكذا ذكر في " البدائع " وغيرها. قلت: في الختان نظر لأن اليهود وبعض النصارى يختتنون.
وإن لم يوجد، وكان المسلمون أكثر غسلوا كلهم وكفنوا وصلي عليهم وينوى بها المسلمون، وإن كان الكفار أكثر غسلوا ولا يصلى عليهم، وقال الشافعي: يغسلون ويكفنون ويصلى عليهم وإن كان موتى الكفار أكثر يعينون بالصلاة المسلمين، وبه قال مالك وأحمد، وألزمنا ابن قدامة في " المغني " بما اختلطت الميتة بالذكيات أو ذكية بالميتات حيث لا اعتبار بالأكثر، وهو إلزام باطل، فإن الميتة إذا كانت أكثر فإنه لا يتحرى، وحكم الكل حكم الميتات، وإن كانت الذكية أكثر يتحرى، وأما إذا اختلطت أخته بالأجنبيات فالتحري إنما يكون فيها مباحا عند الضرورة، والبضع لا يستباح إلا بالضرورة فلا يجوز التحري، وإن كانوا سواء يغسلون.
وهل يصلى عليهم؟ قيل: لا يصلى عليهم، وقيل: يصلى عليهم وينوي بالصلاة، الدعاء للمسلمين، وأما الدفن فلا رواية فيه في " المبسوط "، وذكر الحاكم الجليل في " مختصره " أنهم يدفنون في مقابر المشركين، وقيل في مقابر المسلمين، وقيل يتخذ لهم مقبرة على حدة وتسوى قبورهم، ولا تسنم، وهو قول أبي جعفر الهندواني.
وأصل الاختلاف في كتابية تحت مسلم ماتت حبلى لا يصلى عليها بالإجماع، لكنها تغسل وتكفن، واختلف الصحابة في دفنها، قال بعضهم: تدفن في مقابر المسلمين ترجيحا للولد المسلم، وقيل: في مقابر المشركين، وقال عقبة بن عامر وواثلة بن الأسقع: يتخذ لها قبر على حدة، وهذا أحوط، وفي بعض كتب المالكية: يجعل ظهرها إلى القبلة لأن وجه الجنين إلى ظهرها، وهو حسن.
стр. 1574
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
فروع أخرى: وجد قتيل في دار الإسلام إن كان عليه سيما المسلمين يغسل ويكفن ويصلى عليه وإن لم يكن ففيه روايتان، والصحيح أنه مسلم بحكم الدار، وإن وجد في دار الحرب، فإن كان عليه سيما المسلمين فكذلك بالإجماع، وإن لم يكن ففيه روايتان والصحيح أنه لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عيه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويعمل بالسيما وحدها بالإجماع، وفي الدار وحدها روايتان، والصحيح العمل بها بغلبة الظن.
وفي " القنية ": حضرت صلاة في وقت صلاة المغرب قيل تقدم على سنة المغرب، وقيل تقدم السنة عليها، ولا خلاف في تقديم صلاة المغرب عليها، وتقدم صلاة العيد عليها، وتقدم هي على الخطبة ولو جهز الميت صبيحة يوم الجمعة، يكره تأخير الصلاة عليه ودفنه إلى وقت صلاة الجمعة، ولو خافوا فوات وقت الجمعة بسبب دفنه أخروا دفنه.
اتباع الجنائز أفضل من النوافل إذا كانوا بجوار أو قرابة أو صلاح مشهور وإلا فالنوافل أفضل، يكره الصلاة على الجنازة قبل طلوع الشمس وزوالها وغروبها، وإن صلوا فيها جازت، وكرهها في هذه الأوقات عطاء والنخعي والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق، ورخص فيه مالك بعد العصر ما لم تصفر، وبعد الصبح ما لم يسفر، وقال الشافعي: يصلى عليها في أي ساعة كانت من ليل أو نهار. وفي " مختصر الزعفراني " تعاد الصلاة عليها في وقت آخر، وفي الأصل لا تعاد ولا تكره بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس ولا بعد صلاة العصر قبل تغير الشمس.
стр. 1575
فصل في حمل الجنازة / ٥٠ وإذا حملوا الميت على سريره أخذوا بقوائمه الأربع بذلك وردت السنة، وفيه تكثير الجماعة وزيادة الإكرام والصيانة. وقال الشافعي ﵀: السنة أن يحملها رجلان يضعها السابق على أصل عنقه والثاني على صدره
ــ
[البناية]
[فصل في حمل الجنازة] [كيفية حمل الجنازة]
م: (فصل في حمل الجنازة) ش: أي هذا فصل في بيان حمل الجنازة يعني في بيان كيفية حملها، ولما فرغ من بيان كيفية الصلاة عليها شرع في بيان كيفة حملها على الترتيب.
م: (وإذا حملوا الميت على سريره أخذوا بقوائمه الأربع) ش: معناه يرفعونه أخذا باليد لا وضعا على العنق كما تحمل الأثقال، كذا قال الفقيه أبو الليث في شرح " الجامع الصغير ". وقال السغناقي: ولأن عمل الناس اشتهر بهذه الصفة، وهو أيسر عل الحاملين المتداولين بينهم، وأبعد عن تشبيه حمل الجنازة بحمل الأثقال، وقد أمرنا بذلك، ولهذا كره حملها على الظهر أو على الدابة م: (بذلك وردت السنة) ش: أي بأخذها بقوائم السرير الأربع جاءت السنة، وهو ما رواه أبو داود والطيالسي وابن ماجه والبيهقي من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ﵁، قال: «من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها، فإنها من السنة، ثم إن شاء فليبطئ، وإن شاء فليسرع» هذا لفظ ابن ماجه.
وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه " عن أبي الدرداء نحوه، وفي " العلل " لابن الجوزي مرفوعا عن ثوبان وأنس نحوه، وإسنادهما ضعيف. وروى الطبراني في " الأوسط " عن أنس مرفوعا «من حمل جوانب السرير الأربع كفر الله عنه أربعين كبيرة» .
وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه " وعبد الرزاق أيضا من طريق الأزدي قال: رأيت ابن عمر في جنازة يحمل بجوانب السرير الأربع. وروى عبد الرزاق من طريق ابن المهزم عن أبي هريرة من حمل الجنازة بجوانبها الأربع فقد مضى الذي عليه.
م: (وفيه تكثير الجماعة) ش: أي وفي الأخذ بقوائمه الأربع تكثير الجماعة حتى لو لم يتبعها أحد كان هؤلاء جماعة م: (وزيادة الإكرام) ش: حيث لم يحمل مثلما يحمل الأثقال م: (والصيانة) ش: أي وصيانة الميت عن السقوط والانقلاب.
م: (وقال الشافعي ﵀: السنة أن يحملها رجلان يضعها السابق على أصل عنقه والثاني) ش: أي الذي يتلو السابق م: (على صدره) ش: فتكون محمولة على رجلين، وقال النووي التربيع جائز، وفي الأفضل ثلاثة أوجه، والصحيح الذي قطع به أكثرهم الحمل بين العمودين، والثاني التربيع أفضل حكاه إمام الحرمين، وقال وهو ضعيف لا أصل له، والثالث
стр. 1576
لأن جنازة سعد بن معاذ ﵁ هكذا حملت. قلنا: كان ذلك لازدحام الملائكة عليه
ــ
[البناية]
هما سواء في الفضيلة، حكاه الرافعي، والأفضل مطلقا الجمع بين الوجهين، وهو أن يحملها خمسة واحد بين العمودين، وأربعة من جوانبها، وقيل: أن تحمل تارة بين العمودين وتارة بالتربيع، ولا يحصل بين العمودين إلا بالثلاثة في الصحيح، وقال الدارمي وأبو إسحاق المروزي: يحصل باثنين.
وقال النووي: وهذا ضعيف شاذ مردود، وحملها بين العمودين هو أن يجعل الحامل رأسه بين عمودي مقدمة النعش، ويجعلها على كاهله، ويحمل مؤخرة النعش رجلان أحدهما من الجانب الأيمن والآخر من الجانب الأيسر، ولا يتوسط المؤخرتين أحد، لأنه لا يرى ما بين قدميه، بخلاف المقدمين، وفي " الحلية " الحمل بين العمودين أفضل، وقال أحمد: التربيع أفضل، وقال النخعي: يكره الحمل بين العمودين، وهو قول أبي حنيفة.
وقال في " المغني ": التربيع أخذهما بجوانب السرير الأربعة، وهو سنة في حمل الجنازة، وقال في " ذخيرة المالكية ": هو أفضل من حملها بين العمودين، قال: وبه قال أكثرهم كالحسن والنخعي والثوري وأحمد وإسحاق ﵏: وكرهوا حملها بين العمودين، وهو قول ابن مسعود وابن عمر وابن جبير، وعن أحمد روايتان.
وفي " شرح مختصر الكرخي " يكره أن يحمل بين عمودي السرير من مقدمه أو مؤخره، لأن السنة فيه التربيع، وفي " الذخيرة " قال محمد رأيت أبا حنيفة ﵁ فعل هكذا، وذلك دليل قوله ضعه. وقال في " قاضي خان " قال يعقوب: رأيت أبا حنيفة ﵁ فعل ذلك لتواضعه.
قلت: أو لزيادة الأجر، والحاصل أن السنة عندنا أن يحملها أربعة من جوانبها الأربعة، وقالوا: ينبغي أن يحملها الإنسان من كل جانب عشر خطوات، لما روي عنه ﵇ أنه قال: «من حمل الجنازة أربعين خطوة كفرت عنه أربعين كبيرة» رواه أبو بكر النجاد.
م: (لأن جنازة سعد بن معاذ ﵁ هكذا حملت) ش: يعني بين العمودين، رواه الشافعي عن بعض الصحابة «عن النبي ﵇ أنه حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين» ورواية ابن سعد عن الواقدي عن ابن أبي حبيبة عن شيوخ من بني عبد الأشهل وسعد ابن معاذ بن النعمان أبو عمرو الأنصاري الأزدي سيد الأوس شهد بدرا والمشاهد ورمي يوم الخندق بسهم فعاش شهرا، ثم انتقض جرحه ومات، رماه حبان بن العرقة العامري.
م: (قلنا كان ذلك لازدحام الملائكة عليه) ش: هذا جواب عما رواه الشافعي بطريق التسليم، وتقريره أنه كان ذلك بسبب الطريق بازدحام الملائكة، حتى كان النبي ﵇ -
стр. 1577
ويمشون به مسرعين دون الخبب لأنه ﷺ حين سئل عنه قال: ما دون الخبب.
ــ
[البناية]
يمشي على رؤوس وصدور قدميه، وعندنا في حالة الضرورة، لضيق الطريق أو لقلة الحاملين لا بأس بأن يحمل الجنازة رجلان.
وأما الجواب بطريق المنع فهو أي الذي رواه الشافعي ضعيف لا يصلح للحجة ضعفه البيهقي وغيره، حتى قال النووي: ليس في حمل الجنازة بين العمودين نص ثابت عن رسول الله ﵇.
وقال الشافعي: الحمل عبادة، وما قلنا أوثق على الندب فكان أفضل، والجواب عما ذكر أن ما قلنا راجع إلى أصل العبادة، وما قاله راجع إلى وصف العبادة فكانت الصيانة أولى من الاكتساب زيادة المشقة، كذا ذكره شيخ الإسلام والمحبوبي.
[الإسراع بالجنازة]
م: (ويمشون به مسرعين) ش: أي الذين يحملون الميت يمشون به حال كونهم مسرعين، لما روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﵇ قال: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخبر تقدمونها، وإن يك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» ولما كان الإسراع يتناول الخبب وما دونه قيده بقوله: م: (دون الخبب) ش: بفتح الخاء المعجمة، والباء الموحدة وهو ضرب من العدو، يقول خبب الفرس يخبب بالضم خب خبا وخببا وخبيبا، قاله الجوهري، وفي " المغرب ": الخبب ضرب من العدو دون العنق، والعنق خطو مع سرعة.
وفي " المغني " لا خلاف بين الأئمة في استحباب الإسراع بها، وقال بعض الحنابلة يخب ويرمل، وروي عن النخعي: بطئوا بها ولا تدبوا دبيب اليهود والنصارى.
وفي " المبسوط " ليس في المشي بالجنازة شيء مؤقت غير أن العجلة أحب إلي من الإبطاء، وفي " التحفة " الإسراع بالميت سنة ويكون دون الخبب.
وفي " البدائع " و " جوامع الفقه " يسرع بالميت لا يضطرب على الجنازة، وهو قول جمهور العلماء.
م: (لأنه ﷺ «حين سئل عنه قال: ما دون الخبب» ش: أي سئل عن المشي بالجنازة فقال ما دون الخبب، رواه أبو داود والترمذي «عن ابن مسعود ﵁، قال: سألنا نبينا عن المشي بالجنازة، فقال ما دون الخبب إن يكن خيرا تعجل إليه، وإن يكن غير ذلك فبعدا لأهل النار» وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث عبد الله بن مسعود إلا من هذا الوجه، وقال: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يضعف حديث ابن ماجه هذا.
وقال البيهقي: هذا حديث ضعيف. قلت: راوي هذا الحديث عن ابن مسعود هو أبو
стр. 1578
وإذا بلغوا إلى قبره يكره للناس أن يجلسوا قبل أن يوضع عن أعناق الرجال لأنه قد تقع الحاجة إلى التعاون والقيام أمكن منه
ــ
[البناية]
ماجدة الحنفي ويقال العجلي، قال الحميدي عن ابن عيينة قلت ليحيى بن عبد الله الجابر: الذي روى هذا الحديث أبو ماجدة من أبو ماجدة؟ قال: شيخ طرأ علينا، وهو منكر الحديث. وقال الدارقطني: مجهول متروك، وقال الترمذي: مجهول. وقال أبو أحمد الكرابيسي: حديثه ليس بالقائم.
فإن قلت: روى البخاري ومسلم من رواية عطاء قال: حضرن مع ابن عباس جنازة ميمونة ﵂ بسرف، فقال ابن عباس: هذه ميمونة إذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوه، ولا تزلزلوه، وارفقوا. وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه " عن محمد بن فضيل عن بنت أبي بردة عن أبي موسى ﵁ قال «مر النبي ﵇ بجنازة وهي تمحض كما يمحض البرق، فقال ﵇ عليكم بالفضل في جنائزكم» وهذا يدل على استحباب الرفق في الجنازة، وترك الإسراع، فكيف الجمع بين ذلك وبين ما تقدم من الحديث؟ قلت: أما قول ابن عباس فإنه أراد بالرفق في كيفية الحمل لا في كيفية المشي، فإنه خشي أن يسقط أو ينشكف النعش عنها أو نحو ذلك، أو أن هذا رأي لابن عباس، والحديث المرفوع أولى بالاتباع.
وأما حديث أبي موسى، فإنه منقطع بين بنت أبي بردة وبين أبي موسى، ومع ذلك فظاهره أنه كان يفرط في الإسراع بها.
[الجلوس قبل وضع الجنازة عن الأعناق]
م (وإذا بلغوا إلي قبره يكره للناس أن يجلسوا قبل أن يوضع عن أعناق الرجال، لأنه قد تقع الحاجة إلى التعاون) ش: في الحمل لأن فيه إظهار العناية لأمر الميت. وكره الجلوس قبل وضعها الحسن بن علي وأبو هريرة وابن الزبير وابن عمر والنخعي والشعبي، والأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك والشافعي ﵄ لا بأس بالجلوس قبل أن يوضع، وقال ابن شعبان: لا ينزل الراكب حتى يوضع.
ولنا ما روى أبو داود، ثنا أحمد بن يونس ثنا زهير ثنا سهيل بن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: قال رسول الله ﵇: «إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع» قال أبو داود: وروى الثوري هذا الحديث عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: «حتى توضع بالأرض» . ورواه أبو معاوية عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة «حتى توضع في اللحد» وسفيان أحفظ من أبي معاوية واسمه محمد بن حازم الضرير.
م: (والقيام أمكن منه) ش: أي من الجلوس، يعني أن التعاون في حال القيام أمكن من التعاون في حال الجلوس، فلا جرم كره الجلوس قبل وضع الجنازة عن أعناق الرجال.
стр. 1579
قال: وكيفية الحمل أن تضع مقدم الجنازة على يمينك، ثم مؤخرها على يمينك ثم مقدمها على يسارك، ثم مؤخرها على يسارك إيثارا للتيامن، وهذا في حالة التناوب.
ــ
[البناية]
م: (قال وكيفية الحمل أن تضع مقدم الجنازة على يمينك ثم مقدمها على يسارك ثم مؤخرها على يسارك إيثارا للتيامن) ش: هذا لفظ " الجامع الصغير " بلفظ الخطاب خاطب به أبو حنيفة أبا يوسف - رحمهما الله -، قال في " الذخيرة ": مقدم الجنازة على يمينك ثم مؤخرها على يمينك نحو ما في المتن، ثم قال: هو السنة عند كثرة الحاملين إذا تناوبوا في حملها، وإليه أشار بقوله: م: (وهذا في حالة التناوب) ش: يعني حملها على الوجه المذكور إذا تناوب الحاملون، وإنما بدأ بالمقدم لأن المقدم بالأولى، والابتداء بالأول أولى، وإنما بدأ بالميامن لأن الله يحب التيامن.
وفي " الفتاوى الصغرى " ويبدأ في حمل الجنازة بالميامن، والمراد بالميامن يمين الميت لا يمين الجنازة، لأن يمين الميت على يسار الجنازة، ويساره على يمين الجنازة، وفي " النهاية " ثم اعلم أن في حمل الجنازة سنن، هذا بعد السنة وكمالها، أما نفس السنة هي أن تؤخذ الجنازة بقوائمها الأربع على طريق التعاقب، بأن تحمل في كل جانب عشر خطوات، جاء في الحديث: «من حمل جنازة أربعين خطوة كفرت له أربعين كبيرة» .
قلت: قد ذكرنا فيما مضى أن الطبراني أخرج هذا عن أنس مرفوعا قال: وهذا يتحقق في حق الجميع، وأما كمال السنة فلا يتحقق إلا في حق الواحد فلذلك لا تكون البداية بها إلا للواحد، فافهم.
стр. 1580
فصل في الدفن ويحفر القبر ويلحد لقوله ﷺ «اللحد لنا والشق لغيرنا»
ــ
[البناية]
[فصل في الدفن] [المفاضلة بين اللحد والشق]
م: (فصل في الدفن) ش: أي هذا فصل في بيان دفن الميت، ولما فرغ من بيان حمل الميت شرع في بيان دفنه على الترتيب المقصود منه ستر سوءة الميت، وإليه الإشارة في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١] [المائدة: ٣١] ، وهو واجب إجماعا.
م: (ويحفر القبر ويلحد) ش: كلاهما مجهولان لكن يلحد يحتمل أن يكون مجهول الثلاثي المجرد وهو لحد، ويحتمل أن يكون من المزيد فيه وهو ألحد وكلاهما متعد، يقال لحد القبر وألحده وقبر ملحود وملحد، وألحد الميت وألحد له لحدا، ولحد الميت وألحده جعله في اللحد.
وذكر النووي أن اللحد بفتح اللام وضمها وصفة اللحد أن تحفر حفيرة في القبر في جانب القبلة، ويوضع الميت فيها، ويقال اللحد طول الإنسان أو أكثر قليلا في جانب القبر من جهة القبلة.
واختلفوا في عمق القبر ففي " الروضة " عمقه قدر نصف قامة، وفي " الذخيرة " إلى صدر الرجل وسط القامة قال: فإن زاد فهو أفضل، وإن عمقوا مقدار قامة هو أحسن، وعن عمر ﵁ قال: يعمق القبر إلى صدر الرجل، ذكره في " الذخيرة "، وبه قال الحسن وابن سيرين، وعن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه لما مات ابنه إبراهيم أوصى أن يحفروا قبره إلى السرة، ولا يعمقوا قال: ما على ظهر الأرض أفضل مما أسفل منها، وعنه احفروا ولا تعمقوا، فإن خير الأرض أعلاها وشرها أسفلها، ذكره في " الذخيرة " للمالكية، وفي " المغني " يحفر إلى صدر الرجل والمرأة سواء. وقال مالك: ليس بمحدد [....
... ] ، وقال الشافعي: قامة.
م: (لقوله ﵇ «اللحد لنا والشق لغيرنا» ش: هذا الحديث روي عن ابن عباس وجرير بن عبد الله البجلي وعائشة وابن عمر وجابر، فحديث ابن عباس رواه الأئمة الأربعة حدثنا أبو داود عن إسحاق بن إسماعيل، والترمذي عن أبي كريب وغيره، والنسائي عن عبد الله بن محمد الأذرمي، وابن ماجه عن محمد بن عبد الله بن نمير كلهم عن حكام بن سلم عن علي بن عبد الأعلى عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال النبي ﵇: «اللحد لنا والشق لغيرنا» ، وقال الترمذي: حديث ابن عباس حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وحديث جرير عند ابن ماجه وحديث عائشة وابن عمر عند ابن أبي شيبة في " مصنفه " وحديث جابر عند أبي حفص بن شاهين، وورد في اللحد للنبي ﵇ عن جماعة من
следующие страницы →