Полный текст (7 019 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
سلمان وجعله ﵊[....] بقوله صدق سلمان ولم يأمره بالقضاء» .
قلت: كان الفطر لعذر الضيافة وقد أمر بالقضاء في غيره من الأحاديث.
وقال الكاكي: وروي «عن عائشة ﵂ وحفصة ﵂ قالتا: " كنا صائمتين متطوعتين فأهدي لنا طعام فأفطرنا فدخل علينا رسول الله ﷺ فسألته حفصة عن ذلك فقال ﷺ : اقضيا يوماً مكانه» ، ذكره في " الموطأ "، والترمذي، والنسائي انتهى.
قلت: لم أره في الترمذي، ولا النسائي وإنما رواه البزار، والطبراني في " الأوسط "، وفي إسناده حماد بن الوليد. قال فيه أبو حاتم: شيخ، وضعفه الجمهور. وفي الطبراني أيضاً، عن أبي هريرة «أهديت لعائشة وحفصة هدية، وهما صائمتان فأكلتا منها فذكرتا ذلك للنبي ﷺ قال: " اقضيا يوماً مكانه ولا تعودان» ، وفي إسناده محمد بن أبي سلمة المكي ذكره العقيلي في " الضعفاء "، وقال: لا يتابع على حديثه.
وروى ابن حزم هذا الحديث، عن جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمر، عن عائشة ﵂، ثم قال: وقد صح القضاء بالإفطار في ذلك.
ويروى في " الموطأ ": من عدة طرق مرسلاً، وقال الدارقطني: فيه فرج وجرير فخالفهما حماد بن زيد، وعباد بن العوام، ويحيى بن أيوب ﵃ فرووه عن يحيى بن سعيد على وهم من وصله من العدول الثقات، وقال ابن الحصار أيضاً: هذا سند صحيح، ورجاله رجال الصحيحين، ولا يضره الإرسال، وقال أبو الفرج: لا يقبل طعن الدارقطني، إذا انفرد به لما عرف من عصبيته.
فإن قلت: أخرج مسلم «عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: " دخل النبي ﷺ ذات يوم فقال هل عندكم شيء؟ قالت: لا قال: إني إذا صائم " ثم أتى يوماً آخر فقلنا يا رسول الله أهدي لنا حيس فقال أرنيه فلقد أصبحت صائماً فأكل» فعلم أنه غير لازم.
قلت: زاد النسائي فيه ولكن يصوم يوماً مكانه وصحح هذه الزيادة أبو محمد بن عبد الحق.
فإن قلت: روى الدارقطني عن أم سلمة ﵂ «أن النبي ﷺ ، كان يصبح صائماً وهو يريد الصوم فيقول أعندكم شيء فنقول لعله يصبح صائماً فيقول بلى» ، ولكن لا بأس إن أفطر ما لم يكن نذراً أو قضاء من رمضان.
قلت: في سنده محمد بن عبد الله العذري ولا يحتج به.
стр. 1927
وإذا وجب المضي وجب القضاء بتركه. ثم عندنا لا يباح الإفطار فيه بغير عذر في إحدى الروايتين لما بينا، ويباح بعذر، والضيافة عذر لقوله ﷺ «أفطر، واقض يوما مكانه»
ــ
[البناية]
فإن قلت: روى أبو أحمد من حديث جعفر بن الزبير عن القاسم، عن أبي أسامة عن النبي ﷺ أنه قال: «من صام تطوعاً فهو بالخيار ما بينه وبين نصف النهار» .
قلت: جعفر بن الزبير متروك، وكان رجلا صالحا ذكره القرطبي، فلو كان ثابتا لكان بيانا لصحة الشروع في الصوم؛ لأنه لا يصح شروعه بعد نصف النهار.
م: (وإذا وجب المضي وجب القضاء بتركه) ش: لأنه لو لم يلزم القضاء يلزم إبطال العمل واللازم منتف بقوله تعالى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] ، فينتفي الملزوم، وهو عدم لزوم القضاء.
م: (ثم عندنا لا يباح الإفطار [فيه) ش: أي في الصوم وكان هذا بيان لمبنى الاختلاف وهو أن] الإفطار بعد الشروع ليس بمباح. م: (بغير عذر في إحدى الروايتين لما بينا، ويباح بعذر) ش: وذكر الكرخي ﵀ والرازي ﵀: عن الأًصحاب أنه لا يباح له الفطر إلا بعذر.
م: (والضيافة عذر) ش: أي على الأظهر وفي " المبسوط " و " المجتبى " والأظهر عن أبي حنيفة ﵁ أن الضيافة عذر، وهو رواية هشام عن محمد وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵁ لا تكون عذراً، وفي " المرغيناني " الصحيح من المذهب أن صاحب الدعوة إذا كان يرضى بمجرد حضوره لا يفطر ومسألة اليمين على هذا التفصيل.
وفي " المحيط ": إن حلف بطلاق امرأته يفطر في التطوع دون الفرض وهو قول أبي الليث وقال في " الدراية " واختلف المشايخ فيمن حلف بطلاق امرأته أن يطلق قال أبو الليث:
الأولى: أن يفطر وقال نصير وخلف بن أيوب لا يفطر ودعه يحنث وهذا كله قبل الزوال وبعده لا يفطر إلا إذا كان في تركه عقوق الوالدين أو أحدهما، وفي الفرض والواجب لا يفطر إلا بعذر والضيافة ليست بعذر وكذا السفر الذي أنشأه فيه وعذر فيما عداه، والمرض عذر في الأيام كلها ذكر ذلك في " الذخيرة " وروى بشر عن أبي يوسف إذا كان صائماً في ظهار أو نذر أو قضاء رمضان [لا يفطر] وإن أفطر يصوم يوماً مكانه.
م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «أفطر، واقض يوما مكانه» ش: قال الأترازي:
стр. 1928
وإذا بلغ الصبي، أو أسلم الكافر في رمضان، أمسكا بقية يومهما قضاء لحق الوقت بالتشبه، ولو أفطرا فيه لا قضاء عليهما؛ لأن الصوم غير واجب فيه.
ــ
[البناية]
هذا ليس بحديث النبي ﷺ بل هو من كلام الصحابة ﵃.
قلت: هذا وهم فاحش فقد رواه أبو داود الطيالسي في " مسنده " من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال «صنع رجل طعاماً ودعا رسول الله ﷺ وأصحاباً له، فلما أتي بالطعام تنحى أحدهم، فقال له النبي ﷺ : " مالك؟ " قال: إني صائم، فقال له النبي ﷺ : " أخوك تكلف وصنع لك طعاماً أفطر واقض يوماً مكانه» وروى نحوه الدارقطني من حديث محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ﵄ وفي آخره يقول «إني صائم كل وصم يوماً مكانه» .
[الحكم لو بلغ الصبي أو أسلم الكافر في نهار رمضان]
م: (وإذا بلغ الصبي، أو أسلم الكافر في رمضان) ش: أي في يوم من أيام رمضان م: (أمسكا بقية يومهما) ش: وكذلك الحائض إذا طهرت والنفساء والمجنون إذا أفاق والمريض إذا برئ والمسافر إذا أقام فحكم هؤلاء في الإمساك عن المفطرات سواء، وهكذا كل معذور زال عذره بعد طلوع الفجر، أما لو زال قبل طلوع الفجر لزمه الصوم. وبقولنا قال أحمد في أصح الروايتين وبعض أصحاب الشافعي ﵁ وأبو ثور وهو قول الأوزاعي، والحسن بن حي وإسحاق، وابن الماجشون وقال الشافعي، ومالك وداود ﵃: يستحب الإمساك ولا يلزم لأن هذا شخص لا يلزمه الصوم لا ظاهراً ولا باطناً، فلا يلزمه الإمساك كما في حالة العذر.
م: (قضاء لحق الوقت بالتشبه) ش: يعني لقضاء حق الوقت بالتشبه بالصائمين، ولئلا يعرض نفسه للتهمة، وفي " النهاية ": اختلفوا في إمساك بقية اليوم، أنه على طريق الاستحباب، [لأنه مفطر فكيف يجب عليه الكف عن المفطرات. وقال الشيخ الإمام الزاهد الصفار ﵀: الصحيح أن ذلك على طريق الاستحباب] ، انتهى. وعلى قول ابن شجاع لا خلاف بيننا وبين الشافعي ﵁ ومن معه م: (ولو أفطرا) ش: أي الصبي الذي بلغ والكافر الذي أسلم م: (فيه) ش: أي في اليوم الذي بلغ فيه الصبي وأسلم الكافر م: (لا قضاء عليهما؛ لأن الصوم غير واجب فيه) ش:، وقال زفر وإسحاق وأحمد في رواية: يجب القضاء قياساً على الصلاة وإذا بلغ الصبي قبل الزوال يكون صائماً نفلاً إذا نوى الصوم في ظاهر الرواية، لأنه أهل للنفل بخلاف الكافر، وعن أبي يوسف ﵀ يجوز صومه عن الفرض بخلاف الكافر وقيل الكافر كذلك عنده، ولو أسلم في غير رمضان ونوى قبل الزوال كان صائماً حتى لو أفطر يلزمه قضاؤه. وفي " الخزانة ": لا يصح نفلاً ولا فرضاً بخلاف خروج رمضان حيث يكون نفلاً في حق الصبي ولا يتعلق به اللزوم، وفي " المحيط ": إذا أسلم بعد الطلوع لا يصح صومه لا فرضاً ولا نفلاً.
стр. 1929
وصاما ما بعده لتحقق السبب، والأهلية، ولم يقضيا يومهما ولا ما مضى لعدم الخطاب، وهذا بخلاف الصلاة، لأن السبب فيها الجزء المتصل بالأداء، فوجدت الأهلية عنده، وفي صوم الجزء الأول، والأهلية منعدمة عنده، وعن أبي يوسف ﵀: أنه إذا زال الكفر، أو الصبا قبل الزوال فعليه القضاء؛ لأنه أدرك وقت النية. وجه الظاهر أن الصوم لا يتجزأ وجوبا، وأهلية الوجوب منعدمة في أوله.
ــ
[البناية]
وقيل: يصح نفلاً، وفي ظاهر الرواية لا يصح، وإذا قدم المسافر من سفره قبل الزوال وكان قد نوى الإفطار فنوى الصوم أجزأه، وإن كان في رمضان وجب عليه الصوم لزوال المرض في وقت النية، وكذا لو كان مقيماً في أول الوقت فسافر لا يباح له الفطر، ولو أفطر فيهما لا تجب الكفارة.
م: (وصاما ما بعده لتحقق السبب) ش: وهو شهود الشهر م: (والأهلية) ش: الإسلام والبلوغ م: (ولم يقضيا يومهما) ش: الذي بلغ فيه الصبي وأسلم الكافر م: (ولا ما مضى) ش: من الأيام م: (لعدم الخطاب) ش: لأن الخطاب إنما يكون عند الأهلية وكانت منتقية.
فإن قلت: انتفاء الأهلية في أول النهار لا يمنع وجوب القضاء، فإن المجنون إذا أفاق في يوم رمضان قبل الزوال، والأكل ونوى الصوم يقع عن الفرض، ولو أفطر يجب عليه القضاء، مع أن الصوم لم يكن واجباً عليه في ذلك وقت طلوع الفجر.
قلت: لا نسلم أن الوجوب لم يكن ثابتاً عليه في ذلك الوقت بل الوجوب في حقه كان ثابتاً إلا أنه لم يظهر أثره عند الاستغراق، فإذا لم يستغرق ظهر أثر الوجوب.
م: (وهذا بخلاف الصلاة) ش: أي هذا الحكم الذي ذكرنا، وهو عدم وجوب قضاء صوم ذلك اليوم الذي بلغ فيه الصبي أو أسلم الكافر، بخلاف الصلاة يجب قضاؤها إذا بلغ أو أسلم في بعض الوقت م: (لأن السبب) ش: أي السبب في وجوب الصلاة م: (فيها) ش: أي في الصلاة م: (الجزء [المتصل بالأداء، فوجدت الأهلية عنده، وفي صوم الجزء] الأول، والأهلية منعدمة عنده) ش: أي عند الجزء الأول.
م: (وعن أبي يوسف ﵀: أنه إذا زال الكفر) ش: عن الكافر م: (أو الصبا) ش: أي وإذا زال الصبا عن الصبي م: (قبل الزوال فعليه القضاء؛ لأنه أدرك وقت النية) ش: وهذا كمن أصبح ناوياً للفطر ثم نوى قبل الزوال أن الصوم أجزأه، ولا شك أن نية الفطر منافية للصوم لكنها منافية حكماً لا حقيقة، فلا تمنع نية الصوم قبل الزوال، وكذلك الكفر مناف للصوم حكماً لا حقيقة لا تمنع نية الصوم قبل الزوال م: (وجه الظاهر) ش: أي وجه ظاهر الرواية م: (أن الصوم لا يتجزأ وجوبا) ش: أي من حيث الوجوب م: (وأهلية الوجوب منعدمة في أوله) ش: أي
стр. 1930
إلا أن للصبي أن ينوي التطوع في هذه الصورة دون الكافر على ما قالوا لأن الكافر ليس من أهل التطوع أيضا، والصبي أهل له. وإذا نوى المسافر الإفطار ثم قدم المصر قبل الزوال فنوى الصوم أجزأه لأن السفر لا ينافي أهلية الوجوب، ولا صحة الشروع، وإن كان في رمضان
ــ
[البناية]
في أول اليوم، بيانه أن الصوم لما لم يجب عليه في أول اليوم لعدم أهلية الوجوب في البقية؛ لأن الصوم الواجب، [ ... ] لا يتجزأ فلا يجب القضاء.
م: (إلا أن للصبي أن ينوي التطوع في هذه الصورة) ش: أشار بهذا الاستثناء إلى الفرق بين حكم الصبي وحكم الكافر في هذه الصورة، وهي ما إذا بلغ الصبي قبل الزوال أو أسلم الكافر قبل الزوال وبيان الفرق بينهما أن الصبي إذا نوى التطوع يصح لأنه أهل له قبل البلوغ.
والكافر الذي أسلم ونوى التطوع لا يصح، وهو معنى قوله م: (دون الكافر) ش: لعدم الأهلية م: (على ما قالوا) ش: أشار إلى الاختلاف بين المشايخ فعامة المشايخ على ما ذكر من الفرق، أن الكافر إذا نوى التطوع بعدما أسلم قبل الزوال لا يصح، وأن الصبي إذا نوى كذلك يصح، وذكر في " الجامع الصغير "، الصغير يبلغ والكافر يسلم قال: هما سواء.
وفي " المنتقى ": عن أبي يوسف ﵀ أنه سوى بينهما، وقال: يكون تطوعاً منهما جميعاً م: (لأن الكافر ليس من أهل التطوع أيضا، والصبي أهل له) ش: هذا التعليل كقول عامة المشايخ الذين فرقوا بينهما، ولا ترد مسألة المجنون؛ لأنه لو أفاق في نهار رمضان، ولم يكن أكل شيئاً فنوى الصوم حيث يقع صومه عن الفرض؛ لأن المجنون إذا لم يستوعب لا ينافي أهلية الوجوب. أما الصبا، والكفر فينافيان أهلية الوجوب.
م: (وإذا نوى المسافر الإفطار) ش: يعني في غير رمضان بدليل قوله فيما بعده: وإن كان في رمضان م: (ثم قدم المصر) ش: أي مصره م: (قبل الزوال فنوى الصوم أجزأه لأن السفر لا ينافي أهلية الوجوب) ش: أي وجوب الصوم، ولهذا يصح أداؤه في السفر م: (ولا صحة الشروع) ش: لأنه لو صام صح م: (وإن كان في رمضان) ش: أي وإن كان المسافر الذي نوى الإفطار وقدم مصره قبل الزوال في رمضان، قال الأترازي: هذا تكرار من المصنف؛ لأن ما قبله أيضاً في مسافر قدم المصر قبل الزوال في رمضان بدلالة التعليل بقوله؛ لأن السفر لا ينافي أهلية الوجوب، ومثل هذا الكلام، لا يستعمل في النفل.
قلت: قال السغناقي: إن المراد من قوله وإن نوى المسافر الإفطار في غير رمضان كما ذكرنا عن قريب فهذا أولى من حمل كلام المصنف على التكرار.
وكذا قال الأكمل؛ أن الأولى في غير رمضان والثانية في رمضان؛ فلا [يلزم] تكرار، وقال تاج الشريعة ﵀: قوله: وإذا نوى المسافر الإفطار ثم قدم المصر قبل الزوال فنوى الصوم إن كان مراده من هذا الصوم تطوعاً، فيكون المراد من الوجوب في قوله لا ينافي
стр. 1931
فعليه أن يصوم لزوال المرخص في وقت النية. ألا ترى أنه لو كان مقيما في أول اليوم ثم سافر لا يباح له الفطر ترجيحا لجانب الإقامة فهذا أولى، إلا أنه إذا أفطر في المسألتين لا تلزمه الكفارة لقيام شبهة المبيح.
ومن أغمي عليه في رمضان لم يقض اليوم الذي حدث فيه الإغماء لوجود الصوم فيه وهو الإمساك المقرون بالنية، إذ الظاهر وجودها منه وقضى ما بعده لانعدام النية، وإن أغمي عليه أول ليلة منه قضاه كله غير يوم تلك الليلة لما قلنا. وقال مالك ﵀ لا يقضي ما بعده؛ لأن صوم رمضان عنده يتأدى بنية واحدة بمنزلة الاعتكاف.
ــ
[البناية]
أهلية الوجوب [الثبوت، وإن كان نذراً معيناً فالمراد الوجوب] الاصطلاحي، وإنما قلت كذلك لأنه ذكر بعده وإن كان في رمضان، انتهى.
قلت: يمكن الرد بالشق الأول على تعليل الأترازي في دعواه التكرار في كلام المصنف فليتأمل م: (فعليه أن يصوم لزوال المرخص) ش: وهو السفر م: (في وقت النية. ألا ترى أنه لو كان مقيما [في] أول اليوم ثم سافر لا يباح له الفطر ترجيحا لجانب الإقامة) ش: على جانب السفر لعروضه على الإقامة التي هي الأصل م: (فهذا أولى) ش: يعني ترجيح الإقامة أولى وجه الأولوية أن المرخص وهو السفر قائم في وقت الإفطار في تلك المسألة ومع ذلك لم يبح له الإفطار فلا يباح في هذه المسألة وهو ليس بقائم فيه أولى.
م: (إلا أنه) ش: أي إلا أن الرجل المذكور م: (إذا أفطر في المسألتين) ش: يعني في مسألة المسافر الذي أقام ومسألة المقيم الذي سافر م: (لا تلزمه الكفارة لقيام شبهة المبيح) ش: وهو السفر؛ لأنه في الأصل مبيح للفطر؛ فإذا اقترن بالسبب الموجب للكفارة يكون مورثا ًبشبهة مسقطة للكفارة، وإن لم يصر الفطر مباحاً له بمنزلة النكاح الفاسد يكون مسقطاً للحد وإن لم يكن مبيحاً للوطء.
[أحكام المغمى عليه والمجنون في رمضان]
م: (ومن أغمي عليه في رمضان لم يقض اليوم الذي حدث فيه الإغماء لوجود الصوم فيه وهو الإمساك المقرون بالنية، إذ الظاهر وجودها) ش: أي وجود النية م: (منه وقضى ما بعده لانعدام النية) ش: أي قضى ما بعد ذلك اليوم الذي حدث فيه الإغماء لعدم النية فيه؛ لأن الإغماء يمنع وجود النية ولا يصح الصوم بدونها، ولو كان الرجل الذي أغمي عليه في رمضان منتهكاً قد اعتاد الفطر في رمضان أو كان مسافراً فيه يقضي الكل لعدم النية في الكل، م: (وإن أغمي عليه أول ليلة منه قضاه كله غير يوم تلك الليلة لما قلنا) ش: أشار به إلى قوله: لوجود الصوم فيه وهو الإمساك المقرون بالنية.
م: (وقال مالك ﵀ لا يقضي ما بعده؛ لأن صوم رمضان عنده يتأدى بنية واحدة بمنزلة الاعتكاف) ش: لأن الله تعالى أوجب الصوم باسم الشهر وأنه شيء واحد وإنما رخص له الفطر بالليالي ليتمكن من الأداء فاعتبر الشهود في حق الشهر النية شيئاً واحداً كالاعتكاف لا يحتاج فيه نية
стр. 1932
وعندنا لا بد من النية لكل يوم؛ لأنها عبادات متفرقة لأنه يتخلل بين كل يومين ما ليس بزمان لهذه العبادة بخلاف الاعتكاف، ومن أغمي عليه في رمضان كله قضاه؛ لأنه نوع مرض يضعف القوى ولا يزيل الحجى فيصير عذرا في التأخير لا في الإسقاط، ومن جن في رمضان كله لم
ــ
[البناية]
لكل يوم.
م: (وعندنا لا بد من النية لكل يوم؛ لأنها) ش: أي لأن صيام الشهر م: (عبادات متفرقة) ش: أي صوم كل يوم عبادة وحدها، ألا ترى أن الفساد في الأصل لا يمنع صحة الباقي، فكانت كصلاة مختلفة فيستدعي لكل نية واحدة م: (لأنه يتخلل بين كل يومين ما ليس بزمان هذه العبادة) ش: وهو الليالي فيبقى صوم كل يوم عبادة طول الشهر فيحتاج إلى تعداد النية بتعداد الأيام ولا عبادة إلا بالنية.
م: (بخلاف الاعتكاف) ش: لأنه لم يتخلل بين كل يومين فيه ما ليس بزمان العبادة، إذ الليل أيضاً وقت الاعتكاف؛ ولهذا يفسد بوجود المفسد في الليل، فكان شيئاً واحداً، فيكفيه نية واحدة.
م: (ومن أغمي عليه في رمضان كله قضاه) ش: أي قضى كل رمضان هذا بالإجماع، إلا ما روي عن الحسن البصري وابن شريح من أصحاب الشافعي ﵁ فيما إذا استوعب لا قضاء عليه كما في المجنون؛ لأن سبب وجوب الأداء وهو شهود الشهر لم يتحقق موجباً في حقه لعدم الفهم، ووجوب القضاء يبنى عليه م: (لأنه نوع مرض) ش: أي لأن الإغماء نوع مرض م: (يضعف القوى ولا يزيل الحجى) ش: بكسر الحاء المهملة وفتح الجيم مقصوراً وهو العقل، ألا ترى أن الأنبياء - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كانوا يثبتون بالإغماء دون الجنون لأنه منفي عنهم، والفرق بينهما أن العقل يكون في الإغماء مغلوباً وفي الجنون مسلوباً م: (فيصير) ش: أي الإغماء م: (عذرا في التأخير) ش: أي في تأخير الصوم إلى وقت زوال الإغماء م: (لا في الإسقاط) ش: أي لا يكون عذراً في إسقاط بالكلية.
م: (ومن جن في رمضان كله لم يقضه) ش: أي إذا جن قبل غروب الشمس من أول الليلة؛ لأنه لو كان مفيقاً في أول الليلة ثم جن رمضان كله إلى آخر الشهر قضى صوم الشهر كله بالاتفاق غير يوم تلك الليلة.
ذكر شمس الأئمة في أصوله، وفي جامع النوازل إذا أفاق أول ليلة من رمضان ثم أصبح مجنوناً واستوعب الشهر اختلف فيه أئمة بخارى، والفتوى على أنه لا يلزمه القضاء لأن الليلة لا يصام فيها وكذا لو أفاق في ليلة من وسطه أو في آخر يوم من رمضان بعد الزوال كما في " المجتبى ".
وقال الحلواني ﵀: المراد من قوله كله مقدار ما يمكنه ابتداء الصوم، حتى لو
стр. 1933
يقضه خلافا لمالك ﵀، هو يعتبره بالإغماء. ولنا أن المسقط هو الحرج، والإغماء لا يستوعب الشهر عادة فلا حرج والجنون يستوعبه فيتحقق الحرج،
وإن أفاق المجنون في بعضه قضى ما مضى من الشهر خلافا لزفر والشافعي - رحمهما الله -، هما يقولان: لم يجب عليه الأداء لانعدام الأهلية، والقضاء يترتب عليه، وصار كالمستوعب، ولنا أن السبب قد وجد، وهو الشهر والأهلية بالذمة
ــ
[البناية]
أفاق بعد الزوال من اليوم الآخر، من رمضان لا يلزمه القضاء؛ لأنه لا يصح فيه كالليل هو الصحيح، كذا في " فتاوى قاضي خان ".
م: (خلافاً لمالك) ش: فإن عنده يقضيه، وبه قال أحمد في رواية وابن شريح من أصحاب الشافعي ﵁ م: (هو) ش: أي مالك م: (يعتبره) ش: أي يعتبر حكم هذا م: (بالإغماء) ش: لأن الجنون المستوعب لا ينافي أهلية الوجوب قياساً على الإغماء إذا استوعب، فلا يمنع الوجوب كغير المستوعب.
م: (ولنا أن المسقط) ش: أي للوجوب م: (هو الحرج، والإغماء لا يستوعب الشهر) ش: لأن المغمى عليه لا يأكل ولا يشرب وصومه إلى شهر بلا أكل وشرب نادر، فإذا كان كذلك م: (فلا حرج) ش: لندرته م: (والجنون يستوعبه) ش: أي يستوعب الشهر م: (فيتحقق الحرج) ش: والإسقاط يتعلق بالحرج.
[الحكم لو أفاق المجنون في بعض رمضان]
م: (وإن أفاق المجنون في بعضه) ش: أي في بعض شهر رمضان م: (قضى ما مضى من الشهر خلافا لزفر والشافعي) ش: في الجديد وأحمد، وأبي ثور م: (هما يقولان) ش: أي زفر، والشافعي - رحمهما الله - يقولان: م: (لم يجب عليه الأداء لانعدام الأهلية، والقضاء يترتب عليه) ش: أي الأداء، والأداء لا يجب عليه بالاتفاق فكذلك القضاء قياساً عليه كذا، ذكر الإمام علاء الدين السمرقندي ﵀، في طريقة الخلاف أن مذهبهما قياساً ومذهبنا استحساناً م: (وصار كالمستوعب) ش: يعني في إسقاط كل اعتبار للبعض بالكل.
وقوله: بالذمة خبره وهو جواب عن سؤال مقدر تقديره، أن يقال: يجوز أن يمنع من ذلك مانع وهو عدم الأهلية فيما مضى، فأجاب بأن الأهلية للوجوب بالذمة وهي كونه أهلاً للإيجاب، وهي موجودة؛ لأنه بالذمة، والذمة في الأصل العهدة، ولهذا سمي قابل الجزية
стр. 1934
في الوجوب فائدة، وهو صيرورته مطلوبا على وجه لا يحرج في أدائه بخلاف المستوعب؛ لأنه يحرج في الأداء فلا فائدة،
/ وتمامه في الخلافيات، ثم لا فرق بين الأصلي والعارض، قيل: هذا في ظاهر الرواية، وعن محمد ﵀ أنه فرق بينهما؛ لأنه إذا بلغ مجنونا، التحق بالصبي فانعدم الخطاب، بخلاف ما إذا بلغ عاقلا ثم جن وهذا مختار بعض المتأخرين.
ــ
[البناية]
ذمياً لكونه معاهداً، وسمي محل التزام العهد وهو الرقبة بالذمة مجازاً إطلاقاً لاسم الحال على المحل.
ثم قال: هكذا لقائل أن يقول: لو كان ما ذكرتم صحيحاً، لوجب على المستغرق أيضاً فأجاب بقوله: م: (وفي الوجوب فائدة، وهو) ش: أي الفائدة ذكرها باعتبار المذكور.
وفي بعض النسخ: وهي على الأصل م: (صيرورته مطلوباً على وجه لا يحرج في أدائة بخلاف المستوعب؛ لأنه يحرج في الأداء فلا فائدة) ش: ولهذا قلنا في النائم، والمغمى عليه: يجب عليهما القضاء إن استوعب النوم، والإغماء شهراً لعدم الحرج.
فإن قلت: زفر والشافعي استدلاً أيضاً بقوله ﵊: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» .
قلت: المراد منه رفع تكليف الأداء لا نفي أصل الوجوب، ولهذا يجب على النائم القضاء.
م: (وتمامه في الخلافيات) ش: أي تمام البحث المذكور مذكور في الكتب المتعلقة بذكر الخلافيات م: (ثم لا فرق بين الأصلي) ش: أي بين المجنون الأصلي، وهو أن يدرك مجنوناً.
م: (والعارض) ش: أي الجنون العارض وهو أن يدرك مفيقاً ثم جن يعني لا فرق بينهما حيث يلزمه قضاء ما مضى ثم م: (قيل: هذا) ش: أي عدم الفرق بين الجنونين.
م: (في ظاهر الرواية، وعن محمد أنه فرق بينهما) ش: أي بين الجنونين م: (لأنه) ش: أي لأن الصبي م: (إذا بلغ مجنونا، التحق بالصبي فانعدم الخطاب) ش: في حقه إذا أفاق في بعض الشهر ليس عليه قضاء ما مضى لأن ابتداء الخطاب وجه إليه الآن فكان كصبي [ثم] بلغ.
وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه قال: القياس هكذا إلا أني أستحسن بأن يقضي ما مضى في الجنون الأصلي إذا أفاق في بعض الشهر كما في الجنون العارض.
م: (بخلاف ما إذا بلغ عاقلا ثم جن) ش: يعني لا يلحق بالصبي، فلزمه قضاء ما مضى.
م: (وهذا) ش: أي المروي عن محمد م: (مختار بعض المتأخرين) ش: منهم الإمام أبو عبد الله ﵀ الجرجاني والإمام الربيعي والإمام الزاهد الصفار، وفي " المبسوط " المحفوظ
стр. 1935
ومن لم ينو في رمضان كله لا صوما ولا فطرا فعليه قضاؤه وقال زفر ﵀: يتأدى صوم رمضان بدون النية في حق الصحيح المقيم؛ لأن الإمساك مستحق عليه فعلى أي وجه يؤديه يقع عنه، كما إذا وهب كل النصاب من الفقير. ولنا: أن المستحق الإمساك بجهة العبادة، ولا عبادة إلا بالنية، وفي هبة النصاب وجد نية القربة على ما مر في الزكاة
ــ
[البناية]
عن محمد أنه لا يقضي ما مضى في الأصل كالصبي ولا رواية عن أبي حنيفة ﵀ واختلف فيه المتأخرون على قياس مذهبه، والأصح أنه ليس عليه قضاء ما مضى وبه قال ابن الماجشون المالكي.
وفي " البدائع ": الجنون العارض، إذا أفاق في أوله، أو في وسطه، أو في آخره قضى جميعه، وفي الأصلي روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه سوى بينهما.
[حكم اشتراط النية في صوم رمضان]
م: (ومن لم ينو في رمضان كله لا صوما ولا فطرا فعليه قضاؤه) ش: هذه المسألة من خواص " الجامع الصغير "، ثم لا بد من التأويل لهذه المسألة لما أن دلالة حال المسلم كافية لوجود النية، ألا ترى أن من أغمي عليه بعدما غربت الشمس من الليلة الأولى من رمضان أنه يصير صائماً في يومها ولم يعرف منه نية الصوم ولا الفطر لما أنا حملنا أمره على النية على ظاهر حاله.
قال السغناقي: ثم قال مشايخنا تأويل هذه المسألة أن يكون مريضاً أو مسافراً أو منتهكاً اعتاد الفطر في رمضان حتى لا يصلح حاله دليلاً على العزيمة ونية الصوم، ذكره فخر الإسلام ﵀.
م: (وقال زفر ﵀: يتأدى صوم رمضان بدون النية في حق الصحيح المقيم) ش: أبو شجاع هو الذي روى هذا القول عن زفر، وروي هكذا عن عطاء ومجاهد واستبعدوا هذا من زفر ﵀ وكان الكرخي ينكر أن يكون هذا مذهبه عنه ويقول مذهبه أنه يتأدى كله بنية واحدة، وهو قول مالك وإسحاق ورواية عن أحمد وإنما قيد بالصحيح والمقيم؛ لأن المريض والمسافر لا بد لهما من النية بالاتفاق م: (لأن الإمساك مستحق عليه فعلى أي وجه يؤديه يقع عنه) ش: لأنه متعين بأصله ووصفه بتعيين الله ، فلما لم يلزم تعيين الوصف لم يلزمه تعيين الأصل لتبعيته م: (كما إذا وهب كل النصاب من الفقير) ش: فإنه تسقط عنه الزكاة.
م: (ولنا: أن المستحق الإمساك بجهة العبادة، ولا عبادة إلا بالنية) ش: لقوله ﷺ : «الأعمال بالنيات» م: (وفي نية النصاب وجد نية القربة على ما مر في الزكاة) ش: باختيار المحل ووجد معنى القربة لحاجة المحل، ألا ترى أن من وهب لفقير شيئاً لا يملك الرجوع لحصول الثواب له.
فإن قلت: إعطاء النصاب لفقير واحد للزكاة باطل عند زفر فكيف ذكر الجواز ها هنا على مذهبه؟. قلت: قالوا: جاز أن يكون المراد منه أي على مذهبكم، وقيل: تأويله أن يكون الفقير مديوناً فعند ذلك يجوز أداء النصاب زكاة بالاتفاق.
стр. 1936
ومن أصبح غير ناو للصوم فأكل لا كفارة عليه عند أبي حنيفة ﵀ وقال زفر ﵀: عليه الكفارة؛ لأنه يتأدى بغير النية عنده، وقال أبو يوسف، ومحمد - رحمهما الله - إذا أكل قبل الزوال تجب الكفارة؛ لأنه فوت إمكان التحصيل، فصار كغاصب الغاصب. ولأبي حنيفة ﵀: أن الكفارة تعلقت بالإفساد، وهذا امتناع إذ لا صوم إلا بالنية. وإذا حاضت المرأة، أو نفست أفطرت وقضت، بخلاف الصلاة؛ لأنها تحرج في قضائها، وقد مر في الصلاة، وإذا قدم المسافر، أو طهرت الحائض في بعض النهار، أمسكا بقية
ــ
[البناية]
[حكم أصبح غير ناو للصوم فأكل]
م: (ومن أصبح غير ناو) ش: أي حال كونه غير ناو م: (للصوم فأكل لا كفارة عليه عند أبي حنيفة ﵀) ش: سواء أكل قبل الزوال أو بعده وكذا لو جامع، وبقول أبي حنيفة قال مالك والشافعي وأحمد ﵏.
م: (وقال زفر: عليه الكفارة؛ لأنه يتأدى عنده بدون النية) ش: يعني النية ليست بشرط م: (وقالا) ش: أي قال أبو يوسف، ومحمد - رحمهما الله - م: (إذا أكل قبل الزوال تجب الكفارة؛ لأنه فوت إمكان التحصيل) ش: أي تحصيل الصوم؛ لأن قبل الزوال يجب حكم الإمساك موقوفاً على أن يصير صوماً قبل نصف النهار، فصار بأكله مفوتاً لإمكان تحصيل الصوم، أما بعد الزوال فإمساكه غير موقوف على ذلك فلا يصير مفوتاً، فلا كفارة عليه.
وقال أبو بكر الرازي في " شرحه لمختصر الطحاوي ": المشهور عن محمد ﵀ أنه مع أبي حنيفة ﵀ م: (فصار كغاصب الغاصب) ش: فإن المغصوب كما يضمن الغاصب الأول لتفويت الأصل يضمن غاصب الغاصب لتفويت إمكان الرد.
م: (ولأبي حنيفة ﵀: أن الكفارة تعلقت بالإفساد) ش: أي بإفساد الصوم م: (وهذا امتناع) ش: أي عن الصوم لا إفساد له م: (إذ لا صوم إلا بالنية) ش: فلا كفارة عليه لأنه غير صائم.
م: (وإذا حاضت المرأة أو نفست) ش: بضم النون أي صارت نفساء م: (أفطرت وقضت) ش: أي الصوم م: (بخلاف الصلاة) ش: لا تقضي الصلاة م: (لأنها تحرج) ش: يقع فيها الحرج م: (في قضائها) ش: لكثرتها م: (وقد مر في الصلاة) ش: أي بيان الفرق بين الصوم والصلاة في وجوب قضاء الصوم دون الصلاة في باب الحيض.
فإن قلت: هذه المسألة مكررة لأنه ذكرها في باب الحيض.
قلت: ذكر في باب الحيض أن الحائض لا تصوم لكن لم تذكر أن الصائمة إذا حاضت أفطرت.
م: (وإذا قدم المسافر) ش: أي مصره م: (أو طهرت الحائض في بعض النهار، أمسكا بقية
стр. 1937
يومهما وقال الشافعي ﵀: لا يجب الإمساك، وعلى هذا الخلاف كل من صار أهلا للزوم، ولم يكن كذلك في أول اليوم، وهو يقول: التشبيه خلف، فلا يجب إلا على من يتحقق الأصل في حقه كالمفطر متعمدا، أو مخطئا. ولنا أنه وجب قضاء لحق الوقت أصلا لا خلفا لأنه وقت معظم، بخلاف الحائض والنفساء والمريض والمسافر، حيث لا يجب عليهم حال قيام هذه الأعذار لتحقق المانع عن التشبه
ــ
[البناية]
يومهما) ش: عن كل ما يمسك عنه الصائم تعظيماً للوقت م: (وقال الشافعي: لا يجب الإمساك) ش: يعني في بقية يومهما م: (وعلى هذا الخلاف) ش: يعني بيننا وبين الشافعي م: (كل من صار أهلا للزوم) أي للزوم الإمساك م: (ولم يكن كذلك) ش: أي والحال أنه لم يكن أهلاً للزوم الإمساك م: (في أول اليوم) ش: مثل الكافر يسلم والصبي يبلغ والمجنون يفيق في بعض النهار فإنهم يؤمرون بالإمساك بقية يومهم خلافاً للشافعي.
م: (وهو) ش: أي الشافعي م: (يقول: التشبه خلف) ش: أي عن الصوم م: (فلا يجب إلا على من يتحقق الأصل) ش: وهو الصوم م: (في حقه كالمفطر متعمداً) ش: أي كالذي أفطر عمداً م: (أو مخطئاً) ش: أي كالذي أفطر حال كونه مخطئاً كالذي أكل يوم الشك، ثم ظهر أنه من رمضان أو تسحر على ظن أنه ليل وكان الفجر طالعاً، أو كالذي أخطأ في المضمضة ونزل الماء في جوفه لا يفطر عنده.
وفي " الكافي ": الأصل عنده، من كان له الأصل مباحاً في أول اليوم، ظاهراً أو باطناً لا يلزمه الإمساك في بقية يومه ففي الفطر عمداً أو خطأ يلزمه الإمساك إجماعاً وفي الحائض والنفساء لا يجب إجماعاً.
فإن قيل: ما وجه قوله أو مخطئاً وعند الشافعي ﵀: لا يتحقق الفطر بالخطأ قلنا: المراد بالمخطئ من لم يصح صومه اليوم عنده لعدم قصده في إفساد صومه كمن أكل يوم الشك ثم ظهر أنه من رمضان فإنه يتحقق منه الإفطار، وها هنا يجب التشبه بالاتفاق.
م: (ولنا أنه) ش: أي أن التشبيه م: (وجب قضاء لحق الوقت أصلاً) ش: أي من حيث الأصل م: (لا خلفا) ش: أي لا من حيث الخلفية م: (لأنه وقت معظم) ش: ولهذا وجبت الكفارة على المفطر فيه عمدا ًدون غيره وإذا كان معظماً وجب قضاء حقه بالصوم، إن كان أهلاً وبالإمساك، إن لم يكن خلفاً م: (بخلاف الحائض والنفساء والمريض والمسافر، حيث لا يجب) ش: أي الإمساك م: (عليهم حال قيام هذه الأعذار) ش: وهي الحيض، والنفاس، والمرض والسفر.
م: (لتحقق المانع عن التشبه) ش: أما في الحائض والنفساء فإن الصوم عليهما حرام والتشبه بالحرام حرام وما في المريض والمسافر فلأن الرخصة في حقهما باعتبار الحرج، فلو ألزمنا
стр. 1938
حسب تحققه عن الصوم قال: وإذا تسحر وهو يرى
أن الفجر لم يطلع فإذا هو قد طلع، أو أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت فإذا هي لم تغرب أمسك بقية يومه قضاء لحق الوقت بالقدر الممكن، أو نفيا للتهمة، وعليه القضاء لأنه حق مضمون بالمثل، كما في المريض، والمسافر ولا كفارة عليه؛ لأن الجناية قاصرة لعدم القصد. وفيه قال عمر بن الخطاب ﵁: ما تجانفنا لإثم قضاء يوم علينا يسير
ــ
[البناية]
التشبيه عاد على موضوعتها له م: (حسب تحققه عن الصوم) ش: أي مثل تحقق المانع عن الصوم أراد أن المانع من التشبيه متحقق كما أن المانع من الصوم متحقق، وذلك لأن ما كان حراماً كان ما يشبهه حراماً كعبادة الصنم فإنها حرام، والصلاة بين يديه أيضاً مكروه لمشابهته عبادة الصنم.
م: (قال: وإذا تسحر) ش: في أكثر النسخ قال: وإذا تسحر أي قال القدوري م: (وهو يرى) ش: بضم الياء وفتح الراء أي والحال أنه يظن وفي بعض النسخ وهو يظن، والمراد من الظن غلبة الظن حتى لو كان شاكاً تجب الكفارة، كذا ذكره الإمام حميد الدين الضرير وحافظ الدين النسفي في " مستصفاه ".
قال الأترازي: وذلك لا يصح على إطلاقه، لأن الرواية في أكل المتسحر الشاك بخلاف ذلك، ألا ترى إلى ما ذكره في شرح الطحاوي " ﵀، لو شك في طلوع الفجر فالأفضل له أن لا يتسحر فإن تسحر مع الشك لم يفسد صومه ولا قضاء عليه، لأنه في يقين من الليل وشك في النهار، والأصل أن اليقين لا يزول بالشك إلا إذا تسحر وأكبر رأيه أن الفجر طالع وقت السحر وأحب إلينا أن يقضي، ثم قال: كذا ذكر في كتاب الصوم.
[حكم من شك في طلوع الفجر أو غروب الشمس فأكل]
م: (أن الفجر لم يطلع فإذا هو قد طلع، أو أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت فإذا هي لم تغرب أمسك بقية يومه قضاء لحق الوقت بالقدر الممكن، أو نفيا) ش: أي لأجل النفي م: (للتهمة) ش: فإنه إذا أكل ولا عذر به اتهمه الناس بالفسق والتحرز عن مواضع التهمة واجب بالحديث م: (وعليه القضاء) ش: خلافاً لابن أبي ليلى وعطاء والحسن ومجاهد وإسحاق بن راهويه وداود والمزني فإن عندهم لا يجب عليه القضاء، لأن صومه لا يفسد م: (لأنه) ش: أي لأن فوت الأداء م: (حق مضمون بالمثل) ش: شرعاً فإذا فوته قضاه م: (كما في المريض، والمسافر) ش: أي كما يقضي المريض والمسافر بقدر مرضه والمسافر بقدر قدومه مصره.
م: (ولا كفارة عليه، لأن الجناية قاصرة لعدم القصد) ش: خلافاً لبعضهم حيث أوجبوا الكفارة م: (وفيه) ش: أي مثل ما قلنا م: (قال عمر بن الخطاب ﵁ ما تجانفنا لإثم قضاء يوم علينا يسير) ش: وقال الأترازي في " شرحه ": هذا ما رواه أبو عبيد في كتاب " غريب الحديث "
стр. 1939
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
عن أبي معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عمر ﵄ أنه أفطر في رمضان وهو يرى أن الشمس قد غربت ثم نظر فإذا الشمس طالعة فقال عمر ﵁: لا نقضيه، ما تجانفنا لإثم أي مايلنا إليه ولا تعديناه ونحن نعلمه وكل مائل فهو متجانف جنف، قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ [البقرة: ١٨٢] أي ميلاً.
أما قوله: لا نقضيه فتأويله قال له قائل كأن الشمس طالعة وقد أثمنا فقال رداً عليه: لا أي ليس الأمر كما ظننت أي نقضي ما ليس مكان يوم ليس علينا غيره، ومثله قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] (القيامة: الآية ١) ، فأراد من أنكره البعث ومثله قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] وهذا الذي ذكرنا عن محمد ﵀ هو الصحيح من الرواية عند الثقات، وما ورد في بعض نسخ الهداية " بعثناك داعياً لا راعياً " فقال: ليس بصحيح.
وقد أورد بعضهم في " شرح الهداية " أن عمر ﵁ حين أفطر مع أصحابه يوماً صعد المؤذن المئذنة وقال: الشمس يا أمير المؤمنين قال: بعثناك داعياً لا راعياً للأذان وإعلام الناس ولا حافظاً للأحوال، ثم قال ما تجانفنا لإثم من الموضوعات فلا ملتفت إليه. إلى هنا كله كلام الأترازي وفيه نظر من وجوه:
الأول: تأويله في قوله لا نقضيه فيما أوله تكلف جداً، لأن ابن أبي شيبة روى في " مصنفه ": حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن ابن زيد بن وهب قال: خرج عباس من بيت حفصة ﵂ وعلى السماء سحاب فنظر أن الشمس قد غابت فأفطروا ولم يلبثوا أن تجلى السحاب فإذا الشمس طالعة فقال عمر ﵁: " ما تجانفنا من إثم ".
حدثنا علي بن شهر عن الشيباني عن خالد بن سحيم عن علي بن حنظلة عن أبيه قال: شهدت عمر بن الخطاب ﵁ في رمضان وقرب إليه شراب فشرب بعض القوم وهم يرون الشمس قد غربت ثم ارتقى المؤذن فقال: والله يا أمير المؤمنين إن الشمس طالعة لم تغرب فقال عمر ﵁ من كان أفطر فليصم يوماً مكانه ومن لم يكن أفطر فليتم حتى تغرب الشمس وادعاه من طريق آخر فزاد فيه فقال له: إنما بعثناك داعياً ولم نبعث راعياً وقد اجتهدنا وقضاء يوم يسير انتهى.
وروى محمد بن الحسن في كتاب " الآثار " أخبرنا أبو حنيفة ﵁ عن حماد ابن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قال: أفطر عمر بن الخطاب ﵁ وأصحابه في
стр. 1940
والمراد بالفجر الفجر الثاني، وقد بيناه في الصلاة. ثم التسحر مستحب لقوله ﵊: «تسحروا فإن في السحور بركة» والمستحب تأخيره.
ــ
[البناية]
يوم غيم ظنوا أن الشمس غابت قال: فطلعت الشمس فقال عمر ﵁ ما تعرضنا لجنف نتم هذا اليوم ثم نقضي يوماً مكانه.
الثاني: أن هذا الأثر الذي ذكره عن أبي عبيد هو بالإسناد الذي رواه ابن أبي شيبة والاختلاف في المتن والأخذ بالمتن الذي رواه ابن أبي شيبة أولى وأجدر من المتن الذي رواه أبو عبيد، على ما يخفى وإن كان أبو عبيد أيضاً إماماً كبيراً، ولكن ابن أبي شيبة من مشايخ البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه وأحمد بن حنبل وآخرين وكثيرين من الأئمة وأبو عبيد لم يرو له البخاري وذكره في كتاب " القراءة خلف الإمام " وحكى عنه أيضاً في كتاب " أفعال العباد ".
الثالث: أن قوله الذي ذكرنا عن عمر ﵁ هو الصحيح مجرد دعوى ولم يبرهن عليها، بل الصحيح الذي ذكره غيره وقوله أورده بعضهم في " شرح الهداية " أراد به السغناقي فإنه هو الذي ذكره في " النهاية " وتبعه الكاكي على ذلك ثم الأكمل.
الرابع: أن قوله بعثناك داعياً لا راعياً فذاك ليس بصحيح [....] يظهر لك ما ذكرنا عن ابن أبي شيبة.
الخامس: قوله في آخر كلامه من الموضوعات احتراز قوي حيث ينسب الأئمة المذكورين إلى الوضع وكأنه لم يطلع على " مصنف ابن أبي شيبة " وأوسع كلامه على عادته في غير تأمل ولا نظر كلام المصنف.
م: (والمراد بالفجر) ش: يعني في قوله أن الفجر لم يطلع م: (الفجر الثاني) ش: وهو الفجر الصادق وهو المعتبر في الصلاة والصوم لا الفجر الكاذب م: (وقد بيناه في الصلاة) ش: في باب المواقيت م: (ثم التسحر مستحب) ش: التسحر أكل السحور بفتح السين وهو ما يؤكل وقت السحر وأشار إلى استحبابه بقوله م: (لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ : م: «تسحروا فإن في السحور بركة» ش: أي في أكل السحور بركة، وقيل: المراد من البركة زيادة القوة في أداء الصوم بدليل قوله ﵊: «استعينوا بقائلة النهار - أي بقيلولته - على قيام الليل. وبأكل السحور على صيام النهار» ، وجاز أن يكون بها نيل الثواب لاستنانه بسنن المرسلين وعلمه بما هو مخصوص بأهل الإسلام، فإنه ﵊ قال: «فرق ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكل السحور» .
م: (والمستحب تأخيره) ش: أي تأخير السحور فيكون مستحباً في مستحب لما أن نفس
стр. 1941
لقوله - عليه الصلاة السلام -: «ثلاث من أخلاق المرسلين: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، والسواك» .
ــ
[البناية]
السحور وهو أكل السحور مستحب وتأخيره إلى آخر الليل مستحب أيضاً فيكون مستحباً أيضاً في مستحب م: (لقوله عليه الصلاة السلام) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «ثلاث من أخلاق المرسلين تعجيل الإفطار وتأخير السحور والسواك» ش: هذا الحديث أخرجه الطبراني في معجمه، حدثنا جعفر بن محمد بن حرب، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن علي بن أبي العالية، عن مورق العجلي، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من أخلاق المرسلين تعجيل الفطر وتأخير السحور، والسواك، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة» ، وذكره ابن أبي شيبة في " مصنفه " موقوفاً.
والدارقطني رواه في الأفراد من حديث حذيفة مرفوعاً بنحو حديث أبي الدرداء قال الأترازي: روي عن الحسن البصري أنه قال: «ثلاث من أخلاق المرسلين تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليمين على الشمال في الصلاة» .
ولم يتكلم أحد من الشراح في حال هذا الحديث غير أن كلاً منهم قال: لقوله ﷺ : وهذا الأترازي نسبه إلى البصري وقال السغناقي بعد أن ذكر الحديث مجرداً وفي " المنافع " ذكر وضع اليمين على الشمال في الصلاة مكان السواك ولكن ما ذكر هنا موافق لما ذكر في " المبسوط ".
وروى البيهقي من رواية ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نعجل إفطارنا ونؤخر سحورنا ونضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة» .
ورواه أيضاً هكذا من رواية ابن عمر ﵄، وفي رواية أبي هريرة ﵁ ثم قال: كلها ضعيفة.
١ -
فإن قلت: على تقدير صحته يدل على أن تأخير السحور واجب وإذا كان تأخيره واجباً يكون السحور أيضاً واجباً.
قلت: الحديث الذي في المتن يدل على أنه مستحب أو سنة والعمل بهذا الحديث، وفي " المحيط ": السحور مندوب إليه وفي " البدائع " سنة فإذا كان نفس السحور مستحباً أو سنة يكون تأخيره كذلك.
стр. 1942
إلا أنه إذا شك في الفجر، ومعناه تساوي الظنين الأفضل أن يدع الأكل تحرزا عن المحرم، ولا يجب عليه ذلك، ولو أكل
ــ
[البناية]
فإن قلت: ما حد تأخيره؟ قلت: آخر الليل وعن الليث هو سدسه الآخر، وقال ابن عباس وعطاء والأوزاعي يأكل حتى يبيض الفجر. وقال السروجي: وهو قول الجمهور وقال النووي: لو شك في طلوع الفجر جاز له الأكل والشرب والجماع حتى يتحقق الفجر قال: ولم يقل أحد بتحريمه إلا مالك فإنه حرمه، وأوجب عليه القضاء، وعن ابن عمر ﵄ قال: «كان لرسول الله ﷺ مؤذنان بلال وابن أم مكتوم، قال: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا» . رواه البخاري، ومسلم.
وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: «تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال خمسين آية» . رواه البخاري ومسلم.
١ -
فإن قيل: ما وجه تأخير السحور من أخلاق المرسلين وهو مخصوص بأهل الإسلام، فإن النبي ﷺ فرق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب بأكل السحور.
أجيب بجوابين آخرين أيضاً:
أحدهما: أن يقال: لا نسلم أنه لم يكن من علتهم لجواز أن يكون ونحن لا نعلم والآخر أنه ﵊ قال: ثلاث من سنن المرسلين أي ثلاث خصال لهم فلا يلزم منه أن يكون لكل واحد منهم ثلاث خصال لجواز أن يكون كل واحد منهم مخصوصاً بخصلة كما يقال للعلماء خصال حميدة في البحث، والمناظرة، والتصنيف، فلا يلزم أن تكون الكل مجتمعة في واحد ورأيت حاشية نسبت إلى شيخنا علاء الدين السيراجي ﵀ وهي أنه قال: الأشبه في الجواب أن يقال اللام في المرسلين للجنس إذ لا عهد فيكون من أخلاق نبينا ﷺ لأن الجنس يصدق على الواحد أو يكون ذلك من خواصهم والله أعلم.
م: (إلا أنه إذ شك في الفجر) ش: فحينئذ ترك التسحر هو المستحب للاحتراز عن الوقوع في الحرام، ومع هذا لا يجب عليه ذلك كما يجيء الآن م: (ومعناه) ش: أي معنى الشك م: (تساوي الظنين الأفضل أن يدع الأكل تحرزا عن المحرم) ش:. قيل: هذه العبارة فيها مسامحة لأن الظن رجحان الاعتقاد فكيف يكون بقاء الليل عنده راجحاً على طلوع الفجر، وطلوع الفجر راجحاً على بقاء الليل والظن هو راجح، والمرجوح وهم، وإذ يساويان، ومراده بذلك تساوي الأمارتين، فالأفضل أن يدع الأكل، والشرب. م: (ولا يجب عليه ذلك) ش: أي ترك السحور وروى الحسن ﵀ أنه يجب عليه ذلك احتياطاً في أمر الدين م: (ولو أكل
стр. 1943
فصومه تام، لأن الأصل هو الليل. وعن أبي حنيفة ﵀: إذا كان في موضع لا يستبين الفجر، أو كانت الليلة مقمرة، أو متغيمة، أو كان ببصره علة، وهو يشك لا يأكل، ولو أكل فقد أساء؛ لقوله ﵊: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وإن كان أكبر رأيه أنه أكل، والفجر طالع، فعليه قضاؤه عملا بغالب الرأي، وفيه الاحتياط، وعلى ظاهر الرواية لا قضاء عليه؛ لأن اليقين لا يزال إلا بمثله، ولو ظهر أن الفجر طالع لا كفارة عليه
ــ
[البناية]
فصومه تام لأن الأصل هو الليل) ش: أي في رواية عن مالك يبطل صومه في الفرض إذا استبان الفجر قد طلع. م: (وعن أبي حنيفة ﵀: إذا كان في وضع لا يستبين الفجر، أو كانت الليلة مقمرة، أو متغيمة، أو كان ببصره علة، وهو يشك لا يأكل، ولو أكل فقد أساء) ش: رواه الحسن عن أبي حنيفة ﵀ م: (لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ش: قال السغناقي وتبعه الكاكي وعليه «فإن الكذب ريبة وإن الصدق طمأنينة» ولم يذكر من رواه من الصحابة ولا من خرجه من الأئمة، وأما الأترازي، والأكمل فإنهما لم يذكراه أصلاً وليس هذا من دأب الشراح وليس ذلك إلا من العجز.
قلت: هذا الحديث رواه الترمذي في كتاب الطب، والنسائي في كتاب الأشربة، عن أبي الجون السعدي، قال: قلت للحسن بن علي ﵄ ما حفظت من رسول الله ﷺ قال: حفظت منه «دع ما يريبك إلا ما لا يريبك زاد الترمذي: فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة» وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ورواه ابن حبان في " صحيحه " والحاكم في " مستدركه "، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ورواه الطبراني في الصغير بإسناده إلى عبد الله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «الحلال بين والحرام بين، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك» . انتهى قوله ما يريبك من رابه ريباً شككه، والريبة الشك والتهمة أي دع ما يشكك ويحصل فيك الريبة وهي في الأصل قلق النفس [......] سكنت واطمأنت.
م: (وإن كان أكبر رأيه أنه أكل والفجر) ش: أي والحال أن الفجر م: (طالع، فعليه قضاؤه) ش: أي قضاء ذلك اليوم م: (عملا بغالب الرأي، وفيه الاحتياط) ش: لأن قضاء ما ليس عليه أولى من قضاء ما عليه. م: (وعلى ظاهر الرواية لا قضاء عليه) ش: وفي " الإيضاح ": هو الصحيح.
م: (لأن اليقين لا يزال إلا بمثله) ش: لأن الليل هو الأصل فلا ينقل عنه إلا بيقين، وكذا روي عن أبي يوسف ﵀، وجعل هذا في الكتاب ظاهر الرواية م: (ولو ظهر أن الفجر طالع لا كفارة عليه) ش: أي لو ظهر طلوع الفجر فيما إذا أكل وفي أكبر رأيه أن الفجر طالع
стр. 1944
لأنه بنى الأمر على الأصل فلا تتحقق العمدية.
ولو شك في غروب الشمس لا يحل له الفطر؛ لأن الأصل هو النهار، ولو أكل فعليه القضاء عملا بالأصل، وإن كان أكبر رأيه أنه أكل قبل الغروب فعليه القضاء رواية واحدة؛ لأن النهار هو الأصل، ولو كان شاكا فيه وتبين أنها لم تغرب، ينبغي أن تجب الكفارة؛ نظرا إلى ما هو الأصل وهو النهار
ــ
[البناية]
لا تجب عليه الكفارة م: (لأنه بنى الأمر على الأصل) ش: لأن الليل هو الأصل.
م: (فلا تتحقق العمدية) ش: أي لا يتحقق القصد على الإفطار في رمضان بظهور طلوع الفجر، فلا تجب الكفارة، وفي بعض النسخ: العمدية بفتح العين، وسكون الميم، وكسر الدال، وتشديد الياء، والأصح العمدية بضم الدال، وبه الجار والمجرور.
م: (ولو شك في غروب الشمس لا يحل له الفطر؛ لأن الأصل هو النهار، ولو أكل فعليه القضاء عملا بالأصل) ش: وهو النهار م: (وإن كان أكبر رأيه أنه أكل قبل الغروب فعليه القضاء رواية واحدة) ش: إنما قيد بقوله رواية واحدة احترازاً عما إذا كان أكل وفي أكبر رأيه أن الفجر طالع لأن في وجوب القضاء روايتين ولم يتعرض المصنف ﵀[إلى] وجوب الكفارة في هذا فقال صاحب " التحفة " ليس عليه الكفارة لاحتمال قيام الغروب فتكفي شبهة خلافاً لما قال بعض الفقهاء أنه تجب عليه الكفارة لأنه متيقن بالنهار.
م: (لأن النهار هو الأصل) ش: فيجب عليه القضاء م: (ولو كان شاكاً فيه) ش: أي في غروب الشمس م: (وتبين أنها لم تغرب) ش: أي ظهر أن الشمس لم تغرب م: (ينبغي أن تجب الكفارة) ش: إنما قال: ينبغي؛ لأن في وجوب الكفارة اختلاف المشايخ.
وفي " الخلاصة ": يلزمه القضاء بالاتفاق، وفي وجوب الكفارة اختلاف، في جامع شمس الأئمة تلزمه الكفارة وعن محمد ﵀: لا يكفر.
م: (نظرا إلى ما هو الأصل هو النهار) ش: يعني بالنظر إلى ما هو الأصل وبالاعتبارية. وفي " النهاية ": يشكل على هذا ما إذا شهد اثنان أن الشمس قد غابت وشهد آخران أنها لم تغب فأفطر، ثم ظهر أنها لم تغب عليه القضاء دون الكفارة بالاتفاق، مع أن تعارض الشهادتين يورث الشك لا محالة فلا تجب الكفارة هناك بالاتفاق مع أن الشك فيه موجود فكيف وجبت هنا بالشك، والجواب: أنه لم يثبت التعارض لأن الشهادة بعدم الغروب ليست بشهادة لكونها على النفي فبقيت الشهادة بالغروب خالية عن المعارضة فتقبل فلم تجب الكفارة.
وفي " المحيط " أمر إنساناً ليطالع الفجر فأخبره بالطلوع فإن كان عدلا ًلا يجوز له الأكل حراً كان أو مملوكاً، ذكراً كان أو أنثى، وإن كان صبياً عاقلاً إن غلب على ظنه لا يأكل ولو أخبره عدل بالطلوع وعدل بعدمه حرية كانا أو عبدين أو أحدهما يتحرى ويأخذ بقول عدلين
стр. 1945
ومن أكل في رمضان ناسيا، وظن أن ذلك يفطره فأكل بعد ذلك متعمدا عليه القضاء دون الكفارة؛ لأن الاشتباه استند إلى القياس الشبهة، وإن بلغه الحديث وعلمه فكذلك فيظاهر الرواية. وعن أبي حنيفة ﵀ أنها تجب، وكذا عنهما؛ لأنه لا اشتباه فلا شبهة. وجه الأول: قيام الشبهة الحكمية بالنظر إلى القياس
ــ
[البناية]
إذا عارضه الحران العدلان والعبدان يأخذ بقولين العدلين وإن كان يأكل فأخبره عدل واحد بالطلوع فأتم الأكل، وكذا في الجماع لا كفارة عليه عندنا خلافاً للشافعي ﵀.
ولو كان ممسكاً فأكل بعده أو استدام الجماع كفر بالإجماع، وقال شمس الأئمة: لا بأس بالتسحر باكراً لرأي إذا لم يخف على مثله وإلا فيدع الأكل والتسحر بضرب طول المسحر إن كان من جوانب البلد، أو أحد يعتمد عدالته يجوز وإن عرف فسقه لا يعتمد عليه، وإن لم يعرف حاله يحتاط واختلف في صياح الديك.
م: (ومن أكل في رمضان) ش: حال كونه م: (ناسيا، وظن أن ذلك يفطره) ش: أي والحال أنه قد ظن أن الأكل ناسياً يفطره بضم الياء وتشديد الطاء م: (فأكل بعد ذلك متعمدا) ش: أي حال كونه قاصداً الأكل م: (فعليه القضاء دون الكفارة؛ لأن الاشتباه استند إلى القياس) ش: والقياس الصحيح يقتضي أن لا يبقى الصوم بانتفاء ركنه بالأكل ناسياً، فإذا أكل بعده لم يلاق فعله الصوم فلا تجب عليه الكفارة لتحقق الشبهة وهو معنى قوله م: (الشبهة) ش: لاستنادها إلى القياس.
م: (وإن بلغه الحديث) ش: وهو ما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا نسي أحدكم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» م: (وعلمه) ش: أي وعلم معنى الحديث وهو أنه لا يفسده.
م: (فكذلك) ش: في رواية، أي فكذلك لا تجب عليه الكفارة في رواية عن أبي حنيفة، وهي رواية الحسن عنه ﵀ م: (في ظاهر الرواية. وعن أبي حنيفة ﵀ أنها) ش: أي الكفارة م: (تجب، وكذا عنهما) ش: وكذا روي عن أبي يوسف ﵀ ومحمد أن الكفارة تجب م: (لأنه لا اشتباه) ش: أي في معنى الحديث لأنه لما علم معنى الحديث علم أن القياس متروك به فلم يشتبه عليه الحال م: (فلا شبهة) ش: أي لا يبقى شبهة، وبين الشبهة المؤثرة في إسقاط الكفارة، لأن ظنه مدفوع بالحديث.
م: (وجه الأول) ش: أي وجه المذكور الأول وهو عدم وجوب الكفارة م: (قيام الشبهة الحكمية بالنظر إلى القياس) ش: أي الشرعية وهي شبهة المحل وهو الصوم لأن الشيء لا يبقى مع فوات ركنه، فتساوى في هذا الأصل العالم وغير العالم، فلا تجب الكفارة خصوصاً إذا تأيدت تلك الشبهة باختلاف العلماء، فإن عند مالك وربيعة الرأي وابن أبي ليلى يفسد صومه
стр. 1946
فلا ينتفي بالعلم كوطء الأب جارية ابنه، ولو احتجم وظن أن ذلك يفطره ثم أكل متعمدا، عليه القضاء والكفارة؛ لأن الظن ما استند إلى دليل شرعي إلا إذا أفتاه فقيه بالفساد؛ لأن الفتوى دليل شرعي في حقه، ولو بلغه الحديث فاعتمده، فكذلك عند محمد ﵀
ــ
[البناية]
بالأكل ناسياً، وهو اختيار محمد بن مقاتل الرازي من أصحابنا، واختلاف العلماء يورث الشبهة.
وقال المحبوبي: لا تلزمه الكفارة وإن كان عالماً لأن الشبهة تمكنت في المحل باعتبار انعدام ركن الصوم حقيقة، وفي مثل هذه الشبهة العالم يساوي الجاهل كالأب إذا وطئ جارية ابنه لا يلزمه الحد سواء علم حرمتها أو ظن أنها تحل له وهو معنى قوله:
م: (فلا ينتفي بالعلم كوطء الأب جارية ابنه) ش: يجوز فيما لا ينتفي التذكير باعتبار عود الضمير الذي فيه إلى القياس، ويجوز التأنيث باعتبار عوده إلى الشبهة والتحقيق في سقوط الحد عن الأب في الصورة المذكورة أن قوله ﵊: «أنت ومالك لأبيك» يقتضي أن يكون مال الابن ملكاً للأب، لكن انتفى ذلك بدليل آخر فبقيت الإضافة مورثة للشبهة وهي شبهة المحل، فاستوى فيها العلم وعدمه فلم يجب الحد لاستناد الشبهة إلى الأصل.
م: (ولو احتجم وظن أن ذلك) ش: أي الاحتجام م: (يفطره ثم أكل متعمدا) ش: أي قصداً م: (عليه القضاء والكفارة لأن الظن ما استند إلى دليل شرعي) ش: أي لأن ظن المحتجم ما استند إلى دليل شرعي حتى تسقط عنه الكفارة، فإن الحجامة كالفصد في خروج الدم من العرق والفصد لا يفسد وكذا الحجامة وقد صح في البخاري أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم فدل هذا على أن الحجامة لا تفطر الصائم.
م: (إلا إذا أفتاه فقيه بالفساد) ش: استثناء من قوله والكفارة يعني لا تجب الكفارة على المحتجم إذا أكل بعدما أفتاه فقيه بفساد صومه بالحجامة. وقال الكاكي: فقيه من الحنابلة لأن عندهم يفطر الحاجم والمحجوم لظاهر قوله ﵊: «أفطر الحاجم والمحجوم» .
وقال المحبوبي: يشترط أن يكون المفتي ممن تؤخذ عنه الفتوى ويعتمد على فتواه في البلدة، ولا يعتبر بغيره، هكذا روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ وابن رستم عن محمد وبشر بن الوليد عن أبي يوسف ﵏.
م: (لأن الفتوى دليل شرعي في حقه) ش: لأن العامي يلزمه الرجوع إلى فتوى الفقيه وقد أفتاه بما اختلف الفقهاء فيه فصار ذلك عذراً في الشبهة م: (ولو بلغه الحديث) ش: وهو قوله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» م: (فاعتمده) ش: أي الحديث م: (فكذلك عند محمد) ش: أي لا تجب الكفارة م: (لأن قول الرسول ﷺ ) ش: [بيان] م: (لا ينزل عن قول المفتي) ش: بيان هذا أن قول
стр. 1947
لأن قول الرسول- ﵊ لا ينزل عن قول المفتي، وعن أبي يوسف ﵀ خلاف ذلك لأن على العامي الاقتداء بالفقهاء لعدم الاهتداء في حقه إلى معرفة الأحاديث.
وإن عرف تأويله تجب الكفارة؛ لانتفاء الشبهة، وقول الأوزاعي ﵀: لا يورث الشبهة، لمخالفته القياس
ــ
[البناية]
المفتي بالفطر بالحجامة يكون عذراً في سقوط الكفارة، فقول الرسول ﷺ الذي هو فرق كل قول أولى بأن يكون عذراً في عدم وجوب الكفارة.
م: (وعن أبي يوسف ﵀ خلاف ذلك) ش: أي خلاف المذكور عن محمد، وهو ما روى ابن سماعة وبشر عن أبي يوسف ﵀ إذا أفطر المحتجم. الحديث عليه القضاء والكفارة م: (لأن على العامي الاقتداء بالفقهاء لعدم الاهتداء في حقه إلى معرفة الأحاديث) ش: يعني العامي إذا سمع حديثاً ليس له أن يأخذ بظاهره، لأنه لا يهتدي إلى معرفة أحواله، لأنه قد يكون منسوخاً أو متروكاً أو مصروفاً عن ظاهره.
م: (وإن عرف تأويله) ش: أي تأويل الحديث م: (تجب الكفارة لانتفاء الشبة) ش: حاصل المعنى أن العامي إذا بلغه الحديث وهو قوله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» وعرف تأويله ولم يعتمده فأكل بعد ذلك عمداً تجب الكفارة لعدم الشبهة، وتأويله بما ذكر الطحاوي في " شرح الآثار " بإسناده إلى أبي الأشعث الصنعاني، قال: إنما قال النبي ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» لأنهما كانا يغتابان حتى حبط أجرهما بالغيبة فصارا كالمفطرين لا أنهما أفطرا حقيقة، والمحجوم هو معقل بن سنان، قيل: أن النبي ﷺ مر به وجماعة معه وهما يغتابان آخر، فقال ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» [أي فطره بما صنع به فوقع عند الراوي أنه قال: أفطر الحاجم المحجوم] بغير الواو على أن المحجوم مفعول فاعتمده، وهذه رواية، والرواية المشهورة بالواو على أن المحجوم عطف على الحاجم.
م: (وقول الأوزاعي ﵀: لا يورث الشبهة، لمخالفته القياس) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر بأن يقال: لا نسلم أن منشأ الشبهة ذلك وحده، بل قول الأوزاعي بذلك منشأ لها أيضاً، وقوله: إن الحجامة تفطر الصائم، وبه قال أحمد أيضاً، فأجاب بأن قول الأوزاعي لا يورث الشبهة في سقوط الكفارة لمخالفته القياس، فإن الفطر مما يدخل لا مما يخرج، لا يقال في عبارته تناقض، لأنه قال: إلا إذا أفتاه فقيه، وفتواه لا يكون إلا بقوله ثم قال، وقال الأوزاعي: لا يورث الشبهة، [وأيضاً في هذا الباب لا يكون إلا مخالفاً للقياس، فكيف تكون شبهة] من غير الأوزاعي دونه، لأنا نقول ذلك بالنسبة إلى العامي، وهذا بالنسبة إلى من عرف التأويل.
واسم الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو ﵄ من الأوزاع وهم بطن من همدان، وقال الواقدي ﵀: كان يسكن بيروت وأهله باليمامة ومات ببيروت سنة
стр. 1948
ولو أكل بعد ما اغتاب متعمدا فعليه القضاء والكفارة كيفما كان؛ لأن الفطر يخالف القياس، والحديث مؤول بالإجماع وإذا جومعت النائمة، أو المجنونة وهي صائمة عليها القضاء دون الكفارة.
ــ
[البناية]
سبع وخمسين ومائة وهو يومئذ ابن اثنين وسبعين سنة.
م: (ولو أكل بعد ما اغتاب متعمدا فعليه القضاء والكفارة كيفما كان) ش: يعني سواء ظن أن الغيبة فطرته أو استفتى فقيهاً فأفتاه بفساد صومه بالغيبة أو تأول الحديث بأنها تفطره فأكل بعد ذلك عمداً يجب عليه القضاء والكفارة.
م: (لأن الفطر) ش: يعني بالغيبة م: (يخالف القياس) ش: لأن القياس يأبى ذلك م: (والحديث) ش: وهو قوله ﷺ «الغيبة تفطر الصائم» كذا قاله الأترازي، وقال الكاكي: هو قوله ﷺ : " ثلاث يفطرن الصائم وتنقض الوضوء ويهدمن العقل، الغيبة والنميمة والنظر إلى محاسن المرأة " ولنبين الآن حال هذين الحديثين م: (مؤول بالإجماع) ش: تأويله بأن المراد به ذهاب الثواب، فلم يوجد الدليل النافي للحرمة في ذاته فلا يكون شبهة، بخلاف حديث الحجامة، فإن بعض العلماء أخذ بظاهره من غير تأويل.
وذكر شيخنا زين الدين ﵀ في " شرح الترمذي " قد اختلف العلماء في الحجامة والفصد للصائم، فذهب من الصحابة أبو موسى الأشعري وعلي بن أبي طالب، ومن العلماء عطاء والأوزاعي وابن المبارك وأحمد وإسحاق وعبد الرحمن بن مهدي وابن المنذر وابن خزيمة من الشافعية وداود الظاهري إلى أنه تفطر الصائم.
قلت: وردت أحاديث في كون الغيبة مفطرة للصائم كلها مدخولة، فإن الحديث الأول أخرجه إسحاق بن راهويه في " مسنده " من حديث يزيد بن أبان الرقاشي عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ : «إذا اغتاب الصائم فقد أفطر» " والحديث الثاني رواه ابن الجوزي عن أنس أيضاً مرفوعاً، ولفظه: «خمس يفطرن الصائم وينقضن الوضوء الكذب والنميمة والغيبة والنظر بشهوة واليمين الكاذبة» ، ثم قال: هذا حديث موضوع.
م: (وإذا جومعت النائمة، أو المجنونة وهي صائمة عليها القضاء دون الكفارة) ش: أما صوم النائمة فظاهر، وأما صوم المجنونة فقد تكلموا في صحته، لأنها لا تجامع المجنون. وحكي عن أبي سليمان الجوزجاني أنه قال: لما قرأت هذه المسألة على محمد ﵀. قلت: كيف تكون المجنونة صائمة، فقال لي: دع هذه، فإنها انتشرت في الآفاق. ومن المشايخ من قال: كأنه كانت في الأصل مجبورة فظن الكاتب أنها مجنونة ولهذا قال محمد ﵀: دع.
стр. 1949
وقال زفر والشافعي - رحمهما الله -: لا قضاء عليهما اعتبارا بالناسي، والعذر هنا أبلغ لعدم القصد. ولنا أن النسيان يغلب وجوده، وهذا نادر، ولا تجب الكفارة لانعدام الجناية.
ــ
[البناية]
وأكثر المشايخ: قالوا: تأويله أن العاقلة نوت الصوم ثم جنت في بعض النهار ونامت ثم جامعها ثم أفاقت بعد ذلك واستيقظت وعلمت بفعل الزوج فعليها القضاء والكفارة، كذا في " جامع الأسبيجابي والمحبوبي "، وفي " الفوائد الظهيرية " عن يحيى بن أبان أنه قال: قلت لمحمد هذه مجنونة فقال: لا بل مجبورة، أي المكرهة، فقلت: إلا تجعلها مجبورة، فقال: بلى ثم قال: وكيف وقد سارت بها الركبان؟ دعوها، وبقولنا قال مالك ﵀، وقال أحمد: لو جومعت المجبورة يبطل صومه وتجب الكفارة، ولو أكره بالأكل لا يبطل صومه.
م: (وقال زفر والشافعي لا قضاء عليهما) ش: أي على النائمة والمجنونة المذكورتين م: (اعتبارا بالناسي) ش: أي يعتبران اعتبار الناسي م: (والعذر هنا أبلغ) ش: أي العذر في النوم والجنون أبلغ من العذر في النسيان، لأن الناسي قاصد للأكل والنائمة والمجنونة لا قصد منهما أصلاً وهو معنى قوله: م: (لعدم القصد) ش: فيهما لأن الجماع في قصد الناسي بغفلة بخلاف النائمة والمجنونة.
م: (ولنا أن النسيان يغلب وجوده) ش: فيفضي إلى الحرج ولا يصح الجماع بالناسي م: (وهذا) ش: أي جماع النائمة والمجنونة م: (نادر) ش: فالقضاء لا يفضي إلى الحرج م: (ولا تجب الكفارة لانعدام الجناية) ش: لعدم القصد، وبقول زفر والشافعي - رحمهما الله - قال أبو حنيفة ﵀ في رواية، وأبو ثور، وعلى هذا الخلاف إذا صب الماء [في] حلق الصائم.
стр. 1950
فصل فيما يوجبه على نفسه وإذا قال: لله علي صوم يوم النحر أفطر، وقضى، فهذا النذر صحيح عندنا خلافا لزفر والشافعي - رحمهما الله - هما يقولان: إنه نذر بما هو معصية؛ لورود النهي عن صوم هذه الأيام
ــ
[البناية]
[فصل فيما يوجبه على نفسه من الصيام] [ حكم نذر صيام يوم النحر]
م: (فصل فيما يوجبه على نفسه) ش: أي هذا فصل في بيان حكم ما يوجبه الشخص على نفسه، ولما فرغ من بيان ما يوجبه الله تعالى شرع في بيان ما يوجبه العباد على أنفسهم، إذ إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى، وفي " النهاية " و " الأصل " ما ذكره شيخي أن النذر لا يصح إلا بثلاث شرائط في الأصل إلا إذا قام الدليل على خلافه، أحدها: أن يكون الواجب من جنس ما أوجبه الله تعالى. والثاني: أن يكون مقصوداً لا وسيلة، والثالث: أن لا يكون واجبا عليه في الحال أو بيان الحال، فلذلك لا يصح النذر بعيادة المريض لانعدام الشرط الأول، ولا بالضوء وسجدة التلاوة لانعدام الشرط الثاني، ولا بصلاة الظهر وغيرها من المفروضات لانعدام الشرط الثالث.
فإن قلت: يشكل على هذا النذر بالحج ماشياً. والاعتكاف وإعتاق الرقبة حيث تجب هذه الأشياء بالنذر، مع أن الحج بصفة المشي غير واجب شرعاً، وكذلك نفس الاعتكاف من غير مباشرة بسبب يوجب الاعتكاف غير واجب وكذلك الإعتاق.
قلت: هذه الصور من المستثنى الذي قام الدليل على وجوبه، بخلاف القياس.
م: (وإذا قال: لله علي صوم يوم النحر أفطر) ش: لأن الصوم فيه منهي عنه م: (وقضى) ش: لأن مشروعية الصوم لا تفصل بين صوم وصوم، فالصوم في ذاته عبادة، لأن فيه إظهار الخضوع لله وتعظيمه، ولكن تعلق بصوم هذا اليوم نهي يجب امتثاله م: (فهذا النذر صحيح عندنا) ش: لكونه نذراً بما هو مشروع فيجب القضاء صيانة له م: (خلافا لزفر والشافعي - رحمهما الله -) ش: ومالك وأحمد وهو قول أبي حنيفة ﵀ في رواية ابن المبارك عنه، وقال مالك لو نذر صوم يوم قدوم فلان، فقدم يوم العيد، قال ابن عبد الملك يقضيه وبه قال الشافعي ﵁ مرة.
م: (هما) ش: أي زفر والشافعي ﵄ م: (يقولان إنه نذر) ش: أي هذا نذر م: (بما هو معصية لورود النهي عن صوم هذه الأيام) ش: وهو يوم العيدين وأيام التشريق، وأشار بهذا إلى حديث عمر ﵁ أخرجه البخاري ومسلم «عن عبيد قال: شهدت العيد مع عمر ﵁ فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم قال: إن رسول الله ﷺ نهى عن صيام هذين اليومين، وأما يوم الأضحى فتأكلون من لحم نسككم، وأما يوم الفطر ففطركم من صيامكم» .
стр. 1951
ولنا: أنه نذر بصوم مشروع، والنهي لغيره؛ وهو ترك إجابة دعوة الله تعالى فيصح نذره، لكنه يفطر احترازا عن المعصية المجاورة، ثم يقضي إسقاطا للواجب، وإن صام فيه يخرج عن العهدة؛ لأنه أداه كما التزمه. وإن نوى يمينا فعليه كفارة يمين، يعني إذا أفطر. وهذه المسألة على وجوه ستة: إن لم ينو شيئا. أو نوى النذر لا غير. أو نوى النذر ونوى أن لا يكون يمينا يكون نذرا؛ لأنه نذر بصيغته، كيف وقد قرره بعزيمته. وإن نوى اليمين، ونوى أن لا يكون نذرا يكون يمينا؛ لأن اليمين محتمل كلامه
ــ
[البناية]
م: (ولنا: أنه نذر بصوم مشروع) ش: بالنظر إلى نفس الصوم، ولكن اقترن به النهي م: (والنهي لغيره) ش: أي لمعنى في غيره م: (وهو ترك إجابة دعوة الله تعالى) ش: لأن الناس أضياف الله تعالى في هذه الأيام م: (فيصح نذره) ش: لأن النهي لغيره لا يمنع صحة من حيث ذاته م: (لكنه يفطر احترازا عن المعصية المجاورة) ش: وهي النهي المذكور م: (ثم يقضي إسقاطا للواجب) ش: أي لأجل إسقاط الواجب وهو النذر.
م: (وإن صام فيه) ش: أي في يوم النحر م: (يخرج عن العهدة) ش: أي عهدة النذر م: (لأنه أداه كما التزمه) ش: كما أنه إذا نذر أن يصلي عند طلوع الشمس فله أن يصلي في وقت آخر، فإذا صلى في ذلك الوقت خرج عن عهدته لأنه أداه كما التزمه.
م: (وإن نوى يميناً) ش: يعني إن نوى يميناً في قوله لله علي صوم يوم النحر م: (فعليه كفارة يمين يعني إذا أفطر) ش: الفرق بين النذر واليمين أن في النذر يلزمه القضاء دون الكفارة، وفي اليمين تجب الكفارة دون القضاء م: (وهذه المسألة على وجوه ستة) ش:
الأول: هو قوله م: (إن لم ينو شيئا) ش: يعني قال لله علي صوم يوم النحر ولم ينو لا نذراً ولا يميناً.
م: (أو نوى النذر لا غير) ش: يعني لم ينو اليمين، هذا هو الثاني من الوجوه الستة.
م: (أو نوى النذر ونوى أن لا يكون يمينا) ش: هذا هو الثالث م: (يكون نذرا) ش: يعني في هذه الوجوه الثلاثة م: (لأنه نذر بصيغته) ش: فتعين النذر في الوجه الأول بلا نية لكونه حقيقة كلام. وفي الوجه الثاني تعين بطريق الأولى، لأنه قد أدى النذر بعزيمة. وفي الثالث أولى وأحرى لكونه مراداً، لأنه قدر النذر بعزيمته، وبقي غيره أن يكون مراداً م: (كيف وقد قرره بعزيمته) ش: أي وكيف لا يكون نذراً والحال أنه قد قرر كلامه بعزيمته أي بنيته.
[م: (وإن نوى اليمين، ونوى أن لا يكون نذرا يكون يمينا) ش: هذا هو] م: (لأن اليمين محتمل كلامه) ش: لأن اللام تجيء بمعنى الباء كقوله تعالى: ﴿آمنتم له﴾ [طه: ٧١] أي به، ألا ترى إلى قول ابن عباس ﵄ دخل آدم الجنة، فلله ما غربت الشمس حتى خرج أي
стр. 1952
وقد عينه، ونفى غيره. وإن نواهما يكون نذرا ويمينا عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وعند أبي يوسف ﵀ يكون نذرا. ولو نوى اليمين فكذلك عندهما، وعنده يكون يمينا. لأبي يوسف أن النذر فيه حقيقة، واليمين مجاز حتى لا يتوقف الأول على النية، ويتوقف الثاني فلا ينتظمهما، ثم المجاز يتعين بنيته، وعند نيتهما تترجح الحقيقة، ولهما أنه لا تنافي بين الجهتين؛ لأنهما يقتضيان الوجوب إلا أن النذر يقتضيه لعينه واليمين لغيره
ــ
[البناية]
فبالله
م: (وقد عينه) ش: أي وقد عين المحتمل بنيته ونفى غيره فصار المحتمل هو المراد م: (ونفى غيره) ش: فلم يلزمه حيث نفاه.
م: (وإن نواهما) ش: هذا هو الوجه الخامس، أي وإن نوى النذر واليمين م: (يكون نذرا ويمينا عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -) ش: حتى لو لم يصم يجب القضاء والكفارة، القضاء باعتبار النذر، والكفارة باعتبار اليمين م: (وعند أبي يوسف ﵀ يكون نذرا) ش: كما يجيء دليله فيه.
م: (ولو نوى اليمين) ش: هو الوجه السادس، أي ولو نوى اليمين فقط في المسألة المذكورة م: (فكذلك) ش: أي فكذلك يكون نذراً ويميناً كما في الوجه الخامس م: (عندهما) ش: أي عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -.
م: (وعنده) ش: أي وعند أبي يوسف ﵀ م: (يكون يمينا. لأبي يوسف ﵀ أن النذر فيه) ش: أي في قوله " لله علي صوم يوم النحر " يراد به م: (حقيقة) ش: لعدم توقفه على النية م: (واليمين) ش: أي وأراد اليمين م: (مجاز حتى لا يتوقف الأول) ش: أي النذر م: (على النية، ويتوقف الثاني) ش: أي اليمين م: (على النية فلا ينتظمها) ش: أي فلا ينتظم كلامه النذر واليمين معاً، لأنه يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز بلفظ واحد وهو لا يجوز، وذلك كما في قوله لامرأته أنت علي حرام، إن ونوى به الطلاق كان طلاقاً، وإن نوى به اليمين كان يميناً فلا يجتمعان.
م: (ثم المجاز يتعين بنيته) ش: أراد أنه إذا أراد المجاز بتعيين بنيته وتبطل الحقيقة حينئذ لامتناع الجمع بينهما م: (وعند نيتهما) ش: أي وعند نية النذر واليمين معاً م: (تترجح الحقيقة) ش: وهذا النذر فلا يكون المجاز مراداً، فإذا نوى اليمين تعين المجاز بنيته فلا تكون الحقيقة مراده.
م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - م: (أنه لا تنافي بين الجهتين) ش: أي بين جهة النذر وجهة اليمين م: (لأنهما) ش: أي لأن الجهتين م: (يقتضيان الوجوب) ش: أراد أن كلاً منهما يقتضي الوجوب في ذاته، لكن يختلف من حيث الجهة أشار إليه بقوله: م: (إلا أن النذر يقتضيه) ش: أي يقتضي الوجوب م: (لعينه) ش: ولهذا يجب القضاء بتركه م: (واليمين لغيره) ش: أي يقتضي اليمين الوجوب لغيره وهو صيانة اسم الله عن الهتك، ولهذا لا يجب القضاء بل تجب الكفارة، ويجوز أن يكون الشيء واجباً لعينه وواجباً لغيره، كما إذا حلف
стр. 1953
فجمعنا بينهما عملا بالدليلين، كما جمعنا بين جهتي التبرع والمعاوضة في الهبة بشرط العوض. ولو قال: لله علي صوم هذه السنة أفطر يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام التشريق وقضاها؛ لأن النذر بالسنة المعينة نذر بهذه الأيام، وكذا إذا لم يعين لكنه شرط التتابع؛ لأن المتابعة لا تعرى عنها لكن يقضيها في هذا الفصل موصولا تحقيقا للتتابع بقدر الإمكان،
ويتأتى في هذا خلاف زفر، والشافعي - رحمهما الله - للنهي عن الصوم فيها، وهو قوله ﵊: «ألا لا
ــ
[البناية]
لأصلين ظهر هذا اليوم في الوقت فيجب أداء الظهر لعينه ولغيره، حتى يجب القضاء باعتبار وجوب عينه. والكفارة باعتبار وجوب غيره، ولا يسمى هذا مجازاً، ولكل واحد من هذا دليل شرعي يجب العمل به إذا أمكن، والعمل هنا يمكن لعدم التنافي بينهما.
م: (فجمعنا بينهما) ش: أي بين النذر واليمين م: (عملا بالدليلين) ش: اللذين نشأ أحدهما من النذر والآخر من اليمين، يعني نشأ من جهتهما م: (كما جمعنا بين جهتي التبرع والمعاوضة في الهبة بشرط العوض) ش: حيث جعل هبة في الابتداء للفظ الهبة وبيعاً في الانتهاء لدلالة المعاوضة ولهذا يصح الرجوع قبل القبض اعتبارا ًللتبرع وثبتت الشفعة بعد القبض اعتباراً بالبيع، فلم يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز لاختلاف الجهة، فكذا فيما نحن فيه.
م: (ولو قال: لله علي صوم هذه السنة أفطر يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام التشريق) ش: وهي ثلاثة أيام بعد عيد النحر م: (وقضاها) ش: أي الأيام الخمسة م: (لأن النذر بالسنة المعينة نذر بهذه الأيام) ش: أي لأن السنة لا تخلو عن هذه الأيام، وصار نذراً لسنة معينة نذراً لهذه الأيام، والنذر بالأيام المنهية صحيح عندنا، لأن النهي لا يعدم المشروعية ولم يجب قضاء رمضان، لأن صومه لم يجب بهذا النذر.
م: (وكذا) ش: أي وكذا يفطر الأيام الخمسة وقضاها م: (إذا لم يعين) ش: السنة يعني لم يقل هذه السنة، بل قال لله علي صوم سنة م: (لكنه شرط) ش: أي لكن الناذر شرط م: (التتابع) ش: بأن قال: صوم سنة متتابعة م: (لأن المتابعة لا تعرى عنها) ش: أي عن الأيام الخمسة المذكورة م: (لكن يقضيها) ش: أي لكن يقضي هذه السنة المذكورة م: (في هذا الفصل موصولاً) ش: أي قضاء موصولاً بانتصابه على أنه صفة لمصدر محذوف م: (تحقيقا للتتابع بقدر الإمكان) ش: أي لأجل تحقيق التتابع، وإن لم يشترط التتابع لم يجزه صوم هذه الأيام ويقضي خمسة وثلاثين يوماً، خمسة للأيام الخمسة، وثلاثين لرمضان، ومبنى جواز هذه الأيام وعدم جوازه إنما وجب كاملاً لا يتأدى ناقصاً وما وجب ناقصاً جاز أن يتأدى ناقصاً.
م: (ويتأتى) ش: [ويتأدى] م: (في هذا) ش: أي في قضاء صوم هذه الأيام م: (خلاف زفر، والشافعي - رحمهما الله -) ش: يعني لا تقضى عندهما م: (للنهي عن الصوم فيها، وهو) ش: أي النهي هو م: (قوله ﵊) ش: أي قول النبي ﷺ م: «ألا لا تصوموا في هذه الأيام
стр. 1954
تصوموا في هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب، وبعال» وقد بينا الوجه فيه، والعذر عنه ولو لم يشترط التتابع لم يجزه صوم هذه الأيام؛ لأن الأصل فيما
ــ
[البناية]
فإنها أيام أكل وشرب وبعال» ش: هذا الحديث روي عن جماعة من الصحابة ﵃ عن ابن عباس ﵄ رواه الطبراني في " معجمه " عن عكرمة عنه أن رسول الله ﷺ «أرسل أيام منى صائحاً يصيح: ألا لا تصوموا هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب وبعال» والبعال وقاع النساء.
وعن أبي هريرة ﵁ رواه الدارقطني في " سننه " في الضحايا عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: «بعث رسول الله ﷺ بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى ألا إن الذكاة في الحلق واللبة. ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق وأيام منى أيام أكل وشرب وبعال» . وفي سنده سعيد بن سلام رماه أحمد بالكذب.
وعن عبد الله بن حذافة أخرجه الدارقطني أيضاً بسند الواقدي «قال ابن حذافة بعثني رسول الله ﷺ على راحلته أيام منى أنادي أيها الناس إنها أيام أكل وشرب وبعال» . وقال الدارقطني: الواقدي ضعيف.
قلت: لا يلتفت إليه في هذا.
وعن أم خلدة الأنصارية رواه إسحاق بن راهويه في " مسنده «عن عمر بن خلدة عن أمه قالت بعث رسول الله ﷺ علينا مناديا ينادي أيام منى إنها أيام أكل وشرب وبعال، يعني النكاح» .
وعن زيد بن خالد الجهني رواه أبو يعلى الموصلي في " مسنده " بإسناده عنه قال: «أمر رسول الله ﷺ رجلاً فنادى أيام التشريق ألا إن هذه الأيام أيام أكل وشرب ونكاح» .
وعن نبيشة الهذلي رواه مسلم في " صحيحه " عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل وشرب» ، زاد في طريق: " وذكر الله ". وقال المنذري: هذا الحديث روي عن جماعة من الصحابة مع كثرة طرقها منها ما هو مقصور على الأكل والشرب، ومنها ما هو فيه وذكر الله، ومنها ما فيه وصلاة، وليس في شيء منها وبعال، وهو لفظ غريب.
م: (وقد بينا الوجه فيه) ش: أي في قوله " لله علي صوم يوم النحر " م: (والعذر عنه) ش: أي وبينا العذر عنه، أي عن وجه النهي، وهو ما ذكره في أول الفصل بقوله " ولنا أنه نذر بصوم مشروع والنهي لغيره " وأراد بالعذر الجواب عنه.
م: (ولو لم يشترط التتابع) ش: أي ولو لم يشترط الناذر التتابع في قوله " لله علي صوم سنة " ولم يذكر متابعة م: (لم يجزه صوم هذه الأيام) ش: يعني الأيام الخمسة المذكورة م: (لأن الأصل فيما
стр. 1955
يلتزمه الكمال، والمؤدى ناقض لمكان النهي، بخلاف ما إذا عينها؛ لأنه التزم بوصف النقصان، فيكون الأداء بالوصف الملتزم. قال: وعليه كفارة يمين، إن أراد به يمينا، وقد سبقت وجوهه. ومن أصبح يوم النحر صائما ثم أفطر لا شيء عليه، وعن أبي يوسف، ومحمد - رحمهما الله - في " النوادر ": أن عليه القضاء؛ لأن الشروع ملزم كالنذر، وصار كالشروع في الصلاة في الوقت المكروه، والفرق لأبي حنيفة ﵀، وهو ظاهر الرواية أن بنفس الشروع في الصوم يسمى صائما، حتى يحنث به الحالف على الصوم فيصير مرتكبا للنهي، فيجب إبطاله،
ــ
[البناية]
يلتزمه الكمال) ش: فلا يتأدى بالنقص لأن ما وجب كاملاً لا يتأدى بالناقص م: (والمؤدى) ش: بفتح الدال م: (ناقض لمكان النهي) ش: فيه بالحديث المذكور.
م: (بخلاف ما إذا عينها) ش: متصل بقوله " لم يجزه صوم هذه الأيام " يعني بخلاف ما إذا عين السنة بأن قال لله علي صوم هذه السنة حيث يجوز صوم هذه الأيام فيه م: (لأنه التزم بوصف النقصان فيكون الأداء بالوصف الملتزم) ش: بفتح الزاي، لأن ما وجب ناقصاً يتأدى بناقص.
م: (قال: وعليه) ش: أي على الناذر المذكور م: (كفارة يمين، إن أراد به يمينا) ش: لأن كلامه يحتمله وقد سبق وجهه أي وجه هذا عند قوله " لله علي صوم يوم النحر " وفي بعض النسخ وقد سبق وجهه من قبل، وفي بعضها م: (وقد سبقت وجوهه) ش: وكذا هو في نسخة الأترازي، وفسره بقوله أي وجوه ما إذا قال لله علي صوم هذه السنة عند قوله " لله علي صوم يوم النحر " وأراد بها الوجوه الستة المذكورة.
م: (ومن أصبح يوم النحر صائما ثم أفطر لا شيء عليه) ش: أي لا قضاء عليه، لأن القضاء إنما يبنى على سلامة الموجب عن شائبة الحرمة، والصوم في يوم النحر حرام، فلا يجب شيء.
م: (وعن أبي يوسف، ومحمد - رحمهما الله - في " النوادر ": أن عليه القضاء؛ لأن الشروع لزوم كالنذر) ش: يعني قياساً على النذر بصوم هذه الأيام م: (وصار) ش: أي حكم هذا م: (كالشروع في الصلاة في الوقت المكروه) ش: مثل وقت طلوع الشمس ووقت الزوال ووقت الغروب حيث يجب القضاء فيها إذا أفسدها.
م: (والفرق لأبي حنيفة ﵀) ش: يعني بين النذر بصوم يوم النحر، وبين الشروع في الوقت المكروه في الأوقات المكروهة م: (وهو ظاهر الرواية) ش: أي عن أصحابنا، كذا قال الأترازي: والأولى أن يقال وهو ظاهر الرواية عن أبي يوسف، ومحمد، وهذه جملة معترضة بين المبتدأ والخبر، أعني قوله: - والفرق - مبتدأ وخبره هو قوله م: (أن بنفس الشروع في الصوم يسمى صائما) ش: يعني يصح إطلاق اسم الصائم عليه م: (حتى يحنث به الحالف على الصوم) ش: فيما إذا حلف أنه لا يصوم، فصام يوم النحر م: (فيصير مرتكبا للنهي) ش: يبقى النذر الوارد فيه م: (فيجب إبطاله) ش: لأجل النهي.
стр. 1956
فلا تجب صيانته، ووجوب القضاء يبتني عليه ولا يصير مرتكبا للنهي بنفس النذر، وهو الموجب ولا بنفس الشروع في الصلاة حتى يتم ركعة، ولهذا لا يحنث به الحالف على الصلاة فتجب صيانة المؤدى، ويكون مضمونا بالقضاء،
وعن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يجب القضاء في فصل الصلاة أيضا، والأظهر هو الأول، والله أعلم بالصواب.
ــ
[البناية]
م: (فلا تجب صيانته) ش: لكونه معصية.
م: (ووجوب القضاء يبتني عليه) ش: أي على وجوب صيانة المؤدي م: (ولا يصير مرتكبا للنهي بنفس النذر، وهو الموجب) ش: أي النذر هو الموجب لأنه إيجاب في الذمة، وهو أمر عقلي وجاز للعقل أن مجرد الأصل عن الوصف فلم يكن مرتكباً للنهي م: (ولا بنفس الشروع) ش: أي ولا يصير أيضاً مرتكباً بنفس الشروع م: (في الصلاة حتى يتم ركعة) ش: لأن الشروع في الصلاة ليس بصلاة، لأن تمامها بالركوع والسجود.
م: (ولهذا) ش: أي ولأجل كون نفس الشروع لا يسمى صلاة م: (لا يحنث به الحالف على الصلاة) ش: أي لا يحنث الحالف بالشروع إذا حلف على أن لا يصلي ما لم يركع ويسجد، فإذا ركع وسجد صارت ركعة فيحنث بها حينئذ م: (فتجب صيانة المؤدى) ش: يعني لما كان شروع فيها صحيحاً يجب عليه صون المؤدى م: (ويكون مضمونا بالقضاء) ش: هذا هو المشهور عن أصحابنا.
م: (وعن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يجب القضاء في فصل الصلاة أيضاً) ش: يعني إذا دخل في الصلاة عند الزوال ثم أفسدها لا يجب عليه القضاء لأنه ممنوع عن الدخول، وما بعدها مبني عليه م: (والأظهر) ش: أي الأظهر والأشهر من الرواية عن أصحابنا م: (هو الأول) ش: أي المذكور الأول، وهو وجوب القضاء بالشروع في الصلاة في الأوقات الثلاثة إذا أفسدها.
واعلم أن في الوقت لأبي حنيفة ﵀ وجوهاً أخرى غير الذي ذكر المصنف.
الأول: أن الشروع في الصلاة بالتكبير للافتتاح وهي ليست من الصلاة عندنا فحصل الشروع بها ولا نهي بخلاف الصوم.
الثاني: أن الصلاة وجوبها بالقول كالنذر بخلاف الشروع في الصوم، فإنه بالنية.
الثالث: أن الصلاة لزومها بالقول والنية بإيجاب الصوم بالنية وحدها، فكان الأول أقوى فلا يلزم من ضمان الأقوى ضمان الأضعف.
الرابع: أن الصوم لا يمكنه فعله إلا على وجه المعصية، والصلاة يمكن أداؤها على غير وجه المعصية، بأن يصبر حتى يخرج وقت الكراهة فيؤديها، على وجه الاستحسان، وكذا لا يكون مرتكباً للنهي بنفس النذر، مع أن النذر ممنوع في رواية أبي يوسف وعبد الله بن المبارك عن
стр. 1957
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
أبي حنيفة ﵀، ذكرها في " البدائع " وغيره.
وفي " شرح التكملة ": شرع في صوم يوم النحر ثم أفسده لم يقضه. وقال محمد ﵀: عليه القضاء، ولم يذكر خلافاً لأبي يوسف ﵀.
وفي " العيون " جعل قول محمد مع أبي حنيفة ﵀، والخلاف لأبي يوسف ﵀.
قلت: يجوز التطوع بالصوم ممن عليه صوم رمضان، وبه قال أهل العلم، وقال أحمد: لا يجوز ممن عليه صوم يوم فرض لقوله ﵊: «من صام تطوعاً وعليه شيء من رمضان لم يقضه، فإنه لا يقبل منه حتى يصومه» . وفي سنده ابن لهيعة [ ... ] الحال.
وعن أحمد: أنه يجوز مثل قول الجمهور لا بأس بقضاء رمضان في أيام العشر غير يوم العيد، وهو قول سعيد بن المسيب، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وروي استحبابه، عن عمر ﵁، ورويت كراهته، عن علي، والحسن والزهري، وهو رواية عن أحمد.
وفي " المبسوط ": تبع جوازه علي ﵁ أراد أن يقول لله علي صوم يوم، فجرى على لسانه شهر لزمه شهر، ولو قال لله علي صوم آخر يوم من أول الشهر وأول يوم من آخره يلزمه الخامس عشر والسادس عشر، ولو نذر صوم يوم غد أو نوى كل ما دار الغد لا تصح نيته.
ولو قال: صوم يوم ونوى صوم كل ما دار يوم صحت، ذكره في " جوامع الفقه ": ولو قال صوم الجمعة يلزمه صوم يوم الجمعة لا غير، إلا إذا نوى أيام الأسبوع. وإن نكر الجمعة لزمه الأسبوع كله.
ولو قال لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان فقدم ليلاً لا يلزمه شيء، لأن اليوم اسم للبياض، وكذا إن قدم بعد الأكل نهاراً أو الحيض، وعن أبي يوسف ﵁ يقضيه، وإن قدم بعد الزوال فلا رواية فيه. وقال السرخسي: الأظهر التسوية بينهما وإن قدم قبل الزوال صامه لبقاء وقت النية.
وفي " الواقعات ": قال: لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان شكراً لله تعالى، وأراد به اليمين فقدم في يوم رمضان عليه كفارة يمين، ولا قضاء عليه، ولو قال: لله علي أن أصوم الأبد فضعف عن الصوم، لأجل اشتغاله بالمعيشة له أن يفطر، ويطعم.
стр. 1958
باب الاعتكاف قال: الاعتكاف مستحب والصحيح أنه سنة مؤكدة؛ لأن النبي ﷺ واظب عليه في العشر الأواخر من رمضان
ــ
[البناية]
[باب الاعتكاف] [حكم الاعتكاف] [ أركان الاعتكاف وشروطه]
م: (باب الاعتكاف) ش: أي هذا باب في بيان كذا أخره عن الصوم، لأنه شرطه والشرط مقدم طبعاً فيقدم وضعاً، والاعتكاف افتعال من عكف، وهو متعد، فمصدره العكف ولازم فمصدره العكوف والمتعدي بمعنى الحبس والمنع، ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ [الفتح: ٢٥] [الفتح: آية ٢٥] ومنه الاعتكاف في المسجد؛ لأنه حبس النفس ومنه اللازم الإقبال على الشيء بطريق المواظبة ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] [الأعراف: آية ١٣٨] ، وهو من ضرب ومن باب طلب، يعني يجوز في مضارعه كسر عين الفعل، وضمها.
وفي الشرع: الاعتكاف هو اللبث في المسجد مع النية، وفي " النهاية " تفسيره شريعة هو اللبث والقرار في المسجد مع نية الاعتكاف، فكان الشرعي مبنياً على التقدير اللغوي مع زيادة اشتراط المسجد وصفته أنه سنة، وركنه هو تفسيره شريعة، وشرطه الصوم ومسجد الجماعة، ومنه الاعتكاف في حق الرجال، وإن كان يجوز للمرأة أن تعتكف في مسجد الجماعة والأفضل لها مسجد بيتها.
وسببه إن كان واجباً فالنذر، وإن كان تطوعاً فالنشاط الداعي إلى طلب الثواب. وحكمه إن كان واجباً ما هو حكم سائر الواجبات وإن كان نفلاً ما هو حكم سائر النوافل، ونقيضه الخروج من المسجد إلا لحاجة لازمة طبعاً أو شرعاً.
ومحظوراته الجماع، ودواعيه، وآدابه أن لا يتكلم إلا بخير، وأن يلازم الاعتكاف عشرين رمضان وأن يختار أفضل المساجد كالمسجد الحرام، والمسجد الجامع.
م: (الاعتكاف مستحب) ش: وفي " المبسوط " قربة مشروعة، وعن بعض المالكية هو جائز.
وقال أبو بكر ﵀ في " عارضة الأحوذي ": قول أصحابنا جائز جهل منهم يعني المالكية م: (والصحيح أنه سنة مؤكدة) ش: وكذا ذكره في " المحيط "، و " البدائع "، و " التحفة " وقوله: والصحيح احتراز، عن قول القدوري أنه مستحب.
م: (لأن النبي ﷺ واظب عليه في العشر الأواخر من رمضان) ش: هذا أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر
стр. 1959
والمواظبة دليل السنة قال: وهو اللبث في المسجد مع الصوم، ونية الاعتكاف، أما اللبث فركنه؛ لأنه ينبئ عنه، فكان وجوده به، والصوم من شرطه عندنا، خلافا للشافعي ﵀
والنية شرط في سائر العبادات.
ــ
[البناية]
الأواخر من رمضان، حتى قبضه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده» . إلا ابن ماجه، فإنه أخرجه عن أبي بن كعب قال: «كان رسول الله ﷺ يعتكف الشعر الأواخر من رمضان فسافر عاماً، فلما كان في العام القابل اعتكف عشرين يوماً» .
وأخرجه أبو داود والنسائي أيضاً، ولفظهما ولم يعتكف عاماً م: (والمواظبة دليل السنة) ش: قيل: المواظبة دليل الوجوب.
وأجيب: بأن المواظبة دليل السنة المؤكدة، وهي في قوة الوجوب، والأحسن أن يقال بأنه ﵊ لم ينكر على من تركه، ولو كان واجباً لأنكر، وكأن المواظبة بلا ترك معارضة بترك الإنكار، وذكر في " المبسوط "، و " البدائع " أن الزهري قال: عجباً من الناس كيف تركوا الاعتكاف ورسول الله ﷺ كان يفعل الشيء ويتركه، [....] الاعتكاف حتى قبض ﵊، قيل في جوابه إن أكثر الصحابة ﵃ لم يعتكفوا.
قال مالك ﵀: لم يبلغني أن أبا بكر ﵁ وعمر ﵁ وعثمان ﵁ وابن المسيب ولا أحدا من سلف هذه الأمة اعتكف إلا أبا بكر بن عبد الرحمن ﵄ وأراهم تركوه لشدته، لأن ليله ونهاره سواء.
وقال في " المجموعة ": تركوه لأنه مكروه في حقهم إذ هو كالوصال المنهي عنه.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وهو اللبث في المسجد مع الصوم، ونية الاعتكاف، أمما اللبث فركنه؛ لأنه ينبئ عنه) ش: أي لأن الاعتكاف يخبر عن اللبث م: (فكان وجوده به) ش: أي فكان وجود الاعتكاف باللبث م: (والصوم من شرطه عندنا، خلافا للشافعي ﵀) ش: أي الصوم الواجب من شرطه، وهو مذهب علي، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة ﵃ وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي ومجاهد والقاسم بن محمد ونافع وابن المسيب والأوزاعي والزهري ﵃، وبه قال مالك، والثوري، والحسن بن حي والشافعي في " القديم ".
وقال الشافعي وأحمد: ليس بشرط، وبه قال داود وأبو ثور، لا في الواجب ولا في النفل، وهو قول عبد الله بن مسعود وطاووس وعمر بن عبد العزيز ﵃.
م: (والنية شرط في سائر العبادات) ش: يعني في كل العبادات لقوله ﵊ -
стр. 1960
هو يقول: إن الصوم عبادة، وهو أصل بنفسه، فلا يكون شرطا لغيره. ولنا قوله ﵊: «لا اعتكاف إلا بالصوم» . والقياس في مقابلة النص المنقول غير مقبول.
ــ
[البناية]
«الأعمال بالنيات» م: (هو) ش: أي الشافعي ﵁ م: (يقول: إن الصوم عبادة، وهو أصل بنفسه، فلا يكون شرطا لغيره) ش: وبه قال أحمد في رواية، وهو مذهب ابن مسعود، كما قلنا، فالقياس مع الشافعي ﵁، لأن كونه شرطاً يقتضي أن يكون تبعاً، وبين الأصل والتبع منافاة، ولكنا تركنا القياس استحساناً بالحديث الذي أشار إليه بقوله: م: (ولنا قوله ﵊) ش: أي قول النبي ﷺ م: «لا اعتكاف إلا بالصوم» ش: هذا الحديث رواه الدارقطني ثم البيهقي من حديث عروة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا اعتكاف إلا بالصوم» ، وفيه سويد بن عبد العزيز.
قال الدارقطني: تفرد به وقال البيهقي: وسويد ضعيف لا يقبل ما تفرد به، وقد روي عن عطاء، عن عائشة موقوفاً.
قلت: روى أبو داود في " سننه " عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، عن عروة عن عائشة قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا ما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع..
وقال المنذري في " مختصره ": وعبد الرحمن بن إسحاق أخرج له مسلم، ووثقه ابن معين وغيره، ورواه البيهقي في " شعب الإيمان "، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب به، وفيه قالت: السنة في المعتكف أن يصوم، وقال: أخرجاه في " الصحيح " وروى قوله: - والسنة في المعتكف ... إلخ، فقد قيل: إنه من قول عروة.
وروى أبو داود والنسائي عن عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار عن ابن عمر «أن عمر ﵁ جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوماً عند الكعبة، فسأل النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : " اعتكف وصم» ".
م: (والقياس في مقابلة النص المنقول غير مقبول) ش: هذا ظاهر، ولكن فيه بحث من وجهين.
стр. 1961
ثم الصوم شرط لصحة الواجب منه رواية واحدة، ولصحة التطوع فيما روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ لظاهر ما روينا، وعلى هذه الرواية لا يكون أقل من يوم، وفي رواية الأصل وهو قول محمد ﵀: أقله ساعة، فيكون من غير صوم لأن مبنى النفل على المساهلة،
ــ
[البناية]
أحدهما: أن الله تعالى شرع الاعتكاف مطلقاً بقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] [البقرة: آية ١٨٧] ، فاشتراط الصوم زيادة عليه بخبر الواحد وهو نسخ لا يجوز.
والثاني: الاعتكاف يتحقق في الليالي، والصوم فيها غير مشروع، وفي ذلك تحقق المشروط دون الشرط وهو باطل، فدل أنه ليس بشرط.
والجواب عن الأول: بأن الإمساك عن الجماع ثبت شرطاً لصحة الاعتكاف بهذا النص القطعي، وهو أحد ركني الصوم فألحق به، والركن الآخر وهو الإمساك عن شهوة البطن بالدلالة لاستوائهما في الحظر والإباحة، كما ألحق الجماع بالأكل والشرب ناسياً في حق بقاء الصوم بالدلالة لهذا المعنى، ثم لما ثبت وجوب الإمساك على المعتكف عن الشهوتين لله تعالى كان صوماً.
والثاني: بأن الشرط إنما يثبت بحسب الإمكان فإن المرأة عليها صوم الشهر متتابعاً ثم ينقطع التتابع بعذر الحيض، والصوم في الليالي غير ممكن.
م: (ثم الصوم شرط) ش: يعني عندنا م: (لصحة الواجب منه) ش: أي من الاعتكاف، والواجب أن يقول: لله علي أن أعتكف يوماً أو شهراً أو يعلقه بشرط فيقول إن شفى الله مريضي، والاعتكاف النفل أن يشرع فيه من غير إجابة بالنذر م: (رواية واحدة) ش: أي ليس فيه اختلاف الروايات، فمعناه في جميع الروايات م: (ولصحة التطوع) ش: أي الصوم شرط أيضاً لصحة الاعتكاف التطوع م: (فيما روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ لظاهر ما روينا، وهو قوله: الاعتكاف بصوم لأنه يشمل الواجب والنفل وعلى هذه الرواية لا يكون) ش: وعلى هذه الرواية أي رواية الحسن عن أبي حنيفة لا يكون أي الاعتكاف م: (أقل من يوم) ش: لأن الصوم مقدر باليوم.
م: (وفي رواية الأصل) ش: أي " المبسوط " م: (وهو قول محمد ﵀: أقله ساعة) لأن الاعتكاف لبث في مكان فلا يقدر بوقت كالوقوف بعرفة، فإذا لم يقدر بوقت يكون معتكفاً بقدر ما دام، وله ثواب المعتكفين ما دام في المسجد بنية الاعتكاف.
وعن أبي يوسف ﵀ أنه قدر أقل الاعتكاف انتقل بأكثر اليوم إقامة للأكثر مقام الكل م: (فيكون من غير صوم) ش: يعني إذا كان أقله ساعة فلا يكون فيه صوم م: (لأن مبنى النفي على المساهلة، ألا ترى أنه يقعد في صلاة النفل مع القدرة على القيام) ش: لأن باب النفل أوسع.
стр. 1962
ألا ترى أنه يقعد في صلاة النفل مع القدرة على القيام. ولو شرع فيه ثم قطعه لا يلزمه القضاء في رواية الأصل؛ لأنه غير مقدر، فلم يكن القطع إبطالا، وفي رواية الحسن يلزمه؛ لأنه مقدر باليوم كالصوم،
ثم الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد الجماعة؛ لقول حذيفة ﵁: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة. وعن أبي حنيفة: أنه لا يصح إلا في مسجد يصلى فيه الصلوات الخمس؛ لأنه عبادة انتظار الصلاة فيختص بمكان تؤدى فيه.
ــ
[البناية]
م: (ولو شرع فيه) ش: أي في الاعتكاف النفل م: (ثم قطعه لا يلزمه القضاء في رواية الأصل؛ لأنه غير مقدر) ش: لشيء يكون زائداً على ما أتى به الشرع م: (فلم يكن القطع إبطالا) ش: لكون إتمامه غير لازم.
م: (وفي رواة الحسن يلزمه) ش: أي القضاء م: (لأنه مقدر باليوم كالصوم) ش: لضرورة لزوم القضاء في شرطه وهو الصوم.
[مكان الاعتكاف]
م: (ثم الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد الجماعة) ش: أراد به مسجداً تصلى فيه جماعة بعض الصلوات كمساجد الأسواق م: (لقول حذيفة ﵁: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة) ش: هذا رواه الطبراني في " معجمه " حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا أبو عوانة عن مغيرة عن إبراهيم النخعي أن حذيفة قال لابن مسعود: ألا تعجب من قوم بين دارك ودار أبي موسى يزعمون أنهم معتكفون، قال: فلعلهم أصابوا، وأخطأت أو حفظوا ونسيت، قال: أما أنا فقد علمت أنه لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة.
م: (وعن أبي حنيفة) ش: ﵁ م: (أنه لا يصح إلا في مسجد) ش: جماعة م: (تصلى فيه الصلوات الخمس؛ لأنه عبادة انتظار الصلاة فيختص بمكان تؤدى فيه) ش: الصلاة. هذه رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵁ أنه لا يجوز إلا في مسجد له إمام ومؤذن وتصلى فيه الصلوات كلها.
وفي " الفتاوى ": يجوز الاعتكاف في الجامع وإن لم يصلوا فيه بالجماعة، أما إذا كان يصلى فيه الصلوات الخمس بالجماعة فالاعتكاف فيه أفضل. وقال الإمام الأسبيجابي في " شرح الطحاوي ": أفضل الاعتكاف أن يكون في المسجد الحرام ثم في مسجد المدينة وهو مسجد رسول الله ﷺ ثم في مسجد بيت المقدس ثم في المساجد العظام التي كثر أهلها.
وفي " المنتقى ": عن أبي يوسف ﵁ أن الاعتكاف الواجب لا يجوز أداؤه في غير مسجد الجماعة. وفي " البدائع ": الاعتكاف الواجب، والنفل لا يصحان إلا في
стр. 1963
أما المرأة تعتكف في مسجد بيتها؛ لأنه هو الموضع لصلاتها فيتحقق انتظارها فيه، ولو لم يكن لها في البيت مسجد تجعل موضعا فيه فتعتكف فيه. ولا يخرج من المسجد إلا لحاجة الإنسان، أو الجمعة أما الحاجة فلحديث عائشة ﵂: «وكان النبي ﵊ لا يخرج من معتكفه إلا لحاجة الإنسان» ؛ ولأنه معلوم وقوعها، ولا بد من الخروج في تقضيتها
ــ
[البناية]
المسجد، وقال الطحاوي ﵀: يصح في كل مسجد.
وقال الأترازي: والصحيح عندي أنه يصح في كل مسجد.
قلت: هذا قول الطحاوي ﵀ ونسبه إلى نفسه.
[مكان الاعتكاف بالنسبة للمرأة]
م: (أما المرأة فتعتكف في مسجد بيتها) ش: المراد من مسجد بيتها هو المكان المتعين للصلاة م: (لأنه هو الموضع لصلاتها فيتحقق انتظارها فيه) ش: أي انتظارها للصلاة، أي في الموضع الذي تصلي فيه، وبه قال النخعي والثوري وابن علية.
وفي السروجي: ولا تعتكف في مسجد جماعة ذكره في الأصل. وفي " منية المفتي ": لو اعتكفت في المسجد جاز. وفي " المحيط ": روى الحسن ﵀ عن أبي حنيفة ﵁ جوازه، وكراهته في المسجد، وفي " البدائع ": وليس لها أن تعتكف في بيتها في غير مسجد بيتها وهو الموضع المعد لصلاتها. وفي المرغيناني: لا يجوز في بيت لا مسجد فيه.
وقال ابن بطال: قال الشافعي ﵁ معتكف المرأة، والعبد، والمسافر حيث شاءوا، وقال النووي: المذهب أن المرأة لا يصح اعتكافها إلا في المسجد كالرجل.
م: (ولو لم يكن لها في البيت مسجد تجعل موضعاً فيه فتعتكف فيه) ش: وفي " المجتبى ": لو لم يكن في مسجد بيتها موضع تجعل فيه مسجدا ًفتعتكف فيه، ولو اعتكفت في مسجد بيتها فليس لزوجها أن يأتيها ولا أن يمنعها من الاعتكاف، لكن لا ينبغي لها أن تعتكف بغير إذن زوجها، وكذا العبد لا يعتكف بغير إذن مولاه، ولو أذن لهما ثم إن منعهما صح [ويلزم] ويأثم، وبه قال الشافعي، وقال مالك: ليس له أن يمنعهما، والمكاتب لو اعتكف بغير إذنه يصح وليس له منعه. وقال مالك: له منعه، ولو طلقت المعتكفة في المسجد أو توفي عنها زوجها جاز لها الرجوع إلى بيتها لتعتد فيه ثم ترجع إلى المسجد على اعتكافها، وعند مالك ﵀ تتم اعتكافها في المسجد.
م: (ولا يخرج) ش: أي المعتكف م: (من المسجد إلا لحاجة الإنسان) ش: وهو التغوط وإراقة البول م: (أو الجمعة) ش: أي أو الجمعة أي يخرج لها.
م: (أما الحاجة فلحديث عائشة ﵂: «كان النبي ﷺ لا يخرج من معتكفه إلا لحاجة الإنسان» ش: هذا الحديث غريب بهذا اللفظ وأخرج الأئمة الستة في كتبهم عن عائشة - رضي
стр. 1964
فيصير الخروج لها مستثنى،
ولا يمكث بعد فراغه؛ من الطهور لأن ما ثبت بالضرورة يتقدر بقدرها. وأما الجمعة فلأنها من أهم حوائجه، وهي معلوم وقوعها. وقال الشافعي ﵀: الخروج إليها مفسد؛ لأنه يمكنه الاعتكاف في الجامع.
ــ
[البناية]
الله عنها - قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» م: (ولأنه معلوم وقوعها) ش: أي وقوع الحاجة م: (فلا بد من الخروج في تقضيتها فصير الخروج لها مستثنًى) ش: لأن الضرورات تبيح المحظورات، ثم في خروجه لقضاء الحاجة لا تفاوت بين أن يدخل تحت سقف غير سقف المسجد أو لا فإنه جائز، وكان مالك ﵁ يقول: إذا خرج للحاجة لا ينبغي أن يدخل تحت سقف، فإن أواه سقف غير سقف المسجد فسد اعتكافه لعدم الضرورة فيه، وهذا ليس بشيء، فإنه ﵊ كان يدخل حجرته إذا خرج لحاجته كذا في " المبسوط ".
م: (ولا يمكث بعد فراغه؛ من الطهور) ش: بفتح الطاء مصدر، وقال المبرد خمسة من المصادر على مفعول بفتح الفاء؛ الطهور، والوضوء، والقبول، والودوع، والركوع، وفي " المغرب ": الطهور بالفتح مصدر بمعنى التطهر، ومنه مفتاح الصلاة الطهور، وقال ابن الأثير الطهور بالضم وبالفتح الماء الذي يتطهر به كالوضوء، والوضوء والسحور والسحور، قال: سيبويه: الطهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معاً م: (لأن ما ثبت بالضرورة يتقدر بقدرها) ش: أي بقدر الضرورة.
م: (وأما الجمعة فلأنها من أهم حوائجه) ش: لأنها حاجة دينية ولا يمكن من إقامتها إلا بالخروج م: (وهي معلومٌ وقوعها) ش: أي الجمعة معلوم وقوعها، فيكون الخروج إليها مستثنى.
م: (وقال الشافعي ﵀: الخروج إليها) ش: أي إلى الجمعة م: (مفسدٌ) ش: للاعتكاف م: (لأنه يمكنه الاعتكاف في الجامع) ش: وبه قال مالك ﵁.
وفي " الذخيرة " للمالكية: يبطل بالخروج للجمعة على المشهور، وروي عنه كقولنا، وقال ابن العربي: إذا خرج للجمعة لا يفسد في الصحيح، وبقولنا قال سعيد بن جبير، والحسن البصري، والنخعي، وأحمد، وعبد الملك، وابن المنذر، وفي " الإكمال ": ومن تلزمه الجمعة لا يعتكف إلا في الجامع، وهو المشهور من مذهب مالك، وهو قول الشافعي، والكوفيين، وقال السروجي: قوله الكوفيين غير صحيح.
стр. 1965
ونحن نقول: الاعتكاف في كل مسجد مشروع، وإذا صح الشروع فالضرورة مطلقة في الخروج، ويخرج حين تزول الشمس؛ لأن الخطاب يتوجه بعده، وإن كان منزله بعيدا عنه يخرج في وقت يمكنه إدراكها، ويصلي قبلها أربعا، وفي رواية ستا، الأربع سنة، والركعتان تحية المسجد، وبعدها أربعا أو ستا على حسب الاختلاف في سنة الجمعة، وسننها توابع لها فألحقت بها، ولو أقام في مسجد الجامع أكثر من ذلك، لا يفسد اعتكافه؛ لأنه موضع اعتكاف إلا أنه لا يستحب؛ لأنه التزم أداءه في مسجد واحد، فلا يتمه في مسجدين من غير ضرورة.
ولو خرج من المسجد ساعة بغير عذر فسد اعتكافه عند أبي حنيفة ﵀
ــ
[البناية]
م: (ونحن نقول: الاعتكاف في كل مسجد مشروع، فإذا صح الشروع) ش: أي في مسجد غير جامع م: (فالضرورة مطلقةٌ) ش: بضم الميم وسكون الطاء وكسر اللام أي مجوزة على الإطلاق م: في الخروج) ش: إلى الجمعة م: (ويخرج حين تزول الشمس؛ لأن الخطاب يتوجه بعده) ش: أي بعد زوال الشمس عن كبد السماء م: (وإن كان منزله بعيدًا عنه) ش: أي عن الجامع م: (يخرج في وقت يمكنه إدراكها) ش: أي إدراك الجمعة م: (ويصلي قبلها) ش: أي قبل الجمعة م: (أربعًا) ش: أي يصلي أربع ركعات.
م: (وفي رواية ستا، الأربع سنةٌ، والركعتان تحية المسجد، وبعدها أربعًا أو ستا) ش: أي، أو يصلي ست ركعات م: (على حسب الاختلاف في سنة الجمعة) ش: فإن عند أبي حنيفة، ومحمد يصلي أربعاً وعند أبي يوسف يصلي ستا م: (وسننها توابع لها فألحقت بها) ش: كأذكارها.
م: (ولو أقام في مسجد الجامع أكثر من ذلك) ش: أي أكثر من صلاة الجمعة وسنتها م: (لا يفسد اعتكافه؛ لأنه موضع اعتكاف) ش: فلا يضره ذلك م: (إلا أنه لا يستحب) ش: استثناء من قوله: لا يفسد اعتكافه، أي لا يفسد اعتكافه بإقامة المعتكف في الجامع أكثر من صلاة وسنتها، إلا أن يثبت فيه بعد الفراغ لا يستحب بل يكره له ذلك م: (لأنه التزم أداءه في مسجد واحد، فلا يتمه في مسجدين من غير ضرورة) ش: رعاية للمسجد الذي اعتكف فيه بقدر الإمكان.
[خروج المعتكف من المسجد بدون عذر]
م: (ولو خرج من المسجد ساعةً بغير عذر فسد اعتكافه عند أبي حنيفة ﵀) ش: العذر الخروج لغائط أو بول أو جمعة لأنه لا بد منه، وكذا إذا انهدم المسجد، وفي السقف يجوز له أن يتحول إلى مسجد آخر في خمسة أشياء.
أحدها: أن ينهدم مسجده.
الثاني: أن يتفرق أهله فلا يجتمعون فيه.
الثالث: أن يخرجه منه سلطان.
следующие страницы →