Полный текст (7 019 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
لأن جنازة سعد بن معاذ ﵁ هكذا حملت. قلنا: كان ذلك لازدحام الملائكة عليه
ــ
[البناية]
هما سواء في الفضيلة، حكاه الرافعي، والأفضل مطلقا الجمع بين الوجهين، وهو أن يحملها خمسة واحد بين العمودين، وأربعة من جوانبها، وقيل: أن تحمل تارة بين العمودين وتارة بالتربيع، ولا يحصل بين العمودين إلا بالثلاثة في الصحيح، وقال الدارمي وأبو إسحاق المروزي: يحصل باثنين.
وقال النووي: وهذا ضعيف شاذ مردود، وحملها بين العمودين هو أن يجعل الحامل رأسه بين عمودي مقدمة النعش، ويجعلها على كاهله، ويحمل مؤخرة النعش رجلان أحدهما من الجانب الأيمن والآخر من الجانب الأيسر، ولا يتوسط المؤخرتين أحد، لأنه لا يرى ما بين قدميه، بخلاف المقدمين، وفي " الحلية " الحمل بين العمودين أفضل، وقال أحمد: التربيع أفضل، وقال النخعي: يكره الحمل بين العمودين، وهو قول أبي حنيفة.
وقال في " المغني ": التربيع أخذهما بجوانب السرير الأربعة، وهو سنة في حمل الجنازة، وقال في " ذخيرة المالكية ": هو أفضل من حملها بين العمودين، قال: وبه قال أكثرهم كالحسن والنخعي والثوري وأحمد وإسحاق ﵏: وكرهوا حملها بين العمودين، وهو قول ابن مسعود وابن عمر وابن جبير، وعن أحمد روايتان.
وفي " شرح مختصر الكرخي " يكره أن يحمل بين عمودي السرير من مقدمه أو مؤخره، لأن السنة فيه التربيع، وفي " الذخيرة " قال محمد رأيت أبا حنيفة ﵁ فعل هكذا، وذلك دليل قوله ضعه. وقال في " قاضي خان " قال يعقوب: رأيت أبا حنيفة ﵁ فعل ذلك لتواضعه.
قلت: أو لزيادة الأجر، والحاصل أن السنة عندنا أن يحملها أربعة من جوانبها الأربعة، وقالوا: ينبغي أن يحملها الإنسان من كل جانب عشر خطوات، لما روي عنه ﵇ أنه قال: «من حمل الجنازة أربعين خطوة كفرت عنه أربعين كبيرة» رواه أبو بكر النجاد.
م: (لأن جنازة سعد بن معاذ ﵁ هكذا حملت) ش: يعني بين العمودين، رواه الشافعي عن بعض الصحابة «عن النبي ﵇ أنه حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين» ورواية ابن سعد عن الواقدي عن ابن أبي حبيبة عن شيوخ من بني عبد الأشهل وسعد ابن معاذ بن النعمان أبو عمرو الأنصاري الأزدي سيد الأوس شهد بدرا والمشاهد ورمي يوم الخندق بسهم فعاش شهرا، ثم انتقض جرحه ومات، رماه حبان بن العرقة العامري.
م: (قلنا كان ذلك لازدحام الملائكة عليه) ش: هذا جواب عما رواه الشافعي بطريق التسليم، وتقريره أنه كان ذلك بسبب الطريق بازدحام الملائكة، حتى كان النبي ﵇ -
стр. 1577
ويمشون به مسرعين دون الخبب لأنه ﷺ حين سئل عنه قال: ما دون الخبب.
ــ
[البناية]
يمشي على رؤوس وصدور قدميه، وعندنا في حالة الضرورة، لضيق الطريق أو لقلة الحاملين لا بأس بأن يحمل الجنازة رجلان.
وأما الجواب بطريق المنع فهو أي الذي رواه الشافعي ضعيف لا يصلح للحجة ضعفه البيهقي وغيره، حتى قال النووي: ليس في حمل الجنازة بين العمودين نص ثابت عن رسول الله ﵇.
وقال الشافعي: الحمل عبادة، وما قلنا أوثق على الندب فكان أفضل، والجواب عما ذكر أن ما قلنا راجع إلى أصل العبادة، وما قاله راجع إلى وصف العبادة فكانت الصيانة أولى من الاكتساب زيادة المشقة، كذا ذكره شيخ الإسلام والمحبوبي.
[الإسراع بالجنازة]
م: (ويمشون به مسرعين) ش: أي الذين يحملون الميت يمشون به حال كونهم مسرعين، لما روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﵇ قال: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخبر تقدمونها، وإن يك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» ولما كان الإسراع يتناول الخبب وما دونه قيده بقوله: م: (دون الخبب) ش: بفتح الخاء المعجمة، والباء الموحدة وهو ضرب من العدو، يقول خبب الفرس يخبب بالضم خب خبا وخببا وخبيبا، قاله الجوهري، وفي " المغرب ": الخبب ضرب من العدو دون العنق، والعنق خطو مع سرعة.
وفي " المغني " لا خلاف بين الأئمة في استحباب الإسراع بها، وقال بعض الحنابلة يخب ويرمل، وروي عن النخعي: بطئوا بها ولا تدبوا دبيب اليهود والنصارى.
وفي " المبسوط " ليس في المشي بالجنازة شيء مؤقت غير أن العجلة أحب إلي من الإبطاء، وفي " التحفة " الإسراع بالميت سنة ويكون دون الخبب.
وفي " البدائع " و " جوامع الفقه " يسرع بالميت لا يضطرب على الجنازة، وهو قول جمهور العلماء.
م: (لأنه ﷺ «حين سئل عنه قال: ما دون الخبب» ش: أي سئل عن المشي بالجنازة فقال ما دون الخبب، رواه أبو داود والترمذي «عن ابن مسعود ﵁، قال: سألنا نبينا عن المشي بالجنازة، فقال ما دون الخبب إن يكن خيرا تعجل إليه، وإن يكن غير ذلك فبعدا لأهل النار» وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث عبد الله بن مسعود إلا من هذا الوجه، وقال: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يضعف حديث ابن ماجه هذا.
وقال البيهقي: هذا حديث ضعيف. قلت: راوي هذا الحديث عن ابن مسعود هو أبو
стр. 1578
وإذا بلغوا إلى قبره يكره للناس أن يجلسوا قبل أن يوضع عن أعناق الرجال لأنه قد تقع الحاجة إلى التعاون والقيام أمكن منه
ــ
[البناية]
ماجدة الحنفي ويقال العجلي، قال الحميدي عن ابن عيينة قلت ليحيى بن عبد الله الجابر: الذي روى هذا الحديث أبو ماجدة من أبو ماجدة؟ قال: شيخ طرأ علينا، وهو منكر الحديث. وقال الدارقطني: مجهول متروك، وقال الترمذي: مجهول. وقال أبو أحمد الكرابيسي: حديثه ليس بالقائم.
فإن قلت: روى البخاري ومسلم من رواية عطاء قال: حضرن مع ابن عباس جنازة ميمونة ﵂ بسرف، فقال ابن عباس: هذه ميمونة إذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوه، ولا تزلزلوه، وارفقوا. وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه " عن محمد بن فضيل عن بنت أبي بردة عن أبي موسى ﵁ قال «مر النبي ﵇ بجنازة وهي تمحض كما يمحض البرق، فقال ﵇ عليكم بالفضل في جنائزكم» وهذا يدل على استحباب الرفق في الجنازة، وترك الإسراع، فكيف الجمع بين ذلك وبين ما تقدم من الحديث؟ قلت: أما قول ابن عباس فإنه أراد بالرفق في كيفية الحمل لا في كيفية المشي، فإنه خشي أن يسقط أو ينشكف النعش عنها أو نحو ذلك، أو أن هذا رأي لابن عباس، والحديث المرفوع أولى بالاتباع.
وأما حديث أبي موسى، فإنه منقطع بين بنت أبي بردة وبين أبي موسى، ومع ذلك فظاهره أنه كان يفرط في الإسراع بها.
[الجلوس قبل وضع الجنازة عن الأعناق]
م (وإذا بلغوا إلي قبره يكره للناس أن يجلسوا قبل أن يوضع عن أعناق الرجال، لأنه قد تقع الحاجة إلى التعاون) ش: في الحمل لأن فيه إظهار العناية لأمر الميت. وكره الجلوس قبل وضعها الحسن بن علي وأبو هريرة وابن الزبير وابن عمر والنخعي والشعبي، والأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك والشافعي ﵄ لا بأس بالجلوس قبل أن يوضع، وقال ابن شعبان: لا ينزل الراكب حتى يوضع.
ولنا ما روى أبو داود، ثنا أحمد بن يونس ثنا زهير ثنا سهيل بن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: قال رسول الله ﵇: «إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع» قال أبو داود: وروى الثوري هذا الحديث عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: «حتى توضع بالأرض» . ورواه أبو معاوية عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة «حتى توضع في اللحد» وسفيان أحفظ من أبي معاوية واسمه محمد بن حازم الضرير.
م: (والقيام أمكن منه) ش: أي من الجلوس، يعني أن التعاون في حال القيام أمكن من التعاون في حال الجلوس، فلا جرم كره الجلوس قبل وضع الجنازة عن أعناق الرجال.
стр. 1579
قال: وكيفية الحمل أن تضع مقدم الجنازة على يمينك، ثم مؤخرها على يمينك ثم مقدمها على يسارك، ثم مؤخرها على يسارك إيثارا للتيامن، وهذا في حالة التناوب.
ــ
[البناية]
م: (قال وكيفية الحمل أن تضع مقدم الجنازة على يمينك ثم مقدمها على يسارك ثم مؤخرها على يسارك إيثارا للتيامن) ش: هذا لفظ " الجامع الصغير " بلفظ الخطاب خاطب به أبو حنيفة أبا يوسف - رحمهما الله -، قال في " الذخيرة ": مقدم الجنازة على يمينك ثم مؤخرها على يمينك نحو ما في المتن، ثم قال: هو السنة عند كثرة الحاملين إذا تناوبوا في حملها، وإليه أشار بقوله: م: (وهذا في حالة التناوب) ش: يعني حملها على الوجه المذكور إذا تناوب الحاملون، وإنما بدأ بالمقدم لأن المقدم بالأولى، والابتداء بالأول أولى، وإنما بدأ بالميامن لأن الله يحب التيامن.
وفي " الفتاوى الصغرى " ويبدأ في حمل الجنازة بالميامن، والمراد بالميامن يمين الميت لا يمين الجنازة، لأن يمين الميت على يسار الجنازة، ويساره على يمين الجنازة، وفي " النهاية " ثم اعلم أن في حمل الجنازة سنن، هذا بعد السنة وكمالها، أما نفس السنة هي أن تؤخذ الجنازة بقوائمها الأربع على طريق التعاقب، بأن تحمل في كل جانب عشر خطوات، جاء في الحديث: «من حمل جنازة أربعين خطوة كفرت له أربعين كبيرة» .
قلت: قد ذكرنا فيما مضى أن الطبراني أخرج هذا عن أنس مرفوعا قال: وهذا يتحقق في حق الجميع، وأما كمال السنة فلا يتحقق إلا في حق الواحد فلذلك لا تكون البداية بها إلا للواحد، فافهم.
стр. 1580
فصل في الدفن ويحفر القبر ويلحد لقوله ﷺ «اللحد لنا والشق لغيرنا»
ــ
[البناية]
[فصل في الدفن] [المفاضلة بين اللحد والشق]
م: (فصل في الدفن) ش: أي هذا فصل في بيان دفن الميت، ولما فرغ من بيان حمل الميت شرع في بيان دفنه على الترتيب المقصود منه ستر سوءة الميت، وإليه الإشارة في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١] [المائدة: ٣١] ، وهو واجب إجماعا.
م: (ويحفر القبر ويلحد) ش: كلاهما مجهولان لكن يلحد يحتمل أن يكون مجهول الثلاثي المجرد وهو لحد، ويحتمل أن يكون من المزيد فيه وهو ألحد وكلاهما متعد، يقال لحد القبر وألحده وقبر ملحود وملحد، وألحد الميت وألحد له لحدا، ولحد الميت وألحده جعله في اللحد.
وذكر النووي أن اللحد بفتح اللام وضمها وصفة اللحد أن تحفر حفيرة في القبر في جانب القبلة، ويوضع الميت فيها، ويقال اللحد طول الإنسان أو أكثر قليلا في جانب القبر من جهة القبلة.
واختلفوا في عمق القبر ففي " الروضة " عمقه قدر نصف قامة، وفي " الذخيرة " إلى صدر الرجل وسط القامة قال: فإن زاد فهو أفضل، وإن عمقوا مقدار قامة هو أحسن، وعن عمر ﵁ قال: يعمق القبر إلى صدر الرجل، ذكره في " الذخيرة "، وبه قال الحسن وابن سيرين، وعن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه لما مات ابنه إبراهيم أوصى أن يحفروا قبره إلى السرة، ولا يعمقوا قال: ما على ظهر الأرض أفضل مما أسفل منها، وعنه احفروا ولا تعمقوا، فإن خير الأرض أعلاها وشرها أسفلها، ذكره في " الذخيرة " للمالكية، وفي " المغني " يحفر إلى صدر الرجل والمرأة سواء. وقال مالك: ليس بمحدد [....
... ] ، وقال الشافعي: قامة.
م: (لقوله ﵇ «اللحد لنا والشق لغيرنا» ش: هذا الحديث روي عن ابن عباس وجرير بن عبد الله البجلي وعائشة وابن عمر وجابر، فحديث ابن عباس رواه الأئمة الأربعة حدثنا أبو داود عن إسحاق بن إسماعيل، والترمذي عن أبي كريب وغيره، والنسائي عن عبد الله بن محمد الأذرمي، وابن ماجه عن محمد بن عبد الله بن نمير كلهم عن حكام بن سلم عن علي بن عبد الأعلى عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال النبي ﵇: «اللحد لنا والشق لغيرنا» ، وقال الترمذي: حديث ابن عباس حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وحديث جرير عند ابن ماجه وحديث عائشة وابن عمر عند ابن أبي شيبة في " مصنفه " وحديث جابر عند أبي حفص بن شاهين، وورد في اللحد للنبي ﵇ عن جماعة من
стр. 1581
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الصحابة، وهم سعد بن أبي وقاص وأنس بن مالك وأبو طلحة، وبريدة بن الحصيب والمغيرة بن شعبة وابن عباس، «فحديث سعد عن مسلم والنسائي، وابن ماجه عنه قال في مرضه الذي هلك فيه ألحدوا لي لحدا، وأنصبوا علي اللبن نصبا كما فعل برسول الله ﵇» -.
وحديث أنس عند ابن ماجه من رواية مبارك بن فضالة عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: «لما توفي النبي ﵇ كان في المدينة رجل يلحد، وآخر يضرح، فقالوا نستخير ربنا، ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد، فلحدوا للنبي ﵇» -.
وحديث أبي طلحة عند ابن سعد في " الطبقات "، قال: أنا محمد بن عمر قال: ثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة «عن أبي طلحة، قال: اختلفوا في الشق واللحد للنبي ﵇، فقال المهاجرون: شقوا كما تحفر أهل مكة، وقالت الأنصار: ألحدوا كما نحفر بأرضنا، فلما اختلفوا في ذلك قالوا: اللهم خره لنبيك، ابعثوا إلى أبي عبيدة، وإلى أبي طلحة فأيهما جاء قبل الآخر فيعمل عمله، قال: فجاء أبو طلحة فقال: والله إني لأرجو أن يكون الله قد جاز لنبيه ﵇ أنه كان يرى اللحد فيعجبه» .
وحديث بريدة عند البيهقي من حديث علقمة بن يزيد عن بريدة عن أبيه قال: «أدخل النبي ﵇ من قبل القبلة، وألحد له لحدا، ونصب عليه اللبن نصبا» قال البيهقي وأبو بردة، هذا هو عمرو بن يزيد التميمي الكوفي، وهوضعيف في الحديث، ضعفه يحيى بن معين وغيره.
وحديث المغيرة عند ابن أبي شيبة في " مصنفه " قال: لحدنا النبي ﵇، وحديث ابن عباس عند ابن ماجه قال: «لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله ﵇ بعثوا إلى أبي عبيدة ابن الجراح وكان يضرح بضريح أهل مكة، وبعثوا إلى أبي طلحة وكان هو الذي يحفر لأهل المدينة وكان يلحد، فبعثوا إليهما رسولين، فقالوا: اللهم خره لرسولك، فوجدوا أبا طلحة، فجيء به ولم يوجد أبو عبيدة، فلحد لرسول الله ﵇» -.
قوله اللحد لنا يعني لأجل أموات المسلمين والشق لهم، يعني لأجل أموات الكفار، ولو
стр. 1582
ويدخل الميت مما يلي القبلة خلافا للشافعي ﵀ فإن عنده يسل سلا لما روي أنه ﷺ سل سلا.
ــ
[البناية]
شقوا لمسلم يكون تركا للسنة، اللهم إلا إذا كانت الأرض رخوة لا تحمل اللحد، فإن الشق حينئذ يتعين، والشق أن يحفر حفرة في وسط القبر ويوضع فيها الميت.
وفي " المبسوط ": وصفة الشق أن يحفر حفيرة كالنهر في وسط القبر ويبنى جانباه باللبن أو غيره، ويوضع الميت فيه، وقال فخر الإسلام في " الجامع الصغير ": وإن تعذر اللحد فلا بأس بتابوت يتخذ للميت، لكن السنة أن يفرش فيه التراب، واللحد أفضل عند الأئمة الأربعة من الشق، وقال صاحب " المبسوط " و " المحيط " و " البدائع " وغيرهم عن الشافعي أن الشق أفضل عنده، وهكذا نقله القرافي في " الذخيرة " عنه، وقال النووي في " شرح المهذب ": أجمع العلماء على أن اللحد والشق جائزان، لكن إن كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها، فاللحد أفضل، وإن كانت رخوة ينهار فالشق أفضل.
قلت: ينبغي أن يتعين الشق حينئذ. وقال صاحب " المنافع " اختاروا الشق في ديارنا لرخاوة الأرض فيتعذ اللحد فيها حتى أجازوا الآجر ودفون الخشب واتخاذ التابوت ولو كان من حديد، ومثله في " المبسوط "، ويكون التابوت من رأس المال إذا كانت الأرض رخوة أو ندية منع كون التابوت في غيرها مكروها في قول العلماء قاطبة، وقال أحمد: إن كانت الأرض رخوة جعل له من الحجارة شبه اللحد، قال: ولا أحب الشق، وفي " قاضي خان " ينبغي أن يفرش فيه التراب ويطين الطبقة العليا مما يلي الميت، ويجعل اللبن الخفيف على يمين الميت ويساره ليصير مثل اللحد وفي " المحيط " واستحسن مشايخنا اتخاذ التابوت للنساء، فإنه أقرب إلى الستر والحرز عند الوضع في القبر.
[كيفية الدفن]
م: (ويدخل الميت مما يلي القبلة) ش: يعني موضع الجنازة في جانب القبلة من القبر، ويحمل منه الميت فيوضع في اللحد وهو مذهب علي بن أبي طالب ومحمد بن الحنفية وإسحاق بن راهوية وإبراهيم التيمي وابن حبيب م: (خلافا للشافعي) ش: يعني خالفنا في ذلك خلافا للشافعي، وانتصاب خلافا بالفعل الذي ذكرناه م: (فإن عنده يسل سلا) ش: أي فعند الشافعي يسل الميت سلا، وهو أن يوضع رأس الميت عند رجل القبر وهو طرفه الذي يكون فيه رجل الميت ثم سل من قبل رأسه سلا، والسل إخراج الشيء من الشيء بجذب، وأريد هنا إخراج الميت من الجنازة إلى القبر، ومنه سل سيفه إذا نزعه من غمده، وبقول الشافعي ﵀ قال أحمد: لا بأس بذلك كله، ومالك خير بين ذلك، وبه قالت الظاهرية.
م: (لما روي أنه ﵇ سل سلا) ش: روى الشافعي في " مسنده " أنا الثقة عن عمر ابن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: «سل رسول الله ﵇ من قبل رأسه» أنا مسلم
стр. 1583
ولنا أن جانب القبلة معظم فيستحب الإدخال منه
ــ
[البناية]
بن خالد الزنجي وغيره عن ابن جريج عن عمران بن موسى «أن رسول الله ﵇ سل من قبل رأسه، والناس بعد ذلك» أنا بعض أصحابنا عن أبي الزناد وربيعة وأبي النضر لا خلاف بينهم في ذلك أن النبي ﵇ «سل من قبل رأسه» وكذلك أبو بكر وعمر ﵄ ومن طريق الشافعي رواها البيهقي وقال: هذا هو المشهور فيما بين أهل الحجاز.
م: (ولنا أن جانب القبلة معظم فيستحب الإدخال به) ش: هذا دليل عقلي، ولم يذكر دليلا نقليا، غير أن أجاب عن احتجاج الشافعي في السل فيقول رويت أحاديث، وأشار بذلك على ما ذهب إليه أصحابنا، فمن الأحاديث ما رواه ابن ماجه في " سننه " حدثنا هارون بن إسحاق ثنا المحاربي عن عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد أن «رسول الله أخذ من قبل القبلة واستقبل استقبالا» .
ومنها ما رواه الترمذي حدثنا أبو كريب ومحمد بن عمرو السواق قالا: حدثنا يحيى بن اليمان عن المنهال بن خليفة عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن ابن عباس «أن النبي ﵇ دخل قبرا ليلا فأسرج له سراج، فأخذه من قبل القبلة، وقال: رحمك الله إن كنت لأواها تلاء للقرآن " وكبر عليه أربعا» وقال: حديث حسن.
ومنه ما رواه الجلال في " جامعه " عن عبد الله بن مسعود أنه سمع رسول الله ﵇ وهو في قبر عبد الله ذي البجادين، [.....] وهو يقول أدنيا مني أخاكما حتى أسنده في لحده وأخذه من قبل القبلة، ومن الآثار ما رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " عن عمر بن سعد أن عليا ﵁ كبر على يزيد بن المكفف أربعا وأدخله من قبل القبلة.
وأخرج أيضا عن ابن الحنفية أنه ولي أمر ابن عباس فكبر عليه أربعا وأدخله من قبل القبلة، وأخرج عن إبراهيم النخعي أنه ﵇ أدخل من قبل القبلة وقال أخبرني من رأى أهل المدينة يأخذون بالميت من القبلة ثم رجعوا على السل لضعف أرضهم: قوله جانب القبلة معظم، لأن جهتها أشرف الجهات فكانت أفضل فحينئذ المستحب إدخال الميت من جانب القبلة. فإن قلت روى أبو داود عن عبد الله بن زيد الخطمي الأنصاري الصحابي أنه صلى على الجنازة ثم أدخله القبر من قبل رأسه وقال إنه من السنة، وقال البيهقي: إسناده صحيح. قلت: ما روينا من الآثار يعارض هذا، فلا يتم به الاستدلال على أن إبراهيم التيمي أنكر السل، وقال ابن حزم في " المحلى ": حديث السل لا يصح، فإن صح ففيه أجوبة على ما نذكرها عن قريب إن شاء الله تعالى.
стр. 1584
واضطربت الروايات في إدخال النبي ﷺ ، فإذا وضع في لحده يقول واضعه بسم الله وعلى ملة رسول الله، كذا قاله رسول الله ﵇: حين وضع أبا دجانة في القبر
ــ
[البناية]
م: (واضطربت الروايت في إدخال النبي ﵇) ش: إضافة إدخال النبي ﵇ من إضافة المصدر إلى المفعول أي في إدخال النبي ﵇ قبره، ووجه الاضطراب ما روي «أنه سل سلا» وما روي «أنه أدخل من قبل القبلة» فلما تعارضت الروايات لا يكون المحتمل حجة للخصم، على أنا نقول أحاديث السل غير صحيحة، ولئن سلمنا فالجواب عنها من وجوه.
الأول: أن ما رواه الخصم ما فعل الصحابة أو قوله: وما رويناه فعل رسول الله ﵇ وليس لأحد كلام معه:
الثاني: أنه يحتمل ما رواه فعل خوفا فمن إقامتها لرخاوة الأرض.
الثالث: لم يكن من جهة القبلة ما يسع فيه وضع الجنازة لقرب الحائط.
وفي " الدراية ": وإن صح ما رواه قائما كان ذلك لأجل الضرورة، لأنه ﵇ مات في حجرة عائشة ﵂ من قبل الحائط، وكانت السنة في دفن الأنبياء ﵈ أن يدفنوا في الموضع الذي قبضوا فيه، فلم يتمكنوا من وضع السرير قبل القبلة لأجل الحائط فلهذا سل، ولا يدخل الميت من جانب القبلة لما روي عن ابن عباس وابن عمر ﵃ أن النبي ﵇ قال: «إن الميت يدخل من قبله القبلة» وفي " الإيضاح " روي عن علي ﵁ قال: «شهد النبي ﵇ على جنازة رجل وقال: يا علي استقبل به القبلة استقبالا وقولوا جميعا بسم الله وعلى ملة رسول الله، وضعوه لجنبه ولا تكبوه بوجهه، ولا تلقوه بظهره» .
م: (فإذا وضع) ش: أي الميت م: (في لحده يقول واضعه: بسم الله على ملة رسول الله) ش: أي بسم الله وضعناك، وعلى ملة رسول الله سلمناك، وروى الحسن عن أبي حنيفة بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله.
م: (كذا قاله ﵇ حين وضع أبا دجانة في القبر) ش: هذا وهم فاحش، فإن أبا دجانة قتل شهيدا يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة في خلافة أبي بكر ﵁ ذكره ابن أبي خيثمة في " تاريخه ".
وفي " معجم الطبراني " ترجمة أبي دجانة استدعى محمد بن إسحاق قال في تسمية من استشهد يوم اليمامة من الأنصار أبو دجانة واسمه سماك بكسر السين المهملة ابن خرشة بفتح الخاء
стр. 1585
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
المعجمة والراء والشين المعجمة.
واليمامة بفتح الياء آخر الحروف مدينة بالبادية، يعني مقام مسيلمة الكذاب، وهي بلاد بني حنيفة وهي أكثر نخلا من سائر الحجاز، ولما تنبأ بها أرسل إليه أبو بكر خالد بن الوليد ﵄، ووقع بينه، وبين قومه قتال طويل.
وآخر الأمر تقدم إليه وحشي بن حرب مولى جبير بن مطعم قاتل حمزة ﵁، فرماه بحربة فأصابته وخرجت من الآخر وسارع إليه أبو دجانة فضربه بالسيف فسقط واستشهد أبو دجانة ﵁ وأقر هذا الوهم التقليد، فإن شيخ الإسلام ذكر هكذا في " المبسوط ".
وكذا ذكره صاحب " البدائع " والذي وضعه النبي ﵇ في قبره هو ذو البجادين واسمه عبد الله، وكان اسمه عبد العزى، فسماه النبي ﵇ عبد الله، ولما أسلم عند قومه جردوه وألبسوه بجادا وهو الكساء الغليظ فهرب منهم، مات في غزوة تبوك، والبجاد بكسر الباء الموحدة وبالجيم.
قال ابن الأثير: لما أراد المصير إلى النبي ﵇ قطعت أمه بجادا لها فقيل: فارتدى إحداهما واتزر بالأخرى.
وقد روي في هذا الباب حديث ابن عمر من طريق فروى ابن ماجه من حديث الحجاج بن أرطاة عن نافع عن ابن عمر قال: كان النبي ﵇ «إذا دخل الميت القبر قال: " بسم الله وعلى ملة رسول الله» ، ورواه الترمذي، وزاد لفظ «بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله» وقال: حسن غريب من هذا الوجه.
ورواه أبو داود في " سننه " من حديث همام عن قتادة عن أبي الصديق الناجي عن ابن عمر نحوه بلفظ «بسم الله وعلى سنة رسول الله» وبهذا الإسناد رواه ابن حبان في " صحيحه ".
ورواه الحاكم في " المستدرك " بلفظ: «إذا وضعتم موتاكم في قبوركم فقولوا: بسم الله، وعلى ملة رسول الله» ، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وهمام بن يحيى ثبت مأمون إذا أسند مثل هذا الحديث لا يعلل بأحد إذا أوقفه شعبة، ورواه البيهقي، وقال: تفرد برفعه همام بن يحيى بهذا الإسناد وهو ثبت إلا أن شعبة وهشاما
стр. 1586
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الدستوري روياه عن قتادة موقوفا على ابن عمر، وقال الدارقطني في الموقوف هو المحفوظ.
قلت: روه ابن حبان في " صحيحه " من حديث شعبة عن قتادة به مرفوعا أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في قبره قال: «بسم الله وعلى ملة رسول الله» ، روى الطبراني في " الأوسط " من حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر مرفوعا بلفظ الحاكم.
وروى الطبراني أيضا من «حديث عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه قال: قال لي أبو اللجلاج بن خالد يا بني إذا أنا مت فالحد لي، فإذا وضعتني في اللحد فقل بسم الله وعلى ملة رسول الله، ثم سن على التراب سنا ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمها فإني سمعت رسول الله ﵇ يقول ذلك» .
قلت: الحلاج أبو العلاء العامري صحابي نزل دمشق روى عنه ابناه العلاء وخالد.
١ -
فروع: إذا انتهوا بالميت إلى قبره فلا يضر وتر دخله أو شفع، لأن المعتبر حصول الكفاية. وفي " الذخيرة " وقد صح أنه دخل قبره ﵇ أربع علي والعباس وابنه الفضل، واختلفوا في الرابع.
ذكر شمس الأئمة الحلواني: أن الرابع صالح مولى رسول الله ﵇، وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده: أن الرابع صهيب، وذكر شمس الأئمة السرخسي: أن الرابع المغيرة بن شعبة، أو أبو رافع، وفي رواية أبي داود «دخل قبره ﵇ علي، والفضل، وأسامة، وابن عبد الرحمن بن عوف معهم، فصاروا أربعة» .
وفي بعض روايات البيهقي، «عن علي، ولي دفنه ﵇ أربع علي والعباس والفضل، وصالح مولى رسول الله ﵇» - كما ذكره الحلواني، وعن ابن عباس، أنهم كانوا أربعة، علي، والفضل، وقثم بن عباس، وشقران مولى رسول الله ﵇، وهو بضم الشين لقب صالح مولاه ﵇.
وفي " المعارضة ": وقد أدخل قبره ﵇ أربعة رجال كبراء علي والفضل ابنا عمه وعبد الرحمن بن عوف وأسامة مولاه، وقال الشافعي: يستحب في ذلك الوتر، فإن تعذر فواحد، وإلا فثلاثة، والحجة عليه ما ذكرناه، وذو الرحم المحرم أولى بوضع المرأة في القبر، وفي " الواقعات ": فأهل الصلاح من جوانبها تلي دفنها وإن لم يكن لها محرم يضعها الأجانب.
ذكر في " المحيط " أو المحرم من غير رحم ولا يدخل القبر امرأة ولا كافر وإن كانا قريبين ذكره
стр. 1587
/
ــ
[البناية]
القدوري في " شرحه "، والعتابي في " جوامع الفقه "، وقال مالك كذلك، إلا أن يوجد من قواعد النساء، من تطيق ذلك من غير كلفة، والأصح من قول أحمد لا يباشرها فيها النساء.
وفي " شرح المهذب " للنووي الأولى أن يتولى الدفن الرجال، سواء كان الميت رجلا أو امرأة، وهذا لا خلاف فيه، وقال " صاحب البيان " قال الصيدلاني: ويتولى النساء حمل المرأة من المغتسل إلى الجنازة وتسلمها إلى رجل في القبر.
قال صاحب " البيان " ولم أر هذا لغير الصيدلاني، قالوا: وقد نص الشافعي على مثلما قاله الصيدلاني في " الأم ".
وفي " الينابيع ": السنة أن يفرش في القبر التراب، وفي كتب الشافعية والحنابلة يجعل تحت رأسه لبنة أو حجر، قال السروجي: ولم أقف عليه عن أصحابنا، وفي " المبسوط " و " البدائع " وغيرهما: لو وضع في قبره لغير القبلة أو على شقه الأيسر أو جعل رأسه في موضع رجليه وهيل عليه التراب لا ينبش قبره لخروجه من أيديهم، فإن وضع اللبن ولم يهل التراب عليه نزع اللبن، وتراعى السنة في وضعه ويغسل إن لم يكن غسل، وقول أشهب، ورواه ابن نافع عن مالك.
وقال الشافعي: يجوز نبشه إذا وضع لغير القبلة، وإن وقع متاع القوم في القبر لا ينبش بل يحفر من جهة المتاع ويخرج، كذا في " المبسوط ".
وفي " جوامع الفقه ": لا بأس بنبشه وإخراجه، وعن المغيرة بن شعبة أنه سقط خاتمه في قبره ﵇، فما زال بالصحابة حتى رفع اللبن وأخذ خاتمه وقبله بين عينيه، وكان يفتخر بذلك ويقول: أنا آخر عهدا برسول الله ﵇ ولو بلي الميت وصار ترابا يجوز دفن غيره في قبره وزرعه والبناء فيه وسائر الانتفاعات به، وكره أن يكون تحت رأس الميت في القبر مخدة ونحوها، هكذا ذكره " المرغيناني "، وكره ابن عباس أن يلقى تحت الميت شيء في قبره، رواه الترمذي.
وعن ابن موسى: لا يجعل بينه وبين الأرض شيء، وقد جعل في قبره ﵇ قطيفة حمراء، قال: قال شقران: طرحت القطيفة تحت رسول الله ﵇ في القبر، رواه الترمذي ولم يكن ذلك عن اتفاق، وقيل إنما جعلت القطيفة تحته ﵇ لأن المدينة سبخة.
وقال في " المعارضة ": قد روي أن العباس وعليا تنازعوا في القطيفة فبسطها شقران تحته ليرفع الخلاف وينقطع التنازع في الميراث، قاله ابن أبي حنيفة، وقال عياض: كان ﵇ يلبسها ويفرشها، فقال شقران: والله لا يلبسك أحد بعده أبدا فألقاها في القبر، ويسند
стр. 1588
ويوجه إلى القبلة، بذلك أمر رسول الله ﷺ وتحل العقدة لوقوع الأمن من الانتشار ويسوى اللبن على اللحد لأنه ﷺ جعل على قبره اللبن
ــ
[البناية]
الميت بالتراب أو نحوه حتى لا ينقلب ويسوى اللبن على اللحد، أي يسند اللحد من جهة القبر ويقام اللبن فيه.
وفي " البدائع " ذكر شريح: وهو الإقامة، وفي " المفيد " وينصب سدا حاميا كيلا ينزل التراب على الميت، واستعمال اللبن فيه بإجماع، وقال ابن حبيب من المالكية أفضل ما يسند به اللبن ثم اللوح ثم القرامد ثم الآجر ثم الحجارة ثم القصب، وكل ذلك أفضل من التراب، والتراب أفضل من التابوت.
م: (ويوجه إلى القبلة) ش: أي ويوجه الميت واضعه إلى جهة القبلة م: (بذلك أمر رسول الله ﵇) ش: أي بتوجيه الميت إلى القبلة، أمر رسول الله ﵇ وورود الأمر بذلك من رسول الله ﵇ لم يثبت.
ولكن يستأنس له بحديث رواه أبو داود والنسائي عن عبد الحميد بن شيبان عن عبيد بن عمير بن قتادة الكتبي عن أبيه وكانت له صحبة «أن رجلا قال: يا رسول الله ما الكبائر، قال: هي التسع، فذكرها [.....] البيت الحرام، ثم قال قبلتكم أحياء وأمواتا» وروى ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﵇ أخذ من قبل القبلة وأسند به القبلة، وقد ذكرناه.
م: (وتحل العقدة) ش: أي ويحل واضع الميت في قبره العقدة التي كان عقدها عند التكفين خوفا من الانتشار م: (لوقوع الأمن من الانتشار) ش: بوضعه في القبر م: (ويسوى اللبن عليه، لأنه ﵇ جعل على قبره اللبن) .
ش: هذا الحديث رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر «أن النبي ﵇ ألحد ونصبنا عليه اللبن نصبا ورفع قبره من الأرض نحو شبر» وأخرج أيضا عن عائشة ﵂ «أن النبي ﵇ كفن في ثلاثة أثواب سحولية وألحد له ونصب عليه اللبن» . وأخرج الحاكم في " مستدركه «عن علي ﵁ قال: غسلت النبي ﵇ إلى أن قال: وألحد لرسول الله عيه السلام لحدا، ونصب عليه اللبن نصبا» وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه منه غير اللحد.
قلت: هو وهم منه، فقد أخرج مسلم نصب اللبن أيضا «عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه قال في مرضه الذي مات فيه: ألحدوا إلي لحدا، وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله ﵇» -: وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه " عن الشعبي «أن النبي ﵇ جعل على قبره طنا من قصب» .
стр. 1589
ويسجى قبر المرأة بثوب حتى يجعل اللبن على اللحد ولا يسجى قبر الرجل، لأن مبنى حالهن على الستر، ومبنى حال الرجال على الانكشاف، ويكره الآجر
ــ
[البناية]
م: (ويسجى قبر المرأة بثوب حتى يجعل اللبن على اللحد) ش: أي يغطى قبر المرأة بثوب إلى أن يجعل اللبن على لحدها. يقال سجى يسجي تسجية، أي غطى تغطية، والمسجى المغطى، وثلاثيه سجى، يقال سجى الليل، إذا أظلم، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ٢] [الضحى: ٢] وذكر في تفسير النسفي إذا أقبل بظلامه، وعن الضحاك غطى كل شيء، وعن قتادة إذا سكن بالخلق واستقر ظلامه، وقال الجوهري: سجى يسجو سجوا سكن ودام، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ٢] إذا دام وسكن، ومنه البحر الساجي، وسجيت الميت تسجية إذا مددت عليه ثوبا.
م: (ولا يسجى قبر الرجل) ش: وبه قال مالك وأحمد، والمشهور من مذهب الشافعي أن يسجى قبر الرجل والمرأة آكد، وتعلق بحديث ضعيف، وهو ما رواه البيهقي من حديث ابن عباس قال: «جلل رسول الله ﷺ قبر سعد بثوبه» ثم قال: لا أحفظه إلا من حديث يحيى بن عقبة بن أبي عيزار وهو ضعيف، وحكى الرافعي وجها في اختصاصه بالمرأة، واختاره أبو الفضل، وحكى ابن المنذر عن عبد الله بن زيد وشريح كراهة ذلك للرجل. وروى عن علي ﵁ أنه أتاهم وقد دفنوا ميتا وبسطوا على قبره ثوبا فجذبه، وقال: إنما يصنع هذا بالنساء.
وشهد أنس بن مالك ﵁ دفن أبي زيد الأنصاري فخمر القبر بثوب فقال عبد الله بن أنس: ارفعوا الثوب، إنما يخمر النساء وأنس شاهد على شفير القبر ولا ينكر، ولأن فيه تشبها بالنساء ولهذا لا تنعش جنازته، والمرأة عورة مستورة حتى زيد في كفنها والستر يليق بالنساء إلا لضرورة، وهي الحر الشديد والمطر والثلج على الداخلين في القبر، وقد أول بعضهم حديث سعد إنما سجي لأن كفنه لم يكن ستر بدنه فسجي حتى لا يقع اطلاع أحد على شيء من أعضائه وفيه تأمل.
م: (لأن مبنى حالهن) ش: أي حال النساء م: (على الستر) ش: لأنهن عورة مستورة م: (ومبنى حال الرجال على الانكشاف) ش: ولهذا إذا انشكف رأس الرجل وهو في الصلاة، أو ظهره، أو بطنه لا تبطل صلاته، بخلاف المرأة فكذلك اختصت المرأة بالنعش على جنازتها، وقد صح أن قبر فاطمة ﵂ سجي بثوب ونعش على جنازتها وأوصت قبل موتها أن تستر جنازتها واتخذوا لها نعشا من جريد النخل فبقي سنة في حق النساء.
م: (ويكره الآجر) ش: بضم الجيم وتشديد الراء، قال الجوهري: الآجر الذي يبنى به فارسي معرب، ويقال أيضا آجور على فاعول.
стр. 1590
والخشب، لأنهما لإحكام البناء، والقبر موضع البلى
ثم بالآجر أثر النار يكره تفاؤلا
ولا بأس بالقصب، وفي " الجامع الصغير " ويستحب اللبن والقصب.
ــ
[البناية]
قلت: الآجر هوالطوب المسوى بالنار، وقال له الغرسد بالدال المهملة، وقال الجوهري الغرسد الآجر، والجمع الغراسد م: (والخشب) ش: يعني كره الآجر والخشب واللحد.
م: (لأنهما) ش: أي لأن الآجر والخشب م: (لإحكام البناء والقبر موضع البلى) ش: بكسر الباء الموحدة من بلى الثوب يبلى بلى بالكسر، فإن فتحت الباء مددته.
وقال الأترازي: وعند الشافعي لا يكره الآجر، ولنا أن الآجر لإحكام البناء ويقصد به البقاء، والقبر ليس بموضع البقاء، وعند بعض مشايخنا إذا جعل الآجر خلف اللبن على اللحد لا بأس به.
وفي " المغني " ذكر الإمام أحمد الخشب، وقال إبراهيم النخعي: كانوا يتسحبون اللبن ويكرهون الخشب ولا يستحبون الدفن في التابوت، لأنه لم ينقل عن النبي ﵇ ولا عن أصحابه ﵃.
م: (ثم بالآجر أثر النار فيكره تفاؤلا) ش: أي لأجل التفاؤل، وهذا إشارة إلى أن بعضهم قد فرق بين الآجر والخشب في التعليل، فكره الآجر لمناسبة النار دون الخشب لعدم الجامع فيه، ورده بعضه بأن مساس النار لا تصلح عليه الكراهة، فإن السنة أن يغسل الميت بالماء الحار وقد مسته النار، وأجيب عنه بجوابين، الأول: أن الماء الحار مست الحاجة إليه لزيادة النظافة، ولهذا استحب الإجمار بالنار عند غسل النجاسة إلى دفع الروائح الكريهة.
الثاني: أن المكروه إدخال ما مسته النار في القبر للتفاؤل بالنار، والقبر محل الجنة والعذاب بالنار وأول منزل من منازل الآخرة، ولهذا يكره الإجمار بالنار عند القبر واتباع الجنائز بها، وقال شمس الأئمة السرخسي: التعليل بإحكام البناء أوجب لأنه جمع في كتاب الصلاة بين استعمال الآجر [....] ولا يوجد معنى النار فيها، وقال التمرتاشي: هذا إذا كان حول الميت، فإن كان فوقه لا يكره لأنه يكون عصمة من السبع، وهذا كما اعتادوا التسنيم باللبن صيانة عن النبش ورأوا ذلك حسنا.
م: (ولا بأس بالقصب) ش: أي في اللحد، ويستحب اللبن والقصب في اللحد، وذلك لأن القصب لا يقصد به البقاء وهو سريع الذهاب.
م: (وفي " الجامع الصغير " ويستحب اللبن والقصب) ش: إنما صرح بلفظ " الجامع الصغير " لمخالفة روايته رواية القدوري لأن رواية القدوري لا تدل على الاستحباب، بل على نفي المدة لا غير، حيث قال ولا بأس بالقصب، ورواية " الجامع الصغير " تدل عليه، ولأن رواية القدوري لا
стр. 1591
لأنه ﷺ جعل على قبره طن قصب، ثم يهال التراب
ويسنم القبر.
ــ
[البناية]
تدل على جواز الجمع بينهما، ورواية " الجامع الصغير " تدل، كذا قاله الأكمل. قلت: ما ادعاه إنما يصح إذا كان لفظ " الجامع الصغير " ويستحب اللبن والقصب بواو العطف، وأما إذا كان بلفظ أو كما في الأصل، فلا يدل على ذلك، ثم قال: الأكمل بعد قوله ورواية الجامع الصغير تدل؛ «لأنه ﵇ جعل على قبره طن قصب» . قلت: إن أوقع الحديث دليلا على جواز الجمع بينهما فلا يدل على ذلك أصلا على ما لا يخفى.
م: «لأنه ﷺ جعل على قبره طن قصب» ش: هذا رواه الشعبي مرسلا، أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه " حدثنا مروان بن معاوية عن عثمان بن الحارث عن الشعبي «أن النبي ﵇ جعل على قبره طن قصب» .
وفي " المغرب " الطن بالضم الحزمة من القصب، وحكي عن شمس الأئمة الحلوائي أنه قال: هذا في قصب لم يعمل، وأما القصب المعمول فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا يكره؛ لأنه قصب كله، وقال بعضهم: يكره لأنه لم يرد السنة بالمعمول. م: (ثم يهال التراب) ش: أي يصب التراب عليه بعد تسوية اللبن، يقال: أهلت الدقيق في الجراب صببته من غير كيل، وكل شيء أرسلته إرسالا من رمل أو تراب أو طعام ونحوه.
قلت: هلته أهيله هيلا وإيهالا، أي جرى وانصب. ومنه يهال التراب، أي يصب، وفي [....
... ] هال التراب، وأهاله: إذا صبه، ثم إذا صب التراب على اللبن لا يزاد على التراب الذي خرج من القبر، وفي " التحفة " يكره الزيادة، وعن محمد لا بأس بأن يزاد على تراب القبر.
والأول رواية الحسن عن أبي حنيفة، ذكره في " المحيط "، ولا ينقل تراب قبر إلى قبر آخر، وفي استحباب حثي التراب عليه رواية أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﵇ صلى على جنازة، ثم أتى القبر فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثا» رواه ابن ماجه.
وفي " شرح الوجيز " روي «أنه ﵇ حثى على قبر ثلاث حثيات» وهو المستحب [....
....
] ، وفي " التتمة " ويستحب أن يقول مع الأولى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥] وفي الثانية: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] وفي الثالثة: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] [طه: ٥٥] .
[تسنيم القبر]
م: (ويسنم القبر) ش: من التسنيم، وتسنيم القبر رفعه من الأرض مقدار شبر أو أكثر قليلا. وفي " ديوان الأدب " يقال: قبر مسنم أي غير مسطح، وبه قال موسى بن طلحة وزيد بن أبي حبيب، والثوري، والليث، ومالك، وأحمد. وفي " المغني ". واختار التسنيم أبو علي الطبري، وأبو علي بن أبي هريرة والجويني والغزالي والروياني والسرخسي، وذكر القاضي حسين اتفاقهم عليه، وخالفوا
стр. 1592
ولا يسطح أي لا يربع
ــ
[البناية]
الشافعي في ذلك، فإن عنده يسطح على ما يجيء.
وقال القاضي عياض في " الإكمال ": واختار أكثر العلماء التسنيم وجماعة أصحابنا وأبي حنيفة والشافعي، وفي " المحيط ": وتسنيم القبر قدر أربع أصابع أو شبر. وفي " قاضي خان " قدر شبر، وفي " المهذب ": يشخص القبر بقدر شبر.
م: (ولا يسطح أي لا يربع) ش: وقال الشافعي يسطح، ومثله عن مالك، واحتج بما رواه عن إبراهيم بن محمد عن أبيه عن النبي ﵇ «سطح قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه الحصى» وبما رواه الترمذي عن أبي الفتاح الأسدي واسمه حبان، قال لي علي: «ألا بعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته ولا تمثالا إلى طمسته» .
وبما رواه أبو داود عن القاسم بن محمد قال: دخلت على عائشة ﵂ فقلت: يا أماه اكشفي لي عن قبر رسول الله ﵇ فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا طن مسطوح ببطحاء العرصة الحمراء، فرأيت رسول الله ﵇ مقدما وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي ﵇ وعمر رأسه عند رجل النبي ﵇.
ولنا ما أخرجه البخاري " في صحيحه " عن أبي بكر بن أبي عياش أن سفيان التمار حدثه أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنما. وهو من مراسيل البخاري، ولم يرو البخاري عن ابن دينار ولا التمار هذا وقد وثقه ابن معين وغيره.
ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه " ولفظه عن سفيان قال: دخلت البيت الذي فيه قبر النبي ﵇ فرأيت قبر النبي ﵇ وقبر أبي بكر وعمر ﵄ مسنما.
والجواب: عما رواه الشافعي أنه ضعيف ومرسل، وهولا يحتج بالمرسل، وعما رواه الترمذي أن المراد من المشرفة المذكورة فيه هي المبنية التي تطلب بها المباهاة، وعما رواه أبو داود أن رواية البخاري تعارضها.
فإن قلت: قال البيهقي والبغوي رواية القاسم بن محمد أصح وأولى أن تكون محفوظة.
قلت: قال صاحب " اللباب ": هذه كبوة منهما من عارمة، وفيه من باب التعصب والعناد، ولا أحد يرجح رواية أبي داود على رواية البخاري في صحيحه. وقال صاحب " المغني " رواية البخاري أصح وأولى، وأسند البخاري عن النخعي أن رسول الله ﵇ سنم قبره، وعن محمد بن علي أن قبر رسول الله ﵇ مسنم، وعن الشعبي قال: رأيت قبور
стр. 1593
«لأنه ﷺ نهى عن تربيع القبور» ومن شاهد قبر النبي ﵇ أخبر أنه مسنم..
ــ
[البناية]
وقال شمس الأئمة السرخسي: التربيع من شعار الرافضة. وقال ابن قدامة: التسطيح هو شعار أهل البدع، فكان مكروها.
م: (لأنه ﷺ نهى عن تربيع القبور) . ش: هذا النهي رواه محمد بن الحسن في " كتاب الآثار " قال: أخبرنا أبو حنيفة ﵀ قال: حدثنا شيخ لنا يرفعه إلى النبي ﵇ «أنه نهى عن تربيع القبور وتجصيصها» . وقال السروجي: قوله في الكتاب أنه نهى عن تربيع القبور لا أصل له.
قلت: العجب منه كيف يقول هذا الكلام، وقد رواه مثل الإمام محمد، عن أبي حنيفة، وأعجب منه أمر الشراح، حيث لم يتعرض أحد منهم، إلى هذا النهي، م: (ومن شاهد قبر النبي ﵇ أخبر أنه مسنم) ش: كلمة - من - موصولة في محل الرفع على الابتداء، وخبره قوله: أخبر بالنظر إلى لفظ المبتدأ. وروى أبو حفص بن شاهين في كتاب " الجنائز " بإسناده إلى جابر ﵁ قال: سألت ثلاثة كلهم له أب في قبر النبي ﵇، سألت أبا جعفر محمد بن علي، وسألت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وسألت سالم بن عبد الله. قلت: أخبروني عن قبور آبائكم في بيت عائشة ﵂ فكلهم قالوا: إنها مسنمة، وقد مر مرسل البخاري في هذا.
[تجصيص القبر وتطيينه] ١
فروع: في " المحيط ": لا يجص القبر ولا يطين، في رواية الكرخي، وكره التجصيص الحسن والنخعي، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأباح أحمد التطيين.
وفي " منية المفتي ": المختار أنه لا يكره، وكره أبو حنيفة أن يبنى على القبر أو يوطأ عليه، أو يجلس عليه، أو ينام عليه، أو يقضى عليه حاجة الإنسان من بول أو غائط، أو يعلم بعلامة، أو يصلى إليه، أو يصلى بين القبور.
وحمل الطحاوي الجلوس المنهي عنه على الجلوس لقضاء الحاجة وكره أبو يوسف أن يكتب عليه. وفي " قاضي خان " ولا بأس بكتابة شيء، أو بوضع الأحجار؛ ليكون علامة. وفي " الميحط ": لا بأس بالكتابة عند العذر.
ولا بأس برش الماء عليه حفظا للتراب على القبر حتى لا يندرس، وكرهه أبو يوسف؛ لأنه يجري مجرى التطيين ولا بأس بحجر أو آجر يضعه عليه، وعن الحسن عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال الميت يسمع الأذان، ما لم يطين قبره» . ذكره في " المغني ".
стр. 1594
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
ويكره أن يدفن رجلان في قبر واحد، وقال القدوري في شرحه، والسرخسي في " المبسوط "، والمرغيناني في " الذخيرة ": إن وقعت الحاجة إلى الزيادة فلا بأس بأن يدفن الاثنان، والثلاثة في قبر واحد.
وفي " المرغيناني " أو خمسة، وهو إجماع. وفي " البدائع ": ويقدم أفضلهما ويجعل بين كل اثنين حاجر من التراب فيكون في حكم قبرين، ويقدم الرجل في اللحد، وفي صلاة الجنازة، تقدم المرأة على الرجل إلى القبلة، ويكون الرجل إلى الرجل أقرب، والمرأة عنه أبعد. وفي " الميحط ": ويجعل الرجل مما يلي القبلة ثم خلفه الغلام ثم المرأة ثم الصبية. وفي " الوبري ": ولا بأس بتعزية أهل الميت وترغيبهم على الصبر، وعلى المعزى الرضى بقضاء الله ؛ لينال ثواب الصابرين، والدعاء للميت بالرحمة والمغفرة.
وفي " المرغيناني " التعزية لصاحب المصيبة حسن فلا بأس بأن يجلسوا في البيت أو المسجد والناس يأتونهم ويعزونهم، ويكره الجلوس على باب الدار، وما يصنع في بلادهم العجم من فرش البسط، والقيام على قوارع الطرق من أقبح القبائح.
أما التعزية فقوله ﷺ : «من عزى مصابا فله مثل أجره» رواه الترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود. قال النووي: إسناده ضعيف.
وعن أبي بردة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «من عزى ثكلى كسي بردا في الجنة» ، رواه الترمذي وضعفه. ويقول للمعزى: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك.
وأكثرهم أنه يعزى إلى ثلاثة أيام، ثم يترك كيلا يتجدد عليه الحزن، ولا يدفن الميت في داره، وإن كان صغيرا، بل يدفن في مقابر المسلمين، كما كان يفعل رسول الله ﷺ بأصحابه، وخصت الأنبياء بذلك، وخص أبو بكر وعمر من ذلك بشرف جوار رسول الله ﷺ ، ولا يسع إخراج الميت من القبر بعد الدفن إلا إذا كان بعذر، قلت المدة أو كثرت، والعذر: مثل أن يظهر للأرض مستحق أو أخذ الشفيع له بالشفعة، ذكرها في " الواقعات " وغيرها.
وفي " جوامع الفقه ": امرأة مات ولدها في القرية ودفن هناك، والأم لا تصير عنه لا ينبش ولا ينقل إلى بلدها، وعليها أن تصبر.
ويستحب أن يدفن حيث مات في مقابرهم، وإن حمل ميلا أو ميلين فلا بأس به. وقيل:
стр. 1595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
ما دون السفر، وقيل: لا يكره السفر أيضا، وعن عثمان ﵁ أنه أمر بقبور كانت عند المسجد أن تحول إلى البقيع، وقال: توسعوا في مساجدكم. وقيل: لا بأس في مثله.
وعن محمد أنه إثم ومعصية. وقال المارزي: ظاهر مذهبنا جواز نقل الميت من بلد إلى آخر، وقد مات سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بالعقيق ودفنا بالمدينة، وفي " الحاوي " قال الشافعي: لا أحب نقله إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فأختار أن ينقل إليها لفضل الدفن فيها.
وقال البغوي، والبندنيجي: يكره نقله. وقال القاضي حسين، والدارمي: يحرم نقله. قال النووي: هذا هو الأصح، ولم ير أحمد بأسا أن يحول الميت من قبره إلى غيره. قال: قد نبش معاذ امرأته، وحول طلحة. وخالف الجماعة في ذلك.
[الدفن ليلا] ١
ولا يكره الدفن ليلا، والمستحب النهار، وهو قول أهل العلم من فقهاء الأمصار، منهم عقبة بن عامر، وسعيد بن المسيب، وشريح، وعطاء، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وكرهه الحسن البصري والظاهرية، لحديث جابر قال: «زجر النبي ﵇ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك» رواه مسلم.
ولما روى جابر بن عبد الله قال: «رأى ناس نارا في القبر فأتوها، فإذا رسول الله ﷺ في القبر، وإذا هو يقول: ناولوني صاحبكم وهو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر» رواه أبو داود على شرط البخاري ومسلم. ودفنت عائشة، وفاطمة ﵄ وغيرهما من الصحابة ليلا.
والنهي في حديث جابر عن دفنه قبل الصلاة عليه والمشي بالنعلين لا بأس به في القبور إذا لم يدركها كالماشي وهو المشهور من مذهب الشافعي، وكره النعلين أحمد ومنع ابن حزم النعال السبتية دون غيرها.
ويكره للنساء زيارة القبور، وهو قول الجمهور؛ لقوله ﵇: «لعن الله زوارات القبور» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه ابن ماجه، وأحمد.
وفي " القنية "، قال أبو الليث: لا نعرف وضع اليد على القبور سنة، ولا مستحبا، ولا نرى به بأسا. وقال علاء الدين التاجري: هكذا وجدناه، من غير نكير من السلف. وقال شرف الأئمة: بدعة، قال: [....
....
....] ينكرون ذلك، ويقولون: إنه عادة أهل الكتاب. وفي [
....
.] : هو عادة النصارى.
وقال أبو موسى الحافظ الأصبهاني قال: الفقهاء الخراسانيون: لا يمسح القبر، ولا يقبله، ولا يمسه، فإن كل ذلك من عادة النصارى، قال: وما ذكروه صحيح.
стр. 1596
..
....
....
....
..
ــ
[البناية]
وقال الزعفراني: لا يستلم القبر بيده ولا يقبله، قال: وعلى هذا مضت السنة، وما يفعله العوام الآن من البدع المنكرة شرعا. وفي " جوامع الفقه ": يزار القبر من بعد، ولا يقعد الزائر، وعند الدعاء للميت يستقبل القبلة، وكذا عند قبر النبي ﷺ ، وهو اختيار الزعفراني من الشافعية أيضا.
[قلع الحشيش الرطب من القبور]
ويكره قلع الحشيش الرطب من القبور؛ لأنها تسبح، وربما يستأنس به الميت، ولا بأس باليابس منه، وعن هذا قالوا: قلع الحشيش الرطب من غير حاجة لا يستحب. وفي " القنية " يكره أن يتخذ لنفسه تابوتا قبل موته، وتكره الصلاة فيه.
ماتت وفي بطنها ولد حي يشق بطنها ويخرج، وبه أفتى أبو حنيفة في زمانه، ولو علم بعد الدفن نبش وشق بطنها، ويخرج. وبه قال ابن شريح من أصحاب الشافعي. وقال بعض أصحابه: لا يشق، ولكن القابلة تمس بطنها فربما يخرج.
وقال أحمد: تعطاه للقوابل فإن خرج، وإلا ترك حتى يموت ثم يدفن. والسؤال في القبر، فإن مات ولم يدفن أياما بأن جعل في تابوت ليحمل من مصر إلى مصر، فمن لم يدفن لا يسأل، والسؤال لكل ذي روح حتى إن الرضيع يسأل ويلقنه الملك، ويلهمه الله تعالى. وهل الأنبياء يسألون في القبر؟ قال الإمام الزاهد الصفار: ليس في هذا نص ولا خبر. وقال غيره: يسألون. والسؤال لا يختص بهذه الأمة في قول عامة العلماء. وقال الشيخ الحكيم الترمذي: يختص بهذه الأمة.
وفي " فتاوى الظهيرية ": وهل يعذب الميت ببكاء أهله؟ قال عامة العلماء: لا يعذب، والحديث محمول على الوصية. ويكره نقل الطعام إلى المقبرة في الأعياد وإسراج السرج وغيرها، واتخاذ الدعوة لقراءة القرآن وختم القرآن، وقراءة سورة الأنعام وسورة الإخلاص ألف مرة، وجمع الصبيان والصلحاء لذلك. وكذا صياح أهل الفطر لستة أيام بعد رمضان، ولا بأس بقراءة القرآن عند القبور، ولكن لا يجلس على القبر، ولا يدخل في المقبرة للقعود ويدخل لقراءة القرآن.
وفي " الخلاصة ": ولا يكسر عظم اليهود إذا وجدوا في قبورهم. وفي " جمع العلوم ": لا يجوز النظر إلى عظام النساء في المقابر. قال بعض مشايخنا لا ينظر إلى عظم ما لاحتمال أنه للمرأة.
стр. 1597
باب الشهيد الشهيد من قتله المشركون أو وجد في المعركة وبه أثر أو قتله المسلمون ظلما
ــ
[البناية]
[باب الشهيد] [تعريف الشهيد]
م: (باب الشهيد) ش: أي هذا باب في بيان أحكام الشهيد، وإنما أفرد هذا الباب عما قبله وإن كان الكل في حكم الموتى؛ لأن حكم الشهيد يخالف حكم غيره من الموتى في حق التكفين، والغسل.
وقال " صاحب المنافع ": لما كان المقتول ميتا بأجله يليق ذكر باب الشهيد عقيب باب الجنائز، ويحتمل وجها آخر، وهو أنه لما فرغ من بيان حال من يموت حتف أنفه، أعقبه بباب من يموت بسبب من جهة العباد.
وقال الأكمل: إنما بوب للشهيد بحياله لاختصاصه بالفضيلة. وكان إخراجه من باب الجنائز بباب على حدة، كإخراج جبريل ﵇ من الملائكة. وفيه تأمل لا يخفى واختلفوا في تسميته بالشهيد، فقيل: لأن الملائكة يشهدون موته فكان مشهودا. وقيل: مشهود بالجنة، فعلى هذا يكون على وزن فعيل بمعنى مفعول. وقيل: لأنه حي عند الله حاضر، ويشهد حضرة القدس ويحضرها، وقيل: لأنه شهد ما أعد الله له من الكرامة، وقيل: لأنه ممن يستشهد مع النبي ﵇ يوم القيامة على سائر الأمم المكذبين، فعلى هذه المعاني الشهيد بمعنى فاعل.
م: (الشهيد) ش: مبتدأ، وقوله م: (من قتله المشركون) ش: جملة في محل الرفع على أنها خبر، والشهداء على ما ذكره ثلاثة أنواع.
الأول: هذا.
والثاني: قوله: م: (أو وجد في المعركة) ش: وهو موضع القتال م: (وبه أثر) ش: جملة وقعت حالا، أي والحال أنه وجد به أثر جراحة ظاهرة أو باطنة، وسيجيء تفسيره من المصنف عن قريب. م: (أو قتله المسلمون) ش: هذا النوع الثالث، وكذلك لو قتله أهل الذمة أو المستأمنون، وإنما قيد بقوله م: (ظلما) ش: احترازا به عما قتله المسلمون رجما أو قصاصا؛ وانتصابه على أنه صفة لمصدر محذوف، أي قتلا ظلما، ويجوز أن يكون تمييزا، أي من حيث الظلم.
وفي " المحيط ": أو قتل مدافعا عن نفسه أو أهله أو ماله أو عن المسلمين أو أهل الذمة بأي آلة قتل؛ بحديد، أو نحاس، أو صفر، أو رصاص، أو حجر، أو خشب.
وفي " البدائع ": لو قتل في المصر نهارا بزجاجة، أو ليطة قصب، أو طعنة برمح لازج له، أو رماه بنشابة لا نصل لها، أو أحرقه بالنار أو بكل شيء يعمل عمل الحديد من جرح أو
стр. 1598
ولم يجب بقتله دية فيكفن ويصلى عليه، ولا يغسل
ــ
[البناية]
بضع أو طعن لا يغسل.
وإن قتل فيها بغير سلاح كالحجر الكبير، والخشبة الكبيرة، أو بحدقة القصار، أو بخنق، أو بغريق، أو إلقاء من جبل، يغسل عند أبي حنيفة ﵁؛ لأنه شبه العمد، وبالحجر الصغير والخشبة الصغيرة، يغسل اتفاقا؛ لوجوب الدية، أو مات بوكزة، أو لكزة، أو وجد مقتولا في محلة، ولم يعرف قاتله، أو افترسه سبع، أو تردى من جبل، أو سقط عليه حائط، وكذا المبطون، والمطعون، والغريق، والحريق، وصاحب ذات الجنب، وصاحب الهدم، والمرأة تموت بجمع الذين عدهم رسول الله ﷺ من الشهداء فهم شهداء في الآخرة، وأحكام الآخرة.
وفي " المحيط ": وإن وجد غريقا، أو حريقا في المعركة، ولا يدري كيف حاله لا يغسل، وإن لم يكن كذلك فهو ميت حتف أنفه فيغسل، كذلك النازل من رأسه. وعند الشافعي لا يغسل من مات في قتال أهل الحرب فهو شهيد سواء كان به أثر أو لا، ومن قتل ظلما في غير قتل الكفار، أو خرج في قتالهم، ومات بعد انفصال القتال، وكان بحيث يقطع ثوبه ففيه قولان: في قول: لم يكن شهيدا، وبه قال مالك وأحمد.
وفي " المغني ": إذا مات في المعترك فإنه لا يغسل رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، ولا يعلم فيه خلافا إلا عن الحسن وابن المسيب، فإنهما قالا: يغسل الشهيد، ولا يعمل به.
[الشهيد يكفن ويصلى عليه ولا يغسل]
م: (ولم يجب بقتله دية فيكفن ويصلى عليه ولا يغسل) ش: يعني أن قتله لم يكن موجبا للدية حال المباشرة، واحترز به عن شبه العمد والخطأ صورة الخطأ ما إذا قصد مباحا فأصاب محظورا.
وصورة شبه العمد ما إذا قتله بعصا صغيرة، أو سوط، أو وكزه بيده، أو لكزه برجله فمات، ولو سقط القصاص بعارض الأبوة ووجبت الدية كان شهيدا، والقصاص ليس بعوض عن المحل، بل عقوبة يوجبها الله تعالى جزاء للقتل، ولهذا تجري بين الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، والدية عوض مالي.
والصلح على الدية بعد القتل لا يخرجه عن الشهادة، وكذلك قتل الأب ابنه لا يخرجه عن الشهادة، وكذا لو قتلت زوجها ولها منه ولد؛ لأن الواجب الأصلي وجوب القصاص فكيفن ويصلى عليه، ولا يغسل. هذا حكم الشهيد المذكور في الفصول الثلاثة، وفي هذا أيضا ثلاثة أشياء.
الأول: التكفين، وليس فيه خلاف على ما سيجيء.
стр. 1599
لأنه في معنى «شهداء أحد، وقد قال ﷺ فيهم: زملوهم بكلومهم ودمائهم ولا تغسلوهم»
ــ
[البناية]
الثاني: الصلاة عليه، وفيه خلاف، وسيجيء أيضا.
الثالث: الغسل، وليس فيه خلاف معتبر إلا ما روي عن الحسن وابن المسيب على ما ذكرناه.
م: (لأنه) ش: أي لأن الشهيد الموصوف المذكور م: (في معنى شهداء أحد) ش: وشهداء أحد قتلوا ظلما، ولم يرتثوا ولم يجب بقتلهم دية، فمن كان على صفتهم فهو شهيد، ومن لا فلا.
وفي " الذخيرة ": الشهيد كل مسلم مكلف طاهر قتل ظلما في قتال ثلاثة: مع أهل الحرب، أو البغي، أو قطاع الطريق بأي آلة قتل. ولم يحمل حيا للتمريض ولم يأكل ولم يشرب ولم يعش في المصرع يوما أو ليلة، ولم يجب عن دمه عوض مالي حتى لو حمل للتمريض ومات في أثنائه، أو على أيدي الناس يغسل، وإن حمل كيلا يطأه الخيل، لا للتمريض، فهو شهيد، انتهى.
ويوم أحد كان يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة ثلاث للهجرة، وأحد جبل على باب المدينة، دون الفرسخ، ويقال له: ذو عبتين، وكانت عدة المشركين فيه ثلاثة آلاف، وعدة الخيل مائتا فرس، وقتل منهم اثنان وعشرون رجلا، وعدة المسلمين ألفا، وانحرف عبد الله بن أبي المنافق بثلث العسكر فرجع إلى المدينة.
م: (وقد قال النبي ﷺ فيهم: «زملوهم بكلومهم ودمائهم ولا تغسلوهم» ش: قال الزيلعي: هذا حديث غريب.
قلت: أخرج أحمد في مسنده، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة «أن النبي ﷺ أشرف على قتلى أحد. فقال: إني شهيد على هؤلاء زملوهم بكلومهم ودمائهم» ، وأخرجه النسائي، عن معمر عن الزهري، قال عبد الله بن ثعلبة: قال رسول الله ﷺ : «زملوهم بدمائهم» ، الحديث. وأخرج البخاري في صحيحه، وأصحاب السنن الأربعة، عن الليث بن سعد، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ «كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، ويقول: أيهما أكثر أخذا للقرآن، فإذا شهد له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلهم» ، وزاد البخاري، والترمذي: «ولم يصل عليهم» .
стр. 1600
فكل من قتل بالحديدة ظلما وهو طاهر بالغ ولم يجب به عوض مالي فهو في معناهم
ــ
[البناية]
وأخرج أبو داود في سننه عن ابن عباس قال: «أمر رسول الله ﷺ بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم» .
وأخرج أيضا عن جابر قال: «رمي رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات، وأدرج في ثيابه كما هو، ونحن مع رسول الله ﷺ » قال النووي: سنده على شرط مسلم.
قوله: زملوهم أي لفوهم فيها، يقال: تزمل بثوبه، إذا التف فيه.
[كل من يدخل في معنى الشهيد]
م: (وكل من قتل بالحديدة ظلما وهو طاهر بالغ ولم يجب به عوض مالي فهو في معناهم) ش: أي في معنى شهداء أحد، وهاهنا قيود.
الأول: أن يكون القتل ظلما، احترازا عن القتل بحق على ما ذكرناه.
والثاني: القتل بالحديدة، وإنما يشترط هذا القيد إذا كان القتل من المسلمين، وأما من أهل الحرب والبغي وقطاع الطريق، فليس بشرط فبقتلهم شهيد بأي شيء قتل، لا يقال احترز بالحديدة عن القتل بالمثقل على قول أبي حنيفة ﵁؛ لأن الاحتراز عنه يحصل بقوله ولم يجب به عوض مالي؛ لأن على قول أبي حنيفة ﵁ يجب العوض المالي في القتل بالمثقل، فلا حاجة إلى قيد الحديدة.
والقيد الثالث: أن يكون طاهرا فلا يكون جنبا وحائضا.
والقيد الرابع: أن يكون بالغا ولا يكون صبيا، وفي هذين خلاف بين أبي حنيفة وصاحبه على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى.
والقيد الخامس: أن لا يجب بقتله عوض مالي احترز به عن شبه العمد والخطأ، فإن الواجب فيهما المال، والشرط فيه أن يكون ذلك حالة القتل، فإن القصاص إذا وجب ثم انقلب مالا بالصلح فإنه لا يمنع الشهادة، وكذلك الحكم في قتل الوالد ولده، فإنه يجب بالمال فيه حالة القتل، ولا يمنع الشهادة كما ذكرناه. وهاهنا قيدان آخران، لم يذكرهما المصنف.
الأول: أن يكون مسلما.
والثاني: أن يكون غير مرتث. وما ذكره في " الذخيرة ": الذي ذكرناه عن قريب هو الجامع الأحسن.
стр. 1601
فيلحق بهم، والمراد بالأثر الجراحة؛ لأنه دلالة القتل، وكذا خروج الدم من موضع غير معتاد كالعين ونحوها، والشافعي ﵀ يخالفنا في الصلاة، ويقول: السيف محاء للذنوب فأغنى عن الشفاعة
ــ
[البناية]
م: (فليحق بهم) ش: أي بشهداء أحد، ومن لم يكن بمعناهم فلا يلحق بهم م: (والمراد بالأثر الجراحة) ش: أي المراد من قوله: أو وجد في المعركة وبه أثر، هو الجراحة. وعبارة القدوري: وبه أثر الجراحة.
وفي " الينابيع " يريد بالأثر علامة تدل على قتله كالذبح والطعن والجرح والرض وسيلان الدم من عينه أو أذنه، ولا يكون ذلك إلا بجرح في الباطن، وإن كان يسيل من دبره أو ذكره أو أنفه لا يكون شهيدا؛ لأن الدم يخرج من هذه المخاريق من غير ضرب في العادة، إذ صاحب الباسور يخرج الدم من دبره؛ والجبان يبول دما من الخوف، وتسيل الأسنان بالرعاف، وكذا إذا وجد ميتا وليس به أثر؛ إذ الجبان يبول دما من الخوف وقد يموت من الفزع، وكونه في المعركة ليس بسبب لقتله، بدون الإصابة، فإن القتل لا يكون إلا بالأثر.
م: (لأنه دلالة القتل) ش: أي لأن الأثر الذي هو الجراحة دلالة القتل؛ لأن الحكم يضاف إليه في الظاهر م: (وكذا خروج الدم من موضع غير معتاد) ش: أي وكذا دلالة القتل خروج الدم منه ليس في العادة خروج الدم منه م: (كالعين ونحوها) ش: مثل الأذن والسرة. وفي " الزيادات ": دلالة القتل جراحة توجد أو دم يخرج من عينه، أو أذنه، أو يصعد من جوفه إلى فيه، فأما ما يخرج من أنفه أو دبره أو ذكره أو ينزل من رأسه شيء من دمه فلا يصلح دليلا على القتل؛ لأنه قد يوجد ذلك من غير ضرب عادة.
م: (والشافعي ﵀ يخالفنا في الصلاة) ش: ويقول: لا يصلى على الشهيد وبه قال مالك وإسحاق ﵄ وهو قول أهل المدينة. وقال النووي في " شرح المهذب ": المذهب الجزم بتحريم الصلاة عليه. وقال ابن حزم في " المحلى ": إن شاءوا صلوا عليه، وإن شاءوا تركوها، ومذهبنا هو قول ابن عباس وابن الزبير، وعقبة بن عامر، وعكرمة، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، ومكحول، والثوري، والأوزاعي، والمزني، وأحمد ﵁ في رواية. واختاره الخلال، وقال في موضع آخر يصلى عليه، وفي رواية المروزي الصلاة عليه أجود.
م: (ويقول) ش: أي قال الشافعي م: (السيف محاء للذنوب فأغنى عن الشفاعة) ش: تقريره إذا كان السيف محاء للذنوب لا يبقى للشهيد ذنب فيستغنى عن الشفاعة التي كانت الصلاة لأجلها، وقوله: محاء على وزن فعال، مبالغة ماحي من محا يمحو محوا، ومحى يمحيه محيا. ومحا
стр. 1602
ونحن نقول: الصلاة على الميت لإظهار كرامته، والشهيد أولى بها،
والطاهر من الذنوب لا يستغني عن الدعاء كالنبي والصبي
ــ
[البناية]
يمحاه أيضا فهو ممحو وممحي، صارت الواو بالكسرة ما قبلها فأدغمت في الياء التي هي لام الفعل.
م: (ونحن نقول: الصلاة على الميت لإظهار كرامته والشهيد أولى بها) ش: أي بهذه الكرامة، ولهذا اختص المسلمون بهذه الكرامة، والشهيد من جملة أموات المسلمين والصلاة عليهم فرض من فروض الكفاية عليهم فلا يسقط من غير فعل أحد بالتعارض، بخلاف غسله؛ إذ النص في سقوطه لا معارض له.
م: (والطاهر من الذنوب لا يستغني عن الدعاء) ش: هذا جواب عن قول الشافعي ﵀ السيف محاء للذنوب، وتقريره أن العبد وإن تطهر من الذنوب لم يبلغ درجة عن الاستغناء عن الدعاء م: (كالنبي والصبي) ش: فإن النبي مطهر من الذنوب مع أنه صلي عليه، ومع هذا لا يبلغ أحد درجة الأنبياء، وكذلك الصبي مطهر من الذنوب، وقد صلي عليه.
فإن قلت: روى البخاري عن جابر «أنه ﷺ لم يصل على قتلى أحد،» وروى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁ «أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم» .
قلت: روى البخاري أيضا عن أبي الخير عن عقبة بن عامر الجهني «أن النبي ﷺ خرج يوما فصلى على شهداء أحد صلاته على الميت، ثم انصرف، قال عقبة: فكانت آخر ما رأيت رسول الله ﷺ على المنبر» وزاد ابن حبان: «ثم دخل بيته فلم يخرج حتى قبضه الله » .
والميت أولى في باب التراجيح، على أن جابرا ﵁ كان يومئذ مشغولا، فقد قتل أبوه وأخوه وخاله في ذلك، فرجع إلى المدينة ليدبر حالهم، وكيف يحملهم فلم يكن حاضرا حتى صلى رسول الله ﷺ على شهداء أحد، وقد روى ما روى. وذكر الواقدي أيضا في غزوة أحد قال جابر بن عبد الله: «كان أول قتيل قتل من المسلمين يوم أحد، قتله سفيان بن عبد شمس فصلى عليه رسول الله ﷺ قبل الهزيمة» .
وروى النسائي عن شداد بن الهاد «أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ ....
.» الحديث، وفيه أنه استشهد فصلى عليه النبي ﷺ .
وروى البخاري في "صحيحه «أنه ﷺ صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات» وعن أبي مالك الغفاري قال: «كان يجاء بقتلى أحد تسعة وحمزة عاشرهم فيصلي عليهم النبي ﷺ فيدفنون التسعة ويدعون حمزة، ثم يجاء بتسعة وحمزة عاشرهم فيصلي عليهم فيدفنون التسعة ويدعون حمزة،» رواه الطحاوي والدارقطني.
стр. 1603
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وروى الطحاوي عن ابن عباس وابن الزبير ﵁ «أنه ﷺ على شهداء أحد مع حمزة، وكان يؤتى بتسعة لتسعة، وحمزة عاشرهم فيصلي عليهم، وكبر يومئذ سبع تكبيرات» . قال: وقد صلى على غيرهم، كما روى بشير بن الهاد «أنه ﷺ أعطى أعرابيا أسلم نصيبه، وقال: قسمته لك، فقال: ما على هذا اتبعتك، ولكن ابتعتك على أن أرمى هاهنا - وأشار إلى حلقه - بسهم فأموت فأدخل الجنة، ثم أتي بالرجل قد أصابه سهم حيث أشار فكفن في جبة النبي ﷺ فصلى عليه، فكان من صلاته أن هذا عبد خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا، أنا أشهد عليه فلم يغسله وصلى عليه» ورواه النسائي أيضا.
وأخرج الطحاوي هذا الحديث لمعنيين أحدهما: لأنه شاهد لما ذكره من الدلائل في إثبات الصلاة على الشهيد. والثاني: ردا على من زعم أنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه صلى على أحد ممن قتل في المعركة في غير غزوة أحد.
فإن قلت: لم لا يجوز أن تحمل الصلاة في الأحاديث التي ورد فيها الصلاة على الدعاء؟ وممن قال ذلك ابن حبان والبيهقي.
قلت: يدفع هذا قوله في الحديث الذي رواه عقبة بن عامر المذكور صلاته على الميت.
فإن قلت: أنتم لا ترون الصلاة على القبر بعد ثلاثة أيام، فكيف يحملون عليه على معنى الصلاة العرفية، وقد كانت واقعة أحد في سنة ثلاث من الهجرة، وصلاته ﵇ على شهداء أحد حين خروجه من الدنيا بعد وقعة أحد في سبع سنين.
قلت: المذهب عندنا الصلاة على القبر يجوز ما لم يتفسخ، والشهداء لا يلحقهم تفسخ، أحياء عند الله؛ فإذا لا يجوز حمل الصلاة عليهم على معنى الدعاء، وكيف يجوز هذا وقد أكد قوله صلاته على الميت لنفي احتمال المحال.
فإن قلت: قال ابن قدامة: حديث عقبة مخصوص بشهداء أحد، فإنه صلى عليهم في القبور وهم لا يرون الصلاة على القبر أصلا، ونحن فيما بعد الشهر.
قلت: إذا ثبت أنه صلى على شهداء أحد صحت الصلاة عليهم بعدم القائل بالفرق، وقوله: "وهم لا يرون الصلاة على القبر" غير صحيح، فإذا دفن الميت ولم يصل عليه صلى على قبره ما لم يتغير كما ذكرناه.
فإن قلت: الصلاة على الميت لا تصح بلا غسل فما لم يغسل الشهيد لا تصح الصلاة عليه.
قلت: وكذا لا يدفن بلا غسل، فلما دفن الشهيد بلا غسل دل على أنه في حكم المغسولين، فكانت الصلاة عليه صلاة على المغسول حكما، وهو مغسول بصب رحمة الله تعالى.
стр. 1604
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
فإن قلت: الشهداء أحياء عند الله، والصلاة إنما شرعت على الموتى.
قلت: هم أحياء في حكم الآخرة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] (آل عمران: ١٦٩) ، لا في أحكام الدنيا والصلاة عليهم من أحكام الدنيا كسائر الموتى، ولهذا يقسم ميراثهم بين ورثتهم ويتزوج نساؤهم وتحل ديونهم المؤجلة ويعتق أمهات الأولاد ومدبروهم وينفذ وصاياهم، ثم هم يدفنون، فدل ذلك كله أن الحياة لهم عند الله بعد الموت.
فإذا قلت: قال الشافعي ﵀: لعل ترك الصلاة لاستغنائهم مع التخفيف على من بقي من المسلمين.
قلت: هذا التعليل لا يقبل؛ لأن الصلاة على الميت دعاء له، ولا يستغني أحد عن الدعاء كما ذكرناه، وكذلك التعليل بالتخفيف، فإنهم يتممون إلقاءهم ويحضرون قبروهم ويكلفون دفنهم.
فإن قلت: الصلاة على الميت من باب الشفاعة، والشهداء يشفعون للناس ولا يحتاجون إلى من يشفع لهم.
قلت: الصلاة عليهم زيادة كرامة لهم، وقضاء لحق الميت، وقد أشار المصنف إلى هذا المعنى بقوله: والصلاة على الميت لإظهار كرامته، وقد استوفينا الكلام هناك، وقد ظهر من هذا أن ما ذهبنا إليه أرجح من وجوه عديدة؛ الأول: أن الخبر المثبت في هذا أولى من النافي.
الثاني: أن أحاديثنا أكثر فكانت أولى، قال محمد في " السير الكبير ": أخذنا بما أجمع عليه أهل العراق دون ما انفرد به أهل المدينة، فرجح بالكثرة.
فإن قلت: هذا خلاف ظاهر مذهبكم، فإن الترجيح بالكثرة لا يعتبر عندكم.
قلت: قد ذكر بعض مشايخنا الترجيح بكثرة الرواة؛ إذ الظن بصدق خبر الاثنين أقوى منه بخبر الواحد.
الثالث: أن الصلاة على الموتى أصل في الدنيا وفرض من فروض الكفاية على المسلمين، فلا يسقط من غير فصل أحد.
الرابع: لو كانت الصلاة عليهم غير مشروعة، كما في عموم تنبيهه ﷺ على عدم مشروعيتها، وعلة سقوطها كما نبه على علة سقوط غسلهم.
الخامس: يجوز أنه ﵇ لم يصل عليهم، وصلى عليهم غيره لما كان به من الجراحات، وكسور رباعيته وما أصابه يومئذ من المشركين.
стр. 1605
ومن قتله أهل الحرب أو أهل البغي أو قطاع الطريق فبأي شيء قتلوه لم يغسل؛ لأن شهداء أحد ما كان كلهم قتيل السيف والسلاح،
وإذا استشهد الجنب غسل عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: لا يغسل؛ لأن ما وجب بالجنابة سقط بالموت، والثاني: لم يجب للشهادة. ولأبي حنيفة ﵀ أن الشهادة عرفت مانعة غير رافعة،
ــ
[البناية]
السادس: إن لم يكن صلى عليهم في ذلك اليوم صلى عليهم في يوم آخر؛ لأنه لا يعتبر عليهم بمرور السن كما ذكرناه.
السابع: قد ثبت أنه ﷺ صلى على غيرهم من الشهداء، ويقولون: لا تشرع الصلاة على شهيدنا.
الثامن: أن الذي ذهبنا إليه أحوط في الدين، وفيه تحصيل الأجر والثواب العظيم، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من صلى على ميت فله قيراط» ، ولم يفصل بين ميت وميت. م: (ومن قتله أهل الحرب أو أهل البغي أو قطاع الطريق فبأي شيء قتلوه لم يغسل) ش: عندنا، خلافا للشافعي ومالك وأحمد ﵃ في غير أهل الحرب وقالت الشافعية: قتيل أهل البغي يغسل ويصلى عليه في أصح القولين. وفي قتيل قطاع الطريق طريقان، وكذا في قتيل اللصوص طريقان. ولو أمر الكافر مسلما وقتلوه صبرا ففي غسله والصلاة عليه وجهان: أصحهما أنه ليس بشهيد، وعندنا شهيد، وبه قال مالك وأحمد ﵄، ولما كان في قتال أهل الحرب ليتمم الآلة، فكذا في قتال أهل البغي وقطاع الطريق؛ لأنهم في حكم القتال كأهل الحرب حتى لا يضمنون ما أتلفوا.
م: (لأن شهداء أحد ما كان كلهم قتيل السيف والسلاح) ش: لأن منهم من دفع بالحجر، ومنهم من قتل بالعصا، وغير ذلك، وعمم النبي ﷺ في حق ترك غسلهم.
[تغسيل الشهيد الجنب]
م: (وإذا استشهد الجنب غسل عند أبي حنيفة ﵀) ش: وبه قال أحمد وسحنون. ومن المالكية ابن شريح وابن أبي هريرة ﵏ من الشافعية، وهو قول الأوزاعي.
م: (وقالا: لا يغسل) ش: أي قال أبو يوسف ومحمد: لا يغسل، وبه قال الشافعي وأشهب م: (لأن ما وجب بالجنابة) ش: الذي هو الغسل م: (سقط بالموت) ش: للعجز عنه م: (والثاني) ش: أي الغسل الثاني م: (لم يجب للشهادة) ش: أي لأجل كونه شهيدا، إذا للشهادة تمنعه؛ لأن قوله ﷺ : «زملوهم بكلومهم ودمائهم» لا يفصل بين الشهيد الجنب وغيره.
م: (ولأبي حنيفة أن الشهادة عرفت مانعة) ش: وجوب غسل الميت م: (غير رافعة) ش: لقد وجب عليه قبل موته، ألا ترى أنه لو كان في ثوب الشهيد نجاسة تغسل تلك النجاسة ولا يغسل عنه الدم؟
стр. 1606
فلا ترفع الجنابة، وقد صح أن حنظلة لما استشهد جنبا غسلته الملائكة،
ــ
[البناية]
فإن قلت: لو لم يكن رافعا لوضوء الحدث إذا استشهد، واللازم باطل، فكذا الملزوم، قلت: لا يلزم من أن لا يكون رافعا للأعلى أن يكون رافعا للأدنى.
م: (وقد صح أن حنظلة لما استشهد جنبا غسلته الملائكة) ش: روي هذا من حديث ابن عباس ﵁ رواه الطبراني في "معجمه " عنه، قال: أصيب حمزة بن عبد المطلب، وحنظلة بن الراهب وهما جنبان، فقال النبي ﷺ : " إني رأيت الملائكة تغسلهما ". وحديث ابن الزبير رواه ابن حبان في "صحيحه " والحاكم في " المستدرك " من حديث يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عبد الله عن جده قال: «سمعت رسول الله ﷺ وقد قتل حنظلة بن عامر الثقفي أن صاحبكم حنظلة غسلته الملائكة، فسألوا صاحبته، فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهاتفة، فقال رسول الله ﷺ : " لذلك غسلته الملائكة» . قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم وليس عنده فاسألوا صاحبته.
قال السهيلي في " الروض الأنف ": وصاحبته هي زوجته جميلة بنت أبي ابن سلول أخت عبد الله بن أبي، وكان قد بنى بها تلك الليلة فرأت في منامها كأن بابا من السماء فتح فدخل وأغلق دونه، فعرفت أنه مقتول من الغد، فلما أصبحت دعت برجال من قومها وأشهدتهم أنه دخل بها خشية أن يقع في ذلك نزاع، ذكره الواقدي، وذكر غيره أنه وجد بين قتلى يقطر رأسه ماء؛ تصديقا لقول رسول الله ﷺ .
وقال ابن سعد في " الطبقات ": قال رسول الله ﷺ : «إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء نزل في صحاف الفضة» .
وحديث محمود بن لبيد رواه ابن إسحاق في " المغازي " أن النبي ﷺ قال: «إن صاحبكم - يعني حنظلة بن أبي عامر - لتغسله الملائكة " فسألوا أهله ما شأنه؟ فقالت: إنه خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة» بالتاء المثناة من فوق والفاء، ويقال: الهايعة بالتاء آخر الحروف وبالعين المهملة، والهيعة الصوت الشديد عند الفزع. وحنظلة بن أبي عامر عمرو بن صيفي بن زيد الأنصاري الأوسي، يعرف أبوه بالراهب في الجاهلية، فسماه النبي ﷺ الفاسق؛ لأنه يروح من المدينة إلى مكة، ثم قدم قريش يوم أحد محاربا، وكان بمكة إلى أن فتحت، فهرب إلى هرقل فمات هناك كافرا سنة تسع أو عشر، وأولاد حنظلة يسمون أولاد غسيل الملائكة.
فإن قلت: الواجب غسل بني آدم دون الملائكة، ولو كان ذلك واجبا لأمر ﵇ بإعادة
стр. 1607
وعلى هذا الخلاف الحائض والنفساء إذا طهرتا، وكذا قبل الانقطاع في الصحيح من الرواية،
وعلى هذا الخلاف الصبي. لهما أن الصبي أحق بهذه الكرامة. وله أن السيف كفى عن الغسل في حق شهداء أحد بوصف كونه طهرة عن الذنوب، ولا ذنب على الصبي فلم يكن في معناهم
ــ
[البناية]
غسله.
قلت: الواجب هو الغسل، وأما الغاسل فيجوز كائنا من كان، ألا ترى أن الملائكة لما غسلوا آدم ﵇، فأدي به الواجب ولم يعد أولاده غسله.
م: (وعلى هذا الخلاف) ش: أي الخلاف المذكور بين أبي حنيفة وصاحبيه م: (الحائض والنفساء إذا طهرتا) ش: عندهما لا يغسلان؛ لأن الغسل الأول سقط بالموت، والثاني أنه لم يجب بالشهادة، وعنده يغسلان؛ لأن الشهادة عرفت مانعة غير رافعة م: (وكذا قبل الانقطاع) ش: أي وكذا يغسلان إذا قتلتا قبل انقطاع الدم م: (في الصحيح من الرواية) ش: عن أبي حنيفة ﵁ وهي رواية الحسن عنه، واحترز به عن رواية المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ﵄ أنهما لا يغسلان؛ لأنه لم يكن الغسل واجبا حالة الحياة قبل الانقطاع، فلم يجب بالموت غسل آخر.
وجه الصحيح من الرواية أن حكم الحيض انقطع بالموت، فصار كأن انقطاع الحيض قبل الموت. وعندهما لا يغسلان بكل حال. وفي الجنازية هذا الحديث في النفساء يجري على إطلاقه؛ لأن أقل النفساء لا حد له. أما الحائض فتصور فيه فيما إذا استمر بها الدم ثلاثة أيام، ثم قتلت قبل الانقطاع، أما لو رأت يوما أو يومين، ثم قتلت لا تغسل بالإجماع، ذكره التمرتاشي بعدم كونها حائضا.
م: (وعلى هذا الخلاف) ش: أي الخلاف المذكور م: (الصبي) ش: إذا استهل يغسل عند أبي حنيفة ﵁ خلافا لهما وللشافعي أيضا م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد م: (أن الصبي أحق بهذه الكرامة) ش: وهي سقوط الغسل؛ لأن سقوط الغسل لإبقاء أثر مظلوميته في الغسل وكان إكراما له، والمظلومية في حق الصبي أشد، فكان أحق بهذه الكرامة.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ م: (أن السيف كفى عن الغسل في حق شهداء أحد بوصف كونه طهرة عن الذنوب، ولا ذنب على الصبي، فلم يكن في معناهم) ش: أي في معنى شهداء أحد، فإذا لم يكن في معناهم يغسل، وكذلك الخلاف في المجنون إذا استشهد. وفي " المبسوط ": الصبي غير مكلف ولا يخاصم بنفسه في حقوقه، والخصم عنه في حقوقه في الآخرة هو الله تعالى، فلا حاجة إلى بقاء أثر الشهادة لعلهم يدلونه.
стр. 1608
ولا يغسل عن الشهيد دمه، ولا ينزع عنه ثيابه، لما روينا
وينزع عنه الفرو والحشو والقلنسوة والسلاح والخف؛ لأنها ليست من جنس الكفن،
ويزيدون وينقصون ما شاءوا إتماما للكفن.
ــ
[البناية]
فإن قلت: ذكر ابن قدامة في " المغني " أن حارثة بن النعمان، وعمير بن أبي وقاص أخا سعد كانا من شهداء أحد وهما صغيران.
قلت: هذا غلط؛ لأن عمير بن أبي وقاص قتل يوم بدر قبل أحد، وهو ابن ست عشرة ذكره ابن سعد في " الطبقات ".
وأما حارثة بن النعمان فتوفي في خلافة معاوية وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها، وأما حارثة المستشهد غلاما هو حارثة بن الربيع الأنصاري قتل يوم بدر، كذا في "الصحيحين" وغيرهما، وليس في قتلى أحد من اسمه جارية، قال: ذكر ذلك تميمة في " شرح الهداية ".
[كيفية تغسيل الشهيد]
م: (ولا يغسل عن الشهيد دمه، ولا ينزع عنه ثيابه لما روينا) ش: وأشار به إلى ما ذكره من قوله ﵊: «زملوهم بكلومهم ودمائهم ولا تغسلوهم» وهذا يدل على عدم غسل الدم عن الشهيد، ولكن لا يدل على عدم نزع الثياب، وإنما الدليل على ذلك ما روي عن ابن عباس ﵁ قال: «أمر رسول الله ﷺ بقتلى أحد أن تنزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم» . أخرجه أبو داود وابن ماجه ﵄.
م: (وينزع عنه الفرو والحشو) ش: أريد بالحشو الثوب المحشو بالقطن وهو بحسب اصطلاح الناس لا بحسب اللغة م: (والقلنسوة) ش: أريد بها القبع، وفي تفسيره أقوال م: (والسلاح والخف؛ لأنها) ش: أي لأن هذه الأشياء م: (ليست من جنس الكفن) ش: وفي " المبسوط " وكفن الشهيد ثيابه وينزع عنه ما ليس من جنس الكفن كالفرو والسلاح والجلود والحشو والخفين والقلنسوة.
وفي " الذخيرة " والسراويل. وقال الشافعي: ينزع ما ليس من غالب لباس الناس كالجلود والفرو والخفاف والدرع والبنصر والجبة والمحشوة، وبه قال أحمد ﵀ وقال مالك: لا تنزع الفرو والجلود والقلنسوة، وقال مطرف: لا ينزع المنطقة ولا الخاتم إلا أن يكثر ثمنها. وفي الأسبيجابي: ويكره أني ينزع عنهم جميع ثيابهم ويجدد لهم الكفن. وفي " التحفة ": ولا يكفن ابتداء في ثياب أخر دون ثيابه التي كانت عليه عند قتله.
م: (ويزيدون وينقصون ما شاءوا) ش: إذا كان ناقصا عن عدد المسنون، والضمير في يزيدون وينقصون يرجع إلى أولياء القتيل، لدلالة القرينة عليه، ولا اشتباه فيه حتى يقال: إنه إضمار قبل الذكر، قيل: وقد استدلوا بهذه اللفظة على أن عدد الثلاثة ليس بلازم، وأكثرهم على مراعاة الوتر والكفن.
قلت: ما ذكرنا أو في التعليل الذي ذكره في الكتاب م: (إتماما للكفن) ش: أي لأجل إتمام
стр. 1609
قال: ومن ارتث غسل. وهو من صار خلقا في حكم الشهادة لنيل مرافق الحياة؛ لأن بذلك يخف أثر الظلم فلم يكن في معنى شهداء أحد، والارتثاث: أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يداوى، أو ينقل من المعركة حيا؛ لأنه نال بعض مرافق الحياة، وشهداء أحد ماتوا عطاشا، والكأس تدار عليهم، فلم يقبلوا خوفا من نقصان الشهادة.
ــ
[البناية]
الكفن، قيل: هو يرجع إلى قوله يزيدون.
قلت: لا مانع من أن يرجع إلى اللفظين معا؛ لأنه إذا نقص من الزائد على العدد المسنون يكون إتماما للكفن المسنون. فإذا لم ينقص لا يسمى كفن السنة. وأشار في " المبسوط " في نزع الأشياء المذكورة إلى أن هذه الأشياء كانت لدفع بأس العدو، وقد استغني عن ذلك، ولأن هذه عادة أهل الجاهلية؛ لأنهم كانوا يدفنون أبطالهم بما عليهم من الأسلحة، وقد نهينا عن التشبه بهم.
م: (ومن ارتث غسل) ش: على صيغة المجهول، بالتاء المثناة من فوق المضومة، ثم الثاء المثلثة، وهو من قولهم: ثوب رث أي خلق. وفي " المغرب ": ارتث الجريح إذا حمل من المعركة وبه رمق؛ لأنه حينئذ يكون ملقى كرثة المتاع، وقال الجوهري: اترث فلان على ما لم يسم فاعله، أي حمل من المعركة رثبة، أي جريحا وبه رمق. ومراد الفقهاء من ذلك مما أشار إليه المصنف بقوله م: (وهو) ش: أي المرتث دل عليه قوله: "ارتث" كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] (المائدة: الآية ٨) ؛ م: (من صار خلقا) ش: بفتح اللام، يقال: ثوب خلق أي بلي، يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ لأنه في الأصل مصدر من خلق يخلق.
قال الجوهري: وقد خلق الثوب بالضم خلوقه أي بلي إذا خلق الثوب، مثله وأخلقه إنما متعد ولا يتعدى م: في حكم الشهادة لنيل مرافق الحياة) ش: وهي راحة الحياة.
م: (لأن بذلك) ش: أي بذلك النيل م: (يخف أثر الظلم، فلم يكن في معنى شهداء أحد) ش: لأنهم ماتوا على الحالة التي وقعت فيها الجراحة، ولم ينالوا من مرافق الحياة شيئا م: (والارتثاث) ش: الذي يوجب غسل القتيل م: (أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يداوى أو ينقل من المعركة حيا) ش: أو يصلي أو يتكلم بكلمة في رواية ابن سماعة عن أبي يوسف. وفي رواية عنه أنه يزيد على كلمة. وفي " البدائع " أو باع أو ابتاع أو تكلم بكلام طويل، وذكر ابن سماعة أن إكثار الكلام بمنزلة الأكل م: (لأنه نال بعض مرافق الحياة) ش: بمباشرة شيء من الأشياء المذكورة.
م: (وشهداء أحد ماتوا عطاشا والكأس) ش: أي كأس الماء م: (تدار عليهم فلم يقبلوا) ش: قال الجوهري: والكأس كل إناء فيه شراب وهي مؤنثة م: (خوفا من نقصان الشهادة) ش: شرب الماء الذي هو من لوازم الأحياء حتى لا ينالوا من مرافق الدنيا. وفي " شرح المصطفى " لعبد الملك بن محمد النيسابوري عن خارجة بن زيد عن أبيه «أن رسول الله ﷺ يوم أحد أرسلني إلى سعد بن
стр. 1610
إلا إذا حمل من مصرعه كيلا تطأه الخيول؛ لأنه ما نال شيئا من الراحة، ولو آواه فسطاطا أو خيمة كان مرتثا لما بينا
ــ
[البناية]
الربيع، وقال: إن رأيته أقرئه السلام: وقل له: يقول لك رسول الله ﷺ : "كيف تجدك؟ " قال: جعلت أطوف بين القتلى حاصبة، وهو في آخر رمق وبه سبعون ضربة بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم، فقلت له: يا سعد: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام، ويقول لك: أخبرني كيف تجدك؟ قال: على رسول الله ﷺ وعليك السلام، قل له: يا رسول الله أجد رائحة الجنة. وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم إن وصل إلى رسول الله ﷺ وفيكم عين تطرف، وفاضت عيناه» .
وقال العلامة الكردري في قوله: "خوفا من نقصان الشهادة": قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] (التوبة: الآية ١١١) ، أخذ الشهيد بعض مرافقه للحياة، فكان هذا تصرفا في البيع قبل التسليم لتحقق النقصان في تسليم المبيع كما لو تصرف البائع في المبيع قبل التسليم، فإنه يسقط بعض الثمن أو يثبت للمشتري الخيار، ولهذا لو استشهد الصبي يغسل؛ لعدم أهليته للبيع عنه، وروى البيهقي في " شعب الإيمان " عن أبي جهيم بن حذيفة العدوي، قال: انقطعت يوم الرسول ابن عمي ومعي سقية ماء، فقلت: إن كان به رمق سقيته من الماء فوجدته ومسحت وجهه، فإذا به ينشع، فقلت: أسقيك؟ فأشار إلى جانبه فنظرت فإذا رجل يقول: آه، فأشار هشام ابن عمي أن انطلق إليه فإذا هو هشام بن العاص، فأتيته فقلت: أسقيك؟ فسمع آخر يقول: آه، فأشار هشام أن انطلق به إليه فجئته فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات.
م: (إلا إذا حمل من مصرعه كيلا تطأه الخيول؛ لأنه ما نال شيئا من الراحة) ش: الاستثناء من قوله بمن ارتث غسل، يعني لا يغسل في هذه الصورة فهو شهيد: قال الأترازي: فيه نظر؛ لأنا لا نسلم أن الحمل من المصراع ليس بنيل راحة.
قلت في نظره نظر؛ لأن الحمل من المصراع إنما يكون نيل راحة إذا كان لصرم القتال، ألا ترى إلى ما قال في " الذخيرة " ولو كانوا في معمعة القتال، فوجدوا جريحا فحملوه والقوم في القتال ثم مات فهو شهيد. قال الحاكم الشهيد: ومجرد حمله ورفعه من المعركة والقتال على حاله بعد لا يجعله مرتثا وإنما ارتثاثه بذلك بعدم تصرم القتال، وفي " التحفة " وفي " المحيط " و" المفيد " أو بقي يوما وليلة في المعركة.
م: (ولو آواه) ش: بالمد، أي لو ضمه، م: (فسطاط) ش: وهي الخيمة الكبيرة فيه ست لغات، ضم الفاء وكسره، وبالباء مكان الطاء الأولى، وتشديد السين بغير الطاء والباء مع ضم الفاء وكسرها، ذكرها ابن قتيبة م: (أو خيمة كان مرتثا) ش: فيغسل م: (لما بينا) ش: أراد به قوله؛ لأنه
стр. 1611
ولو بقي حيا حتى مضى عليه وقت صلاة وهو يعقل فهو مرتث؛ لأن تلك الصلاة صارت دينا في ذمته وهو من أحكام الأحياء، قال: وهذا مروي عن أبي يوسف ﵀ ولو أوصى بشيء من أمور الآخرة كان ارتثاثا عند أبي يوسف ﵀ لأنه ارتفاق، وعند محمد ﵀ لا يكون؛ لأنه من أحكام الأموات
ــ
[البناية]
نال مرافق الحياة.
م: (لو بقي حيا حتى مضى عليه وقت صلاة وهو يعقل فهو مرتث) ش: أي والحال أنه يعقل، واحترز به. أما إذا بقي مغمى عليه؛ لأنه لا يكون مرتثا، كذا روي عن أبي يوسف.
وفي " الذخيرة ": ذكر ابن سماعة أو مضى عليه وقت صلاة كاملة.
وفي " التحفة " أو مضى عليه وقت صلاة وهو يعقل، ويقدر على أدائها بالإيماء، حتى يجب القضاء بتركها.
وفي " المجتبى " والمراد بوقت الصلاة قدر ما تجب عليه الصلاة وتصير دينا في ذمته، وهو رواية عن أبي يوسف. وعندنا يوم وليلة، ولو كان مغمى عليه يوما وليلة لم يكن مرتثا. وعن محمد لو بقي في المعركة حيا يوما وليلة فهو مرتث وإن لم يعقل. وفي " نواد بشر " عن أبي يوسف إذا مكث الجريح في المعركة أكثر من يوم حيا والقوم في القتال وهو يعقل أو لا يعقل، فهو بمنزلة الشهيد.
قال الأترازي: إنه لو تأمل اليوم كله ثم خر ميتا من جراحه أصابته في أول النهار كان شهيدا، وإن تصرم القتال بينهم فهو جريح في المعركة فمكث وقت صلاة لا يكون شهيدا، وذكر الكرخي في "مختصره ": إن عاش في مكانه وهو لا يعقل لا يغسل، وإن زاد على يوم وليلة؛ لأنه لا ينتفع بحياته فكان كالميت.
م: (لأن تلك الصلاة صارت دينا في ذمته وهو) ش: أي كون الدين في ذمته م: (من أحكام الأحياء) ش: فيكون مرتثا فيغسل.
م: (قال) ش: أي المصنف ﵀: م: (وهذا مروي عن أبي يوسف) ش: وروي عن محمد مثل قول أبي يوسف، إلا أنه قال: إن عاش في مكانه يوما كان مرتثا، سواء كان عاقلا أو لم يكن، وإن كان أقل من ذلك، لم يكن مرتثا م: (ولو أوصى بشيء من أمور الآخرة كان ارتثاثا عنده) ش: أي عند أبي يوسف م: (لأنه ارتفاق) ش: بحصول الثواب.
م: (وعند محمد لا يكون ارتثاثا؛ لأنه من أحكام الأموات) ش: أي لا يعبأ بشيء من الأمور الآخرة من أحكام الأموات، وقال الصدر الشهيد في " الجامع الصغير ": قيل: الاختلاف فيما إذا أوصى بشيء من أمور الآخرة، أما إذا أوصى بشيء من أمور الدنيا كان ارتثاثا بالإجماع.
стр. 1612
ومن وجد قتيلا في المصر غسل؛ لأن الواجب فيه القسامة والدية فخف أثر الظلم إلا إذا علم أنه قتل بحديدة ظلما؛ لأن الواجب فيه القصاص وهو عقوبة، والقاتل لا يتخلص عنها ظاهرا إما في الدنيا وإما في العقبى، وعند أبي يوسف ﵀ ومحمد ﵀ ما لا يلبث بمنزلة السيف
ــ
[البناية]
وقال في " شرح الطحاوي ": قيل: إنه لا اختلاف فيما بينهما في الحقيقة. فجواب أبي يوسف خرج في الذي أوصى بأمور الدنيا. وجواب محمد خرج في الذي أوصى بأمور الآخرة، وقال أبو بكر الرازي: وإن كان أكثر من كلامه في وصيته، فطال غسل؛ لأن الوصية شيء من أمور الموت، فإذا طالت أشبهت أمور الدنيا.
م: (ومن وجد قتيلا في المصر غسل) ش: قيد بالمصر؛ لأنه لو وجد في مفازة ليس بقربها عمران لا يجب فيه قسامة ولا دية ولا يغسل لو وجد به أثر القتل م: (لأن الواجب فيه القسامة والدية فخف أثر الظلم) ش: فلم يكن في معنى شهداء أحد فيغسل م: (إلا إذا علم أنه قتل بحديدة ظلما) ش: هذا الاستثناء من قوله "غسل" يعني لا يغسل القتيل في المصر إذا علم أنه قتل بحديدة ظلما مظلوما، ولكن هذا فيما إذا علم قاتله لوجوب القصاص.
أما إذا لم يعلم قاتله فيغسل، وإن قتل بحديدة؛ لأنه ليس فيه معنى شهداء أحد، لأنه إذا لم يعمل قاتله يجب القسامة والدية. وعند الشافعي: يغسل القتيل في المصر، وإن قتل بحديدة وإن عرف قاتله لوجوب القصاص، وهو بدل الدم كالدية وكذا ما قاله المصنف بقوله:
م: (لأن الواجب فيه القصاص وهو عقوبة) ش: إما في الدنيا إن وجد، وإما في الآخرة إن لم يوجد م: (والقاتل لا يتخلص عنها) ش: أي عن العقوبة م: (ظاهرا) ش: من حيث ظاهر الأمر م: (إما في الدنيا) ش: إن وجد م: (وإما في العقبى) ش: إن لم يوجد كما ذكرنا، والقصاص عقوبة وليس بعوض حتى يخفف أثر الظلم، وإن كان عوضها لكن نفعه يعود إلى الورثة لا له فلم ينتفع الميت به، بخلاف الدية، فإن نفعها يعود إليه حتى يقضي منها ديته وينفذ وصاياه، كذا في " مبسوط فخر الإسلام "، والسر فيه أن وجوب المال دون القصاص دليل صفة الحياة، بدلالة أن المال يثبت بالشبهة، والقصاص دليل صفة الجناية؛ لأن المال يثبت بالشبهة والقصاص يجب الشبهة.
م: (وعنده أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - ما لا يلبث بمنزلة السيف) ش: أراد بهذا أنه لا يشترط في القتيل وجد في المصر أن يقتل بالحديد عندهما، بل ما لا يلبث في الباب مثل الثقل من الحجر، والخشب مثل السيف عندهما؛ حتى لا يغسل القتيل ظلما في المصر إذا علم قاتله، وعلم أنه قتل بالمثقل لوجوب القصاص عندهما، وعند أبي حنيفة ﵁ لا يجب القصاص في القتل بالمثقل؛ لأنه لو وجب فلا يخلو إما أن يستوفي دما أو جرحا فلا يجوز الأول؛ لقوله ﷺ : «إلا بالسيف» ولا يجوز المال في اللزوم لزيادة، والقصاص مبناه على المماثلة م:
стр. 1613
ويعرف في الجنايات إن شاء الله تعالى،
ومن قتل في حد أو قصاص غسل وصلي عليه؛ لأنه باذل نفسه لإيفاء حق مستحق عليه، وشهداء أحد بذلوا أنفسهم لابتغاء مرضاة الله تعالى فلا يلحق بهم.
ومن قتل من البغاة أو قطاع الطريق لم يصل عليه،
ــ
[البناية]
(ويعرف ذلك في الجنايات إن شاء الله تعالى) ش: أي يعرف حكم عدم القصاص عند أبي حنيفة ﵁ خلافا لهما في كتاب الجنايات على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
[تغسيل من قتل في حد أو قصاص]
م: (ومن قتل في حد أو قصاص غسل وصلي عليه) ش: هذا بالإجماع، إلا أن مالكا يقول: لم يصل الإمام على المرجوم والمقتول قصاصا، وصلى على غيره؛ لأنه ﷺ لم يصل على عاص وصلى عليه غيره. وقال الزهري: لا يصلى على المرجوم أصلا م: (لأنه) ش: أي لأن المقتول في الحد أو القصاص م: (باذل نفسه لإيفاء حق مستحق عليه) ش: أي واجب عليه م: (وشهداء أحد بذلوا أنفسهم لابتغاء مرضاة الله تعالى) ش: أي بطلب رضى الله من غير أن يكون عليهم حق م: (فلا يلحق بهم) ش: أي بشهداء أحد في ترك الغسل، وأما ماعز ففي رواية البخاري أنه ﷺ صلى عليه، وفي " الصحيح " أنه ﷺ صلى على المرجومة في الزنا، ومن قتل في تعزيز، أو عدا على قوم فقتلوه يغسل؛ لأنه ظلم نفسه فلا يكون شهيدا.
[تغسيل من مات من البغاة]
م: (ومن قتل من البغاة) ش: بضم الباء الموحدة جمع باغ كقضاة جمع قاض، وهو الذي يخرج عن طاعة الإمام، وأصل البغي مجاوزة حد م: (أو قطاع الطريق لم يصل عليه) ش: وفي " الذخيرة " عن محمد قاطع الطريق لا يصلى عليه سواء قتل في الحرب أو قتله الإمام حدا، وفي " الملتقطات ": أو قتلوه بعد ما وضعت الحرب أوزارها صلي عليهم، يعني البغاة، وكذا قطاع الطريق إذا قتلوا بعد ثبوت يد الإمام عليهم. وإنما لا يصلى عليهم إذا قتلوا في حال المحاربة والحرب. وفي " الذخيرة " ذكر الصدر الشهيد في " الواقعات " إن قتلوا في الحرب لا يصلى عليهم، وإن قتلوا بعدما وضعت الحرب أوزارها صلي عليهم، وكذا قطاع الطريق مثلما ذكر في " الملتقطات ".
قال أبو الليث: وبه نأخذ، ولم يذكر أنهم هل يغسلون. وذكر نجم الدين النسفي اختلاف المشايخ قيل: يغسلون للفرق بينهم وبين الشهداء. وحكم المقتول بالمعصية حكم الباغي ومن قتل أبويه لا يصلى عليه؛ إهانة له، ذكره في " جوامع الفقه ". ومن قتل نفسه خطأ بأن قصد رجلا من العدو ليضربه بالسيف فأخطأ، وأصاب نفسه يغسل ويصلى عليه بلا خلاف. ومن قتل نفسه بحديدة ظلما ذكر الصدر الشهيد في " الجامع الصغير " أنه يغسل ويصلى عليه عند أبي حنيفة ﵁ ومحمد بخلاف الباغي.
وفي " شرح السير " أن فيه اختلاف المشايخ، قال شمس الأئمة الحلوائي: الأصح أنه يصلى عليه. وقال القاضي أبو الحسن السعدي: إنه لا يصلى عليه؛ لأنه باغ على نفسه، وذكر
стр. 1614
لأن عليا ﵁ لم يصل على البغاة.
ــ
[البناية]
السروجي ومن قتل نفسه أو قتل من المغنم يغسل ويصلى عليه. وقال مالك والشافعي وداود وأحمد ﵏ لا يصلي عليه الإمام؛ لأنه باغ على نفسه، وذكر السروجي ويصلي عليه بقية الناس. وقال الأوزاعي وعمر بن عبد العزيز: لا يصلى عليه، وهو رواية عن أصحابنا ويغسل، وكذا الزنا ويصلى عليه عند جميع أهل العلم خلافا لقتادة وأهل البغاة، فعند الشافعي يغسلون ويصلى عليهم.
واختلف أصحاب أحمد في ذلك، ودليلنا فيه ما أشار إليه المصنف بقوله م: (لأن عليا ﵁ لم يصل على البغاة) ش: ذكر ابن سعد في " الطبقات " قضية أهل النهروان وليس فيها ذكر الصلاة، ولفظه قال: لما كان بين علي ومعاوية ما كان وقع بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين، ورجع علي ﵁ إلى الكوفة خرجت عليه الخوارج عن أصحابه بحروراء؛ لذلك سموا الحرورية، فأرسل إليهم عبد الله بن عباس فخاصمهم وحاجهم فرجع منهم كثير، وثبت آخرون على رأيهم، وساروا إلى نهروان، وقتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت فسار إليهم علي ﵁ فقاتلهم بالنهراون، وقتل ذا الثدية، وذلك سنة ثمان وثلاثين، ثم رجع علي ﵁ إلى الكوفة فلم يزالوا يخافون عليه من الخوارج حتى قتل ﵁.
وقال السروجي: ولنا أن عليا ﵁ لم يغسل أهل النهروان ولم يصل عليهم فقيل له أكفار هم؟ فقال: لا؛ إخواننا بغوا عينا فقاتلناهم، ذلك عقوبة لهم ليكون زجرا لغيرهم كالمصلوب يتحرك على خشبة عقوبة له وزجرا لغيره.
١ -
فروع: إذا قتل الباغي في المعركة للكافر لا يغسل ولا يصلى عليه. وكذا الذي يقتل بالحتف عليه، رواه أبو يوسف عن أبي حنيفة ﵁. وفي " الخلاصة ": حكم من قتل بالبغي في الأرض بالفساد، كالمكابرين، والخناق الذي خنق غيره مرة، والمقتولين بالمعصية حكم أهل البغي وقطاع الطريق، وحكم من قتل مسمى لا يوصف بالظلم، كما إذا افترسه السبع أو سقط عليه البناء، أو سقط من شاهق جبل، أو سال عليه الوادي وغرق في الماء حكم المقتول برجم أو قصاص، ومن قتل في المصر ليلا بسلاح أو غير سلاح نهارا، أو خارج المصر بسلاح أو غيره ولم يجب دية فيكون شهيدا عندنا، وإلا فلا.
стр. 1615
باب الصلاة في الكعبة الصلاة في الكعبة جائزة فرضها ونفلها، خلافا للشافعي ﵀ فيهما.
ــ
[البناية]
[باب الصلاة في الكعبة] [حكم الصلاة في الكعبة]
م: (باب الصلاة في الكعبة) ش: أي هذا باب في بيان أحكام الصلاة في الكعبة، وهي اسم للبيت الحرام، وسمي البيت الحرام بذلك لتربعه من قولهم: برد مكعب إذا كان فيه شيء مربع. ولما كانت الصلاة فيها مخالفة لسائر الصلوات من حيث جواز الصلاة فيها بالتوجه إلى الجهات الأربع قصدا، بخلاف غيرها، وصارت كأنها جنس آخر أجزأها عنهما، كذلك لقلة دورها بالنسبة إلى غيرها، ولكون مساس الحاجة إلى غيرها أكثر.
وأما وجه المناسبة في ذكرها عقيب باب الجنائز هو أن البيت ضامن الأمن من دخله بالنص، فكذلك القبر ضامن الميت.
م: (الصلاة في الكعبة جائزة فرضها ونفلها) ش: ارتفاع فرضها ونفلها بالبدلية من الصلاة بدل الاشتمال، وبقولنا: قال جماعة من السلف: منهم الثوري والشافعي أيضا، وقول المصنف م: (خلافا للشافعي فيهما) ش: أي في الفرض والنفل ليس كما ينبغي. قال السغناقي: كأن هذا اللفظ وقع سهوا من الكاتب، فإن الشافعي يرى جواز الصلاة في الكعبة فرضها ونفلها، كذا أورده أصحابه في كتبهم عن " الوجيز " و" الخلاصة " ," والذخيرة " وغيرها، ولم يرد أحد من علمائنا أيضا هذا الخلاف فيما عندي من الكتب " كالمبسوط " و" الأسرار " و" الإيضاح " و" المحيط " و" شروح الجامع الصغير " وغيرها ما خلا أنه يشترط السترة المتصلة بالأرض اتصال قرار إذا كان المصلي في عرصة الكعبة كالحجر والشجر.
قلت: ذكر في " الوجيز " لو انهدمت الكعبة -والعياذ بالله- تصح صلاته خارج الكعبة متوجها إليها كمن صلى على جبل أبي قبيس والكعبة تحته، ولو صلى فيها لم يجز إلا أن يكون بين يديه شجرة أو يقيه حائط، والواقف على سطحها كالواقف في العرصة، فلو وضع شيئا لا يجزئه، ولو غرز خشبة فيه وجهان وفي " الخلاصة " للغزالي: تجوز الصلاة في الكعبة إلى بعض ثباتها. وقال الإمام برهان السمرقندي في جواب ما قاله السغناقي: بأن تزاد أصحاب الشافعي في كتبهم جواز الصلاة فيها لا يدل على أن عدم الجواز ليس قوله كما في كثير من المسائل، وعدم إيراد أصحابنا علمائنا لا يدل على ذلك أيضا، ومن له أدنى مسكة من العقل إذا تأمل ذلك لاح له بلا ريب بطلان قول هذا القائل.
وقال الشيخ الإمام عبد العزيز في الرد عليه: الصحيح ما ذكره السغناقي؛ فإن اتفاق أصحابه على إيراد الجواز في كتبهم وتعريفاتهم، واتفاق أصحابنا على عدم إيراد الخلاف في كتبنا يدل على عدم الخلاف مع اجتهاد كل فريق في بيان الخلاف، وجهدهم في بيان الأقوال لدفع شبهة
следующие страницы →