Полный текст (7 019 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
وعن أبي حنيفة ﵀ أنه لا تجب الكفارة بالجماع في الموضع المكروه اعتبارا بالحد عنده، والأصح أنها تجب لأن الجناية متكاملة لقضاء الشهوة،
ولو جامع ميتة أو بهيمة فلا كفارة أنزل أو لم ينزل خلافا للشافعي ﵀ لأن الجناية تكاملها بقضاء الشهوة في محل مشتهى ولم يوجد،
ثم عندنا كما تجب الكفارة بالوقاع على الرجل تجب على المرأة. وقال الشافعي - رحمه
ــ
[البناية]
المحل يتم بالإيلاج والإنزال شبع، ولا يعتبر به في تكميل الجناية.
م: (وعن أبي حنيفة ﵀ أنه لا تجب الكفارة بالجماع في الموضع المكروه) ش: وهو الدبر م: (اعتبارا بالحد عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ﵀، فإنه لم يجعل هذا الفعل جناية كاملة في إيجاب العقوبة التي تندرئ بالشبهات، وهذه عقوبة تندرئ بالشبهات كالحدود في جانب المفعول ليس لقضاء الشهوة، وبه قال بعض أصحاب الشافعي ﵀.
م: (والأصح أنها تجب) ش: أي الكفارة. رواية عن أبي يوسف ﵀ م: (لأن الجناية متكاملة لقضاء الشهوة) ش: في محله، والسبب قد تم وهو الفطر بهذه الجناية، وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعي ﵏، وقال مالك وأحمد عليهما الغسل، وقال ابن قدامة قال أبو حنيفة في أشهر الروايتين عنه لا كفارة في الوطء في الدبر.
قلت: هذا غير صحيح، والأصح ما ذكرناه.
م: (ولو جامع ميتة أو بهيمة فلا كفارة أنزل أو لم ينزل خلافا للشافعي ﵀) ش: فالصحيح عنه أنه تجب الكفارة. وفي " شرح المهذب " للنووي أولج في قبل بهيمة أو دبرها بطل صومه أنزل أو لم ينزل، وفيما دون الفرج لا يبطل إلا بالإنزال، ولا كفارة فيه، كقولنا، وتجب الكفارة في البهيمة في أصح الطريقين أنزل أم لا، واختلف الحنابلة في وجوب الكفارة في وطء البهيمة والميتة م: (لأن الجناية تكاملها بقضاء الشهوة في محل مشتهى ولم يوجد) ش: تكاملها بالرفع لأنه خبر إن والأولى أن يكون بالنصب بدلاً من الجناية، وقوله في قضاء الشهوة يكون خبر إن، والتقدير أن تكامل الجناية في قضاء الشهوة، حاصل المعنى أن الكفارة تعتمل الجناية الكاملة، وتكاملها لا يكون إلا بقضاء الشهوة في محل مشتهى، ولم ويوجد، ألا ترى أن الطباع السليمة تنفر عنها، فإن حصل به قضاء الشهوة فذلك لغلبة الشهوة والشبق أو لفرط السفه.
[كفارة المفطر عمدا بجماع أو غيره]
م: (ثم عندنا كما تجب الكفارة بالوقاع على الرجل تجب على المرأة) ش: هذا إذا طاوعته المرأة، أما إذا غلبها على نفسها فعليها القضاء دون الكفارة، وبه قال مالك وأبو ثور وابن المنذر وأحمد في أصح الروايات، قال الخطابي: هو قول أكثر العلماء.
م: (وقال الشافعي ﵁ في قول: لا تجب عليها) ش: أي الكفارة وهو أظهر أقوال الشافعي ﵁ وهو رواية عن محمد، وفي قول: تجب كفارة واحدة على الواطئ
стр. 1892
الله - في قول: لا تجب عليها لأنها متعلقة بالجماع وهو فعله، وإنما هي محل الفعل، وفي قول تجب ويتحمل الرجل عنها اعتبارا بماء الاغتسال.
ــ
[البناية]
عنهما ويتحمل عنها، وهو قول الأوزاعي، وله قول ثالث كقولنا م: (لأنها متعلقة بالجماع) ش: أي لأن الكفارة متعلقة بالجماع يعني بسبب فعل الجماع م: (وهو) ش: أي الجماع م: (فعله) ش: أي فعل الرجل، م: (وإنما هي محل الفعل، فلا تجب عليها، وفي قول) ش: للشافعي ﵁ م: (تجب ويتحمل الرجل عنها) ش: لأنه أوقعها في هذه المؤنة هذا إذا كان موسراً، وأما إذا كان معسراً فلا يتحملها كالتكفير بالصوم م: (اعتبارا بماء الاغتسال) ش: يعني قياساً على ماء الاغتسال، فإنه عليه، لأنه أوقعها فيه والحق التعلق بالجماع ينقسم إلى بدني ومالي، فما كان مالياً، فعلى الزوج، وما كان بدنياً فعليهما كثمن ماء الاغتسال فإنه عليه والاغتسال عليها، وفي تتمتهم فيه تسعة فروع.
أحدها: إذا كانا جميعاً من أهل الإطعام أو العتق يحمل ويتداخلان لأنهما جنس واحد والسبب واحد.
الثاني: إذا كانا جميعاً من أهل الصوم، فعلى كل واحد أن يصوم ولا يتحمل عنها، لأنها عبادة بدنية ولا يجزئ فيها التحمل.
الثالث: إذا كان الرجل من أهل الإعتاق، وهي من أهل الصوم فيه وجهان، أحدهما: عليه الصوم لعدم التحمل فيه، والثاني: يسقط عنها لعتق الرجل.
الرابع: إذا كان هو من أهل العتق وهي من أهل الإطعام يتحمل عنها، وهما يتداخلان؟ فيه وجهان، أحدهما: لا يتداخلان لأنهما جنسان مختلفان، ولا تداخل مع الاختلاف. والثاني: تدخل فيه.
الخامس: لو كان هو من أهل الصوم، وهي من أهل العتق [فوجهان، أحدهما: لا يتحمل عنها، لأنه عاجز، والثاني: يتحمل فتبقى] في ذمته إلى أن يقدر.
والسادس: لو كان هو من أهل الإطعام وهي من أهل الصوم لا يتحمل عنها، لأنه [بدني فلا يتحمل فيه. السابع: لو زنى بامرأة لا يتحمل عنها، لأن] التحمل بسبب الزوجية ولم يوجد، ولهذا لا يلزمه ثمن ماء الاغتسال.
الثامن: إذا كان نائماً فاستدخلت ذكره فعليها الكفارة، لأن الرجل لم يجعلها مفطرة.
التاسع: إذا قدم الرجل من سفر مفطراً فجامعها، فإن ظن أنها مفطرة فلا يتحمل ولو جامعها مع العلم بصومها فيه وجهان، أحدهما: لا يتحمل، والثاني يتحمل.
стр. 1893
ولنا قوله ﷺ : «من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر» وكلمة "من" تنتظم الذكور والإناث، ولأن السبب جناية الإفساد لا نفس الوقاع وقد شاركته فيها ولا يتحمل لأنها عبادة أو عقوبة ولا يجري فيهما التحمل،
ولو أكل أو شرب ما يتغذى به أو ما يتداوى به فعليه القضاء.
ــ
[البناية]
م: (ولنا قوله ﷺ ) ش: أي قول النبي ﷺ : م: «من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر» ش: قال الأترازي: هذا ما رواه أصحابنا في كتبهم وذكره السغناقي ثم تبعه الأكمل مجرداً من غير بيان في حاله ولا نسبه إلى أحد. وقال الكاكي وفي " المبسوط "، واحتج علماؤنا بقوله ﵊: «من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر» ، رواه أبو هريرة ﵁، وقال مخرج أحاديثه: هذا حديث غريب لم أجده، واستدل ابن الجوزي في التحقيق لمذهبنا ومذهبه بما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁.
«أن النبي ﷺ أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكيناً» انتهى قال: ووجهه أنه علق التكفير بالإفطار وهو معنى حسن صحيح.
وقال الكاكي: وما رواه في المتن رواه الدارقطني بمعناه، قلت: روى الدارقطني في " سننه " عن يحيى الحماني حدثنا هشيم عن إسماعيل بن سالم عن مجاهد عن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ أمر الذي أفطر يوماً في رمضان بكفارة الظهار» .
م: (وكلمة من تنتظم الذكور والإناث) ش: قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣١] [الأحزاب: ٣١] وفي بعض النسخ تنتظم الذكور والإناث، م: (ولأن السبب) ش: أي سبب الكفارة م: (جناية الإفساد) ش: أي إفساد الصوم م: (لا نفس الوقاع) ش: ولهذا إذا حصل الوقاع ولم يوجد الإفساد لا تجب الكفارة، كما في الوقاع في ليالي رمضان.
م: (وقد شاركته فيها) ش: أي في جناية الفساد فشاركته في الكفارة فتجب عليها كما تجب عليه، وهذا جواب عن قول الشافعي أعني عن قوله الأول.
م: (ولا يتحمل لأنها) ش: أي لأن الكفارة م: (عبادة أو عقوبة) ش: وأيا ما كانت لا تلزمه م: (ولا يجري فيهما) ش: أي في العبادة والعقوبة م: (التحمل) ش: لأن العبادة فعل اختياري، فلو جاز التحمل لحصل الجبر واللازم منتف فينتفي الملزوم، وأما العقوبة فقد شرعت زجراً على الجاني لا على غيره، وهذا جواب عن قوله الثاني.
م: (ولو أكل) ش: أي الصائم م: (أو شرب ما يتغذى به أو ما يداوى به) ش: في نهار رمضان وكان عمداً م: (فعليه القضاء) ش: أي قضاء ذلك اليوم، وقال الأوزاعي: ليس عليه
стр. 1894
والكفارة وقال الشافعي ﵀: لا كفارة عليه لأنها شرعت في الوقاع بخلاف القياس لارتفاع الذنب بالتوبة، فلا يقاس عليه غيره. ولنا أن الكفارة تعلقت بجناية الإفطار في رمضان على وجه الكمال لا بنفس الوقاع
ــ
[البناية]
القضاء، واستدل بحديث الأعرابي، فإن النبي ﷺ بين حكم الكفارة، ولم يبين حكم القضاء. قلنا: إنه وجب عليه الصوم بشهود الشهر، وقد انعدم الأداء عنه فيلزمه القضاء، وإنما بين للأعرابي ما كان مشكلاً.
م: (والكفارة) ش: أي مع القضاء هو قول جمهور العلماء منهم الشعبي والزهري والثوري والحسن البصري وعطاء ومالك وإسحاق وأبو ثور ومحمد بن جرير الطبري ﵃ وكان سعيد بن جبير يقول: لا كفارة على المفطر في رمضان، أي مفطر كان، لأن في آخر حديث الأعرابي أن النبي ﷺ قال: «كلها أنت وعيالك» فانتسخ بهذا حكم الكفارة، ولنا ما يأتي عن قريب.
وقال سعيد بن المسيب: عليه صوم شهر، وقال عطاء: عليه تحرير رقبة، فإن لم يجد فبدنة أو بقرة أو عشرون صاعاً من طعام على أربعين مسكيناً، وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: عليه أن يصوم اثني عشر يوماً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] [التوبة: ٣٦] ، وعند إبراهيم النخعي عليه أن يصوم ثلاثة آلاف يوم، رواه عنه حماد بن أبي سليمان وقال أبو عمر بن عبد البر، هذا لا وجه له إلا أن يكون كلامه قد خرج على وجه التغليظ والغضب، وعن ابن عباس ﵄ عليه عتق رقبة أو صوم شهر أو إطعام ثلاثين مسكيناً، وعن ابن سيرين يقضي يوماً، وهو رواية عن الشعبي ومذهب ابن جبير، ورواه القاضي بكار عن النخعي، وعن عمر ﵁ يقضي يوماً ويطعم مسكيناً واحداً.
وعن الحسن البصري أنه سئل عن رجل أفطر أربعة أيام يأكل ويشرب وينكح. قال: يعتق أربع رقاب، فإن لم يجد فأربعة من البدن فإن لم يجد فعشرون صاعاً من التمر لكل يوم، فإن لم يجد صام لكل يوم يومين، وروي مثله مرسلاً من طريق بن المسيب، وعن علي وابن مسعود رضي عنهما - أنهما قالا: لا يقضيه أبداً، وإن صام الدهر كله، ورفعه أبو هريرة ﵁، قال أبو عمر: وهو ضعيف.
م: (وقال الشافعي ﵀: لا كفارة عليه) ش: ولكن يعزره السلطان ويجب عليه إمساك بقية يومه، وبه قال أحمد وداود م: (لأنها) ش: أي لأن الكفارة م: (شرعت في الوقاع) ش: أي الجماع بخلاف القياس لارتفاع الذنب بالتوبة فلا يقاس عليه غيره) ش: بيانه أن الأعرابي جاء إلى النبي ﷺ تائباً نادماً، والتوبة رافعة للذنب بالنص، ومع ذلك أوجب النبي ﷺ الكفارة فعلم أنها تثبت على خلاف القياس، وما كان كذلك لا يقاس عليه غيره.
стр. 1895
وقد تحققت.
وبإيجاب الإعتاق تكفيرا عرف أن التوبة غير مكفرة لهذه الجناية.
ــ
[البناية]
م: (ولنا أن الكفارة تعلقت بجناية الإفطار) ش: أي أن وجوب الكفارة في الوقاع تعلق بجناية الإفساد للصوم م: (في رمضان على وجه الكمال لا بنفس الوقاع وقد تحققت) ش: أي الجناية في الأكل والشرب فوجب القول بوجوب الكفارة بطريق الأولى، لأن الكفارة وردت زجراً، والزجر إنما يكون في إتيان حرام تدعو إليه النفس، وداعية النفس في الصوم إلى الأكل والشرب أكثر منها إلى الجماع، فلما وجب في الجماع الزجر، فلأن تجب الكفارة في الأكل والشرب أولى وأحرى، قيل: لا نسلم عدم تعلق الكفارة بنفس الوقاع لأنه حرام في الصوم.
وأجيب بأن وقاع الزوجة من حيث هو ليس بحرام بالنص، فعلم أن الكفارة تعلقت بإفساد الصوم فقيل: لا نسلم تعلقها بإفساد الصوم والفساد حاصل في الإطار بالحصاة والنواة فأجيب نعم لكن لا على وجه الكمال فيما ذكر لعدم فوت معنى الصوم وهو قهر النفس بالتجويع.
م: (وبإيجاب الإعتاق تكفيرا عرف أن التوبة غير مكفرة لهذه الجناية) ش: هذا جواب عن قول الشافعي ﵁ أن الكفارة شرعت في الوقاع بخلاف القياس لارتفاع الذنب بالتوبة، وبيانه أن يقال لا نسلم أن هذه الجناية [ترفع بالتوبة، فإن الشرع لما أوجب الإعتاق كفارة هذه الجناية] ، علم أنها غير مفكرة لها كجناية السرقة والزنا حيث لا يرتفعان بمجرد التوبة بل بالحد، والباقي بإيجاب العتق تتعلق بقوله - عرف - والتقدير عرف بإيجاب الشارع الإعتاق أن التوبة غير مكفرة، وقوله - تكفيراً - نصب على التعليل أي لأجل التكفير.
فإن قال الخصم للجماع مزية في استدعاء الزاجر لغلظه في الجناية ولا يثبت الحكم في غير من زجره، الأول: أن الجماع يوجب الفطر من [الحكم] فكان أشد بخلاف الأكل والشرب.
والثاني: أن الإحرام يفسد بسبب الجماع، ولا يفسد بسائر محظورات الإحرام.
والثالث: أن الشارع أوجب في الوقاع عند عدم الملك ولم يشرع في الأكل عند عدم الملك، فكان أشد.
والرابع: أن تمام الجوع يبيح الفطر عند الضرورة، فكان نقيضه يوجب شبهة الإباحة والكفارة لا تجب بالشبهة، بخلاف الوقاع فإنه لا يباح أصلاً في حق الصائم.
والخامس: أن الوقاع بالمرأة له داعيان من النظر بخلاف الأكل فكان أشد.
وأجيب عن الأول بأنه لا فرق بين جماع الصغير، والكبير والمكرهة والبهيمة على أصله وليس فطراً، ومع ذلك وجبت الكفارة. وعن الثاني خوف الجماع في الحج أقوى حتى لا يرتفع بالحلق إلى أن يطوف طواف الزيارة بخلاف سائر المحظورات حتى ترتفع بالحلق، وهنا كلها سواء. وعن الثالث التسوية بين الأكل والوقاع في الركنية حرمة وإباحة.
стр. 1896
ثم قال: والكفارة مثل كفارة الظهار لما روينا، ولحديث الأعرابي فإنه قال: «يا رسول الله هلكت وأهلكت، فقال: ماذا صنعت؟، قال: واقعت امرأتي في نهار رمضان متعمدا، فقال ﷺ : أعتق رقبة، فقال: لا أملك إلا رقبتي هذه، فقال: صم شهرين متتابعين، فقال: وهل جاءني ما جاءني إلا من الصوم؟ فقال: أطعم ستين مسكينا، فقال: لا أجد، فأمر رسول الله ﷺ إن يؤتى بفرق من تمر "ويروى" بعرق فيه خمسة عشر صاعا، وقال: فرقها على المساكين: فقال: والله ليس ما بين لابتي المدينة أحد أحوج مني ومن عيالي، فقال: كل أنت وعيالك يجزيك ولا يجزي أحدا بعدك»
ــ
[البناية]
وعن الرابع: أن تمام الجوع لا يبيح الفطر عند الضرورة، لأن الضرورة عبارة عن خلو المعدة لخوف الهلاك على نفسه بسبب من الجوع، لأن الجوع عبارة عن الاستشهاء ووقوع الحاجة إلى الأكل، وهذا لا يباح بحال، والضرورة عبارة عن خلو المعدة التي يتعلق بها بقاء الطبيعة، وذلك الخلو لا يتصور بعضه ببعض الزاد إذا بقي، ولا يخلو دخول الجوف عما فيه لا يتصور بعضه، وعن الخامس فهو الجواب عن الأول.
[صفة كفارة المفطر عمدا في رمضان]
م: ( [ثم قال] والكفارة مثل كفارة الظهار) ش: أي الكفارة التي تجب بالواقع، مثل كفارة الظهار، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً لكل مسكين نصف صاع من بر أو صاع من تمر م: (لما روينا) ش: أراد به قوله ﵊: «من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر» .
م: «ولحديث الأعرابي فإنه قال: يا رسول الله هلكت وأهلكت، فقال: ماذا صنعت؟، قال: واقعت امرأتي في نهار رمضان متعمداً، فقال ﷺ : أعتق رقبة، فقال: لا أملك إلا رقبتي هذه، فقال: صم شهرين متتابعين، فقال: وهل جاءني ما جاءني إلا من الصوم؟ فقال: أطعم ستين مسكينا، فقال: لا أجد، فأمر رسول الله ﷺ أن يؤتى بفرق من تمر "ويروى" بعرق من تمر فيه خمسة عشر صاعا، وقال: فرقها على المساكين: فقال: والله ليس بين لابتي المدينة أحد أحوج مني ومن عيالي، فقال: كل أنت وعيالك يجزيك ولا يجزي أحدا بعدك» ش: الكلام في هذا الحديث على أنواع:
стр. 1897
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الأول: أن هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة من حديث أبي هريرة فقال البخاري: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني حميد بن عبد الرحمن «حدثنا أبو هريرة ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما لك، قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال: رسول الله ﷺ : هل تجد من رقبة تعتقها؟ قال لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال لا، قال فمكث النبي ﷺ ، فبينما نحن كذلك أتي النبي ﷺ بفرق فيها تمر، والفرق المكيل، قال: أين السائل؟ فقال أنا، فقال خذها فتصدق بها، فقال الرجل: أعلى [وجه الأرض] أفقر مني يا رسول الله، فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أسنانه، قال: أطعمه أهلك» .
وقال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن نمير كلهم عن ابن عيينة، قال يحيى أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت يا رسول الله فقال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال هل تجد ما تعتق رقبة قال لا، قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال: لا قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال لا، ثم جلس فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر، فقال: تصدق بهذا فقال أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أسنانه، ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك» .
وقال أبو داود: حدثنا مسدد ومحمد بن عيسى المعنى قالا: حدثنا سفيان، قال مسدد حدثنا الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: «أتى رجل إلى النبي ﷺ فقال هلكت، فقال: ما شأنك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال لا، قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟ قال لا، قال اجلس فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر، فقال: تصدق به، فقال: يا رسول الله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا، فضحك النبي ﷺ حتى بدت ثناياه وقال: أطعمهم إياه» .
وقال الترمذي: حدثنا نصر بن علي الجهضمي وأبو عمار الضبي وأحمد واللفظ لفظ أبي عمار، قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن «عن أبي هريرة ... قال أتاه رجل فقال يا رسول الله هلكت، فقال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ قال لا، قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟ قال لا، فأجلس؟ فجلس فأتي النبي ﷺ بفرق فيه تمر، والفرق المكتل الضخم، قال: فتصدق به، قال: ما بين لابتيها
стр. 1898
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
أحد أفقر منا، فضحك النبي ﷺ حتى بدت ثناياه، قال: خذه فأطعمه أهلك» .
وقال النسائي: أخبرنا محمد بن نصر النيسابوري ومحمد بن إسماعيل الترمذي، قالا حدثنا أيوب بن سليمان قال حدثني أبو بكر وهو ابن أبي أويس عن سليمان قال يحيى بن سعيد وأخبرني ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة أخبره «أن رسول الله ﷺ أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً، قال الرجل: يا رسول الله ما أجده، فأتي بفرق من تمر فقال: خذ هذا فتصدق به، قال: ما أحد أحوج يا رسول الله مني فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: كله» . ورواه من طريق أخرى.
وقال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: «أتى النبي ﷺ رجل فقال: هلكت فقال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان فقال النبي ﷺ أعتق رقبة قال: لا أجدها قال صم شهرين متتابعين قال: لا أطيق قال أطعم ستين مسكيناً، قال: لا أجد، قال: اجلس فجلس فبينما هو كذلك إذ أتي بمكتل يدعى الفرق، قال: اذهب فتصدق به فقال يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، قال: فانطلق فأطعمه عيالك» .
النوع الثاني: في معناه قوله - بينما - أصله بين فأشبعت فتحة النون فصارت بينا، ثم زيدت فيه الميم فصارت بينما، وتضاف إلى جملة اسمية وفعلية، وتحتاج إلى جواب يتم به المعنى، وجوابه هنا هو قوله - إذ جاء رجل - زعم ابن بشكوال أن هذا الرجل هو سلمة بن صخر البياضي فيما ذكره ابن أبي شيبة في مسنده، وعن ابن الجارود سليمان بن صخر. وفي جامع الترمذي سلمة بن صخر، وهذا في المتن لحديث الأعرابي، والأعرابي نسبة إلى الأعراب، والأعراب ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة. والعرب اسم لهذا الجيل من الناس سواء أقاموا بالبادية أو المدن، والنسبة إليه عربي.
قوله - هلكت - في رواية البخاري وكذا في رواية البقية، وفي متن حديث الباب - هلكت وأهلكت - وليس في الكتب الستة لفظ وأهلكت، وقال الخطابي ﵀ هذه اللفظة غير محفوظة، وأصحاب سفيان لم يرووها عنه، إنما ذكروا قوله - هلكت - فقط غير أن بعض أصحابنا حدثني أن المعلى بن منصور روى هذا الحديث عن سفيان فذكر هذا الحرف فيه وهو غير محفوظ، والمعلى ليس بذاك القوي في الحفظ والإتقان، انتهى.
قلت: أخرجه الدارقطني في " سننه " عن أبي ثور حدثنا المعلى بن منصور حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري به، وفيه هلكت وأهلكت، وفي رواية البيهقي في " سننه " أيضاً جاءه رجل
стр. 1899
وهو حجة على الشافعي ﵀ في قوله يخير لأن مقتضاه الترتيب
ــ
[البناية]
وهو ينتف شعره ويدق صدره، ويقول هلكت ألا بعد وأهلكت، [وفي رواية ويدعو بالويل، وفي رواية ويلطم وجهه، وفي رواية الحجاج بن أرطاة ويدعو ويله، وفي مرسل سعيد بن المسيب عن الدارقطني ويحثي على رأسه التراب.
قوله - قال مالك - وفي رواية مسلم - وما أهلكك - وكذا في رواية الترمذي وابن ماجه] ، وفي رواية أبي داود - وما شأنك؟ - وفي متن حديث الكتاب ماذا صنعت؟. قوله - بفرق - بفتح الفاء والراء مكيال لستة عشر رطلاً، والعرق بفتح العين والراء، وقال أبو عبيد فتح الراء وهو الصواب عند أهل اللغة، قال وأكثرهم يروونه بسكون الراء. وفي ديوان الأدب - العرق - الزنبيل، وقال أبو عمر - العرق - أكبر من المكتل، والمكتل أكبر من الفرق، والعرقة زنبيل، وفي المحكم الفرق واحدته فرقة.
قوله - لابتي المدينة - تثنية اللابة، قال الأصمعي اللابة الحرة وهي الأراضي التي قد ألبتها حجارة سود، جمعها لابات ولوب. قوله - يجزيك لا يجزي أحداً بعدك - لم يرد في كتاب من كتب الحديث.
النوع الثالث: أن هذا الحديث يدل على بيان كفارة من أفطر في رمضان عمداً على الترتيب المذكور فيه، وفيه كلام كثير لا يحتمل هذا الموضع بيانه، فمن أراد ذلك فعليه بشرحنا للبخاري والذي سميناه عمدة القاري في شرح البخاري.
م: (وهو) ش: أي حديث الأعرابي م: (حجة على الشافعي ﵀ في قوله يخير) ش: أي يخير من عليه الكفارة بين الإعتاق والصوم والإطعام مطلقاً، فأيهما أدى خرج عن العهدة. وقال الكاكي قوله - وهو حجة على الشافعي في قوله يخير - وقع سهواً من الكاتب، فإن الشافعي لا يقول بالتخيير، بل يقول مثل مذهبنا بالترتيب، وبه قال أحمد في أصح الروايتين.
وقال في شرح الموطأ وابن المنذر في الأشراف قالوا هذا مذهب أبي حنيفة ﵁ وأصحابه والأوزاعي، والثوري والحسن بن حي والشافعي ﵏ وأحمد وأبي ثور، وقال السغناقي: والشافعي ﵀ لا يقول بالتخيير بل يقول بالترتيب المذكور في حق المظاهر كما هو قولنا، وهو منصوص في كتبهم في الوجيز والخلاصة المسنوبان للغزالي، وكذلك في كتبنا في مبسوط شمس الأئمة وفخر الإسلام.
م: (لأن مقتضاه) ش: أي مقتضى الحديث وجوب م: (الترتيب) ش: ودلالة الحديث على الترتيب ظاهرة، والذي ذهب إلى التخيير استدل بحديث سعد بن أبي وقاص «أن رجلاً سأل
стр. 1900
وعلى مالك في نفي التتابع للنص عليه. ومن جامع فيما دون الفرج فأنزل فعليه القضاء لوجود الجماع معنى، ولا كفارة عليه لانعدام الصورة.
وليس في إفساد الصوم في غير رمضان كفارة، لأن الإفطار في رمضان أبلغ في الجناية ولا يلحق غيره به. ومن احتقن أو استعط أو أقطر في
ــ
[البناية]
رسول الله ﷺ فقال: إني أفطرت في رمضان، فقال: أعتق رقبة أو صم شهرين [متتابعين] أو أطعم ستين مسكيناً» . أجيب بأن حديث الأعرابي مشهور لا يعارضه هذا الحديث، فيحمل على أن المراد به بيان ما تتأدى به الكفارة في الجملة لا التخيير، قلت حديث سعد بن أبي وقاص رواه الدارقطني في " سننه ". م: (وعلى مالك) ش: أي وحجة أيضاً على مالك م: (وفي نفي التتابع) ش: فإنه يجوز الصوم مطلقاً تابع أو فرق، هذا على ما ذكره المصنف، ولكن نسبته إلى مالك سهو أيضاً، فإن القائل بنفي التتابع هو ابن أبي ليلى ومالك ﵁ لا يقول إلا بالتتابع كقولنا، وفي " الذخيرة " للمالكية يجب صوم شهرين متتابعين عند مالك، وقال ابن قدامة في المغني لا اختلاف بين من أوجب الصوم أنه شهران متتابعان، وفي السروجي عند ابن عباس ﵁ شهر واحد، وعند ابن أبي ليلى شهرين ولم يوجب فيهما التتابع، ذكره القرطبي وغيره م: (للنص عليه) ش: أي لنص الحديث على التتابع، حيث قال صم شهرين متتابعين، وكل صيام لم يذكره الله في القرآن متتابعاً فالصائم بالخيار إن شاء تابع وإن شاء فرق وكل صوم ذكر في القرآن متتابعاً فعليه التتابع والصيامات المذكورة في القرآن ثمانية، أربعة منها متتابعة، صوم رمضان وكفارة القتل وكفارة الظهار وكفارة اليمين عندنا، وأربعة منها صاحبها بالخيار قضاء رمضان، وصوم المتعة، وصوم كفارة الحلق، وكفارة [جزاء] الصيد، وفي المبسوطين من مشايخنا من قال كل كفارة شرع فيها عتق فصاحبها بالخيار، فحينئذ يدخل فيه كفارة الفطر م: (ومن جامع فيما دون الفرج) ش: أي أراد به الاستعمال في فخذ المرأة، أو في بطنها ولم يرد به اللواطة فإنه فيها تجب الكفارة م: (فأنزل فعليه القضاء لوجود الجماع معنى) ش: وهو الإنزال عن المس بشهوة م: (ولا كفارة عليه) ش: وبه قال الشافعي، وقال مالك وأحمد وأبو ثور تجب الكفارة لوجود هتك حرمة الصوم، ولهذا يجب عليه القضاء بالإجماع م: (لانعدام الصورة) ش: أي صورة الجماع، وهو إيلاج الفرج في الفرج.
[الحقنة والقطرة للصائم]
م: (وليس في إفساد صوم في غير رمضان كفارة) ش: حكي عن قتادة أن الكفارة تجب بإفساد قضاء رمضان اعتباراً بأدائه م: (لأن الإفطار في رمضان أبلغ في الجناية) ش: لأن فيه هتك حرمة الشهر م: (ولا يلحق غيره به) ش: أي غير رمضان برمضان، وهذا بخلاف الكفارة في الحج، حيث يستوي فيه الفرض والنفل، لأن وجوبها لحرمة العبادة، وفي رمضان لحرمة الأمان لا لنفس العبادة، فافترق صوم رمضان وغيره.
م: (ومن احتقن) ش: أي وضع الحقنة في الدبر، والحقن بفتح الحاء كذا في " المغرب " وقال ابن الأثير: الحقنة أن يعطى المريض الدواء من أسفله وهي معروفة عند الأطباء، وفي الحديث أنه
стр. 1901
أذنه أفطر لقوله ﷺ : الفطر مما دخل.
ــ
[البناية]
كره الحقنة، وقال أصحابنا لا بأس بالاحتقان حال الضرورة، وهو قول النخعي، وقال مجاهد والشعبي يكره م: (أو استعط) ش: بفتح التاء أيضاً أي صب السعوط في الأنف، وهو بفتح السين اسم دواء يصب في أنف المريض، واستعطه إياه، ولا يقال استعط على بناء المجهول، والوجور دواء يصب في وسط الفم م: (أو أقطر في أذنه) ش: وقطره مثله، وأقطره، وقطر، وقطر بنفسه قطراً سال.
م: (أفطر) ش: بالفاء جواب من، أي أفطر الصائم بالاحتقان والاستعاط والإقطار في الأذن عند عامة العلماء إلا عند الحسن بن صالح وداود، فإنهما قالا لا يفطر، وقال مالك والأوزاعي في السعوط إن نزل إلى حلقه يفطر وإلا لا، ولمالك في الحقنة، روايتان، وفي " الأجناس " توجب الفطر ولا يقع بها الرضاع، ونقله عن " نوادر هشام "، لأن الرضاع إنما يثبت باللبن الذي يشربه الصغار بمعنى النشء والنمو والتغذية، ألا ترى أنه في حال الكبر لا يوجب والحقنة مفارقة للشرب في هذا المعنى.
م: «لقوله ﷺ [الفطر مما دخل» ش: هذا الحديث] رواه أبو يعلى الموصلي في " مسنده " حدثنا أحمد بن منيع حدثنا مروان بن معاوية «عن رزين البكري قال حدثتنا مولاة لنا يقال لها سلمى بنت بكر بن وائل أنها سمعت عائشة ﵂ تقول دخل علي رسول الله ﷺ فقال: يا عائشة هل من كسرة، فآتيته بقرص فوضعه على فيه، فقال يا عائشة هل دخل بطني منه شيء، كذلك قبلة الصائم، إنما الإفطار مما دخل وليس مما خرج» .
وروى عبد الرزاق في " مصنفه " هذا موقوفاً على ابن مسعود فقال أخبرنا الثوري عن وائل ابن داود عن أبي هريرة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال إنما الوضوء مما خرج وليس مما دخل والفطر في الصوم مما دخل وليس مما خرج ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبراني في " معجمه "، ورواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " موقوفاً على ابن عباس ﵄ فقال حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال الفطر مما دخل وليس مما خرج. وكذلك رواه البيهقي وقال: وروي من قول علي ﵁، وروي عن النبي ﷺ ولا يثبت، وذكره البخاري في " صحيحه " تعليقاً، وقال ابن عباس وعكرمة: الصوم مما دخل
стр. 1902
ولوجود معنى الفطر وهو وصول ما فيه صلاح البدن إلى الجوف ولا كفارة عليه لانعدام الصورة، ولو أقطر في أذنيه الماء أو دخله لا يفسد صومه لانعدام المعنى والصورة بخلاف ما إذا دخله الدهن. ولو داوى جائفة أو آمة بدواء فوصل إلى جوفه أو دماغه أفطر عند أبي حنيفة ﵀ والذي يصل هو الرطب
ــ
[البناية]
وليس مما خرج، ولوجود معنى الفطر
م: (وهو وصول ما فيه صلاح البدن إلى الجوف) ش أي إلى جوف الرأس أو البطن م: (ولا كفارة عليه) ش: لانعدام الصورة أي صورة الفطر، وهو الوصول إلى الجوف من المنفذ المعهود، وهو الفم م: (ولو أقطر في أذنيه الماء أو دخله) ش: أي أو دخل الماء أذنه بنفسه م: (لا يفسد صومه لانعدام المعنى والصورة) ش: أراد بالمعنى صلاح البدن وهو معدوم، لأن الماء الذي يدخل في الأذن يضر ولا ينفع، وأراد بالصورة الوصول إلى الجوف من المنفذ المعهود وهو الفم.
وعند الشافعية لو قطر في أذنه ماء أو دهناً فوصل إلى دماغه فطره في أصح الوجهين.
وقال القاضي حسين والقوزاني والسنجي: لا يفطره، وصححه القرافي، ولو اغتسل فدخل الماء أذنه فلا شيء عليه ولو صبه فيها فعليه القضاء، والمختار لا شيء عليه فيهما، وهو قول مالك والأوزاعي وداود، وفي " خزانة الأكمل " لو صب الماء في أذنه لا يفطره، هكذا عند بعض مشايخنا بخلاف الدهن يفعله فعليه القضاء، وفي " السليمانية ": من تبخر بالدواء فوجد طعم الدخان في حلقه يقضي الصوم، وفي " الخزانة " عن أبي حنيفة ﵁ فيمن استنشق فوصل الماء دماغه لزمه القضاء م: (بخلاف ما إذا دخله الدهن) ش: يعني أفطره إذا أدخل في أذنه الدهن لوجود صلاح البدن.
م: (ولو داوى جائفة) ش: وهي الطعنة التي تبلغ الجوف م: (أو آمة) ش: بمد الهمزة وبالتشديد وهي الشجة التي تبلغ أم الرأس وأمه يؤمه من آمته إذا ضربته بالعصا إذا ضربت أم رأسه وهي الجلدة التي تجمع الدماغ، وإنما قيل للشجة: آمة على معنى ذات أم كعيشة راضية.
م: (بدواء يصل إلى جوفه) ش: يرجع إلى الجائفة م: (أو دماغه) ش: يرجع إلى الآمة م: (أفطر عند أبي حنيفة ﵀) ش: وبه قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله - م: (والذي يصل هو الرطب) ش: أشار بهذا إلى أن المراد من قوله: يصل إلى جوفه هو الدواء الرطب، لأن الخلاف فيه، وأما إذا كان يابساً لا يفسد صومه بالإجماع، كذا في " المبسوط " و " تحفة الفقهاء " وغيرهما، وهو ظاهر الرواية.
قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: فرق في ظاهر الرواية بين الرطب واليابس، وأكثر مشايخنا على أن العبرة للوصول حتى إذا علم أن اليابس وصل إلى جوفه فسد صومه.
стр. 1903
وقالا: لا يفطر لعدم التيقن بالوصول لانضمام المنفذ مرة واتساعه أخرى كما في اليابس من الدواء. وله أن رطوبة الدواء تلاقي رطوبة الجراحة فيزداد ميلا إلى الأسفل فيصل إلى الجوف، بخلاف اليابس، لأنه ينشف رطوبة الجراحة فينسد فمها، ولو أقطر في إحليله لم يفطر عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ﵀: يفطر. وقول محمد ﵀ مضطرب فيه
ــ
[البناية]
وإذا علم أن الرطب لم يصل لا يفسد، وفي " الأجناس " لا فرق بين الرطب و [اليابس] إذا وصلا إلى الجوف فطر، أو إذا لم يصلا إلى الجوف لم يفطراه، ثم قال: هكذا فسره محمد بن شجاع في " تفسير المجدد "، وما ذكره في الأصل مطلقا في الرطب أنه يفطره فهو بناء على الغالب، لأنه يصل إلى الجوف غالباً، ثم قال: روى: ابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ﵃ إن كان الرطب يصل إلى جوفه
ولم يفرق القدوري ﵀ بين الرطب واليابس في كتاب التقريب، بل حقق الخلاف فيهما جميعاً بين أبي حنيفة وصاحبيه.
م: (وقالا: لا يفطر لعدم التيقن بالوصول) ش: أي المنفذ الأصلي والمنافي للصوم هو الواصل إلى الجوف من المخارق المعتادة التي خلقها الله تعالى في البدن م: (لانضمام المنفذ مرة واتساعه أخرى) ش: إذا ظهر أن المنفذ إذا انضم وانزوى لا يصل منه شيء إلى الباطن، وإذا اتسع يصل فلا يتيقن ذلك ولا يصل إلى الجوف فلا يفسد الصوم م: (كما في اليابس من الدواء) ش: أي كما لا يفصد في تداويه بدواء يابس لأنه يستمسك، فلا يصل إلى الباطن، وبقولهما قال مالك ﵀.
م: (وله) ش: لأبي حنيفة ﵁ م: (أن رطوبة الدواء تلاقي رطوبة الجراحة فيزداد ميلا إلى الأسفل) ش: لأن ما كان مبطناً في نفسه وله سبب ظاهر يدار الحكم على السبب الظاهر، والوصول إلى الجوف هو الموجب للفطر، إلا أنه مبطن لا يوقف عليه وله سبب ظاهر وهو كون الدواء مائعاً سائلاً، لأن كل مائع طبعه التحدر والتسفل، وإذا كان الدواء رطباً يصير مائعاً بانضمام رطوبة الجراحة إليه فينحدر إلى الأسفل م: (فيصل إلى الجوف) ش: بانحداره وتسفله.
م: (بخلاف اليابس لأنه ينشف رطوبة الجراحة فينسد فمها) ش: أي من الجراحة فلا ينفذ إلى أسفل.
م: (ولو أقطر في إحليله) ش: وهو مخرج البول من الذكر م: (لم يفطر عند أبي حنيفة) ش: وبه قال مالك وأحمد وأبو ثور وداود وبعض أصحاب الشافعي ﵀.
م: (وقال أبي يوسف ﵀: يفطر) ش: وبه قال الشافعي م: (وقول محمد ﵀ مضطرب فيه) ش: أي غير مستقر على وجه، فلذلك ذكر قوله في الأصل مع أبي حنيفة ﵀، وذكر الطحاوي في " مختصره " مع أبي يوسف أنه شك في وجود المنفذ من الإحليل إلى الجوف فتوقف.
стр. 1904
فكأنه وقع عند أبي يوسف ﵀ أن بينه وبين الجوف منفذا، ولهذا يخرج منه البول،
ووقع عند أبي حنيفة ﵀ أن المثانة بينهما حائل والبول يترشح منه، وهذا ليس من باب الفقه. ومن ذاق شيئا بفمه لم يفطر لعدم الفطر صورة ومعنى، ويكره له ذلك لما فيه من تعريض الصوم للفساد، ويكره للمرأة أن تمضغ لصبيها الطعام إذا كان لها منه بد
ــ
[البناية]
وروى ابن سماعة عن محمد أنه توقف في آخر عمره فيه م: (وكأنه وقع عند أبي يوسف أن بينه) ش: أي بين الإحليل م: (وبين الجوف منفذا) ش: هذا إشارة إلى أن الخلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف ﵀، وهذه المسألة تبتنى على أنه هل بين المثانة والجوف منفذ، والمثانة حائلة بين الجوف وقصبة الذكر أم لا، فأبو حنيفة يقول: لا منفذ بينهما، وإنما ينزل البول إلى المثانة بالترشيح كالجوف [....] ، وأبو يوسف يقول: بينهما منفذ م: (ولهذا) ش: أي لكون المنفذ بينهما م: (يخرج منه البول) ش: من المنفذ.
[ذوق الطعام ومضغ العلك للصائم]
م: (ووقع عند أبي حنيفة ﵀ أن المثانة بينهما حائل) ش: أي بين الإحليل والمنفذ م: (والبول يترشح منه) ش: أي من المنفذ م: (وهذا ليس من باب الفقه) ش: يعني ليس هذا الخلاف لهذه الصورة متعلقاً بباب الفقه، بل هو متعلق باصطلاح أهل تشريح الأبدان من الحكماء، فلذلك توقف محمد لأنه أشكل عليه أمره فاضطرب قوله فيه.
م: (ومن ذاق شيئا بفمه لم يفطر) ش: الذوق معرفة الشيء بفمه من غير إدخال عينه في حلقه، وإنما قيد الذوق بالفم لأنه ليس بمخصوص به، فإنه ﷺ قال: «لا حتى تذوقي عسيلته» م: (لعدم الفطر صورة ومعنى) ش: أما صورة فلأنه لم يصل إلى الجوف شيء من المنفذ المعهود، وأما معنى فلأنه لم يصل إلى البدن ما يصلحه م: (ويكره له) ش: أي للصائم م: (ذلك) ش: أي ذوق الشيء بالفم م: (لما فيه) ش: أي في الذوق م: (من تعريض الصوم للفساد) ش: لأنه لا يؤمن أن يصل إلى جوفه. وفي " المحيط " لا بأس بذوق العسل أو الطعام [ليعلم] جيده ورديئه كيلا يغبن متى لم يذقه، وكرهه في " فتاوى سمرقند "، وقال الحسن بن حي، وابن حنبل وابن إدريس: لا بأس، وفي فتاوى قاضي خان قال بعضهم: إن كان الزوج سيئ الخلق لا بأس للمرأة أن تذوق المرقة بلسانها، وقيل: الكراهة في صوم الفرض دون النفل.
م: (ويكره للمرأة أن تمضغ لصبيها الطعام إذا كان لها منه بد) ش: أي إذا كان للمرأة من المضغ بد، أي عدم احتياج، بأن وجدت حليباً ونحو ذلك، وقال ابن المنذر: وروينا عن ابن عباس ﵄ قال: لا بأس أن تمضغ الصائمة لصبيها الطعام، وكره الأوزاعي، ومالك ذوق الطعام حتى للطباخ ولمن يشتري، ومضغه للطفل، وكذا أطلق الثوري الكراهة. وفي " الذخيرة " للمالكية يكره ذوق الطعام ووضع الدواء في الفم [....] إن وجد طعمه في حلقه ولم يتيقن بالابتلاع فظاهر المذهب إفطاره خلافاً للجماعة، وفي " المغني " إن وجد طعمه في حلقه
стр. 1905
لما بينا ولا بأس إذا لم تجد منه بدا صيانة للولد؛ ألا ترى أن لها أن تفطر إذا خافت على ولدها،
ومضغ العلك لا يفطر الصائم؛ لأنه لا يصل إلى جوفه، وقيل: إذا لم يكن ملتئما يفسد؛ لأنه يصل إليه بعض أجزائه وقيل: إذا كان أسود يفسد، وإن كان ملتئما لأنه يتفتت، إلا أنه يكره للصائم لما فيه من تعريض الصوم للفساد، ولأنه يتهم بالإفطار. ولا يكره للمرأة إذا لم تكن صائمة لقيامه مقام السواك في حقهن
ــ
[البناية]
أفطر م: (لما بينا) ش: أشار إلى قوله، لما فيه من تعريض الصوم على الفساد. م: (ولا بأس إذا لم تجد منه بدا صيانة للولد) ش: لأنه يباح لها الإفطار عند الضرورة، فالمضغ أولى، ولأن حق الصبي يفوت لا إلى بدل وحق الله يفوت إلى بدل، وهو القضاء لأن حق العبد مقدم، والله مستغن عن الحاجة م: (ألا ترى أن لها أن تفطر إذا خافت على ولدها) ش: هذا توضيح لقوله ولا بأس.... إلخ، فإن كان لها الإفطار عند خوفها على الولد إذا صامت فالمضغ أولى كما قلنا.
م: (ومضغ العلك) ش: بكسر العين الذي يمضغ، وأما بالفتح فهو مصدر علك يعلك علكاً إذا لاك م: (لا يفطر الصائم؛ لأنه لا يصل إلى جوفه) ش: وبه قال الشافعي لأنه لا يدور في الفم ولا يصل إلى الجوف م: (وقيل: إذا لم يكن ملتئما) ش: أي مصلحاً [....] ، فإن مضغه غيره حتى انضمت أجزاؤه م: (يفسد؛ لأنه يصل إليه) ش: أي إلى جوفه م: (بعض أجزائه) ش: لأنه إذا لم يكن ملتئماً تفتت فيدخل في حلقه من ذلك شيء فيفسد صومه.
م: (وقيل: إذا كان) ش: أي العلك م: (أسود يفسده) ش: لأن الأسود يذوب ويصل إلى جوفه منه شيء، وإذا كان أبيض ملتئماً لا يفطره م: (وإن كان ملتئماً) ش: واصل بما قبله، أي الأسود يفسد ولو كان ملتئماً م: (لأنه يتفتت) ش: فيدخل منه شيء إلى الحلق.
م: (إلا أنه يكره للصائم) ش: هذا استثناء من قوله: ومن مضغ العلك لا يفطر م: (لما فيه من التعريض للفساد) ش: لأنه يتوهم وصول شيء منه إلى الباطن، فيكون معرضاً لصومه أي على الفساد م: (ولأنه يتهم بالإفطار) ش: وفي بعض النسخ - ولأنه يوهم الإفطار- لأن من رآه من بعيد يظن أنه مفطر، وقال علي ﵁: إياك وما سبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره، وقال الشافعي ﵁: أكرهه لأنه يجفف الفم ويعطش، ذكره في " التهذيب " عنه، لكن يدبغ المعدة ويهضم الطعام ويشتهي الأكل، ذكره في " المبسوط "، وأشار في " الجامع الصغير " إلى أنه لا يكره العلك لغير الصائم، ولكن يستحب للرجال تركه إلا من عذر مثل أن يكون في فمه بخر.
م: (ولا يكره للمرأة إذا لم تكن صائمة لقيامه) ش: أي لقيام العلك م: (مقام السواك في حقهن) ش: لضعف أسنانهن ومضغه ينقي الأسنان ويشد اللثة كالسواك، وقال الكاكي: وإنما قال
стр. 1906
ويكره للرجال على ما قيل إذا لم يكن من علة، وقيل: لا يستحب لما فيه من التشبه بالنساء،
ولا بأس بالكحل ودهن الشارب لأنه نوع ارتفاق، وهو ليس من محظورات الصوم، وقد ندب النبي ﷺ إلى الاكتحال يوم عاشوراء
ــ
[البناية]
ولا يكره، وإن لم يكن موضع التشبه لأن مضغ العلك يورث هزال الجنين م: (ويكره) ش: أي العلك م: (للرجال على ما قيل) ش: ذكره فخر الإسلام م: (إذا لم يكن) ش: أي العلك م: (من علة) ش: أي من أجل علة في فمه، لأن الاشتغال به عند عدم العلة اشتغال بما لا يفيد م: (وقيل: لا يستحب) ش: أي العلك للرجال م: (لما فيه من التشبه بالنساء) ش: وقد ورد النهي عن تشبه الرجال بالنساء.
فإن قلت: قد ذكر قبله، ويكره فقوله ولا يستحب تكرار.
قلت: قال بعضهم لا فرق بينهما، وليس كذلك بل بينهما فرق لأنه يجوز أن يكون الشيء غير مستحب وغير مكروه كالمباحات في المشي والقيام والقعود في الأمر المباح.
[الاكتحال والسواك للصائم]
م: (ولا بأس بالكحل) ش: بفتح الكاف مصدر من كحل يكحل كحلاً مثل نصر ينصر نصراً ويجوز أن يكون بالضم فيكون اسما بمعنى الاكتحال، والأول أولى م: (ودهن الشارب) ش: كذلك يجوز فيه الوجهان وفتح الدال أولى، فيكون بمعنى الادهان م: (لأنه) ش: أي كل واحد من الكحل والدهن [ليس] من ممنوعات الصوم، فإذا لم يمنعا الصوم فلا بأس بهما لأنه نوع ارتفاق [وهو ليس من محظورات الصوم] ، وقد ندب النبي ﷺ إلى الاكتحال يوم عاشوراء) ش: لم يتعرض أكثر الشراح إلى ذكر حديث الاكتحال يوم عاشوراء غير أن السروجي قال في " شرحه ": الندب إلى صوم عاشوراء قد صح ولم يرد الندب إلى الاكتحال فيه في ما علمت من كتب الحديث، ثم قال: روى شمس الأئمة السرخسي ﵀ عن ابن مسعود ﵁ «أن النبي ﷺ خرج يوم عاشوراء من بيت أم سلمة ﵂ وعيناه مملوءتان كحلاً كحلته أم سلمة،» انتهى.
قلت: روى البيهقي ﵁ في " شعب الإيمان " من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : «من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبداً» ، ثم قال: إسناده ضعيف فجويبر ضعيف والضحاك لم يلق ابن عباس، ومن طريقه، روى ابن الجوزي في " الموضوعات "، ونقل عن الحاكم فيه حديثاً موضوعاً وضعه قتلة الحسين ﵁ انتهى.
وجويبر، قال فيه ابن معين: ليس بشيء، وقال أحمد: متروك، وأما الضحاك لم يلق ابن عباس فروى ابن أبي شيبة في " مصنفه "، حدثنا أبو داود عن شعبة عن عبد الملك بن ميسرة، قال لم يلق الضحاك ابن عباس إنما لقي سعيد بن جبير فأخذ عنه التفسير.
стр. 1907
وإلى الصوم فيه.
ــ
[البناية]
وروى ابن أبي شيبة أيضاً عن أبي داود عن شعبة قال: أخبرني ناس قال: سألت الضحاك هل رأيت ابن عباس، قال: لا.
وروى ابن الجوزي في " الموضوعات " من طريق ابن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «من اكتحل يوم عاشوراء لم ترمد عينه تلك السنة كلها» وقال: وفي رجاله من ينسب إلى تفضيل [....] عليه في أحاديث الثقات.
وأما الحديث الذي رواه شمس الأئمة عن ابن مسعود الذي ذكرناه الآن فما رأيت أحدا من أهل هذا الشأن ذكره عن ابن مسعود وإنما الحديث رواه الحارث بن أبي أسامة حدثنا سعيد بن زيد عن عمرو بن خالد عن محمد بن علي عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب ﵁ ومن حديث ابن أبي ثابت عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: «انتظرنا النبي ﷺ أن يخرج في رمضان إلينا فخرج من بيت أم سلمة وقد كحلته وملأت عينه كحلاً» قال شيخنا زين الدين: هذا ليس بصريح في الكحل للصائم إنما ذكر في رمضان فقط، ولعله كان في رمضان في الليل.
وقال الترمذي ﵀: " باب ما جاء في الكحل للصائم " حدثنا عبد الأعلى بن واصل حدثنا الحسن بن عطية حدثنا أبو عاتكة عن أنس ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ قال: اشتكت عيني فأكتحل وأنا صائم؟ قال: " نعم» ثم قال الترمذي: حديث [أنس] ليس إسناده بالقوي ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وأبو عاتكة يضعف، قال البخاري فيه منكر الحديث، وقال أبو حاتم الرازي: ذاهب الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، واسم أبي عاتكة طريف بن سلمان وقيل: سليمان، وقيل سلمان بن طريف، وروى ابن عدي في " الكامل " والبيهقي من طريقه والطبراني في الكبير من رواية حبان بن علي عن محمد بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده «أن النبي ﷺ كان يكتحل بالإثمد وهو صائم» ومحمد هذا، قال البخاري فيه: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء.
وروى ابن ماجه من رواية بقية الزبيدي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: «اكتحل رسول الله ﷺ وهو صائم» والزبيدي هذا هو سعيد بن [أبي سعد] الزبيدي قال الترمذي: هو من مجاهيل شيوخ بقية ينفرد بما لا يتابع عليه. وقال شيخنا زين الدين ﵀: ليس بمجهول بل مشهور بالضعف، ضعفه ابن عدي والدارقطني والخطيب.
م: (وإلى الصوم فيه) ش: أي وندب أيضاً إلى الصوم في يوم عاشوراء لما روى البخاري ومسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: «بعث رسول الله ﷺ رجلاً من أسلم يوم عاشوراء فأمره أن يؤذن في الناس: " من كان لم يصم فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم
стр. 1908
ولا بأس بالاكتحال للرجال إذا قصد به التداوي دون الزينة ويستحسن دهن الشارب إذا لم يكن من قصده الزينة
ــ
[البناية]
فإن اليوم يوم عاشوراء» " وروى مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده» ... الحديث وروي فيه أحاديث كثيرة.
م: (ولا بأس بالاكتحال للرجال إذا قصد به التداوي دون الزينة) ش: لأن الزينة للنساء، وقال الأترازي ﵀: يعني اكتحال الرجل بالكحل الأسود مباح إذا قصد به التداوي، فأما الزينة فلا. قلت: لم أدر ما فائدة قيد الكحل بالأسود، وليس الكحل إلا الأسود، وقال السروجي: ولا بأس بالاكتحال للرجال في الصوم وغيره لقصد التداوي دون الزينة.
قلت: اختلفوا فيه فذهب الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق إلى كراهة الكحل للصائم، وحكى ابن المنذر عن الشافعي ﵀ في جوازه بلا كراهة وأنه لا يفطر به، سواء وجد طعمه في حلقه أم لا، وقال شيخنا زين الدين: وكذا روي عن عطاء والحسن البصري والنخعي والأوزاعي وأبي حنيفة ﵁ وأبي ثور ﵁ وحكي عن مالك وأحمد أنه إذا وجد طعمه في الحلق أفطر، وحكي أيضاً عن سليمان التيمي وسليمان بن المعتمر وابن شبرمة وابن أبي ليلى أنهم قالوا: يبطل به صومه، وقال قتادة: يجوز بالإثمد ويكره بالصبر.
وقال الثوري وإسحاق: يكره، وفي " سنن " أبي داود عن الأعمش قال: ما رأيت أحداً من أصحابنا يكره الكحل للصائم، وفي المجتبى لو وجد طعم الكحل في حلقه أو دماغه لا بأس به لدخول رائحة المسك والعود والثوم ورائحة الغذاء ودخان النار فإنها غير معتبرة بالإجماع، ولو بزق ورأى أثر الكحل، ولونه في بزاقه لا يفسد عند الأكثر.
فإن قلت: قد ذكر الاكتحال مرة في هذا الباب فما فائدة ذكره ثانياً بعد هذا.
قلت: قال الكاكي أخذاً من " النهاية "، قلنا لكل موضع فائدة، فإنه يستفاد من الأول عدم الفطر به، ولا يلزم منه عدم الكراهة بل يجوز أن يكون الشيء مكروهاً للصائم، وهو غير مفطر كما إذا ذاق شيئا ًبلسانه، وهذه المسألة يعلم أنه مكروه، ثم قد يختلف حكمه بين الرجال والنساء كما في العلك، فعلم [المسألة بالمسألة الثانية أنهما لا يفترقان إذا قصد الرجل شيئاً غير الزينة، مع أن هذا من خواص " الجامع الصغير "، وذلك من مسائل القدوري، والثالث من مسائل الفتاوى.
م: (ويستحسن دهن الشارب) ش: هكذا بفتح الدال قطعاً مصدر من دهن رأسه أو جسده إذا طلاه بالدهن بضم الدال م: (إذا لم يكن من قصده الزينة) ش: قال فخر الإسلام ﵀ أصل ذلك أن الصوم كف عن الشهوة، وليس في دهن الشارب شهوة لا صورة ولا معنى فلم يكن محظوراً بالصوم وليس يحرم بالصوم الارتفاق ولا يجب به الشعث بخلاف الإحرام، فإنه يحرم
стр. 1909
لأنه يعمل عمل الخضاب، ولا يفعل لتطويل اللحية إذا كانت بقدر المسنون وهو القبضة
ــ
[البناية]
به دهن الشارب، وقال الأترازي وقد دل هذا على أنه يستحسن دهن شعر الوجه وبذلك جاءت السنة عن رسول الله ﷺ وأنه يعمل عمل الخضاب انتهى. قلت: السنة التي جاءت باستحسان دهن شعر الوجه رواه الترمذي، حدثنا يحيى بن موسى قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كلوا الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة» ".
وقوله: " ادهنوا به " يشمل دهن شعر الوجه وغيره من أعضائه، والسنة التي جاءت بالخضاب ما رواه الترمذي أيضاً، قال حدثنا أحمد بن منيع قال حدثنا حماد بن خالد الخياط قال حدثنا فايد مولى لآل أبي رافع «عن علي بن عبيد الله عن جدته وكانت تخدم النبي ﷺ قالت: ما كان يكون لرسول الله ﷺ قرحة ولا نكبة إلا أمرني رسول الله ﷺ أن أضع عليها الحناء» .
م: (لأنه يعمل عمل الخضاب) ش: أي لأن دهن شعر الشارب يعمل عمل الخضاب وبالخضاب جاءت السنة ولكن إذا لم يكن لقصد الزينة بل لحاجة أخرى يدل عليه ما رويناه عن الترمذي، وفي " المبسوط " لا بأس بالخضاب لأجل النساء ولأجل الحرب. قلت خضابه لأجل النساء لا يخلو عن الزينة على ما لا يخفى.
م: (ولا يفعل) ش: أي الدهن م: (لتطويل اللحية إذا كانت) ش: أي اللحية م: (بقدر المسنون وهو القبضة) ش: بضم القاف، وقال الكاكي: طول اللحية بقدر القبضة عندنا، وما زاد على ذلك يجب قطعه هكذا روي «عن رسول الله ﷺ أنه كان يأخذ من طولها» أورده أبو عيسى في " جامعه ".
قلت: لفظ الترمذي كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها أخرجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كان يأخذ ... الحديث، وقال: هذا حديث غريب.
قلت: هذا لا يدل على أن الذي كان يأخذه النبي ﷺ القبضة، نعم جاء أثران فيه أحدهما: عن ابن عمر ﵄ رواه أبو داود والنسائي من حديث مروان بن سالم المقنع. قال: رأيت ابن عمر ﵁ يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكف، وذكره
стр. 1910
ولا بأس بالسواك الرطب بالغداة والعشي للصائم
ــ
[البناية]
البخاري تعليقاً، فقال: وكان ابن عمر ﵄ إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه، وجهل من قال رواه البخاري، وإنما يقال في مثل هذا ذكره، ولا يقال رواه.
والآخر: عن أبي هريرة أخرجه ابن أبي شيبة من حديث أبي زرعة قال: كان أبو هريرة يقبض على لحيته فيأخذ ما فضل عن القبضة، ولكن يعارض هذا حديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «احفوا الشارب وأعفوا اللحى» ، أخرجه البخاري ومسلم ويمكن أن يجاب عنه أن المراد بإعفاء [اللحى أن لا تحلق كلها كما يفعله المجوس، والدليل عليه ما جاء في رواية مسلم من] رواية أبي هريرة، قال قال رسول الله ﷺ : «جزوا الشوارب واعفو اللحى، خالفوا المجوس» فإن المجوس كانوا يحلقون لحاهم ويتركون شواربهم ولا يأخذون منها شيئاً أصلاً ".
وفي " المحيط " اختلف في إعفاء اللحية قال بعضهم: يتركها حتى تكثف وتكبر، والقص سنة فما زاد على قبضة قطعها، ولا بأس بنتف الشيب وأخذ أطراف اللحية إذا طالت، ولا بأس بالأخذ من حاجبه وشعر وجهه ما لم يشبه المخنثين.
[السواك للصائم]
م: (ولا بأس بالسواك الرطب) ش: أي لا بأس للصائم استعمال السواك م: (بالغداة والعشي للصائم) ش: يعني في أول النهار وآخره، وإذا كان بالرطب فلا بأس به فباليابس أولى، وكذلك إذا كان مبلولاً بالماء أو غير مبلول، ولفظ " الجامع الصغير " لا بأس بالرطب بالماء للصائم، في الفريضة بالغداة والعشي] .
وقال الكاكي: اعلم أن محمداً ذكر في الأصول أنه لا بأس أن يستاك بالسواك الرطب، ولم يذكر أن رطوبته بالماء أو بالرطوبة الأصلية التي تكون في الأشجار، ولا ذكر أنه بريقه أو بالماء فلولا رواية " الجامع " لكان لقائل أن يقول: إذا كان رطباً بالريق لا بأس به، أما إذا كان بالماء فيكره لما فيه من الحوم حول الحمى، ولما نص ها هنا بالماء أو لأن ذلك إشكال ولا يعتبر بما قاله أبو يوسف وهو أنه يكره بالمبلول لما فيه من إدخال الماء في الفم، لأن ما يبقى من الرطوبة بعد المضمضة أكثر مما يبقى بعد السواك.
وقد روي «عن النبي ﷺ أنه كان يأمر عائشة ﵂ ببل السواك بريقها ثم يغسله ويتوضأ» كذا في " الفوائد الظهيرية "، وقال شيخ الإسلام: شرط محمد ﵁ في الكتاب الفريضة قيل مراده إذا توضأ للمكتوبة وإلا فيكره، وقيل: أراد الصوم الفرض إبطالاً لقول من زعم أنه يكره في الفرض، وهو المروي عن مالك فإنه قال يكره السواك في الفرض بعد الزوال دون النفل، لأن المستحب في النوافل الإخفاء، ولو ترك السواك لا يؤمن أن تظهر رائحة [من] فمه فيظهر للناس أنه صائم، وقيل أراد الوضوء الفرض وعندنا لا بأس في الأحوال كلها.
стр. 1911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وقال أحمد ﵁: لا يكره بعد الزوال في النفل، ويكره في الفرض، وقال مالك ﵀ يكره السواك الرطب بالغداة والعشي لما فيه من تعريض الصوم على الفساد وبسبب دخول الرطوبة، ولكن ذكر في " شرح الوجيز " عن مالك لا يكره في المشهور عنه، وعندنا يكره بعد الزوال وهو رواية عن أحمد لما روى حبان أن النبي ﷺ : " قال «إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي، فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه إلا كانتا نوراً بين عينيه يوم القيامة» ، وعن علي ﵁ مرفوعاً مثل ذلك، إلى هنا كلام الكاكي.
وقوله: وقد روي أن النبي ﷺ كان يأمر ... إلى آخره، وحديث حبان رواه الطبراني والدارقطني والبيهقي ﵀ من طريقه في حديث كيسان أبي عمر القصار عن عمرو بن عبد الرحمن عن حبان عن النبي ﷺ
إلخ، وكيسان أبو عمر ضعفه ابن معين والساجي وقال الدارقطني: ليس بالقوي.
وقال شيخنا في " شرح الترمذي ": اختلف العلماء في حكم السواك للصائم على ستة أقوال:
الأول: أنه لا بأس به للصائم مطلقاً قبل الزوال وبعده بيابس أو رطب، وهو قول إبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وأبي حنيفة ﵁ وأصحابه والثوري والأوزاعي وابن علية، ويروى عن علي وابن عمر أنه لا بأس بالسواك الرطب للصائم، وروي ذلك أيضاً عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء.
الثاني: كراهته للصائم بعد الزوال واستحبابه قبله برطب أو يابس، وهو قول الشافعي ﵀ في أصح قوليه وأبي ثور، وروي عن علي ﵁ كراهة السواك بعد الزوال، رواه الطبراني.
الثالث: كراهته بعد العصر فقط، يروى عن أبي هريرة ﵁.
الرابع: التفرقة بين صوم الفرض وصوم النفل، فيكره في الفرائض بعد الزوال، ولا يكره في النفل لأنه أبعد عن الرياء، حكاه المسعودي وغيره من أصحابنا عن أحمد بن حنبل، وحكاه صاحب " المعتمد " من الشافعية ﵀ عن القاضي حسين.
الخامس: أنه يكره للصائم بالسواك الرطب دون غيره سواء أول النهار أو آخره وهو قول مالك وأصحابه.
السادس: كراهته للصائم بعد الزوال مطلقاً وكراهة الرطب مطلقاً، وهو قول أحمد وإسحاق بن راهويه.
стр. 1912
لقوله ﷺ : «خير خلال الصائم السواك» من غير فصل. وقال الشافعي: يكره بالعشي لما فيه من إزالة الأثر المحمود وهو الخلوف فشابه دم الشهيد. قلنا: هو أثر العبادة، والأليق به الإخفاء، بخلاف دم الشهيد لأنه أثر الظلم، ولا فرق بين الرطب الأخضر وبين المبلول بالماء لما روينا.
ــ
[البناية]
م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «خير خلال الصائم السواك» ش: هذا الحديث رواه ابن ماجه في " سننه " من حديث مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : «من خير خلال الصائم السواك» والخلال بكسر الخاء المعجمة جمع خلة بالفتح وهي الخصلة، وقال الجوهري: م: (من غير فصل) ش: يعني الحديث مطلقاً لم يفصل فيه بين حال وحال وينتفي به ما قال أبو يوسف ﵀ أن الرطب بالماء مكروه.
م: (وقال الشافعي: يكره بالعشي) ش: أي يكره السواك للصائم بالعشي وهو بعد الزوال م: (لأن فيه) ش: أي لأن السواك بالعشي م: (من إزالة الأثر المحمود وهو الخلوف) ش: والخلوف: بضم الخاء المعجمة، قال الأترازي بالضم لا غير، قال الخطابي في " شرح غريب الحديث ": إن أصحاب الحديث يقولون بفتح الخاء، وإنما هو ظرف بضم الخاء مصدر خلف فيه يخلف خلوفاً إذا تغير، فأما الخلوف بفتح الخاء فهو الذي بعدهم الخلف، وقال السروجي: فتح الخاء خطأ، قلت: وقال السغناقي: هما لغتان م: (فشابه دم الشهيد) ش: أي فشابه الخلوف دم الشهداء فإن كل واحد منهما أثر عبادة وصف بالطيب، أما في الخلوف ففي قوله ﷺ : «لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك» . وأما دم الشهيد فقوله ﷺ : «اللون لون الدم والريح ريح المسك» . وما يكون محموداً عند الله فسبيله الاستبقاء كما في دم الشهيد، حيث قال ﵊: «زملوهم بكلومهم ودمائهم» .
م: (قلنا: هو أثر العبادة) ش: أي خلوف فم الصائم أثر العبادة م: (واللائق به الإخفاء) ش: أي اللائق بأثر العبادة الإخفاء فراراً عن الرياء م: (بخلاف دم الشهيد لأنه أثر الظلم) ش: فيبقى عليه ليكون شهيداً له على خصمه يوم القيامة، فأما الصوم فبينه وبين ربه فلا حاجة إلى الشاهد.
م: (ولا فرق بين الرطب الأخضر وبين المبلول بالماء) ش: هذا نفي لقول أبي يوسف ﵀ حيث قال يكره إذا كان مبلولاً بالماء م: (لما روينا) ش: أراد به قوله ﵊: «خير خلال الصائم السواك» ، وقد مر عن قريب.
стр. 1913
فصل ومن كان مريضا في رمضان، فخاف إن صام ازداد مرضه أفطر
ــ
[البناية]
[فصل أحكام المريض والمسافر في الصيام] [ المفاضلة بين صوم المريض والمسافر وفطرهما]
م: (فصل) ش: أي هذا فصل، ولا يعرف إلا إذا قدرنا هكذا، لأن الإعراب لا يكون إلا في الجزء المركب، ولما فرغ من مسائل الصوم شرع في هذا الفصل الموجود في بيان وجوه الأعذار المبيحة للفطر في الصوم.
م: (ومن كان مريضا في رمضان) ش: أي في شهر رمضان، والمرض معنى يزول به ويحلو له في بدن الحي اعتذار الطباع الأربع.
فإن قلت: م: (أهذه الواو في قوله - ومن كان مريضاً.
قلت سمعت من الأساتذة الكبار أن هذه الواو التي تذكر في أول الكلام الذي لم يذكر شيء قبله تسمى واو الاستفتاح، ولم يذكر النحاة هذا م: (فخاف إن صام ازداد مرضه أفطر) ش: هذا يشير إلى أن مجرد المرض لا يبيح الإفطار، وقال فخر الإسلام إن المرض لا يوجب إباحة الإفطار بنفسه، بل لعلة المشقة بإجماع عامة العلماء.
وقال أو يوجب الإباحة بنفسه لظاهر الآية. وحكي عن ابن سيرين هكذا، قلنا الآية محمولة على مرض يوجب المشقة بالصوم، بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] [البقرة: ١٨٥] أما السفر فإنه يوجب الإباحة لأنه لا يخلو عن مشقة بخلاف المرض، فإنه نوعان: ما يوجب المشقة، وما لا يوجبها فوجب الفصل، فقلنا كل مرض يضره الصوم يوجب الإباحة، وما لا فلا، وكان خوف ازدياد المرض مرخصاً للفطر كخوف الهلاك.
وذكر الإمام المحبوبي طريق معرفة ذلك إما باجتهاده أو بقول طبيب حاذق، وقال القاضي: إسلام الطبيب شرط، ثم المرض على أقسام سبعة: فخفيف لا يشق معه الصوم وينعقد، وخفيف لا يشق منه ولا ينعقد، وشاق لا يزيد بالصوم، وشاق يزيد به، وشاق لا يزيد به، ولكن يحدث مع الصوم علة أخرى، وشاق يخشى طوله، وصحيح يخشى المرض به، فالأول والثاني كالصحيح الذي لا يضره الصوم فلا يفطر، والثالث يتخير، والرابع والخامس والسادس يفطر، وإن صاموا أجزأهم على الصحيح الذي يخشى المرض به كالمرض الذي تخشى زيادته، وهذا الفرع الأخير في " المغني " للحنابلة.
وفي " المرغيناني " لا يعتبر خوف المرض، وفي " الذخيرة " المرض الذي يبيح الفطر ما يخاف منه الموت أو زيادة المرض. وفي " المحيط " و " البدائع خوف ازدياد المرض كاف، وإليه وقعت الإشارة في " الجامع الصغير " إن لم يفطر يزداد وجعاً وعناء أو حمى شديدة أفطر، وعن أبي
стр. 1914
وقضى وقال الشافعي ﵀: لا يفطر. وهو يعتبر خوف الهلاك أو فوات العضو كما يعتبر في التيمم. ونحن نقول: إن زيادة المرض وامتداده قد يفضي إلى الهلاك فيجب الاحتراز عنه
وإن كان مسافرا لا يستضر بالصوم فصومه أفضل.
ــ
[البناية]
حنيفة ﵁ إذا كان يجوز له الأداء قاعداً يجوز له الإفطار.
م: (وقضى) ش: لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] [البقرة: ١٨٤] .
وقال الشافعي ﵀: لا يفطر) ش: يعني عند خوف ازدياد المرض م: (وهو) ش: أي الشافعي ﵀ م: (يعتبر خوف الهلاك أو فوات العضو) ش: أي يخاف فوات عضو من أعضائه م: (كما يعتبر في التيمم) ش: يعني لا يجوز عنده ترك استعمال الماء للمريض إلا إذا خاف على نفسه أو عضو منه، فحينئذ يجوز له التيمم وعندنا يجوز له التيمم بمجرد زيادة المرض.
م: (ونحن نقول: إن زيادة المرض وامتداده قد يفضي إلى الهلاك فيجب الاحتراز عنه) ش: أي عن الإفضاء إلى الهلاك، فلو برئ من المرض لكن الضعف باق هل يفطر فسئل القاضي الإمام فقال لا، والمبيح المرض لا الضعف، فلو خاف أن يعود المرض لو صام، قال الخوف ليس بشيء وذكر الإمام التمرتاشي الأمة إذا ضعفت في الطبخ والخبز والغسل فخافت أفطرت وقضت، وفي النصاب وكذا الذي ذهب به موكل السلطان للعمارة فاشتد الحر وضعف فأكل لم يكفر، ولو خاف إن صام يضعف فيصلي قاعداً عن محمد ﵀ يصوم ويصلي قاعداً.
وعن نجم الأئمة البخاري من اشتد مرضه كره صومه ولو خاف نقصان العقل أو زيادة الوجع يفطر، ولو أتعب نفسه في عمل حتى أجهده العطش فأفطر كفر، لأنه ليس بمريض ولا مسافر، وقيل بخلافه وبه قال البقالي، وقال مالك في " الموطأ ": من أجهده الصوم أفطر وقضى ولا كفارة عليه، ولو علم الغازي يقيناً أنه يقاتل العدو وخاف الضعف يفطر قبل الحرب.
م: (وإن كان مسافرا لا يستضر بالصوم فصومه أفضل) ش: وبه قال مالك والشافعي رحمهما الله على ما ذكر في كتبهم. وقال النووي: هو المذهب ولكن نقلت هذه المسألة من كتب أصحابنا على خلاف ما وقعت في كتبهم فإن الغزالي ذكر أن الصوم أحب من الإفطار في السفر لتبرأ ذمته وهو مذهب أنس وعثمان بن أبي العاص الثقفي، وحذيفة وابن عباس وعائشة ﵃ وبه قال عروة بن الزبير وعمرو بن ميمون وأبو بكر بن عبد الرحمن وطاووس والفضيل بن عياض وابن المبارك وأبو ثور، وأبو وائل والأسود بن يزيد والثوري والنخعي ومجاهد، وعن ابن عمر وابن المسيب والشعبي والأوزاعي وإسحاق: الفطر أفضل في حقه، وعند أحمد ﵀ الصوم في السفر مكروه.
стр. 1915
وإن أفطر جاز؛ لأن السفر لا يعرى عن المشقة فجعل نفسه، عذرا، بخلاف المرض فإنه قد يخف بالصوم، فشرط كونه مفضيا إلى الحرج، وقال الشافعي ﵀: "الفطر أفضل"، لقوله ﷺ «ليس من البر الصيام في السفر» ولنا أن رمضان أفضل الوقتين، فكان الأداء فيه أولى، وما رواه محمول على حالة الجهد
ــ
[البناية]
وذكر في " المغني " عن عمر وأبي هريرة لا يصح الصوم في السفر وعن عبد الرحمن بن عوف الصوم في السفر كالفطر فيه سواء ذكره المنذري في " شرح مختصر سنن أبي داود " وقال أبو عمر بن عبد البر: هو قول ابن علية والشافعي في قول وعنه قال الصوم أحب إلي.
م: (وإن أفطر) ش: أي المسافر م: (جاز) ش: للنص الوارد فيه م: (لأن السفر لا يعرى عن المشقة) ش: لأنه مظنة المشقة بكل حال فأدير الحكم فيه على أصل السفر م: (فجعل نفسه) ش: أي نفس السفر م: (عذرا بخلاف المرض فإنه قد يخف بالصوم) ش: كالهيضة ونحوها م: (فشرط كونه) ش: أي المرض م: (مفضيا إلى الحرج) ش: ولهذا لا يجوز الإفطار بمجرد المرض كما ذكرنا.
م: (وقال الشافعي ﵀: "الفطر أفضل) ش: أي من الصوم م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «ليس من البر الصيام في السفر» ش: هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث جابر قال: «كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى زحاماً ورجل قد ظلل عليه فقال: " ما هذا؟ " قالوا صائم فقال: " ليس من البر الصوم في السفر» .
وزاد مسلم في لفظ: «وعليكم برخصة الله التي رخص لكم» ، وروي «ليس من امبر امصيام في امسفر» وهي لغة بعض العرب، رواه عبد الرزاق في " مصنفه " وقد ذكرنا أن هذا القول من الشافعي لم يصح ولا حكي عنه، ولكن مذهب أحمد هكذا نقله عنه ابن الجوزي واستدل له بهذا الحديث.
م: (ولنا أن رمضان أفضل الوقتين) ش: أراد بهما خارج رمضان وفي " مبسوط فخر الإسلام " لا شك أن رمضان أفضل الوقتين، ألا ترى أن عدة من أيام أخر كالخلف من رمضان، والخلف لا يساوي الأصل بحال والنبي ﷺ اختار لنفسه الصوم ثم ذكر الرخصة عند شكواهم الجهد كما روينا من حديث أبي هريرة، فدل أن الصوم أفضل وهو معنى قوله: م: (فكان الأداء فيه) ش: أي في رمضان أولى وفي " المبسوط " الصوم عزيمة والفطر رخصة والأخذ بالعزيمة م: (أولى، وما رواه) ش: هذا جواب عن الحديث المذكور وهو ما رواه الشافعي ﵃: (محمول على حالة الجهد) ش: بفتح الجيم أي المشقة ونحن نقول به ولهذا يكره الصوم في السفر لمن أجهده بالإجماع.
стр. 1916
وإذا مات المريض أو المسافر وهما على حالهما لم يلزمهما القضاء؛ لأنهما لم يدركا عدة من أيام أخر، ولو صح المريض وأقام المسافر ثم ماتا لزمهما القضاء بقدر الصحة والإقامة؛ لوجود الإدراك بهذا المقدار، وفائدته وجوب الوصية بالإطعام، وذكر الطحاوي خلافا فيه بين أبي حنيفة وأبي يوسف - يرحمهما الله -، وبين محمد ﵀، وليس بصحيح، وإنما الخلاف في النذر
ــ
[البناية]
[موت المسافر والمريض المفطران في رمضان]
م: (وإذا مات المريض أو المسافر) ش: أي أو مات المسافر م: (وهما على حالهما) ش: أي والحال أنهما على حالهما يعني مات المريض في مرضه والمسافر في سفره م: (لم يلزمهما القضاء؛ لأنهما لم يدركا عدة من أيام أخر) ش: لأن شرط وجوب إدراك عدة الأيام الأخر بالنص فلم يحصل الإدراك فلم يلزم القضاء.
م: (ولو صح المريض وأقام المسافر ثم ماتا لزمهما القضاء بقدر الصحة) ش: في المرض م: (والإقامة) ش: أي بقدر الإقامة في المسافر م: (لوجود الإدراك) ش: إلى أيام أخر م: (بهذا المقدار، وفائدته) ش: أي وفائدته لزوم القضاء م: (وجوب الوصية بالإطعام) ش: يعني يجب عليه أن يوصي بأن يطعم عنه من ثلث ماله لكل يوم مسكيناً بقدر ما يجب في صدقة الفطر وإن لم يوص وتبرعت الورثة جاز فإن لم يتبرعوا لا يلزمهم الأداء بل يسقط في حكم الدنيا عندنا خلافاً للشافعي على ما يجيء.
م: (وذكر الطحاوي خلافا فيه) ش: أي في المذكور في هذه المسألة وفي وجوب الوصية بالإطعام عن الباقي م: (خلافاً بين أبي حنيفة، وأبي يوسف؛ وبين محمد - رحمهما الله -) ش: فقال عندهما إذا صح يوماً يلزمه قضاء الجميع فتلزمه الوصية عما لم يصح، وعند محمد ﵀ تلزمه الوصية بالإطعام عما لم يصح وما قدر على قضائه تجب الوصية بالإطعام عنه إن لم يصح بالاتفاق.
م: (وليس بصحيح) ش: أي هذا الخلاف ليس بصحيح، وقال أبو بكر الجصاص الرازي: هذا الخلاف الذي نقله الطحاوي ولا نعرفه عنهم، بل المشهور من قولهم جميعا ًأنه لا يلزم إلا قضاء ما أدرك، وقال صاحب " التحفة ": ذكر الطحاوي ﵀ هذه المسألة على الخلاف ثم قال: وهذا غلط، وقال صاحب " الإيضاح ": والصحيح أن لا خلاف هاهنا، وقال المصنف: وليس بصحيح.
م: (وإنما الخلاف في النذر) ش: فإن المريض إذا قال لله علي أن أصوم شهراً فمات قبل أن يصح لم يلزمه وإن صح يوماً واحداً لزمه أن يوصي بجميع الشهر في قول أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف وقال محمد ﵀ يلزمه بقدر ما صح لأن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى فصار كقضاء رمضان.
стр. 1917
والفرق بينهما، أن النذر سبب فيظهر الوجوب في حق الخلف، وفي هذه المسألة السبب إدراك العدة فيتقدر بقدر ما أدرك وقضاء رمضان إن شاء فرقه، وإن شاء تابعه
ــ
[البناية]
م: (والفرق بينهما) ش: أي لأبي حنيفة وأبي يوسف ﵄ بين قضاء رمضان والنذر م: (أن النذر سبب) ش: وقد وجد المانع وهو عدم صحة الذمة في التزام أدائه قد زال بالبرء وإذا وجد السبب المقتضي وزال المانع م: (فيظهر الوجوب) ش: لا محالة، وصار كصحيح نذر فمات قبل الأداء، وإذا ظهر الوجوب ولم يتحقق بكماله بل بعضها يتحقق م: ( [في حق الخلف، وفي هذه المسالة السبب إدراك العدة] فيتقدر بقدر ما أدرك) ش: لأن وجوب القضاء مشروط بشرط إدراك العدة فوجب بقدر الإدراك.
وقيل: تعصب إن أرى الطحاوي بأنه لا يهتم في غزارة علمه واجتهاده وورعه وتقدمه ثم ذكر مولده ووفاته ثم مدح كتابه " معاني الآثار " وقال: هل ترى له نظيرا ًفي سائر المذاهب فضلاً عن مذهبنا.
وقال: قد نشأ جماعة بعده بكثير من الزمان، باعتبار أن الخلاف لم يبلغهم، فذلك ليس بحجة لهم عليه، لأن جهل الإنسان لا يعتبر حجة على غيره، وفي آخر كلامه فما أصدق من قال: قد تبين الصبح لذي عينين.
وهذا كله لا يفيد في تعصبه لأن كل من نشأ بعد الطحاوي فقد اعترف بفضله من علماء مذهبه ومذهب غيره، حتى قال حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر: كان الطحاوي كوفي المذهب فكان عالماً بجميع مذاهب العلماء، وقال السمعاني: كان الطحاوي ثقة ثبتاً.
وقال ابن الجوزي في ترجمته في كتاب " المنتظم "، كان الطحاوي ثقة ثبتاً فهماً فقيهاً عاقلاً، واتفقوا على فضله وصدقه وزهده وورعه. وقال ابن كثير في " البداية والنهاية ": وهو أحد الثقات الأثبات والحفاظ الجهابذة، فهو كما ترى إمام عظيم ثبت ثقة حجة كالبخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب " السنن " و " الصحاح " يدل على ذلك اتساع روايته ومشاركته إياهم بل هو أثبت منهم في استنباط الأحكام من القرآن والسنة وأفقه منهم من الفقه، يصدق ذلك من ينظر في كلامه وكلامهم، ولا بينة للأترازي فيما ذكره في حق الطحاوي ﵁ لأنه مثل الذي يمدح الشمس بقوة النور ويذكره المحاق بقوة الظلمة وما كانت [....] إلا في ترجيح كلامه هنا على من رد عليه وتحقيق كلامه بالرد عليهم ولم يفعل شيئاً.
م: (وقضاء رمضان) ش: أي وقضاء صوم شهر رمضان عند فوات الأداء م: (إن شاء فرقه) ش: أي صوم متفرقاً م: (وإن شاء تابعه) ش: أي يصوم متوالياً هذا قول ابن عباس ﵁ وأنس ﵁ وأبي هريرة ﵁، وأبي عبيدة بن الجراح ﵁ ومعاذ بن جبل وعمرو بن العاص ورافع بن خديج وسعيد بن جبير وابن محيريز وأبي قلابة
стр. 1918
لإطلاق النص،
لكن المستحب المتابعة مسارعة إلى إسقاط الواجب، وإن أخره حتى دخل رمضان آخر صام الثاني؛ لأنه في وقته. وقضى الأول بعده لأنه وقت القضاء.
ــ
[البناية]
ومجاهد والحسن وابن سيرين وابن المسيب وعبد الله بن عتبة وطاووس وعطاء وعبيد بن عمير والأوزاعي وابن حي والثوري ومالك والشافعي ﵀ وأحمد وإسحاق وقال أبو عمر كلهم يستحبون التتابع ولا يوجبون وحكي وجوبه عن علي وابن عمر والنخعي والشعبي وعروة بن الزبير.
وقال داود بن علي: يجب ولا يشترط م: (لإطلاق النص) ش: وقَوْله تَعَالَى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وهو مطلق غير مقيد بالتتابع فجاز التتابع والتفريق بحكم الإطلاق.
فإن قلت: وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: نزلت فعدة من أيام أخر متتابعات.
قلت: قالوا لم تثبت صحة هذه الرواية ولو ثبتت كانت منسوخة لفظاً وحكماً، ولهذا لم يقرأ بها أحد من الشواذ.
وفي " المنافع " قرأ بها أبي ولم تشتهر فكانت كخبر الواحد غير مشهور فلا تجوز الزيادة على الكتاب بمثله، بخلاف قراءة ابن مسعود في كفارة اليمين فإنها مشهورة غير متواترة والقراءات السبع متواترة عند الأئمة الأربعة وجميع أهل السنة خلافاً للمعتزلة فإنها [ ... ] عندهم.
فإن قلت: روى ابن المنذر بإسناده عن أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ قال: «من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يقطعه» .
قلت: في صحته نظر ولئن ثبت فهو خبر واحد فلا يزاد به على النص.
م: (لكن [المستحب المتابعة مسارعة إلى إسقاط الواجب، وإن أخره) ش: أي وإن أخر قضاء رمضان م: (حتى دخل رمضان آخر صام الثاني) ش: أي رمضان الثاني م: (لأنه في وقته) ش: فيصومه م: (وقضى الأول) ش: أي رمضان الأول م: (بعده) ش: أي بعد رمضان الثاني م: (لأنه وقت القضاء) ش: فلا بد من إسقاطه كما في سائر العبادات، وسواء في ذلك التأخير بعذر أو بغير عذر وهو قول ابن مسعود ﵁ والحسن البصري وطاووس وإبراهيم النخعي والشعبي وحماد وداود وأصحابه وفي " المحيط ": ومن أفطر بعذر وقدر على القضاء فعليه القضاء.
وفي " البدائع " أيضاً على التراخي عند عامة مشايخنا ويضيق عليه عند آخر عمره وعند الكرخي على الفور، وحكاه عن أصحابنا، والصحيح الأول، وحكى الكرخي أيضاً عن الأصحاب أنه موقوف بما بين الرمضانين وهو غير سديد.
стр. 1919
ولا فدية عليه؛ لأن وجوب القضاء على التراخي حتى كان له أن يتطوع والحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أو ولديهما أفطرتا
ــ
[البناية]
م: (ولا فدية عليه) ش: فقال الشافعي عليه الفدية، وبه قال مالك وأحمد قالوا عليه لكل يوم مد من الطعام ولو أخر القضاء إلى الرمضان الثاني أثم عندهم، ومذهبهم يروى عن ابن عمر وأبي هريرة وابن عباس مرفوعاً، ومذهبنا عن علي وابن مسعود، وبقولنا قال المزني.
م: (لأن وجوب القضاء على التراخي حتى كان له أن يتطوع) ش: لأنه لو لم يكن وجوب القضاء على التأخير لما كان له أن يتطوع لأن تأخير الواجب عن وقته المضيق بالنفل لا يجوز.
فإن قلت: روى الدارقطني من حديث أبي هريرة ﵁: «من أدرك رمضان ثم أفطر لمرض ثم صح ولم يقضه حتى دخل رمضان آخر صام الذي أدركه ثم يقضي الذي عليه ثم يطعم عن كل يوم مسكيناً» قلت: في إسناده عمر بن موسى وهو ضعيف جداً، والراوي عنه إبراهيم بن نافع وهو أيضاً ضعيف.
م: (والحامل والمرضع) ش: الواو بمعنى أو لأن الحكم في كل واحد منهما ثابت على الانفراد بدليل ما ذكر في " المبسوط "، إذا خافت الحامل والمرضع على نفسهما أو ولدهما، والحامل التي في بطنها ولد، والمرضع التي لها لبن ولا يدخل في آخرهما التاء كما في حائض وطالق، لأن ذلك صار من الصفة الثابتة لا الحادثة، فصار كالاسم، فقال الخليل: هذا معنى النسب كلابن وتامر بمعنى ذات حمل وذات إرضاع وذات حيض وذات طلاق.
وقال سيبويه: إنسان أو أنثى حامل ومرضع إذا أريد به الحدوث يجوز إدخال التاء يقال: حائضة الآن أو غدا ًوفي " الذخيرة " المراد من المرضع الظئر لأنها إذا كانت أم ولد وللمولودات لا تفطر الأم لأن الصوم واجب عليها والإرضاع غير واجب، قال الكاكي: قال شيخي العلامة: ينبغي أن يشترط أن يكون الأب موسراً ويأخذ الولد ضرع غيرها، أما إذا كان الأب معسراً أو الولد لا يأخذ ضرع غير أمه فحينئذ يجب على أمه الإرضاع.
م: (إذا خافتا على أنفسهما، أو ولديهما أفطرتا) ش: بإجماع أهل العلم م: (وقضتا) ش: وهو قول علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وأنس وابن عمر وعكرمة ومجاهد وعطاء وسعيد بن المسيب وأبي الزناد والزهري ويحيى بن سعيد وأحمد وإسحاق وسعيد بن جبير وطاووس والأوزاعي والثوري.
وقال مالك: لا يجب عليه شيء، ويروى ذلك عن ربيعة وخالد بن دريد وأبي ثور وداود بن علي الظاهري واختاره الطحاوي ﵀ وابن المنذر، ويحكى ذلك عن القاسم وسالم
стр. 1920
وقضتا، دفعا للحرج، ولا كفارة عليهما؛ لأنه إفطار بعذر، ولا فدية عليهما، خلافا للشافعي ﵀ فيما إذا خافت على الولد، هو يعتبره بالشيخ الفاني. ولنا: أن الفدية بخلاف القياس في الشيخ الفاني، والفطر بسبب الولد ليس في معناه؛ لأنه عاجز بعد الوجوب،
والولد لا وجوب عليه أصلا، والشيخ الفاني الذي لا يقدر على الصيام يفطر، ويطعم لكل يوم مسكينا
ــ
[البناية]
ومكحول وسعيد بن عبد العزيز لأنه عاجز عن الصوم فأشبه المريض إذا مات قبل البرء والمسافر إذا مات قبل الإقامة والصبي والمجنون.
وللشافعي قولان أحدهما، لا تجب الفدية عليهما لعدم وجوب الصوم عليهما، والثاني تجب الفدية لكل يوم مد من طعام وهو الصحيح، وعدم وجوب الفدية هو القديم والوجوب هو الجديد، وقال البويطي: هي مستحبة.
م: (دفعا للحرج) ش: أي لدفع الحرج عنهما في الصوم. قال الله تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] م: (ولا كفارة عليهما) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر بأن يقال، ينبغي أن تجب عليهما الكفارة على قياس مذهبكم، لأنكم توجبون الكفارة في الأكل والشرب عمداً فأجاب بقوله م: (لأنه إفطار بعذر) ش: ووجوب الكفارة عند عدم العذر فأشبهت المريض والمسافر.
م: (ولا فدية عليهما خلافا للشافعي ﵀ فيما إذا خافت على الولد) ش: يعني إذا خافت الحامل أو المرضع على ولدهما وأما إذا خافتا على نفسهما لا تجب الفدية.
م: (هو يعتبره بالشيخ الفاني) ش: أي الشافعي ﵀ يعتبر الفطر بفطر الشيخ الفاني أي يقيس عليه وجه الاعتبار أن الفطر حصل بسبب نفس عاجزة عن الصوم خلقة لا علة، فيوجب الفدية كفطر الشيخ الفاني الذي قارب الفناء أو الذي فنيت قوته.
م: (ولنا أن الفدية بخلاف القياس في الشيخ الفاني) ش: لأن الفدية في الشيخ الفاني تشبيع والصوم تجويع (والفطر بسبب الولد ليس في معناه) ش: أي في معنى الشيخ الفاني م: (لأنه) ش: أي لأن الشيخ الفاني م: (عاجز بعد الوجوب) ش: أي بعد وجوب الصوم عليه لتوجه الخطاب عليه فصار إلى حقه وهو الفدية.
م: (والولد لا وجوب عليه أصلاً) ش: فكيف يصار إلى الخلف بدون الأصل فيكون قياساً ضعيفاً لوجود الفارق م: (والشيخ الفاني الذي لا يقدر على الصيام) ش: وفي جامع البرهاني " تفسيره أن يعجز عن الأداء أو لا يرجى له عود القوة، ويكون مآله الموت بسبب الهرم.
م: (يفطر ويطعم لكل يوم مسكينا) ش: وعن مالك والشافعي - رحمهما الله - في قول وأبي ثور ولا تجب عليه الفدية وعن مالك أنها مستحبة وفي وجوبها عنه روايتان م: (كما يطعم في
стр. 1921
كما يطعم في الكفارات، والأصل فيه قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] [البقرة: الآية ١٨٤] قيل: معناه لا يطيقونه، ولو قدر على الصوم يبطل حكم الفداء، لأن شرط الخلفية استمرار العجز.
ــ
[البناية]
الكفارت) ش: نصف صاع وعن الشافعي ﵀ الفدية مقدرة بالمد من الطعام وعن أحمد مدان من البر من الشعير والتمر صاع م: (والأصل فيه) ش: أي في هذا الحكم م: (قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] [البقرة: الآية ١٨٤] ) ش: نزلت في الشيخ الفاني.
وقال في " الإيضاح " و " شرح الأقطع ": السلف على أن المراد بالآية الشيخ الفاني، وقال الأترازي: وفي دعوى الإجماع نظر عندي وطول الكلام فيه وهذا ما هو مخصوص به حتى يقول: عندي؛ لأن غيره قال في كلام " الإيضاح " نظر لأنه روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، أن الآية في حق الحامل والمرضع.
فإن قلت: روي عن الشعبي أنه قال: لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] كان الأغنياء يفطرون [ويطعمون] والفقراء يصومون، على أن في بدء الإسلام كان الرجل مخبراً بين الصوم والفدية ثم نسخت بعد ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] والمنسوخ لا يصح الاستدلال به.
قلت: أجيب بأن الآية وإن وردت في الشيخ الفاني كما ذهب إليه بعض السلف فظاهر، وإن وردت في التخيير فكذلك لأن النسخ إنما يثبت في حق العاجز عن الصوم، فيبقى الشيخ الفاني على حاله، كما كان.
م: (قيل: معناه لا يطيقونه) ش: جاء حذف لا كثيراً قال الله تعالى ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أي أن لا تضلوا، وقال: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] أي أن لا تميد بكم وعادة العرب الاختصار إذا كان المحذوف مما لا يخفى، وقرأ ابن عباس وعائشة ﵄: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] فلا يطيقونه معناه يكلفون الصوم ولا يطيقونه.
[حكم الشيخ الفاني في رمضان]
م: (ولو قدر) ش: يعني لو قدر الشيخ الفاني م: على الصوم) ش: بعدما أدى الفدية م: (يبطل حكم الفداء) ش: ويجب عليه القضاء كالآيسة إذا اعتدت بالأشهر ثم حاضت بطل حكم اعتدادها بالشهور م: (لأن شرط الخلفية استمرار العجز) ش: أي لأن شرط كون الفدية خلفاً عن الصوم في حق الشيخ الفاني، دوام العجز، فلما قدر على الصوم انتفى شرط الخليفة، ومثل هذا لا يفعل في التيمم لئلا يلزم الحرج بتضاعف الصلاة.
فإن قلت: يلزم الحرج أيضاً في الشيخ الفاني لأنه إذا أطعم لكل يوم مسكيناً نصف صاع ثم قدر على الصوم فأمر بقضاء الصوم وبطلان الفدية يلزم الحرج لأنه تضييع ماله بلا فائدة وهو حرج.
стр. 1922
ومن مات وعليه قضاء رمضان، فأوصى به أطعم عنه وليه لكل يوم مسكينا نصف صاع من بر، أو صاعا من تمر أو شعير؛ لأنه عجز عن الأداء في آخر عمره فصار كالشيخ الفاني، ثم لا بد من الإيصاء عندنا خلافا للشافعي ﵀ وعلى هذا الزكاة. هو يعتبره بديون العباد؛ إذ كل ذلك حق مالي تجزئ فيه النيابة. ولنا أنه عبادة، ولا بد فيه من الاختيار، وذلك في الإيصاء دون الوراثة لأنها جبرية ثم هو تبرع ابتداء حتى يعتبر من الثلث.
ــ
[البناية]
قلت: المعنى فيه: إن الشيخ الفاني قدر على الأصل قبل حصول المقصد بالتخلف وهو استمرار العجز فبطل حكم الخلف هناك قدر على الأصل بعد حصول المقصد بالخلف. فلا يبطل حكم الخلف كمن كفر بالصوم ثم وجد ما يعتق، فإن الوجود لا يظهر في حق ما حصل الفراغ منه.
[حكم من مات وعليه قضاء رمضان فأوصى به]
م: (ومن مات وعليه قضاء رمضان فأوصى به) ش: معناه قرب من الموت فأوصى [بقضاء] رمضان، لأن الإيصاء بعد الموت لا يتصور م: (أطعم عنه وليه لكل مسكينا نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير) ش: روى كذلك سليمان التيمي عن عمر بن الخطاب وابن عباس ﵃ م: (لأنه عجز عن الأداء في آخر عمره فصار كالشيخ الفاني) ش: في جواز الفدية عنه بسبب العجز الكامل.
م: (ثم لا بد من الإيصاء عندنا) ش: يعني إذا أوصى يلزم الإطعام عنه على الولي من ثلث ماله وبه قال مالك فيجزئه إن شاء الله، وإن لم يوص لا يلزم على الولي الإطعام، ومع هذا لو أطعم جاز إن شاء الله.
م: (خلافا للشافعي) ش: فعنده لا حاجة إلى الإيصاء بل يلزم الولي أن يطعم عنه أوصى أو لم يوص وبه قال أحمد م: (وعلى هذا الزكاة) ش: أي وعلى هذا الخلاف الزكاة وصدقة الفطر، يعني أن الميت إذا أوصى بذلك يلزم على الولي إخراجها عن التركة وإلا فلا، ولكن إذا تبرع الوصي بإخراج الزكاة وصدقة الفطر جاز، وعند الشافعي ﵁ يجب الإخراج وإن لم يوص.
م: (هو يعتبره) ش: أي الشافعي يعتبر هذا الدين م: (بديون العباد إذ كل ذلك حق مالي تجزئ فيه النيابة) ش: وكما أن ديون العباد تخرج من جميع المال وإن لم يوص فكذلك هذا م: (ولنا أنه) ش: أي أن الإطعام الذي دل عليه قوله أطعم عنه وليه م: (عبادة، ولا بد فيه من الاختيار) ش: ولم يبق الاختيار بعد الموت.
م: (وذلك) ش: أي الاختيار م: (في الإيصاء دون الوراثة؛ لأنها) ش: أي لأن الوراثة م: (جبرية) ش: لا اختيار فيها م: (ثم هو) ش: أي الإيصاء م: (تبرع ابتداء حتى يعتبر من الثلث) ش: أي من ثلث المال للميت، وعند الشافعي، وأحمد من جميع المال بدون الإيصاء، وقول مالك
стр. 1923
والصلاة كالصوم باستحسان المشايخ، وكل صلاة تعتبر بصوم يوم هو الصحيح. ولا يصوم عنه الولي ولا يصلي لقوله ﷺ «لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد»
ــ
[البناية]
كقولنا، ولما كان الموت مسقطاً للعبادة في أحكام الدنيا، واشتراط الإيصاء فجاز من الثلث.
م: (والصلاة كالصوم) ش: يعني حكم الصلاة كحكم الصوم في جواز الإطعام عنها م: (باستحسان المشايخ) ش: لأن القياس عدم الجواز لأن الصلاة لا تؤدى بالمال حال الحياة فكذا بعد الممات إلا أن المشايخ استحسنوا في التجويز لما أنها تشبه الصوم من حيث كونها عبادة بدنية.
م: (وكل صلاة تعتبر بصوم يوم هو الصحيح) .
م: (ولا يصوم عنه الولي ولا يصلي) ش: احترز به عن قول محمد بن مقاتل فإنه قال يجب بصلاة يوم نصف صاع على قياس الصوم ثم رجع فقال كل صلاة فرض على حدة بمنزلة صوم يوم.
وعن الشافعي ﵁ يطعم عن كل صلاة مد، وفي النوازل روي عن محمد بن الحسن أنه قال يتصدق لكل صلاة مدين من حنطة، وبه قال الشافعي في القديم يصوم ويصلي عنه الولي يعني لو فعل يجوز وهو قول الزهري، وأبي ثور ومالك وداود. وهو قول طاووس وقتادة والحسن ﵁ أيضاً وعند أحمد ﵁ يصوم الولي عنه صوم النذر وهو مذهب ابن عباس، ويطعم عنه في يوم رمضان ورواه الأثرم. واختار ابن عقيل أن صوم النذر كرمضان لا يصام عنه وقال أحمد ﵁ هذا يختص بالولي، بل كل من يصوم عنه يجزئه.
م: (لقوله ﷺ أي لقول النبي ﷺ : م: «لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد» ش: هذا غريب مرفوعاً روي موقوفاً عن ابن عباس ﵁ وابن عمر ﵄ فحديث ابن عباس ﵄ رواه النسائي في سننه الكبرى في الصوم من رواية عطاء بن أبي رباح ﵄ عن ابن عباس ﵁ قال: " لا يصلي أحد من أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مد من حنطة ".
وحديث ابن عمر رواه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الوصايا عن ابن عمر قال: " لا
стр. 1924
ومن دخل في صلاة التطوع، أو في صوم التطوع ثم أفسده قضاه
ــ
[البناية]
يصلين أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد " واستدل أصحابنا في هذا الباب بما روى الترمذي عن أشعث بن سوار عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر قال: «قال رسول الله ﷺ في رجل مات وعليه صيام: " يطعم عنه كل يوم مسكيناً» قلت: وقال الترمذي ولا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه والصحيح عن ابن عمر أنه موقوف وضعفه عبد الحق في " أحكامه ".
حدثنا شعيب وابن أبي ليلى وقال البيهقي: لا يصح هذا الحديث قال: محمد بن أبي ليلى كثير الوهم، وروى أصحاب نافع عن نافع عن ابن عمر ﵄ قوله.
وروى أبو بكر الرازي في شرحه لمختصر الطحاوي قال حدثنا ابن نافع قال حدثنا محمد بن بشير عن محمد بن عبد الله بن سعيد المستملي عن إسحاق الأزرق عن شريك عن ابن أبي ليلى، عن نافع عن ابن عمر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «من مات وعليه رمضان فليطعم عنه مكان كل يوم نصف صاع لمسكين» ".
فإن قلت: روى البخاري من حديث عروة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال «من مات وعليه صوم صام عنه وليه» وروى أيضاً بإسناده إلى مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: " نعم فدين الله أحق أن يقضى» ".
قلت: المراد من حديث عائشة ﵂ الإطعام الذي يقوم مقام الصوم مجازاً، بدليل حديث ابن عمر.
وأما حديث ابن عباس ففي متنه اضطراب لأنه في رواية عطاء ومجاهد عن ابن عباس ﵄ «قالت امرأة للنبي ﷺ : إن أختي ماتت» كذا في الصحيح وفي رواية الحكم عن سعيد عن ابن عباس «قالت امرأة للنبي ﷺ إن أمي ماتت وعليها صوم نذر» كذا في الصحيح أيضاً، ولا يصح الاحتجاج به على أنا نقول إنما ذكر فيه القضاء وذلك يحصل بالإطعام فلا يراد الصيام.
فإن قلت: يرد عليكم الحج حيث يقضي عن الميت.
قلت: لا إيراد لأن كلامنا في العبادة البدنية خالصة والحج عبادة تتعلق بالبدن والمال جميعاً.
[الحكم فيمن دخل في صوم التطوع أو صلاة التطوع ثم أفسده]
م: (ومن دخل في صوم التطوع) ش: يعني شرع فيه م: (أو في صلاة التطوع) ش: أي شرع في صلاة التطوع م: (ثم أفسدها قضاه) ش: وهو قول أبي بكر ﵁ وابن عباس
стр. 1925
خلافا للشافعي ﵀ له: أنه تبرع بالمؤدى فلا يلزمه ما لم يتبرع به.
ولنا: أن المؤدى قربة وعمل فتجب صيانته بالمضي عن الإبطال
ــ
[البناية]
﵄ وإبراهيم النخعي والحسن البصري ومكحول وداود وإسماعيل بن علية م: (خلافا للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) ش: وبقوله قال أحمد، وقال مالك يلزمه الإتمام لكن لو أفسدها لعذر كالسفر لا يلزمه القضاء في أحد الروايتين عنه وبه قال أبو ثور م: (له) ش: أي للشافعي ﵀ م: (أنه تبرع بالمؤدى) ش: بفتح الدال المشددة م: (فلا يلزمه ما لم يتبرع به) ش: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] وهو محسن فيما يفعل، فلو وجب عليه القضاء يكون عليه سبيل هذا كمن أخرج درهمين، ليتصدق بهما فتصدق بأحدهما، لا يلزمه التصدق بالآخر.
م: (ولنا: أن المؤدى قربة وعمل فتجب صيانته بالمضي عن الإبطال) ش: قال الله تعالى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] والنهي عن الإبطال يوجب الإتمام فإذا ترك الإتمام الواجب عليه يجب عليه القضاء كالنذر.
فإن قلت: إبطال العمل غير متصور لأنه قبل العمل عدم وبعده متلاش لأنه عرض وحال الموجود غير الموجود على التمام، وأيضاً الإبطال إذا طرأ على الموجود برفعه وإذا قارنه يمنعه، والمنع في الموجود لا يسمى إبطالاً.
قلت: لو لم يتصور إبطال العمل لم يرد به النهي كما في الآية المذكورة، والنهي لا يقتضي التصور لا محالة ومطلقه للتحريم والترديد المذكور غير وارد لأن البطلان في اللغة هو الذهاب والتلاشي فإذا أضيف إلى العمل لا يراد به ذهاب ذاته وتلاشيه بل يراد به فوات الفرض المتعلق [به] ، وهو الثواب هنا.
فإن قلت: روى أبو داود والترمذي والنسائي حديث أم هانئ مرفوعاً «الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر» وقال الأترازي وفي بعض الروايات «إن شئت فاقضه وإن شئت فلا» ثم قال ذلك محمول على عدم وجوب القضاء على الفور.
قلت: قوله وفي بعض الروايات إلخ ليس بمذكور في رواية المذكورين ويكفي هنا أن يقول هذا الحديث مختلف في لفظه وتكلم عليه البيهقي ﵁، وقال النسائي وفيه سماك بن حرب وقد اختلف عليه وليس هو ممن يعتمد عليه إذا انفرد في الحديث.
فإن قلت: روى البخاري عن أبي جحيفة ﵀ قال «آخى رسول الله ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، الحديث، وفيه فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً فقال: كل فإني صائم فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل وفيه فأتى النبي ﷺ فذكر له ذلك فقال ﵊: صدق
стр. 1926
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
سلمان وجعله ﵊[....] بقوله صدق سلمان ولم يأمره بالقضاء» .
قلت: كان الفطر لعذر الضيافة وقد أمر بالقضاء في غيره من الأحاديث.
وقال الكاكي: وروي «عن عائشة ﵂ وحفصة ﵂ قالتا: " كنا صائمتين متطوعتين فأهدي لنا طعام فأفطرنا فدخل علينا رسول الله ﷺ فسألته حفصة عن ذلك فقال ﷺ : اقضيا يوماً مكانه» ، ذكره في " الموطأ "، والترمذي، والنسائي انتهى.
قلت: لم أره في الترمذي، ولا النسائي وإنما رواه البزار، والطبراني في " الأوسط "، وفي إسناده حماد بن الوليد. قال فيه أبو حاتم: شيخ، وضعفه الجمهور. وفي الطبراني أيضاً، عن أبي هريرة «أهديت لعائشة وحفصة هدية، وهما صائمتان فأكلتا منها فذكرتا ذلك للنبي ﷺ قال: " اقضيا يوماً مكانه ولا تعودان» ، وفي إسناده محمد بن أبي سلمة المكي ذكره العقيلي في " الضعفاء "، وقال: لا يتابع على حديثه.
وروى ابن حزم هذا الحديث، عن جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمر، عن عائشة ﵂، ثم قال: وقد صح القضاء بالإفطار في ذلك.
ويروى في " الموطأ ": من عدة طرق مرسلاً، وقال الدارقطني: فيه فرج وجرير فخالفهما حماد بن زيد، وعباد بن العوام، ويحيى بن أيوب ﵃ فرووه عن يحيى بن سعيد على وهم من وصله من العدول الثقات، وقال ابن الحصار أيضاً: هذا سند صحيح، ورجاله رجال الصحيحين، ولا يضره الإرسال، وقال أبو الفرج: لا يقبل طعن الدارقطني، إذا انفرد به لما عرف من عصبيته.
فإن قلت: أخرج مسلم «عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: " دخل النبي ﷺ ذات يوم فقال هل عندكم شيء؟ قالت: لا قال: إني إذا صائم " ثم أتى يوماً آخر فقلنا يا رسول الله أهدي لنا حيس فقال أرنيه فلقد أصبحت صائماً فأكل» فعلم أنه غير لازم.
قلت: زاد النسائي فيه ولكن يصوم يوماً مكانه وصحح هذه الزيادة أبو محمد بن عبد الحق.
فإن قلت: روى الدارقطني عن أم سلمة ﵂ «أن النبي ﷺ ، كان يصبح صائماً وهو يريد الصوم فيقول أعندكم شيء فنقول لعله يصبح صائماً فيقول بلى» ، ولكن لا بأس إن أفطر ما لم يكن نذراً أو قضاء من رمضان.
قلت: في سنده محمد بن عبد الله العذري ولا يحتج به.
стр. 1927
وإذا وجب المضي وجب القضاء بتركه. ثم عندنا لا يباح الإفطار فيه بغير عذر في إحدى الروايتين لما بينا، ويباح بعذر، والضيافة عذر لقوله ﷺ «أفطر، واقض يوما مكانه»
ــ
[البناية]
فإن قلت: روى أبو أحمد من حديث جعفر بن الزبير عن القاسم، عن أبي أسامة عن النبي ﷺ أنه قال: «من صام تطوعاً فهو بالخيار ما بينه وبين نصف النهار» .
قلت: جعفر بن الزبير متروك، وكان رجلا صالحا ذكره القرطبي، فلو كان ثابتا لكان بيانا لصحة الشروع في الصوم؛ لأنه لا يصح شروعه بعد نصف النهار.
م: (وإذا وجب المضي وجب القضاء بتركه) ش: لأنه لو لم يلزم القضاء يلزم إبطال العمل واللازم منتف بقوله تعالى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] ، فينتفي الملزوم، وهو عدم لزوم القضاء.
م: (ثم عندنا لا يباح الإفطار [فيه) ش: أي في الصوم وكان هذا بيان لمبنى الاختلاف وهو أن] الإفطار بعد الشروع ليس بمباح. م: (بغير عذر في إحدى الروايتين لما بينا، ويباح بعذر) ش: وذكر الكرخي ﵀ والرازي ﵀: عن الأًصحاب أنه لا يباح له الفطر إلا بعذر.
م: (والضيافة عذر) ش: أي على الأظهر وفي " المبسوط " و " المجتبى " والأظهر عن أبي حنيفة ﵁ أن الضيافة عذر، وهو رواية هشام عن محمد وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵁ لا تكون عذراً، وفي " المرغيناني " الصحيح من المذهب أن صاحب الدعوة إذا كان يرضى بمجرد حضوره لا يفطر ومسألة اليمين على هذا التفصيل.
وفي " المحيط ": إن حلف بطلاق امرأته يفطر في التطوع دون الفرض وهو قول أبي الليث وقال في " الدراية " واختلف المشايخ فيمن حلف بطلاق امرأته أن يطلق قال أبو الليث:
الأولى: أن يفطر وقال نصير وخلف بن أيوب لا يفطر ودعه يحنث وهذا كله قبل الزوال وبعده لا يفطر إلا إذا كان في تركه عقوق الوالدين أو أحدهما، وفي الفرض والواجب لا يفطر إلا بعذر والضيافة ليست بعذر وكذا السفر الذي أنشأه فيه وعذر فيما عداه، والمرض عذر في الأيام كلها ذكر ذلك في " الذخيرة " وروى بشر عن أبي يوسف إذا كان صائماً في ظهار أو نذر أو قضاء رمضان [لا يفطر] وإن أفطر يصوم يوماً مكانه.
م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «أفطر، واقض يوما مكانه» ش: قال الأترازي:
стр. 1928
وإذا بلغ الصبي، أو أسلم الكافر في رمضان، أمسكا بقية يومهما قضاء لحق الوقت بالتشبه، ولو أفطرا فيه لا قضاء عليهما؛ لأن الصوم غير واجب فيه.
ــ
[البناية]
هذا ليس بحديث النبي ﷺ بل هو من كلام الصحابة ﵃.
قلت: هذا وهم فاحش فقد رواه أبو داود الطيالسي في " مسنده " من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال «صنع رجل طعاماً ودعا رسول الله ﷺ وأصحاباً له، فلما أتي بالطعام تنحى أحدهم، فقال له النبي ﷺ : " مالك؟ " قال: إني صائم، فقال له النبي ﷺ : " أخوك تكلف وصنع لك طعاماً أفطر واقض يوماً مكانه» وروى نحوه الدارقطني من حديث محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ﵄ وفي آخره يقول «إني صائم كل وصم يوماً مكانه» .
[الحكم لو بلغ الصبي أو أسلم الكافر في نهار رمضان]
م: (وإذا بلغ الصبي، أو أسلم الكافر في رمضان) ش: أي في يوم من أيام رمضان م: (أمسكا بقية يومهما) ش: وكذلك الحائض إذا طهرت والنفساء والمجنون إذا أفاق والمريض إذا برئ والمسافر إذا أقام فحكم هؤلاء في الإمساك عن المفطرات سواء، وهكذا كل معذور زال عذره بعد طلوع الفجر، أما لو زال قبل طلوع الفجر لزمه الصوم. وبقولنا قال أحمد في أصح الروايتين وبعض أصحاب الشافعي ﵁ وأبو ثور وهو قول الأوزاعي، والحسن بن حي وإسحاق، وابن الماجشون وقال الشافعي، ومالك وداود ﵃: يستحب الإمساك ولا يلزم لأن هذا شخص لا يلزمه الصوم لا ظاهراً ولا باطناً، فلا يلزمه الإمساك كما في حالة العذر.
م: (قضاء لحق الوقت بالتشبه) ش: يعني لقضاء حق الوقت بالتشبه بالصائمين، ولئلا يعرض نفسه للتهمة، وفي " النهاية ": اختلفوا في إمساك بقية اليوم، أنه على طريق الاستحباب، [لأنه مفطر فكيف يجب عليه الكف عن المفطرات. وقال الشيخ الإمام الزاهد الصفار ﵀: الصحيح أن ذلك على طريق الاستحباب] ، انتهى. وعلى قول ابن شجاع لا خلاف بيننا وبين الشافعي ﵁ ومن معه م: (ولو أفطرا) ش: أي الصبي الذي بلغ والكافر الذي أسلم م: (فيه) ش: أي في اليوم الذي بلغ فيه الصبي وأسلم الكافر م: (لا قضاء عليهما؛ لأن الصوم غير واجب فيه) ش:، وقال زفر وإسحاق وأحمد في رواية: يجب القضاء قياساً على الصلاة وإذا بلغ الصبي قبل الزوال يكون صائماً نفلاً إذا نوى الصوم في ظاهر الرواية، لأنه أهل للنفل بخلاف الكافر، وعن أبي يوسف ﵀ يجوز صومه عن الفرض بخلاف الكافر وقيل الكافر كذلك عنده، ولو أسلم في غير رمضان ونوى قبل الزوال كان صائماً حتى لو أفطر يلزمه قضاؤه. وفي " الخزانة ": لا يصح نفلاً ولا فرضاً بخلاف خروج رمضان حيث يكون نفلاً في حق الصبي ولا يتعلق به اللزوم، وفي " المحيط ": إذا أسلم بعد الطلوع لا يصح صومه لا فرضاً ولا نفلاً.
стр. 1929
وصاما ما بعده لتحقق السبب، والأهلية، ولم يقضيا يومهما ولا ما مضى لعدم الخطاب، وهذا بخلاف الصلاة، لأن السبب فيها الجزء المتصل بالأداء، فوجدت الأهلية عنده، وفي صوم الجزء الأول، والأهلية منعدمة عنده، وعن أبي يوسف ﵀: أنه إذا زال الكفر، أو الصبا قبل الزوال فعليه القضاء؛ لأنه أدرك وقت النية. وجه الظاهر أن الصوم لا يتجزأ وجوبا، وأهلية الوجوب منعدمة في أوله.
ــ
[البناية]
وقيل: يصح نفلاً، وفي ظاهر الرواية لا يصح، وإذا قدم المسافر من سفره قبل الزوال وكان قد نوى الإفطار فنوى الصوم أجزأه، وإن كان في رمضان وجب عليه الصوم لزوال المرض في وقت النية، وكذا لو كان مقيماً في أول الوقت فسافر لا يباح له الفطر، ولو أفطر فيهما لا تجب الكفارة.
م: (وصاما ما بعده لتحقق السبب) ش: وهو شهود الشهر م: (والأهلية) ش: الإسلام والبلوغ م: (ولم يقضيا يومهما) ش: الذي بلغ فيه الصبي وأسلم الكافر م: (ولا ما مضى) ش: من الأيام م: (لعدم الخطاب) ش: لأن الخطاب إنما يكون عند الأهلية وكانت منتقية.
فإن قلت: انتفاء الأهلية في أول النهار لا يمنع وجوب القضاء، فإن المجنون إذا أفاق في يوم رمضان قبل الزوال، والأكل ونوى الصوم يقع عن الفرض، ولو أفطر يجب عليه القضاء، مع أن الصوم لم يكن واجباً عليه في ذلك وقت طلوع الفجر.
قلت: لا نسلم أن الوجوب لم يكن ثابتاً عليه في ذلك الوقت بل الوجوب في حقه كان ثابتاً إلا أنه لم يظهر أثره عند الاستغراق، فإذا لم يستغرق ظهر أثر الوجوب.
م: (وهذا بخلاف الصلاة) ش: أي هذا الحكم الذي ذكرنا، وهو عدم وجوب قضاء صوم ذلك اليوم الذي بلغ فيه الصبي أو أسلم الكافر، بخلاف الصلاة يجب قضاؤها إذا بلغ أو أسلم في بعض الوقت م: (لأن السبب) ش: أي السبب في وجوب الصلاة م: (فيها) ش: أي في الصلاة م: (الجزء [المتصل بالأداء، فوجدت الأهلية عنده، وفي صوم الجزء] الأول، والأهلية منعدمة عنده) ش: أي عند الجزء الأول.
م: (وعن أبي يوسف ﵀: أنه إذا زال الكفر) ش: عن الكافر م: (أو الصبا) ش: أي وإذا زال الصبا عن الصبي م: (قبل الزوال فعليه القضاء؛ لأنه أدرك وقت النية) ش: وهذا كمن أصبح ناوياً للفطر ثم نوى قبل الزوال أن الصوم أجزأه، ولا شك أن نية الفطر منافية للصوم لكنها منافية حكماً لا حقيقة، فلا تمنع نية الصوم قبل الزوال، وكذلك الكفر مناف للصوم حكماً لا حقيقة لا تمنع نية الصوم قبل الزوال م: (وجه الظاهر) ش: أي وجه ظاهر الرواية م: (أن الصوم لا يتجزأ وجوبا) ش: أي من حيث الوجوب م: (وأهلية الوجوب منعدمة في أوله) ش: أي
стр. 1930
إلا أن للصبي أن ينوي التطوع في هذه الصورة دون الكافر على ما قالوا لأن الكافر ليس من أهل التطوع أيضا، والصبي أهل له. وإذا نوى المسافر الإفطار ثم قدم المصر قبل الزوال فنوى الصوم أجزأه لأن السفر لا ينافي أهلية الوجوب، ولا صحة الشروع، وإن كان في رمضان
ــ
[البناية]
في أول اليوم، بيانه أن الصوم لما لم يجب عليه في أول اليوم لعدم أهلية الوجوب في البقية؛ لأن الصوم الواجب، [ ... ] لا يتجزأ فلا يجب القضاء.
م: (إلا أن للصبي أن ينوي التطوع في هذه الصورة) ش: أشار بهذا الاستثناء إلى الفرق بين حكم الصبي وحكم الكافر في هذه الصورة، وهي ما إذا بلغ الصبي قبل الزوال أو أسلم الكافر قبل الزوال وبيان الفرق بينهما أن الصبي إذا نوى التطوع يصح لأنه أهل له قبل البلوغ.
والكافر الذي أسلم ونوى التطوع لا يصح، وهو معنى قوله م: (دون الكافر) ش: لعدم الأهلية م: (على ما قالوا) ش: أشار إلى الاختلاف بين المشايخ فعامة المشايخ على ما ذكر من الفرق، أن الكافر إذا نوى التطوع بعدما أسلم قبل الزوال لا يصح، وأن الصبي إذا نوى كذلك يصح، وذكر في " الجامع الصغير "، الصغير يبلغ والكافر يسلم قال: هما سواء.
وفي " المنتقى ": عن أبي يوسف ﵀ أنه سوى بينهما، وقال: يكون تطوعاً منهما جميعاً م: (لأن الكافر ليس من أهل التطوع أيضا، والصبي أهل له) ش: هذا التعليل كقول عامة المشايخ الذين فرقوا بينهما، ولا ترد مسألة المجنون؛ لأنه لو أفاق في نهار رمضان، ولم يكن أكل شيئاً فنوى الصوم حيث يقع صومه عن الفرض؛ لأن المجنون إذا لم يستوعب لا ينافي أهلية الوجوب. أما الصبا، والكفر فينافيان أهلية الوجوب.
م: (وإذا نوى المسافر الإفطار) ش: يعني في غير رمضان بدليل قوله فيما بعده: وإن كان في رمضان م: (ثم قدم المصر) ش: أي مصره م: (قبل الزوال فنوى الصوم أجزأه لأن السفر لا ينافي أهلية الوجوب) ش: أي وجوب الصوم، ولهذا يصح أداؤه في السفر م: (ولا صحة الشروع) ش: لأنه لو صام صح م: (وإن كان في رمضان) ش: أي وإن كان المسافر الذي نوى الإفطار وقدم مصره قبل الزوال في رمضان، قال الأترازي: هذا تكرار من المصنف؛ لأن ما قبله أيضاً في مسافر قدم المصر قبل الزوال في رمضان بدلالة التعليل بقوله؛ لأن السفر لا ينافي أهلية الوجوب، ومثل هذا الكلام، لا يستعمل في النفل.
قلت: قال السغناقي: إن المراد من قوله وإن نوى المسافر الإفطار في غير رمضان كما ذكرنا عن قريب فهذا أولى من حمل كلام المصنف على التكرار.
وكذا قال الأكمل؛ أن الأولى في غير رمضان والثانية في رمضان؛ فلا [يلزم] تكرار، وقال تاج الشريعة ﵀: قوله: وإذا نوى المسافر الإفطار ثم قدم المصر قبل الزوال فنوى الصوم إن كان مراده من هذا الصوم تطوعاً، فيكون المراد من الوجوب في قوله لا ينافي
следующие страницы →