← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

ثم الصوم شرط لصحة الواجب منه رواية واحدة، ولصحة التطوع فيما روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ لظاهر ما روينا، وعلى هذه الرواية لا يكون أقل من يوم، وفي رواية الأصل وهو قول محمد ﵀: أقله ساعة، فيكون من غير صوم لأن مبنى النفل على المساهلة، ــ [البناية] أحدهما: أن الله تعالى شرع الاعتكاف مطلقاً بقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] [البقرة: آية ١٨٧] ، فاشتراط الصوم زيادة عليه بخبر الواحد وهو نسخ لا يجوز. والثاني: الاعتكاف يتحقق في الليالي، والصوم فيها غير مشروع، وفي ذلك تحقق المشروط دون الشرط وهو باطل، فدل أنه ليس بشرط. والجواب عن الأول: بأن الإمساك عن الجماع ثبت شرطاً لصحة الاعتكاف بهذا النص القطعي، وهو أحد ركني الصوم فألحق به، والركن الآخر وهو الإمساك عن شهوة البطن بالدلالة لاستوائهما في الحظر والإباحة، كما ألحق الجماع بالأكل والشرب ناسياً في حق بقاء الصوم بالدلالة لهذا المعنى، ثم لما ثبت وجوب الإمساك على المعتكف عن الشهوتين لله تعالى كان صوماً. والثاني: بأن الشرط إنما يثبت بحسب الإمكان فإن المرأة عليها صوم الشهر متتابعاً ثم ينقطع التتابع بعذر الحيض، والصوم في الليالي غير ممكن. م: (ثم الصوم شرط) ش: يعني عندنا م: (لصحة الواجب منه) ش: أي من الاعتكاف، والواجب أن يقول: لله علي أن أعتكف يوماً أو شهراً أو يعلقه بشرط فيقول إن شفى الله مريضي، والاعتكاف النفل أن يشرع فيه من غير إجابة بالنذر م: (رواية واحدة) ش: أي ليس فيه اختلاف الروايات، فمعناه في جميع الروايات م: (ولصحة التطوع) ش: أي الصوم شرط أيضاً لصحة الاعتكاف التطوع م: (فيما روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ لظاهر ما روينا، وهو قوله: الاعتكاف بصوم لأنه يشمل الواجب والنفل وعلى هذه الرواية لا يكون) ش: وعلى هذه الرواية أي رواية الحسن عن أبي حنيفة لا يكون أي الاعتكاف م: (أقل من يوم) ش: لأن الصوم مقدر باليوم. م: (وفي رواية الأصل) ش: أي " المبسوط " م: (وهو قول محمد ﵀: أقله ساعة) لأن الاعتكاف لبث في مكان فلا يقدر بوقت كالوقوف بعرفة، فإذا لم يقدر بوقت يكون معتكفاً بقدر ما دام، وله ثواب المعتكفين ما دام في المسجد بنية الاعتكاف. وعن أبي يوسف ﵀ أنه قدر أقل الاعتكاف انتقل بأكثر اليوم إقامة للأكثر مقام الكل م: (فيكون من غير صوم) ش: يعني إذا كان أقله ساعة فلا يكون فيه صوم م: (لأن مبنى النفي على المساهلة، ألا ترى أنه يقعد في صلاة النفل مع القدرة على القيام) ش: لأن باب النفل أوسع.

стр. 1962

ألا ترى أنه يقعد في صلاة النفل مع القدرة على القيام. ولو شرع فيه ثم قطعه لا يلزمه القضاء في رواية الأصل؛ لأنه غير مقدر، فلم يكن القطع إبطالا، وفي رواية الحسن يلزمه؛ لأنه مقدر باليوم كالصوم، ثم الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد الجماعة؛ لقول حذيفة ﵁: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة. وعن أبي حنيفة: أنه لا يصح إلا في مسجد يصلى فيه الصلوات الخمس؛ لأنه عبادة انتظار الصلاة فيختص بمكان تؤدى فيه. ــ [البناية] م: (ولو شرع فيه) ش: أي في الاعتكاف النفل م: (ثم قطعه لا يلزمه القضاء في رواية الأصل؛ لأنه غير مقدر) ش: لشيء يكون زائداً على ما أتى به الشرع م: (فلم يكن القطع إبطالا) ش: لكون إتمامه غير لازم. م: (وفي رواة الحسن يلزمه) ش: أي القضاء م: (لأنه مقدر باليوم كالصوم) ش: لضرورة لزوم القضاء في شرطه وهو الصوم. [مكان الاعتكاف] م: (ثم الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد الجماعة) ش: أراد به مسجداً تصلى فيه جماعة بعض الصلوات كمساجد الأسواق م: (لقول حذيفة ﵁: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة) ش: هذا رواه الطبراني في " معجمه " حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا أبو عوانة عن مغيرة عن إبراهيم النخعي أن حذيفة قال لابن مسعود: ألا تعجب من قوم بين دارك ودار أبي موسى يزعمون أنهم معتكفون، قال: فلعلهم أصابوا، وأخطأت أو حفظوا ونسيت، قال: أما أنا فقد علمت أنه لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة. م: (وعن أبي حنيفة) ش: ﵁ م: (أنه لا يصح إلا في مسجد) ش: جماعة م: (تصلى فيه الصلوات الخمس؛ لأنه عبادة انتظار الصلاة فيختص بمكان تؤدى فيه) ش: الصلاة. هذه رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵁ أنه لا يجوز إلا في مسجد له إمام ومؤذن وتصلى فيه الصلوات كلها. وفي " الفتاوى ": يجوز الاعتكاف في الجامع وإن لم يصلوا فيه بالجماعة، أما إذا كان يصلى فيه الصلوات الخمس بالجماعة فالاعتكاف فيه أفضل. وقال الإمام الأسبيجابي في " شرح الطحاوي ": أفضل الاعتكاف أن يكون في المسجد الحرام ثم في مسجد المدينة وهو مسجد رسول الله ﷺ ثم في مسجد بيت المقدس ثم في المساجد العظام التي كثر أهلها. وفي " المنتقى ": عن أبي يوسف ﵁ أن الاعتكاف الواجب لا يجوز أداؤه في غير مسجد الجماعة. وفي " البدائع ": الاعتكاف الواجب، والنفل لا يصحان إلا في

стр. 1963

أما المرأة تعتكف في مسجد بيتها؛ لأنه هو الموضع لصلاتها فيتحقق انتظارها فيه، ولو لم يكن لها في البيت مسجد تجعل موضعا فيه فتعتكف فيه. ولا يخرج من المسجد إلا لحاجة الإنسان، أو الجمعة أما الحاجة فلحديث عائشة ﵂: «وكان النبي ﵊ لا يخرج من معتكفه إلا لحاجة الإنسان» ؛ ولأنه معلوم وقوعها، ولا بد من الخروج في تقضيتها ــ [البناية] المسجد، وقال الطحاوي ﵀: يصح في كل مسجد. وقال الأترازي: والصحيح عندي أنه يصح في كل مسجد. قلت: هذا قول الطحاوي ﵀ ونسبه إلى نفسه. [مكان الاعتكاف بالنسبة للمرأة] م: (أما المرأة فتعتكف في مسجد بيتها) ش: المراد من مسجد بيتها هو المكان المتعين للصلاة م: (لأنه هو الموضع لصلاتها فيتحقق انتظارها فيه) ش: أي انتظارها للصلاة، أي في الموضع الذي تصلي فيه، وبه قال النخعي والثوري وابن علية. وفي السروجي: ولا تعتكف في مسجد جماعة ذكره في الأصل. وفي " منية المفتي ": لو اعتكفت في المسجد جاز. وفي " المحيط ": روى الحسن ﵀ عن أبي حنيفة ﵁ جوازه، وكراهته في المسجد، وفي " البدائع ": وليس لها أن تعتكف في بيتها في غير مسجد بيتها وهو الموضع المعد لصلاتها. وفي المرغيناني: لا يجوز في بيت لا مسجد فيه. وقال ابن بطال: قال الشافعي ﵁ معتكف المرأة، والعبد، والمسافر حيث شاءوا، وقال النووي: المذهب أن المرأة لا يصح اعتكافها إلا في المسجد كالرجل. م: (ولو لم يكن لها في البيت مسجد تجعل موضعاً فيه فتعتكف فيه) ش: وفي " المجتبى ": لو لم يكن في مسجد بيتها موضع تجعل فيه مسجدا ًفتعتكف فيه، ولو اعتكفت في مسجد بيتها فليس لزوجها أن يأتيها ولا أن يمنعها من الاعتكاف، لكن لا ينبغي لها أن تعتكف بغير إذن زوجها، وكذا العبد لا يعتكف بغير إذن مولاه، ولو أذن لهما ثم إن منعهما صح [ويلزم] ويأثم، وبه قال الشافعي، وقال مالك: ليس له أن يمنعهما، والمكاتب لو اعتكف بغير إذنه يصح وليس له منعه. وقال مالك: له منعه، ولو طلقت المعتكفة في المسجد أو توفي عنها زوجها جاز لها الرجوع إلى بيتها لتعتد فيه ثم ترجع إلى المسجد على اعتكافها، وعند مالك ﵀ تتم اعتكافها في المسجد. م: (ولا يخرج) ش: أي المعتكف م: (من المسجد إلا لحاجة الإنسان) ش: وهو التغوط وإراقة البول م: (أو الجمعة) ش: أي أو الجمعة أي يخرج لها. م: (أما الحاجة فلحديث عائشة ﵂: «كان النبي ﷺ لا يخرج من معتكفه إلا لحاجة الإنسان» ش: هذا الحديث غريب بهذا اللفظ وأخرج الأئمة الستة في كتبهم عن عائشة - رضي

стр. 1964

فيصير الخروج لها مستثنى، ولا يمكث بعد فراغه؛ من الطهور لأن ما ثبت بالضرورة يتقدر بقدرها. وأما الجمعة فلأنها من أهم حوائجه، وهي معلوم وقوعها. وقال الشافعي ﵀: الخروج إليها مفسد؛ لأنه يمكنه الاعتكاف في الجامع. ــ [البناية] الله عنها - قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» م: (ولأنه معلوم وقوعها) ش: أي وقوع الحاجة م: (فلا بد من الخروج في تقضيتها فصير الخروج لها مستثنًى) ش: لأن الضرورات تبيح المحظورات، ثم في خروجه لقضاء الحاجة لا تفاوت بين أن يدخل تحت سقف غير سقف المسجد أو لا فإنه جائز، وكان مالك ﵁ يقول: إذا خرج للحاجة لا ينبغي أن يدخل تحت سقف، فإن أواه سقف غير سقف المسجد فسد اعتكافه لعدم الضرورة فيه، وهذا ليس بشيء، فإنه ﵊ كان يدخل حجرته إذا خرج لحاجته كذا في " المبسوط ". م: (ولا يمكث بعد فراغه؛ من الطهور) ش: بفتح الطاء مصدر، وقال المبرد خمسة من المصادر على مفعول بفتح الفاء؛ الطهور، والوضوء، والقبول، والودوع، والركوع، وفي " المغرب ": الطهور بالفتح مصدر بمعنى التطهر، ومنه مفتاح الصلاة الطهور، وقال ابن الأثير الطهور بالضم وبالفتح الماء الذي يتطهر به كالوضوء، والوضوء والسحور والسحور، قال: سيبويه: الطهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معاً م: (لأن ما ثبت بالضرورة يتقدر بقدرها) ش: أي بقدر الضرورة. م: (وأما الجمعة فلأنها من أهم حوائجه) ش: لأنها حاجة دينية ولا يمكن من إقامتها إلا بالخروج م: (وهي معلومٌ وقوعها) ش: أي الجمعة معلوم وقوعها، فيكون الخروج إليها مستثنى. م: (وقال الشافعي ﵀: الخروج إليها) ش: أي إلى الجمعة م: (مفسدٌ) ش: للاعتكاف م: (لأنه يمكنه الاعتكاف في الجامع) ش: وبه قال مالك ﵁. وفي " الذخيرة " للمالكية: يبطل بالخروج للجمعة على المشهور، وروي عنه كقولنا، وقال ابن العربي: إذا خرج للجمعة لا يفسد في الصحيح، وبقولنا قال سعيد بن جبير، والحسن البصري، والنخعي، وأحمد، وعبد الملك، وابن المنذر، وفي " الإكمال ": ومن تلزمه الجمعة لا يعتكف إلا في الجامع، وهو المشهور من مذهب مالك، وهو قول الشافعي، والكوفيين، وقال السروجي: قوله الكوفيين غير صحيح.

стр. 1965

ونحن نقول: الاعتكاف في كل مسجد مشروع، وإذا صح الشروع فالضرورة مطلقة في الخروج، ويخرج حين تزول الشمس؛ لأن الخطاب يتوجه بعده، وإن كان منزله بعيدا عنه يخرج في وقت يمكنه إدراكها، ويصلي قبلها أربعا، وفي رواية ستا، الأربع سنة، والركعتان تحية المسجد، وبعدها أربعا أو ستا على حسب الاختلاف في سنة الجمعة، وسننها توابع لها فألحقت بها، ولو أقام في مسجد الجامع أكثر من ذلك، لا يفسد اعتكافه؛ لأنه موضع اعتكاف إلا أنه لا يستحب؛ لأنه التزم أداءه في مسجد واحد، فلا يتمه في مسجدين من غير ضرورة. ولو خرج من المسجد ساعة بغير عذر فسد اعتكافه عند أبي حنيفة ﵀ ــ [البناية] م: (ونحن نقول: الاعتكاف في كل مسجد مشروع، فإذا صح الشروع) ش: أي في مسجد غير جامع م: (فالضرورة مطلقةٌ) ش: بضم الميم وسكون الطاء وكسر اللام أي مجوزة على الإطلاق م: في الخروج) ش: إلى الجمعة م: (ويخرج حين تزول الشمس؛ لأن الخطاب يتوجه بعده) ش: أي بعد زوال الشمس عن كبد السماء م: (وإن كان منزله بعيدًا عنه) ش: أي عن الجامع م: (يخرج في وقت يمكنه إدراكها) ش: أي إدراك الجمعة م: (ويصلي قبلها) ش: أي قبل الجمعة م: (أربعًا) ش: أي يصلي أربع ركعات. م: (وفي رواية ستا، الأربع سنةٌ، والركعتان تحية المسجد، وبعدها أربعًا أو ستا) ش: أي، أو يصلي ست ركعات م: (على حسب الاختلاف في سنة الجمعة) ش: فإن عند أبي حنيفة، ومحمد يصلي أربعاً وعند أبي يوسف يصلي ستا م: (وسننها توابع لها فألحقت بها) ش: كأذكارها. م: (ولو أقام في مسجد الجامع أكثر من ذلك) ش: أي أكثر من صلاة الجمعة وسنتها م: (لا يفسد اعتكافه؛ لأنه موضع اعتكاف) ش: فلا يضره ذلك م: (إلا أنه لا يستحب) ش: استثناء من قوله: لا يفسد اعتكافه، أي لا يفسد اعتكافه بإقامة المعتكف في الجامع أكثر من صلاة وسنتها، إلا أن يثبت فيه بعد الفراغ لا يستحب بل يكره له ذلك م: (لأنه التزم أداءه في مسجد واحد، فلا يتمه في مسجدين من غير ضرورة) ش: رعاية للمسجد الذي اعتكف فيه بقدر الإمكان. [خروج المعتكف من المسجد بدون عذر] م: (ولو خرج من المسجد ساعةً بغير عذر فسد اعتكافه عند أبي حنيفة ﵀) ش: العذر الخروج لغائط أو بول أو جمعة لأنه لا بد منه، وكذا إذا انهدم المسجد، وفي السقف يجوز له أن يتحول إلى مسجد آخر في خمسة أشياء. أحدها: أن ينهدم مسجده. الثاني: أن يتفرق أهله فلا يجتمعون فيه. الثالث: أن يخرجه منه سلطان.

стр. 1966

لوجود المنافي وهو القياس، وقالا: لا يفسد حتى يكون أكثر من نصف يوم وهو الاستحسان؛ لأن في القليل ضرورة. قال وأما الأكل، والشرب، والنوم يكون في معتكفه؛ لأن النبي ﵊ لم يكن له مأوى إلا المسجد. ــ [البناية] الرابع: أن يأخذه ظالم. الخامس: أن يخاف على نفسه وماله من المكابرين. وفي المرغيناني: إن خرج لمرض يبطل اعتكافه، لأن وقت المرض غير معلوم فلم يكن مستثنى، وقال الحاكم في " الكافي ": وكذا يبطل لو أخذه غريم فحبسه ساعة. قوله في المتن - ساعة - يعني وإن كان قليلاً، وسواء كان عامداً أو ناسياً، وفي " المبسوط " و " التحفة " قول أبي حنيفة ﵀ أقيس. م: (لوجود المنافي) ش: للبث م: (وهو) ش: أي قول أبي حنيفة ﵀ هو م: (القياس) ش: وبه قال مالك والشافعي، وأحمد، إلا أن عند مالك ﵀ يخرج لعيادة أبويه ولا يخرج لجنازتهما. م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - م: (لا يفسد حتى يكون) ش: أي الخروج م: (أكثر من نصف يوم) ش: لأن للأكثر منه حكم الكل والأقل منه عفو، وإن كان بغير عذر ولهذا إذا خرج لحاجة الإنسان فتأنى في المشي لا يفسد اعتكافه، وإن كان لا يحتاج إلى التأني في المشي لأنه في حكم اليسير. وفي " الذخيرة ": الاختلاف في الاعتكاف الواجب، أما في النفل فلا بأس بأن يخرج بغير عذر لأن التطوع غير مقدر في ظاهر الرواية، وهو أي قولهما م: (الاستحسان؛ لأن في القليل ضرورةً) ش: والضرورة مستثناة م: (وأما الأكل، والشرب، والنوم يكون في معتكفه) ش: أي في موضع الاعتكاف م: (لأن النبي ﷺ لم يكن له مأوى إلا في المسجد) ش: يعني في حال كونه معتكفاً، وهذا معلوم في الأحاديث والنصوص المتطابقة ويقال في غالب أحواله لم يتخذ مأوى إلا المسجد فكان أكله متحققاً فيه فلا ضرورة إلى الخروج، وبه قال مالك وابن شريح من أصحاب الشافعي ﵁ وهو الأظهر عند صاحب " التهذيب ". وقال المزني وأكثر أصحابه: له الخروج للأكل والشرب لأن في تكلفه الأكل في المسجد مشقة ونوعاً من ترك المروءة أيضاً، فإنه قد يختار أن لا يعرف جنس طعامه لفقره أو لتورعه، فلو كلفناه الأكل يفوت غرضه، وأيضاً قد يكون في المسجد غيره فيشق عليه الأكل دونه، ولو أكل معه لم يكفهما الطعام فجعلنا ذلك عذرا في إباحة الأكل في المنزل، كذا في تتمتهم، وفي " شرح الوجيز ": لو عطش ولم يجد في المسجد ماء يخرج، وإن وجد فيه فوجهان

стр. 1967

ولأنه يمكن قضاء هذه الحاجة في المسجد فلا ضرورة إلى الخروج. ولا بأس بأن يبيع ويبتاع في المسجد من غير أن يحضر السلعة لأنه قد يحتاج إلى ذلك بأن لا يجد من يقوم بحاجته، إلا أنهم ــ [البناية] أصحهما لا يخرج. م: (ولأنه يمكن قضاء هذه الحاجة) ش: أي حاجة الأكل والشرب م: (في المسجد فلا ضرورة إلى الخروج) ش: قيد بقوله؛ لأنه يمكن لأنه إذا لم يمكن يخرج، وفي " البدائع ": لا يخرج لأكل وشرب، ونوم، ولا عيادة مريض، ولا صلاة جنازة، فإن خرج فسد اعتكافه عامداً أو ناسيا، بخلاف ما لو خرج مكرهاً، وفي " شرح الإرشاد ": لا يخرج لأداء شهادة وإن تعين لأدائها، لأن هذا لا يقع إلا نادراً، فلا عبرة للنادر، وبه قال مالك. وعند الشافعي ﵁ لو تعين أداؤها عليه لا تبطل بالخروج، وإن لم يتعين تبطل، وفي " الذخيرة " للمالكية: يؤديها في المسجد ولا يخرج. [ما يجوز للمعتكف] م: (ولا بأس بأن يبيع) ش: أي المعتكف م: (ويبتاع) ش: أي أو يشتري م: (في المسجد من غير أن يحضر السلعة) ش: وفي " التنجيس " هذا إذا باع أو اشترى لحاجته الأصلية لا للتجارة، فإنه للتجارة مكروه. لأن المسجد بني للصلاة لا للتجارة. وفي " الذخيرة ": له أن يبيع ويشتري في المسجد الطعام، وما لا بد منه، وإذا أراد أن يتخذ ذلك متجراً يكره له. وقال الكرخي: قوله - من غير أن يحضر السلعة - دليل على أنه لا بأس به مطلقاً، سواء كان له منه بد أو لم يكن. وقال الشافعي: يبيع ويشتري ولا يكره منه، وقطع الماوردي بكراهة البيع والشراء وعمل الصنائع. وقال في البويطي: أكره البيع والشراء في المسجد، ومثله عن أبي حامد ﵁. قال النووي في " شرح التهذيب ": وهو الأصح وكرهه عطاء والزهري، وكان مالك ﵁ يقول: يخرج لشراء الطعام ثم يرجع، وفي " جوامع الفقه ": للمتعكف أن يبيع ويشتري في المسجد من غير إحضار السلعة ويتزوج ويراجع ويحرم بحج وعمرة ويتطيب ويتردد في نواحي المسجد ويصعد المنارة، وبه قال مالك ﵁ والشافعي. وقال معمر: لا يتطيب المعتكف، وقال عطاء: لا يتطيب المعتكف وفي " الخزانة " كره التحرز للمعتكف ومنع سحنون من المالكية إمامة المعتكف في أحد قوليه في الفرض والنفل وكذا أذانه في غير المنارة، وفي المنارة منعه مالك مرة وأجازه أخرى مع العلماء. م: (لأنه) ش: أي لأن المعتكف م: (قد يحتاج إلى ذلك) ش: أي إلى البيع والشراء م: (بأن لا يجد من يقوم بحاجته، إلا أنهم قالوا) ش: استثناء.

стр. 1968

قالوا: يكره إحضار السلعة للبيع، والشراء؛ لأن المسجد متحرز عن حقوق العباد، وفيه شغله بها، ويكره لغير المعتكف البيع والشراء فيه؛ لقوله ﵊: «جنبوا مساجدكم صبيانكم - إلى أن قال -: وبيعكم، وشراءكم» . ــ [البناية] م: (يكره إحضار السلعة للبيع والشراء؛ لأن المسجد متحرز) ش: على بناء المجهول من التحريز بالحاء المهملة، معناه أن بقعة المسجد قد تحرزت م: (عن حقوق العباد) ش: فصارت حقاً لله تعالى م: (وفيه شغله بها) ش: أي وفي إحضار السلعة شغل المسجد بفتح الشين بها أي بالسلعة فيكره شغله بالسلع للتجارة. م: (ويكره لغير المعتكف البيع والشراء فيه) ش: أي في المسجد م: (لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «جنبوا مساجدكم صبيانكم - إلى أن قال -: وبيعكم، وشراءكم» ش: هذا الحديث رواه جماعة من الصحابة ﵁؛ واثلة بن الأسقع، روى حديثه ابن ماجه أن النبي ﷺ قال: «جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وشراءكم، وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع» ، ورواه الطبراني في " معجمه " عن العلاء بن كثير عن مكحول عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة، قالوا سمعنا رسول الله ﷺ يقول، فذكره وسنده ضعيف. ومعاذ بن جبل ﵁ روى حديثه عبد الرزاق في " مصنفه " من حديث مكحول عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «جنبوا مساجدكم» ... الحديث، باللفظ المذكور، وروى النسائي، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك» . م: (قال: ولا يتكلم إلا بخير) ش: قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] [الإسراء: آية ٥٣] ، أي قل للمؤمنين يقولوا للمشركين الكلمة التي هي أحسن وألين، ولا تحاشوهم فالنص يقتضي أن لا يتلكم خارج المسجد إلا بخير، فالمسجد أولى، وله قراءة القرآن والحديث، والعلم، والتدريس، وكتابة أمور الدين، وسماع العلم. وقال القاضي عياض وأبو بكر بن العربي: منعه مالك من ذلك وهو قول بن حنبل، واعتباره بالطواف والصلاة، وقال أبو الطيب في " المجرد " قال الشافعي في " الأم " و " الجامع

стр. 1969

قال: ولا يتكلم إلا بخير، ويكره له الصمت؛ لأن صوم الصمت ليس بقربة في شريعتنا لكنه يتجانب ما يكون مأثما. ويحرم على المعتكف الوطء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧] [البقرة: الآية ١٨٧] ــ [البناية] الكبير ": لا بأس أن يقص في المسجد، لأن القصص وعظ وتذكير. وقال النووي: ما قاله الشافعي محمول على الأحاديث المشهورة والمغازي والرقائق مما ليس فيه وضع ولا ما تحمله عقول العوام ولا ما يذكره أهل التواريخ والقصص من قصص الأنبياء - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وحكاياتهم أن بعض الأنبياء جرى له كذا من فتنة أو نحوها، فإن كل هذا يمنع منه انتهى. قلت: يمنع من ذلك من كان غير معتكف، ويمنع الطرقية الذين يعملون المواعيد في المساجد ويوردون الأحاديث الموضوعة والأخبار التي ليست لها صحة، وفي " جوامع الفقه ": يكره التعليم فيه بأجر، وكذا كتابة المصحف بأجر والخياطة، وقيل: إن كان الخياط يحفظ المسجد فلا بأس بأن يخيط فيه ولا يستطرقه إلا لعذر، ويكره على سطحه ما يكره فيه. م: (ويكره له الصمت) ش: أي ترك التحدث مع الناس، قال الإمام حميد الدين الضرير: إنما يكره الصمت إذا اعتقده قربة، أما إذا لم يعتقده قربة فلا يكره لقوله ﵊: «من صمت نجا» رواه عبد الله بن عمر- ﵄ وقال الكاكي: قيل معنى الصمت النذر بأن لا يتكلم أصلا كما كان في شريعة من قبلنا وقيل: أن يسكت ولا يتكلم أصلا، قاله الإمام بدر الدين خواهر زاده. م: (لأن صوم الصمت ليس بقربة في شريعتنا) ش: قالوا: إن صوم الصمت من فعل المجوس وروى أبو حنيفة عن أبي هريرة ﵁ «أنه ﵊ نهى عن صوم الوصال وصوم الصمت» وعن ابن عباس ﵁ «عن النبي ﷺ أنه أمر رجلاً نذر أن يقوم في الشمس ولا يتكلم ولا يستظل ويصوم، أن يجلس ويستظل ويتكلم» رواه البخاري. وعن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل» . رواه أبو داود، وفي " المغني ": الصمت عن الكلام ليس من شريعة الإسلام، وأجازه أبو ثور وابن المنذر. م: (لكنه يتجانب ما يكون مأثما) ش: متصل بقوله: يكره له الصمت، يعني يتحدث بما شاء بعد أن لا يكون في كلامه مأثم، والمأثم بمعنى الإثم. [ما يحرم على المعتكف] م: (ويحرم على المعتكف الوطء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] [البقرة: الآية ١٨٧] ) ش: قيل: كيف [.....] للمعتكف الوطء، أجيب بأنه يجوز له الخروج للحاجة، فعند ذلك أيضاً يحرم الوطء عليه لما أن اسم المعتكف لا يزول عنه بذلك الخروج، وفي " شرح النازلات " كانوا يخرجون ويقضون حاجتهم في الجماع ثم يغتسلون فيرجعون إلى

стр. 1970

وكذا اللمس، والقبلة، لأنه من دواعيه، فيحرم عليه؛ إذ هو محظوره كما في الإحرام بخلاف الصوم، لأن الكف ركنه لا محظوره، فلم يتعد إلى دواعيه. ــ [البناية] معتكفهم فنزل ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] .... الآية وسواء كان الوطء بالليل أو بالنهار عامداً كان أو ناسيا، وبه قال مالك وأحمد وسواء كان في المسجد أو خارجه. وعند الشافعي ﵁: إن كان ناسياً لاعتكافه أو جاهلاً بتحريمه لم تبطل على المذهب، وبه قال داود، ونقل المزني عن الشافعي أن الاعتكاف لا يفسده الوطء؛ إلا ما يوجب الحد، وقال إمام الحرمين: يقتضي هذا أن لا يفسد بالوطء في الدبر ووطء البهيمة إذ لم يوجب فيهما الحدود، وعلى إمام الحرمين فقال النووي: المذهب المشهور أن الاعتكاف يفسد بكل وطء سواء فيه المرأة أو البهيمة أو اللواط وغيره. م: (وكذا اللمس والقبلة) ش: أي وكذا يحرم لمس زوجته وقبلته إياها، وفي بعض النسخ ويكره له المس. وقال الشافعي ﵁: إذا كان اللمس بغير شهوة لا يمنع. وفي " خزانة الأكمل ": اللمس والقبلة إن كان معهما إنزال يفسد اعتكافه، وبدون الإنزال لا يفسد، وإن نظر فأنزل أو تفكر فأنزل أو احتلم لا يفسد. وفي " المحيط " و " البدائع " و " التحفة " و " المنافع " قالوا: يحرم عليه اللمس والقبلة إن كان معهما إنزال، ولم يشترطوا فيهما الشهوة، وفي العبد إن نظر إلى امرأته بشهوة فأمنى لا يفسد بل يغتسل ويعود إلى معتكفه. وفي المرغيناني: يكره للمعتكف المباشرة الفاحشة، وإن أمن على نفسه. ولا يكره للصائم إذا أمن، وهذا يدل على أن اللمس من غير شهوة لا يحرم على المعتكف، وإن أطلقوا الحرمة في الكتب المشهورة، وعن ابن سماعة أنه ذكر عن بعض أصحابنا أن جماع الناسي لا يفسد الاعتكاف، لأنه فرع الصوم. م: (لأنه) ش: أي لأن في اللمس والقبلة م: (من دواعيه) ش: أي من دواعي الوطء م: (فيحرم عليه إذ هو محظوره) ش: أي إذ الوطء محظور الاعتكاف م: (كما في الإحرام) ش: أي كما هو محظور في حالة الإحرام، والحظر في اللغة المنع، وكثيراً ما يراد به الحرام، يقال حظرت الشيء إذا حرمته م: (بخلاف الصوم) ش: جواب عن سؤال مقدر بأن يقال: الجماع يفسد الصوم، كما أنه يفسد الاعتكاف فأجاب بقوله - بخلاف الصوم -. م: (لأن الكف) ش: أي عن الجماع م: (ركنه) ش: أي ركن الصوم م: (لا محظوره، فلم يتعد إلى دواعيه) ش: أي فلم يتعد حكم الحرمة من الوطء إلى دواعي الوطء، تقدير هذا الموضع أن الجماع محظور في الاعتكاف بالنص، بخلاف الصوم، فإن التقبيل واللمس لا يحرم بالصوم، لأن الجماع ليس بحرام في الصوم، لكن الكف عن الجماع ركن فيه، وحرمة الجماع

стр. 1971

فإن جامع ليلا، أو نهارا عامدا، أو ناسيا بطل اعتكافه لأن الليل محل الاعتكاف بخلاف الصوم، وحالة العاكفين مذكرة فلا يعذر بالنسيان. ولو جامع فيما دون الفرج فأنزل، أو قبل، أو لمس فأنزل بطل اعتكافه؛ لأنه في معنى الجماع حتى يفسد به الصوم ــ [البناية] إنما ثبت لفوات الركن ضرورة وجوب الكف، فلم تتعد الحرمة إلى دواعيه إلا إذا خاف الوقوع في الجماع، وفي " الأم " اعتكاف الركن هو اللبث لا الكف عن الجماع فكان الجماع من محظورات اللبث، بدليل أن الحرمة تثبت النهي. بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] [البقرة: ١٨٧] ، وموجب النهي الحرمة أي دواعيه لأنه من توابع المحظورات كما في الإحرام. م: (فإن جامع) ش: أي المعتكف م: (ليلا، أو نهارا) ش: أي في الليل أو النهار حالة كونه م: (عامدا) ش: أي قاصداً م: (أو ناسيا) ش: أي أو جامع حال كونه ناسياً م: (بطل اعتكافه) ش: وبه قال مالك وأحمد، وسواء فيه أنزل أو لم ينزل. وقال الشافعي ﵁: إذا جامع ناسياً لا يبطل اعتكافه، روى ابن سماعة عن أصحابنا مثله. م: (لأن الليل محل الاعتكاف بخلاف الصوم) ش: أراد بهذا بيان أن كل ما كان من محظورات الاعتكاف لا يختلف فيه حكم السهو والعمد، والليل والنهار، ولهذا إذا جامع يفسد اعتكافه سواء جامع ليلاً أو نهاراً أو ناسيا، ولكل ما كان من محظورات الصوم مختلف فيه حكم السهو والعمد، والليل والنهار، ولهذا إذا أكل أو شرب ليلاً عامدا أو ناسيا لا يضره، ولو أكل في النهار ناسيا لا يضره، وكذا لو جامع في النهار ناسيا لا يفسد صومه، وإن أفسد الاعتكاف، ولو أكل في النهار عامدا يفسد الاعتكاف بفساد صومه. م: (وحالة العاكفين مذكرة فلا يعذر بالنسيان) ش: أشار بهذا الكلام إلى الفرق بين الصوم والاعتكاف، وهو أن المعتكف اقترن به ما يذكره وهو حالة العكوف فلا ينسى بالنسيان عادة، ولا يعذر بالنسيان، والصائم لم تقترن به حالة تذكره فيعذر بالنسيان، وهو أيضاً جواب عن سؤال مقدر، يقال: الاعتكاف فرع على الصوم، والفرع ملحق بالأصل في حكمه فلو جامع ناسياً في رمضان لم يفسد الصوم، فكيف يفسد الاعتكاف، فأجاب بقوله: وحالة العاكفين مذكرة. م: (ولو جامع) ش: أي المعتكف م: (فيما دون الفرج) ش: مثل البطن والفخذ م: (فأنزل، أو قبل، أو لمس فأنزل بطل اعتكافه؛ لأنه في معنى الجماع حتى يفسد به الصوم) ش: لأنه إنزال بمباشرة فصار كالإنزال بالوطء من حيث قضاء الشهوة، وللشافعي فيه ثلاثة أقوال. أحدها: أنه لا يفسد اعتكافه وإن أنزل، كما لا يفسد الإحرام بها وإن أنزل، فإنهما متقاربان في المعنى؛ لأن كل واحد منهما يدوم الليل، والنهار.

стр. 1972

ولو لم ينزل لا يفسد، وإن كان محرما؛ لأنه ليس في معنى الجماع، وهو المفسد، ولهذا لا يفسد به الصوم. قال: ومن أوجب على نفسه اعتكاف أيام لزمه اعتكافها بلياليها؛ لأن ذكر الأيام على سبيل الجمع يتناول ما بإزائها من الليالي، يقال: ما رأيتك منذ أيام، والمراد بلياليها، وكانت متتابعة، وإن لم يشترط التتابع؛ لأن مبنى الاعتكاف على التتابع، لأن الأوقات كلها قابلة له بخلاف الصوم؛ لأن مبناه على التفرق، لأن الليالي غير قابلة للصوم فيجب على التفرق حتى ينص على التتابع، وإن نوى الأيام خاصة، صحت نيته لأنه نوى الحقيقة. ــ [البناية] والثاني: أن يفسد بها الاعتكاف وإن لم ينزل، وبه قال مالك ﵁. والثالث: مثل قولنا، وبه قال المزني وأصحاب أحمد. م: (ولو لم ينزل لا يفسد، وإن كان محرما؛ لأنه ليس في معنى الجماع، وهو المفسد) ش: أي الجماع هو المفسد م: (ولهذا لا يفسد به الصوم) ش: أي ولأجل أن التقبيل أو اللمس من غير إنزال لا يفسد به الصوم، لأنه ليس في معنى الجماع. [حكم من أوجب على نفسه اعتكاف يومين أو أيام] م: (ومن أوجب على نفسه اعتكاف أيام) ش: نحو أن يقول: لله علي أن أعتكف ثلاثة أيام م: (لزمه اعتكافها بلياليها؛ لأن ذكر الأيام على سبيل الجمع يتناول ما بإزائها من الليالي، يقال: ما رأيتك منذ أيام، والمراد بلياليها) ش: لأن ذكر أحد العددين على طريق الجمع ينتظم ما بإزائه من العدد، ألا ترى إلى قصة زكريا ﵇، حيث قال: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] [آل عمران: آية ٤١] ، وقال: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] [مريم: آية ١٠] ، والقصة كانت واحدة. م: (وكانت) ش: أي الأيام م: (متتابعة، وإن لم يشترط التتابع؛ لأن مبنى الاعتكاف على التتابع) ش: لوجوده في اليوم والليلة م: (لأن الأوقات كلها قابلة له) ش: أي للاعتكاف قوله: - كلها - بالنصب لأنه توكيد الأوقات، وخبر أن قوله - قابلة - وبقولنا قال: مالك وأحمد، ولأحمد في نذر الصوم المطلق روايتان في وجوب التتابع. وقال زفر والشافعي: هو بالخيار إن شاء تابع وإن شاء فرق كالنذر بالصوم. م: (بخلاف الصوم؛ لأن مبناه على التفرق، لأن الليالي غير قابلة للصوم فيجب على التفرق حتى ينص على التتابع) ش: نحو أن يقول: لله علي أن أصوم شهراً متتابعاً يلزمه التتابع، وإذا قال لله عليه أن أصوم شهراً يكون له الخيار إن شاء تابع وإن شاء فرق، لأن التفريق فيه أصل لوجوده في النهار خاصة. م: (وإن نوى الأيام خاصة صحت نيته؛ لأنه نوى الحقيقة) ش: أي حقيقة كلامه إذ اليوم اسم لبياض النهار.

стр. 1973

ومن أوجب على نفسه اعتكاف يومين يلزمه بلياليهما. وقال أبو يوسف ﵀: لا تدخل الليلة الأولى؛ لأن المثنى غير الجمع، وفي المتوسطة ضرورة الاتصال. ــ [البناية] فإن قيل: الحقيقة منصرف اللفظ بدون قرينة ونية، فما وجه قوله: لأنه نوى الحقيقة؟ أجيب: كأنه اختار ما ذهب إليه بعضهم أن اليوم مشترك بين بياض النهار، ومطلق الوقت واحد، ومعنى المشترك يحتاج إلى ذلك لتعيين الدلالة لا لنفس الدلالة، وعلى تقدير أن يكون مختاره ما عليه الأكثرون، وهو أنه مجاز في مطلق الوقت، فجوابه أن ذكر الأيام على سبيل الجمع صارف له عن الحقيقة فيحتاج إلى النية دفعاً للصارف عن الحقيقة لا للدلالة. م: (ومن أوجب على نفسه اعتكاف يومين يلزمه بلياليهما) ش: هذا ظاهر الرواية؛ لأن الليلتين تتناولان يومهما عرفاً، يقال: أرك منذ ليلتين، فيدخل الغروب في اليوم الثاني، ولو نذر اعتكاف [ليلة لا يصح لأنه لا يتناول يومها، والليلة ليست بمحل للصوم، وإذا نذر اعتكاف] يوم صح. م: (وقال أبو يوسف ﵀: لا تدخل الليلة الأولى؛ لأن المثنى غير الجمع) ش: كون المثنى غير الجمع ظاهر، ولما كان كذلك كان لفظ المثنى ولفظ المفرد سواء، ولو قال: علي أن أعتكف يوماً لم تدخل ليلته بالاتفاق، فكذا في التثنية. م: (وفي المتوسطة) ش: أي في الليلة المتوسطة وهي الليلة الوسطى م: (ضرورة الاتصال) ش: يعني اتصال البعض الآخر بالبعض، وهذه الضرورة لم توجد في الليلة الأولى قيل: إن أبا يوسف ترك أصله لأن المثنى له حكم الجمع عنده كما في مسألة الطريق ومحاذاة النساء، وجوابه يحتمل أن يكون روايتان في أن المثنى له حكم الجمع أم لا. وقال الأكمل: فإن قيل: لما كان المثنى غير الجمع وجب أن لا يكتفى في الجمعة بالاثنين سوى الإمام، وقد اكتفي بالاثنين كما تقدم في باب الجمعة. أجيب: بأن الأصل ما ذكرت ها هنا بأن العمل فيه بأوضاع الوحدان والجمع، إلا أني وجدت في الجمعة معنى لم يوجد في غيرها، وهو أنه إنما سميت جمعة لمعنى الاجتماع، وفي الجماعة والتثنية ذلك، فإن كانت التثنية في تحقيق معنى الاجتماع كالجمع، فاكتفيت بها، انتهى. قلت: كلامه بهذه العبارة يوهم أنه هو القائل بما قاله حيث أسنده إلى نفسه وليس كذلك، فإن القائل لهذا هو أبو يوسف ﵀ حيث قال في " النهاية ": وأما أبو يوسف فيقول كان من حق حكم التثنية أن يغاير حكم الجمع في كل موضع، لأن فيه عملاً بالأوضاع وهو وحدان وتثنية وجمع، إلا أني قد وجدت في الجمعة، فذكره إلى آخر ما ذكره الأكمل.

стр. 1974

وجه الظاهر: أن في المثنى معنى الجمع، فيلحق به احتياطا لأمر العبادة، والله أعلم. ــ [البناية] وقال صاحب " النهاية ": قوله: قال أبو يوسف ﵀: لا تدخل الليلة الأولى كان من حقه أن يقال: عن أبي يوسف ﵀ كما هو المذكور بلفظ عن في نسخ شروح " المبسوط " و " الجامع الكبير ". م: (وجه الظاهر) ش: أشار به إلى أن ما ذكره أبو يوسف خلاف الظاهر م: (أن في المثنى معنى الجمع، فيلحق به) ش: أي بالجمع (احتياطا) ش: أي لأجل الاحتياط م: (لأمر العبادة) ش: أي لأجل أمر العبادة، وفيه إشارة إلى أن أبا حنيفة ومحمدا لم يلحقا المثنى بالجمع في الجمعة لعدم الاحتياط في ذلك؛ لأن الاحتياط في الخروج عن عهدة ما عليه يتعين، وذلك في الإلحاق غير معين لأن الجماعة شرط على حدة بالاتفاق، وفي كون التثنية بمعنى الجمع تردد لتجاذب المفرد والجمع، إذ هي بينهما في اشتراط الجمع لا تردد في الخروج، فكان شرطاً، وأما في الاعتكاف ففي إلحاقه بالجمع خروج عنهما بيقين، لأن إيجاب ليلتين مع يومين أحوط من إيجاب يومين بليلة فافهم.

стр. 1975

كتاب الحج الحج واجب على الأحرار البالغين العقلاء الأصحاء إذا قدروا على الزاد والراحلة فاضلا عن المسكن، وما لا بد منه، وعن نفقة عياله إلى حين عوده، وكان الطريق آمنا. ــ [البناية] [كتاب الحج] [حكم الحج] م: (كتاب الحج) ش: أي هذه كتاب في بيان أحكام الحج، وإنما ذكره آخراً رعاية للترتيب بين العبادات الأربعة، أما الصلاة فإنها عماد الدين، وهي عبادة متكررة فذكرت أولاً وأما الزكاة فلأنها تالية للصلاة، أما الصوم فلأنه عبادة بدنية خاصة كالصلاة، وأما الحج فلأنه عبادة مركبة من البدن والمال، وأخر عن الصوم، لأن الفرد قبل المركب، ولأن الصوم يتكرر دون الحج، والاحتياج إليه أكثر، وذكر الأترازي ها هنا ما ذكره الناس، ثم قال: هذا ما أملاه خاطري في وجه المناسبة في هذا المقام، ونسبة الشخص شيئاً لنفسه مع كونه مسبوقاً به لا يحتج به، والحج في اللغة: القصد بفتح الحاء وكسرها. وفي الشريعة: عبارة عن قصد مخصوص إلى مكان مخصوص على وجه التعظيم في أوان مخصوص، وذكر بعض العلماء كتاب المناسك عوض الحج؛ منهم الطحاوي والكرخي وصاحب " الإيضاح "، والمناسك جمع منسك بفتح السين بمعنى النسك، وهو كل ما يتقرب به إلى الله تعالى لكنه اختص في العرف بأفعال الحج والعمرة، والحج من الشرائع القديمة. وروي أن آدم ﵊ لما حج تلقته الملائكة، وقالت: بر حجك فإننا قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. وقال تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] الآية م: (الحج: الآية: ٢٧) . وعن ابن عباس ﵁ كانت الأنبياء، - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يحجون مشاة حفاة، وإبراهيم وإسماعيل - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حجا ماشيين، وعنه ﷺ : «كان النبي من الأنبياء إذا هلك قومه لحق مكة يعبد الله تعالى حتى يموت» ، وكذا من معه فمات فيها نوح وهود وصالح وشعيب - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وقبورهم بين زمزم والحجر، ونوح ﵇ حج قبل الطوفان أيضاً، وكل نبي، بعد إبراهيم ﵇ قد حج. قال م: (الحج واجب على الأحرار البالغين العقلاء الأصحاء إذا قدروا على الزاد والراحلة فاضلا عن المسكن، وما لا بد منه، وعن نفقة عياله إلى حين عوده، وكان الطريق آمنا) ش: هذا كله عبارة القدوري بعينها ذكرها المصنف ثم شرحها كلمة كلمة، وذكر الشراح كلهم أن المصنف ذكرها بلفظ الجمع، فقال: على الأحرار البالغين العقلاء الأصحاء، وذكر في الزكاة بلفظ الواحد، فقال: الزكاة واجبة على الحر العاقل المسلم، ثم أجابوا عن ذلك بناء على عادات الناس أنهم

стр. 1976

وصفه بالوجوب وهو فريضة محكمة ثبتت فرضيتها بالكتاب وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿ولله على النّاس حجّ البيت﴾ [البقرة: ٩٧] [الآية ٩٧ آل عمران] . ــ [البناية] يؤدون الحج في الغالب بجمع عظيم، وأما الزكاة واجبة فلأن كل واحد يؤدي زكاة ماله بلا اجتماع. قلت: هذا الجواب والسؤال في عبارة القدوري ﵀ لأن المصنف ﵀ نقل عبارته على هذا الوجه ولم يقل من عنده. وجواب آخر في عبارة القدوري أن الألف واللام إذا دخلا على الجمع يبطل معنى الجمع، ويراد به الجنس. م: (وصفه بالوجوب) ش: أي وصف القدوري الحج بلفظ الوجوب والضمير المرفوع في وصفه يرجع إلى القدوري، والمفهوم من كلام الشراح أنه يرجع إلى المصنف، وليس كذلك، وقال وصفه بالوجوب وسكت اكتفاء بما ذكره في أول كتاب الزكاة بقوله - والمراد بالواجب الفرض لأنه لا شبهة فيه - على أنه أشار إلى هذا أيضاً بقوله م: (وهو فريضة محكمة ثبتت فرضيتها بالكتاب) ش: لأن قوله - ثبتت - فيه تلميح إلى أن معنى الوجوب الثبوت بالكتاب، ولا يكون الثابت بالكتاب إلا الفرض. م: (وهو) ش: أي الكتاب م: (قَوْله تَعَالَى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [البقرة: ٩٧] [آل عمران: الآية: ٩٧] ) ش: فيه وجوه من التأكيد منها قوله: على الناس، وكلمة على الإلزام، أي حق واجب في رقاب الناس، ومنها أنه ذكر الناس ثم أبدل من استطاع إليه سبيلاً بدون تكرير العامل، وفي هذا الإبدال من التأكيد، أحدهما: أن الإبدال تنبيه على المراد، والثاني: أنه إيضاح بعد الإبهام، وتفصيل بعد الإجمال. ومنها قوله ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ [البقرة: ٩٧] : م: (آل عمران: الآية: ٩٧) ، فكان قوله ومن لم يحج - تغليظاً على تارك الحج، وكذلك قال ﷺ : «من مات ولم يحج» .... الحديث كذا قاله الكاكي. فإن قلت: روى الترمذي من حديث علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعاً: «من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً» . وقال الترمذي: غريب، وفي إسناده مقال، وقد روي عن علي موقوفاً. ومنها ذكر الاستغناء، وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان. ومنها قوله: ﴿فإن الله غني عن العالمين﴾ [البقرة: ٩٧] م: (آل عمران: الآية: ٩٧) ولم يقل عنه لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة، وقيل: إنما قال على الناس ولم يقل على المؤمنين، لأن هذا الحج غير

стр. 1977

ولا يجب في العمر إلا مرة واحدة؛ «لأنه ﵊ قيل له: الحج في كل عام أم مرة واحدة؟ فقال: " لا بل مرة فما زاد فهو تطوع» ؛ ولأن سببه البيت، ولأنه لا يتعدد فلا يتكرر الوجوب. ــ [البناية] واجب على الملائكة مع شمول اسم المؤمنين لهم، وليدل على عدم اختصاصه بهذه الأمة بحسب الظاهر. م: (ولا يجب في العمر إلا مرة واحدة؛ لأنه ﵊) ش: أي لأن النبي ﷺ : م: (قيل له: الحج في كل عام أو مرة واحدة؟ فقال: " لا بل مرة واحدة فما زاد فهو تطوع) ش: هذا الحديث رواه أبو داود وابن ماجه في سننهما " عن سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي سفيان يزيد بن أمية عن ابن عباس ﵄ «أن الأقرع بن حابس ﵁ سأل رسول الله ﷺ : فقال يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة فقال لا بل مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع» . ورواه الحاكم في " مستدركه "، وقال حديث صحيح الإسناد، إلا أنهما لم يخرجاه لسفيان ابن حسين وهو من الثقات. م: (ولأن سببه) ش: أي سبب الحج م: (البيت) ش: أي الكعبة م: (ولأنه لا يتعدد فلا يتكرر الوجوب) ش: وقد علم أن السبب إذا لم يتكرر لا يتكرر المسبب، وإنما كان سببه البيت لإضافته إليه يقال حج البيت والإضافة دليل السببية، وقال الكرماني في " مناسكه " وعن بعض الناس يجب في كل سنة، وهو مردود. وقال ابن العربي في " العارضة " يجب في العمر مرة واحدة بإجماع الأمة إلا من شذ، فقال يجب في كل خمسة أعوام ومتعلقه ماروي عنه ﵊ أنه قال: «على كل مسلم في خمسة أعوام أن يأتي بيت الله الحرام» . قال ابن العربي: قلنا رواية هذا الحديث حرام فكيف العمل به، وقال السروجي ﵀ ورد ما يدل على استحباب ذلك دون وجوبه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : قال: «قال الله : إن من صححته ووسعت عليه ولم يزرني من كل خمسة أعوام عاماً لمحروم» أخرجه أبو ذر الهروي وأبو بكر بن أبي شيبة وسعيد بن منصور، ويروى أربعة أعوام أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ ولفظه «أن الله تعالى يقول: إن عبداً أصححت له جسمه وأوسعت عليه في المعيشة تمضي عليه أربعة أعوام لا يعود إلي لمحروم» وقال ابن وضاح: يريد في الحج.

стр. 1978

ثم هو واجب على الفور عند أبي يوسف ﵀، وعن أبي حنيفة ﵀ ما يدل عليه. وعند محمد والشافعي - رحمهما الله - على التراخي؛ لأنه وظيفة العمر، فكان العمر فيه كالوقت في الصلاة. وجه الأول: أنه يختص بوقت خاص، والموت في سنة واحدة غير نادر فيضيق احتياطا. ــ [البناية] [شروط وجوب الحج] [ البلوغ والحرية من شروط وجوب الحج] [ حج العبد والصبي] م: (ثم هو) ش: أي الحج م: (واجب على الفور عند أبي يوسف) ش: وبه قال أحمد، وفي " البدائع " و " التحفة " عن الكرخي أنه على الفور، والإمام أبو منصور الماتريدي يحمل الأمر المطلق على الفور. ومعنى يجب على الفور يعني عند استجماع شرائط الوجوب يتعين العام الأول عند أبي يوسف ﵀ حتى يأثم بالتأخير عنه، والمراد من الفور أن يلزم المأمور فعل المأمور به في أول أوقات الإمكان مستعار للسرعة من فارت القدر فوراً إذا غلت. م: (وعن أبي حنيفة ﵀ ما يدل عليه) ش: أي وروي عن أبي حنيفة ﵀ ما يدل على أنه على الفور مثل قول أبي يوسف، وهو ما قاله ابن شجاع كان أبو حنيفة ﵁ يقول: من كان عنده ما يحج به وكان يريد التزوج فإنه يبدأ بالحج: لأنه فريضة، وهذا يدل أنه على الفور، وفي " المحيط " و " المرغيناني " و " الكرماني " أن أصح الروايتين عن أبي حنيفة ﵁ أنه على الفور، وفي " قنية المنية " يجب مضيقاً على المختار، وفي الأداء يرتفع الإثم. م: (وعند محمد والشافعي - رحمهما الله - على التراخي) ش: وبه قال أبو حنيفة في رواية، وذكر الإمام علي بن موسى العمي أنه على التراخي، ولم يعزه إلى أحد وهو من عظماء أصحابنا، وله تصنيف في نقض مذهب الشافعي، وذكر أبو عبد الله البلخي أنه قال على التراخي عن أصحابنا جميعاً، وفائدة الخلاف أنه يأثم بالتأخير عند أبي يوسف ولا يأثم بالتأخير عند محمد ﵀، ومعنى قول محمد على التراخي أن العام الأول يتعين، لكن عند محمد ﵀ يسعه التأخير بشرط أنه لا يفوته بالموت، وإذا مات عنه أثم، وعند الشافعي لا يأثم، وقال بعض أصحابه يأثم بالتأخير عن السنة الأولى إذا مات فيها. وقال بعضهم: يأثم بالتأخير عن السنة التي مات فيها. م: (لأنه) ش: أي لأن الحج م: (وظيفة العمر) ش: ألا ترى أنه لو أداه في السنة الثانية كان مؤدياً لا قاضياً م: (فكان العمر فيه كالوقت في الصلاة) ش: لأنه إذا أخر الصلاة إلى آخر الوقت يجوز، وكذا إذا أخر الحج إلى آخر العمر بشرط أن لا يفوته. م: (وجه الأول) ش: وهو قول أبي يوسف ﵀ م: (أنه يختص بوقت خاص) ش: وهو أشهر الحج من كل عام، وكل ما اختص بوقت خاص، وقد فات عن وقته لا يدرك إلا بإدراك الوقت بعينه وإلا لا يكون مختصاً به، وذلك مدة طويلة تستوي فيه الحياة م: (والموت في سنة واحدة) ش: مشتملة على الفصول الأربعة [....] م: (غير نادر فيضيق احتياطا) ش: لا تحقيقاً

стр. 1979

ولهذا كان التعجيل أفضل، بخلاف وقت الصلاة؛ لأن الموت في مثله نادر، وإنما شرط الحرية والبلوغ؛ لقوله ﵊: «أيما عبد حج، ولو عشر حجج، ثم أعتق فعليه حجة الإسلام، وأيما صبي حج عشر حجج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام» . ولأنه عبادة، والعبادات ــ [البناية] م: (ولهذا) ش: أي ولأجل الاحتياط م: (كان التعجيل أفضل) ش: اتفاقاً. م: (بخلاف وقت الصلاة) ش: جواب عن قوله: كالوقت في الصلاة م: (لأن الموت في مثله نادر) ش: يعني لأن الموت في مثل وقت الصلاة فجأة نادر م: (وإنما شرط البلوغ والحرية؛ لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «أيما عبد حج، ولو عشر حجج، ثم أعتق فعليه حجة الإسلام وأيما صبي حج ولو عشر حجج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام» ش: هذا الحديث رواه الحاكم في " مستدركه " من حديث محمد بن المنهال، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما صبي حج ثم بلغ الحدث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى» وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. فإن قلت: رواه البيهقي في " سننه " ثم قال: الصواب وقفه، تفرد برفعه محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع عن شعبة، ورواه غيره عن شعبة موقوفاً. قلت: قال الشيخ: رواه الإسماعيلي في جمعه لحديث سليمان الأعمش عن الحارث بن شريح أبي عمر، ويقال: الخوارزمي عن يزيد بن زريع به مرفوعاً فزال التفرد، وليس في رواية الحاكم عشر حجج، وذكر هذا فيه لبيان الكثرة؛ لأن العشر منتهى الآحاد، لا لبيان انحصار الحكم عليها. وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم إلا من لا يعتد بخلافه أن الصبي والعبد لا يعتبر حجهما في حجة الإسلام، فإذا بلغ الصبي، وأعتق العبد ووجد إليه سبيلاً يجب عليهما، هكذا قاله ابن عباس ﵄، وعطاء، والنخعي، والثوري، ومالك، والشافعي، وابن حنبل، وأبو ثور، والأعرابي محمول على أنه حج قبل إسلامه ثم أسلم وهاجر وحج بعده، وإنما أوجب عليه الإعادة لأنه كان جاهلا بأحكام الحج وكانوا يحجون في ذي القعدة ولا يعتد به. م: (ولأنه) ش: أي ولأن الحج م: (عبادة، والعبادات بأسرها موضوعة عن الصبيان) ش:

стр. 1980

بأسرها موضوعة عن الصبيان، والعقل شرط لصحة التكليف، وكذا صحة الجوارح؛ لأن العجز دونها لازم، والأعمى إذا وجد من يكفيه مؤنة سفره ووجد زادا وراحلة لا يجب عليه الحج عند أبي حنيفة ﵀ خلافا لهما، وقد مر في كتاب الصلاة، وأما المقعد، فعن أبي حنيفة ﵀ أنه يجب عليه ــ [البناية] لارتفاع القلم عنهم إلى وقت البلوغ، وأما العبد فإنه يجب عليه الصلاة والصوم، ولا يجب الحج لأن الحج لا يتأدى بدون المال غالباً، ولا يملك العبد شيئا وإن ملك، وفي الصلاة والصوم نفي عن أصل الحرية م: (والعقل شرط لصحة التكليف) ش: هذا لبيان قوله العقلاء، وقوله: م: (وكذا صحة الجوارح) ش: لبيان قوله: الأصحاء، أي: وكذا صحة الجوارح شرط؛ لأنه لا تكليف بدون الوسع، ولهذا لا يجب على من لا صحة له في جوارحه كما بينته الآن مفصلاً م: (لأن العجز دونها لازم) ش: أي دون الصحة؛ لازم والعاجز لا يجب عليه إلا في ماله إذا كان له مال مقدار ما يحج به وعنه غيره. [حكم حج الأعمى والمقعد] م: (والأعمى إذا وجد من يكفيه مؤنة سفره ووجد زادا وراحلة لا يجب عليه الحج عند أبي حنيفة ﵁) ش: وبه قال مالك، وأراد بمؤنة سفره: من يقوده إلى الحج، وأراد بالزاد الذي يكفيه ذهاباً وإياباً، وبالراحلة النجيب أو النجيبة من الإبل، ولا يشترط الراحلة في أهل مكة ومن حولها، وقيل: يشترط لأن المشي إلى عرفة أربعة فراسخ، وفيه: حرج ولا يجب عليه الحج في قوله المشهور، وذكر الحاكم الشهيد في " المنتقى " أنه يلزمه، وفي " فتاوى قاضي خان "، و " الذخيرة "، أما لو وجد الأعمى زاداً وراحلة، ولم يجد قائداً لا يلزمه الحج بنفسه في قولهم، وهل يجب الإحجاج عنه بالمال عند أبي حنيفة لا يجب وعندهما يجب. م: (خلافا لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد فإنه يجب عليه عندهما، وذكر شيخ الإسلام يلزمه قياساً على الجمعة، وبقولهما قال الشافعي، وأحمد م: (وقد مر في كتاب الصلاة) ش: أي وقد مر الكلام في هذه المسألة في كتاب الصلاة في باب الجمعة. م: (وأما المقعد، فعن أبي حنيفة أنه) ش: أي الحج م: (يجب عليه) ش: وبه قال الشافعي، وأحمد، وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵄، والمشهور عنه خلاف ذلك، وفي " المفيد ": لا يجب على الصبي، والعبد، والمجنون، والكافر، والمقعد، والزمن، والأعمى، والمريض، والمحبوس، ومن لا يملك الزاد والراحلة، فإن وجد الأعمى قائداً، أو المقعد، والزمن من يحمله إما بملك أو إعارة، أو إجارة لا يجب عليه عند أبي حنيفة، وعندهما يجب على الأعمى دون المقعد والزمن، وفي " مناسك الكرماني ": لا يجب على المعضوب بالعين المهملة، والضاد المعجمة وهو الذي لا يستمسك على الراحلة إلا بمشقة وكلفة عظيمة من كبر سن، أو ضعف بين، أو معللة الشلل والفالج، أو مقطوع اليدين أو الرجلين، أو كان

стр. 1981

لأنه يستطيع بغيره، فأشبه المستطيع بالراحلة، وعن محمد ﵀ أنه لا يجب لأنه غير قادر على الأداء بنفسه، بخلاف الأعمى لأنه لو هدي يؤدي بنفسه فأشبه الضال عنه، ولا بد من القدرة على الزاد والراحلة، وهو قدر ما يكتري به شق محمل، أو رأس زاملة، وقدر النفقة ذاهبا وجائيا؛ «لأنه ﵊ سئل عن السبيل إليه، فقال: الزاد والراحلة» . ــ [البناية] محبوساً آيساً من الخلاص، وتجب في أموالهم دون أبدانهم. وفي الوبري: لو أحج صاحب العلة غيره ثم زالت يقع تطوعاً، وإن أحج غيره ثم عجز، ومات، لا يجزئه عن حجة الإسلام، ولو حج الفقير [.....] ماشياً سقط عنه حجة الإسلام، حتى لو استغنى بعد ذلك لا يلزمه ثانيا، ولو أحج غيره لا يسقط عنه، وعند الشافعي ﵁ لا يجوز، وعن أحمد روايتان. م: (لأنه يستطيع بغيره، فأشبه المستطيع بالراحلة) ش: أي لأن المقعد يستطيع أن يؤدي أفعال الحج، بأن يحمله شخص فيؤدي المناسك به، فيصير حينئذ كالمستطيع بالراحلة. م: (وعن محمد ﵀ أنه لا يجب لأنه غير قادر على الأداء بنفسه، بخلاف الأعمى لأنه) ش: أي لأن الأعمى م: (لو هدي) ش: على صيغة المجهول، أي لو أرشد م: (يؤدي بنفسه فأشبه الضال عنه) ش: أي فأشبه الأعمى الضال، أي التائه عن الطريق والتهدي إلى المشاعر والمواقيت والمطاف، فإنه يجب الحج عليه؛ لأنه قادر لسلامته لكنه يحتاج إلى مرشد، وكذلك الأعمى حاصله لا يسقط عنه، كما لا يسقط عن الضال. [الاستطاعة من شروط وجوب الحج] [ما تتحقق به الاستطاعة في الحج] م: (ولا بد من القدرة على الزاد والراحلة) ش: هذا شرح قوله في أول الكتاب إذا قدر على الزاد والراحلة، ثم فسر الزاد، والراحلة بقوله: م: (وهو قدر ما يكتري به شق محمل) ش: بفتح الميم الأولى، وكسر الثانية، أي جانبيه؛ لأن له جانبين، ويكفي للراكب أحد جانبيه م: (أو رأس زاملة) ش: الزاملة البعير الذي يحمل عليه المسافر متاعه وطعامه، ومن زمل الشيء إذا حمله، يقال لها: بالفارسية - شبد ماري -. م: (وقدر النفقة) ش: أي ولا بد من قدر النفقة حال كونه م: (ذاهبا وجائيا) ش: يعني ذاهباً إلى مكة وجائياً إلى وطنه حال كونه م: (راكباً) ش: وفي " شرح الطحاوي "، و " روضة الناطفي "، وذاهبا وجائياً وراكباً لا ماشيا بنفقة وسط بلا إسراف ولا تقتير م: (لأنه ﵊) ش: أي لأن النبي ﷺ م: «سئل عن السبيل إليه، فقال: الزاد والراحلة» ش: هذا الحديث روي عن جماعة من الصحابة ﵃ عن ابن عمر ﵄، روى

стр. 1982

وإن أمكنه أن يكتري عقبة فلا شيء عليه، لأنهما إذا كانا يتعاقبان لم توجد الراحلة في جميع السفر. ويشترط أن يكون فاضلا عن المسكن. ــ [البناية] حديثه الترمذي، وابن ماجه عن إبراهيم بن يزيد الخوزي عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومي عن ابن عمر قال: «قام رجل فقال: يا رسول الله من الحاج، فقال: " الشعث التفل "، فقام آخر: فقال: أي الحج أفضل؟ فقال: " العج والثج " فقام آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله؟. قال: " الزاد والراحلة» ، قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه انتهى. قال في " الإمام ": وقال النسائي: متروك، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرة: ليس بثقة، وقال الدارقطني: متروك الحديث، وعن ابن عباس ﵄ روى حديثه ابن ماجه من حديث عكرمة عنه أن النبي ﷺ «الزاد والراحلة، يعني قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [البقرة: ٩٧] » . وأخرجه الدارقطني من طريق أخرى عن ابن عباس قال: «قيل: يا رسول الله الحج كل عام؟ قال: " لا " قيل: فما السبيل إليه؟ قال: " الزاد والراحلة» وعن أنس روى حديثه الحاكم في " مستدركه " عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس «في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [البقرة: ٩٧] (آل عمران: ٩٧) ، قيل: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: " الزاد والراحلة» قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وعن عائشة ﵂ روى حديثها الدارقطني، قالت: «سأل رجل رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ٩٧] ... الآية، قال: " السبيل: الزاد والراحلة» . وعن جابر روى حديثه الدارقطني أيضاً، من حديث عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله بلفظ حديث عائشة ﵃، وعن ابن مسعود ﵁ روى حديثه الدارقطني أيضاً من رواية إبراهيم عن حماد بن أبي سليمان، قال: إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود بنحوه، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص بنحوه. م: (وإن أمكنه أن يكتري عقبة فلا شيء عليه) ش: أي إن أمكن من يريد الحج أن يكتري عقبة، أي ركوبة، وأكثر العقبة أن يكتري رجلان بعيراً واحداً يتعاقبان عليه في الركوب يركب كل واحد مرحلة ويمشي مرحلة، قوله: فلا شيء عليه، أي فلا حج عليه. م: (لأنهما) ش: أي لأن الرجلين اللذين يريدان الحج م: (إذا كانا يتعاقبان لم توجد الراحلة في جميع السفر) ش: والشرط أن تكون الراحلة في جميع السفر م: (ويشترط أن يكون فاضلا عن المسكن) ش: هذا بيان لقوله في أول الكتاب: إذا قدروا على الزاد والراحلة، فاضلاً عن المسكن، أي يشترط أن يكون ما قدروا به من الزاد والراحلة فاضلاً عن مسكنه الذي يسكن فيه.

стр. 1983

وعما لا بد منه كالخادم، وأثاث البيت، وثيابه؛ لأن هذه الأشياء مشغولة بالحاجة الأصلية، ويشترط أن يكون فاضلا عن نفقة عياله إلى حين عوده ــ [البناية] وقال الأكمل: وهو هناك منصوب على الحال من الزاد والراحلة، انتهى. قلت: أخذ الأكمل هذا من كلام صاحب " النهاية "، ولكن ما كمل كلامه، فإنه قال هناك في أول الكلام: فاضلاً عن المسكن حال من الزاد والراحلة سواء، وكان حقه أن يقال: فاضلين لكن أفرده على تأويل كل واحد منهما، انتهى. قلت: الأحسن أن يكون فاضلاً هناك منصوباً على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره إذا قدروا على الزاد والراحلة أن يكون بطريق الملك أو الاستئجار على وجه يفضل قدر ذلك الملك، والاستئجار عن حاجته الأصلية، فإن المال المشغول بالحاجة الأصلية في حكم العدم، فلا يكون به مستطيعاً. وفي " التحفة ": وهذا إذا قدر عليهما، أي على الزاد، والراحلة بطريق الملك لا بطريق الإباحة والعارية، سواء كانت الإباحة من جهته لا منة له، كالوالدين، والمولودين، أو من جهة المنة كالأجانب، وبه قال أحمد، وقال الشافعي ﵁ إن كانت من جهة لا منة له يجب عليه، وإن كان من جهة الأجنبي فله فيه قولان، أما لو وهبه إنسان مالاً ليحج به لا يجب عليه القبول عندنا، وبه قال أحمد والشافعي فيه قولان في " الإيضاح ": ذكر ابن شجاع إذا كان له داراً لا يسكنها، وعبد لا يستخدمه، وما أشبه ذلك يجب عليه أن يبيعه ويحج به ويحرم عليه الزكاة إذا بلغ نصاباً، انتهى. قلت: فكذلك قيد بقوله: فاضلاً عن المسكن. م: (وعما لا بد منه) ش: أي يشترط أيضاً أن يكون الزاد والراحلة فاضلتين عما لا بد منه م: (كالخادم، وأثاث البيت) ش: قال الجوهري: الأثاث متاع البيت كالفرش والبسط وآلات الطبخ ونحو ذلك م: (وثيابه) ش: أي الثياب التي يلبسها هو م: (لأن هذه الأشياء مشغولة بالحاجة الأصلية) ش: والمشغول بالحاجة الأصلية في حكم العدم، وذكر في " فتاوى قاضي خان " فاضلاً عن فرسه وسلاحه، وقال بعض العلماء: إن كان الرجل تاجراً يملك ما لو وقع منه الزاد والراحلة لذهابه وإيابه ونفقة أولاده وعياله من وقت خروجه إلى وقت رجوعه ويبقى بعد رجوعه رأس مال التجارة التي كان يتجر بها كان عليه الحج وإلا فلا. وإن كان حراثاً يملك ما يكفي الزاد والراحلة وتبقى له آلات الحراثين من البقر ونحو ذلك كان عليه الحج، وإلا فلا، هذا كله إذا كان آفاقياً، وأما إن كان مكياً، أو ساكناً بقرب مكة كان عليه الحج، وإن كان فقيرا لا يملك الزاد، والراحلة. م: (ويشترط أن يكون فاضلا عن نفقة عياله) ش: هذا أيضاً بيان لقوله في أول الكتاب، وعن نفقة عياله م: (إلى حين عوده) ش: العيال جمع عيل، كجياد وجيد، كذا في " المغرب "، وذكره

стр. 1984

لأن النفقة حق مستحق للمرأة. وحق العبد مقدم على حق الشرع بأمره. وليس من شرط الوجوب على أهل مكة ومن حولهم الراحلة؛ لأنهم لا تلحقهم مشقة زائدة في الأداء فأشبه السعي إلى الجمعة، ولا بد من أمن الطريق؛ لأن الاستطاعة لا تثبت دونه. ثم قيل: هو شرط الوجوب ــ [البناية] في باب الواو، فيدل على أنه أجوف واوي، يقال: عيال عال عياله عالهم وأنفق عليهم، وعيال الرجل من عليه نفقته، ولكن قول المصنف ﵀ فاضلاً عن نفقة عياله، ثم تعليله بقوله م: (لأن النفقة حق مستحق للمرأة) ش: يدل على أن المراد من عياله هو امرأته. وأيضاً قال: م: (وحق العبد مقدم على حق الشرع بأمره) ش: يدل على ذلك، ولكن ليس المراد من العيال المرأة وحدها، وقد قال قاضي خان ﵀: فاضلاً عن نفقة عياله، وأولاده الصغار، وإنما كان حق المرأة مقدما على حق الشرع يعني على حق الله تعالى في أحكام الدنيا لحاجة العبد، وغنى الله قوله: بأمره، أي بأمر الشرع، والباء تتعلق بقوله: مقدم ولم يقدر النفقة بمدة معلومة؛ لأن مدة السفر تختلف باختلاف المواضع فقدروا ذلك مطلقاً قدر مضيه وعوده. وقال الكاكي: ثم قدر النفقة مرة شهراً، ومرة سنة على حسب اختلاف المسافة، وعن أبي يوسف: ونفقة شهر بعد عوده، قال المرغيناني: ليستريح شهراً عن التكسب، وفي " المحيط ": عن أبي عبد الله، ونفقة يوم بعد رجوعه إلى وطنه؛ لأنه يتعذر عليه التكسب في يوم قدومه، وقال الكرماني ﵀: ويحسب نفقة الحقارة. م: (وليس من شرط الوجوب على أهل مكة ومن حولهم الراحلة؛ لأنهم) ش: أي لأن أهل مكة، وأهل من كانوا حولها م: (لا تلحقهم مشقة زائدة في الأداء فأشبه السعي إلى الجمعة) ش: في عدم اشتراط الراحلة م: (ولا بد من أمن الطريق؛ لأن الاستطاعة لا تثبت دونه) ش: هذا بيان قوله في صدر الكتاب، إذا كان الطريق آمناً، والمراد من أمن الطريق أن يكون الغالب فيه السلامة، ولو كان بينه وبين مكة بحر يلزمه الحج عندنا، ولا يلزمه عند أبي يوسف، والشافعي ﵁. وقال عامة أصحابنا: لا يلزمه ذكره في قاضي خان وغيره، وقيل: إن كان التجارة هو الغالب يجب، وبه قال أحمد، وإسحاق، والإصطخري من أصحاب الشافعي ﵁: والصحيح أنه لا يجب بكل حال، وبه قال بعض أصحاب الشافعي ﵁؛ لأن كل أحد لا يقدر على ركوب البحر والفرات والدجلة، وسيحون، وجيحون أنهار، وليست ببحار، وقال بعض أصحاب الشافعي ﵁ إن كان الرجل ممن يعتاد ركوب البحر كالملاحين وأهل الجزائر لا يمنع الوجوب، وإلا يمنع لصعوبته عليه، وفي " الحلية ": نص في " الأم " أن البحر مانع من الوجوب. م: (ثم قيل: هو) ش: أي الأمن م: (شرط الوجوب) ش: عند البعض، وهو رواية أبي شجاع

стр. 1985

حتى لا يجب عليه الإيصاء، وهو مروي عن أبي حنيفة ﵀. وقيل: هو شرط الأداء دون الوجوب، لأن النبي ﵊ فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة لا غير. ــ [البناية] عن أبي حنيفة أنه شرط الوجوب عند البعض، وهو رواية. وقال الشافعي، والكرخي، وأبو حفص الكبير من أصحابنا م: (حتى لا يجب عليه الإيصاء، وهو مروي عن أبي حنيفة ﵀) ش: هذا ثمرة هذا القول، يعني لما كان أمن الطريق شرط الوجوب لا تجب عليه الوصية بالحج؛ لأنه لم يجب عليه الحج لعدم الشرط وهو الأمن. م: (وقيل: هو) ش: أي أمن الطريق م: (شرط الأداء دون الوجوب) ش: وبه قال أحمد، وهو الصحيح م: (لأنه ﵊ فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة لا غير) ش: يعني لمن يذكر أمن الطريق، فلو كان شرطاً لبينه؛ لأن تأخير البيان عن الحاجة لا يجوز. وفي " الإيضاح ": ثم الفرق بين الزاد والراحلة يتحقق، فإذا عدما لم يثبت الاستطاعة، وأما خوف الطريق فيعجزه عن الأداء بمانع ومعارض، فلا تنعدم الاستطاعة به، واعتبر هذا بالمحبوس، فإن المقيد الممنوع عن الشيء لا يكون نظير المريض لا يقدر وعلى هذا القول يجب عليه الإيصاء. وفي " القنية " و " المجتبى ": قال الوبري: للقادر على الحج أن يمتنع من المكس الذي يؤخذ من القافلة، وبه قال الشافعي ومالك، إن كان يسيراً لزمه، وكذلك لو كان في الطريق خفارة، وقال غير الوبري: يجب الحج، وإن علم أنه يأخذ منه المكس. قال " صاحب القنية "، و " المجتبى ": وعليه الاعتماد، وفي " منية المفتي ": لو قتل بعض الحاج فهو عذر في تركه، وقال نجم الأئمة الحليمي، وأبو الليث: إن كان الغالب في الطريق السلامة تجب، وإن كان خلاف ذلك لا يجب عليه الاعتماد، ذكره في " القنية "، وفي " مناسك الكرماني " ﵀: إن كان الغالب الانهزام، والخوف، وقطع الطريق لا يجب. وفي " البدائع " إن كان بينه وبين مكة بحر حاجز، ولا سفينة ثمة، أو عدو حائل لا يجب. وفي " شرح المهذب " للنووي: شرط الأمن في ثلاثة أشياء، النفس، والمال، والصبغ في حق النساء، ولا يشترط أن يكون كأمن الحضر، بل يشترط أمن يليق بالبادية، ويكره بذل المال للمرصدين في المراصد، ولا يجب الحج مع ذلك، وإن استأجروا من يحضرهم في الطريق وجهان في وجوب الحج. ويخرج للحج بغير إذن والديه إذا كان الطريق آمناً، وفي ركوب البحر لا يخرج إلا بإذنهما، وبإذن أحدهما لا يخرج، وإذا كانا كافرين، أو أحدهما مسلم وكرها خروجه، أو الكافر منهما إن لم يخف الضياع عليه، فإن خافه لا يخرج، وعند عدم الأبوين: الإذن إلى الجدين من قبل أبويه، والجدة من قبل أمه. وسئل الكرخي عمن وجب عليه الحج إلا أنه لا يخرج إلا أن القرامطة تدل على الناس بالبادية، فقال: ما سلمت البادية عن أحد، يعني أن ذلك

стр. 1986

قال: ويعتبر في المرأة أن يكون لها محرم تحج به، أو زوج، ولا يجوز لها أن تحج بغيرهما، إذا كان بينها وبين مكة مسيرة ثلاثة أيام ــ [البناية] ليس بعذر، والبادية لا تخلو عن الآفات كقلة الماء، وشدة الحر، وهيجان ريح السموم، وبه أفتى بعض أصحابنا. وقال أبو القاسم الصفار ﵀: لا أشك في سقوط الحج عن النساء في زماننا، وإنما أشك في سقوطه عن الرجال، والبادية عندي دار الحرب، وعند أبي حنيفة، وأبي عبد الله البلخي: ليس على أهل خراسان حج، وقال أبو بكر الإسكاف ﵀: لا أقول الحج فريضة في زماننا، قاله سنة ست وعشرين وثلاثمائة، وأفتى أبو بكر الرازي ببغداد، قيل: سقط الحج عن الرجال أيضاً في هذا الزمان، وبه قال الوبري، والبرهان الصغير بخوارزم وأبو الفضل الكرماني بخراسان، وعن الشيخ أبي بكر الوراق أنه خرج حاجاً، فلما سافر مرحلة قال لأصحابه: ردوني أرتكب سبعمائة كبيرة في مرحلة واحدة، فردوه. [اشتراط الزوج أو المحرم للمرأة في الحج] م: (قال: ويعتبر في المرأة أن يكون لها محرم تحج به، أو زوج) ش: وفي أكثر النسخ، قال: ويعتبر، أي قال القدوري ﵀: ويعتبر في المرأة.. إلخ، وسواء كانت المرأة شابة، أو عجوزة، قاله في قاضي خان، والولوالجي، وصفة المحرم كل من لا تجوز مناكحتها على التأبيد بأي وجه كانت الحرمة بقرابة أو رضاع أو صهرية؛ لأن الحرمة تزيل التهمة، والعبد والحر والذمي فيه سواء، إلا أن يكون مجوسياً يفسد نكاحها فلا يسافر بها معه، ولا يجب عليها أن تتزوج ليحج معها، كما لا يجب على الفقير اكتساب المال لأجل الحج. وقال محب الدين الطبري: وافق أبو حنيفة في اشتراط المحرم، أو الزوج أصحاب الحديث، وهو قول النخعي، والحسن البصري، وسفيان الثوري، وأبي ثور، وابن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأحد قولي الشافعي، وقال ابن المنذر: والمحرم لها من السبيل، وقال البغوي من الشافعية: المنقول باشتراط المحرم أولى، واتفقوا على أنها لا تخرج بغير محرم في غير الفرض، وقال ابن سيرين: تخرج مع رجل من المسلمين، وقال حماد ﵀: لا بأس أن تسافر مع قوم صالحين بغير محرم. م: (ولا يجوز لها أن تحج بغيرهما) ش: أي بغير المحرم والزوج يعني بغير واحد منهما، ولا يشترط كونهما معاً م: (إذا كان بينها وبين مكة مسيرة ثلاثة أيام) ش: وقيل أقل من ذلك يجوز على ما يجيء عن قريب. قيل: لما سئل النبي ﷺ عن السبيل فسره بالزاد والراحلة، ولم يذكر المحرم، فلو كان شرطاً لذكره. وأجيب: بأن السائل كان رجلا.

стр. 1987

وقال الشافعي ﵀: يجوز لها الحج إذا خرجت في رفقة، ومعها نساء ثقات لحصول الأمن بالمرافقة. ولنا قوله ﵊: «لا تحجن امرأة إلا ومعها محرم» ــ [البناية] وقيل: جاء في الحديث: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» . وأجيب: بأن المراد به حضور الجماعة، ولم يرد الحج، بدليل سياق الخبر، وبيوتهن خير لهن. وقيل: جازت لها الهجرة إلى دار الإسلام بلا محرم، فينبغي أن يجوز الحج. وأجيب: بأن خوفها في القيام في دار الحرب أكثر من خوف الطريق. م: (وقال الشافعي: يجوز لها الحج إذا خرجت في رفقة، ومعها نساء ثقات لحصول الأمن بالمرافقة) ش: وبه قال مالك ﵀، وفي " شرح الوجيز ": هل يشترط أن يكون مع واحدة منهن محرم، فيه وجهان، نعم وبه قال القفال، وأصحهما: لا، وإن لم تجد نساء ثقات لم يكن لها الحج، هذا ظاهر المذهب، ورواه قولان: أحدهما: أن تخرج مع المرأة الواحدة، ذكره في " الإملاء "، واختار جماعة من الأئمة أن عليها أن تخرج وحدها إذا كان آمنا، وحكي هذا عن الكرابيسي، وهو قول الأوزاعي. وأما في حج النفل فالأصح أن لا تخرج مع النساء وحدها، وفي السروجي: وقال الشافعي ﵁ في قول تخرج مع نساء ثقات ولا تخرج مع واحدة وإن أمنت. وفي قول: تخرج مع واحدة، وفي قول: تخرج وحدها، وقال مالك ﵁ في " المدونة ": تخرج بلا محرم مع رجال مؤتمنين، وفي المرأة الواحدة المأمونة لا يشترط المحرم، ولا الزوج. م: (ولنا قوله ﵊) ش: أي قول النبي ﷺ م: «لا تحجن امرأة إلا ومعها محرم» ش: هذا الحديث رواه البزار في " مسنده "، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع معبداً مولى ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحج امرأة إلا ومعها محرم " فقال رجل: يا نبي الله إني اكتتبت في غزوة كذا، وامرأتي حاجة، قال: " ارجع فحج معها» ورواه الدارقطني في سننه " عن حجاج عن ابن جريج به، ولفظه: قال: «لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم» .

стр. 1988

ولأنها بدون المحرم يخاف عليها الفتنة، وتزداد بانضمام غيرها إليها ــ [البناية] وروى الطبراني من حديث أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل لامرأة أن تحج إلا مع زوجها أو محرم» ، وأخرج البخاري ومسلم عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لا تسافر امرأة ثلاثاً إلا ومعها زوج أو ذو محرم» وأخرجا عن أبي هريرة مرفوعا: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله، واليوم الآخر أن تسافر يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم منها» وفي لفظ لمسلم: " ثلاثاً "، وفي لفظ له: " فوق ثلاث "، وفي لفظ له: " ثلاثة أيام فصاعداً "، وأخرجا عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» ولم يوقت فيه شيئاً. وقال المنذري: ليس في هذه الروايات تباين، ولا اختلاف، فإنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ قالها في مواطن مختلفة بحسب الأسئلة، ويحتمل أن يكون ذلك كله تمثيلاً لأقل الأعداد، واليوم الواحد أول العدد، وأقله الاثنان أول الكثير، والثلاث أول الجمع، وكأنه أشار أن مثل هذا في كل الزمن لا يحل لها السفر فيه مع غير محرم، فكيف بما زاد؟ وقد أورد الأترازي بحديث أبي هريرة المذكور سؤالاً وهو: أنه يدل على أن خروجها إلى السفر بغير محرم لا يجوز، ثم أجاب بما تلخيصه بأن الأحاديث إن كانت مؤخرة التزمه نسخ ما دون الثلاث، وإن كانت مقدمة يبقى العمل أيضاً إلى آخر ما ذكر. قلت: دعوى النسخ لا تصح لعدم العلم بالتاريخ، والجواب ما ذكرناه. م: (ولأنها بدون المحرم يخاف عليها الفتنة، وتزداد بانضمام غيرها إليها) ش: فإن المبتوتة إذا اعتدت في بيت الزوج بحيلولة جاز لم يكن انضمامها إليها فتنة، أجيب بأن انضمام المرأة إليها يعينها على ما يراد بمباشرتها وتعليمها ما عسى تعجز عنه بفكرها، وإنما لم يكن في المعتدة كذلك؛ لأن الإقامة موضع أمن، وقدرة على دفع الفتنة. وقال الأكمل: وفيه نظر؛ لأن مثلها لا يعد ثقة، والكلام فيها؛ ولأن جواب المسند يناقض جواب المنع، والأولى أن يقال: من ناقصات دين وعقل لا يؤمن أن تنخدع فيكون عليها في الإفساد، ويتوسط في التطمين، والتمكين فتعجز عن دفعها في السفر، وهذا المعنى معدوم في الحضر لإمكان الاستعانة. وأورد الكاكي إشكالاً في قوله: يخاف عليها أي الفتنة، وهو أنه يشكل على هذا سفر المهاجرة؛ لأن لها الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام بغير محرم، مع أن الهجرة ليست من أركان الدين والحج منها، فينبغي أن يجوز لها الحج بغير محرم بالطريق الأولى. قلت: قد مر جوابه عن قريب مختصراً، ونعيده هنا فنقول: المهاجرة لا [....] السفر، ولكنها تقصد النجاة، ألا ترى أنها إذا وصلت إلى حي من المسلمين من دار الحرب صارت آمنة ليس لها بعد ذلك أن تسافر بغير محرم؛ ولأنها مضطرة هناك لخوفها على نفسها، ألا ترى أن

стр. 1989

ولهذا تحرم الخلوة بالأجنبية، وإن كان معها غيرها، بخلاف ما إذا كان بينها وبين مكة أقل من ثلاثة أيام؛ لأنه يباح لها الخروج إلى ما دون السفر بغير محرم. ــ [البناية] العدة لا تمنعها من الخروج هناك لو كانت معتدة لم يكن لها أن تخرج للحج، وتأثير فقد المحرم في المنع من السفر كتأثير العدة، فإذا منعت من الخروج لسفر الحج بسبب العدة فكذلك بسبب فقدان المحرم. م: (ولهذا تحرم الخلوة) ش: أي ولأجل زيادة الفتنة بانضمام المرأة إليها تحرم الخلوة على الزوج م: (بالأجنبية) ش: أي بالمرأة الأجنبية م: (وإن كان معها غيرها) ش: أي مع الأجنبية غير الأجنبية. فإن قلت: إذا شهد على الزوج بطلاق امرأته ثلاثا، قلتم يحال بينها وبينه بامرأة ثقة حتى تزكي الشهود، وكذا قلتم بالحيلولة بثقة في الطلقات الثلاث إذا اعتدت في بيت الزوج فما جعلتم انضمام المرأة إلى المرأة فتنة؟ أجيب بأن الإقامة بموضع أحسن من الأمنية تقدره على دفعه في مثله، بخلاف السفر فإنه مظنة العجز عن الدفع مع أن النص فرق بينهما. م: (بخلاف ما إذا كان بينها وبين مكة أقل من ثلاثة أيام) ش: هذا متصل بقوله: ولا يجوز لها أن تخرج بغيرهما، يعني يباح لها الخروج بدونهما، أي بدون الزوج والمحرم م: (لأنه يباح لها الخروج إلى ما دون السفر بغير محرم) ش: فإن قلت: ما تقول في حديث أبي هريرة ﵁ المذكور عن قريب. أجاب الأترازي: بأن الخبر الذي يكون معمولاً به بوجهين أولى بالأخذ من الخبر الذي يكون معمولاً به من وجه، أراد أن الخبر الذي فيه الثلاث معمول به بالوجهين، يعني في الثلاث وفيما دونه معمول به من وجه، وقيل: فيما دون مسافة القصر اضطراب كثير. وقال المرغيناني: اختلف فيما دون مسافة القصر، قال أبو يوسف ﵀: أكره لها أن تسافر يوماً، وهكذا عن أبي حنيفة ﵀. فإن قلت: روى البخاري من حديث عدي بن حاتم ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا محرم معها، لا تخاف إلا الله " قال عدي: رأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله، ولم يذكر لها محرماً ولا زوجاً» والحيرة بكسر الحاء المهملة قرية بقرب الكوفة، والنسبة إليها حيري، وحاري على غير قياس، والجو بضم الجيم، وكسرها الذمام. قلت: حديث عدي هذا يدل على الوقوع، ولا يدل على الجواز بوجه من وجوه الدلالة

стр. 1990

وإذا وجدت محرما لم يكن للزوج منعها، وقال الشافعي ﵀: له أن يمنعها؛ لأن في الخروج تفويت حقه. ولنا أن حق الزوج لا يظهر في حق الفرائض، والحج منها، حتى لو كان الحج نفلا له أن يمنعها ــ [البناية] بمطابقته، ولا بالتزامه؛ لأنه ورد في معرض الثناء على الزمان بالأمن والعدل، وذكر خروج المرأة على ذلك بلا خفير لبيان الاستدلال عليه، ولا يقال: تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ لأنا نقول: ما أخره بل بين حرمة خروجها في عدة أحاديث صحيحة ثابتة؛ ولأن الظعينة هي المودع، والمرأة الراكبة، والغالب أنها لا تسافر في هذا السفر البعيد مع هودجها، وحملها إلا ومعها من يحملها على جملها، ويركبها هودجها، ويخدمها ويخدم جملها، والغالب كالمتحقق. فإن قلت: احتج الشافعي ﵁ بما روي عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت: سألت عائشة ﵂ فأخبرت أن أبا سعيد الخدري ﵁ يخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يحل لامرأة أن تسافر ثلاثة أيام إلا ومعها محرم» فالتفتت إلينا عائشة ﵁ وقالت: ما كلهن لها محرم، وعن ابن عمر أنه سافر مع مولاة ليس هو بمحرم لها، ولا لها محرم، وما ورد من الخبر في نهي المرأة عن السفر محمول على الأسفار المباحة، فإنه لا يجوز السفر المباح لها عندنا بلا محرم في وجه، وفي وجه سفر الحج، والأول أصح عند الراويين من أصحابه. قلت: قال الكاكي وغيره: والعجب من الشافعي أنه لم يعمل بالأحاديث الصحاح المشهورة، ويعمل بأثر عائشة وابن عمر ﵄ مع شذوذهما، وعدم دلالتهما على عدم اشتراط المحرم، مع أن الأثر غير حجة عنده، وأثر عائشة ﵂ يدل على تعجبها، وأثر ابن عمر ﵄ يحتمل أن يكون قبل بلوغ الخبر إليه، وحملهم الحديث على الأسفار المباحة بعيد، لما روي من قوله ﵊: " انطلق حج مع امرأتك ". م: (وإذا وجدت محرما لم يكن للزوج منعها) ش: وبه قال أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وإسحاق، وهو قول إبراهيم النخعي، وقال مالك ﵁: لا يمنعها على القول بالفور، وفي القول بالتراخي قولان. وقال ابن المنذر في " الأشراف ": لا نعلم أنهم يختلفون أنه ليس له منعها. م: (وقال الشافعي ﵀: له أن يمنعها) ش: في أظهر القولين م: (لأن في الخروج) ش: أي في خروج المرأة إلى سفرها م: (تفويت حقه) ش: أي حق الزوج. م: (ولنا أن حق الزوج لا يظهر في حق الفرائض) ش: ألا ترى أنه لا يمنعها من صيام رمضان، والصلوات م: (والحج منها) ش: أي من الفرائض م: (حتى لو كان الحج نفلا له أن يمنعها) ش: ولهذا

стр. 1991

ولو كان المحرم فاسقا، قالوا: لا يجب عليها؛ لأن المقصود لا يحصل به ولها أن تخرج مع كل محرم إلا أن يكون مجوسيا؛ لأنه يعتقد إباحة مناكحتها، ولا عبرة بالصبي والمجنون؛ لأنه لا تتأتى منهما الصيانة. والصبية التي بلغت حد الشهوة بمنزلة البالغة، حتى لا يسافر بها من غير محرم، ونفقة المحرم عليها؛ لأنها تتوسل به إلى أداء الحج. واختلفوا في أن المحرم شرط الوجوب، أو شرط الأداء على حسب اختلافهم في أمن الطريق. ــ [البناية] كان له أن يحللها من ساعته، ولكن لا يؤخر تحليلها إلى ذبح الهدي، ويحللها من ساعته، وعليها هدي لتعجيل الإحلال، وعمرة، وحجة لصحة الشروع، بخلاف حجة الإسلام فإنه هناك لا يتحلل إلا بالهدي، وتحليله لها إن سماها، ويصنع بها ما يحرم عليها في الإحرام من قص ظفرها، ولا يكون التحلل بالنهي، ولا بقوله: حللتك. م: (ولو كان المحرم فاسقا، قالوا) ش: أي علماؤنا م: (لا يجب عليها) ش: أي لا يجب الحج على المرأة م: (لأن المقصود) ش: حفظها عن الوقوع في سوء، وهو م: (لا يحصل به) ش: أي بالفاسق لاحتمال الفتنة منه م: (ولها) ش: أي للمرأة م: (أن تخرج مع كل محرم) ش: يعني سواء كان حراً أو عبداً، مسلماً أو ذمياً، لأن الذمي يحفظ محارمه، وإن كن مسلمات م: (إلا أن يكون) ش: أي المحرم م: (مجوسيا؛ لأنه يعتقد إباحة مناكحتها) ش: ولا يؤمن عليها. م: (ولا عبرة بالصبي ولا بالمجنون؛ لأنه لا تتأتى منهما الصيانة) ش: لأنهما لا يصونان أنفسهما، فكيف يصونان غيرهما م: (والصبية التي بلغت حد الشهوة) ش: احترز به عن الصبية التي لا يشتهى مثلها؛ لأنها تسافر بها من غير محرم م: (بمنزلة البالغة، حتى لا يسافر بها من غير محرم) ش: لأنه يطمع فيها، ولا يؤمن من وقوع الفساد عليها. م: (ونفقة المحرم عليها) ش: أي على المرأة م: (لأنها تتوسل به) ش: أي بالمحرم م: (إلى أداء الحج) ش: وبه قال أحمد، وقال صاحب " التحفة ": إذا لم يخرج المحرم إلا بنفقة منها هل تجب عليها نفقته، ذكر في شرح القدوري ﵀ إنما تجب عليها نفقته؛ لأنها لا تتمكن من الحج إلا بالمحرم، كما لا تتمكن إلا بالزاد والراحلة، وذكر في " شرح الطحاوي " ﵀ إنما يجب عليها نفقته، ولا يجب عليها الحج. وفي " التجريد ": قال أبو حفص ﵀: لا يجب عليها الحج حين يخرج المحرم بمال نفسه، وفي القدوري: تنفق على محرمها للحج بها، وفي المرغيناني: لا تجب نفقة المحرم، أو الزوج عليها، وفي " المبسوط ": عن محمد ﵀ لا تجب نفقة المحرم عليها، وفي " القنية ": كل من قال: المحرم يمنع الوجوب، هو الصحيح لقوله: لا تجب نفقة المحرم عليها، وعند الشافعي ﵁: لا يجب الحج عليها حتى تجد رفيقاً محرماً أو نسوة ثقات، ولو بأجرة على الأظهر. م: (واختلفوا في أن المحرم شرط الوجوب، أو شرط الأداء على حسب اختلافهم في أمن الطريق)

стр. 1992

وإذا بلغ الصبي بعدما أحرم، أو أعتق العبد فمضيا لم يجزهما عن حجة الإسلام؛ لأن إحرامهما انعقد لأداء النفل فلا ينقلب لأداء الفرض. ولو جدد الصبي الإحرام قبل الوقوف، ونوى حجة الإسلام جاز، والعبد لو فعل ذلك لم يجزئه؛ لأن إحرام الصبي غير لازم لعدم الأهلية. ــ [البناية] ش: أي اختلف العلماء ﵃ فيه، فقال: وجود المحرم، أو الزوج شرط الأداء، فعليها أن تتزوج، ونفقة المحرم عليها، وكذا قال القاضي أبو حازم عبد الحميد: هو شرط الأداء في رواية أبي شجاع عن أبي حفص الكبير، والكرخي عن أبي حنيفة ﵀ شرط الوجوب، ذكره في " المحيط "، وفائدة الخلاف تظهر في وجوب الوصية، ومن شرائط وجوب الحج عليها خلوها عن العدة، أي عدة كانت، وعند أحمد ﵁: لا تخرج في عدتها عن وفاة درجتين، وتخرج في الطلاق البائن. [حكم بلوغ الصبي وعتق العبد بعد شروعهما في الحج] م: (وإذا بلغ الصبي بعدما أحرم، أو أعتق العبد فمضيا) ش: على حجهما م: (لم يجزهما عن حجة الإسلام؛ لأن إحرامهما انعقد لأداء النفل فلا ينقلب لأداء الفرض) . ش: فإن قيل: الإحرام شرط عندنا بمنزلة الوضوء للصلاة والصبي إذا توضأ قبل البلوغ ثم بلغ بالسن تجوز به الصلاة. قلنا: الإحرام يشبه الوضوء من حيث إنه مفتاح الحج، كما أن الوضوء مفتاح الصلاة، ونية سائر أعمال الحج من حيث إنه يفعل في أعمال الحج فيكون من هذه الوجوه ركنا، والأخذ في العبادات بالاحتياط أصل، كذا في " جامع شمس الأئمة ". وفي " المبسوط ": لو بلغ بعد الإحرام قبل الوقوف، أو الطواف لم يجزئه عن حجة الإسلام عندنا، وعند الشافعي ﵁ يجزئه، وكذا بناء على ما مضى في كتاب الصلاة، إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخره يجزئه عنه، وجعله كأنه بلغ قبل أدائها، وهاهنا أيضاً نجعله كأنه بلغ قبل مباشرة الإحرام فتجزئه عن الفرض. م: (ولو جدد الصبي الإحرام قبل الوقوف ونوى حجة الإسلام جاز) ش: يعني لو جدد إحرامه بعد البلوغ قبل الوقوف، ونوى حجة الإسلام جاز عن حجة الإسلام م: (والعبد لو فعل ذلك) ش: أي تجديد الإحرام بعد العتق قبل الوقوف م: (لم يجزئه) ش: أي عن حجة الإسلام م: (لأن إحرام الصبي غير لازم لعدم الأهلية) ش: ولهذا لو أحصر لا يلزمه قضاء، ولا دم، ولو تناول شيئاً من محظوراته لا يلزمه شيء، فإذا كان إحرامه غير لازم انفسخ بتجديد الإحرام للفرض لكونه محتملاً للفسخ، كمن باع عبداً بألف ومائة تنفسخ الأولى ضرورة لا محالة، وتجديد الثاني لأن البيع كان محتملاً للفسخ.

стр. 1993

أما إحرام العبد لازم فلا يمكنه الخروج منه بالشروع في غيره، والله أعلم. ــ [البناية] م: (أما إحرام العبد لازم) ش: لأنه من أهل اللزوم لكامل الأهلية فلا يقبل إحرامه لفضل الانفساخ م: (فلا يمكنه الخروج منه بالشروع في غيره) ش: للزوم أجزائه، ولهذا لو أصاب صيداً لزمه الصيام لكونه جانياً على إحرامه، فإذا كان كذلك لا يتمكن من بعد العتق من فسخ ذلك الإحرام.

стр. 1994

فصل والمواقيت التي لا يجوز أن يجاوزها الإنسان إلا محرما خمسة: لأهل المدينة ذو الحليفة ولأهل ــ [البناية] [فصل المواقيت المكانية للحج] [ دخول الآفاقي مكة بدون إحرام] م: (فصل) ش: أي: هذا فصل لا يعرب إلا بهذا التقدير؛ لأن الإعراب لا يكون إلا في الركب، ولما فرغ من ذكر من يجب عليه الحج، وذكر شرط الوجوب، وما يتبعها، شرع في بيان أول ما يبدأ به من أفعال الحج، وهي المواقيت التي لا يجوز أن يتجاوزها الإنسان إلا محرماً. م: (والمواقيت التي لا يجوز أن يجاوزها الإنسان إلا محرما خمسة) ش: الواو في أول المواقيت واو الاستفتاح، وقد ذكرنا مرة، والمواقيت مرفوع بالابتداء، وخبره خمسة أي خمسة مواضع، وهو جمع ميقات أصله موقات، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها كالموازين جمع ميزان أصله موزان ففعل به ما ذكرناه، والميقات على وزن مفعال وهو الوقت المحدود، فاستعير للمكان، قال الجوهري ﵀: الميقات موضع الإحرام. م: (لأهل المدينة) ش: ويجوز أن يكون التقدير الميقات لأهل المدينة النبوية م: (ذو الحليفة) ش: فيكون ذو الحليفة جزءا وعلى كلا التقديرين لأهل المدينة ظرف مستقر، وقال البكري م: (ذو الحليفة) ش: تصغير حلفة، وهي ما بين بني جشم بن بكر بن هوازن وبين بني خفاجة القبلتين بينه وبين المدينة من ستة أميال وقيل: سبعة، وهو كان منزل رسول الله ﷺ إذا خرج من المدينة أو عمره، وكان ينزل تحت شجرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة اليوم، قال ابن حزم: على أميال من المدينة، وقال عياض: في الأميال على سبعة، وقال النووي: نحو ستة أميال، وقال الصباغ: ميل، وقال محب الدين الطبري ﵀: هذا خطأ ظاهر. قلت: وذكر الرافعي بينها، وبين المدينة ميل، وهو أيضاً خطأ؛ لأن الحس يرد ذلك، وقال شيخنا في " شرح الترمذي ": بينه وبين مكة عشرة مراحل، وقيل: عشرة أيام بينه وبين المدينة فرسخان ستة أميال، هذا هو الصواب، والميل ثلث فرسخ، والفرسخ اثنتي عشرة ألف خطوة، وقال السروجي: الميل أربعة آلاف ذراع بذراع محمد بن فرح الشاشي، قلت: العوام يسمون ذا الحليفة آبار علي ﵁.

стр. 1995

العراق ذات عرق ــ [البناية] م: (ولأهل العراق ذات عرق) ش: بكسر العين، والكلام فيه كالكلام في ذي الحليفة لأهل المدينة، وهذا هو الثاني من المواقيت، وهو ما بين المشرق والشمال من مكة، قال الكرماني ﵀: هي ميقات جميع أهل المشرق، بينها وبين مكة اثنان وأربعون ميلاً وقال غيره بينهما مرحلتان، وقال الشافعي ﵁: الأصل في حقهم، أي في حق أهل المشرق الإحرام من العقيق اسم لذات عرق، وهو سهو منه، وبينهما مرحلة، وعن ابن عمر ﵄ لما فتح هذان المصران أتوا عمر بن الخطاب ﵁، فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرناً، فإنه جوز عن طريقنا، وإن أردنا أن نأتي قرناً شق علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم، قال: فحد لهم ذات عرق، رواه البخاري. وقال الشيخ تقي الدين في " الإمام ": المصران البصرة، والكوفة، وغيرهما ما يقرب منهما، قال: وهذا الحديث يدل على أن ذات عرق مجتهد فيها لا منصوصة. قلت: أنكر ذلك عليه، وقد أخرج مسلم في " صحيحه ": من حديث أبي الزبير عن جابر قال: سمعت أحسبه رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ قال: «مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومهل أهل نجد من قرن، ومهل أهل اليمن من يلملم» . فإن قلت: شك الراوي في رفعه. قلت: أخرجه ابن ماجه من حديث أبي الزبير عن جابر قال: «خطبنا رسول الله ﷺ فقال: " مهل أهل الشرق من ذات عرق " ثم أقبل بوجهه إلى الأفق فقال: " اللهم أقبل بقلوبهم» وهذه الرواية ليس فيها شك من الراوي. فإن قلت: في سنده إبراهيم بن يزيد الخوزي لا يحتج به. قلت: روى أبو داود في " سننه " عن أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق،» ورواه النسائي أيضاً. فإن قلت: كان أحمد ﵁ ينكر هذا الحديث عن أفلح بن حميد، قاله ابن عدي. قلت: روى عبد الرزاق ﵀ عن مالك عن نافع عن ابن عمر «أن النبي ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق» . فإن قلت: كان الدارقطني يقول: عبد الرزاق لم يتابع على ذلك، ورواه أصحاب مالك عنه ولم يذكروا فيه ميقات أهل العراق.

стр. 1996

ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن ــ [البناية] قلت: روى البزار في " مسنده " عن مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: «وقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق ذات عرق،» ورواه الشافعي، أخبرنا سعيد بن سالم أخبرني ابن جريج أخبرني عطاء «أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المشرق ذات عرق،» رواه الشافعي، فذكره مرسلاً بتمامه، فلم يتوجه الإنكار على الشيخ تقي الدين فيما قاله؛ لأن الصواب معه. وقال الأترازي: فإن قلت: كيف وقت رسول الله ﷺ ذات عرق لأهل العراق، ولم يفتح العراق إلا بعد رسول الله ﷺ ؟ ثم أجاب بأنه مثلما وقت لأهل الشام الجحفة ولم تفتح الشام إلا بعده ﵊، وقد كان يعلم بطريق الوحي أن العراق ستكون دار الإسلام، كان يعلم أن الشام كذلك. م: (ولأهل الشام الجحفة) ش: الكلام فيه مثل الكلام على ما قبله، وهذا هو الثالث من المواقيت، وهي ميقات أهل مصر، والمغرب، والشام، من طريق تبوك، وهي قرية بين الغرب، والشمال من مكة بينها، وبين مكة اثنان وثمانون ميلاً، وقال النووي ﵁: بينهما ثلاث مراحل، أو أكثر، أو أقل. وقيل: أربع مراحل، وقال الغزالي في بسطه: خمسون فرسخاً. وقال في " المشارق ": بينها وبين البحر ستة أميال، وبينها وبين المدينة ثمان مراحل، ويقال لها: مهيعة بكسر الهاء على وزن معيشة، وضبطت في رواية أبي ذر بإسكان الهاء، وفتح الياء على وزن مفعلة، والأول الصحيح، وإنما سميت الجحفة لأن العماليق أخرجوا إخوة عاد من يثرب فنزلوا مهيعة، فجاء السيل فأجحفهم، أي استأصلهم من قولهم: أجحف بهم الذئب إذا استأصلهم، وقد ذكرت في شرح " الكنز "، أن الجحفة موضع بالقرب من رابغ وهو رسم خال لا يسكن به والعوام يقولون: جحفة هي الرابغ، وليس كذلك، بل هي مثل ما ذكرنا. م: (ولأهل نجد قرن) ش: هذا هو الرابع من المواقيت، وهو بفتح القاف، وسكون الراء بلا خلاف، ويقال له: قرن المنازل، وقرن الثعالب، وقال الجوهري: القرن بفتح الراء موضع، وهو ميقات أهل نجد، ومنه أويس القرني، قال السروجي: هو مأخوذ عليه من مكانين فيه وفي تحريك الراء، ونسبة أويس إلى قرن بطن مراد، وغلط القاضي وغيره. وفي " الإكمال "، قيل: هو بالسكون اسم الجبل الشرق على الموضع، وبالفتح مفترق الطرق. ونجد بفتح النون، قال صاحب " المطالع ": هي من عمل اليمامة، وفي " مناسك الطبري ": قرن ميقات نجد اليمن، ونجد الحجاز، ونجد تهامة، ونجد الطائف، وقرن شرقي مكة، بينهما اثنان وأربعون ميلاً، وكانت فيه وقعة الطعان على بني عامر، يقال له: يوم قرن. وفي

стр. 1997

ولأهل اليمن يلملم هكذا وقت رسول الله ﵊ هذه المواقيت لهؤلاء. ــ [البناية] " الإمام ": هو تلقاء مكة على يوم وليلة منها. م: (ولأهل اليمن يلملم) ش: وهذا هو الخامس من المواقيت ويقال له: ألملم بالهمزة موضع الياء، وقال ابن السيد: أرمرم بالراء أيضاً، وهو جنوب مكة وبينه وبين مكة ثلاثون ميلاً، وفي " الإمام ": هو جبل من جبال تهامة على ليلتين من مكة، وهو ميقات المتوجهين من تهامة وبعض اليمن؛ لأن اليمن نجد وتهامة. وقال النووي ﵀: يجوز صرفه وتركه، قلت: على تأويل المكان والبقعة، وأنشد بعضهم يقول: عرق العراق ويلملم اليمن ... بذي الحليفة يحرم المدني والشام جحفة إن مررت بها ... ولأهل نجد قرن فاستبن والآخر، ذكره تاج الشريعة: قرن يلملم ذو الحليفة جحفة ... بل ذات عرق كلها ميقات نجد تهامة والمدينة مغرب ... شرق وهي إلى الذي مر قات وقال الأترازي في " شرحه ": ومما قلته في المواقيت ... ذات عرق عراقي يلملم ليماني ... وذو الحليفة مدني وجحفة للشامي داني ... ثم نظر قرن لأهل نجد منه للإحرام باني ... قلدوا للموت واتبوا بخراب م: (هكذا وقت رسول الله ﷺ هذه المواقيت لهؤلاء) ش: أي المواقيت الخمسة المذكورة، قوله: هؤلاء، أي للمذكورين من أهل ذي الحليفة، وأهل العراق، وأهل الشام، وأهل نجد، وأهل اليمن، والأصل فيه ما رواه البخاري، ومسلم من حديث طاووس عن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هن لهن ولمن أتى عليهن، من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة» ، ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة، وليس فيه ذكر ذات عرق، وإنما ذكر هذا في حديث عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق،» وقد مر الكلام فيه آنفاً مستقصى.

стр. 1998

وفائدة التأقيت المنع عن تأخير الإحرام عنها؛ لأنه يجوز التقديم عليها بالاتفاق، ثم الآفاقي إذا ــ [البناية] م: (وفائدة التأقيت) ش: بسكون الهمزة لغة في التوقيت م: (المنع عن تأخير الإحرام عنها) ش: أي عن هذه المواقيت، قيد بالتأخير لأن التقديم ليس بممنوع عندنا، لكن إذا قدم الإحرام قبل أشهر الحج يكون مسيئاً عندنا، وعند الشافعي ﵁: لا يجوز، كذا صرح به في " شرح الطحاوي " ﵀، قلت: تقديم الإحرام على هذه المواقيت جائز بالإجماع. وقال داود الظاهري: إذا أحرم قبل هذه المواقيت فلا حج له ولا عمرة، والأفضل عندنا تقديم الإحرام عن هذه المواقيت، والتأخير إليها رخصة من الله تعالى، ورفق بالناس وكره التقديم مالك وأحمد وإسحاق، قيل: والشافعي، وليس بصحيح؛ لأن النووي ذكر في " المنهاج " الأفضل أن يحرم من دويرة أهله، وفي قول من الميقات، وهو الأظهر، وقال إبراهيم النخعي: كانوا يستحبون لمن لم يحج أن يحرم من بيته، ونقل القرطبي عن علي ﵁ أنه قال: إتمام الحج، والعمرة أن يحرم بهما من دويرة أهله، وعن عمر ﵁ مثله، أخرجه البيهقي. وقال القرطبي في " شرح الموطأ " بإسناده أن ابن عمر ﵁ أهل من بيت المقدس وقال أبو عمر بن عبد البر: أحرم ابن عمر من بيت المقدس عام الحكمين، وذكر أنه شكر التحكيم بدومة الجندل، فلما اتفق عمرو بن العاص وأبو موسى من غير اتفاق نهض إلى بيت المقدس فأحرم منه، رواه مالك، وسعيد، ويدل على صحة ذلك أن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعمران بن الحصين، وابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عامر ﵃ أحرموا من المواضع البعيدة قبل المواقيت، وهم فقهاء الصحابة ﵃، وقد شهدوا إحرام رسول الله ﷺ وعلموا أن إحرامه ﵊ من ميقاته كان تيسيراً على أصحابه ورخصة لهم، وابن عمر كان أشد الناس اتباعاً لرسول الله ﷺ . وقال القرطبي: كان إحرام ابن عمر، وابن عباس ﵄ من الشام، وكان إحرام عمران بن الحصين من البصرة، وابن مسعود من القادسية، وكان إحرام علقمة والأسود، وعبد الرحمن بن يزيد الشعبي ﵀ من بيوتهم، وإحرام سعيد بن جبير من الكوفة على بغلة، رواه سعيد بن منصور ﵁، وهو قول الثوري، والحسن بن حي، وقال إسماعيل القاضي: والذين أحرموا قبل الميقات من الصحابة، والتابعين كثير. م: (لأنه يجوز التقديم عليها بالاتفاق) ش: أي لأن الشأن أنه يجوز له تقديم الإحرام على المواقيت بلا خلاف، وقد مر الآن الكلام فيه. م: (ثم الآفاقي) ش: هو من كان خارج المواقيت، قيل: الصواب يبقى نسبة إلى المفرد، وهو الأفق، والآفاقي واحد، فإن السماء، والأرض وهي نواحيها.

стр. 1999

انتهى إليها على قصد دخول مكة عليه أن يحرم قصد الحج، والعمرة أو لم يقصد عندنا؛ لقوله ﵊: «لا يجاوز أحد الميقات إلا محرما» . ولأن وجوب الإحرام لتعظيم هذه البقعة الشريفة فيستوي فيه التاجر والمقيم وغيرهما. ــ [البناية] م: (إذا انتهى إليها) ش: أي إلى هذه المواقيت م: (على قصد دخول مكة عليه أن يحرم قصد الحج، أو العمرة أو لم يقصد عندنا) ش: وعند الشافعي ﵀ يجوز له مجاوزة الإحرام إذا لم يرد النسك، وفي " النهاية ": وقال الشافعي ﵁: إنما يجب الإحرام عند الميقات على من أراد دخول مكة للحج والعمرة، فأما من أراد دخولها لقتال فليس عليه الإحرام عنده قولاً واحداً؛ لأن النبي ﷺ دخلها يوم الفتح بغير إحرام، فإن أراد دخولها للتجارة أو طلب غريم له فيه قولان. وفي " المنهاج " للنووي: من قصد مكة غير محرم لا شك أنه يستحب له أن يحرم بحج أو عمرة، وفي قول: يجب إلا أن يتكرر دخولها كحطاب، وصياد، وقال مالك: من دخل مكة غير محرم متعمداً أو جاهلاً فقد أساء، ولا شيء عليه، وفي " النوادر ": يحرم على غير المترددين دخولها، وإن لم يرد نسكاً، وفي " المغني ": قال أحمد ﵀: لا يدخلها أحد بغير إحرام، وعنه ما يدل على أن الإحرام مستحب. م: (لقوله ﷺ : «لا يجاوز أحد الميقات إلا محرما» ش: أي لقول النبي ﷺ ، وهذا الحديث رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه "، حدثنا عبد السلام بن حرب عن حصين عن سعيد عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا تجاوزوا الوقت إلا بإحرام» ورواه الطبراني في " معجمه ". م: (ولأن وجوب الإحرام لتعظيم هذه البقعة الشريفة فيستوي فيه التاجر والمقيم وغيرهما) ش: أي غير التاجر، والمقيم مثل طلب غريم له في الحرم، أو هارب من أحد، أو طالت حاجته، ونحو ذلك؛ لأن المقصود من الإحرام عند الميقان تعظيم مكة شرفها الله تعالى، والمكي بالاستيطان لها، أو لما حولها جعل نفسه تبعاً لها، فلم يتصور منه القدوم عليها، فلا يلزمه ما يجب بحق القدوم على الآفاقي، فإنهم كالحراس حول الحصن. وقال أبو بكر ﵀ في " العارضة ": الدخول بغير إحرام لأجل القتال حلال أبداً، بل واجب حتى لو يغلب فيها كفاراً يجب قتالهم فيها بالإجماع.

стр. 2000

ومن كان داخل الميقات له أن يدخل مكة بغير إحرام لحاجته؛ لأنه يكثر دخوله مكة وفي إيجاب الإحرام في كل مرة حرج بين فصاروا كأهل مكة حيث يباح لهم الخروج منها، ثم دخولها بغير إحرام لحاجتهم، بخلاف ما إذا قصد أداء النسك؛ لأنه يتحقق أحيانا فلا حرج، فإن قدم الإحرام على هذه المواقيت جاز؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وأتمّوا الحجّ والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] [١٩٦ البقرة] وإتمامها أن يحرم بهما من دويرة أهله، كذا قاله علي، وابن مسعود ﵄. ــ [البناية] م: (ومن كان داخل الميقات) ش: أي ومن كان وطنه بين الميقات ومكة م: (له أن يدخل مكة بغير إحرام لحاجته) ش: أي لأجل حاجته م: (لأنه يكثر دخوله مكة، وفي إيجاب الإحرام في كل مرة حرج بين) ش: أي ظاهر، والحرج مدفوع شرعاً م: (فصاروا كأهل مكة، حيث يباح لهم الخروج منها، ثم دخولها بغير إحرام لحاجتهم) ش: روي عن ابن عباس ﵄ «أنه ﵊ رخص للحطابين أن يدخلوها بغير إحرام» والظاهر أنهم لا يجاوزون الميقات، فدل أنه من كان داخل الميقات. م: (بخلاف ما إذا قصد أداء النسك) ش: أي الحج والعمرة، حيث لا يجوز دخوله بلا إحرام ولا مجاوزة الميقات بالإحرام إن خرج عن الميقات م: (لأنه يتحقق أحيانا) ش: أي لأن قصد من كان داخل الميقات أن النسك متحقق في بعض الأحيان م: (فلا حرج) ش: حينئذ بخلاف قصده غير، وذلك ليس بحطب وبحشيش وحاجة ونحوها، فإنه يكثر، وفي إيجاب الإحرام حرج. م: (فإن قدم الإحرام على هذه المواقيت) ش: أي المواقيت المذكورة م: (جاز) ش: وهذا إجماع خلافاً لداود الظاهري، فإنه يجوزه ولا حج له م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: الآية ١٩٦] ش: وإتمامها أن يحرم بهما) ش: أي بالحج والعمرة م: (من دويرة أهله، كذا قاله علي، وابن مسعود ﵄) ش: حديث علي ﵁ رواه الحاكم في " المستدرك "، في المعتبر من حديث آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن أبي سلمة المرادي، قال: سئل علي ﵁ عن قول الله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦) ، قال: أن تحرم من دويرة أهلك، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ورواه البيهقي في " سننه "، وقال: وروي من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً وفيه نظر، وحديث ابن مسعود ﵁ غريب. وقال الأترازي: روي ذلك عن علي، وابن عباس وابن مسعود ﵃، ولم يبين حال تخريجه، قال في " النهاية ": كان شيخي ﵀ كثيراً ما يقول: إن ذكر الدار ها هنا بلفظ التصغير بمقابلة
следующие страницы →