← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن ــ [البناية] قلت: روى البزار في " مسنده " عن مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: «وقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق ذات عرق،» ورواه الشافعي، أخبرنا سعيد بن سالم أخبرني ابن جريج أخبرني عطاء «أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المشرق ذات عرق،» رواه الشافعي، فذكره مرسلاً بتمامه، فلم يتوجه الإنكار على الشيخ تقي الدين فيما قاله؛ لأن الصواب معه. وقال الأترازي: فإن قلت: كيف وقت رسول الله ﷺ ذات عرق لأهل العراق، ولم يفتح العراق إلا بعد رسول الله ﷺ ؟ ثم أجاب بأنه مثلما وقت لأهل الشام الجحفة ولم تفتح الشام إلا بعده ﵊، وقد كان يعلم بطريق الوحي أن العراق ستكون دار الإسلام، كان يعلم أن الشام كذلك. م: (ولأهل الشام الجحفة) ش: الكلام فيه مثل الكلام على ما قبله، وهذا هو الثالث من المواقيت، وهي ميقات أهل مصر، والمغرب، والشام، من طريق تبوك، وهي قرية بين الغرب، والشمال من مكة بينها، وبين مكة اثنان وثمانون ميلاً، وقال النووي ﵁: بينهما ثلاث مراحل، أو أكثر، أو أقل. وقيل: أربع مراحل، وقال الغزالي في بسطه: خمسون فرسخاً. وقال في " المشارق ": بينها وبين البحر ستة أميال، وبينها وبين المدينة ثمان مراحل، ويقال لها: مهيعة بكسر الهاء على وزن معيشة، وضبطت في رواية أبي ذر بإسكان الهاء، وفتح الياء على وزن مفعلة، والأول الصحيح، وإنما سميت الجحفة لأن العماليق أخرجوا إخوة عاد من يثرب فنزلوا مهيعة، فجاء السيل فأجحفهم، أي استأصلهم من قولهم: أجحف بهم الذئب إذا استأصلهم، وقد ذكرت في شرح " الكنز "، أن الجحفة موضع بالقرب من رابغ وهو رسم خال لا يسكن به والعوام يقولون: جحفة هي الرابغ، وليس كذلك، بل هي مثل ما ذكرنا. م: (ولأهل نجد قرن) ش: هذا هو الرابع من المواقيت، وهو بفتح القاف، وسكون الراء بلا خلاف، ويقال له: قرن المنازل، وقرن الثعالب، وقال الجوهري: القرن بفتح الراء موضع، وهو ميقات أهل نجد، ومنه أويس القرني، قال السروجي: هو مأخوذ عليه من مكانين فيه وفي تحريك الراء، ونسبة أويس إلى قرن بطن مراد، وغلط القاضي وغيره. وفي " الإكمال "، قيل: هو بالسكون اسم الجبل الشرق على الموضع، وبالفتح مفترق الطرق. ونجد بفتح النون، قال صاحب " المطالع ": هي من عمل اليمامة، وفي " مناسك الطبري ": قرن ميقات نجد اليمن، ونجد الحجاز، ونجد تهامة، ونجد الطائف، وقرن شرقي مكة، بينهما اثنان وأربعون ميلاً، وكانت فيه وقعة الطعان على بني عامر، يقال له: يوم قرن. وفي

стр. 1997

ولأهل اليمن يلملم هكذا وقت رسول الله ﵊ هذه المواقيت لهؤلاء. ــ [البناية] " الإمام ": هو تلقاء مكة على يوم وليلة منها. م: (ولأهل اليمن يلملم) ش: وهذا هو الخامس من المواقيت ويقال له: ألملم بالهمزة موضع الياء، وقال ابن السيد: أرمرم بالراء أيضاً، وهو جنوب مكة وبينه وبين مكة ثلاثون ميلاً، وفي " الإمام ": هو جبل من جبال تهامة على ليلتين من مكة، وهو ميقات المتوجهين من تهامة وبعض اليمن؛ لأن اليمن نجد وتهامة. وقال النووي ﵀: يجوز صرفه وتركه، قلت: على تأويل المكان والبقعة، وأنشد بعضهم يقول: عرق العراق ويلملم اليمن ... بذي الحليفة يحرم المدني والشام جحفة إن مررت بها ... ولأهل نجد قرن فاستبن والآخر، ذكره تاج الشريعة: قرن يلملم ذو الحليفة جحفة ... بل ذات عرق كلها ميقات نجد تهامة والمدينة مغرب ... شرق وهي إلى الذي مر قات وقال الأترازي في " شرحه ": ومما قلته في المواقيت ... ذات عرق عراقي يلملم ليماني ... وذو الحليفة مدني وجحفة للشامي داني ... ثم نظر قرن لأهل نجد منه للإحرام باني ... قلدوا للموت واتبوا بخراب م: (هكذا وقت رسول الله ﷺ هذه المواقيت لهؤلاء) ش: أي المواقيت الخمسة المذكورة، قوله: هؤلاء، أي للمذكورين من أهل ذي الحليفة، وأهل العراق، وأهل الشام، وأهل نجد، وأهل اليمن، والأصل فيه ما رواه البخاري، ومسلم من حديث طاووس عن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هن لهن ولمن أتى عليهن، من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة» ، ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة، وليس فيه ذكر ذات عرق، وإنما ذكر هذا في حديث عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق،» وقد مر الكلام فيه آنفاً مستقصى.

стр. 1998

وفائدة التأقيت المنع عن تأخير الإحرام عنها؛ لأنه يجوز التقديم عليها بالاتفاق، ثم الآفاقي إذا ــ [البناية] م: (وفائدة التأقيت) ش: بسكون الهمزة لغة في التوقيت م: (المنع عن تأخير الإحرام عنها) ش: أي عن هذه المواقيت، قيد بالتأخير لأن التقديم ليس بممنوع عندنا، لكن إذا قدم الإحرام قبل أشهر الحج يكون مسيئاً عندنا، وعند الشافعي ﵁: لا يجوز، كذا صرح به في " شرح الطحاوي " ﵀، قلت: تقديم الإحرام على هذه المواقيت جائز بالإجماع. وقال داود الظاهري: إذا أحرم قبل هذه المواقيت فلا حج له ولا عمرة، والأفضل عندنا تقديم الإحرام عن هذه المواقيت، والتأخير إليها رخصة من الله تعالى، ورفق بالناس وكره التقديم مالك وأحمد وإسحاق، قيل: والشافعي، وليس بصحيح؛ لأن النووي ذكر في " المنهاج " الأفضل أن يحرم من دويرة أهله، وفي قول من الميقات، وهو الأظهر، وقال إبراهيم النخعي: كانوا يستحبون لمن لم يحج أن يحرم من بيته، ونقل القرطبي عن علي ﵁ أنه قال: إتمام الحج، والعمرة أن يحرم بهما من دويرة أهله، وعن عمر ﵁ مثله، أخرجه البيهقي. وقال القرطبي في " شرح الموطأ " بإسناده أن ابن عمر ﵁ أهل من بيت المقدس وقال أبو عمر بن عبد البر: أحرم ابن عمر من بيت المقدس عام الحكمين، وذكر أنه شكر التحكيم بدومة الجندل، فلما اتفق عمرو بن العاص وأبو موسى من غير اتفاق نهض إلى بيت المقدس فأحرم منه، رواه مالك، وسعيد، ويدل على صحة ذلك أن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعمران بن الحصين، وابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عامر ﵃ أحرموا من المواضع البعيدة قبل المواقيت، وهم فقهاء الصحابة ﵃، وقد شهدوا إحرام رسول الله ﷺ وعلموا أن إحرامه ﵊ من ميقاته كان تيسيراً على أصحابه ورخصة لهم، وابن عمر كان أشد الناس اتباعاً لرسول الله ﷺ . وقال القرطبي: كان إحرام ابن عمر، وابن عباس ﵄ من الشام، وكان إحرام عمران بن الحصين من البصرة، وابن مسعود من القادسية، وكان إحرام علقمة والأسود، وعبد الرحمن بن يزيد الشعبي ﵀ من بيوتهم، وإحرام سعيد بن جبير من الكوفة على بغلة، رواه سعيد بن منصور ﵁، وهو قول الثوري، والحسن بن حي، وقال إسماعيل القاضي: والذين أحرموا قبل الميقات من الصحابة، والتابعين كثير. م: (لأنه يجوز التقديم عليها بالاتفاق) ش: أي لأن الشأن أنه يجوز له تقديم الإحرام على المواقيت بلا خلاف، وقد مر الآن الكلام فيه. م: (ثم الآفاقي) ش: هو من كان خارج المواقيت، قيل: الصواب يبقى نسبة إلى المفرد، وهو الأفق، والآفاقي واحد، فإن السماء، والأرض وهي نواحيها.

стр. 1999

انتهى إليها على قصد دخول مكة عليه أن يحرم قصد الحج، والعمرة أو لم يقصد عندنا؛ لقوله ﵊: «لا يجاوز أحد الميقات إلا محرما» . ولأن وجوب الإحرام لتعظيم هذه البقعة الشريفة فيستوي فيه التاجر والمقيم وغيرهما. ــ [البناية] م: (إذا انتهى إليها) ش: أي إلى هذه المواقيت م: (على قصد دخول مكة عليه أن يحرم قصد الحج، أو العمرة أو لم يقصد عندنا) ش: وعند الشافعي ﵀ يجوز له مجاوزة الإحرام إذا لم يرد النسك، وفي " النهاية ": وقال الشافعي ﵁: إنما يجب الإحرام عند الميقات على من أراد دخول مكة للحج والعمرة، فأما من أراد دخولها لقتال فليس عليه الإحرام عنده قولاً واحداً؛ لأن النبي ﷺ دخلها يوم الفتح بغير إحرام، فإن أراد دخولها للتجارة أو طلب غريم له فيه قولان. وفي " المنهاج " للنووي: من قصد مكة غير محرم لا شك أنه يستحب له أن يحرم بحج أو عمرة، وفي قول: يجب إلا أن يتكرر دخولها كحطاب، وصياد، وقال مالك: من دخل مكة غير محرم متعمداً أو جاهلاً فقد أساء، ولا شيء عليه، وفي " النوادر ": يحرم على غير المترددين دخولها، وإن لم يرد نسكاً، وفي " المغني ": قال أحمد ﵀: لا يدخلها أحد بغير إحرام، وعنه ما يدل على أن الإحرام مستحب. م: (لقوله ﷺ : «لا يجاوز أحد الميقات إلا محرما» ش: أي لقول النبي ﷺ ، وهذا الحديث رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه "، حدثنا عبد السلام بن حرب عن حصين عن سعيد عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا تجاوزوا الوقت إلا بإحرام» ورواه الطبراني في " معجمه ". م: (ولأن وجوب الإحرام لتعظيم هذه البقعة الشريفة فيستوي فيه التاجر والمقيم وغيرهما) ش: أي غير التاجر، والمقيم مثل طلب غريم له في الحرم، أو هارب من أحد، أو طالت حاجته، ونحو ذلك؛ لأن المقصود من الإحرام عند الميقان تعظيم مكة شرفها الله تعالى، والمكي بالاستيطان لها، أو لما حولها جعل نفسه تبعاً لها، فلم يتصور منه القدوم عليها، فلا يلزمه ما يجب بحق القدوم على الآفاقي، فإنهم كالحراس حول الحصن. وقال أبو بكر ﵀ في " العارضة ": الدخول بغير إحرام لأجل القتال حلال أبداً، بل واجب حتى لو يغلب فيها كفاراً يجب قتالهم فيها بالإجماع.

стр. 2000

ومن كان داخل الميقات له أن يدخل مكة بغير إحرام لحاجته؛ لأنه يكثر دخوله مكة وفي إيجاب الإحرام في كل مرة حرج بين فصاروا كأهل مكة حيث يباح لهم الخروج منها، ثم دخولها بغير إحرام لحاجتهم، بخلاف ما إذا قصد أداء النسك؛ لأنه يتحقق أحيانا فلا حرج، فإن قدم الإحرام على هذه المواقيت جاز؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وأتمّوا الحجّ والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] [١٩٦ البقرة] وإتمامها أن يحرم بهما من دويرة أهله، كذا قاله علي، وابن مسعود ﵄. ــ [البناية] م: (ومن كان داخل الميقات) ش: أي ومن كان وطنه بين الميقات ومكة م: (له أن يدخل مكة بغير إحرام لحاجته) ش: أي لأجل حاجته م: (لأنه يكثر دخوله مكة، وفي إيجاب الإحرام في كل مرة حرج بين) ش: أي ظاهر، والحرج مدفوع شرعاً م: (فصاروا كأهل مكة، حيث يباح لهم الخروج منها، ثم دخولها بغير إحرام لحاجتهم) ش: روي عن ابن عباس ﵄ «أنه ﵊ رخص للحطابين أن يدخلوها بغير إحرام» والظاهر أنهم لا يجاوزون الميقات، فدل أنه من كان داخل الميقات. م: (بخلاف ما إذا قصد أداء النسك) ش: أي الحج والعمرة، حيث لا يجوز دخوله بلا إحرام ولا مجاوزة الميقات بالإحرام إن خرج عن الميقات م: (لأنه يتحقق أحيانا) ش: أي لأن قصد من كان داخل الميقات أن النسك متحقق في بعض الأحيان م: (فلا حرج) ش: حينئذ بخلاف قصده غير، وذلك ليس بحطب وبحشيش وحاجة ونحوها، فإنه يكثر، وفي إيجاب الإحرام حرج. م: (فإن قدم الإحرام على هذه المواقيت) ش: أي المواقيت المذكورة م: (جاز) ش: وهذا إجماع خلافاً لداود الظاهري، فإنه يجوزه ولا حج له م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: الآية ١٩٦] ش: وإتمامها أن يحرم بهما) ش: أي بالحج والعمرة م: (من دويرة أهله، كذا قاله علي، وابن مسعود ﵄) ش: حديث علي ﵁ رواه الحاكم في " المستدرك "، في المعتبر من حديث آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن أبي سلمة المرادي، قال: سئل علي ﵁ عن قول الله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦) ، قال: أن تحرم من دويرة أهلك، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ورواه البيهقي في " سننه "، وقال: وروي من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً وفيه نظر، وحديث ابن مسعود ﵁ غريب. وقال الأترازي: روي ذلك عن علي، وابن عباس وابن مسعود ﵃، ولم يبين حال تخريجه، قال في " النهاية ": كان شيخي ﵀ كثيراً ما يقول: إن ذكر الدار ها هنا بلفظ التصغير بمقابلة

стр. 2001

والأفضل التقديم عليها؛ لأن إتمام الحج مفسر به، والمشقة فيه أكثر، والتعظيم له أوفر، وعن أبي حنيفة ﵀ إنما يكون أفضل إذا كان يملك نفسه أن لا يقع في محظور. ومن كان داخل الميقات فوقته الحل، معناه الحل الذي بين المواقيت وبين الحرم لأنه يجوز إحرامه من دويرة أهله ــ [البناية] تعظيم بيت الله تعالى، يعني أن بيت الله يعظم، وغيره من البيوت يصغر. م: (والأفضل التقديم عليها) ش: أي الأفضل تقديم الإحرام على المواقيت م: (لأن إتمام الحج مفسر به، والمشقة فيه أكثر، والتعظيم أوفر) ش: وقال الشافعي ﵀: الإحرام من الميقات هو الأفضل؛ لأن الإحرام عنده من الأداء، وبه قال مالك، وأحمد، وهو اختيار المزني، والبويطي، وعن الشافعي ﵁ كقولنا، وفي " شرح الوجيز ": وهو الأظهر، وعن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنه ﵊ قال: «من أحرم من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بحج أو عمرة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ووجبت له الجنة» وفي رواية: «وإن كانت أكثر من زبد البحر» رواه أبو داود، وأحمد، وابن ماجه، والدارقطني. فإن قلت: ما حاله؟ قلت: أبو داود إذا أخرج حديثا، ولم يتكلم في رجاله كان حجة لأن فيه مسارعة إلى الطاعة. م: (وعن أبي حنيفة ﵀ إنما يكون) ش: أي التقديم م: (أفضل إذا كان) ش: أي الذي يحرم قبل المواقيت م: (يملك نفسه أن لا يقع في محظور) ش: من محظورات الإحرام، وفي " المجتبى ": قال أصحابنا: وكلما قدم الإحرام عليها فهو أفضل إذا ملك نفسه، وعن بعض أصحاب الشافعي: يستحب التقديم عنده قولاً واحداً. فإن قلت: كيف يكون التقديم أفضل، والنبي ﷺ أحرم من الميقات؟ قلت: كان ذلك لبيان الجواز لمن لا يأمن على نفسه ارتكاب محظور الإحرام، وشفقته على الضعفاء. م: (ومن كان داخل الميقات فوقته الحل) ش: أي موضع إحرامه الحل، وقد فسره بقوله: م: (معناه الحل الذي بين المواقيت وبين الحرم؛ لأنه يجوز إحرامه من دويرة أهله) ش: وهذا دليل لما ادعاه في معنى الحل، يعني المراد به الحل الذي بين المواقيت، وبين الحرم لا مطلق الحل، أن لو كان مراده المطلق، فحينئذ يصير هو كالآفاقي، ولما جاز له أن يحرم من دويرة أهله، وحيث جاز له ذلك جاز له أن يحرم من دويرة أهله جاز من أي المواضع شاء من أصل، ومثاله إذا كان من أهل بستان بني عامر، أو نخلة، أو عسفان أو خليص، فالأفضل أن يكون إحرامه من منزله، ويجوز عندنا تأخيره إلى الحرم، ولا معنى لذكر الحل الذي هو قبل منزله إلى المواقيت، ومثله في

стр. 2002

وما وراء الميقات إلى الحرم مكان واحد. ومن كان مكة فوقته في الحج الحرم، وفي العمرة الحل؛ لأن «النبي ﵊ أمر أصحابه ﵃ أن يحرموا بالحج من جوف مكة وأمر أخا عائشة ﵄ أن يعمرها من التنعيم وهو في الحل» ولأن أداء الحج ــ [البناية] المواقيت إلى آخر الأرض. وفي " المحيط "، و " البدائع ": من كان داخل الميقات كأهل بستان بني عامر فميقاته في الحج والعمرة من داره إلى الحرم، ومن داره أفضل، وكذا الآفاقي إذا حل في البستان، والمكي إذا أخرج إليه من الحرم يكون حكمه حكم أهل البستان. م: (وما وراء الميقات إلى الحرم مكان واحد) ش: في حقه بدليل حل الاصطياد والاحتطاب في هذه الأماكن م: (ومن كان بمكة) ش: أي ومن كان وطنه بمكة م: (فوقته) ش: أي فموضع إحرامه م: (في الحج) ش: يعني في قصده في الحج م: (الحرم) ش: يعني يحرم منه م: (وفي العمرة) ش: أي في قصد العمرة م: (الحل) ش: أي خارج الحرم م: (لأنه ﵊ أمر أصحابه ﵃ أن يحرموا بالحج من جوف مكة) ش: هذا الحديث أخرجه مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نحرم إذا توجهنا إلى منى، قال: فأهللنا من الأبطح» وذكره البخاري تعليقاً، فقال: وقال أبو الزبير: عن جابر: أهللنا من البطحاء. م: (وأمر أخا عائشة ﵄ أن يعمرها من التنعيم) ش: أي وأمر النبي ﷺ أخا عائشة هو عبد الرحمن بن أبي بكر ﵃، وهذا الحديث أخرجه البخاري، ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ موافقين لذي الحجة، فلما كان بذي الحليفة إلى أن قالت: فلما كان ليلة الصدر أمر يعني رسول الله ﷺ عبد الرحمن فذهب بها إلى التنعيم، فأهلت بعمرة مكان عمرتها، فطافت بالبيت فقضى الله عمرتها وحجتها» . م: (وهو) ش: أي التنعيم م: (في الحل) ش: وهو موضع قريب من مكة عند مسجد عائشة ﵂، وسمي تنعيماً؛ لأن عن يمينه جبلاً يقال له نعيم، وعن شماله جبل يقال له: ناعم. م: (ولأن أداء الحج في عرفة) ش: يعني المحرم للحج من مكة يكره أداؤه في عرفة يعني بوقوفه م: (وهي في الحل) ش: أي والحال أن عرفة في الحل، قال الأترازي: قوله: عرفة وهي في الحل، وفيه نظر؛ لأن اسم الموقف عرفات، سمي بجمع إذا درع، كذا في " الكشاف "،

стр. 2003

في عرفة وهي في الحل فيكون الإحرام من الحرم ليتحقق نوع سفره، وأداء العمرة في الحرم، فيكون الإحرام من الحل لهذا، إلا أن التنعيم أفضل لورود الأثر به، والله أعلم. ــ [البناية] وعرفة اسم اليوم التاسع من ذي الحجة، والذي في الحل فهو الموقف لا اليوم، انتهى. قلت: نظره ليس بوارد؛ لأنه اغتر بكلام الزمخشري ﵀؛ لأن اسم الموقف ... إلخ، أن إطلاق عرفة مفرداً لا يجوز إطلاقه على الموقف، وليس كذلك فإنه يطلق عليه عرفات أيضاً، قال " صاحب المغرب ": عرفات علم للموقف يقال لها: عرفة أيضاً فافهم؛ لأنها خارجة عن حد الحرم. م: (فيكون الإحرام من الحرم ليتحقق نوع سفره) ش: لأن الحج عبارة عن سفره م: (وأداء العمرة في الحرم، فيكون الإحرام من الحل لهذا) ش: ليتحقق نوع سفره م: (إلا أن التنعيم أفضل) ش: هذا إشارة من قوله: وفي العمرة الحل، يعني أن إحرام المكي في العمرة الحل، ويجوز له أن يحرم من حيث شاء من الحل، إلا أن إحرامه من التنعيم أفضل م: (لورود الأثر) ش: وهو الخبر الذي مضى م: (به) ش: أي بالإحرام من التنعيم.

стр. 2004

باب الإحرام قال: وإذا أراد الإحرام اغتسل، أو توضأ، والغسل أفضل لما روي أنه ﵊ اغتسل لإحرامه إلا أنه للتنظيف، حتى تؤمر به الحائض ــ [البناية] [باب الإحرام] [تعريف الإحرام وسننه] م: (باب الإحرام) ش: أي: هذا باب في بيان صفة الإحرام، ولما فرغ من ذكر المواقيت شرع في بيان أن الإحرام كيف يفعل عندها، والإحرام مصدر من أحرم الرجل إذا دخل في حرمة لا تهتك، كما تقول: أشتى إذا دخل في الشتاء، وفي عرف الفقهاء: أن يحرم المباحات على نفسه لأداء هذه العبادة، فإن من العبادات ما لها تحريم وتحليل كالصلاة والحج، ومنها ما ليس لها ذلك كالصوم والزكاة، وفيه من الأمور ما لا يهتدي إليه العقل كلبس غير المخيط، وترك التطيب، وترك النظافة، ورمي الحصيات المعدودة، وهي كلها تشبه بالأموات، وكأن الإشارة إلى أنه مات في سبيل الله. م: (قال: وإذا أراد الإحرام) ش: الواو فيه للاستفتاح كما سمعته من مشايخي الكبار، أي إذا أراد من قصد الحج م: (اغتسل، أو توضأ، والغسل أفضل لما روي «أن النبي ﷺ اغتسل لإحرامه» ش: هذا الحديث رواه الترمذي، عن عبد الله بن يعقوب المدني، عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه زيد بن ثابت أنه رأى النبي ﷺ نحوه لإهلاله واغتسل، قال: حديث حسن غريب، وأخرجه الطبراني في " معجمه "، والدارقطني في سننه "، ولفظهما: اغتسل لإحرامه، وقد ذكر الأترازي هنا أحاديث في غسل من أراد الإحرام، ولكن كلها أحاديث القول، وليس منه حديث يطابق متن الكتاب، والذي رويناه عن الترمذي هو المطابق. م: (إلا أنه للتنظيف) ش: أي إلا أن هذا الاغتسال لزيادة تنظيف البدن، وأشار إلى أنه غير واجب خلافاً لداود الظاهري، فإنه واجب عنده، ونقل عن بعض أهل المدينة أن الدم يجب بتركه، وعن الحسن البصري: إذا تركه ناسياً يغتسل إذا تذكره، والجمهور على أن هذا الغسل مستحب للإحرام م: (حتى تؤمر به الحائض) ش: والأمر أمر استحباب.

стр. 2005

وإن لم يقع فرضا عنها فيقوم الوضوء مقامه كما في الجمعة والعيدين، لكن الغسل أفضل؛ لأن معنى النظافة فيه أتم، ولأنه ﵊ اختاره. قال: ولبس ثوبين جديدين، أو غسيلين إزارا ورداء ــ [البناية] م: (وإن لم يقع فرضا عنها) ش: أي عن الحائض؛ لأن اغتسالها قبل الطهر لا يخرجها عن الحدث، وإنما هو لقطع الرائحة، ولتنظيف [البدن] وحرمة الإحرام والميقات، وكذا النفساء م: (فيقوم الوضوء مقامه) ش: أي في حق إقامة السنة لا في حق الأفضلية م: (كما في الجمعة والعيدين، لكن الغسل أفضل؛ لأن معنى النظافة فيه أتم) ش: لأنه يشمل البدن، فتعم النظافة ولا يعتبر التيمم عند العجز عن الماء [كالجمعة والعيدين، وبه قال مالك، وأحمد، وقال الشافعي ﵁: ليس التيمم عند العجز عن الماء] ، وفي " جوامع الفقه ": السنة أن يغتسل قبل إحرامه، فإن أحدث بعده ثم توضأ لم ينل فضل الغسل للإحرام كالجمعة. م: (ولأنه ﵊ اختاره) ش: أي لأن النبي ﷺ اختار الغسل، كما مر في حديث الترمذي، وروى الطبراني في " معجمه الأوسط " من حديث عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ كان إذا خرج إلى مكة اغتسل حين يريد أن يحرم» . م: (قال: ولبس ثوبين جديدين، أو غسيلين) ش: أي ولبس ثوبين غسيلين، وقال الشيخ أبو بكر الرازي في " شرحه لمختصر الطحاوي ": إنما ذكر جديدين أو غسيلين؛ لأنه روي عن بعض السلف كراهة لبس الجديد عند الإحرام. قلت: المفهوم هنا أنه إذا لم يجد جديدين يكونا عتيقين غسيلين م: (إزارا ورداء) ش: كلاهما منصوبان على التمييز؛ لأن في قوله: - لبس ثوبين - أعم من أن يكون الملبوس مخيطاً أو غير مخيط. وقوله: إزاراً أو رداء، بأن المراد من اللبس أن يكون غير مخيط؛ لأن المحرم ممنوع من لبسه، ويرجع المعنى إلى تقدير يلبس ثوباً كالإزار في وسطه، وثوباً آخر يتردى به، والإزار من السترة والرداء كالميت يستتر بالكفن، ولهذا ليس له لبس المخيط؛ لأن لبس المخيط من الزينة. وهيئة الارتداء أنه يدخله تحت يمينه ويلقيه على كتفه الأيسر، ويبقى كتفه الأيمن مكشوفاً، ولا يزره ولا يحلله بحلال ولا يمسكه ولا يشد إزاره بحبل على نفسه، ولا يعقد الرداء على عاتقه، ولو فعل ذلك يكون مسيئاً ولا شيء عليه. وقال الدارقطني: وهو مذهب الشافعي ﵁ أيضاً، وعند مالك: عليه الفدية، ولا بأس بالطيلسان إذا لم يزره، وهو قول ابن عمر ﵄، وقال ابن أبي ليلى: لا بأس به، وإن زره.

стр. 2006

لأنه ﵊ اتزر، وارتدى عند إحرامه؛ ولأنه ممنوع عن لبس المخيط، ولا بد من ستر العورة، ودفع الحر، والبرد، وذلك فيما عيناه، والجديد أفضل؛ لأنه أقرب إلى الطهارة. قال: ومس طيبا إن كان له. ــ [البناية] وفي " البدائع ": وهو قول ابن عباس ﵄؛ لأنه ليس بمخيط، وعن الحكم بن عتبة أنه كان لا يرى بأسا أن يتوسخ المحرم بثوبه ويعقده على قفاه، ذكره ابن منصور عنه، وهو قول ابن المسيب أباحه إمام الحرمين والغزالي والمتولي كالإزار وغيره، وعن أبي نصر العراقي أنكر أنه يكره ولا شيء عليه، وبه قال أبو ثور، وابن المنذر، وقال النووي: هو شاذ مردود، ولا معتبر به؛ لأن الأئمة على خلافه، ورأى ﵊ محرماً قد عقد ثوبه، فقال: انزع الحبل ويلك، لكن لم يأمره بالفدية، وقال: إن يتزر في رواية إزاره وقال في " المبسوط "، و " البدائع ": ولا بأس أن يتحرم بعمامته يشتمل بها، ولا يعقدها. م: (لأنه ﵊ اتزر، وارتدى عند إحرامه) ش: أي لأن النبي ﷺ اتزر بالهمزة افتعل من الاتزار، لأن أصله ائتزر بهمزتين، وقال في " المغرب ": اتزر بالتشديد يعني لبس الإزار، وألقى على كتفه الرداء، والحديث أخرجه البخاري في " صحيحه " عن كريب، «عن ابن عباس ﵃، قال: انطلق النبي ﷺ من المدينة بعدما ترجل وادهن، ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه ... » الحديث بطوله. م: (ولأنه) ش: أي ولأن المحرم م: (ممنوع عن لبس المخيط، ولا بد من ستر العورة، ودفع الحر، والبرد، وذلك) ش: أي ستر العورة ودفع الحر والبرد م: (فيما عيناه) ش: أراد به الإزار والرداء م: (والجديد أفضل؛ لأنه أقرب إلى الطهارة) ش: وفي الكفن الجديد والخلق سواء ويستحب أن يكون الإزار والرداء أبيضين، لحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم» وأخرجه الترمذي من حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «البسوا البياض فإنه أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم» وقال: حديث صحيح. وفي " المبسوط ": يلبس الحر، والبرد إذا لم يكن مصبوغاً بالزعفران والعصفر والورس ولا مخيطاً، وفي " خزانة الأكمل ": يلبس الحر، والبرد العروي، والمروي، وفي " البدائع ": والصوف، والبرد الملون كالعدني، وإن اقتصر على ثوب واحد جاز لحصول ستر العورة به. م: (قال: ومس طيبا إن كان له) ش: أي إن وجده، وعبارته تشعر بأنه لا يطلب من غيره إن لم يكن عنده شيء من ذلك، واستحباب الطيب عند الإحرام مذهب جمهور أهل العلم من

стр. 2007

وعن محمد ﵀: أنه يكره إذا تطيب بما تبقى عينه بعد الإحرام، وهو قول مالك، والشافعي - رحمهما الله -، لأنه منتفع بالطيب بعد الإحرام، ووجه المشهور حديث عائشة ﵂ قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم؛ ولأن الممنوع عنه عند التطيب بعد الإحرام، والباقي كالتابع له لاتصاله به بخلاف الثوب؛ لأنه ــ [البناية] السلف والخلف الفقهاء، وأهل العلم، وأهل الحديث، منهم سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وابن الزبير، والبراء بن عازب، وعبد الله بن جعفر، ومعاوية، وعائشة، وأم حبيبة، ومحمد بن الحنفية، وعروة، والقاسم، وإبراهيم، وابن جريج والشعبي، وأبو حنيفة ﵀ وأبو يوسف ﵀، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وداود، وأصحابه، والخطابي، وكرهه عطاء، والزهري، ومالك، ومحمد بن الحسن، وزفر، فيما تبقى عينه بعد الإحرام كالغالية، والمسك. ويجب به الدم عند محمد ﵀ وزفر، وفي " الوبري ": لا شيء عليه إذا فعل ذلك في قولهم جميعا، وفي ظاهر المذهب: لا فرق بين ما تبقى عينه وما لا تبقى، ويستوي فيه الرجل والمرأة، وكذا يتبخر بالعود والعنبر، ويتطيب أصناف الطيب من البان والزريرة والكافور والصندل والزعفران والورس، ذكرهما النووي، والريحان والنسرين والمرزنجوش، وكذا يدهن بالأدهان الطيبة كدهن البان، والورد، والبنفسج. م: (وعن محمد أنه) ش: أي عن مس الطيب م: (يكره إذا تطيب بما تبقى عينه بعد الإحرام) ش: أي بما تبقى عينه على بدنه بعد أن أحرم م: (وهو قول مالك، والشافعي) ش: وقول زفر أيضاً م: (لأنه منتفع بالطيب بعد الإحرام) ش: وهو ممنوع من ذلك؛ لأن للبقاء حكم الابتداء وعن مالك منع الطيب مطلقاً. م: (ووجه المشهور) ش: أي عن أصحابنا م: «حديث عائشة ﵂ قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم» ش:، وفي لفظ: «كأني أنظر وبيض الطيب في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم» . م: (ولأن الممنوع عنه) ش: أي من الطيب م: (عند التطيب بعد الإحرام) ش: يعني ابتداء م: (والباقي) ش: في أثره م: (كالتابع له لاتصاله به) ش: ولا حكم للتابع، فيكون بمنزلة المعدوم م: (بخلاف الثوب) ش: يعني بخلاف ما إذا لبس ثوباً قبل الإحرام وبقي على ذلك الإحرام، حيث يمنع عنه لأنه لم يجعل تبعاً م: (لأنه مباين عنه) ش: أي عن بدنه، ومن هذا إذا حلف لا يتطيب فدام على طيب كان بجسده لا يحنث، وإذا حلف لا يلبس هذا الثوب فدام على لبسه حنث.

стр. 2008

مباين عنه. قال: وصلى ركعتين لما روى جابر ﵁ «أن النبي ﵊ صلى بذي الحليفة ركعتين عند إحرامه.» قال: وقال: «اللهم إني أريد الحج، فيسره لي، وتقبله ــ [البناية] فإن قلت: استدل محمد ﵀ بما رواه الطحاوي بإسناده إلى صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه عن جده «أن رجلاً أتى النبي ﷺ بالجعرانة وعليه جبة وهو يصفر لحيته، ورأسه، فقال: يا رسول الله إني أحرمت وأنا كما ترى، فقال: " انزع عنك الجبة، واغسل عنك الصفرة» ورواه أحمد أيضاً. واستدل أحمد أيضاً بما رواه مالك في " الموطأ " عن نافع عن أسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ وجد ريح طيب، فقال: ممن ريح هذا الطيب، فقال معاوية: مني يا أمير المؤمنين، فقال: منك لعمري، فقال معاوية: إن أم حبيبة طيبتني يا أمير المؤمنين، فقال عمر ﵁: عزمت عليك فلترجع فلتغسله. قلت: الجواب عن حديث يعلى أن الطيب كان خلوقاً وهو مكروه للرجل لا للإحرام، وعن حديث معاوية أنه أمره بالغسل قطعاً لوهم الحاصل أنه فعله بعد الإحرام، وفي " الذخيرة ": يكره للمحرم شم الريحان، والطيب، والثمار الطيبة، ولا شيء عليه عند مالك، ولا يكره عند الشافعي ﵁. م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (وصلى ركعتين) ش: أي في غير الأوقات المكروهة، وفي بعض النسخ: ويصلي ركعتين بلفظ المضارع، وكذا في متن القدوري، وليس في بعض النسخ لفظ: قال وفي الرواية: يستحب أن يصلي. وفي " السروجي ": هذه سنة وتجزئه المكتوبة كالتحية م: (لما روى جابر أن النبي ﷺ صلى بذي الحليفة ركعتين عند إحرامه) ش: نسبة هذا الحديث إلى جابر لم تصح، والذي في حديث جابر بغير تعيين عدد على ما رواه جابر في حديث طويل أنه صلى في مسجد ذي الحليفة ولم يذكر عدداً، نعم روى أبو داود عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «خرج رسول الله ﷺ حاجاً فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتين أوجب في مجلسه ... الحديث» . م: (قال) ش: أي قال القدوري: م: (وقال) ش: الذي يريد الحج، وقال الأكمل: وقال الذي يريد الحج، وفي " النهاية ": في بعض النسخ لم يذكر، قال الأول: وألحقه بحديثه جابر، أي صلى النبي ﷺ بذي الحليفة، وقال: أي النبي ﷺ والصحيح الأول؛ لأنه هو المثبت في الكتب المقروءة على الأساتذة. م: (اللهم إني أريد الحج، فيسره لي وتقبله مني؛ لأن أداءها) ش: أي لأن هذه العبادة، وهو

стр. 2009

مني» ؛ لأن أداءها في أزمنة متفرقة، وأماكن متباينة، فلا يعرى عن المشقة عادة فيسأل التيسير، وفي الصلاة لم يذكر مثل هذا الدعاء؛ لأن مدتها يسيرة، وأداءها عادة متيسر. قال: ثم يلبي عقيب صلاته لما روي أن النبي ﵊ لبى في دبر صلاته. وإن لبى بعدما استوت به راحلته جاز، ولكن الأول أفضل لما روينا. وإن كان مفردا بالحج ينوي بتلبيته الحج؛ لأنه عبادة ــ [البناية] تعليل لسؤال التيسير؛ لأنه عبادة عظيمة تحصل بأفعال م: (في أزمنة متفرقة، وأماكن متباينة، فلا يعرى عن المشقة عادة فيسأل التيسير) ش: لأنه عبادة عظيمة تحصل بأفعال شاقة فاستحب طلب التيسير، والتسهيل من الله تعالى. م: (وفي الصلاة لم يذكر مثل هذا الدعاء؛ لأن مدتها يسيرة وأداءها عادة متيسر) ش: وفي " التحفة "، و " القنية " وغيرهما، قال محمد ﵀: في الصلاة يجب أن يقول: اللهم إني أريد صلاة كذا فيسرها لي، وتقبلها مني، كما في الحج فلا فرق. [حكم التلبية للمحرم ولفظها] [رفع الصوت بالتلبية] م: (قال: ثم يلبي عقيب صلاته لما روي أن النبي ﷺ لبى في دبر صلاته) ش: وبه قال مالك، وأحمد، والشافعي في القديم، وهو قول الترمذي، والنسائي عن عبد السلام بن حرب، حدثنا خصيف عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس «أن النبي ﷺ أهل في دبر صلاته» وقال: حديث حسن غريب. م: (وإن لبى بعدما استوت به راحلته) ش: قال في " المغرب ": أي قامت مستوية على قوائمها، والراحلة هو النجيب، والنجيبة من الإبل م: (جاز) ش: وبه قال الشافعي في الأصح، وهو قول ابن عمر ﵄ م: (ولكن الأول أفضل لما روينا) ش: أشار به إلى قوله - لبى في دبر كل صلاة - وجه الأفضلية أنه أكثر عملاً؛ لأن من يلبي عقب صلاته يلبي إذا استوى على راحلته، وإذا علا شرف البيداء دون العكس، والأحاديث اختلفت في تلبية رسول الله ﷺ ، قال بعضهم: أهل حين صلى، وقال بعضهم: أهل حين استوت به راحلته، وقال بعضهم: حين ارتفع على البيداء. وبين وجه الاختلاف في " شرح الآثار " مسنداً إلى سعيد بن جبير، قال: قيل لابن عباس ﵄: كيف اختلف الناس في إهلال النبي ﷺ ، فقال ابن عباس ﵄: سأخبركم عن ذلك، «إن رسول الله ﷺ أهل في صلاته فشهده قوم فأخذوا بذلك، فلما استوت به راحلته أهل فشهده قوم، فقالوا: أهل رسول الله ﷺ الساعة، وإنما كان إهلال النبي ﷺ في مصلاه فشهده قوم فأخبروا بذلك» . م: (وإن كان مفردا بالحج ينوي بتلبيته الحج؛ لأنه) ش: أي لأن الحج م: (عبادة، والأعمال

стр. 2010

والأعمال بالنيات، والتلبية أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك. وقوله " إن الحمد " والنعمة لك بكسر الألف لا بفتحها، ليكون ابتداء لا بناء؛ إذ الفتحة صفة الأولى، وهو إجابة لدعاء الخليل صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه، على ما هو المعروف في القصة. ــ [البناية] بالنيات) ش: هو لفظ الحديث في رواية م: (والتلبية أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك) ش: لبيك لبيك من المصادر التي يجب حذف فعلها لوقوعه مثنى، واختلفوا في معناه، فقيل: مشتق من ألب الرجل إذا أقام في مكان، فمعنى لبيك: أقيم على عبادتك إقامة بعد إقامة؛ لأن التثنية هناك للتكرير والتكثير، ويقال: معنى لبيك: أنا أقيم على طاعتك، منصوب على المصدر من قولهم: لب بالمكان، وألب إذا أقام به، ولزم، وكان حقه أن يقال: لباً لك، كقولك: حمدا لله. ولكن ثني للتأكيد، أي لباً لك بعد إلباب، وقيل: مشتق من قولهم: امرأة لبة أي محبة لزوجها فمعناه إخلاص لك من قولهم: لباب، أي خالص، ومنه لب الطعام، وقال الحربي: الألباب القرب، وقيل: خضوعاً لك من قولهم أنا ملب بين يديك، أي خاضع ذكر ذلك في " الإمام ". م: (وقوله " إن الحمد " والنعمة لك بكسر الألف لا بفتحها، ليكون ابتداء) ش: أي ليكون ابتداء الكلام غير متعلق بما قبله م: (لا بناء) ش: أي لا يكون بناء على ما قبله، فيكون المعنى أثني عليك؛ لأن الحمد لك، ففيه معنى التخصيص، بخلاف الكسرة لأن فيها معنى التعميم، فهذا أولى م: (إذ الفتحة) ش: أي فتحة الألف م: (صفة الأولى) ش: أي كلمة الأولى، وهي قوله: لبيك، ولم يرد به الصفة النحوية، بل أراد به الصفة الحقيقية، وهي القائم بالذات، معناه التعليل معنى؛ لأن الحمد لك، وابتداء الثناء أولى. وفي " شرح الإرشاد " م: (وهو) ش: أي الكسر اختيار جماعة من أهل اللغة والفقه، وفي " المحيط ": لأن النبي ﷺ كسرها، قلت: لا يعرف ذلك عن النبي ﷺ م: (إجابة لدعاء الخليل - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ -) ش: أي ذكر التلبية، إجابة إبراهيم الخليل ﵊ م: (على ما هو المعروف في القصة) ش: أي في قصة إبراهيم ﵊ لما فرغ من بناء الكعبة أمر بأن يدعو الناس إلى الحج، فصعد أبا قبيس، وقال: إن الله تعالى أمر ببناء البيت له، وقد بني ألا فحجوا، فبلغ الله تعالى صوته الناس في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم، فمنهم من أجاب مرة، ومنهم من أجاب مرتين، وأكثروا على حسب جوابهم يحجون. وبيان هذا في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] الآية (الحج: الآية ٢٧) ، فالتلبية إجابة الداعي بلا خلاف، ولكن الخلاف في الداعي أشار المصنف إلى أن الداعي هو الخليل عليه

стр. 2011

ولا ينبغي أن يخل بشيء من هذه الكلمات؛ لأنه هو المنقول باتفاق الرواة، فلا ينقص عنه، ولو زاد فيها جاز؛ خلافا للشافعي ﵀ ــ [البناية] الصلاة والسلام، وقيل: الداعي هو الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠] (إبراهيم: الآية ١٠) ، وقيل: رسول الله ﷺ كما قال: «إن سيدا بنى دارا واتخذ فيها مأدبة، وبعث داعياً» وأراد بالداعي نفسه ﵊. م: (ولا ينبغي أن يخل بشيء من هذه الكلمات) ش: لبيك اللهم لبيك ... إلخ، قوله: يخل بضم الياء - من الإخلال، وفاعله هو المحرم، ويجوز أن يكون على صيغة المجهول أيضاً م: (لأنه هو المنقول) ش: أي ذكر التلبية على الهيئة المذكورة هو المنقول م: (باتفاق الرواة) ش: فيه نظر إذ ليس ما ذكره منقولاً باتفاق الروايات، فقد روي حديث التلبية عن عائشة، وعبد الله بن مسعود، وليس فيه: والملك لا شريك لك، فحديث عائشة ﵂ أخرجه البخاري في " صحيحه " عن أبي عطية عن عائشة ﵂ قالت: «إني لأعلم كيف كان رسول الله ﷺ يلبي: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك لبيك» . وحديث ابن مسعود أخرجه النسائي في " سننه " عن حماد بن زيد عن أبان بن ثعلب عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن زيد عن عبد الله، قال: «كانت تلبية رسول الله ﷺ : " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك» ، ولم يتعرض الشراح لهذا، وسكتوا عنه غير أن الأترازي تبع المصنف على هذا، حيث قال في تفسير قوله: ولا ينبغي أن يخل بشيء من هذه الكلمات أي لا ينقص من التلبية المذكورة المشهورة باتفاق الرواة عليها. وأخرج مسلم عن ابن عمر قال: «وكان عمر بن الخطاب ﵁ يهل بإهلال رسول الله ﷺ من هؤلاء الكلمات ويقول: لبيك اللهم لبيك، وسعديك والخير في يديك لبيك، ورغبتي إليك والعمل» . وروى إسحاق بن راهويه في " مسنده ": أخبرنا وهب بن جرير بن حازم قال: سمعت أبي يحدث عن أبي إسحاق الهمداني عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: حججنا في إمارة عثمان بن عفان ﵁ عن عبد الله بن مسعود، فذكر حديثاً فيه طول، وفي آخره وزاد ابن مسعود في تلبيته فقال لبيك وعدد التراب، وما سمعته قبل ذلك ولا بعده، وروى النسائي وابن ماجه عن الأعرج عن أبي هريرة، قال كان من تلبية النبي ﷺ لبيك إله الحق لبيك. م: (فلا ينقص عنه) ش: أي عن ذكر التلبية المذكورة، وفي الأسبيجابي إن زاد عليها أو نقص أجزأه ولا يضره شيء م: (ولو زاد فيها) ش: أي في التلبية المذكورة م: (جاز خلافا للشافعي ﵀ -

стр. 2012

في رواية الربيع ﵀ عنه هو اعتبره بالأذان والتشهد من حيث إنه ذكر منظوم. ولنا أن أجلاء الصحابة كابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة ﵃ زادوا على المأثور؛ ــ [البناية] في رواية الربيع عنه) ش: أي عن الشافعي في رواية الربيع، والربيع هو ابن سليمان بن الخباز البصري مولاهم المصري المؤذن راوي كتب الأمهات عن الشافعي ﵁ وهو أحد مشايخ أبي جعفر الطحاوي وأبي داود والنسائي وابن ماجه، وذكره ابن حبان في " الثقات "، مات سنة سبعين ومائتين. قال الطحاوي وكان مؤذن الجامع بفسطاط مصر، وآخر يقال له الربيع بن سليمان الجيزي المصري الأعرج ممن روى عن الشافعي وروى عنه الطحاوي أيضاً، وثقه ابن يونس وقال مات سنة ست وخمسين ومائتين، روى المزني عن الشافعي جواز الزيادة. وفي " شرح الوجيز " لا تستحب الزيادة على تلبية رسول الله ﷺ بل يكررها وبه قال أحمد، وقال أبو حامد ذكر أهل العراق عن الشافعي ﵀ أنه ذكر الزيادة على ذلك، وقال هو غلط لا يكره ولا يستحب، بل يكررها واختاره ابن المنذر. م: (هو) ش: أي الشافعي ﵀ م: (اعتبره بالأذان والتشهد) ش: أي اعتبر ذلك التلبية بالأذان والتشهد في الصلاة، م: (من حيث إنه ذكر منظوم) ش: يعني مرتب بألفاظ مخصوصة لا يجوز التغيير فيها كما لا يجوز في الأذان والتشهد. م: (ولنا أن أجلاء الصحابة) ش: أي أجلائهم وأكابرهم م: (كابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة) ش: وابن مسعود، وهو عبد الله وكذلك ابن عمر عبد الله، وفي اسم أبي هريرة اختلاف كثير، والأكثر على أن اسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني. وقال الهيثم بن عدي كان اسمه في الجاهلية عبد شمس. وقال أبو هريرة ﵁ فسماني رسول الله ﷺ عبد الرحمن، وإنما كنيت بأبي هريرة لأني وجدت هرة فحملتها في كمي، فقيل لي أنت أبو هريرة، وقيل رآه رسول الله ﷺ وفي كمه هرة، فقال يا أبا هريرة. م: (زادوا على المأثور) ش: يعني في التلبية، أما زيادة ابن عمر ففي الحديث الذي أخرجه الستة عن نافع عن ابن عمر ﵄ «أن تلبية رسول الله ﷺ لبيك اللهم لبيك» .. إلخ كما هو المذكور المشهور، ثم قال وكان عبد الله بن عمر يزيد في تلبية لبيك لبيك والخير بيديك والرغبة إليك والعمل، وأخرج مسلم أيضاً هذه الزيادة من قول عمر أيضاً، وقد ذكرناه عن

стр. 2013

ولأن المقصود الثناء، وإظهار العبودية فلا يمنع من الزيادة عليه. قال: وإذا لبى فقد أحرم، يعني إذا نوى؛ لأن العبادة لا تتأدى إلا بالنية. ــ [البناية] قريب، وعن ابن مسعود أنه لبى غداة جمع، فقال رجل ومن هذا الأعرابي، فقال عبد الله لبيك عدد الحصى والتراب، فقيل له ابن مسعود فانساب الرجل في الناس، رواه سعيد بن منصور، وذكره في " الأسرار " والمبسوط ". وفي " جامع المحبوبي " أجهل الناس أم طال العهد لبيك عدد التراب، وأراد بالعهد عهد رسول الله ﷺ ، وفي رواية لبيك حقاً حقاً تعبدا ورقا، لبيك عدد التراب، لبيك ذا المعارج، لبيك لبيك إله الخلق، لبيك لبيك والرغبة إليك، من عبد آبق لبيك، وأما زيادة أبي هريرة ﵁ على التلبية المشهورة فقد ذكرناها عن قريب. م: (ولأن المقصود به الثناء، وإظهار العبودية فلا يمنع من الزيادة عليه) ش: لأنه كلما زاد من ذلك كان أفضل، أما الأذان فلأنه للإعلام بدخول الوقت، فإذا زاد على المشهور يعتقد أنه ذكر الثناء على الله لا للإعلام بدخول الوقت، وأما التشهد فإنه يدعو في الثاني بما شاء، والزيادة على التشهد الأول إخلال بنظم الصلاة. فإن قلت: هل ورد أن الأنبياء كانوا يلبون إذا حجوا. قلت: ذلك ذكر في " مناسك الطبري " عن الأزرقي بتلبية الأنبياء - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مثنى، منهم يونس بن متى ﷺ ، يقول لبيك فراج الكرب، وكان موسى ﷺ يقول لبيك أنا عبدك لديك، لبيك لبيك. وتلبية عيسى ﷺ لبيك أنا عبدك وابن أمتك. م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (وإذا لبى فقد أحرم) ش: يعني دخل في الإحرام م: (يعني إذا نوى) ش: لا يصير محرماً بمجرد التلبية فلا بد من النية م: (لأن العبادة لا تتأدى إلا بالنية) ش: للحديث المشهور، وقال الأترازي: والعجب من صاحب الهداية مع جلالة قدره تكلم في هذا الموضع بلا تفكر، حيث فسر قول القدوري بقوله يعني إذا نوى - وطول كلامه فيه، ثم قال: ولقد صدقوا في قولهم لكل جواد كبوة. حاصل كلامه أن القدوري أشار إلى النية فيما تقدم بقوله - يعني إذا نوى، فإن كان الفرد بالحج نوى بتلبية الحج وصوم بالنية، ومع التصريح كيف يجوز أن يقال لم يذكر النية، وكيف يحتاج من له تمييز إلى تفسير ذلك بقوله يعني إذا نوى. قلت: سبحان الله هذا كلام لا طعم له؛ فإنه ما ارتكب شيئاً يوجب الإنكار عليه، غاية ما في هذا الباب زيادة إيضاح وتنبيه إلى لزوم النية من كل بد، وربما لا يطلع أحد على قوله فيما مضى واطلع على هذا الموضع وليس فيه الإشارة إلى أن يتوهم أن النية ليست بشرط، فأراد ذلك

стр. 2014

إلا أنه لم يذكرها لتقدم الإشارة إليها في قوله: " اللهم إني أريد الحج ". ولا يصير شارعا في الإحرام بمجرد النية ما لم يأت بالتلبية، خلافا للشافعي ﵀؛ لأنه عقد على الأداء، فلا بد من ذكر كما في تحريمة الصلاة، ويصير شارعا بذكر يقصد به التعظيم سوى التلبية فارسية كانت أو عربية، هذا هو المشهور عن أصحابنا ﵏ ــ [البناية] المقصود بقوله - يعني إذا نوى - ولقد اغتر المصنف في ذكره بقوله - يعني إذا نوى - بقوله لأن العبادة لا تتأدى إلا بالنية. م: (إلا أنه) ش: أي القدوري ﵀ م: (لم يذكرها) ش: يعني النية هنا م: (لتقدم الإشارة إليها في قوله: " اللهم إني أريد الحج) ش: حاصل هذا أن الذي فعله القدوري من باب الاكتفاء والذي فعله المصنف من باب الإيضاح والتأكيد ولا سيما هو في طبقة الشراح. م: (ولا يصير شارعا في الإحرام بمجرد النية ما لم يأت بالتلبية) ش: بدون النية وفي " المحيط " لو أراد الإحرام ينوي بنية الحج والعمرة، ويلبي. وفي " الإيضاح " لا يصير داخلاً في الإحرام بمجرد النية حتى يضم إليها سوق الهدي أو التلبية م: (خلافا للشافعي ﵀) ش: فإن عنده يصير محرماً بمجرد النية لبى أو لم يلب، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف في رواية، وروى أبو عوانة البصري عنه أن قوله كمذهبنا، وهو اختيار ابن جبير أن ابن أبي هريرة ﵁ والزبير من أصحابه. م: (لأنه) ش: أي لأن الحج م: (عقد على الأداء) ش: أي على عبادة تشتمل على أركان مختلفة، وكلما كان كذلك م: (فلا بد من ذكر) ش: يقصد به التعظيم م: (كما في تحريمة الصلاة) ش: حيث اشترط الذكر في الابتداء وهو التكبير م: (ويصير شارعا بذكر يقصد به التعظيم سوى التلبية فارسية كانت أو عربية) ش: ويحتمل أن يكون الضمير فيما كانت راجعاً إلى التلبية. حاصل الكلام أن كل ذكر فيه تعظيم يصح به الشروع سواء كانت تلبية أو غيرها، عربيا أو فارسياً، وكذا إذا لبى بالفارسية. م: (هذا هو المشهور عن أصحابنا ﵏) ش: يعني أنه يصير شارعاً بما يقصد به التعظيم. قال القدوري ﵀ في " شرحه " هو المشهور عن أبي يوسف ﵀، رواه ابن أبي مالك وبشر ومعلى، وروى الحسن بن زياد عنه أنه لا يكون محرماً إلا بالتلبية، وقال في " التحفة ": لو ذكر التهليل أو التسبيح أو التحميد ونوى الإحرام يصير محرماً، سواء كان يحسن التلبية أو لا، وكذلك إذا نوى، أي بلسان آخر سواء كان يحسن العربية أو لا يحسنها، هذا جواب ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي يوسف إن كان لا يحسن التلبية جاز وإلا فلا، كما في الصلاة. أما أبو حنيفة فإنه مر على أصله، وهو أن الذكر الموضوع في ابتداء العبادة لا يختص عنده بعبارة

стр. 2015

والفرق بينه وبين الصلاة على أصلهما أن باب الحج أوسع من باب الصلاة، حتى يقام غير الذكر مقام الذكر، كتقليد البدن، فكذا غير التلبية، وغير العربية. قال: ويتقي ما نهى الله تعالى عنه من الرفث، والفسوق، والجدال، والأصل فيه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] (١٩٧ البقرة) ، فهذا نهي بصيغة النفي، والرفث الجماع، أو الكلام الفاحش، أو ذكر الجماع بحضرة النساء، والفسوق: المعاصي، وهو في حال الإحرام أشد حرمة. والجدال: أن يجادل رفيقه، وقيل: مجادلة ــ [البناية] بعينها ولا يلقه، كتكبيرات الصلاة، وأما أبو يوسف ﵀ فقد فرق بين الإحرام والصلاة على ما هو المشهور منها، وهو أن غير الذكر يقوم مقام الذكر، وهو التقليد، فكذلك غير العربية بخلاف الصلاة. م: (والفرق بينه) ش: أي بين الإحرام م: (وبين الصلاة على أصلهما) ش: أي على أصل أبي يوسف ومحمد م: (أن باب الحج أوسع من باب الصلاة) ش: ألا ترى أنه يصير شارعاً بسوق الهدي م: (حتى يقام غير الذكر مقام الذكر، وكتقليد البدن) ش: أو سوقهما م: (فكذا غير التلبية، وغير العربية) ش: أي فكذا غير التلبية تقوم مقامها غير العربية، كذلك إذا كان بذكر يقصد به التعظيم، ويتقي أي المحرم، أي يجتنب، وفي بعض النسخ [محظورات الإحرام] م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ويتقي ما نهى الله تعالى عنه من الرفث، والفسوق، والجدال، والأصل فيه) ش: أي في وجوب الاتقاء عن هذه الأشياء م: (قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] ش: (البقرة: الآية ١٩٧) قرأ ابن كثير وأبو عمرو - فلا رفث ولا فسوق - بالرفع والتنوين، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر، وحمزة والكسائي - فلا رفث ولا فسوق - بالفتح بدون التنوين، وكلهم اتفقوا على فتح اللام في - ولا جدال - بدون تنوين م: (فهذا نهي بصيغة النفي) ش: وهذا أبلغ في الترك، والمعنى فلا ترفثوا ولا تجادلوا. م: (والرفث الجماع) ش: هكذا فسره ابن عباس وابن عمر ﵄ وعطاء ابن أبي رباح وعطاء بن السائب ومجاهد والحسن البصري والزهري والنخعي وقتادة م: (أو الكلام الفاحش) ش: أي الرفث الكلام الفاحش، هكذا فسره أبو عبيد م: (أو ذكر الجماع بحضرة النساء) ش: أي الرفث ذكر الجماع بحضرتهن، وقيل مطلقاً. م: (والفسوق: المعاصي) ش: وهو الخروج عن طاعة الله تعالى م: (وهو) ش: حرام مطلقاً وهي م: (في حال الإحرام أشد حرمة) ش: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] (التوبة: الآية ٣٦) . م: (والجدال أن يجادل رفيقه) ش: وهي حالة الإحرام، أي يخاصم معه م: (وقيل: مجادلة المشركين في تقديم وقت الحج وتأخيره) ش: وقال الزمخشري: إن قريشاً كانت تخالف سائر العرب، فتقف بالمشعر الحرام، وسائر العرب يقفون بعرفة، وكانوا يقدمون الحج سنة وهو

стр. 2016

المشركين في تقديم وقت الحج وتأخيره، ولا يقتل صيدا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] (٩٥ المائدة) ، ولا يشير إليه ولا يدل عليه، لحديث «أبي قتادة ﵁ أنه أصاب حمار وحش وهو حلال، وأصحابه محرمون، فقال النبي ﷺ صحح لأصحابه: " هل أشرتم؟ هل دللتم؟ هل أعنتم؟ " فقالوا: لا، فقال: " إذا فكلوا» . ــ [البناية] النسيء فرده الله إلى وقت واحد، والوقوف إلى عرفة فأخبر الله تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج. م: (ولا يقتل صيدا) ش: أي لا يقتل المحرم صيداً. قال الأترازي: أي لا يذبح ولا يقتل لأن القتل يستعمل في الحرام غالباً. وذبح المحرم الصيد حرام. قلت: لا يحتاج إلى هذا التفسير، لأن القتل حرام، فإن القتل أعم، وفي القرآن أيضاً مذكور بلفظ القتل لا بلفظ الذبح، قوله: - صيدا - يراد به الصيود لا المصدر، إذ لو أريد به المصدر وهو الاصطياد لما صح إسناد الفعل إليه، والمراد صيد البر. ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] (المائدة: الآية ٩٦) والحرم جمع حرام يعني محرمون، والصيد هو الحيوان المتوحش الممتنع في أصل الخلقة، وصيد البحر حلال للمحرم، وهو ما كان تولده ومثواه في البحر. وصيد البر ما كان تولده ومثواه في البر، أما الذي يكون في البحر ويتولد في البر فهو من صيد البر، والذي يتولد في البحر ويكون في البر فهو من صيد البحر كالضفدع؛ لأن الأصل هو التوالد، والكينونة عارض فتعين الأصل دون العارض. م: (ولا يشير إليه) ش: أي إلى الصيد م: (ولا يدل عليه) ش: أي على الصيد، الإشارة أن يشير إلى الصيد باليد، والدلالة أن يقول: إن في مكان كذا صيدا، والإشارة تكون في الحضور والدلالة تكون في الغيبة م: (لحديث أبي قتادة ﵁ «أنه أصاب حمار وحش وهو حلال، وأصحابه محرمون، فقال النبي ﵊ لأصحابه: " هل أشرتم؟ هل دللتم؟ هل أعنتم؟ " فقالوا: لا، فقال: " إذا فكلوا.» ش: هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن أبي قتادة ﵁ فقال: " إذا فكلوا ". هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة في كتبهم «عن أبي قتادة أنهم كانوا في سفر لهم، بعضهم محرم وبعضهم ليس بمحرم، قال: فرأيت حماراً وحشياً فركبت فرسي وأخذت الرمح فاستعنتهم، فأبوا أن يعينوني، فاختلست سوطاً من بعضهم وشددت على الحمار فأصبته، فأكلوا منه، فاستبقوا قال: فسألوا النبي ﷺ فقال: " أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار:؟ " فقالوا لا، قال: " فكلوا ما بقي منها.» وفي لفظ مسلم والنسائي: «هل أشرتم؟ هل أعنتم "، قالوا لا، قال: " فكلوا» ". واسم أبي

стр. 2017

ولأنه إزالة الأمن عن الصيد؛ لأنه أمن بتوحشه، وبعده عن الأعين. قال: ولا يلبس قميصا ولا سراويل، ولا عمامة ولا قلنسوة ــ [البناية] قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري، وجه التمسك به أنه ﷺ علق الإباحة بعدم الإشارة والدلالة، فدل على أنها من محظورات الإحرام، ولهذا لو أعطاه سكيناً ليذبحه به، وليس معه سكين أو أراه موضع سكين وموضع السهم ليرميه به، كان ذلك داخلاً تحت الإعانة والإشارة وقيل الإعانة والإشارة من المحرم محرمة، فإن علم المحرم مكانه وكذا أن لو أعطاه سكيناً أو معه سكين، لإطلاق الحديث، قلنا: إذا كان عالماً بمكانه فالموجود من الحلال لغو، فلا اعتبار به، وكذا السكين والسهم، وفي " المبسوط " قال السروجي الأصح عندي أنه لا شيء على معير السكين من الضمان. م: (ولأنه) ش: أي ولأن المذكور من الإشارة والدلالة والإعانة م: (إزالة الأمن عن الصيد؛ لأنه أمن بتوحشه، وبعده عن الأعين) ش: لأن إزالة الأمن ربما يتطرق بها إلى القتل، وفي " الذخيرة " لا ضمان على الدال سواء كان محرماً أو حلالاً في صيد الحرم. م: (قال) ش: أحمد ﵀ يضمن بالدلالة، وقال الشافعي ﵀: لا يضمن بالدلالة لأنه لا يلزم حفظه م: (ولا يلبس) ش: أي المحرم م: (قميصاً) ش: ولو كان من جلد م: (ولا سراويل) ش: قيل إنه عجمي نكرة مفرد غير منصرف، لأنه وافق بناؤه بناء ما لا ينصرف من العربي نحو قناديل. قلت: هذا قول سيبويه، وقيل: إنه جمع سروالة في التقدير، وليس فيه عجمة بل هو عربي، وقيل بل هو جمع محقق. قال الشاعر: عليه من العدم سروالة ... فليس يرق المستضعف فعلى هذا لا كلام في منع الصرف، ولو لبس السراويل عند عدم الإزار لزمه دم، إلا أن يشقها نصفين ويتزر بهما لتصير بمنزلة الإزار، ولا يشقها ولا شيء عليه. م: (ولا عمامة ولا قلنسوة) ش: قال صاحب المطالع القلنسوة معروفة إذا فتحت القاف ضمت السين، وكان بالواو، وإن ضمت القاف كسرت السين، وكان بالباء، وهي مشتقة من قلس الشيء إذا أعطاه، النون الزائدة، قاله ابن دريد: وقال ابن الأنباري فيها تسع لغات بلا واو، قلينسه وقلنيسة وقلنسة كلها بالتصغير، وقلنساه وقلساة، وقال في " دستور اللغة " القلسوة - هلاه - يعني بالفارسية وبالعربية القبع، وطول الجوهري فيه الكلام. حاصله أن جمعه قلانس وقلانيس وقلاسي، وأصله قلنسو، فحذف منه الواو لأنه ليس في الأسماء اسم آخره حرف علة، وقبلها ضمة، يقال قلسه يقلس وقلس يقلس، أي لبست

стр. 2018

ولا قباء، ولا خفين إلا أن لا يجد نعلين فيقطعهما أسفل من الكعبين، لما روي أن النبي ﷺ نهى أن يلبس المحرم هذه الأشياء، وقال في آخره: «ولا خفين إلا أن يجد نعلين فليقطعهما أسفل الكعبين» . ــ [البناية] القلنسوة فيهما. م: (ولا قباء) ش: أي ولا يلبس قباء، المراد به اللبس المعتاد، حتى قال أبو حنيفة ﵀: لا يحرم لبس القباء على المحرم إلا إذا أدخل يديه في كمه، وبه قال النووي وأبو ثور والحربي من الحنابلة، وعند الشافعية والمالكية والحنابلة لا يتوقف تحريم لبسه على إدخال اليدين في كميه. م: (ولا خفين) ش: أي ولا يلبس خفين م: (إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما أسفل من الكعبين) ش: وقال عطاء وأحمد بن حنبل لا يقطعهما استدلالاً «بحديث ابن عباس، قال سمعت رسول الله ﷺ يخطب بعرفات من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل» ولم يذكر القطع. ولنا حديث الكتاب وهو قوله م: (لما روي أن النبي ﷺ نهى أن يلبس المحرم هذه الأشياء، وقال في آخره: ولا خفين إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما أسفل من الكعبين) ش: أراد بهذه الأشياء القميص والسراويل والعمامة والقلنسوة والخفين، والحديث أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن ابن عمر ﵄، «قال رجل: يا رسول الله ما تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام، قال: لا يلبس القميص ولا السراويلات ولا العمائم ولا البرانس ولا الخفاف، إلا أن يكون أحد ليس له نعلان فيلبس الخفين، وليقطع أسفل الكعبين....» الحديث. والعمل بحديث ابن عمر ﵄ أولى من العمل بحديث ابن عباس ﵄ لأنه لم ينقل عنه صفة لبس الخفين، ونقلها ابن عمر ﵄، ولأن من زاد حفظ ما لم يحفظه الذي اختصر، والعجب من الأخصام أنهم يحملون المطلق على المقيد ولا سيما في حادثة واحدة، وهذا لو أمن ذلك. فإن قلت: زعمت الحنابلة أن حديث ابن عمر ﵄ منسوخ بحديث ابن عباس ﵄ لأنه بعرفات، وحديث ابن عمر كان بالمدينة، وكذا ذكره الدارقطني أجيب بأن هذا جهل بأصول الفقه، لأن المطلق والمقيد لا يتناسخان عندهم، مع أن حديث ابن عباس ﵄ رواه أيوب والثوري وابن عيينة وحماد بن زيد وابن جريج وهشام وشعبة كلهم من حديث عمرو بن دينار عن جابر بن زيد، ولم يقل أحد منهم بعرفات غير شعبة وانفراد الواحد عن الثقات يوجب الضرر، فيما انفرد به عندهم.

стр. 2019

والكعب هنا المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك دون الناتئ فيما روى هشام عن محمد ﵀ قال: ولا يغطي وجهه ولا رأسه وقال الشافعي: يجوز للرجل تغطية الوجه ــ [البناية] فإن قلت: ذكر الشيخ تقي الدين في شرح العمدة أن ذلك من رواية جعفر بن برقان وقد وهم في موضعين، أحدهما أنه قال نافع ويقطع الخف أسفل من الكعبين، والثاني أنه قال فيه فمن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل، وليس هذا في حديث ابن عمر ﵄، وأخذ به الشافعي ﵀ وابن حنبل، وأنكره مالك في الموطأ، وقال أبو عبد الله لا سبيل انفراد حديث السراويل عن جابر بن زيد عن ابن عباس ﵄، وهو رجل من أهل البصرة لا يعرف. قلت: غلط أي غلط من يقدح في رواية الحفاظ الذين رفعوا القطع إلى رسول الله ﷺ . فإن قلت: قال عطاء: في قطعهما فساد، والله لا يحب المفسدين. قلت: قد ثبت الأمر من صاحب الشرع بقطعهما، وهو [....] على الشارع بحكمه، ولأن حكم الفعل فساد، إنما يعرف من جهة الشرع، وقال: أمر به وهو لا يأمر بالفساد، والأمر بقطعهما مع ما فيه من إتلاف المالية يدل على خلاف ما قالوا، فالشافعي معنا في الخفين، ومع ابن حنبل في السراويل، ومالك وافقنا فيهما، وإذا لبس الخفين من غير قطع تلزمه الفدية. وقال ابن بطال في " شرح البخاري " والطبري في " مناسكه " أن عند أبي حنيفة ﵀ تجب الفدية مع قطعهما. قلت: هذا النقل عنه غير صحيح لا أصل له، ولا تجب الفدية به عندنا مع القطع، وإن وجد النعلين فلبس الخفين مقطوعين فلا شيء عليه عندنا كالمدارس ونحوه، وعند مالك وأحمد يفدى، وللشافعي قولان. م: (والكعب هنا المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك) ش: إنما قال: هنا يعني في باب الحج، احترازاً عن الكعب المذكور في باب الوضوء، فإن الكعب هنا هو الذي نفاه بقوله - م: (دون الناتئ) ش: بالنون والتاء المثناة من فوق النتوء وهو الارتفاع م: (فيما روى هشام عن محمد ﵀) ش: هشام بن عبد الله الراوي، فإنه روى عن محمد في الحج أن الكعب هو الناتئ، قالوا: إن ذلك وهم من هشام في نقله عن محمد، لأن محمداً قال ذلك في مسألة الوضوء، وقد مر الكلام فيه هناك. م: (ولا يغطي رأسه ولا وجهه) ش: وبه قال مالك وأحمد في رواية، وفي بعض النسخ ولا يغطي رأسه ولا وجهه، والأول أصوب على ما لا يخفى. م: (وقال الشافعي: يجوز للرجل تغطية الوجه) ش: وبه قال مالك وأحمد في

стр. 2020

لقوله ﵇: «إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها» . ولنا قوله ﵊: «لا تخمروا وجهه، ولا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» قاله في محرم توفي ــ [البناية] المشهور عنه م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ م: (إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها) ش: هذا الحديث رواه الدارقطني في " سننه " عن هشام بن حسان عن عبد الله بن عمر ﵄ عن نافع عن ابن عمر ﵁ قال إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها قال هذه قسمة تقطع الشركة. م: (ولنا قوله ﷺ : «لا تخمروا وجهه، ولا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» قاله في محرم توفي) ش: هذا الحديث رواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أن «رجلاً أوقصته راحلته فمات، فقال رسول الله ﷺ : " غسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه طيباً ولا تخمروا رأسه ولا وجهه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» ورواه الباقون ولم يذكروا فيها وجهاً. فإن قلت: قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري ذكر الوجه في هذا الحديث تصحيفاً من الرواة لإجماع الثقات الأثبات من أصحاب عمرو بن دينار ولا تغطوا رأسه، وهو المحفوظ. قلت: المرجوع في ذلك إلى مسلم لا إلى الحاكم، فإنه كثير الأوهام، وأيضا في التصحيف إنما يكون في الحروف المتشابهة، وأي مشابهة بين الرأس والوجه في الحروف، ومثل هذا بعيد عن التصحيف. فإن قلت: كيف يستدل أصحابنا بمثل هذا الحديث في مذهبنا على خلاف حكم هذا الحديث في محرم يموت حيث يصنع به ما يصنع بالحلال من تغطية رأسه ووجهه باللبس عندنا، خلافاً للشافعي ﵁، وهو يتمثل هناك بمثل هذا الحديث. قلت: أجيب بأن الحديث فيه دلالة على أن للإحرام تأثيراً في ترك تغطية الرأس والوجه، فإنه ﷺ علل ترك التغطية بأنه يبعث ملبيا، أي محرماً. ثم الحجة لنا في تغطية رأس المحرم ووجهه إذا مات ما روي عن عطاء أن «النبي ﷺ سئل عن محرم مات فقال خمروا رأسه ووجهه ولا تشبهوه باليهود» . وحديث الأعرابي الذي أوقصته راحلته تأويله أن النبي ﷺ عرف بطريق الوحي خصوصية ببقاء إحرامه بعد موته، وقد كان

стр. 2021

ولأن المرأة لا تغطي وجهها مع أن في الكشف فتنة، فالرجل بطريق الأولى. وفائدة ما روي الفرق في تغطية الرأس. ــ [البناية] رسول الله ﷺ يخص بعض أصحابه بأشياء. قلت: الشراح ذكروا هذا هكذا، وقالوا: عن عطاء أن النبي ﷺ إلى آخره، فهذا يدل بظاهره أنه مرسل، وليس كذلك، فإنه متصل أخرجه الدارقطني عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي، حدثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خمروا وجوه موتاكم ولا تشبهوا باليهود» . والعجب من الأترازي أنه ذكر هنا للشافعي ﵀ في جواز تغطية الوجه ما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً كان مع النبي ﷺ وقصته راحلته ... الحديث، وهو الحديث الذي ذكرناه عن مسلم في الاستدلال الذي استدل به المصنف، فذكره الأترازي لاستدلال الشافعي ﵀. وذكر لنا حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين» . قلت: هذا رواه أبو داود عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ثم قال الأترازي: فإذا لم يجز للمرأة تغطية وجهها، مع أن كشف وجهها موجب للفتنة فأولى أن لا يجوز للرجل تغطية الوجه، لأن الإحرام في الرجل آكد منه في المرأة انتهى. ولقد أنصف في هذا حيث قال في حيث ذكرت حديث البخاري للشافعي، وليس فيه ذكر الوجه، ولا يذكر الوجه إلا في رواية مسلم، كما ذكرنا، وترك الحديث الذي ذكره المصنف لاستدلال الشافعي ﵀ في خلافه في وجه الرجل م: (ولأن المرأة لا تغطي وجهها مع أن في الكشف فتنة، فالرجل بالطريق الأولى) ش: يعني أن لا يغطي وجهه م: (وفائدة ما روي الفرق في تغطية الرأس) ش: أي وفائدة ما رواه الشافعي ﵀، وهي قوله ﷺ «إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها» الفرق في تغطية الرأس، يعني يجوز للمرأة أن تغطي وجهها، ولا يجوز للرجل أن يغطي وجهه في الإحرام. قلت: ذكر في " روضة الشافعية " يغطي أذنيه ولحيته ما دون ذقنه ولا يمسك أنفه بثوب. ولا

стр. 2022

قال: ولا يمس طيبا؛ لقوله ﵊: «الحاج الشعث التفل» ، وكذا لا يدهن ــ [البناية] بأس في إمساكه بيده ولا يغطي فمه ولا العارضين. وقال أحمد: يغطي وجهه ولا يغطي أذنيه لقوله ﷺ «الأذنان من الرأس» ، وبه قال مالك ﵁ ولو غطى بطيب أو طائبة أو حائبة أو خشب أو حجر أو زجاج أثلل، وهو العفة أو عدل أو جوانق حنطة فلا شيء عليه وبغيره بأجر أو بغير أجر فعليه الفداء. وفي " شرح المهذب " للنووي لو وضع على رأسه زنبيلاً أو حملاً يجوز في أصح الطريقين وعن عطاء ﵁ لا بأس بالمكيل على رأسه، ويكره أن يمكن وجهه على مخدة بخلاف خديه، وله أن يضع يديه على رأسه، وكذا يد غيره وينغمس في الماء، ولو غطى رأسه بالطين فشده بالحناء فعليه الفدية، وعند الشافعي وأحمد - رحمهما الله - الحناء ليس بطيب، وفي " المجانسة " تسدل على وجهها ثوباً أن أرادت ولا من طيب. وفي أكثر النسخ م: (قال: ولا يمس طيبا) ش: أي قال القدوري ﵀: والطيب ما رائحته طيبة. وفي " الحلية " الطيب ما يتطيب به، يتخذ منه الطيب كالمسك والزعفران والعنبر والصندل والورد والياسمين والكافور. وفي الريحان الفارسي قولان، وكذا المرزجوش النيلوفر والنرجس عند بعض أصحابنا، وفي تتمتهم التفاح على المحرم شيء من الرياحين. وفي " المحيط " ما له رائحة مستلذة كالزعفران والبنفسج ونحوهما والحناء طيب خلافاً للشافعي ﵀ والوسمة ليست بطيب، وعن أبي يوسف ﵀ هي الحناء والخطمي طيب عند أبي حنيفة ﵀، خلافاً لهما، وقيل الخلاف في خطمي العراق. م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «الحاج الشعث التفل» ش: هذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه عن إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عمر ﵄ قال: «قام رجل فقال يا رسول الله من الحاج؟ فقال الشعث التفل» ". الشعث بفتح الشين المعجمة وكسر العين المهملة، وبالثاء المثلثة، وهو مغبر الرأس، وأصله من الشعث، وهو إنشاء الغبر وتغبره لقلة العهد، ومنه يقال رجل أشعث وامرأة شعثاء. والتفل بفتح التاء المثناة وكسر الفاء تارك الطيب، وأصله من التفل، وهو الريح الكريهة. م: (وكذا لا يدهن) ش: أي كما لا يمس طيباً لا يدهن أيضاً، وبه قال مالك ﵁ خلافاً للشافعي ﵀، وابن حبيب. وفي " شرح المهذب " الزيت والشيرج والسمن ونحوهما من الأدهان لا يحرم استعمالها على المحرم في بدنه إذا لم تكن مطيبة، وتحرم في الرأس، والمطيب منه يمنع في جميع البدن، واستدلوا على الإباحة بحديث فرقد السبخي

стр. 2023

لما روينا. ولا يحلق رأسه، ولا شعر بدنه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] (١٩٦ البقرة) الآية. ولا يقص من لحيته؛ لأنه في معنى الحلق؛ ولأن فيه إزالة الشعث، وقضاء التفث، قال: ولا يلبس ثوبا مصبوغا بورس، ولا زعفران، ولا عصفر؛ لقوله ﵊: «لا يلبس المحرم ثوبا مسه زعفران، ولا ورس إلا أن يكون غسيلا ــ [البناية] الزاهد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ ادهن بزيت غير مقتت وهو محرم» رواه البيهقي، قال النووي ﵀ هو ضعيف، وقال: فرقد ليس بشيء، وقال ابن حبان كانت فيه غفلة، وزاده خطأ، وكان يرفع المسند ويسند الموقوف من حيث لا يفهم، فبطل الاحتجاج به، وضعفه يحيى بن معين قوله: غير مقتت أي غير مطيب. م: (لما روينا) ش: وهو قوله ﷺ : «الحاج الشعث التفل» م: (ولا يحلق رأسه، ولا شعر بدنه) ش: مثل شعر إبطه وعانته، وكذا حلق لحيته وأخذ شاربه م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦) فيدل بعبارته على النهي لحلق الرأس وبدلالة النهي عن حلق شعر البدن، لأن شعر الرأس استحق الأمن عن الإزالة لكونه نامياً يحصل الارتفاق بإزالته، وهذا المعنى في شعر البدن فتلحق به دلالته. م: (ولا يقص من لحيته؛ لأن في معنى الحلق) ش: من حيث الارتفاق به م: (ولأن فيه) ش: أي في القص من اللحية م: (إزالة الشعث) ش: قد مر تفسيره عن قريب م: (وقضاء التفث) ش: بفتح التاء المثناة من فوق، والفاء وبالمثلثة، وقال المطرزي: هو الوسخ، والمراد قضاء إزالة التفث وقيل هو فسخ الإحرام وقضاؤه بحلق الرأس والاغتسال، وقال الكاكي: قضاء التفث إزالة بقص الشارب، وقلم الأظافر، ونتف الإبط والاستحداد، وبقولنا قال الشافعي وأحمد ومالك في رواية، وقال أصحاب الظاهر، لا يجب شيء في غير شعر الرأس وبه قال مالك في رواية. م: (قال: ولا يلبس ثوبا مصبوغا بورس) ش: الورس بفتح الواو وسكون الراء وبالسين المهملة وهو نبت طيب الرائحة، وفي " القاموس ": شيء أحمر، فإنه يشبه نحو الزعفران مجلوب من اليمن، وفي " الصحاح ": الورس نبت أصفر يكون باليمن، وفي " الديوان " صبغ أصفر م: (ولا زعفران) ش: أي ولا ثوباً مصبوغاً بزعفران م: (ولا عصفر) ش: أي ولا ثوباً مصبوغاً بعصفر. قال الجوهري: العصفر صبغ ولم يزد عليه. م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «لا يلبس المحرم ثوبا مسه زعفران، ولا ورس إلا أن يكون غسيلاً» ش: هذا الحديث رواه الحافظ أبو جعفر الطحاوي، قال: حدثنا ابن أبي عمران،

стр. 2024

لا ينفض» ؛ لأن المنع للطيب لا للون. وقال الشافعي ﵀: لا بأس بلبس المعصفر؛ لأنه لون لا طيب له، ولنا أن له رائحة طيبة. قال: ولا بأس بأن يغتسل، ويدخل الحمام ــ [البناية] حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، حدثنا أبو معاوية عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تلبسوا ثوباً مسه ورس أو زعفران إلا أن يكون غسيلاً» ، يعني في الإحرام، قوله: - إلا أن يكون غسيلاً - وقع في حديث ابن عمر في رواية الطحاوي م: (لا ينفض) ش: أي لا يوجد منه رائحة العصفر والزعفران، كذا في " فتاوى قاضي خان "، وعن محمد، أي أن لا يتعدى أثر الصبغ إلى غيره أي لا يخرج منه رائحة طيبة إلى غيره، وقيل النفض التناثر، وهذا لا يصح لأن العبرة للطيب لا للتناثر. م: (لأن المنع للطيب لا للون) ش: أشار بهذا التعليل إلى أن معنى قوله - لا ينفض - لا يخرج منه رائحة طيبة، لأن المنع لكونه طيباً، أي لأجل كونه طيباً، اعترض على القدوري بسبب قوله: - إلا أن يكون غسيلاً لا ينفض - حيث ذكر على البناء للفاعل، لأنه يقال نفضت الثوب أنفضه نفضاً، إذا حركته ليسقط ما عليه، والثوب منفوض فليس بنافض، هذا خطأ، وإنما هو ينفض على صيغة المجهول. قلت: هذا اعتراض ساقط لا وجه له، لأن القدوري ﵀ لما قال: لا ينفض ضبط على بناء الفاعل حتى يتوجه إليه الاعتراض واللفظ يحتمل الوجهين، ولئن سلمنا أنه نقل عنه على بناء المجهول، فله وجه بطريق الإسناد المجازي، وهذا باب واسع. م: (وقال الشافعي ﵀: لا بأس بلبس المعصفر؛ لأنه لون لا طيب له) ش: عرفاً، ولهذا لا يباع في سوق القطر، وبه قال أحمد. م: (ولنا أن له رائحة طيبة) ش: فيكون ممنوعا منها كالورس والزعفران، وصحح في " الموطأ " إنكار عمر ﵁ على طلحة ﵁ في لبس المعصفر حالة الإحرام. [ما يباح للمحرم] م: (وقال: ولا بأس بأن يغتسل) ش: لأنه ﷺ اغتسل م: (وهو محرم) ش: رواه مسلم، ولأن ابن عمر رخص فيه، وحكى أبو أيوب الأنصاري ﵁ «اغتسال رسول الله ﷺ وهو محرم» متفق عليه، وأجمع أهل العلم أن المحرم يغتسل من الجنابة، ورخص جابر وابن عمر وسعيد بن جبير والشافعي وأحمد وأبو ثور، وكره مالك أن يغيب رأسه في الماء لتوهم التغطية، فإن فعل أطعم م: (ويدخل الحمام) ش: لأنه يصب الماء عليه، وروى الشافعي والبيهقي بإسنادهما عن ابن عباس ﵄ أنه دخل حماماً بالجحفة وهو محرم، وقال مالك

стр. 2025

لأن عمر ﵁ اغتسل وهو محرم، ولا بأس بأن يستظل بالبيت والمحمل. وقال مالك ﵀: يكره أن يستظل بالفسطاط، وما أشبه ذلك، لأنه يشبه تغطية الرأس. ولنا أن عثمان ﵁ كان يضرب له فسطاط في إحرامه؛ ولأنه لا يمس بدنه فأشبه البيت. ولو دخل تحت أستار الكعبة حتى غطته إن كان لا يصيب رأسه ولا وجهه فلا بأس به؛ لأنه استظلال، ولا بأس بأن يشد وسطه بالهميان. وقال مالك ﵀: يكره إذا كان فيه نفقة غيره؛ لأنه لا ضرورة. ولنا أنه ليس في معنى لبس المخيط فاستوت فيه الحالتان. ــ [البناية] ولو دخل الحمام وتدلك افتدى. م: (لأن عمر ﵁ اغتسل وهو محرم) ش: رواه مالك في " الموطأ " مطولاً م: (ولا بأس بأن يستظل بالبيت والمحمل) ش: بفتح الميم الأولى وكسر الثانية، وفي " المغرب " بالعكس أيضاً وهو الهودج الكبير، وعن مالك وأحمد لو استظل بالمحمل راكباً افتدى، ولو استظل نازلاً لا شيء عليه. م: (وقال مالك ﵁: يكره أن يستظل بالفسطاط) ش: وهو الخيمة الكبيرة، وبه قال أحمد، حتى لو فعل تجب الفدية في إحدى الروايتين عن أحمد م: (وما أشبه ذلك) ش: نحو أن يرفع ثوباً على عود أو يقيم ثلاثة أعواد مربوطة رأسها ويضع عليها ثوبا ونحو ذلك م: (لأنه يشبه تغطية الرأس) ش: وإن لم يمس رأسه فيكره. م: (ولنا أن عثمان ﵁ كان يضرب له فسطاط في إحرامه) ش: روى ابن أبي شيبة في " مصنفه "، حدثنا وكيع حدثنا الصلت عن قتيبة بن طهمان، قال: رأيت عثمان ﵁ بالأبطح في فسطاط مضروب وسيفه معلق بالشجرة، ذكره في باب المحرم يحمل السلاح م: (ولأنه) ش: أي ولأن الفسطاط م: (لا يمس بدنه فأشبه البيت) ش: فلا يكره، لأن الاستظلال في البيت بالسقف. م: (ولو دخل تحت أستار الكعبة حتى غطته إن كان لا يصيب رأسه ولا وجهه فلا بأس به؛ لأنه استظلال) ش: فيكون الاستظلال بالثوب، وفي " المغني " يكره ذلك. م: (ولا بأس بأن يشد وسطه بالهميان) ش: وهو ما يوضع فيه الدراهم والدنانير م: (وقال مالك ﵁: يكره إذا كان فيه نفقة غيره؛ لأنه لا ضرورة) ش: له في ذلك وإن كان فيه نفقته فلا بأس به. م: (ولنا أنه) ش: أي شد الهميان في وسطه م: (ليس في معنى لبس المخيط فاستوت به الحالتان) ش: يعني نفقته ونفقة غيره، وقال ابن المنذر، ورخص في الهميان والمنطقة للمحرم ابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء وطاووس ومجاهد والقاسم والنخعي والشافعي وأحمد

стр. 2026

ولا يغسل رأسه، ولا لحيته بالخطمي لأنه نوع طيب، ولأنه يقتل هوام الرأس. قال: ويكثر من التلبية عقيب الصلوات وكلما علا شرفا، أو هبط واديا، أو لقي ركبانا وبالأسحار لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يلبون في هذه الأحوال. ــ [البناية] وإسحاق وأبو ثور ﵃ أَجْمَعِينَ -، غير أن إسحاق قال ليس له أن يعقد بل يدخل بسور بعضها في بعض. وقالت عائشة ﵂ في المنطقة للمحرم أو سويق عليك نفسك، ذكره محب الدين الطبري. م: (ولا يغسل رأسه، ولا لحيته بالخطمي) ش: بكسر الخاء. وفي " المحيط "، وكذا جسده، وبه قال مالك، وفي " شرح الوجيز " في الجديد لا يكره بالخطمي قال: والسدر، وفي القديم يكره، ولكن لا فدية عليه، وبه قال أحمد م: (لأنه) ش: أي لأن الغسل بالخطمي م: (نوع طيب) ش: هذا في خطمي العراق، لأن له رائحة طيبة م: (ولأنه يقتل هوام الرأس) ش: بتشديد الميم، جمع هامة، وأريد بها القمل ها هنا، ثم إذا غسل رأسه ولحيته بالخطمي يجب عليه الدم عند أبي حنيفة ﵁ قال تجب عليه الصدقة، وعن أبي يوسف روايتان أخريان أحدهما: أنه لا شيء عليه جملة بمنزلة الأشنان، والثانية: يجب عليه دمان، دم لأنه طيب ودم لأنه يقتل هوام الرأس، وأجمعوا لو غسله بالحرض أو بالصابون أو بالماء القراح لا شيء عليه. م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ويكثر من التلبية عقيب الصلاة) ش: وفي بعض النسخ الصلوات، وفي " المحيط " عقيب المكتوبات دون الفائتات، وهو الأفضل في ظاهر الرواية، وعليه الإجماع إلا عند مالك وأحمد قال: لا يلبي عند اصطدام الرفاق م: (وكلما علا شرفا) ش: أي صعد مكاناً مرتفعاً م: (أو هبط واديا، أو لقي ركبانا) ش: بفتح الراء وسكون الكاف، وهم أصحاب الإبل في السفر م: (وبالأسحار) ش: عطف على قوله - عقيب الصلاة - أي يكثر من التلبية، أي أيضاً بالأسحار جمع سحر. م: (لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يلبون في هذه الأحوال) ش: هذا غريب، وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه "، حدثنا أبو خالد الأحمر عن ابن جريج عن ساباط قال: كان السلف يستحبون التلبية في أربعة مواضع: في دبر الصلاة، وإذا هبطوا وادياً أو علوه وعند التقاء الرفاق. وعن أبي معاوية عن الأعمش عن خيثمة قال كانوا يستحبون التلبية عند دبر الصلاة، وإذا استقبلت بالرجل راحلته وإذا صعد شرفاً أو هبط وادياً وإذا لقي بعضهم بعضاً. وفي " الإمام «كان ﷺ يلبي إذا لقي راكباً، أو صعد، أو هبط واديا، وفي أدبار المكتوبة، وفي آخر الليل» . وقال النخعي كان السلف يستحبون التلبية في هذه الأحوال وهو قول الشافعي

стр. 2027

والتلبية في الإحرام على مثال التكبير في الصلاة، فيؤتى بها عند الانتقال من حال إلى حال. ويرفع صوته بالتلبية؛ لقوله ﵊: «أفضل الحج العج والثج» فالعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج إسالة الدم. قال: فإذا دخل مكة ابتدأ بالمسجد لما روي «أن النبي عليه الصلاة ــ [البناية] ﵀ في الجديد، وقال مالك وابن حنبل ﵄: لا يلبي عند اصطدام الرفاق. م: (والتلبية في الإحرام على مثال التكبير في الصلاة) ش: أولها شرط وآخرها سنة م: (فيؤتى بها عند الانتقال من حال إلى حال ويرفع صوته بالتلبية؛ لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «أفضل الحج العج والثج» ش: هذا الحديث رواه جماعة من الصحابة ﵃، منهم ابن عمر، وروى حديثه الترمذي وابن ماجه عن إبراهيم بن يزيد الخوزي قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يحدث عن ابن عمر ﵄ قال: «قام رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله من الحاج؟ فقال الشعث التفل، فقام آخر فقال، أي الحج أفضل؟ فقال العج والثج» وقد مر الكلام فيه عند قول المصنف: «روي أن النبي ﷺ سئل عن السبيل إلى الحج، فقال: " الزاد والراحلة.» م: (والعج: رفع الصوت بالتلبية) ش: قال الجوهري: العج رفع الصوت، وقد عج يعج عجيجاً وعجج إذا صوت، ومضاعفته دليل على التكرير، م: (والثج: إراقة الدم) ش: من ثجت الماء والدم ثجه ثجاً إذا أسلمته، وأتانا الوادي بثجيجه أي بسبيله، ومطر ثجاج إذا انصب جداً، والثج سيلان دم الهدي، وقال مالك ﵁: لا يرفع صوته في مساجد الجماعات، لأنها لم تبن لها إلا في المسجد الحرام ومسجد منى وخالف الجماعة، وقد لبى رسول الله ﷺ في مسجد ذي الحليفة في دبر صلاته. [آداب دخول مكة] م: (قال: فإذا دخل مكة ابتدأ بالمسجد) ش: أي إذا دخل المحرم مكة ابتدأ بالمسجد الحرام، يعني لا يشتغل بعمل آخر قبل أن يدخل المسجد الحرام، لأن المقصود زيارة البيت، أي الكعبة في المسجد م: (لأن النبي ﷺ لما دخل مكة دخل المسجد الحرام) ش: الحديث أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أول شيء بدأ به حين دخل مكة توضأ ثم طاف بالبيت، ويستحب أن يدخله من باب بني شيبة بالإجماع.

стр. 2028

والسلام لما دخل مكة دخل المسجد الحرام» ولأن المقصود زيارة البيت وهو فيه، ولا يضره ليلا دخلها أو نهارا؛ لأنه دخول بلدة فلا يختص بأحدهما. وإذا عاين البيت كبر وهلل، وكان ابن عمر ﵄ يقول: إذا لقي البيت باسم الله، والله أكبر. ومحمد ﵀ لم يعين في الأصل لمشاهد الحج من الدعوات؛ لأن التوقيت يذهب بالرقة، وإن تبرك بالمنقول منها فحسن. قال: ثم ابتدأ بالحجر الأسود فاستقبله، وكبر وهلل؛ لما روي «أن النبي عليه ــ [البناية] م: (ولأن المقصود زيارة البيت وهو فيه) ش: أي البيت في المسجد م: (ولا يضره ليلاً دخلها أو نهاراً) ش: أي ولا يضر الحاج دخل مكة في الليل أو في النهار م: (لأنه دخول بلدة فلا يختص بأحدهما) ش: أي بأحد الليل والنهار، وفي " مبسوط شيخ الإسلام " قال بعض الناس دخولها بالنهار أفضل، لما روي أن الصحابة ﵃ كانوا يكرهون دخولها ليلاً. قلنا كانوا يكرهون ذلك مخافة السرقة. م: (وإذا عاين البيت كبر وهلل) ش: أي قال الله أكبر، أي أجل من هذه الكعبة المعظمة وهلل، أي قال لا إله إلا الله، ومعناه التبري عن توهم عبادة البيت، وقد قيل إن الدعاء مستجاب عند رؤية البيت فلا يغفل م: (وكان ابن عمر ﵄ يقول إذا لقي البيت: بسم الله والله أكبر) ش: هذا غريب، والذي رواه البيهقي عنه أنه كان يقول ذلك عند استلام الحجر الأسود. م: (ومحمد ﵀ لم يعين في الأصل) ش: أي في " المبسوط " م: (لمشاهد الحج شيئاً) ش: بفتح الميم. أي لأماكن الحج، وهو جمع مشهد م: (من الدعوات، لأن التوقيت يذهب بالرقة) ش: لأنه يصير بمنزلة من يكون على محفوظة م: (وإن تبرك بالمنقول منها) ش: أي من الدعوات م: (فحسن) ش: منها أن يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام، ذكره هشيم عن يحيى بن سعيد عن محمد بن سعيد بن المسيب عن أبيه أن عمر ﵁ كان إذا نظر إلى البيت قال ذلك. وروى الشافعي ﵀ أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج أن «النبي ﷺ كان إذا نظر البيت رفع بصره وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيما وتكريماً ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً» . قلت: هذا مفضل، وعن عطاء ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان إذا لقي البيت قال: أعوذ برب البيت من الدين والفقر وضيق الصدر وعذاب القبر» . قلت: هذا أيضاً مفضل. [طواف القدوم] [حكم طواف القدوم] م: (قال: ثم ابتدأ بالحجر الأسود فاستقبله وكبر وهلل لما روي أن النبي ﷺ دخل المسجد فابتدأ

стр. 2029

الصلاة والسلام دخل المسجد فابتدأ بالحجر فاستقبله وكبر، وهلل؛» قال: ويرفع يديه؛ لقوله ﷺ : «لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن " وذكر من جملتها استلام الحجر» . قال: واستلمه وقبله إن استطاع من غير أن يؤذي مسلما؛ لما روي «أن النبي ﵊ قبل الحجر الأسود، ووضع شفتيه عليه ــ [البناية] بالحجر فاستقبله وكبر وهلل) ش: الحجر الأسود في الركن الذي يلي باب البيت من جانب الشر، ويسمى الركن الأسود والركن العراقي عند من يسمي الذي يليه في طواف الركن الشامي والذي بعده الركن العراقي، وارتفاعه من الأرض ثلاثة أذرع إلا سبع أصابع، ويقف بحياله ويستقبله بوجهه، وقوله - كبر - أي قال الله أكبر وهلل، أي قال لا إله إلا الله. م: (قال: ويرفع يديه) ش: كما يرفع عند افتتاح الصلاة، كذا في المجتبى. وفي التحفة يرفعهما كما في الصلاة ثم يرسلهما ثم يسلم. وفي " البدائع " و " الينابيع " و " الأسبيجابي " يرفع يديه، كما في الصلاة لكن حذو منكبية وهو الصحيح، وفي " الكرماني " حذو أذنيه م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن» وذكر من جملتها استلام الحجر) ش: قد مر الكلام فيه مستقصى في صفة الصلاة، وليس فيه استلام الحجر. وذكر في " شرح الآثار " مسنداً إلى إبراهيم النخعي ﵁ قال: ترفع الأيدي في سبعة مواضع في افتتاح الصلاة وفي التكبير للقنوت في الوتر، وفي العيدين وعند استلام الحجر على الصفا والمروة وبجمع وعرفات وعند المقامين وعند الجمرتين. وفي " المجتبى " في كتاب الخصال ترفع الأيدي في سبعة مواطن أربعة منها افتتاح الصلاة والقنوت وتكبيرات العيدين واستفتاح الطواف والخمس الباقيات عند الصفا والمروة وعند الجمرتين والموقفين. م: (قال: واستلمه) ش: أي الحجر واستلامه تناوله باليدين أو القبلة أو مسحه بالكف من السلمة بفتح السين وكسر اللام، وهي الحجر والاستلام طلبه، وعند الفقهاء الاستلام أن يضع كفيه على الحجر ويقبله بفمه. وقال الأزهري: استلام الحجر من السلام وهو التحية، ولذلك أهل اليمن يسمون الركن الأسود المجتبى، ومعناه أن الناس يجتبونه افتعال من السلام. وقال في " المغني " هو افتعال من السلام بكسر السين، وهي الحجارة، تقول استلمت الحجر إذا لمسته بفم أو يد. وقال ابن الأعرابي: هو مهموز، تركت همزته مأخوذ من المسالمة وهي الموافقة. م: (وقبله إن استطاع من غير أن يؤذي مسلما، لما روي أن النبي ﷺ قبل الحجر الأسود ووضع شفتيه عليه) ش: هذا الحديث رواه بهذا اللفظ ابن ماجه في " سننه " عن محمد بن عون عن نافع

стр. 2030

وقال لعمر ﵁: " إنك رجل أيد تؤذي الضعيف، فلا تزاحم الناس على الحجر، ولكن إن وجدت فرضة فاستلمه، وإلا فاستقبله وهلل، وكبر.» . ــ [البناية] عن ابن عمر ﵄ قال: «استقبل النبي ﷺ الحجر ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلاً ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي، فقال: " يا عمر ها هنا تسكب العبرات» ورواه الحاكم في " مستدركه " وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ولم يتعقبه الذهبي في " مختصره "، ولكنه في " ميزانه " علله بمحمد بن عون، ونقل عن البخاري أنه قال: هو منكر الحديث. وقال ابن حبان في كتاب " الضعفاء ": هو قليل الرواية فلا يحتج به إلا إذا وافق الثقات وقال في " الإمام ": ومحمد بن عون، هذا هو الخراساني، قال ابن سفيان: هو ليس بشيء، وقال النسائي والأزدي: متروك الحديث. قلت: الحديث رواه الأئمة الخمسة، وليس فيه ذكر الشفتين أخرجه عن عمر بن الخطاب ﵁ «أنه جاء إلى الحجر فقبله وقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك.» وأخرج البخاري عن ابن عمر ﵄ «أنه سئل عن استلام الحجر، فقال رأيته ﷺ يستلمه ويقبله» وتقبيل الحجر مجمع عليه، وعن ابن عباس ﵄ «أنه ﷺ سجد على الحجر» رواه الدارقطني. وعن ابن عباس أنه قبل الركن وسجد عليه ثلاث مرات وعن الشافعي «وقبله عمر وسجد عليه، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هكذا» أخرجه البيهقي، وكره مالك وحده السجود على الحجر، وقال: إنه بدعة. وقال: جمهور أهل العلم على استحبابه ويجمع بين التقبيل والاستلام والسجود إن أمكن وإلا يقبل ويستلم أو استلم إن تعذر التقبيل عليه أو يمس الحجر شيئا من محجن أو عصى على ما يأتي الآن. م: (وقال لعمر ﵁) ش: أي قال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: م: (إنك رجل أيد تؤذي الضعيف فلا تزاحم الناس على الحجر، ولكن إن وجدت فرضة) ش: ويروى فرجة. أي انفراجاً، أي انكشافاً م: (فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر) ش: هذا الحديث رواه أحمد والشافعي وإسحاق بن راهوية وأبو يعلى الموصلي كلهم عن سفيان عن أبي يعقوب العبدي واسمه وقدان، قال: سمعت إمارة الحجاج يحدث «عن عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ قال له: " إنك رجل قوي لا تزاحم الناس على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وكبر وهلل.»

стр. 2031

ولأن الاستلام سنة والتحرز عن أذى المسلم واجب. قال: وإن أمكنه أن يمس الحجر بشيء في يده كالعرجون، وغيره ثم قبل ذلك فعل لما روي «أنه ﵊ طاف على راحلته، واستلم الأركان بمحجنه» وإن لم يستطع شيئا من ذلك استقبله، وكبر وهلل، وحمد الله، وصلى على النبي ﵊، قال: ثم أخذ عن يمينه مما يلي الباب ــ [البناية] قال الدارقطني: ذكروا أن هذا الشيخ هو عبد الرحمن بن نافع بن عبد الحارث قوله - أيد - بفتح الهمزة وتشديد الياء المكسورة وبالدال المهملة، أي قوي وهو صفة مشبهة من الأيد، وهو القوة. م: (ولأن الاستلام سنة، والتحرز عن أذى المسلم واجب) ش: أي ولأن استلام الحجر سنة، حاصل المعنى لا يأتي بالسنة على وجه يخل بالواجب. م: (قال: وإن أمكنه أن يمس الحجر بشيء في يده كالعرجون) ش: أي وإن أمكن الطائف إمساس الحجر بشيء كان في يده كالعرجون، بضم العين المهملة، وهو العذق الذي يرجع ويقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابساً. وقال الزجاج: هو فعلون من الانعراج أي الانعطاف، والعذق [ ... ] عنقود النخل م: (وغيره) ش: مثل المحجن بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم وبالنون، وهو عود معوج الرأس كالصولجان. م: (ثم قبل ذلك) ش: إلى الشيء الذي في يده نحو العرجون م: (فعل) ش: جواب الشرط م: (لما روي أنه ﷺ ) ش: أي لأن النبي ﷺ م: (طاف على راحلته واستلم الأركان بمحجنه) ش: هذا الحديث رواه البخاري في " الصحيح " عن ابن عباس قال: «طاف النبي ﷺ في حجة الوداع يستلم الركن بمحجن» وروى مسلم وأبو داود من حديث جابر ﵁ قال: «طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه» .. الحديث، وقد مر تفسير المحجن آنفاً، قوله: - يستلم الأركان - أراد بالأركان الحجر الأسود والركن اليماني، وإنما جمعه باعتبار تكرر الأشواط. م: (وإن لم يستطع شيئاً من ذلك) ش: أي من الاستلام للحجر أو إمساس العرجون وغيره م: (استقبله) ش: هذا الاستقبال مستحب غير واجب، لما روى الترمذي من حديث ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ قال: " يحشر الحجر الأسود وله عينان يبصران ولسان ينطق به فيشهد لمن استلمه أو استقبله.» وهيئة الاستقبال أن يستقبل الحجر ويجعل باطن كفيه نحو الحجر لا إلى السماء ويكون ظهرهما إليه. م: (وكبر وهلل وحمد الله) ش: تعالى م: (وصلى على النبي ﷺ قال: ثم أخذ عين يمينه مما يلي الباب) ش: الضمير في يمينه يرجع إلى الآخذ الطائف دون

стр. 2032

وقد اضطبع رداءه قبل ذلك فيطوف بالبيت سبعة أشواط، لما روي «أنه ﵇ استلم الحجر، ثم أخذ عن يمينه مما يلي الباب فطاف سبعة أشواط» . والاضطباع أن يجعل رداءه تحت إبطه الأيمن، ويلقيه على كتفه الأيسر، وهو سنة، وقد نقل ذلك عن رسول الله ﷺ . ــ [البناية] الحجر، وقيد به لأنه لو أخذه عن يساره يكون الطواف منكوساً، فإذا طاف منكوساً يعيد به عندنا ما دام بمكة، فإذا رجع قبل الإعادة فعليه دم كذا في " الذخيرة "، وفي " مبسوط " شيخ الإسلام وقال الشافعي وأحمد ومالك: لا يعتد به وفي " المبسوط " لو افتتح الطواف من غير الحجر فلم يذكر محمد ﵀ هذا الفصل في الأصل، وقد اختلف المتأخرون فيه، فقيل: لا يجوز، وقيل: يجوز. م: (وقد اضطبع رداءه) ش: الصواب بردائه، وهذا سهو منه، وهذه جملة وقعت حالاً بكلمة قد. لأن الجملة الفعلية الماضية إذا وقعت حالا لا بد فيها من كلمة - قد - ظاهرة أو مقد، نحو قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] [النساء: الآية ٩٠] ، أي قد حصرت صدورهم، واشتقاق الضبع من اضطبع وهو العضد، وهو افتعال منه، قلبت تاؤه طاء لأجل الضاد. م: (فيطوف بالبيت سبعة أشواط) ش: أي سبع مرات، وهو جمع شوط يقال عدا شوطاً أي طلقاً بفتحتين، وهو الثناء، وهو الغاية م: (لما روي «أن النبي ﷺ استلم الحجر ثم أخذ عن يمينه مما يلي الباب ثم طاف سبعة أشواط» ش: هذا الحديث أخرجه مسلم عن جعفر عن ابن محمد عن أبيه عن جابر ﵁، قال: «لما قدم النبي ﷺ مكة بدأ بالحجر الأسود فاستلمه ثم مضى على يمينه فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً» . م: (والاضطباع أن يجعل رداءه تحت إبطه الأيمن ويلقيه على كتفه الأيسر) ش: أي يبدي كتفه الأيمن ويغطي الأيسر م: (وهو سنة) ش: أي الاضطباع سنة، وعن مالك ﵀ لا أعرف الاضطباع وما رأيت أحداً فعله، وعن أحمد يستحب الاضطباع، ولو ترك الاضطباع والرمل لا شيء عليه عند الجمهور، وعليه الإجماع، وعن الحسن البصري والنووي وابن الماجشون عليه دم ولا يضطبع عند السعي عند الجمهور، وعن الشافعي ﵁ يضطبع قياساً على الطواف. م: (وقد نقل ذلك) ش: أي الاضطباع م: (عن رسول الله ﷺ ) ش: هذا رواه أبو داود في " سننه " من حديث ابن جريج عن ابن يعلى عن يعلى قال: «طاف النبي ﷺ مضطبعاً» .

стр. 2033

قال: ويجعل طوافه من وراء الحطيم وهو اسم لموضع فيه الميزاب، يسمى به؛ لأنه حطم من البيت، أي كسر وسمي حجرا؛ لأنه حجر منه: أي منع، وهو من البيت لقوله ﷺ في حديث عائشة ﵂: «فإن الحطيم من البيت» فلهذا يجعل الطواف من ورائه، حتى لو دخل الفرجة التي بينه وبين البيت لا يجوز، ــ [البناية] م: (قال: ويجعل طوافه من وراء الحطيم) ش: (أي من خارج الحطيم م: (وهو) ش: أي الحطيم م: (اسم لموضع فيه الميزاب؛ يسمى به لأنه حطم من البيت أي: كسر) ش: على صيغة المجهول، وكذلك حطم وهو من الحطم وهو الكسر، وهو على وزن فعيل بمعنى مفعول، أي محطوم؛ لأن البيت رفع وترك وهو محطوما، وقيل: فعيل بمعنى فاعل، أي حاطم، لأن العرب كانت تطرح فيه ما طاقت به من الباب، فبقي حتى تحطم لطول الزمان. قال المصنف: الحطيم اسم موضع فيه الميزاب أي ميزاب الرحمة، وقال صاحب " النهاية ": الحطيم: اسم لموضع بينه وبين البيت فرجة. م: (وسمي حجرا) ش: أي وسمي الحطيم حجرا بكسر الحاء وسكون الجيم وبالراء م: (لأنه حجر منه) ش: أي من البيت. وقال تاج الشريعة: هو فعيل بمعنى مفعول من حجره إذا منعه؛ لأنه موضع محجور، وسمي الحجر بالحطيم، وعلى العكس توسع. قال ابن دريد في " الجمهرة ": وفيه قبر هاجر وإسماعيل ﵉، م: (وهو من البيت) ش: أي الحطيم من جملة البيت م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ م: (في حديث عائشة ﵂: فإن الحطيم من البيت) . ش: هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم قالت: «سألت رسول الله ﷺ أمن البيت هو؟ قال: " نعم "، قالت: فما بالهم لا يدخلوه في البيت، قال: " إن قومك قصرت بهم النفقة " قلت: فما شأن بابه مرتفعا، قال: " فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا، ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومك حديثو عهد بكفر، وأخاف أن تنكر قلوبهم لنظر ذلك أدخل الجدار في البيت وألزق بابه بالأرض» . وروى أبو داود والترمذي عن علقمة عن أمه «عن عائشة ﵂ أنها قالت: " كنت أحب أن أدخل البيت وأصلي فيه، فأخذ رسول الله ﷺ بيدي فأدخلني في الحجر فقال: " صلي في الحجر إذا أردت دخول البيت، فإنما هو قطعة من البيت، فإن قومك اقتصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت» انتهى. محوط مدور على صورة نصف دائرة خارج عن جدار البيت من جهة الشام وليس كله من البيت بل مقدار ستة أزرع منه من البيت؛ لحديث عائشة ﵂ في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ : «ستة أزرع من الحجر من البيت وما زاد ليس من البيت» . م: (فلهذا يجعل الطواف من ورائه) ش: أي فلكون الحطيم من البيت يجعل الطواف من ورائه أي من خارجه م: (حتى لو دخل) ش: أي الطائف م: (الفرجة التي بينه وبين البيت لا يجوز) ش: أي بين الحطيم وبين البيت لا يجوز، وكان الاحتياط في الطواف أن يكون من وراءه أي يكون

стр. 2034

إلا أنه إذا استقبل الحطيم وحده لا تجزيه الصلاة؛ لأن فرضية التوجه ثبتت بنص الكتاب، فلا تتأدى بما ثبت بخبر الواحد احتياطا، والاحتياط في الطواف أن يكون وراءه، قال: ويرمل في الثلاثة الأول من الأشواط، والرمل: أن يهز في مشيته الكتفين كالمبارز يتبختر بين الصفين، وذلك مع الاضطباع ــ [البناية] الحطيم من البيت م: (إلا أنه إذا استقبل الحطيم وحده لا تجزيه الصلاة) ش: هذا استثناء من قوله: - وهو من البيت - جواب سؤال مقدر بأن يقال: لو كان الحطيم من البيت لجازت الصلاة إذا توجه المصلي إليه، أجاب بأن الصلاة لا تجزئه إذا توجه إليه دون البيت. م: (لأن فرضية التوجه إلى البيت ثبتت بنص الكتاب) ش: وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] [البقرة: الآية ١٤٤] ، م: (فلا يتأدى بما ثبت) ش: بالنص القطعي فلا يتأدى بما ثبت م: (بخبر الواحد احتياطاً) ش: لأن فيه شبهة م: (والاحتياط في الطواف أن يكون وراءه) ش: أي وراء الحطيم ليستغرق أطراف البيت. م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ويرمل في الثلاثة الأولى من الأشواط، والرمل) ش: بفتح الميم، والرملان كذا الهرولة، أشار إليها بقوله م: (أن يهز) ش: أي أن يحول م: (في مشيته الكتفين كالمبارز يتبختر بين الصفين وذلك مع الاضطباع) ش: أي مع كونه مضطبعاً في هذه الحالة وقوله: في مشيته بكسر الميم على وزن فعلة بكسر الفاء، لأن الفعلة للحالة والفعلة بالفتح للمرة، وقال بعضهم: لا رمل اليوم على أهل الآفاق. وقال ابن عباس ﵄ لا رمل في الطواف، وإنما فعله ﷺ إظهار الجلادة للمشركين على ما روي في عمرة القضاء أنه ﷺ لما قدم مكة للعمرة عام الحديبية صده المشركون عن البيت، فصالحهم على أن ينصرف ثم يأتي في العام الثاني ويدخل مكة بغير سلاح فيعتمر ويخرج، فلما قدم في العام الثاني أخلوا له البيت ثلاثة أيام وصعدوا الجبل، فطاف رسول الله ﷺ مع أصحابه فسمع بعض المشركين يقول لبعض أصنامهم حمى يثرب، أي المدينة، فاضطبع رسول الله ﷺ بردائه ورمل، وقال لأصحابه: «رحم الله امرءاً أظهر من نفسه جلداً» فإذا كان الرمل لإظهار الجلد يومئذ، وقد زال ذلك المعنى الآن فلا معنى للرمل. قلنا: إنه سنة لحديث ابن عمر ﵄ «أنه ﷺ طاف يوم النحر في حجة الوداع فرمل في الثلاثة الأولى ولم يبق المشركون يومئذ بمكة» . وروي أن عمر ﵁ لما أراد الرمل في طوافه فقال: يا غلام أمر كتفي وليس هنا أحد يراه، ولكني مع الحكم مستغن عن بقاء السبب كما في رمي الجمار سببه طرد الشيطان عن إبراهيم ﵇ ثم بقي ذلك الحكم وإن زال السبب، وقيل: الحكمة في الرمل اليوم إراءة القوة والجلادة في الطاعة فإنه حسن في الطاعة يتحمل فيها المشاق، وقيل: إنما يرى الشيطان بأن السفر ما أضناه حتى ينقطع طمعه في وسوستنا

стр. 2035

وكان سببه إظهار الجلد للمشركين حيث قالوا: أضناهم حمى يثرب ثم بقي الحكم بعد زوال السبب في زمن النبي لله وبعده. قال: ويمشي في الباقي على هنية على ذلك اتفق رواة نسك رسول الله ﷺ ، والرمل من الحجر إلى الحجر هو المنقول من رمل النبي ﷺ ، فإن زحمه الناس في الرمل قام ــ [البناية] في المناسك. وقال سعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد: لا يرمل فيهما بين الركن اليماني والحجر وإنما يرمل من الجانب الآخر، ويرده ما رواه الطحاوي ﵁ مسنداً إلى أبي الطفيل قال: «رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر» . م: (وكان سببه) ش: أي سبب الرمل م: (إظهار الجلد للمشركين) ش: أي مشركي مكة م: (حيث قالوا: أضناهم) ش: أي أثقلهم وأوهنهم م: (حمى يثرب) ش: أي المدينة م: (ثم بقي الحكم) ش: أي حكم الرمل م: (بعد زوال السبب في زمن النبي ﷺ وبعده) ش: أي وبعد النبي ﷺ كما ذكرناه. م: (قال: ويمشي في الباقي) ش: أي من الأشواط م: (على هنية) ش: بكسر الهاء أي على السكينة، والوقار تعظيماً وتواضعاً لله تعالى م: (على ذلك) ش: أي على ما ذكرناه م: (اتفق رواة نسك) ش: أي حج م: (رسول الله ﷺ ) ش: إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا ومشى أربعاً. رواه البخاري ومسلم، ومنهم جابر قال في حديث طويل «حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً» رواه مسلم، ومنهم عمر بن الخطاب ﵁ وروى حديثه أبو داود وابن ماجه عن هشام بن سعد بن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: سمعت «عمر ﵁ يقول: يتم الرمل وكشف المناكب، وقد أعز الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك فلا ندع شيئاً كنا نفعله مع رسول الله ﷺ » . م: (والرمل من الحجر إلى الحجر) ش: أي من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، وخالف فيه سعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد، وقد ذكرناه الآن وروينا عليهم م: (هو المنقول) ش: أي الرمل من الحجر إلى الحجر هو المنقول م: (من رمل النبي ﷺ ) ش: وروى مسلم وأبو داود والنسائي، وابن ماجه عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ﵄ «رمل النبي ﷺ من الحجر» وفي لفظ لمسلم «أن ابن عمر رمل من الحجر إلى الحجر، ذكر أن رسول الله ﷺ فعله» . م: (فإن زحمه الناس في الرمل قام) ش: يعني وقف إلى أن يجد فرصة للرمل، وإنما قال:
следующие страницы →