Полный текст (7 019 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
بصوم رمضان لا يقوم بكل صوم،
بخلاف يوم العيد لأن المنهي عنه وهو ترك الإجابة يلازم كل صوم، والكراهة هنا لصورة النهي. والثالث: أن ينوي التطوع وهو غير مكروه لما روينا، وهو حجة على الشافعي ﵀ في قوله: يكره على سبيل الابتداء، والمراد بقوله ﷺ «لا
ــ
[البناية]
يوم ولا بصوم يومين» ، رواه الأئمة الستة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ .
م: (بصوم رمضان لا يقوم بكل صوم) ش: [قوله - لا يقوم بكل صوم -] خبر لقوله لأن المنهي عنه، وقوله - وهو التقدم على رمضان بصوم رمضان - عليه معترضة، وقوله - لا يقوم بكل صوم - لا يوجد بكل صوم بل يوجد بصوم رمضان، هذا والمراد من القيام الوجود تقديره ما ذكرناه في " الجامع البرهاني " غير الصوم ليس بمنهي عنه، لأن الوقت وقت الصوم والإنسان لا ينهى عن الصوم في وقته، فالنهي أحد الشيئين، أما أداء صوم رمضان أو الزيادة على ما شرع، وهذا لا يوجد بكل صوم، وإنما يوجد بصوم رمضان.
وكان ينبغي أن لا يكره واجب آخر، لأنا أثبتنا نوع الكراهة لأنه مثل رمضان في الفرضية، أو لعموم قوله ﷺ لا يصام اليوم.. الحديث. فلا يؤثر في نفس الصوم بالنقصان، فيصلح لإسقاط [ما وجب عليه كالصلاة في الأرض المغصوبة، فإنه لا يؤثر كراهيتها في إسقاط القضاء] .
م: (بخلاف يوم العيد) ش: أي بخلاف صوم يوم العيد، فإن الصوم فيه مكروه بأي صوم كان، وهو معنى قوله م: (لأن المنهي عنه وهو ترك الإجابة) ش: إلى دعوة الله تعالى م: (يلازم كل صوم) ش: أي يحصل بكل صوم من صوم التطوع أو القضاء أو الكفارة م: (والكراهة هنا لصورة النهي) ش: هذا جواب عما يقال، فعلى هذا كان الواجب أن يكون صوم واجب آخر مكروهاً فأجاب بقوله والكراهة هنا صورة النهي، وهو قوله ﷺ «لا يصام اليوم الذي يشك فيه» .. الحديث م: (والثالث) ش: أي الوجه الثالث من الوجوه الخمسة م: (أن ينوي التطوع) ش: أي يصوم في يوم الشك م: (وهو غير مكروه لما روينا) ش: وهو قوله ﷺ إلا تطوعاً، وبه قال مالك ﵀ م: (وهو حجة على الشافعي ﵀ في قوله: يكره على سبيل الابتداء) ش: يعني بأن لا يكون له عادة صوم يوم الخميس مثلاً، ما [إذا] اتفق يوم الخميس كونه يوم الشك، فيكره صومه حينئذ، وأما إذا وافق عادة له فلا يكره. واستدل على ذلك بقوله ﷺ «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا بصوم يومين إلا أن يكون صوم يصومه رجل فليصم ذلك اليوم» . وهذا نص على الجواز، وأجاب المصنف عن هذا بقوله م: (والمراد بقوله ﷺ «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا بصوم يومين» الحديث) ش: يعني أتم الحديث وتمامه ما ذكرناه الآن.
стр. 1857
تتقدموا رمضان بصوم يوم ولا بصوم يومين» ، الحديث التقدم بصوم رمضان لأنه يؤديه قبل أوانه،
ثم إن وافق صوما كان يصومه فالصوم أفضل بالإجماع، وكذا إذا صام ثلاثة أيام من آخر الشهر فصاعدا.
ــ
[البناية]
وقوله - والمراد - مبتدأ، وقوله المقدم بصوم رمضان - خبره م: ( [التقدم بصوم رمضان] لأنه يؤديه قبل أوانه) ش: أي قبل وقته، لأن فيه تقديم الحكم على السبب وهو باطل، والدليل على ذلك، أن ما قبل الشهر وقت التطوع لا لصوم الشهر فلا يتصور التقدم بالتطوع.
فإن قلت: صوم رمضان هو ما يقع فيه فكيف يتصور التقدم فيه أجيب بأن معناه أن ينوي الفرض قبل الشهر، وهذا كما يقال مثلاً قدم صلاة الظهر على وقته، فإن معناها نواها قبل دخول وقتها.
وقال مخرج أحاديث الهداية بعد ذكر الحديث المذكور وآخر الحديث به تأويل صاحب الكتاب يعني الهداية، فإنه أسند للشافعي ﵀.
م: (ثم إن وافق صوماً كان يصومه) ش: على سبيل العادة، بأن كان اعتاد يوم الخميس مثلاً فوافق يوم الشك يوم الخميس م: (فالصوم أفضل بالإجماع، وكذا إذا صام ثلاثة أيام من آخر الشهر) ش: أي شهر شعبان م: (فصاعداً) ش: أي أكثر من ثلاثة أيام، وانتصابه على الحال.
وقال الشافعي ﵀: يكره التطوع إذا انتصف شعبان، لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» رواه أبو داود والترمذي والنسائي. قلت: يعارضه حديث عمران بن حصين «أن رسول الله ﷺ قال لرجل هل صمت من شهر شعبان شيئاً؟ قال لا، قال فإذا أفطرت فصم» ، رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، قال المنذري الصحيح أن سرار الشهر آخره، سمي بذلك لاستتار القمر فيه، وقال أحمد ﵀ حديث أبي هريرة الذي ذكره الشافعي ﵀ ليس بمحفوظ.
قال: وسألنا عبد الرحمن بن مهدي فلم يحدثني به قال وكان يتوفاه فأنكره من حديث العلاء، وفي رواية حرب عن أحمد هذا حديث منكر، وقال الحافظ أبو جعفر هذا على وجه الإشفاق على صوم رمضان لا لكراهته في صومه حتى لو علمنا أنه يحصل له ضعف في صومه منعناه.
قلت: وكيف وقد عارضه أحاديث عديدة صحاح، منها ما رواه البخاري عن أبي هريرة «كان رسول الله ﷺ يصوم شعبان كله وعنه كان رسول الله ﷺ يصومه إلا قليلاً» رواه مسلم.
ومنها ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ «لم
стр. 1858
وإن أفرده فقد قيل الفطر أفضل احترازا عن ظاهر النهي، وقد قيل الصوم أفضل اقتداء بعلي وعائشة ﵄ فإنهما كانا يصومانه.
والمختار أن يصوم المفتي بنفسه احتياطا، ويفتي العامة بالتلوم
ــ
[البناية]
يكن يصوم من السنة شهراً كاملاً إلا شعبان ورمضان» .
ومنها ما رواه الطحاوي ﵀ عن أسامة قال: «قال رسول الله ﷺ : هو شهر يغفل الناس عن صيامه، فدل على أن الصوم فيه أفضل من الصوم في غيره» .
م: (وإن أفرده) ش: يعني لم يوافق صوماً صومه م: (فقد قيل الفطر أفضل) ش: وهو قول محمد بن سلمة م: (احترازاً عن ظاهر النهي) ش: وهو قوله لا يصام اليوم الذي شك فيه الحديث.
م: (وقيل: الصوم أفضل) ش: وهو قول نصير بن يحيى م: (اقتداء بعائشة وعلي ﵄ فإنهما كانا يصومانه) ش: قال تاج الشريعة ﵀: أي يصومان يوم الشك من شعبان، وكانا يقولان لأن الصوم يوماً من شعبان أحب إلينا من أن نفطر يوماً من رمضان، وكذا ذكره الأكمل، وغيره. وقال مخرج الأحاديث هذا غريب، يعني لم يثبت على هذا الوجه، وفي التحقيق لابن الجوزي ﵁ مذهب علي وعائشة ﵄ أنه يجب صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دونه غيم ونحوه، قال: وهو أصح الروايتين عن أحمد ﵁ قال وعلى هذه الرواية لا يسمى يوم الشك بل هو من رمضان حكماً. وقال السروجي: وقد صح عن أكثر الصحابة ﵄ وأكثر التابعين ومن بعدهم كراهة صوم يوم الشك أنه من رمضان، منهم عمر، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس ﵃، وأبو وائل وابن المسيب وعكرمة، [والنخعي والأوزاعي والثوري والأئمة الأربعة وأبو عبيد] وأبو ثور وأبو إسحاق وجاء ما يدل على الجواز عن جماعة من الصحابة، وعن أبي مريم يقول: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: لأن أعجل في صوم رمضان يوما أحب إلي أن أتأخر لأني إذا تعجلت لم يفتني، وإذا تأخرت فاتني، ومثله عن عمرو بن العاص ﵁ وعن معاوية، لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان ويروى مثله عن عائشة ﵂ وأسماء بنت أبي بكر الصديق ﵃.
م: (والمختار أن يصوم المفتي بنفسه) ش: يعني خاصة دون أن يأمر غيره بالصوم وفي " جامع الكردري " والمختار أن يفتي الخواص بالصوم والعوام بالتلوم، والفرق بين الخاصة والعامة وهو كل من يعلم نية يوم الشك هو من الخواص وإلا فهو من العوام م: (احتياطاً) ش: أي لأجل الاحتياط عن وقوع الفطر في رمضان م: (ويفتي العامة بالتلوم) ش: أي بالانتظار.
стр. 1859
إلى وقت الزوال ثم بالإفطار نفيا للتهمة.
والرابع: أن يضجع في أصل النية
ــ
[البناية]
م: (إلى وقت الزوال) ش: أي إلى وقت زوال الشمس من كبد السماء، أي لم يفت بالإفطار م: (ثم بالإفطار نفياً للتهمة) ش: قال السغناقي ﵀ ثم [الكاكي] أي تهمة الروافض، وفي الفوائد الظهيرية لا خلاف بين أهل السنة أنه لا يصام يوم الشك بنية رمضان.
وقال الروافض: يجب صومه. وقال الكاكي: أو [نفياً] لتهم الزيادة في رمضان، لأنه لو أفتى للعوام ربما يقع في صلاتهم توهم جواز الزيادة على رمضان؛ لأنهم لا يميزون بين رمضان وغيره، وذكر الإمام الكاشاني: أنه لو أفتى العوام بأداء النفل فيه عسى أن يقع عندهم أنه خالف رسول الله ﷺ : حيث نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم الشك، أو يقع عندهم لما جاز النفل يجوز الفرض أولى، لأنه أهم، ولا ينبغي لهم أن يصوموا لذلك نفياً للاتهام.
وذكر فخر الإسلام ﵀: في هذا حكاية أبي يوسف ﵀ وهو ما روى أسد بن عمرو أنه قال: أتيت باب الرشيد، فأقبل أبو يوسف القاضي ﵀ وعليه عمامة سوداء وخف أسود وهو راكب فرس أسود عليها سرج أسود ولبد أسود، وما عليه شيء من البياض إلا لحيته البيضاء وهو يوم الشك، فأفتى الناس بالفطر، فقلت له أو مفطر أنت؟ فقال: ادن إلي قال لي: إني إذن صائم، وإنما يفتى بالفطر بعد التلوم، زماناً لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «أصبحوا يوم الشك مفطرين متلومين» .. " انتهى.
وفي بعض نسخ " الهداية " نفيا للتهمة، يعني تهمة العصيان الذي دل عليه قوله ﷺ : «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم» ، انتهى. ولا أدري هذا من المتن الذي ألفه المصنف أو كان حاشية فألحقها بعض النساخ بالمتن ولكن في [كلام مخرج الأحاديث ما يدل على أنه من المتن، حيث ذكر هذا الحديث] من جملة الأحاديث التي ذكرها في هذا الباب، ثم قال هذا غريب، والمعروف هذا من قول عمار بن ياسر ﵁.
أخرجه أصحاب السنن الأربعة في كتبهم عن أبي خالد الأصم عن عمرو بن عيسى الملائي، عن أبي إسحاق عن جبلة بن زفر قال كنا عند عمار في اليوم الذي شك فيه، فأتى بشاة صلية، فتنحى بعض القوم، فقال عمار ﵁ من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم ﷺ .
م: (والرابع) ش: أي الوجه الرابع م: (أن يضجع) ش: أي أن متردد من التضجيع بالضاد المعجمة والعين المهملة، يقال ضجع في الأمر [إذا] وهن وقصر، فأصله من الضجوع، وهو الضعف كذا ذكره المطرزي ﵀ وابن فارس، وفي المغرب [الضجع] في الأمر التردد فيه.
م: (في الأصل النية بأن ينوي أن يصوم غداً إن كان من رمضان، ولا يصومه إن كان من شعبان،
стр. 1860
بأن ينوي أن يصوم غداً إن كان رمضان، ولا يصومه إن كان شعبان، وفي هذا الوجه لا يصير صائماً لأنه لم يقطع عزيمته، فصار كما إذا نوى أنه إن وجد غداً غذاء يفطر وإن لم يجد يصوم. والخامس: أن يضجع في وصف النية بأن ينوي إن كان غداً من رمضان يصوم عنه، وإن كان من شعبان فعن واجب آخر، وهذا مكروه، لتردده بين أمرين مكروهين، ثم إن ظهر أنه من رمضان أجزأه لعدم التردد في أصل النية، وإن ظهر أنه من شعبان لا يجزئه عن واجب آخر لأن الجهة لم تثبت للتردد فيها، وأصل النية لا يكفيه، لكنه يكون تطوعاً غير مضمون بالقضاء لشروعه فيه مسقطاً لا ملزماً. والسادس: وإن نوى عن رمضان إن كان غداً منه وعن التطوع إن كان غداً من شعبان يكره، لأنه ناو للفرض من وجه، ثم إن ظهر أنه من رمضان أجزأه عنه لما مر، وإن ظهر أنه من شعبان جاز عن نفله.
ــ
[البناية]
وفي هذا الوجه يصير صائماً؛ لأنه لم يقطع عزيمته) ش: أي لم يجزم بنيته م: (فصار) ش: أي صار حكم هذا م: (كما إذا نوى، أنه إن وجد غداً) ش: يعني في غد م: (غذاء يفطر، وإن لم يجد يصوم) ش: وكذا إن قال: إن وجدت سحوراً صمت، وإلا لا أصوم، فإنه لا يكون ناوياً.
م: (والخامس) ش: أي الوجه الخامس م: (أن يضجع في نصف النية بأن ينوي إن كان غداً من رمضان يوم عنه، وإن كان من شعبان فعن واجب آخر، وهذا مكروه، لتردده بين أمرين مكروهين) ش: وهما صوم رمضان وصوم واجب آخر م: (ثم إن ظهر أنه من رمضان أجزأه) ش: أي عن رمضان.
م: (لعدم التردد في أصل النية) ش: لأن التردد كان في وصفها، ومن المشايخ من قال إذا ظهر أنه من رمضان لا يكون صائماً عن رمضان، روي ذلك عن محمد ﵀ م: (وإن ظهر [أنه] من شعبان لا يجزئه عن واجب آخر، لأن الجهة لم تثبت) ش: أي جهة واجب آخر لم تثبت م: (للتردد فيها، وأصل النية لا يكفيه) ش: لعدم التعيين [دونه] ، ولا بد منه م: (لكنه) ش: أي لكون صومه م: (يكون تطوعا) ش: موصوفاً بكونه م: (غير مضمون بالقضاء) ش: يعني إذا أفسده لم يلزمه القضاء م: (لشروعه فيه) ش: أي في هذا الصوم حال كونه م: (مسقطاً) ش: أحد الوجهين م: (لا ملزماً) ش: أي لا لشروعه حال كونه ملزماً، لأنه نوى عن رمضان أو عن واجب آخر على ظن أنه يسقط عن ذمته.
م: (والسادس) ش: أي الوجه السادس م: (إن نوى عن رمضان إن كان غداً منه وعن التطوع) ش: أي ونوى عن التطوع م: (إن كان غداً من شعبان يكره، لأنه ناو للفرض من وجه، ثم إن ظهر أنه من رمضان أجزأه عنه) ش: أي عن رمضان م: (لما مر) ش: أي من قوله لعدم التردد في أصل النية م: (وإن ظهر أنه من شعبان جاز عن نفله لأنه) ش: أي لأن النفل.
стр. 1861
لأنه يتأدى بأصل النية، ولو أفسده يجب أن لا يقضيه لدخول الإسقاط في عزيمته من وجه. ومن رأى هلال رمضان وحده صام وإن لم يقبل الإمام شهادته لقوله ﵊: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» وقد رأى ظاهرا. وإن أفطر فعليه القضاء دون الكفارة. وقال الشافعي ﵀: عليه الكفارة إن أفطر بالوقاع لأنه أفطر في رمضان حقيقة تيقنه به
ــ
[البناية]
م: (يتأدى بأصل النية) ش: لأن أصل النية كاف للجواز م: (ولو أفسده يجب أن لا يقضيه لدخول الإسقاط في عزيمته من وجه) ش: لأن القضاء إنما يجب إذا جزم نفسه وهنا لم يجزم به وذكر المصنف ﵀ هنا ستة وجوه وبقي وجه آخر وهو أن ينوي الفطر فيه ثم تبين قبل الزوال أنه من رمضان، فنوى الصوم فإنه يجزئه.
وفي شرح " المهذب للنووي " ﵀: إذا قال: أصوم غداً من رمضان إن كان منه، وإلا فأنا مفطر أو متطوع لم يجزئه عن رمضان إذا بان أنه منه. وقال المزني: يجزئه عن رمضان.
م: (ومن رأى هلال رمضان وحده) ش: أي حال كونه وحده م: (صام وإن لم يقبل الإمام شهادته لقوله ﵊: «صوموا لرؤيته» ش: [و] هذا قطعة من حديث أخرجه البخاري ﵀ ومسلم عن أبي هريرة وقد مر م: (وقد رأى ظاهراً) ش: لأنه يفيد العلم في حقه، وقال الحسن البصري وابن سيرين وعطاء وعثمان البتي وإسحاق بن راهويه وأبو ثور لا يصوم إلا مع الإمام، ولم يذكر هل الإمام تقبل شهادته أم لا؟
قال في " التحفة ": يجب على الإمام رد شهادته لتهمة الفسق إن كان بالسماء علة، والتفرد إن لم يكن بها علة، وإن كان عدلاً. وفي " البدائع " إذا رأى الهلال وحده ورد الإمام شهادته. قال المحققون من مشايخنا لا رواية في وجوب الصوم عليه، وإنما الرواية أنه يصوم، وهو محمول على الندب احتياطاً، وفي " التحفة ": يجب عليه.
وفي " المبسوط ": عليه صومه وعن أبي حنيفة ﵁ يقبل الإمام شهادته لأنه اجتمع في شهادته ما يوجب القبول وهو العدالة والإسلام وما يوجب الرد وهو مخالفة الظاهر فيترجح ما يوجب القبول احتياطاً لأنه إذا صام يوماً من شعبان كان خيراً من أن يفطر من رمضان
وفي " المبسوط ": إنما يرد الإمام شهادته إذا كانت السماء مصحية وهو من أهل المصر، وأما إذا كانت مغيمة أو جاء من خارج المصر من مكان مرتفع تقبل شهادته م: (فإن أفطر فعليه القضاء دون الكفارة) ش: [سواء كان إفطاره بالأكل والشرب والجماع.
م: (وقال الشافعي ﵀: عليه الكفارة) إن أفطر بالوقاع) ش: أي الجماع، وبه قال مالك وأحمد ﵄ م: (لأنه أفطر في رمضان حقيقة لتيقنه [به] ) ش: أي برمضان إذ لا طريق لليقين أقوى من الرؤية وشك غيره لا يعتبر.
стр. 1862
وحكما لوجوب الصوم عليه. ولنا أن القاضي رد شهادته بدليل شرعي وهو تهمة الغلط فأورث شبهة، وهذه الكفارة تندرئ بالشبهات، ولو أدى قبل أن يرد الإمام شهادته اختلف المشايخ فيه ولو أكمل من الرجل ثلاثين يوما لم يفطر إلا مع الإمام، لأن الوجوب عليه للاحتياط، والاحتياط بعد ذلك تأخير الإفطار، ولو أفطر لا كفارة عليه اعتبارا للحقيقة التي عنده.
قال: وإذا كان بالسماء علة قبل الإمام شهادة الواحد العدل في رؤية الهلال رجلا كان أو امرأة حرا
ــ
[البناية]
م: (وحكماً) ش: أي وأفطر أيضاً من حيث الحكم وذلك م: (لوجوب الصوم عليه) ش: لأن وجوب الصوم عليه بينه وبين ربه فكذلك وجوب الكفارة لأنه عبادة.
م: (ولنا أن القاضي رد شهادته بدليل شرعي، وهو تهمة الغلط) ش: فإنها مطلق القضاء يردها شرعاً كما في شهادة الفاسق، وهي هاهنا ركنه لأنه [لما] ينادي غيره في النظر ظاهراً والنظر وحدة البصر ودقة المرقي وبعد المسافة، فالظاهر عدم اختصاصه للرؤية من بين سائر الناس فيكون غالطاً م: (فأورث شبهة وهذه الكفارة تندرئ بالشبهات) ش: واحترز بقوله وهذه الكفارة يعني كفارة الفطر عن كفارة اليمين و [كفارة] الظهار، وإنما يندرئ بالشبهات بدليل عدم وجوبها على المعذور والمخطئ، كذا في " المبسوط ".
م: (ولو أدى قبل أن يرد الإمام شهادته اختلف المشايخ فيه) ش: أي في وجوب الكفارة، والصحيح أنه لا تجب الكفارة كذا في " فتاوى قاضي خان " ﵀ م: (ولو أكمل من الرجل) ش: وهو الذي رد الإمام شهادته م: (ثلاثين يوماً لم يفطر إلا مع الإمام، لأن الوجوب عليه للاحتياط) ش: أي لأن وجوب الصوم عليه بعد رد الإمام شهادته كان لأجل الاحتياط لكونه قد رأى. م: (والاحتياط بعد ذلك) ش: أي بعد وجوب الصوم عليه م: (تأخير الإفطار) ش: إذ أصل الغلط وقع له، كما روي في حديث عمر ﵁ أنه أمر الذي قال رأيت الهلال أن يمسح حاجبه بالماء، ثم قال أين الهلال؟ فقال فقدته، فقال شعرة قامت من حاجبك فحسبتها هلالاً.
م: (ولو أفطر لا كفارة عليه اعتباراً للحقيقة التي عنده) ش: وهي صوم ثلاثين يوماً بالرواية، وبقوله قال الليث، ومالك، وأحمد ﵃ وقال الشافعي ﵁: يفطر سراً، وكذا روي عن مالك ﵀.
[الحكم لو كان بالسماء علة وشهد برؤية الهلال واحد]
م: (قال: وإذا كان بالسماء علة قبل الإمام شهادة الواحد العدل في رؤية الهلال رجلاً كان أو امرأة، حراً كان أو عبداً لأنه أمر ديني) ش: يعني إذا أخبر عن أمر ديني وهو وجوب أداء الصوم على الناس، فيقبل خبره إذا لم يكذبه، لأنه إنما شق الغيم من موضع القمر فاتفقت رؤيته له دون غيره بخلاف ما إذا كانت السماء مصحية، لأن الظاهر يكذبه م: (فأشبه رواية الأخبار) ش: أي رواية الأحاديث وقول الواحد العدل في الديانات.
стр. 1863
كان أو عبدا، لأنه أمر ديني فأشبه رواية الأخبار ولهذا لا يختص لفظ الشهادة، وتشترط العدالة لأن قول الفاسق في الديانات غير مقبول، وتأويل قول الطحاوي ﵀ عدلا كان أو غير عدل أن يكون مستورا، والعلة غيم أو غبار.
ــ
[البناية]
م: (ولهذا) ش: أي ولكونه خبراً عن أمر ديني م: (لا يختص بلفظ الشهادة) ش: لأنها ملزمة لغيره بخلاف الأخبار لإلزامه بها نفسه، م: (وتشترط العدالة، لأن قول الفاسق في الديانات غير مقبول) ش: إذا لم يقبل مردود، لأن حكمه التوقف، قال الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] (الحجرات: الآية ٦) ، ولم يلزم منه الرد.
م: (وتأويل قول الطحاوي ﵀ عدلاً أو غير عدل) ش: هذا كأنه جواب عن إيراد على قوله قبل الإمام شهادة الواحد العدل، فأجاب بقوله وقول الطحاوي عدلاً أو غير عدل م: (أن يكون مستوراً) ش: يعني غير معروف العدالة في الباطن.
وفي " المجتبى ": قال بعض المشايخ: قول الطحاوي ﵀: عدلاً أو غير عدل لا يصح.
وفي " المحيط " و " الذخيرة ": هو غير ظاهر الرواية والمستور لا يقبل في ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵁ أنه لا يقبل وهو الصحيح. وفي التحفة تكفي العدالة الظاهرة.
وفي " الذخيرة ": وإن كان فاسقاً قبل، هذا أبعد لأن الصوم من باب الديانات لا من باب المعاملات. وفي " جوامع الفقه " قال الطحاوي ﵀: معناه العدل بحكم الإسلام، وقيل لو كان معناه ذلك لم يحتج إلى اشتراطها م: (والعلة غيم أو غبار) ش: كما شرط في قبول خبر الواحد العدل أن يكون في السماء علة فسرها بقوله والعلة غيم أو غبار في المطلع م: (أو نحوه) ش: نحو الدخان والضباب.
وفي " الذخيرة ": عن أبي جعفر الفقيه قبول خبر الواحد في رمضان سواء كان بالسماء علة أو لا.
وعن الحسن أنه قال يحتاج إلى شهادة رجلين أو رجل وامرأتين سواء كان في السماء علة أو لاً، وذكر القدوري أنه تقبل شهادة الواحد للصوم والسماء مصحية عن أبي حنيفة ﵁ خلافاً لهما.
وفي " الذخيرة ": بين كيفية التفسير عن أبي بكر محمد بن الفضل، قال إذا كانت السماء مصحية إنما تقبل شهادة الواحد إذا فسر وقال رأيت الهلال خارج البلدة في الصحراء أو يقول رأيته في البلدة بين خلل السحاب في وقت يدخل في السحاب ثم يتخلل، أما بدون التفسير فلا يقبل
стр. 1864
أو نحوه،
وفي إطلاق جواب الكتاب يدخل المحدود في القذف بعد ما تاب، وهو ظاهر الرواية لأنه خبر ديني. وعن أبي حنيفة ﵀ أنها لا تقبل لأنها شهادة من وجه، وكان الشافعي ﵀ في أحد قوليه يشترط المثنى والحجة عليه ما ذكرنا، وقد صح أن النبي ﷺ قبل شهادة الواحد في رؤية هلال رمضان.
ــ
[البناية]
لمكان التهمة.
وفي " المحيط ": ويكتفي أن يفسر جهة الرؤية، فإن احتمل رؤيته يقبل وإلا فلا.
م: (وفي إطلاق جواب الكتاب) ش: أي القدوري وهو قوله قبل الإمام شهادة الواحد العدل م: (يدخل المحدود في القذف بعدما تاب) ش: لأن الصحابة ﵃ قبلوا شهادة أبي بكرة في بعد ما حد في القذف كذا في " المبسوط " م: (وهو ظاهر الرواية لأنه خبر ديني) ش: أي عن أمر ديني وعن أبي حنيفة ﵀ أنها لا تقبل لأنها شهادة من وجه من حيث إنه يجب العمل به بعد القضاء، ومن حيث إنه يخص مجلس القاضي أو من حيث إنه يسقط العدالة فلا يقبل قوله، وإن تاب كسائر الحقوق.
م: (وكان الشافعي ﵀ في أحد قوليه يشترط المثنى) ش: أي شهادة الاثنين، وبه قال مالك، والأوزاعي، وأحمد ﵃: في رواية وأصح قولي الشافعي وقول أحمد ﵁ من قولنا.
وفي " السروجي " المذهب عند الشافعية ثبوته بعدل واحد، ولا فرق بين الغيم وعدمه عندهم لا يقبل قول العبد والمرأة في الأصح، ويقبل قول المستور في الأًصح، وشرط عطاء وعمر بن عبد العزيز المثنى م: (والحجة عليه) ش: أي على الشافعي ﵀ م: (ما ذكرناه) ش: وهو قوله لأنه أمر ديني.
م: (وقد صح أن النبي ﷺ قبل شهادة الواحد في رؤية هلال رمضان) ش: هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة، عن زائدة بن قدامة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄.
قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ : فقال: إني رأيت الهلال، قال: أتشهد أن لا إله إلا الله، قال: نعم، قال: أتشهد أن محمداً رسول الله، قال: نعم. قال يا بلال أذن في الناس فليصوموا» رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في " المستدرك "، وقال على شرط
стр. 1865
ثم إذا قبل الإمام شهادة الواحد وصاموا ثلاثين يوما لا يفطرون فيما روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ للاحتياط، ولأن الفطر لا يثبت بشهادة الواحد. وعن محمد ﵀ أنهم يفطرون
ــ
[البناية]
مسلم أنه احتج بسماك، والبخاري احتج بعكرمة، ولفظ، ابن خزيمة وابن حبان وابن ماجه قال يا رسول الله إني رأيت الهلال الليلة وعند الدارقطني ليلة رمضان، وفي لفظ لأبي داود رأيت الهلال يعني هلال رمضان.
وقال الترمذي: حديث ابن عباس فيه اختلاف، روى سفيان الثوري وغيره، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، [عن] النبي ﷺ : مرسلاً.
وقال شيخنا زين الدين ﵀: قول الترمذي إن سفيان وغيره رووه عن سماك، عن عكرمة مرسلاً فيه نظر من حيث إنه اختلف فيه على الثوري فرواه الفضل بن موسى الشيباني وأبو عاصم عن الثوري فذكر فيه ابن عباس وكذلك قوله وأكثر أصحاب مالك يروونه عن عكرمة عن النبي ﷺ : فيه نظر من حيث إنه رواه عن سماك موصولاً وزائدة والوليد بن أبي ثور وجابر بن إبراهيم الحلبي وحماد بن سلمة.
فحديث زائدة في " السنن الأربعة " و " صحيح ابن حبان " و " المستدرك "، وحديث الوليد عند أبي داود والترمذي [وحديث حازم عند أبي على الطوسي في الحكاية والدارقطني في سننه] وحديث حماد بن سلمة عند ابن عبد البر في " الاستذكار "، وفي هذا الباب حديث «عن ابن عمر أخرجه أبو داود، [و] قال يرى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ : إني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه» .
فإن قلت: أخرج الدارقطني عن حفص بن عمرو الأيلي حدثنا مسعر بن كدام وأبو عوانة، عن عبد الملك بن ميسرة «عن طاووس قال شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس ﵃ فجاء رجل واليها فشهد عنده برؤية هلال رمضان فسئل ابن عمر وابن عباس عن شهادته فأمره أن يجيزه، وقالا: إن رسول الله ﷺ لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين» .
قلت: قال الدارقطني تفرد به حفص بن عمر الأيلي وهو ضعيف.
م: (ثم إذا قبل الإمام شهادة الواحد وصاموا ثلاثين يوماً لا يفطرون) ش: يعني إذا لم يروا الهلال، وبه قال الشافعي ﵁[في] " الأم " م: (فيما روى الحسن عن أبي حنيفة للاحتياط) ش: لجواز أنه خيال لا هلال م: (ولأن الفطر لا يثبت بشهادة الواحد) ش: هذا ظاهر م: (وعن محمد) ش: فيما رواه ابن سماعة عنه م: (أنهم يفطرون) ش: وبه قال بعض أصحاب الشافعي ﵁.
стр. 1866
ويثبت الفطر بناء على ثبوت الرمضانية بشهادة الواحد، وإن كان لا يثبت بها ابتداء كاستحقاق الإرث بناء على النسب الثابت بشهادة القابلة
قال: وإذا لم تكن بالسماء علة لم تقبل الشهادة حتى يراه جمع كثير يقع العلم بخبرهم، لأن التفرد بالرؤية في مثل هذه الحالة يوهم الغلط فيجب التوقف حتى يكون جمعا كثيرا. بخلاف ما إذا كان بالسماء علة لأنه قد ينشق الغيم عن
ــ
[البناية]
وفي " السروجي ": وهو المذهب عند الشافعية، وقال الحلواني هذا إذا كانت السماء مصحية وإن كانت مغيمة يفطرون بلا خلاف، وبالاثنين يفطرون إذا كانت مغيمة بالاتفاق، وكذلك إذا كانت مصحية، وفي " الفوائد " ولد الإسلام [.....] لا يفطرون والأول أصح وفي " البدائع " بلا خلاف. (ويثبت الفطر بناء على ثبوت الرمضانية بشهادة الواحد، وإن كان لا يثبت بها ابتداء) ش: هذا جواب عن اعتراض ابن سماعة على محمد ﵀ حيث قال له هذا فطر بقول الواحد وأنت لا ترى بذلك.
والجواب عنه بأن الفطر يثبت بناء على ثبوت الرمضانية، والحكم بشهادة الواحد تبعاً ومقتضى لا مقصود، وإن كان لا يثبت بها أي هذه الشهادة ابتداء في ابتداء الأمر لأنه يجوز أن يثبت الشيء في ضمن غيره، وإن كان لا يثبت أصلا بنفسه.
م: (كاستحقاق الإرث، بناء على النسب الثابت بشهادة القابلة) ش: فإن الإرث لا يثبت بشهادة القابلة ابتداء ويثبت النسب بشهادتها ثم يثبت النسب بناء عليه وكوقف المنقول لا يجوز في ضمن وقف العقار وإن كان لا يجوز ابتداء وكبيع الشرب والطريق فيصحان في ضمن بيع الأرض، وإن لم يصحا ابتداءً وقياسه على شهادة القابلة إنما تصح على قولهما دون قول أبي حنيفة، كذا ذكره في " الإيضاح ".
م: (قال: وإذا لم تكن بالسماء علة لم تقبل الشهادة حتى يراه جمع كثير يقع العلم بخبرهم) ش: يعني في هلال رمضان، فكذا في هلال الفطر عند العلة بالسماء، وأراد بالعلم الشرعي وهو غلبة الظن لا العلم القطعي، قيل هو نظير قوله في الزيادات إذا كان مع رفيقه ماء وهو في الصلاة وعلم أنه يعطيه أو غلب على ظنه وأراد بالعلم طمأنينة القلب أو حقيقة العلم لا تتصور فيه. م: (لأن التفرد بالرؤية في مثل هذه الحالة) ش: وهي حالة كون العلة بالسماء م: (يوهم الغلط فيجب التوقف فيه) ش: وفي " المحيط " إن تفرد الواحد والاثنين يورث الرؤية فيه الغلط والكذب والتخيل، والمطالع لا تختلف إلا بالمسافة البعيدة الفاحشة م: (حتى يكون جمعاً كثيراً) ش: وكان القياس أن يقال حتى يكون جمع كثير، ولقد رجعت إلى نسخ الكل، جمعاً كثيراً يحتاج إلى تقدير وهو أن يقال حتى يكون القوم من الرائين جمعاً كثيراً، ويقدر نحو ذلك.
م: (بخلاف ما إذا كان بالسماء علة لأنه قد ينشق الغيم عن موضع القمر فيتفق للبعض من الناس النظر) ش: وفي المنافع قصد به أي صاحب الهداية السجع باعتبار ما يؤول إليه وإلا لا يسمى قمراً
стр. 1867
موضع القمر فيتفق للبعض من الناس النظر، ثم قيل في حد الكثير أهل المحلة. وعن أبي يوسف ﵀ خمسون رجلا اعتبارا بالقسامة ولا فرق بين أهل المصر، ومن ورد من خارج المصر،
وذكر الطحاوي ﵀ أنه تقبل شهادة الواحد إذا جاء من خارج المصر لقلة الموانع، وإليه الإشارة في كتاب الأسبيجابي، وكذا إذا كان على مكان مرتفع في المصر. قال:
ــ
[البناية]
إلا بعد ليلتين.
وفي " الصحاح " يسمى هلالاً إلى الثلاث م: (ثم قيل في حد الكثير أهل المحلة) ش: وأشار بهذا إلى بيان حد الكثير، الذي قاله حتى يراه جمع كثير، فقال حد الكثير أهل المحلة، ولا يكون أهل المحلة غالباً إلا جمع كثير.
م: (وعن أبي يوسف ﵀ خمسون رجلاً) ش: أي حد الجمع الكثير خمسون رجلاً م: (اعتباراً بالقسامة) ش: أي هو اعتبار بالقسامة، ويروى اعتبار بالقسامة بالنصب وهو الظاهر، وقيل مائة ذكرها في " خزانة الأكمل "، وعن أبي حفص الكبير أنه يعتبر ألوفاً، وقيل أربعة آلاف ببخارى، قيل وقيل خمسمائة ببلخ، قيل روي ذلك عن خلف، وكذا في هلال شوال، وذي الحجة كرمضان ذكره في الخزانة، وقيل يفوض ذلك إلى رأي الإمام أو القاضي، فإن استقر ذلك في قلبه قبل، وإلا فلا، وقيل هذا قول محمد ﵀ قلت ما أشبه هذا بقول أبي حنيفة في تفويضه إلى رأي المسلمين به، وما أبعد قول من اشترط أربعة آلاف، أو ألوفاً من الصواب، وعن محمد ﵀ يتواتر الخبر من كل جانب يحصل العلم به، وهذا روي عن أبي يوسف وعن أبي يوسف جماعة لا يتصور اجتماعهم على الكذب.
وفي " الخلاصة " مقدار القلة والكثرة مفوض إلى رأي الإمام.
وفي " البدائع " قيل ينبغي أن يكون من كل مسجد واحد أو اثنان. وقيل من كل جماعة رجل أو رجلان م: (ولا فرق) ش: أي [في] عدم القول م: (بين أهل المصر، ومن ورد من خارج المصر) ش: إذا لم تكن بالسماء علة.
م: (وذكر الطحاوي ﵀ أنه تقبل شهادة الواحد إذا جاء من خارج المصر لقلة الموانع) ش: وهي الغبار والدخان ونحوهما، لأن المطالع تختلف فيه بصفاء الهواء خارج المصر، وكذا كونه في مكان مرتفع في المصر م: (وإليه الإشارة في كتاب الأسبيجابي) ش: أي إلى ما ذكره [الطحاوي، وإليه] الإشارة في كتاب الأسبيجابي ولفظه: فإذا كان الذي يشهد بذلك في المصر ولا علة في السماء لم تقبل شهادته. ووجه الإشارة اليقين في الرواية يدل على نفي ما عداه، فكان تخصيصه بالمصر ونفي العلة في عدم قبول الشهادة دليلاً على قبولها إذا كان شاهد خارج المصر، أو كان في السماء علة م: (وكذا) ش: أي وكذا تقبل م: (إذا كان على مكان مرتفع في المصر. قال) ش: لعدم الموانع.
стр. 1868
ومن رأى هلال الفطر وحده لم يفطر احتياطا، وفي الصوم الاحتياط في الإيجاب. قال: وإذا كان بالسماء علة لم تقبل في هلال الفطر إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين لأنه تعلق به نفع العبد وهو الفطر فأشبه سائر حقوقه. والأضحى كالفطر في هذا في ظاهر الرواية وهو الأصح، خلافا لما روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه كهلال رمضان لأنه تعلق به نفع العباد وهو التوسع بلحوم الأضاحي. وإن لم يكن بالسماء علة لم تقبل إلا شهادة جماعة يقع العلم بخبرهم كما ذكرنا.
ــ
[البناية]
م: (ومن رأى هلال الفطر وحده لم يفطر احتياطاً) ش: لاحتمال كون ذلك اليوم من رمضان وتفرده بالنظر لا يخلو عن علة م: (وفي الصوم الاحتياط في الإيجاب) ش: أي الاحتياط في إيجاب الصوم عليه، وفي " خزانه الأكمل " وفي هلال شوال وحده لا يأكل ولا يروى أيضاً، وفي " المرغيناني " رأى هلال شوال وحده لا يفطر لمكان الاشتباه، وقيل الكل سواء كما قال الشافعي ﵁ ولو أفطر لا خلاف أن لا كفارة عليه. وفي " المحيط " ذكر شمس الأئمة [السرخسي] من رأى هلال الفطر وحده ولم يقبل القاضي شهادته ماذا يفعل، قال محمد بن سلمة ﵀ يمسك يومه ولا ينوي صومه، وقال أحمد ﵀ لا يحل أكله وقيل إن [....] أفطر ويأكل سراً.
م: (وإذا كان بالسماء علة لم تقبل في هلال الفطر إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين لأنه تعلق به نفع العبد وهو الفطر، فأشبه سائر حقوقه) ش: ويشترط في الرجلين الحرية وينبغي أن يشترط لفظ العبادة لنفع العبد كسائر حقوقه، وأما الدعوى فينبغي أن لا يشترط كما في عتق الأمة وطلاق الحرة عند الكل وعتق العبد عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله -.
وأما على قياس قول أبي حنيفة ﵁ فينبغي أن تشترط الدعوى كما في عتق العبد عنده، ولا تقبل شهادة المحدود في القذف، وإن تاب وكذا العبد والأمة وهو قول أبي حنيفة ﵀ والشافعي ﵀ في اعتبار لفظ الشهادة وجهان، وعند الشافعي ومالك وأحمد ﵀ يقبل قول الاثنين سواء كانت السماء مصحية أو مغيمة في الفطر لأنه حجة شرعية تثبت بها الحقوق.
م: (والأضحى كالفطر في هذا) ش: أي في أنه لا يقبل إلا شهادة رجلين، كما لا يقبل على هلال شوال م: (في ظاهر الرواية وهو الأصح) ش: أي ظاهر الرواية هو الأصح م: (خلافاً لما روي عن أبي حنيفة أنه كهلال رمضان) ش: أي في قبول شهادة الواحد العدل كما في هلال رمضان.
م: (لأنه تعلق به نفع العباد، وهو التوسع بلحوم الأضاحي) ش: هذا التعليل لظاهر الرواية الذي هو الأصح م: (وإن لم يكن بالسماء علة) ش: يعني في هلال الفطر م: (لم تقبل إلا شهادة جماعة يقع العلم بخبرهم كما ذكرنا) ش: أشار به إلى قوله لأن التفرد بالرؤية في مثل هذه الحالة إلى
стр. 1869
قال: ووقت الصوم من حين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]
ــ
[البناية]
آخره.
[تعريف الصوم ووقته]
م: (قال: ووقت الصوم من حين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى أن قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (البقرة: الآية ١٨٧) والخيطان بياض النهار وسواد الليل) ش: هذا قول فقهاء الأمصار وقد كان وقت الصوم في الابتداء من حين يصلي العشاء أو ينام، وهذا كان في شريعة من قبلنا، فخفف الله عن هذه الأمة وجعل أول وقته من حين طلوع الفجر بقوله تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧] (سورة البقرة: الآية ١٨٧) وكان الأعمش ﵁ يقول أول وقت الصوم إذا طلعت الشمس ونسخ الأكل والشرب بعد طلوع الشمس.
وفي " الدراية " هذا غلط فاحش لا يعتد بخلافه، وذلك لأنه مخالف لنص القرآن، وقال ابن قدامة ﵁ لم يخرج أحد على قوله: وقال السروجي ﵀ قد نقل عن جماعة من السلف بموافقته، «وعن زر قلت لحذيفة أي ساعة تسحرت مع رسول الله ﷺ : قال هي النهار إلا أن الشمس لم تطلع» رواه النسائي، وعن حذيفة أنه لما طلع الفجر [تسحر، وعن ابن مسعود مثله، وقال مسروق لم يكونوا يعدون الفجر] فجركم، وإنما كانوا يعدون الفجر إلي يملاً البيوت والطريق قوله من حين طلوع الفجر، قال صاحب " المنافع "، حين بكسر النون لأنه معرب، وإضافته إلى الفرد لا يجوز بناؤه بخلاف قول النابغة الزبياني:
على حين عانيت السبب على الصبي
فإن المختار فيه بناؤه على الفتح لإضافته إلى الجملة، انتهى.
والظرف المضاف إلى الجملة يجوز بناؤه على الفتح والمضاف إلى الفعل المضارع لا يجوز بناؤه عند البصريين وإن كان جملة لأنه معرب بخلاف المضاف إلى الفعل الماضي، وإنما ذلك مذهب الكوفيين والفتحة في قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] (سورة المائدة: الآية ١١٩) ، فتحه إعراب عندهم وهو نصب على الظرفية ولا يجوز أن يكون مبنياً على الفتح ذكره الزمخشري في " الكشاف " بخلاف ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ﴾ [الانفطار: ١٩] لإضافته إلى الحرف.
وقال ابن مالك ﵀ فيه وجهان، فإن أضيف إلى الجملة الاسمية يعرب.
وقال ابن جني: يبنى قوله والخيطان تثنية خيط وهما بياض النهار وسواد الليل وقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] هو الذي بين أنها بياض النهار وسواد الليل لأنه نزل بعد «قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (سورة البقرة الآية: ١٨٧) ، وهذا لما سمع عدي بن حاتم
стр. 1870
إلى أن قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (البقرة: الآية ١٨٧) ، والخيطان بياض النهار وسواد الليل والصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع نهارا مع النية، لأنه في حقيقة اللغة: هو الإمساك لورود الاستعمال فيه إلا أنه زيد عليه النية في الشرع لتتميز بها العبادة من العادة، واختص بالنهار لما تلونا، ولأنه لما تعذر الوصال كان تعيين النهار أولى ليكون على خلاف العادة، وعليه مبنى العبادة
والطهارة عن الحيض والنفاس شرط لتحقق الأداء في حق النساء.
ــ
[البناية]
هذه الآية علق خيطين أحدهما أبيض والآخر أسود، وكان يأكل حتى يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود ففعل ذلك يوماً، فإذا الشمس طالعة فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره بذلك فتبسم النبي ﷺ : وقال إنك لعريض القفا، وفي رواية إن وسادتك لعريضة أي منامك طويل، وقال إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل» .
وفي " المجتبى " في مبسوط بكر اختلف المشايخ في أن العبرة لأول طلوع الفجر الثاني أم لاستطارته.
قال الحلواني: الأول أحوط والثاني أوسع، وفي " شرح الإرشاد " والباقي أصح والأول أحوط. م: (والصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع نهاراً مع النية) ش: قيل هذا منقوض طرداً وعكساً، أما عكساً فبأكل الناسي فإن صومه باق والإمساك فائت، وأما طرداً فمن أكل قبل طلوع الشمس بعد طلوع الفجر كما أن النهار [هو] اسم لزمان هو مع الشمس، وكذلك في الحائض النفساء فإن هذا المجموع موجود والصوم فائت، وأجيب عن الأول يمنع فوت الإمساك، لأن المراد بالإمساك الشرعي وهو موجود. وعن الثاني فإن المراد من النهار، النهار الشرعي وهو اليوم بالنص. وعن الثالث بأن بالحيض خرجت عن أهلية الأداء شرعاً، قلت هذا السؤال والجواب للشيخ الإمام العالم بدر الدين الكردري ﵀ م: (لأنه) ش: أي لأن الصوم م: (في حقيقة اللغة هو: الإمساك لورود الاستعمال) ش: في معنى الإمساك وقد مضى الكلام م: (فيه) ش: في أول الكتاب م: (إلا أنه) ش: أي إلا أن الإمساك م: (زيد عليه النية في [الشرع] لتتميز بها العبادة من العادة) ش: لأن النية هي الأصل في العبادة م: (واختص) ش: أي الصوم م: (بالنهار لما تلونا) ش: وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (البقرة: الآية ١٨٧) .
م: (ولأنه) ش: دليل عقلي م: (لما تعذر الوصال) ش: وهو وصل النهار بالليل في الصوم م: (كان تعيين النهار أولى ليكون على خلاف العادة) ش: لأن العادة في النهار الأكل والشرب م: (وعليه) ش: أي على خلاف العادة م: (مبنى العبادة) ش: لأن العبادة في نفسها مسألة وإتعاب النفس ليحصل الأجر، فلو كانت على العادة ما كان لها من ذلك شيء.
[الطهارة عن الحيض والنفاس من شروط الصوم]
م: (والطهارة عن الحيض والنفاس شرط لتحقق الأداء في حق النساء) ش: أي لتحقق أداء
стр. 1871
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الصوم لأن الحيض والنفاس منافيان للصوم لقوله ﵊: «إحداكن تقعد شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي» فلو كان الصوم مشروعاً معه لما قعدت بخلاف الجنابة حيث لا تمنع الصوم وهو قول عامة أهل العلم منهم علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وأبو ذر وابن عمر وابن عباس وعامر وأم سلمة ﵃.
وبه قال أصحابنا والثوري وأحمد ﵀ في أهل العراق والشافعي ومالك ﵀ في أهل الحجاز والأوزاعي في أهل الشام والليث بن سعد في أهل المصر وداود في اأهل الظاهر وإسحاق وأبو عبيد في أهل الحديث، وكان أبو هريرة ﵁ يقول: لا صوم له ويروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من أصبح جنباً فلا صوم له ثم رجع عنه» وقال سعيد بن المسيب: رجع أبو عبيدة عن فتواه بذلك، وحكي عن الحسن وسالم بن عبد الله أنه يتم صومه ويقضي. وعن النخعي: يقضي الفرض دون النفل. وعن عروة وطاووس: إن علم بجنابته في رمضان ولم يغتسل فهو مفطر وإن لم يعلم فهو صائم.
وقال الخطابي: حديث أبي هريرة منسوخ، والله أعلم، وبالله التوفيق.
стр. 1872
باب ما يوجب القضاء والكفارة قال: وإذا أكل الصائم أو شرب أو جامع نهارا ناسيا لم يفطر، والقياس أن يفطر، وهو قول مالك ﵀ لوجود ما يضاد الصوم فصار كالكلام ناسيا في الصلاة
ــ
[البناية]
[باب ما يوجب القضاء والكفارة] [الحكم لو أكل الصائم أو شرب أو جامع ناسياً]
م: (باب ما يوجب القضاء والكفارة) ش: أي هذا باب في بيان ما يوجب القضاء والكفارة على الصائم على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى، ولما فرغ من بيان الصوم وأنواعه شرع في بيان ما يجب عند إبطاله لأنه أمر عارض على الصوم فناسب أن يذكر مؤخراً.
م: (قال: وإذا أكل الصائم أو شرب أو جامع ناسياً) ش: أي حال كونه ناسياً م: (لم يفطر) ش: قال الكاكي لم يفطر بالتشديد والتخفيف، فعلى الأول يكون مسندا إلى الأكل [....] ، قلت: فيه تعسف لأنه يقال حينئذ الضمير في لم يفطر يرجع إلى الآكل الذي دل عليه أكل وكذا ينبغي أن يرجع إلى الشرب الذي دل عليه أو شرب والجماع الذي يدل عليه أو جامع فحينئذ ينبغي أن يقال لم يفطرن بنون الجمع، وهذا كله تكلف، والأحسن أن يكون الضمير في - لم يفطر - راجعاً إلى الصائم أي لم يفطر الصائم بالأشياء المذكورة في الأكل والشرب ناسياً لا يفطر عند جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم وهم علي بن أبي طالب وأبو هريرة وابن عمر وعطاء وطاووس ومجاهد والحسن البصري والحسن بن صالح وعبد الله بن الحسن وإبراهيم النخعي وأبو ثور وابن أبي ذئب والأوزاعي والثوري والشافعي ﵀ وإسحاق وأبو ثور وأحمد ﵀ والنخعي وابن المنذر.
وأما في الجماع ناسيا فهو مذهبنا. وهو قول مجاهد وإسحاق البصري والثوري والشافعي ﵏ وقال عطاء والأوزاعي والليث: عليه القضاء وقال أحمد ﵁ عليه القضاء والكفارة.
م: (والقياس أن يفطر وهو قول مالك ﵀) ش: وربيعة وابن علية وسعيد بن عبد العزيز م: (لوجود ما يضاد الصوم) ش: ووجود ما يضاد الشيء يقدم له الاستحالة وجود الضدين معا م: (فصار كالكلام ناسيا في الصلاة) ش: حيث تفسد صلاته.
م: (ووجه الاستحسان قوله ﵊) ش: أي قول النبي ﷺ م: (للذي أكل وشرب ناسيا: تم على صومك، فإنما أطعمك الله وسقاك) ش: هذا الحديث رواه الأئمة الستة في كتبهم من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ واللفظ لأبي داود، قال) ش: «جاء رجل إلى النبي ﷺ : " فقال يا رسول الله إني أكلت وشربت ناسياً وأنا صائم، فقال الله
стр. 1873
ووجه الاستحسان «قوله ﵊ للذي أكل وشرب ناسيا: " تم على صومك فإنما أطعمك الله وسقاك» وإذا ثبت هذا في حق الأكل والشرب ثبت في الوقاع للاستواء في الركنية، بخلاف الصلاة، لأن هيئة الصلاة مذكرة
فلا يغلب النسيان، ولا مذكر في الصوم
ــ
[البناية]
أطعمك وسقاك» انتهى.
وهو أقرب إلى لفظ المصنف ولفظ الباقين من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه.
ورواه ابن حبان والدارقطني [في " سننه «أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : فقال إني كنت صائماً فأكلت وشربت ناسياً فقال رسول الله ﷺ : أتمم صومك فإن الله أطعمك وسقاك» .
وزاد الدارقطني] فيه فلا قضاء عليه ولا كفارة. قوله: تم على صومك بكسر التاء المثناة من فوق وتشديد الميم المفتوحة أمر من تم يتم معناه أتمه وامض عليه واستتم، ويقال تم على أمره أمضاه، وتم على أمرك أمضه.
فإن قلت: هذا الحديث يعارض الكتاب وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (سورة البقرة: الآية ١٨٧) فإن الصيام إمساك وقد فات، فالآية تدل على بطلانه، [و] لأن انتفاء ركن الشيء يستلزم إمضاه لا محالة، والحديث يدل على بقائه كما كان فيجب تركه، قلت هذا السؤال مع جوابه للإمام حميد الدين الضرير. وأجاب بأن في الكتاب دلالة على أن النسيان معفو عنه لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] م: (سورة البقرة: الآية: ٢٨٦) فكان الحديث موافقاً للكتاب فعمل، ويحتمل قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] على حالة انتفاء الإتمام عمدا؛ لأن الإتمام فعل اختياري فيكون عمدة الفوات له لذلك والنسيان ليس باختياري فلا يفوته. وقال تاج الشريعة: هذا الخبر مشهور قبله السلف حتى قال محمد ﵀ عقب هذه المسألة حاكياً عن أبي حنيفة ﵁ لو قال الناس لقلت يقتضي معنى لو قول الأئمة وروايتهم هذا الحديث لقلت بالقضاء، فإن قال السائل سلمنا ذلك لكن النص ورد في الأكل والشرب على خلاف القياس، فكيف تعدى إلى الجماع؟.
فأجاب بقوله: م: (وإذا ثبت هذا) ش: أي بقاء الصوم م: (في حق الأكل والشرب ثبت في الوقاع للاستواء في الركنية) ش: لأن كلا منهما نظير الأخرى في كون الكف عن كل منهما ركنا في الآخر، فيكون الثبوت بالدلالة لا بالقياس م: (بخلاف الصلاة لأن هيئة الصلاة مذكرة) ش: هيئة الصلاة القيام والركوع والسجود والانتقال من واحد إلى واحد، وكل هذه الأفعال تذكر المصلي.
م: (فلا يغلب النسيان) ش: ولا يستلزم غلبة النسيان عدم نفي هيئات ما م: (ولا مذكر) ش:
стр. 1874
فيغلب، ولا فرق بين الفرض والنفل، لأن النص لم يفصل، ولو كان مخطئا أو مكرها فعليه القضاء
خلافا للشافعي ﵀ فإنه يعتبر بالناسي. ولنا أنه لا يغلب وجوده وعذر النسيان غالب، ولأن النسيان من قبل من له الحق، والإكراه من قبل غيره فيفترقان
ــ
[البناية]
أي ولا شي مذكر م: (في الصوم فيغلب) ش: لأن هيئة الصائم وغير الصائم سواء لأن الصوم أمر مبطن فغلب عليه النسيان م: (ولا فرق) ش: أي لا وفرق في المسألة المذكورة م: (بين النفل والفرض) ش: لأن بين صوم النفل وصوم الفرض.
م: (لأن النص) ش: وهو قوله ﵊ تم على صومك مطلق. م: (لم يفصل) ش: بين النفل والفرض، وقال مالك ﵀ وابن أبي ليلى ومحمد بن مقاتل الرازي في الفرض يقضي وهو القياس، كذا ذكره الإمام المحبوبي.
م: (ولو كان) ش: أي الأكل والشرب م: مخطئاً أو مكرهاً) ش: بفتح الراء: (فعليه القضاء) ش: الفرق بين النسيان والخطأ أن الناسي قاصد للفعل ناس الصوم، والمخطئ ذاكر للصوم غير قاصد للفعل، صورة المخطئ إذا تمضمض فسبق الماء حلقه، وصورة المكره صب الماء في حلق الصائم كرهاً.
وفي " المحيط " لو جامع ناسياً فنزع مع التذكر فصومه تام، وعند زفر عليه القضاء والكفارة. ولو أكل ناسياً فقيل أنت صائم فلم يتذكر وأكل بعده أفطر في قول أبي حنيفة، وقال زفر والحسن لا يفطر، ذكره في " المحيط " وفي " الخزانة " فسد صومه عند أبي حنيفة ولا كفارة عليه، وفي المرغيناني إن أكل ناسياً قبل النية ثم نوى الصوم ذكره في المغازي أنه لا يجزي صومه، وفي " البقالي " النسيان قبل النية أو بعدها.
وذكر أبو الليث ﵀ في " نوازله " أن رجلاً نظر إلى غيره يأكل ناسياً يكره له أن لا يذكره إذا كان قوياً على صومه، وإن كان يضعف بالصوم لا يكره لأن ما يفعله ليس بمعصية عند العلماء.
وفي [فتاوى] قاضي خان إن كان شاباً يخبره، وإذا كان شيخاً ضعيفاً لا يخبره. وفي " الخزانة " لو تقيأ ناسيا ًأكل فيه لا يفسد صومه، ولو ابتلع ماء في المضمضة خطأ يفسد صومه، وهو قول أكثر العلماء وقال عطاء وإسحاق وقتادة وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد ﵀ لا يفسده، وقال إبراهيم النخعي لا يفسده في الفرض ويفسده في النفل.
م: (خلافاً للشافعي ﵀ فإنه يعتبر بالناسي) ش: أي يقيسه على الناسي والجامع الفصل، وقال الكاكي للشافعي ﵀ قولان أحدهما يفطر كقولنا، وبه قال مالك ﵀ واختاره المزني، والثاني أنه لا يفطر وهو الأصح عنه، وبه قال أحمد وأبو ثور ﵀ واختلف أصحابه، فمنهم من أطلق القولين من غير فصل وإن لا يبالغ ومنهم من قال
стр. 1875
كالمقيد والمريض في قضاء الصلاة.
قال: فإن نام فاحتلم لم يفطر لقوله ﷺ : «ثلاث لا يفطرن الصائم: القيء والحجامة والاحتلام» .
ــ
[البناية]
كذلك على الحالين إن بالغ بطل صومه، وإن لم يبالغ فقولان: أحدهما لا تبطل وهو الصحيح.
م: (ولنا أنه) ش: أي أن كل واحد من الخطأ [والنسيان] والإكراه م: (لا يغلب وجوده وعذر النسيان [غالب] ) ش: فيكون اعتباره فاسداً، لأنه على خلاف القياس م: (ولأن النسيان) ش: إشارة إلى فرق آخر، وهو أن النسيان م: (من قبل من له الحق) ش: والحق لله تعالى م: (والإكراه من قبل غيره) ش: أي من قبل غير من له الحق، فإذا كان كذلك م: (فيفترقان) ش: فلا يصح أن يجعلا على السواء، ثم ذكر له نظيراً بقوله. م: (كالمقيد والمريض في [قضاء] الصلاة) ش: فإن المقيد الذي قيده أحد إذا صلى قاعداً بعذر القيد يقضي، والمريض إذا صلى لا يقضي، لأن المقيد من قبل ليس له الحق، بخلاف المريض، فإن مرضه من قبل من له الحق.
[احتلام الصائم]
م: (فإن نام فاحتلم) ش: أي أنزل م: (لم يفطر) ش: بإجماع الأئمة الأربعة لم يفطر م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ : م: «ثلاث لا يفطرن الصائم القيء والحجامة والاحتلام» ش: هذا الحديث أخرجه الترمذي حدثنا محمد بن عبيد المحاربي حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵃ قال: «قال رسول الله ﷺ : [ثلاث] لا يفطرن الصائم الحجامة والقيء والاحتلام» وقال أبو عيسى حديث أبي سعيد الخدري حديث غير محفوظ، وقد روي عن عبد الله بن زيد بن أسلم وعبد العزيز وغير واحد من أهل الحديث عن زيد بن أسلم ولم يذكروا فيه عن أبي سعيد وعبد الرحمن بن أسلم ضعيف في الحديث.
وقال الشراح: ذكروا هذا الحديث في معرض الاستدلال، ولم يذكره الأترازي واستدل هنا بقوله، وهذا لما روى صاحب السنن مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ أنه قال «لا يفطر من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم» ولم يذكر من هو صاحب السنن ولا ما اسم الصحابي الذي رواه عن
стр. 1876
ولأنه لم توجد صورة الجماع ولا معناه وهو الإنزال عن شهوة بالمباشرة وكذا إذا نظر إلى امرأة فأمنى كما بينا وصار كالمفتكر إذا أمنى، وكالمستمني بالكف على ما قالوا
ــ
[البناية]
النبي ﷺ .
قلت: هذا الحديث أخرجه الطبراني في " الأوسط " عن ثوبان عن النبي ﷺ وأخرجه البزار عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ ولا يوافق متن حديث المصنف إلا لفظ الترمذي.
م: (ولأنه لم توجد صورة الجماع) ش: وهو إيلاج الفرج م: (ولا معناه) ش: أي ولا معنى الجماع م: (وهو الإنزال عن شهوة بالمباشرة) ش: يعني مس الرجل والمرأة.
م: (وكذا) ش: أي لا يفطر م: (إذا نظر إلى المرأة فأمنى) ش: أي أنزل المني م: (كما بينا) ش: وهو قوله - لأنه لم يوجد صورة الجماع ولا معناه - ثم إنه سواء إذا نظر إلى وجهها وفرجها بخلاف حرمة المصاهرة فإنها تثبت بالنظر إلى فرجها، وقال مالك ﵀ إن نظرت مرة وكذلك وإن نظرت مرتين فسدت، وفي السروجي بالنظر لا تفسد الصوم وإن تكرر، وكذا بإنزال معه من غير تكرر، وهو قول جابر بن زيد والثوري والشافعي وأبي ثور واختيار ابن المنذر، وقال مالك يفسد وإن صرف وجهه عنها، وهو رواية حنبل عن ابن حنبل ولا كفارة فيه عندهم.
م: (وصار كالمتفكر إذا أمنى) ش: إذا تفكر في امرأة حسناء فأنزل المني لا يفطر، ولأصحاب مالك في التفكر روايتان، وخالف فيه بعض الحنابلة م: (وكالمستمني بالكف) ش: يعني أن الصائم إذا عالج ذكره فأمنى أو عالج امرأته لم يفطر م: (على ما قالوا) ش: أي المشايخ وهو قول أبي بكر الإسكاف وأبي القسام لعدم الجماع صورة، وعامتهم قالوا يفسد صومه وعليه القضاء، وهو قول محمد بن سلمة وهو اختيار الفقيه أبي الليث في النوازل. وقال المصنف في التجنيس الصائم إذا عالج ذكره حتى أمنى يجب عليه القضاء وهو المختار لأنه وجد الجماع معنى، وقيل فيه نظر، لأن معنى الجماع يعتمد المباشرة على ما قلنا ولم يوجد.
وأجيب بأن معناه وجد، وهو المقصود من الجماع وهو قضاء الشهوة وهل يحل له أن يفعل ذلك إن أراد الشهوة لا يحل لقوله ﷺ «ناكح اليد ملعون» وإن أراد به تسكين ما به من الشهوة أرجو أن لا يكون عليه وبال.
وقال الأترازي: ﵀ قيل لأبي بكر الإسكاف أيحل للرجل أن يفعل ذلك قال مثل ما ذكرنا، ثم قال في آخره وهو مأجور فيه، قال الفقيه أبو الليث روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال ما يكفيه أن يتجوز رأساً برأس. وقال الأترازي: والأصح عندي قول أبي بكر، لأن الجماع لم يوجد لا صورة ولا معنى لعدم الإيلاج والإنزال باليد إلا أنا نكرهه احتياطاً، ونظم فيه شيخنا جلال الدين النهري ﵀ من جملة نظمه ما في قاضي خان:
стр. 1877
ولو ادهن لم يفطر لعدم المنافي، وكذا إذا احتجم لهذا ولما روينا.
ــ
[البناية]
وجائز للعازب المسكين ... إمناؤه باليد للتسكين
وعن أحمد والشافعي - رحمهما الله - في القديم يرخص فيه وفي الجديد يحرم، ولو عملت المرأتان عمل الرجال إن أنزلتا عليهما القضاء وإلا لا قضاء ولا كفارة ولا غسل عليهما.
[ما لا يفطر الصائم]
[دهن الشعر أو الشارب في الصيام]
م: (ولو ادهن لم يفطر لعدم المنافي) ش: يعني إذا دهن شعره أو شاربه ليس بمناف لصومه فلا يفطر، لأن المنافي للصوم المفطرات الثلاث ولم يوجد واحد منها م: (وكذا) ش: أي لا يفطر م: (إذا احتجم لهذا) ش: أي لعدم المنافي وهو الداخل: ولما روينا) ش: وهو قوله ﷺ : «ثلاث لا يفطرن الصائم: الحجامة والقيء والاحتلام» ولكن يكره الحجامة ولا يفسد صومه، وبه قال مالك والشافعي ﵀ وداود. وقال أحمد ﵀ وبعض أصحاب الشافعي ﵀ يفطر الحاجم والمحجوم، وفي وجوب الكفارة فيها روايتان عن أحمد، وحديث «أفطر الحاجم والمحجوم» روي عن جماعة من الصحابة ﵃ أَجْمَعِينَ -.
[منهم] رافع بن خديج رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وعلي بن أبي طالب ﵁ أخرج حديثه النسائي واختلف في رفعه ووقفه وسعد بن أبي وقاص ﵁ أخرج حديثه ابن عدي في " الكامل " وفيه داود بن الزبير فإنه متروك، وشداد بن أوس أخرج حديثه أبو داود والنسائي.
وثوبان مولى رسول الله ﷺ أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجه ﵁ وأسامة بن زيد أخرج حديثه النسائي وفي سنده اختلاف، وعائشة أم المؤمنين ﵂ أخرج حديثها النسائي، واختلف في رفعه ووقفه، ومعقل بن يسار أخرج حديثه النسائي أيضاً وأبو هريرة أخرج حديثه النسائي أيضاً مرفوعاً وموقفاً، وابن عباس أخرجه النسائي أيضاً مرفوعاً وموقوفا، وأبو موسى أخرج حديثه النسائي أيضاً مرفوعاً وموقوفاً.
وبلال أخرج حديثه النسائي أيضاً وفي سنده اختلاف، وأنس بن مالك أخرج حديثه البزار أيضاً، وأبو زيد الأنصاري أخرج حديثه ابن عدي وفيه ضعف، وأبو الدرداء أخرج حديثه الوليد بن مسلم وفيه ضعف.
وقال شيخنا زين الدين في " شرح الترمذي " وقد ذهب أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أن الحجامة لا تفطر، وبه قال من الصحابة سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وابن عباس وزيد بن أرقم والحسن بن علي وأبو هريرة وأنس وعائشة وأم سلمة ﵃.
стр. 1878
وإن اكتحل لم يفطر لأنه ليس بين العين والدماغ منفذ والدمع يترشح كالعرق والداخل من المسام لا ينافي
ــ
[البناية]
ومن التابعين الشعبي وعروة والقاسم وعطاء بن يسار وزيد بن أسلم وعكرمة وأبو العالية وإبراهيم النخعي، ومن الأئمة سفيان الثوري ومالك وأبو حنيفة والشافعي ﵀. وقال ابن عبد البر: الأحاديث متدافعة متناقضة في إفساد صوم من احتجم فأقل أحوالها أن يسقط الاحتجاج بها، والأصل بأن الصائم لا يقضي فإنه قال وصح النسخ فيها.
قلت: لأن قوله ﷺ «أفطر الحاجم والمحجوم» كان في ثمان عشرة من رمضان عام الفتح، والفتح كان في السنة الثامنة واحتجامه ﷺ كان في السنة العاشرة ذكره جماعة.
[اكتحال الصائم]
م: (وإن اكتحل لم يفطر) ش: هذا على إطلاقه قول عطاء والحسن وإبراهيم النخعي والأوزاعي والشافعي وأبي ثور ومذهب أنس بن مالك وعائشة ﵃، وإن لم يصل إلى جوفه لم يبطل بلا خلاف، وإن وصل [....] أو طاهراً يفسد صومه عند مالك وأحمد وهو قول ابن أبي ليلى وسليمان التيمي ومنصور بن المعتمر وابن شبرمة وإسحاق.
وفي " شرح مختصر الطحاوي " لا بأس بالكحل سواء وجد طعمه أو لم يوجد، وكذا في " المحيط " كما لو أخذ حنطة في فيه فوجد مرارته في حلقه، أو ماء فوجد عذوبته أو ندواته في حلقه، وكذا لو صب لبناً في عينه أو دواء فوجد طعمه أو مرارته في حلقه لا يفسد صومه، ولو بزق بعد الاكتحال فوجد الكحل من حيث اللون، قيل يفسده ذكره في " جوامع الفقه " م: (لأنه ليس بين العين والدماغ منفذ) ش: فما وجد في حلقه من طعمه إنما [هو] أثره لا عينه.
وقال الأترازي ﵀: وليس بين العين والجوف منفذ فلا يصل من الكحل من العين إلى الجوف، وإنما وصل إليه أثر الكحل وهو الطعم، فقد وصل إليه من المسام فلا يعتد به كما لو اغتسل بالماء البارد فوجد برودته في الباطن، انتهى.
قلت: هذا الكلام غير سديد، والصواب ما قاله المصنف ليس بين العين والدماغ منفذ، وذكر الجوف ليس له صحة على ما لا يخفى، وقوله أيضاً، وإنما وصل إليه أثر الكحل وهو المفطر غير صحيح، والطعم الذي هو أثر الكحل كيف يوجد في الجوف ولا يوجد إلا في الحلق ينفذ إليه من الدماغ.
م: (والدمع يترشح كالعرق) ش: جواب عن سؤال مقدر، وهو أن يقال لو لم يكن بين العين والدماغ منفذ لما خرج الدمع، فأجاب بقوله والدمع يترشح أي ينزل من الدماغ شيئاً فشيئاً كما يترشح العرق من مسام الجلد م: (والداخل [من] المسام لا ينافي) ش: هو من جملة الجواب.
قال الكاكي: المسام المنافذ مأخوذ من سم الإبرة، وإن لم يسمع إلا من الأطباء.
стр. 1879
كما لو اغتسل بالماء البارد
ــ
[البناية]
قلت: ذكره الأزهري، والمراد به مسام العرق، لأن المنافذ التي هي المخارق المعتادة م: (كما لو اغتسل بالماء البارد) ش: ذكر هذا نظير المناسبة، فإنه لا ينافي الصوم مع أنه يجد برودة الماء في باطنه.
فإن قيل هذا تعليل في مقابلة النص وهو باطل، وذلك لما روى معبد بن هودة الأنصاري «عن النبي ﷺ أنه قال عليكم بالإثمد المروح وقت النوم وليتقه الصائم» أجيب بأن النبي ﷺ ندب إلى الصوم يوم عاشوراء والاكتحال فيه، وقد أجمعت الأئمة على الاكتحال يوم عاشوراء فهو راجح على الأول، انتهى.
قلت: هذا الحديث رواه أبو داود من رواية عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هودة عن أبيه عن جده «عن النبي ﷺ أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم، وقال ليتقه الصائم» ورواه البخاري في " تاريخه ".
١ -
وقال قال أبو نعيم «حدثنا عبد الرحمن بن النعمان الأنصاري عن أبيه عن جده وكان أتى به النبي ﷺ فمسح رأسه وقال لا تكتحل وأنت صائم، اكتحل ليلاً، الإثمد يجلو البصر وينبت الشعر» انتهى.
[قلت] : الإثمد بكسرة الهمزة بالفارسية ترمذ، وذكره الجوهري في باب ثمد فدل على [أن] الألف فيه زائدة، وقال الإثمد: حجر يكتحل بها. المروح بضم الميم وفتح الراء وتشديد الواو المفتوحة وبالحاء المهملة أي المطيب بالمسك كأنه جعل الرائحة تفوح بعد أن لم تكن له رائحة. وقال الأكمل قد اجتمعت الأمة على الاكتحال يوم عاشوراء فيه نظر يحتاج إلى الدليل على هذا.
وإيراده السؤال بحديث معبد غير موجه لأن يحيى بن معين قال حديث معبد منكر لا يحتج به، وعبد الرحمن ضعيف، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يقول الأكمل هذا تعليل في مقابلة النص، وهو باطل، ثم يجيب بقوله أن النبي ﷺ ندب إلى الصوم يوم عاشوراء، والاكتحال فيه، ومع هذا لم يبين كيف ندب ومتى ندب.
فإن قال ندب في حديث حميد، قلنا قد سمعت حال هذا الحديث، وإن قال روى البيهقي في " شعب الإيمان " من رواية حسين بن بشر عن محمد بن الصلت عن جرير عن الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اكحتل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبداً» قال: قال البيهقي ﵀ بعد أن رواه إسناده ضعيف، وجرير ضعيف والضحاك لم يلق ابن عباس. وقال الأترازي في معرض الاستدلال بأن الاكتحال لم يفطر.
ولنا ما روى أبو بكر الجصاص الرازي في " شرحه لمختصر الطحاوي " عن عبد الباقي بن
стр. 1880
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
قانع عن عبد الرحمن بن أحمد عن محمد بن سليمان عن حبان بن علي عن محمد بن عبد الله ابن أبي رافع عن أبيه عن جده «أن النبي ﷺ كان يكحتل بالإثمد وهو صائم» . وقال الشيخ أبو الحسين القدوري في " شرح مختصر الكرخي ".
«قال ابن مسعود خرج رسول الله ﷺ في رمضان وعيناه مملوءتان من الكحل كحلته أم سلمة ﵂» - انتهى.
قلت: الذي يتصدى لشرح كتاب يذكر فيه أحاديث في معرض الاستدلال ينبغي أن لا يكتفي بهذا المقدار، لأن الخصم لا يرضى به.
أما حديث أبي رافع فقد أخرجه ابن عدي في " الكامل " بإسناده نحوه وهو حديث منكر. قال البخاري: محمد بن عبد الله منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء.
وأما حديث ابن مسعود الذي ذكره فليس بصحيح من وجهين، أحدهما أن الحديث ليس لابن مسعود وإنما هو لابن عمر رواه ابن عدي في " الكامل "، قال أخبرنا أبو يعلى قال أنا عمار بن ياسر قال حدثنا سعيد بن زيد هو أخو حماد بن زيد حدثنا عمرو بن خالد القرشي عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر، وعن محمد بن علي عن ابن عمر قال «خرج علينا رسول الله ﷺ من بيت حفصة وقد اكتحل بالإثمد في رمضان» .
وقال ابن عدي هذه الأحاديث التي يرويها عمرو بن خالد عن حبيب بن أبي ثابت ليست [هي] المحفوظة، ولا يرويها غيره أو هو المفهم فيها. وقال شيخنا زين الدين عمرو بن خالد الهمداني الواسطي، وقال أبو طاهر: وقوله القرشي (بدليله) كيلا يعرض لأنه كذاب. الثاني من الوجهين إنه حديث لا يحتج به.
فإن قلت: هذا روي عن علي بن أبي طالب أيضاً، رواه الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثنا أبو زكريا حدثنا سعيد بن زيد، عن عمرو بن خالد، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده، «عن علي بن أبي طالب، وعن حبيب بن ثابت، عن نافع عن ابن عمر قال انتظرنا النبي ﷺ أن يخرج في رمضان، فخرج من بيت أم سلمة ﵂ كحلته وملأت عينيه كحلاً» انتهى.
قلت: قد وقفت على حال عمرو بن خالد، وقال شيخنا زين الدين وهذان الحديثان ليسا صريحين في الكحل للصائم، إنما ذكر فيهما رمضان فقط، ولعله كان في رمضان.
فإن قلت: روى ابن الجوزي في كتاب " فضائل الشهور " من رواية شريح بن يونس عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ في حديث طويل فيه صيام
стр. 1881
ولو قبل امرأته لا يفسد صومه يريد به إذا لم ينزل لعدم المنافي صورة ومعنى
ــ
[البناية]
عاشوراء والاكتحال فيه.
قلت: رواه في " الموضوعات " بهذا الإسناد، ثم قال هذا حديث لا يشك عاقل في وضعه.
فإن قلت: روى الطبراني في " الأوسط «عن بريرة، قالت: رأيت النبي ﷺ يكتحل بالإثمد وهو صائم» .
قلت: قال شيخنا زين الدين وفي إسناده غير واحد يحتاج إلى الكشف عنهم.
[التقبيل والمباشرة للصائم]
م: (ولو قبل امرأته لا يفسد صومه يريد به إذا لم ينزل) ش: أي يريد القدوري أو محمد في " الجامع الصغير " بقوله - ولو قبل امرأة لا يفسد صومه - إنه إذا لم ينزل المني (لعدم المنافي صورة ومعنى) أي لعدم ما ينافي الصوم من حيث الصورة وهو إيلاج الفرج في الفرج ومن حيث المعنى وهو الإنزال بالمس عن شهوة، وقد روى البخاري ومسلم «عن عائشة ﵁. أنه ﷺ كان يقبل ويباشر بعض نسائه وهو صائم وكان أملككم لإربه» . قوله - لإربه - بكسر الهمزة وسكون الراء، قال ابن الأثير أي لحاجة يعني أنه كان غالباً لهواه، وقال: أكثر المحدثين يرويه بفتح الهمزة والراء يعنون الحاجة، وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكون الراء، وله تأويلات أحدها [أرادت به] الحاجة ويقال فيها الإربة والمأربة، والثاني أرادت به العضو وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة.
فإن قلت: روى ابن ماجه من رواية زيد بن جبير عن أبي يزيد بن الضبي عن ميمونة مولاة النبي ﷺ قالت: «سئل النبي ﷺ عن رجل قبل امرأته وهما صائمان، قال قد أفطرا جميعاً» ثم قال فينبغي أن لا تجوز القبلة للصائم أصلاً، ثم قال قلت المراد منه إذا أنزل بالقبلة توفيقا بين الحديثين، انتهى.
قلت: هذا الحديث ليس بشيء، لأنه إنما يصح هذا الجواب إذا كان الحديثان متساويين في الصحة وحديث ميمونة هذا لا يساوي حديث عائشة ﵂ لأن في إسناده أبا يزيد الضبي لا يعرف اسمه، وهو مجهول، وقال الترمذي ﵀ في كتاب " العلل المفرد " سألت محمداً عن هذا الحديث فقال هذا حديث منكر لا أحدث به.
واختلف العلماء في القبلة للصائم على أربعة مذاهب:
أحدها: إباحتها مطلقا، وهو قول عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وعائشة ﵃ وبه قال عطاء والشعبي والحسن البصري، وهو قول أحمد وإسحاق وداود، واختاره ابن عبد البر.
والثاني: كراهتها مطلقاً للصائم، وهو قول ابن مسعود وابن عمر ﵃،
стр. 1882
خلاف الرجعة والمصاهرة، لأن الحكم هنالك أدير على السبب على ما يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. ولو أنزل بقبلة أو لمس فعليه القضاء دون الكفارة لوجود معنى الجماع
ــ
[البناية]
وقال أبو عمر: عن [ابن] المسيب وابن شبرمة ومحمد بن الحنفية ﵁ أن من قبل فعليه قضاء ذلك اليوم.
والثالث، الفرق بين الشيخ والشاب، وعبر بعضهم عنه بقوله بالتفرقة بين من تحرك القبلة شهوته وبين من لا تحرك، وهو قول ابن عباس وقول أبي حنيفة ﵁ وأصحابه وسفيان الثوري والشافعي ﵏.
والرابع: التفرقة بين صيام الفرض وصيام النفل تكره في الفرض ولا تكره في النفل وهي رواية ابن وهب عن مالك.
فإن قلت: حديث عائشة ﵂ كان يقبل في شهر الصوم الذي رواه الترمذي ومسلم كما مر الآن لا يلزم منه أن يكون نهاراً، لأن ليل الصوم من شهر الصوم.
قلت: في الذي رواه البخاري ومسلم وهو صائم كما مر الآن.
فإن قلت: لا يلزم منه أن يكون في رمضان.
قلت: في رواية أبي بكر السهيلي عند مسلم كان يقبل في رمضان وهو صائم.
فإن قلت: الصائم منهي عن الجماع فينبغي أن يمنع من القبلة أيضاً لأنها من دواعيه.
قلت: هذا غير وارد، لأن المحرم ممنوع عن الطيب وهو من دواعيه، والصائم ليس بممنوع عنه، وفي جوامع الفقه يكره مس فرجها ولا بأس بالقبلة والمعانقة إذا أمن على نفسه، أو كان شيخاً كبيراً. وعن أبي حنيفة تكره المعانقة والمصافحة، وعنه تكره المباشرة الفاحشة لا بثوب وذلك أن المعانقة وهما متجردان ويمس فرجه ظاهر فرجها والتقبيل الفاحش مكروه، وهو أن يمضغ شفتيها.
م: (بخلاف الرجعة والمصاهرة) ش: يعني أنهما يثبتان بالقبلة بالشهوة وكذا بالمس وإن لم ينزل م: (لأن الحكم هنالك) ش: أي في الرجعة والمصاهرة م: (أدير على السبب) ش: إذ حرمة المصاهرة تبتني على الاحتياط، وأما ها هنا فالفساد تعلق بالمواقعة ولم توجد صورتها ولا معناها، ولهذا لا يفسد الصوم بعقد النكاح م: (على ما يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى) ش: يعني في باب الرجعة. م: (وإن أنزل بقبلة أو مس فعليه القضاء) ش: لأنه يجب بمجرد الإفساد م: (دون الكفارة) ش: لأنها لا تجب إلا بكمال الجناية، لأنها تسقط بالشبهات لكونها دائرة بين العبادة والعقوبة وعدم صورة الجماع صار شبهة فلم تجب الكفارة.
стр. 1883
ووجود المنافي صورة أو معنى يكفي لإيجاب القضاء احتياطا، أما الكفارة فتفتقر إلى كمال الجناية لأنها تندرئ بالشبهات كالحدود،
ولا بأس بالقبلة إذا أمن على نفسه أي الجماع أو الإنزال ويكره إذا لم يأمن لأن عينه ليس بمفطر، وربما يصير فطرا بعاقبته، فإن أمن يعتبر عينه وأبيح له، وإن لم يأمن تعتبر عاقبته، وكره له. والشافعي ﵀ أطلق فيه في الحالين والحجة عليه ما ذكرنا.
ــ
[البناية]
فإن قيل لا نسلم أن كمال الجناية شرط لوجوب الكفارة ألا ترى أنها تجب بنفس الإيلاج وإن لم يحصل الإنزال الأكمل إلا به أجيب بأن الكمال يحصل بنفس الإيلاج، ولهذا يجب الغسل أنزل أو لم ينزل، أما الإنزال فأمر زائد على الجماع، ولهذا لا يشترط في تحليل الزوج الثاني لأنه شبع ومبالغة فيه.
م: (لوجود معنى الجماع) ش: وهو قضاء الشهوة بالمباشرة م: (ووجود المنافي) ش: للصوم م: (صورة) ش: أي من حيث الصورة م: (أو معنى) ش: أي أو من حيث المعنى م: (يكفي لإيجاب القضاء احتياطاً) ش: أي لأجل الاحتياط: (أما الكفارة فتفتقر إلى كمال الجناية لأنها تندرئ) ش: أي تندفع م: (بالشبهات) ش: وهنا الشبهة عدم صورة الجماع كما ذكرنا م: (كالحدود) ش: يعني مثل الحدود فإنها تندرئ بالشبهات.
م: (ولا بأس بالقبلة إذا أمن على نفسه أي الجماع أو الإنزال) ش: قال السغناقي: صحت الرواية بكلمة أو، وقال الكاكي الرواية في النسخ المقروءة على المشايخ كلمة أو، وقال الأترازي: صحت الرواية عن مشايخنا بما وراء بكلمة أو، والوجه عندي أن يذكر الواو، ولأن الأمان عن أحدهما ليس بكاف لعدم الكراهة، بل الأمان منها شرط لعدم الكراهة حتى إذا أمن الجماع ولم يأمن الإنزال تكره له القبلة لتعريض الصوم على الفساد، وقال تاج الشريعة ﵀ قوله أي الجماع أو الإنزال إنما ذكر هكذا لأن المشايخ اختلفوا على قول محمد ﵀ إذا أمن على نفسه قال بعضهم أراد بالأمن عن الوقوع في الوقاع، وقال بعضهم أراد به الأمن من خروج المني. م: (ويكره إذا لم يأمن) ش: يعني إذا لم يأمن الإنزال أو الجماع م: (لأن عينه) ش: أي عين القبلة ذكر الضمير باعتبار التقبيل، والمراد من عين القبلة نفسها م: (ليس بمفطر) ش: وهذا ظاهر م: (وإنما يصير فطراً بعاقبته) ش: يعني باعتبار المال بوجود الجماع أو الإنزال م: (فإن أمن يعتبر عينه) ش: أي نفس القبلة م: (وأبيح له) ش: أي القبلة لأنها ليست بنفسها مفطرة م: (وإن لم يأمن) ش: أي الجماع أو الإنزال م: (تعتبر عاقبته) ش: أي مآله م: (وكره له) ش: حينئذ م: (والشافعي أطلق له في الحالين) ش: أي جوز له القبلة فيما إذا أمن على نفسه أو لم يأمن، وفيه نظر، لأنه ذكر في " وجيزهم " وتكره القبلة للشاب الذي لا يملك إربه م: (والحجة عليه ما ذكرناه) ش: أي الحجة على الشافعي ﵀ ما ذكرنا، وهو قوله لأن عينه ليس بمفطر ... إلخ.
стр. 1884
والمباشرة الفاحشة مثل التقبيل في ظاهر الرواية. وعن محمد أنه كره المباشرة الفاحشة لأنها قلما تخلو عن الفتنة. ولو دخل حلقه ذباب وهو ذاكر لصومه لم يفطر، وفي القياس يفسد صومه لوصول المفطر إلى جوفه وإن كان لا يتغذى به كالتراب والحصاة، ووجه الاستحسان أنه لا يستطاع الاحتراز عنه فأشبه الغبار والدخان، واختلفوا في المطر والثلج، والأصح أنه يفسد لإمكان الامتناع عنه إذا آواه خيمة أو سقف ولو أكل لحما بين أسنانه فإن كان قليلا لم يفطر، وإن كان كثيرا يفطر. وقال زفر: يفطره في الوجهين؛ لأن الفم له حكم الظاهر حتى لا يفسد صومه
ــ
[البناية]
م: (والمباشرة الفاحشة) ش: وهو أن يعانقها مجردين ويمس فرجه ظاهر فرجها م: (مثل التقبيل في ظاهر الرواية) ش: يكره إذا لم يأمن ولا يكره إذا أمن م: (وعن محمد أنه كره المباشرة الفاحشة لأنها قلما تخلو عن الفتنة) ش: عن الوقوع في الجماع. وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀.
م: (ولو دخل حلقه ذباب وهو ذاكر لصومه لم يفطر) ش: لأنه مغلوب فيه كما في الغبار والدخان م: (وفي القياس أنه يفسد صومه لوصول المفطر إلى جوفه، وإن كان لا يتغذى به) ش: كلمة إن واصلة بما قبلها، ولا فرق بين المأكول وغيره م: (كالتراب والحصاة) ش: م: (ووجه الاستحسان أنه لا يستطاع الامتناع منه، فأشبه الغبار والدخان) ش: فإنه لا يستطاع دفعهما، وإن وصل الذباب إلى جوفه ثم خرج حياً لم يفطر، ذكره في " الحاوي " وهو قول سحنون من المالكية. وفي " خزانة الأكمل "، ولو دخل جوفه وهو كاره له لم يفطره.
م: (واختلفوا في المطر والثلج) ش: يعني اختلف المشايخ في المطر، فقال بعضهم المطر يفسد والثلج لا يفسد. وقال بعضهم على العكس. وقال عامتهم بإفسادهما م: (والأصح أنه يفسد) ش: لحصول الفطر معنى م: (لإمكان الامتناع عنه إذا أواه) ش: أي ضمه م: (خيمة أو سقف) ش: قلت: إذا كان في البرية وليس عنده خيمة ولا شيء يمنع المطر عنه، فالقياس أن لا يفسده، ولو خاض الماء فدخل أذنه لا يفطره، بخلاف الدهن، وإن كان بغير صيغة لوجود إصلاح بدنه، لو صب الماء في أذنه، فالصحيح أنه لا يفطره لفقده إصلاح البدن، لأن [الماء] يضر بالدماغ، وفي " الخزانة " لو دخل حلقه من دموعه أو عرق جبينه قطرتان أو نحوهما لا يضره والكثير الذي يجد ملوحته في حلقه يفسد صومه [....] ، ولو نزل المخاط، من أنفه في حلقه على تعمد منه فلا شيء عليه، ولو بلع بزاق غيره أفسد صومه ولا كفارة عليه، كذا في " المحيط ". وفي " البدائع " لو ابتلع ريق حبيبته أو [صديقه] ، قال الحلواني عليه كفارة، لأنه لا يعافه بل يلتذ به، وقيل لا كفارة فيه، ولو جمع ريقه في فيه ثم ابتلعه لم يفطر ويكره، ذكره المرغيناني.
م: (ولو أكل لحماً بين أسنانه فإن كان قليلاً لم يفطر) ش: يعني إذا كان قليلاً م: (وإن كان كثيراً يفطره. وقال زفر: يفطره في الوجهين) ش: يعني في القليل والكثير م: (لأن الفم له حكم الظاهر حتى
стр. 1885
بالمضمضة.
ولنا أن القليل تابع لأسنانه بمنزلة ريقه بخلاف الكثير لأنه لا يبقى فيما بين الأسنان. والفاصل مقدار الحمصة وما دونها قليل. وإن أخرجه وأخذه بيده ثم أكله ينبغي أن يفسد صومه لما روي عن محمد ﵀ أن الصائم إذا ابتلع سمسمة بين أسنانه لا يفسد صومه، ولو أكلها ابتداء يفسد صومه. ولو مضغها لا يفسد لأنها تتلاشى
ــ
[البناية]
لا يفسد صومه بالمضمضة) ش: وبه قال الشافعي ﵀ وأحمد، وفي " تتمتهم " إن قدر على إخراجه فابتلعه يفطر وإلا لا. وفي " شرح الإرشاد " إن كان مما يجري به الريق لا يفطر عنده، وإن كان لا مما يجري يفطر.
[ابتلاع الصائم الشيء اليسير]
م: (ولنا أن القليل تابع لأسنانه بمنزلة ريقه، بخلاف الكثير لأنه لا يبقى فيما بين الأسنان) ش: فكان الاحتراز عنه ممكناً. وقال محمد ﵀ في " الجامع الصغير " أنه إذا ابتلعه، فأما إذا استخرجه فأخذه بيده ثم ابتلعه يجب أن يفسد [صومه. ومنهم من قال لا يفسد صومه] سواء قصد ابتلاعه أو لم يقصد. ألا ترى ما قال محمد في " الجامع الصغير " [عن] محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵀ في الصائم يكون في أسنانه اللحم فأكله متعمداً فقال: ليس عليه قضاء ولا كفارة م: (والفاصل) ش: أي بين القليل والكثير م: (مقدار الحمصة) ش: فهو كثير والحمصة بتشديد الميم المفتوحة، قال ثعلب هو المختار، وقال المبرد بكسرها م: (وما دونها) ش:. أي [وما] دون الحمصة فهو م: (قليل) ش: ولم يذكر محمد ﵀ في " المبسوط والجامع الصغير "، وذكر في " شرح زفر ويعقوب " لابن شجاع أبي عبد الله البلخي قال: أخبرني ابن أبي مالك عن أبي يوسف ﵀ عن أبي حنيفة ﵀ ما كان بين أسنانه في قدر الحمصة فطره أجعل قدر الحمصة كثيراً لأنه لا تبقى بين الأسنان غالباً وما دونه يبقى وقال الصدر الشهيد ﵀ الحمصة فصاعداً كثيراً وما دون ذلك قليل، قال أبو نصر الدبوسي إذا أراد أن يبتلعه بغير ريق فهو كثير وإن لم يمكنه ذلك بغير استعانة بالبزاق فهو قليل.
م: (فإن أخرجه) ش: أي فإن أخرج الذي بين أسنانه م: (وأخذه بيده ثم أكله ينبغي أن يفسد صومه) ش: لإمكان الاحتراز عنه م: (لما روي عن محمد) ش: أي بالقياس على ما روي عن محمد ﵀ م: (أن الصائم إذا ابتلع سمسمة) ش: كائنة م: (بين أسنانه لا يفسد صومه) ش: لأنه قليل، وبه قال زفر والشافعي - رحمهما الله - وأحمد. وفي " الخلاصة " يجب أن يفسد صومه، وعلى هذا لو أخذ لقمة من الخبز وهو ناس لصومه فلما مضغها ذكر أنه صائم فابتلعها وهو ذاكر، إن ابتلعها قبل الإخراج من فيه عليه الكفارة، وإن أخرجها ثم أعادها لا كفارة عليه، وبه أخذ الفقيه.
م: (فلو أكلها ابتداء) ش: أي لو أكل سمسمة من الخارج م: (يفسد صومه) ش: لأنها من جنس ما يؤكل ويتغذى به، كذا في " فتاوى الولوالجي "، هذا إذا لم يمضغها م: (ولو مضغها إلا
стр. 1886
وفي مقدار الحمصة عليه القضاء دون الكفارة عند أبي يوسف ﵀ وعند زفر ﵀ عليه الكفارة أيضا لأنه طعام متغير ولأبي يوسف ﵀ أنه يعافه الطبع، فإن ذرعه القيء لم يفطر لقوله ﷺ : «من قاء فلا قضاء عليه ومن استقاء عامدا فعليه القضاء»
ويستوي فيه
ــ
[البناية]
يفسد صومه لأنها تتلاشى) ش: وكذا لو مضغ حبة حنطة لا يفسد صومه، لأنها تلتزق بأسنانه فلا تصل إلى جوفه، لأنه يصير تابعاً لريقه، ولو ابتلع ريقه لا يفسد بإجماع الأمة.
ولو استشم مخاطه فأخرجه من فيه لا يفسد كريقه. ولا تجب الكفارة [....] الدم في الظاهر، وفي رواية تجب، ولو عمل عمل الإبريسم فأدخل الإبريسم في فمه فخرجت فيه خضرة الصبغ أو صفرته أو حمرته فاختلط بالريق فصار الريق أحمر أو أخضر، فابتلع الريق وهو ذاكر لصومه يفسد، كذا في " الخلاصة ".
م: (وفي مقدار الحمصة عليه القضاء دون الكفارة عند أبي يوسف ﵀، وعند زفر ﵀ عليه الكفارة أيضاً) ش: أي مع القضاء م: (لأنه طعام متغير) ش: فلا يمنع ذلك وجوب الكفارة، كما إذا أكل اللحم المنتن.
م: (ولأبي يوسف ﵀ أنه يعافه الطبع) ش: أي يكرهه، يقال أعاف الماء عيافة كرهه، وذلك لأنه لما بقي بين الأسنان دخل في معنى الغذاء نقصان، ولهذا إذا تخلل يرميه وربما تكون له رائحة كريهة يكرهها الطبع، فلما دخل في معنى الغذاء نقصان قصرت الجناية، ومع قصورها لا تجب الكفارة. م: (فإن ذرعه القيء) ش: أي سبق إلى فيه وغلبه فخرج منه، ذكره في " المغرب "، وقيل غشيه من غير تعمد من باب منع وهو بالذال المعجمة م: (لم يفطر به) ش: وبه قال علي بن أبي طالب: وابن عمر وزيد بن أرقم والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد ﵏ وإسحاق. قال ابن المنذر وهو قول كل من يحفظ عنه [العلم، قال وبه أخذ. قال وعن الحسن البصري ﵀ روايتان في الفطر،] وقال الصدر نقل عن ابن مسعود وابن عباس ﵃ أن لا فطر في القيء مطلقاً. وعند المالكية خلاف في فطر من ذرعه القيء، وعن أحمد ﵁ يفطر في الفاحش.
م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ : م: «من قاء فلا قضاء عليه، ومن استقاء عامدا فعليه القضاء» ش: هذا الحديث رواه الأئمة الأربعة عن عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من قاء.. الحديث " وقال
стр. 1887
ملء الفم وما دونه فلو عاد وكان ملء الفم فسد عند أبي يوسف ﵀ لأنه خارج حتى انتقض به الطهارة وقد دخل وعند محمد ﵀ لا يفسد لأنه لم توجد صورة الفطر وهو الابتلاع وكذا معناه لأنه لا يتغذى به عادة وإن أعاده فسد بالإجماع لوجود الإدخال بعد الخروج فتتحقق صورة الفطر، وإن كان أقل من ملء الفم فعاد لم يفسد صومه لأنه غير خارج ولا صنع له في الإدخال.
ــ
[البناية]
الترمذي حسن غريب، وقال محمد يعني البخاري لا أراه محفوظاً، ورواه الحاكم في " المستدرك " وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الدارقطني ﵀ رواته كلهم ثقات.
قوله - استقاء - بالمد استفعل من قاء يقيء يعني طلب القيء وكذلك تقيأ، ولا قضاء عليه في القيء، لأن كل ما يخرج من البدن لا يفسد الصوم، كالبول والغائط ونحوهما، فكذا القيء، وكان هذا هو القياس في الاستقاء، إلا أنا تركناه بالحديث.
فإن قيل: روى الطحاوي عن أبي الدرداء «أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر» ينبغي أن يكون القيء مفطراً، كما هو مذهب البعض، أجيب بأن معناه قاء فضعف فأفطر توفيقاً بين الحديثين.
[حكم القيء بالنسبة للصائم]
م: (ويستوي فيه) ش: أي في القيء الذي ذرعه م: (ملء الفم وما دونه) ش: يعني إذا ذرعه القيء لا يفطر، سواء ملء الفم أو أقل منه م: (فلو عاد) ش: أي القيء الذي ذرعه م: (وكان ملء الفم) ش: أي والحال أنه كان ملء الفم م: (فسد عند أبي يوسف ﵀ لأنه خارج) ش: حقيقة م: (حتى انتقض به الطهارة وقد دخل) ش: أي الخارج فيفسد الصوم.
م: (وعند محمد ﵀ لا يفسد لأنه لم توجد صورة الفطر وهو الابتلاع وكذا معناه) ش: أي معنى صورة الفطر م: (لأنه لا يتغذى به عادة) ش: لأن الاعتبار بحصول التغذي أو التردي إلى الجوف، قيل لا نسلم عدم حصول الفطر معنى، ألا ترى أن بالقيء تندفع الصفراء أو البلغم، وفيه صلاح البدن، وأجيب بأن صلاح البدن إذا كان الخارج لا يؤثر في نقض الصوم، ولهذا لا يفسد الصوم بالفصد، وفيه صلاح البدن أيضاً، ولهذا يسميه الأطباء الاستفراغ الكلي.
م: (وإن أعاده) ش: أي وإن أعاد الذي قاء فيه فما إذا ذرعه ملء الفم م: (فسد) ش: أي صومه م: (بالإجماع لوجود الإدخال بعد الخروج فتتحقق صورة الفطر) ش: بدخول الخارج في الجوف بنفسه.
م: (وإن كان) ش: أي القيء الذي ذرعه م: (أقل من ملء الفم فعاد) ش: يعني بنفسه إلى الجوف م: (لم يفسد صومه لأنه غير خارج ولا صنع له في الإدخال) ش: لأن الدخول يترتب على
стр. 1888
إن أعاد فكذلك عند أبي يوسف ﵀ لعدم الخروج. وعند محمد ﵀ يفسد صومه لوجود الصنع منه في الإدخال، فإن استقاء عمدا ملء فيه فعليه القضاء لما روينا، والقياس متروك به ولا كفارة عليه لعدم الصورة،
وإن كان أقل من ملء الفم فكذلك عند محمد ﵀ لإطلاق الحديث، وعند أبي يوسف ﵀ لا يفسد لعدم الخروج حكما ثم إن عاد لم يفسد عنده، لعدم سبق الخروج، وإن أعاده فعنه أنه لا يفسد لما ذكرنا، وعنه أنه يفسد فألحقه بملء الفم لكثرة الصنع. قال: ومن ابتلع الحصاة أو الحديد أفطر لوجود صورة الفطر، ولا كفارة عليه لعدم المعنى.
ــ
[البناية]
الخروج ولم يوجد الخروج م: (فإن أعاد) ش: أي فإن أعاده الذي تقيأ م: (فكذلك) ش: أي لا تفسد م: (عند أبي يوسف ﵀ لعدم الخروج) ش: فلا يوجد الخروج م: (وعند محمد ﵀ يفسد صومه لوجود الصنع منه في الإدخال) ش: وهو فعله، والنقض أثر الفعل.
م: (فإن استقاء عمدا ملء فيه فعليه القضاء) ش: ذكر العمد تأكيدا ًلأن الاستقاء استفعال من القيء، وهو التكليف فيه، ولا يكون التكلف إلا بالعمد، كذا قاله الأترازي. وقال الكاكي: قوله: عمداً: إشارة إلى أنه لو استقاء ناسياً لصومه لا يفسد صومه.
قلت: هذا أوجه من الأول م: (لما روينا) ش: وهو قوله ﵇: «من استقاء عمداً فعليه القضاء» م: (والقياس متروك به) ش: أي بالحديث المذكور؛ لأن القياس أن لا يفطر إلا بالدخول، ألا ترى أنه لا يفسد بالبول وغيره، ولكن ترك القياس بالحديث، وكذلك إن غلبه م: (ولا كفارة عليه لعدم الصورة) ش: وهذا الدخول.
م: (وإن كان أقل من ملء الفم فكذلك عند محمد ﵀) ش: أي يفسد م: (لإطلاق الحديث) ش: لأنه لم يفصل بين القليل، والكثير م: (وعند أبي يوسف ﵀ لا يفسد لعدم الخروج حكما) ش: أي من حيث الحكم، ولهذا لا ينتقض به الطهارة.
م: (ثم إن عاد) ش: إلى جوفه بنفسه فيما إذا استقاء أقل من ملء الفم م: (لم يفسد عنده) ش: أي عند أبي يوسف ﵀ م: (لعدم سبق الخروج، وإن أعاده) ش: أي أعاد ما صنعه م: (فعنه) ش: أي فعن أبي يوسف ﵀ م: (أنه لا يفسد) ش: في رواية م: (لما ذكرنا) ش: يريد به عدم سبق الخروج م: (وعنه) ش: أي وعن أبي يوسف ﵀ في رواية أخرى م: (أنه يفسد فألحقه بملء الفم لكثرة الصنع) ش: وهو صنع الاستقاء وصنع الإعادة.
م: (قال: ومن ابتلع الحصاة أو النواة أو الحديد) ش: إنما قال: ابتلع، ولم يقل أكل؛ لأن الأكل هو المضغ والابتلاع جميعاً، والمضغ لا يحصل في الحصاة ونحوها، بخلاف الابتلاع، فإنه يحصل لأنه عبارة عن إدخال الشيء في الحلق م: (أفطر) ش: إلا على قول من لا يعتمد على قوله، وهو الحسن بن صالح، فإنه يقول: الفطر بإقضاء الشهوة، وهو قول بعض أصحاب
стр. 1889
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
مالك م: (لوجود صورة الفطر) ش: بإيصال الشيء إلى باطنه م: (ولا كفارة عليه لعدم المعنى) ش: أي لعدم معنى الفطر، وهو التغذي، والتروي إلى البدن.
وقال مالك: تجب عليه لأنه مفطر غير معذور، وكل من هو كذلك يجب عليه عنده، كذا قاله الأكمل، وهو خلاف ما نقله في " الذخيرة " [....] ، ولو ابتلع حصاة أو نواة، أو ما لا يتغذى به، قال مالك: يقضي، ولا يكفر عنهم، قال سحنون من أصحابه: عليه الكفارة إن تعمده وإلا فالقضاء. وقال ابن القاسم: لا شيء في سهوه، وفي عمده الكفارة، وذكر في " الجواهر ": وهو من كتب المالكية عن بعض المتأخرين من المالكية: لا يفطر، ومشهور مذهبه الفطر، وعدم الكفارة. وفي " البدائع ": لو ابتلع ما لا يؤكل عادة كالحجر، والمدر، والجوهر، والذهب، والفضة أفطر ولا كفارة عليه، وكذا لو ابتلع حصاة أو حشيشاً أو جوزة رطبة أو يابسة وابتلعها كفر.
وقيل: إن وصل القشر إلى حلقه أو لا لم يكفر، وإن مضغ فستقة مشقوقة يجب الكفارة، وإن لم تكن مشقوقة لا تجب إلا إذا مضغها، وفي الأرز والعجين لا تلزمه الكفارة، وكذا في دقيق الحنطة، والشعير إلا عند محمد، وفي دقيق الأرز قالوا: يلزمه، وفي " الذخيرة ": قيل: إن لته بسمن، أو دهن، تجب الكفارة بأكله، وفي الملح وحده لا تلزمه الكفارة إلا إذا اعتاد ذلك. وفي " الذخيرة ": قيل في قليله دون كثيره، لأنه مضر، وقيل: يجب مطلقاً، وإذا ابتلع حبة حنطة تلزمه الكفارة بخلاف حبة الشعير إلا إذا كانت مغلوة، ولو أكل لحماً غير مطبوخ تلزمه الكفارة بخلاف الشحم، وقال الفقيه أبو الليث ﵀: والأصح عندي في الشحم لزومها، وفي الشحم، واللحم، والقديد: تجب الكفارة، لأنهما يؤكلان بذلك عادة، ولو أكل لحم الميتة وهي منتنة قد تدودت لا كفارة عليه، وإلا فعليه الكفارة.
وفي " المحيط ": لو ابتلع سمسمة فطره قيل لا تلزمه الكفارة، لعدم التيقن بوصولها إلى الجوف، وقيل: يجب الكفارة نروي ذلك عن أبي حنيفة نصاً، وهو الأصح، وبه قال محمد بن مقاتل الرازي، والأول قول الصفار، وإن مضغها لا يفطر، لأنها تتلاشى، وتبقى بين أسنانه، وفي " خزانة الأكمل ": في التفاحة والخوخة الكفارة، وإن ابتلع رمانة صحيحة فلا كفارة عليه، وفي كتاب الصيام للحسن بن زياد في قشر رمانة رطبة، وجوزة رطبة، ولوزة رطبة [فعليه] كفارة، ولا كفارة في اليابسة، ومنها: ولو ابتلع بلوطة، أو عفصة منزوعة القشر كفر، وفي ابتلاع مسك أو زعفران الكفارة، وفي " الخزانة ": لو أكل طيناً فعليه القضاء دون الكفارة إلا في الطين الأرمني عليه الكفارة إلا عند أبي يوسف ﵀ فإنه كسائر الأطيان عنده. وقال محمد: هو بمنزلة الغاريقون يتداوى به، وفي ابتلاع الهليلجة روايتان.
стр. 1890
ومن جامع في أحد السبيلين عامدا فعليه القضاء استدراكا للمصلحة الفائتة والكفارة، لتكامل الجناية. ولا يشترط الإنزال في المحلين اعتبارا بالاغتسال، وهذا لأن قضاء الشهوة يتحقق دونه وإنما ذلك شبع.
ــ
[البناية]
[جماع الصائم عامدا]
م: (ومن جامع في أحد السبيلين عامدا) ش: هما القبل والدبر، وقيد بقوله - عامداً - لأنه إذا كان ناسياً لا يجب عليه شيء أصلاً م: (فعليه القضاء) ش: وعليه جمهور العلماء، وقال الأوزاعي وبعض أصحاب الشافعي ﵏ إن كفر بالصوم لا يجب عليه القضاء لأنه من جنسه، وإن كفر بغيره وجب، وحكي قول عن الشافعي ﵀ أنه إذا كفر لا قضاء عليه، لأنه ﷺ بين للأعرابي الكفارة ولم يبين حكم القضاء، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وقال ﷺ : «من أفطر متعمداً فعليه ما على المظاهر وليس على المظاهر سوى الكفارة شيء» ، ولنا أنه وجب عليه الصوم بشهود الشهر، وقد انعدم فلزمه القضاء، كما لو كان معذوراً فلم يؤده فيضمنه ما عنده، كما في حقوق العباد، وإنما أراد ﷺ بقوله فعليه ما على المظاهر بسبب الفطر، وبه نقول، لكن وجوب القضاء عند تفويت الأداء غير مشكل كذا في " المبسوط ".
م: (استدراكا للمصلحة الفائتة) ش: يعني لأجل الاستدراك للمصلحة التي فاتت بإفساد الصوم، لأن الشارع حكيم لا يأمر بالإمساك إلا لحكمة، فإذا فوت هذه الحكمة والمصلحة بالإفساد يجب القضاء ليدركها.
قلت: هذه الحكمة لمصلحة قهر النفس الأمارة بالسوء، فبالجماع يفوت قهر النفس للتنافي بينهما فيجب القضاء للاستدراك، والقضاء يجب على المعذور وعلى غير المعذور أولى.
م: (والكفارة) ش: أي وعليه الكفارة أيضاً م: (لتكامل الجناية) ش: صورة ومعنى وهي إيلاج الفرج في الفرج، وهو قول الجمهور وقال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير: لا كفارة عليه، وهو قول الزهري وابن سيرين أيضاً وعن أبي حنيفة ﵀ في رواية الحسن عنه لا تجب الكفارة في الوطء في الدبر في الذكر والأنثى. قال في " المحيط ": تجب فيه الكفارة بالجماع [و] هو الصحيح، بخلاف الحد عنده لأنه متعلق بالزنا ولم يوجد. م: (ولا يشترط الإنزال في المحلين) ش: أي في القبل والدبر م: (اعتبارا بالاغتسال) ش: يعني إذا أدخل فنزع وجب عليه الغسل، فكذلك الكفارة، وقيل: الكفارة تندرئ بالشبهات، وأيضاً معنى الجماع وهو قضاء الشهوة فدرئت الشبهة، والغسل يجب بالاحتياط، فقياس أحدهما على الآخر غير صحيح، وأجيب بمنع معنى الجماع م: (لأن قضاء الشهوة يتحقق [دونه] ) ش: أي بدون الإنزال والإنزال شبع وليس بشرط، ألا ترى أن من أكل لقمة وجبت عليه الكفارة، وإن لم يوجد الشبع، وإليه أشار بقوله م: (وهذا) ش: أي قولنا الإنزال م: (وإنما ذلك شبع) ش: هذا جواب عن سؤال ذكر في " المبسوط " فإن قيل: تكامل الجناية شرط لإيجاب الكفارة وذلك لا يحصل بدون الإنزال. قلنا انقضاء شهوة
стр. 1891
وعن أبي حنيفة ﵀ أنه لا تجب الكفارة بالجماع في الموضع المكروه اعتبارا بالحد عنده، والأصح أنها تجب لأن الجناية متكاملة لقضاء الشهوة،
ولو جامع ميتة أو بهيمة فلا كفارة أنزل أو لم ينزل خلافا للشافعي ﵀ لأن الجناية تكاملها بقضاء الشهوة في محل مشتهى ولم يوجد،
ثم عندنا كما تجب الكفارة بالوقاع على الرجل تجب على المرأة. وقال الشافعي - رحمه
ــ
[البناية]
المحل يتم بالإيلاج والإنزال شبع، ولا يعتبر به في تكميل الجناية.
م: (وعن أبي حنيفة ﵀ أنه لا تجب الكفارة بالجماع في الموضع المكروه) ش: وهو الدبر م: (اعتبارا بالحد عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ﵀، فإنه لم يجعل هذا الفعل جناية كاملة في إيجاب العقوبة التي تندرئ بالشبهات، وهذه عقوبة تندرئ بالشبهات كالحدود في جانب المفعول ليس لقضاء الشهوة، وبه قال بعض أصحاب الشافعي ﵀.
م: (والأصح أنها تجب) ش: أي الكفارة. رواية عن أبي يوسف ﵀ م: (لأن الجناية متكاملة لقضاء الشهوة) ش: في محله، والسبب قد تم وهو الفطر بهذه الجناية، وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعي ﵏، وقال مالك وأحمد عليهما الغسل، وقال ابن قدامة قال أبو حنيفة في أشهر الروايتين عنه لا كفارة في الوطء في الدبر.
قلت: هذا غير صحيح، والأصح ما ذكرناه.
م: (ولو جامع ميتة أو بهيمة فلا كفارة أنزل أو لم ينزل خلافا للشافعي ﵀) ش: فالصحيح عنه أنه تجب الكفارة. وفي " شرح المهذب " للنووي أولج في قبل بهيمة أو دبرها بطل صومه أنزل أو لم ينزل، وفيما دون الفرج لا يبطل إلا بالإنزال، ولا كفارة فيه، كقولنا، وتجب الكفارة في البهيمة في أصح الطريقين أنزل أم لا، واختلف الحنابلة في وجوب الكفارة في وطء البهيمة والميتة م: (لأن الجناية تكاملها بقضاء الشهوة في محل مشتهى ولم يوجد) ش: تكاملها بالرفع لأنه خبر إن والأولى أن يكون بالنصب بدلاً من الجناية، وقوله في قضاء الشهوة يكون خبر إن، والتقدير أن تكامل الجناية في قضاء الشهوة، حاصل المعنى أن الكفارة تعتمل الجناية الكاملة، وتكاملها لا يكون إلا بقضاء الشهوة في محل مشتهى، ولم ويوجد، ألا ترى أن الطباع السليمة تنفر عنها، فإن حصل به قضاء الشهوة فذلك لغلبة الشهوة والشبق أو لفرط السفه.
[كفارة المفطر عمدا بجماع أو غيره]
م: (ثم عندنا كما تجب الكفارة بالوقاع على الرجل تجب على المرأة) ش: هذا إذا طاوعته المرأة، أما إذا غلبها على نفسها فعليها القضاء دون الكفارة، وبه قال مالك وأبو ثور وابن المنذر وأحمد في أصح الروايات، قال الخطابي: هو قول أكثر العلماء.
م: (وقال الشافعي ﵁ في قول: لا تجب عليها) ش: أي الكفارة وهو أظهر أقوال الشافعي ﵁ وهو رواية عن محمد، وفي قول: تجب كفارة واحدة على الواطئ
стр. 1892
الله - في قول: لا تجب عليها لأنها متعلقة بالجماع وهو فعله، وإنما هي محل الفعل، وفي قول تجب ويتحمل الرجل عنها اعتبارا بماء الاغتسال.
ــ
[البناية]
عنهما ويتحمل عنها، وهو قول الأوزاعي، وله قول ثالث كقولنا م: (لأنها متعلقة بالجماع) ش: أي لأن الكفارة متعلقة بالجماع يعني بسبب فعل الجماع م: (وهو) ش: أي الجماع م: (فعله) ش: أي فعل الرجل، م: (وإنما هي محل الفعل، فلا تجب عليها، وفي قول) ش: للشافعي ﵁ م: (تجب ويتحمل الرجل عنها) ش: لأنه أوقعها في هذه المؤنة هذا إذا كان موسراً، وأما إذا كان معسراً فلا يتحملها كالتكفير بالصوم م: (اعتبارا بماء الاغتسال) ش: يعني قياساً على ماء الاغتسال، فإنه عليه، لأنه أوقعها فيه والحق التعلق بالجماع ينقسم إلى بدني ومالي، فما كان مالياً، فعلى الزوج، وما كان بدنياً فعليهما كثمن ماء الاغتسال فإنه عليه والاغتسال عليها، وفي تتمتهم فيه تسعة فروع.
أحدها: إذا كانا جميعاً من أهل الإطعام أو العتق يحمل ويتداخلان لأنهما جنس واحد والسبب واحد.
الثاني: إذا كانا جميعاً من أهل الصوم، فعلى كل واحد أن يصوم ولا يتحمل عنها، لأنها عبادة بدنية ولا يجزئ فيها التحمل.
الثالث: إذا كان الرجل من أهل الإعتاق، وهي من أهل الصوم فيه وجهان، أحدهما: عليه الصوم لعدم التحمل فيه، والثاني: يسقط عنها لعتق الرجل.
الرابع: إذا كان هو من أهل العتق وهي من أهل الإطعام يتحمل عنها، وهما يتداخلان؟ فيه وجهان، أحدهما: لا يتداخلان لأنهما جنسان مختلفان، ولا تداخل مع الاختلاف. والثاني: تدخل فيه.
الخامس: لو كان هو من أهل الصوم، وهي من أهل العتق [فوجهان، أحدهما: لا يتحمل عنها، لأنه عاجز، والثاني: يتحمل فتبقى] في ذمته إلى أن يقدر.
والسادس: لو كان هو من أهل الإطعام وهي من أهل الصوم لا يتحمل عنها، لأنه [بدني فلا يتحمل فيه. السابع: لو زنى بامرأة لا يتحمل عنها، لأن] التحمل بسبب الزوجية ولم يوجد، ولهذا لا يلزمه ثمن ماء الاغتسال.
الثامن: إذا كان نائماً فاستدخلت ذكره فعليها الكفارة، لأن الرجل لم يجعلها مفطرة.
التاسع: إذا قدم الرجل من سفر مفطراً فجامعها، فإن ظن أنها مفطرة فلا يتحمل ولو جامعها مع العلم بصومها فيه وجهان، أحدهما: لا يتحمل، والثاني يتحمل.
стр. 1893
ولنا قوله ﷺ : «من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر» وكلمة "من" تنتظم الذكور والإناث، ولأن السبب جناية الإفساد لا نفس الوقاع وقد شاركته فيها ولا يتحمل لأنها عبادة أو عقوبة ولا يجري فيهما التحمل،
ولو أكل أو شرب ما يتغذى به أو ما يتداوى به فعليه القضاء.
ــ
[البناية]
م: (ولنا قوله ﷺ ) ش: أي قول النبي ﷺ : م: «من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر» ش: قال الأترازي: هذا ما رواه أصحابنا في كتبهم وذكره السغناقي ثم تبعه الأكمل مجرداً من غير بيان في حاله ولا نسبه إلى أحد. وقال الكاكي وفي " المبسوط "، واحتج علماؤنا بقوله ﵊: «من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر» ، رواه أبو هريرة ﵁، وقال مخرج أحاديثه: هذا حديث غريب لم أجده، واستدل ابن الجوزي في التحقيق لمذهبنا ومذهبه بما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁.
«أن النبي ﷺ أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكيناً» انتهى قال: ووجهه أنه علق التكفير بالإفطار وهو معنى حسن صحيح.
وقال الكاكي: وما رواه في المتن رواه الدارقطني بمعناه، قلت: روى الدارقطني في " سننه " عن يحيى الحماني حدثنا هشيم عن إسماعيل بن سالم عن مجاهد عن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ أمر الذي أفطر يوماً في رمضان بكفارة الظهار» .
م: (وكلمة من تنتظم الذكور والإناث) ش: قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣١] [الأحزاب: ٣١] وفي بعض النسخ تنتظم الذكور والإناث، م: (ولأن السبب) ش: أي سبب الكفارة م: (جناية الإفساد) ش: أي إفساد الصوم م: (لا نفس الوقاع) ش: ولهذا إذا حصل الوقاع ولم يوجد الإفساد لا تجب الكفارة، كما في الوقاع في ليالي رمضان.
م: (وقد شاركته فيها) ش: أي في جناية الفساد فشاركته في الكفارة فتجب عليها كما تجب عليه، وهذا جواب عن قول الشافعي أعني عن قوله الأول.
م: (ولا يتحمل لأنها) ش: أي لأن الكفارة م: (عبادة أو عقوبة) ش: وأيا ما كانت لا تلزمه م: (ولا يجري فيهما) ش: أي في العبادة والعقوبة م: (التحمل) ش: لأن العبادة فعل اختياري، فلو جاز التحمل لحصل الجبر واللازم منتف فينتفي الملزوم، وأما العقوبة فقد شرعت زجراً على الجاني لا على غيره، وهذا جواب عن قوله الثاني.
م: (ولو أكل) ش: أي الصائم م: (أو شرب ما يتغذى به أو ما يداوى به) ش: في نهار رمضان وكان عمداً م: (فعليه القضاء) ش: أي قضاء ذلك اليوم، وقال الأوزاعي: ليس عليه
стр. 1894
والكفارة وقال الشافعي ﵀: لا كفارة عليه لأنها شرعت في الوقاع بخلاف القياس لارتفاع الذنب بالتوبة، فلا يقاس عليه غيره. ولنا أن الكفارة تعلقت بجناية الإفطار في رمضان على وجه الكمال لا بنفس الوقاع
ــ
[البناية]
القضاء، واستدل بحديث الأعرابي، فإن النبي ﷺ بين حكم الكفارة، ولم يبين حكم القضاء. قلنا: إنه وجب عليه الصوم بشهود الشهر، وقد انعدم الأداء عنه فيلزمه القضاء، وإنما بين للأعرابي ما كان مشكلاً.
م: (والكفارة) ش: أي مع القضاء هو قول جمهور العلماء منهم الشعبي والزهري والثوري والحسن البصري وعطاء ومالك وإسحاق وأبو ثور ومحمد بن جرير الطبري ﵃ وكان سعيد بن جبير يقول: لا كفارة على المفطر في رمضان، أي مفطر كان، لأن في آخر حديث الأعرابي أن النبي ﷺ قال: «كلها أنت وعيالك» فانتسخ بهذا حكم الكفارة، ولنا ما يأتي عن قريب.
وقال سعيد بن المسيب: عليه صوم شهر، وقال عطاء: عليه تحرير رقبة، فإن لم يجد فبدنة أو بقرة أو عشرون صاعاً من طعام على أربعين مسكيناً، وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: عليه أن يصوم اثني عشر يوماً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] [التوبة: ٣٦] ، وعند إبراهيم النخعي عليه أن يصوم ثلاثة آلاف يوم، رواه عنه حماد بن أبي سليمان وقال أبو عمر بن عبد البر، هذا لا وجه له إلا أن يكون كلامه قد خرج على وجه التغليظ والغضب، وعن ابن عباس ﵄ عليه عتق رقبة أو صوم شهر أو إطعام ثلاثين مسكيناً، وعن ابن سيرين يقضي يوماً، وهو رواية عن الشعبي ومذهب ابن جبير، ورواه القاضي بكار عن النخعي، وعن عمر ﵁ يقضي يوماً ويطعم مسكيناً واحداً.
وعن الحسن البصري أنه سئل عن رجل أفطر أربعة أيام يأكل ويشرب وينكح. قال: يعتق أربع رقاب، فإن لم يجد فأربعة من البدن فإن لم يجد فعشرون صاعاً من التمر لكل يوم، فإن لم يجد صام لكل يوم يومين، وروي مثله مرسلاً من طريق بن المسيب، وعن علي وابن مسعود رضي عنهما - أنهما قالا: لا يقضيه أبداً، وإن صام الدهر كله، ورفعه أبو هريرة ﵁، قال أبو عمر: وهو ضعيف.
م: (وقال الشافعي ﵀: لا كفارة عليه) ش: ولكن يعزره السلطان ويجب عليه إمساك بقية يومه، وبه قال أحمد وداود م: (لأنها) ش: أي لأن الكفارة م: (شرعت في الوقاع) ش: أي الجماع بخلاف القياس لارتفاع الذنب بالتوبة فلا يقاس عليه غيره) ش: بيانه أن الأعرابي جاء إلى النبي ﷺ تائباً نادماً، والتوبة رافعة للذنب بالنص، ومع ذلك أوجب النبي ﷺ الكفارة فعلم أنها تثبت على خلاف القياس، وما كان كذلك لا يقاس عليه غيره.
стр. 1895
وقد تحققت.
وبإيجاب الإعتاق تكفيرا عرف أن التوبة غير مكفرة لهذه الجناية.
ــ
[البناية]
م: (ولنا أن الكفارة تعلقت بجناية الإفطار) ش: أي أن وجوب الكفارة في الوقاع تعلق بجناية الإفساد للصوم م: (في رمضان على وجه الكمال لا بنفس الوقاع وقد تحققت) ش: أي الجناية في الأكل والشرب فوجب القول بوجوب الكفارة بطريق الأولى، لأن الكفارة وردت زجراً، والزجر إنما يكون في إتيان حرام تدعو إليه النفس، وداعية النفس في الصوم إلى الأكل والشرب أكثر منها إلى الجماع، فلما وجب في الجماع الزجر، فلأن تجب الكفارة في الأكل والشرب أولى وأحرى، قيل: لا نسلم عدم تعلق الكفارة بنفس الوقاع لأنه حرام في الصوم.
وأجيب بأن وقاع الزوجة من حيث هو ليس بحرام بالنص، فعلم أن الكفارة تعلقت بإفساد الصوم فقيل: لا نسلم تعلقها بإفساد الصوم والفساد حاصل في الإطار بالحصاة والنواة فأجيب نعم لكن لا على وجه الكمال فيما ذكر لعدم فوت معنى الصوم وهو قهر النفس بالتجويع.
م: (وبإيجاب الإعتاق تكفيرا عرف أن التوبة غير مكفرة لهذه الجناية) ش: هذا جواب عن قول الشافعي ﵁ أن الكفارة شرعت في الوقاع بخلاف القياس لارتفاع الذنب بالتوبة، وبيانه أن يقال لا نسلم أن هذه الجناية [ترفع بالتوبة، فإن الشرع لما أوجب الإعتاق كفارة هذه الجناية] ، علم أنها غير مفكرة لها كجناية السرقة والزنا حيث لا يرتفعان بمجرد التوبة بل بالحد، والباقي بإيجاب العتق تتعلق بقوله - عرف - والتقدير عرف بإيجاب الشارع الإعتاق أن التوبة غير مكفرة، وقوله - تكفيراً - نصب على التعليل أي لأجل التكفير.
فإن قال الخصم للجماع مزية في استدعاء الزاجر لغلظه في الجناية ولا يثبت الحكم في غير من زجره، الأول: أن الجماع يوجب الفطر من [الحكم] فكان أشد بخلاف الأكل والشرب.
والثاني: أن الإحرام يفسد بسبب الجماع، ولا يفسد بسائر محظورات الإحرام.
والثالث: أن الشارع أوجب في الوقاع عند عدم الملك ولم يشرع في الأكل عند عدم الملك، فكان أشد.
والرابع: أن تمام الجوع يبيح الفطر عند الضرورة، فكان نقيضه يوجب شبهة الإباحة والكفارة لا تجب بالشبهة، بخلاف الوقاع فإنه لا يباح أصلاً في حق الصائم.
والخامس: أن الوقاع بالمرأة له داعيان من النظر بخلاف الأكل فكان أشد.
وأجيب عن الأول بأنه لا فرق بين جماع الصغير، والكبير والمكرهة والبهيمة على أصله وليس فطراً، ومع ذلك وجبت الكفارة. وعن الثاني خوف الجماع في الحج أقوى حتى لا يرتفع بالحلق إلى أن يطوف طواف الزيارة بخلاف سائر المحظورات حتى ترتفع بالحلق، وهنا كلها سواء. وعن الثالث التسوية بين الأكل والوقاع في الركنية حرمة وإباحة.
следующие страницы →