Полный текст (7 019 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
ولأن الاستلام سنة والتحرز عن أذى المسلم واجب. قال: وإن أمكنه أن يمس الحجر بشيء في يده كالعرجون، وغيره ثم قبل ذلك فعل لما روي «أنه ﵊ طاف على راحلته، واستلم الأركان بمحجنه» وإن لم يستطع شيئا من ذلك استقبله، وكبر وهلل، وحمد الله، وصلى على النبي ﵊، قال: ثم أخذ عن يمينه مما يلي الباب
ــ
[البناية]
قال الدارقطني: ذكروا أن هذا الشيخ هو عبد الرحمن بن نافع بن عبد الحارث قوله - أيد - بفتح الهمزة وتشديد الياء المكسورة وبالدال المهملة، أي قوي وهو صفة مشبهة من الأيد، وهو القوة.
م: (ولأن الاستلام سنة، والتحرز عن أذى المسلم واجب) ش: أي ولأن استلام الحجر سنة، حاصل المعنى لا يأتي بالسنة على وجه يخل بالواجب.
م: (قال: وإن أمكنه أن يمس الحجر بشيء في يده كالعرجون) ش: أي وإن أمكن الطائف إمساس الحجر بشيء كان في يده كالعرجون، بضم العين المهملة، وهو العذق الذي يرجع ويقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابساً. وقال الزجاج: هو فعلون من الانعراج أي الانعطاف، والعذق [ ... ] عنقود النخل م: (وغيره) ش: مثل المحجن بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم وبالنون، وهو عود معوج الرأس كالصولجان.
م: (ثم قبل ذلك) ش: إلى الشيء الذي في يده نحو العرجون م: (فعل) ش: جواب الشرط م: (لما روي أنه ﷺ ) ش: أي لأن النبي ﷺ م: (طاف على راحلته واستلم الأركان بمحجنه) ش: هذا الحديث رواه البخاري في " الصحيح " عن ابن عباس قال: «طاف النبي ﷺ في حجة الوداع يستلم الركن بمحجن» وروى مسلم وأبو داود من حديث جابر ﵁ قال: «طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه» .. الحديث، وقد مر تفسير المحجن آنفاً، قوله: - يستلم الأركان - أراد بالأركان الحجر الأسود والركن اليماني، وإنما جمعه باعتبار تكرر الأشواط.
م: (وإن لم يستطع شيئاً من ذلك) ش: أي من الاستلام للحجر أو إمساس العرجون وغيره م: (استقبله) ش: هذا الاستقبال مستحب غير واجب، لما روى الترمذي من حديث ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ قال: " يحشر الحجر الأسود وله عينان يبصران ولسان ينطق به فيشهد لمن استلمه أو استقبله.» وهيئة الاستقبال أن يستقبل الحجر ويجعل باطن كفيه نحو الحجر لا إلى السماء ويكون ظهرهما إليه. م: (وكبر وهلل وحمد الله) ش: تعالى م: (وصلى على النبي ﷺ قال: ثم أخذ عين يمينه مما يلي الباب) ش: الضمير في يمينه يرجع إلى الآخذ الطائف دون
стр. 2032
وقد اضطبع رداءه قبل ذلك فيطوف بالبيت سبعة أشواط، لما روي «أنه ﵇ استلم الحجر، ثم أخذ عن يمينه مما يلي الباب فطاف سبعة أشواط» . والاضطباع أن يجعل رداءه تحت إبطه الأيمن، ويلقيه على كتفه الأيسر، وهو سنة، وقد نقل ذلك عن رسول الله ﷺ .
ــ
[البناية]
الحجر، وقيد به لأنه لو أخذه عن يساره يكون الطواف منكوساً، فإذا طاف منكوساً يعيد به عندنا ما دام بمكة، فإذا رجع قبل الإعادة فعليه دم كذا في " الذخيرة "، وفي " مبسوط " شيخ الإسلام وقال الشافعي وأحمد ومالك: لا يعتد به وفي " المبسوط " لو افتتح الطواف من غير الحجر فلم يذكر محمد ﵀ هذا الفصل في الأصل، وقد اختلف المتأخرون فيه، فقيل: لا يجوز، وقيل: يجوز.
م: (وقد اضطبع رداءه) ش: الصواب بردائه، وهذا سهو منه، وهذه جملة وقعت حالاً بكلمة قد. لأن الجملة الفعلية الماضية إذا وقعت حالا لا بد فيها من كلمة - قد - ظاهرة أو مقد، نحو قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] [النساء: الآية ٩٠] ، أي قد حصرت صدورهم، واشتقاق الضبع من اضطبع وهو العضد، وهو افتعال منه، قلبت تاؤه طاء لأجل الضاد.
م: (فيطوف بالبيت سبعة أشواط) ش: أي سبع مرات، وهو جمع شوط يقال عدا شوطاً أي طلقاً بفتحتين، وهو الثناء، وهو الغاية م: (لما روي «أن النبي ﷺ استلم الحجر ثم أخذ عن يمينه مما يلي الباب ثم طاف سبعة أشواط» ش: هذا الحديث أخرجه مسلم عن جعفر عن ابن محمد عن أبيه عن جابر ﵁، قال: «لما قدم النبي ﷺ مكة بدأ بالحجر الأسود فاستلمه ثم مضى على يمينه فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً» .
م: (والاضطباع أن يجعل رداءه تحت إبطه الأيمن ويلقيه على كتفه الأيسر) ش: أي يبدي كتفه الأيمن ويغطي الأيسر م: (وهو سنة) ش: أي الاضطباع سنة، وعن مالك ﵀ لا أعرف الاضطباع وما رأيت أحداً فعله، وعن أحمد يستحب الاضطباع، ولو ترك الاضطباع والرمل لا شيء عليه عند الجمهور، وعليه الإجماع، وعن الحسن البصري والنووي وابن الماجشون عليه دم ولا يضطبع عند السعي عند الجمهور، وعن الشافعي ﵁ يضطبع قياساً على الطواف.
م: (وقد نقل ذلك) ش: أي الاضطباع م: (عن رسول الله ﷺ ) ش: هذا رواه أبو داود في " سننه " من حديث ابن جريج عن ابن يعلى عن يعلى قال: «طاف النبي ﷺ مضطبعاً» .
стр. 2033
قال: ويجعل طوافه من وراء الحطيم وهو اسم لموضع فيه الميزاب، يسمى به؛ لأنه حطم من البيت، أي كسر وسمي حجرا؛ لأنه حجر منه: أي منع، وهو من البيت لقوله ﷺ في حديث عائشة ﵂: «فإن الحطيم من البيت» فلهذا يجعل الطواف من ورائه، حتى لو دخل الفرجة التي بينه وبين البيت لا يجوز،
ــ
[البناية]
م: (قال: ويجعل طوافه من وراء الحطيم) ش: (أي من خارج الحطيم م: (وهو) ش: أي الحطيم م: (اسم لموضع فيه الميزاب؛ يسمى به لأنه حطم من البيت أي: كسر) ش: على صيغة المجهول، وكذلك حطم وهو من الحطم وهو الكسر، وهو على وزن فعيل بمعنى مفعول، أي محطوم؛ لأن البيت رفع وترك وهو محطوما، وقيل: فعيل بمعنى فاعل، أي حاطم، لأن العرب كانت تطرح فيه ما طاقت به من الباب، فبقي حتى تحطم لطول الزمان. قال المصنف: الحطيم اسم موضع فيه الميزاب أي ميزاب الرحمة، وقال صاحب " النهاية ": الحطيم: اسم لموضع بينه وبين البيت فرجة.
م: (وسمي حجرا) ش: أي وسمي الحطيم حجرا بكسر الحاء وسكون الجيم وبالراء م: (لأنه حجر منه) ش: أي من البيت. وقال تاج الشريعة: هو فعيل بمعنى مفعول من حجره إذا منعه؛ لأنه موضع محجور، وسمي الحجر بالحطيم، وعلى العكس توسع. قال ابن دريد في " الجمهرة ": وفيه قبر هاجر وإسماعيل ﵉، م: (وهو من البيت) ش: أي الحطيم من جملة البيت م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ م: (في حديث عائشة ﵂: فإن الحطيم من البيت) . ش: هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم قالت: «سألت رسول الله ﷺ أمن البيت هو؟ قال: " نعم "، قالت: فما بالهم لا يدخلوه في البيت، قال: " إن قومك قصرت بهم النفقة " قلت: فما شأن بابه مرتفعا، قال: " فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا، ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومك حديثو عهد بكفر، وأخاف أن تنكر قلوبهم لنظر ذلك أدخل الجدار في البيت وألزق بابه بالأرض» . وروى أبو داود والترمذي عن علقمة عن أمه «عن عائشة ﵂ أنها قالت: " كنت أحب أن أدخل البيت وأصلي فيه، فأخذ رسول الله ﷺ بيدي فأدخلني في الحجر فقال: " صلي في الحجر إذا أردت دخول البيت، فإنما هو قطعة من البيت، فإن قومك اقتصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت» انتهى. محوط مدور على صورة نصف دائرة خارج عن جدار البيت من جهة الشام وليس كله من البيت بل مقدار ستة أزرع منه من البيت؛ لحديث عائشة ﵂ في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ : «ستة أزرع من الحجر من البيت وما زاد ليس من البيت» .
م: (فلهذا يجعل الطواف من ورائه) ش: أي فلكون الحطيم من البيت يجعل الطواف من ورائه أي من خارجه م: (حتى لو دخل) ش: أي الطائف م: (الفرجة التي بينه وبين البيت لا يجوز) ش: أي بين الحطيم وبين البيت لا يجوز، وكان الاحتياط في الطواف أن يكون من وراءه أي يكون
стр. 2034
إلا أنه إذا استقبل الحطيم وحده لا تجزيه الصلاة؛ لأن فرضية التوجه ثبتت بنص الكتاب، فلا تتأدى بما ثبت بخبر الواحد احتياطا، والاحتياط في الطواف أن يكون وراءه،
قال: ويرمل في الثلاثة الأول من الأشواط، والرمل: أن يهز في مشيته الكتفين كالمبارز يتبختر بين الصفين، وذلك مع الاضطباع
ــ
[البناية]
الحطيم من البيت م: (إلا أنه إذا استقبل الحطيم وحده لا تجزيه الصلاة) ش: هذا استثناء من قوله: - وهو من البيت - جواب سؤال مقدر بأن يقال: لو كان الحطيم من البيت لجازت الصلاة إذا توجه المصلي إليه، أجاب بأن الصلاة لا تجزئه إذا توجه إليه دون البيت. م: (لأن فرضية التوجه إلى البيت ثبتت بنص الكتاب) ش: وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] [البقرة: الآية ١٤٤] ، م: (فلا يتأدى بما ثبت) ش: بالنص القطعي فلا يتأدى بما ثبت م: (بخبر الواحد احتياطاً) ش: لأن فيه شبهة م: (والاحتياط في الطواف أن يكون وراءه) ش: أي وراء الحطيم ليستغرق أطراف البيت.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ويرمل في الثلاثة الأولى من الأشواط، والرمل) ش: بفتح الميم، والرملان كذا الهرولة، أشار إليها بقوله م: (أن يهز) ش: أي أن يحول م: (في مشيته الكتفين كالمبارز يتبختر بين الصفين وذلك مع الاضطباع) ش: أي مع كونه مضطبعاً في هذه الحالة وقوله: في مشيته بكسر الميم على وزن فعلة بكسر الفاء، لأن الفعلة للحالة والفعلة بالفتح للمرة، وقال بعضهم: لا رمل اليوم على أهل الآفاق. وقال ابن عباس ﵄ لا رمل في الطواف، وإنما فعله ﷺ إظهار الجلادة للمشركين على ما روي في عمرة القضاء أنه ﷺ لما قدم مكة للعمرة عام الحديبية صده المشركون عن البيت، فصالحهم على أن ينصرف ثم يأتي في العام الثاني ويدخل مكة بغير سلاح فيعتمر ويخرج، فلما قدم في العام الثاني أخلوا له البيت ثلاثة أيام وصعدوا الجبل، فطاف رسول الله ﷺ مع أصحابه فسمع بعض المشركين يقول لبعض أصنامهم حمى يثرب، أي المدينة، فاضطبع رسول الله ﷺ بردائه ورمل، وقال لأصحابه: «رحم الله امرءاً أظهر من نفسه جلداً» فإذا كان الرمل لإظهار الجلد يومئذ، وقد زال ذلك المعنى الآن فلا معنى للرمل.
قلنا: إنه سنة لحديث ابن عمر ﵄ «أنه ﷺ طاف يوم النحر في حجة الوداع فرمل في الثلاثة الأولى ولم يبق المشركون يومئذ بمكة» . وروي أن عمر ﵁ لما أراد الرمل في طوافه فقال: يا غلام أمر كتفي وليس هنا أحد يراه، ولكني مع الحكم مستغن عن بقاء السبب كما في رمي الجمار سببه طرد الشيطان عن إبراهيم ﵇ ثم بقي ذلك الحكم وإن زال السبب، وقيل: الحكمة في الرمل اليوم إراءة القوة والجلادة في الطاعة فإنه حسن في الطاعة يتحمل فيها المشاق، وقيل: إنما يرى الشيطان بأن السفر ما أضناه حتى ينقطع طمعه في وسوستنا
стр. 2035
وكان سببه إظهار الجلد للمشركين حيث قالوا: أضناهم حمى يثرب ثم بقي الحكم بعد زوال السبب في زمن النبي لله وبعده. قال: ويمشي في الباقي على هنية على ذلك اتفق رواة نسك رسول الله ﷺ ، والرمل من الحجر إلى الحجر هو المنقول من رمل النبي ﷺ ، فإن زحمه الناس في الرمل قام
ــ
[البناية]
في المناسك. وقال سعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد: لا يرمل فيهما بين الركن اليماني والحجر وإنما يرمل من الجانب الآخر، ويرده ما رواه الطحاوي ﵁ مسنداً إلى أبي الطفيل قال: «رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر» .
م: (وكان سببه) ش: أي سبب الرمل م: (إظهار الجلد للمشركين) ش: أي مشركي مكة م: (حيث قالوا: أضناهم) ش: أي أثقلهم وأوهنهم م: (حمى يثرب) ش: أي المدينة م: (ثم بقي الحكم) ش: أي حكم الرمل م: (بعد زوال السبب في زمن النبي ﷺ وبعده) ش: أي وبعد النبي ﷺ كما ذكرناه.
م: (قال: ويمشي في الباقي) ش: أي من الأشواط م: (على هنية) ش: بكسر الهاء أي على السكينة، والوقار تعظيماً وتواضعاً لله تعالى م: (على ذلك) ش: أي على ما ذكرناه م: (اتفق رواة نسك) ش: أي حج م: (رسول الله ﷺ ) ش: إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا ومشى أربعاً. رواه البخاري ومسلم، ومنهم جابر قال في حديث طويل «حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً» رواه مسلم، ومنهم عمر بن الخطاب ﵁ وروى حديثه أبو داود وابن ماجه عن هشام بن سعد بن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: سمعت «عمر ﵁ يقول: يتم الرمل وكشف المناكب، وقد أعز الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك فلا ندع شيئاً كنا نفعله مع رسول الله ﷺ » .
م: (والرمل من الحجر إلى الحجر) ش: أي من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، وخالف فيه سعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد، وقد ذكرناه الآن وروينا عليهم م: (هو المنقول) ش: أي الرمل من الحجر إلى الحجر هو المنقول م: (من رمل النبي ﷺ ) ش: وروى مسلم وأبو داود والنسائي، وابن ماجه عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ﵄ «رمل النبي ﷺ من الحجر» وفي لفظ لمسلم «أن ابن عمر رمل من الحجر إلى الحجر، ذكر أن رسول الله ﷺ فعله» .
م: (فإن زحمه الناس في الرمل قام) ش: يعني وقف إلى أن يجد فرصة للرمل، وإنما قال:
стр. 2036
فإذا وجد مسلكا رمل؛ لأنه لا بد له، فيقف قائما حتى يقيمه على وجه السنة، بخلاف الاستلام؛ لأن الاستقبال بدل له. قال: ويستلم الحجر كلما مر إن استطاع؛ لأن أشواط الطواف كركعات الصلاة، فكما يفتتح كل ركعة بالتكبير يفتتح كل شوط باستلام الحجر. وإن لم يستطع الاستلام استقبل، وكبر، وهلل على ما ذكرنا، ويستلم الركن اليماني وهو حسن في ظاهر الرواية، وعن محمد أنه سنة، ولا يستلم غيرهما فإن النبي ﷺ كان يستلم هذين الركنين،
ــ
[البناية]
قام ولم يقل وقف، يشير إلى أنه لا يقعد بل يقف قائماً، وفي " المجتبى " حائنا، فإن وجد فرجة رمل، فإن رمل في كله لا شيء عليه م: (فإذا وجد مسلكاً) ش: يعني فرجة م: (رمل به لأنه لا بد له فيقف قائماً حتى يقيمه على وجه السنة) ش: وهو أن لا يطوف بدون الرمل في تلك الثلاث م: (بخلاف الاستلام) ش: أي استلام الحجر إذا تعذر، لأنه لا يقف إذا ازدحم م: (لأن الاستقبال بدل له) ش: أي للاستلام، وإذا تعذر الاستلام يكتفي بالاستقبال.
م: (قال: ويستلم الحجر كلما مر به إن استطاع، لأن أشواط الطواف كركعات الصلاة " ش: لأنه في كل شوط يفتتح الطواف م: (فكما يفتتح المصلي كل ركعة بالتكبير، كذلك يفتتح الطائف كل شوط باستلام الحجر؛ وإن لم يستطع الاستلام استقبل) ش: وجه السبب هو الافتتاح، فافهم. وإن لم يستطع الاستلام للزحام أو لغيره استقبل الحجر م: (وكبر وهلل على ما ذكرنا) ش: عند قوله: واستلمه إن استطاع من غير أن يؤذي مسلماً.
م: (ويستلم الركن اليماني) ش: وهو خلاف الشامي لأنها بلاد على يمين الكعبة، والنسبة إليه اليماني بالتحقيق على تعويض الألف من إحدى ياء النسبة، والنسبة إليه في الأصل بتشديد الياء م: (وهو) ش: أي استلام الركن اليماني م: (حسن في ظاهر الرواية) ش: قال أبو بكر الرازي في " شرحه لمختصر الطحاوي ": أما الركن اليماني فإن استلمه فحسن، وإن تركه يضره في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -.
م: (وعن محمد أنه سنة) ش: لما روى أبو داود في " سننه " عن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوافه» م: (ولا يستلم غيرهما) ش: أي غير الركن الذي فيه الحجر الأسود والركن اليماني، وذلك لأن الركنين الآخرين ليسا من أركان البيت، لأن بعض الحطيم من البيت، فيكون هذان الركنان إذا من وسط البيت وليسا بركنين على الحقيقة، ولهذا يجعل الطواف من وراء الحطيم، وقال الشافعي ﵀: يستلم اليماني بيده ويقبلها ويقبل الركن، وقال: مالك يستلمه بيده، ولا يقبل يديه وبضعها على فيه، وعن أحمد يقبل الركن.
م: (فإن النبي ﷺ كان يستلم هذين الركنين ولم يستلم غيرهما) ش: أي غير الركن اليماني
стр. 2037
ولا يستلم غيرهما، ويختم الطواف بالاستلام - يعني استلام الحجر -.
قال: ثم يأتي المقام فيصلي عنده ركعتين، أو حيث تيسر من المسجد، وهي واجبة عندنا، وقال الشافعي ﵀: سنة لانعدام دليل الوجوب. ولنا قوله ﷺ : «وليصل الطائف لكل أسبوع ركعتين» ؛
ــ
[البناية]
والركن الذي فيه الحجر، وهذا الحديث أخرجه الجماعة إلا الترمذي عن ابن عمر بلفظ مسلم «كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني» م: (ويختم الطواف بالاستلام، يعني استلام الحجر) ش: لأن النبي ﷺ فعل كذلك في حجة الوداع.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ثم يأتي المقام) ش: يعني بعد فراغه من سبعة الأشواط يأتي مقام إبراهيم ﵊ م: (فيصلي عنده ركعتين، أو حيث تيسر من المسجد) ش: مقام إبراهيم ﵊ الحجر الذي فيه أثر قدميه والموضع الذي كان فيه الحجر حين وضع قدميه م: (وهي) ش: أي الركعتان المذكورتان م: (واجبة عندنا) ش: وبه قال الشافعي في قوله وبه قال مالك إلا أن عند مالك اتصالهما بالطواف شرط ويجب بتركهما الدم.
م: (وقال الشافعي ﵀: سنة لانعدام الدليل على وجوبها) ش: وفي بعض النسخ لانعدام دليل الوجوب.
م: (ولنا قوله ﷺ وليصل الطائف لكل أسبوع ركعتين) ش: هذا الحديث غريب وقيل لا أصل له، واستدل بعضهم لهذا بما رواه البخاري ومسلم عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: «قدم النبي ﷺ فطاف بالبيت سبعاً ثم صلى خلف المقام ركعتين..» الحديث، وهذا لا يدل على الوجوب، على أن الحافظ الراوي أبا القاسم تمام بن محمد الرازي روى في " فوائده " بإسناده إلى نافع عن ابن عمر قال: «سن رسول الله ﷺ لكل أسبوع ركعتين» واستدل الأترازي على الوجوب بقوله: ولنا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] [البقرة: الآية ١٢٥] ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم والكسائي بكسر الخاء على صيغة الأمر ومطلقه الوجوب، انتهى.
قلت: هذا أجنبي من كلام المصنف لأن الاستدلال على وجوب الركعتين بهذا الحديث فينبغي أن يكون الكلام فيه. فإن قلت: ذكر صاحب " الإيضاح " لما فرغ النبي ﷺ من الطواف صلى ركعتين عند المقام وتلا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] [البقرة: الآية ١٢٥] ، رواه الترمذي وغيره وعن عمر ﵁ أنه ﷺ نسي ركعتي الطواف فقضاهما بذي طوى فدل الأمر والقضاء على الوجوب.
стр. 2038
والأمر للوجوب، ثم يعود إلى الحجر فيستلمه، لما روي أن النبي ﷺ لما صلى ركعتين عاد إلى الحجر، والأصل أن كل طواف بعده سعي يعود إلى الحجر؛ لأن الطواف لما كان يفتتح بالاستلام فكذا السعي يفتتح به، بخلاف ما إذا لم يكن بعده سعي،
قال: وهذا الطواف طواف القدوم،
ــ
[البناية]
قلت: قال بعضهم: الأمر في الآية باتخاذ البقعة مصلى وليس فيها الأمر بالصلاة ورد عليه بأن حمل الآية على ذلك لا يصح، لأنه كان لا يصلي قبله، ولأن اتخاذ البقعة ليس إلينا، إنما إلينا فعل الصلاة فلا يجوز حمله عليه.
وقال أصحابنا في حديث جابر في " الصحيح " أنه ﷺ صلى ركعتين بعد طوافه، وتلا هذه الآية فنبه ﷺ أن صلاته كانت امتثالاً لأمر الله تعالى وأمره للوجوب. وقال السدي: وقتادة أمروا أن يصلوا عند المقام، وقال أبو طاهر: الأظهر وجوبها في الطواف الواجب بالدخول في التطوع، قال: ولا خلاف بين أرباب المذاهب أنهما ليسا ركناً، والمذهب أنهما واجبتان يجبران بالدم. قال: وقال به أبو حنيفة ﵀.
قلت: لا يجبران عند أبي حنيفة ﵀ وأصحابه بالدم، بل يصليهما في أي مكان شاء، ولو بعد رجوعه إلى أهله، وهو قول الشافعي وأحمد ﵀. وعند الثوري: يصليهما ما دام في الحرم، وليستا شرطاً لصحة الطواف عند الأئمة الثلاثة مع أصحابهم ولا دم في تركهما عندهم. وللشافعي ﵀ قولان في وجوبهما، وأصحهما أنهما سنة مؤكدة، وعند أحمد سنة مؤكدة، وهو معنى الوجوب عندنا، وتدخلها النيابة فيهما عند الشافعي ﵀، فإن الأخير يصليهما عن المتأخر عنده، وعندنا لا مدخل للنيابة في الصلاة، وهو قول مالك ﵁، ولو طاف وصلى ركعتين ففي وقوعهما عن الصبي وجهان.
م: (والأمر للوجوب) ش: لأن الأمر المطلق المجرد عن القرائن يدل على الوجوب م: (ثم يعود إلى الحجر) ش: أي بعد فراغه من الصلاة يعود إلى الحجر الأسود م: (فيستلمه لما روي «أن النبي ﷺ لما صلى ركعتين عاد إلى الحجر» والأصل أن كل طواف بعده سعي يعود إلى الحجر لأن الطواف لما كان يفتتح بالاستلام، فكذا السعي يفتتح به) ش: أي باستلام الحجر.
وبه قال الشافعي ﵀ لأن السعي للطواف، لأنه يتصل بأشواطه والسنة أن يستلم الحجر بين الشوطين، وكذا بين الطواف والسعي م: (بخلاف ما إذا لم يكن بعده) ش: أي بعد الطواف م: (سعي) ش: لأنه قدم فراغه من الركعتين فلا معنى للعود لما بدأ به الطواف.
م: (قال وهذا الطواف) ش: أي الطواف الذي ذكرنا م: (طواف القدوم ويسمى طواف التحية) ش: ويسمى أيضاً طواف اللقاء وطواف إحداث العهد بالبيت م: (وهو) ش: أي طواف القدوم م:
стр. 2039
ويسمى طواف التحية، وهو سنة، وليس بواجب. وقال مالك ﵀: أنه واجب؛ لقوله ﷺ : «من أتى البيت فليحيه بالطواف» . ولنا أن الله تعالى أمر بالطواف، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار به، وقد تعين طواف الزيارة بالإجماع، وفيما رواه سماه تحية، وهو دليل الاستحباب
ــ
[البناية]
(سنة وليس بواجب) ش: أي طواف القدوم ليس بواجب عندنا، وبه قال الشافعي وأحمد.
م: (وقال مالك: إنه واجب) ش: وبه قال أبو ثور م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «من أتى البيت فليحيه بالطواف» ش: ومطلق الأمر للوجوب، فإذا كان واجبا يجب الدم بتركه عنده، وفي " الحلية ": وقال مالك: إن تركه تعجلاً فلا شيء عليه، وإن تركه مطيقاً فعليه الدم، وهذا الحديث غريب.
م: (ولنا أن الله تعالى أمر بالطواف) ش: في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] [الحج: الآية ٢٩] ، م: (والأمر المطلق لا يقتضي التكرار به) ش: ولا يراد به إلا الواحد م: (وقد تعين) ش: بالأمر م: (طواف الزيارة بالإجماع) ش: فلما يبقى غيره مراداً ولا يلزم التكرار، فلا يجوز.
وقال الأترازي: هذا الاستدلال ضعيف، لأن لقائل أن يقول سلمنا أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، وسلمنا أيضاً أن طواف الزيارة هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج: ٢٩] لكن لا نسلم أن طواف السنة واجباً بدليل آخر توجبه الزيارة للأمر، فالدليل الآخر من غير الكتاب الذي يوجبه، لأن غيره لا يعلم به لأنه ينافي ما ثبت بالدليل القطعي فلا يعمل به، وقوله: ولهذا قلنا ... إلى آخره - وأراد لأنه يؤتى به بعد تمام التحلل، فلو جعلناه واجباً لا يؤدي إلى تكرار الواجب في الإحرام.
وأما الجواب عن بنيه فقد أشار إليه المصنف بقوله م: (وفيما رواه) ش: أي في الحديث الذي رواه مالك ﵁ م: (سماه) ش: أي سمى الطواف م: (تحية، وهو دليل الاستحباب) ش: لأن التحية في اللغة اسم الإكرام مبتدأ به على سبيل التبرع فلا يدل على الوجوب، وإن كان على صيغة الأمر كما في قوله ﷺ : «أكرموا الشهود» .
فإن قلت: يشكل هذا بقوله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦] (النساء: الآية ٨٦) ، وجواب السلام واجب، وإن كان بلفظ التحية.
قلت: الجواب المقيد بالأحسن غير واجب فكانت التحية بمعنى الأحسن، فإن لفظ التحية هنا مخرج على طريق المطابقة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [النساء: ٨٦] فلا يدل على عدم الوجوب.
стр. 2040
وليس على أهل مكة طواف القدوم؛ لانعدام القدوم في حقهم.
قال: ثم يخرج إلى الصفا فيصعد عليه، وليستقبل البيت، ويكبر، ويهلل، ويصلي على النبي ﷺ ويرفع يديه، ويدعو الله لحاجته؛ لما روي «أن النبي ﷺ صعد الصفا حتى إذا نظر إلى البيت قام مستقبل القبلة يدعو الله؛» لأن الثناء والصلاة يقدمان على الدعاء تقريبا إلى الإجابة كما في غيره من الدعوات، والرفع سنة
ــ
[البناية]
م: (وليس على أهل مكة طواف القدوم؛ لانعدام القدوم في حقهم) ش: لأنهم حاضرون.
[السعي بين الصفا والمروة]
[حكم السعي بين الصفا والمروة وكيفيته]
م: (قال: ثم يخرج إلى الصفا) ش: من باب بني مخزوم، ويسمى باب الصفا، ولا يتعين، بل هو مستحب، وهو أقرب الأبواب إلى الصفا، والشافعي ﵀ جعل الخروج منه سنة، والصحيح أنه مستحب، وبه قال مالك. ويقدم رجله اليسرى في الخروج، ويقول بسم الله والسلام على رسول الله ﷺ اللهم افتح لي أبواب رحمتك وأدخلني فيها وأعذني من الشيطان الرجيم م: (فيصعد عليه) ش: بقدر ما يرى البيت. والصعود على الصفا مستحب، وقيل سنة، وهو المشهور عن الشافعي ﵀ وعنه أنه ركن، ذكره الطبري في مناسكه، وعن أحمد: إن لم يصعد عليه فلا شيء عليه، وعن مالك م: (وليستقبل البيت، ويكبر، ويهلل، ويصلي على النبي ﷺ ويرفع يديه) ش: وكفيه نحو السماء من أول ما يكبر ويهلل م: (ويدعو الله تعالى بحوائجه) ش: من حوائج الدنيا والآخرة م: (لما روي «أن النبي ﷺ صعد الصفا حتى إذا نظر إلى البيت قام مستقبل القبلة يدعو الله تعالى» ش: هذا في حديث جابر أخرجه مسلم مطولاً وهو مشهور.
م: (ولأن الثناء) ش: على الله تعالى م: (والصلاة) ش: على النبي ﷺ م: (يقدمان على الدعاء تقريبا إلى الإجابة) ش: أراد بهذا أن الدعاء بحوائجه بعد الثناء على الله والصلاة على رسول الله ﷺ لأنه عقبهما أقرب إلى الإجابة لأنهما وسيلة إليها فلا جرم أنهما يقدمان م: (كما في غيره من الدعوات) ش: أي كما يقدم الدعاء والصلاة في غير هذين الوقتين، ألا ترى أن الدعاء في الصلاة يكون بعد قراءة التشهد والصلاة على النبي ﷺ ، وكذا في كل موضع يدعو الشخص بحوائجه بعد أن يثني على الله تعالى ويصلي على النبي ﷺ .
وأما ذكر الدعاء ها هنا ولم يذكر عند استلام الحجر وفي الطواف لأن حالة الاستلام حالة ابتداء العبادة والطواف يشبه الصلاة والدعاء يؤتى به بعد الفراغ من العبادة، والسعي تتمة ذلك، فأشبه آخر الصلاة فاستقام الدعاء للحاجة فيه.
م: (والرفع سنة الدعاء) ش: أي رفع اليدين سنة.
وروي فيه أحاديث، منها ما أخرجه أبو داود في " سننه " في الدعاء من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما، والإشعار أن تشير بإصبع واحدة، والإهلال أن تمد يديك» ، ثم أخرجه عن ابن
стр. 2041
الدعاء، وإنما يصعد الصفا بقدر ما يصير البيت بمرأى منه؛ لأن الاستقبال هو المقصود بالصعود، ويخرج إلى الصفا من أي باب شاء. وإنما خرج النبي ﷺ من باب بني مخزوم، وهو الذي يسمى
ــ
[البناية]
عباس ﵄ أيضاً موقوفاً، ومنها ما رواه أبو داود أيضاً من حديث السائب بن يزيد عن أبيه «أن النبي ﷺ إذا دعا رفع يديه فمسح وجهه بيديه» وفي سنده ابن لهيعة وهو معلول به.
ومنها ما رواه أبو داود أيضاً من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم» .
وقال أبو داود روي هذا الحديث من غير وجه كلها واهية، وهذه الطريق أمثلها وهو ضعيف أيضاً، ومنها ما رواه الترمذي، في الدعوات من حديث سليمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله حيي كريم يستحي من عبده أن يرفع يديه فيردهما صفراً خائبتين» . وقال الترمذي حسن غريب، وبعضهم لم يرفعه.
ومنها ما رواه الترمذي أيضاً من حديث سالم عن أبيه عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما ثم يمسح بهما وجهه» وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى، وقد تفرد به، وقال ابن حبان: في كتاب " الضعفاء ": حماد بن عيسى الجعفي يروي المعلولات التي يظن أنها معمولة، لا يجوز الاحتجاج به. وقال النووي ﵁ وقد ثبت أنه ﷺ رفع يديه في الدعاء، ذكرت من ذلك نحو عشرين حديثاً في " شرح المهذب ". م: (وإنما يصعد الصفا بقدر ما يصير البيت بمرأى منه) ش: أي بمنظر من الحاج الصاعد م: (لأن الاستقبال) ش: إلى البيت م: (هو المقصود بالصعود، ويخرج إلى الصفا من أي باب شاء) ش: من أبواب المسجد م: (وإنما خرج النبي ﷺ من باب بني
стр. 2042
باب الصفا لأنه كان أقرب الأبواب إلى الصفا لأنه سنة. قال: ثم ينحط نحو المروة ويمشي على هنيته، فإذا بلغ بطن الوادي يسعى بين الميلين الأخضرين سعيا، ثم يمشي على هنيته حتى يأتي المروة ويصعد عليها ويفعل كما فعل على الصفا لما روي «أن النبي ﷺ نزل من الصفا وجعل يمشي نحو المروة وسعى في بطن الوادي، حتى إذا خرج من بطن الوادي مشى حتى صعد المروة وطاف بينهما سبعة أشواط» وهذا شوط واحد فيطوف
ــ
[البناية]
مخزوم وهو الذي يسمى باب الصفا، لأنه كان أقرب الأبواب إلى الصفا) ش: روى الطبراني في " الكبير " من حديث نافع عن ابن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ خرج من المسجد إلى الصفا من باب بني مخزوم» م: (لأنه سنة) . ش: وإنما كان قربه من الصفا دون سائر الأبواب. م: (وقال: ثم ينحط) ش: أي ينزل من الصفا عامداً م: (نحو المروة) ش: في بعض النسخ قال: ثم ينحط أي قال القدوري ﵀: ثم ينحط م: (ويمشي على هنيته) ش: أي على سكونه ووقاره م: (فإذا بلغ بطن الوادي) ش: قيل: لم يبق اليوم بطن الوادي لأن السوال سنة ولم يبق له أثر إلا أنه جعل له ميلان أخضر وأصفر ليعلم أنه بطن الوادي فيسعى الحاج بين الميلين، كذا في " المبسوط " م: (يسعى بين الميلين الأخضرين سعيا) ش: إنما ذكر الأخضرين بطريق التغليب، لأن أحدهما أخضر والآخر أصفر كما ذكرنا.
وقال المطرزي ﵀: الميلان علامتان لموضع الهرولة من بطن الوادي، وقال العلامة حافظ الدين ﵀: هما علامتان قد ركزا في حائط المسجد الحرام.
وفي " شرح الوجيز " ثم ينزل من الصفا ويمشي على هنيته حتى يبقى بينه وبين الميل الأخضر الملصق ببنيان المسجد وركنه قدر ستة أذرع ويمشي ويسرع ويسعى سعياً شديداً، وكان ذلك الميل موضوعاً على متن الطريق في الموضع الذي يبتدأ منه السعي إعلاماً فكان السيل يهدمه، فرفعوه إلى أعلى ركن المسجد، ولهذا معلقاً، فرفع متأخراً عن مبدأ السعي ستة أذرع، لأنه لم يكن موضع أليق منه، وهذا على يسار الساعي، والميل الثاني متصل بدار العباس ﵁، قال الروياني وغيره: هذه الأسامي.
م: (ثم يمشي على هنيته حتى يأتي المروة فيصعد عليها ويفعل كما فعل على الصفا) ش: من استقبال القبلة ورفع اليدين والدعاء لحاجته م: (لما روي «أن النبي ﷺ نزل من الصفا، وجعل يمشي نحو المروة، وسعى في بطن الوادي، حتى إذا خرج من بطن الوادي مشى حتى صعد المروة، وطاف بينهما سبعة أشواط» ش: هذا أخرجه البخاري ومسلم عن عمرو بن دينار عن ابن عمر ﵄ قال: «قدم النبي ﷺ مكة فطاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين وطاف بين الصفا والمروة سبعاً» م: (وهذا شوط واحد) ش: أي وهذا الذي ذكرناه شوط واحد.
م: (فيطوف) ش: ورجوعه منها إلى الصفا شوط آخر، وبه قال الشافعي ﵀ -
стр. 2043
سبعة أشواط يبدأ بالصفا ويختم بالمروة ويسعى في بطن الوادي في كل شوط لما روينا، وإنما يبدأ بالصفا
ــ
[البناية]
ومالك وأحمد وأكثر أهل العلم، وذكر الطحاوي أنه يطوف سبعة أشواط من الصفا إلى الصفا ولا يعتبر الرجوع من المروة إلى الصفا، وبه قال ابن جرير الطبري والصيرفي من أصحاب الشافعي، فقال أبو بكر الرازي: هذا غلط لأنه يصير أربعة عشر شوطاً، وإنما عليه م: (سبعة أشواط) ش: لأن رواة نسك رسول الله ﷺ اتفقوا على أنه ﷺ طاف بينهما سبعة أشواط لا أربعة عشر، وهي ما قال م: (يبدأ بالصفا) ش: في كتاب بدأ بالصفا.
م: (ويختم بالمروة) ش: أي يبدأ الشوط الأول من الصفا ويختم الشوط السابع بالمروة، ولو كان الأمر كما قاله الطحاوي ﵀ يقال: يبتدئ لكل شوط بالصفا، كذا في " المبسوط " وفي " المجتبى " إنما قال: يبدأ بالصفا ويختم بالمروة حتى لا يظن أن كل شوط يبدأ بالصفا ويختم به شوط واحد، وقال الأترازي ﵀: وقد ضعفوا قول الطحاوي في عامة كتب أصحابنا بعضهم قالوا: ذلك غلط وبعضهم: ليس بصحيح، وعندي لما قال الطحاوي وجه لأن النبي ﷺ لما رقى على الصفا قال: " نبدأ بما بدأ الله به "، وأراد به قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] [البقرة: الآية ١٥٨] ، فيفهم منه أن يبدأ بالصفا في كل شوط، لأن الحديث مطلق فيه يبدأ به كل شوط فإن كان البداءة في كل شوط من الصفا يكون المضي من الصفا إلى المروة، والعود من المروة إلى الصفا شوطاً واحداً لا محالة.
إنا نقول: إن أهل الحديث أوردوه في عامة كتبهم أن النبي ﷺ سعى بين الصفا والمروة سبعاً ولم يذكروا أن البداءة من الصفا شوط والعود من المروة شوط، ويحتمل أن طواف النبي ﷺ على ما قال الطحاوي يحتمل أن يكون على ما قاله، أو نقول في قوله ﷺ نبدأ محذوف والمفعول إذا كان محذوفاً يقدر أعم الأشياء لا أخصها، لعدم الألوية، فيكون حينئذ تقدير الكلام نبدأ كل شوط من الأشواط بما بدأ الله به، أي بالصفا، فيكون الأمر على ما قاله الطحاوي ﵀ انتهى.
قلت: فيه نظر، لأنا لا نسلم أن المفعول فيه محذوف، لأن قوله: بما بدأ الله به، هو المفعول في الحقيقة، لأن كلمة (ما) مصدرية، فالتقدير يبدأ بابتداء الله تعالى، أو موصولة، فالتقدير نبدأ بالذي بدأ الله به وهو الصفا، فمن أين يأتي ما ذكره.
م: (ويسعى في بطن الوادي في كل شوط) ش: المراد من السعي الهرولة م: (لما روينا) ش: أشار به إلى قوله أن النبي ﷺ نزل من الصفا وجعل يمشي ويسعى في بطن الوادي م: (وإنما يبدأ
стр. 2044
لقوله ﷺ فيه: «ابدأ بما بدأ الله تعالى به» ، ثم السعي بين الصفا والمروة واجب، وليس بركن. وقال الشافعي ﵀: إنه ركن لقوله ﷺ : «إن الله تعالى كتب عليكم السعي فاسعوا» .
ــ
[البناية]
بالصفا ﷺ ) ش: أي في البداية بالصفا م: «ابدأ بما بدأ الله تعالى به» ش: هذا الحديث روي بصيغة الأمر، كما قاله المصنف، وهذه رواية النسائي والدارقطني ثم البيهقي في تتمتهم، وأما في رواية مسلم من حديث جابر الطويل بصيغة الخبر وهي ابتدأ بما بدأ الله به، وبنون الجمع في رواية أبي داود والترمذي وابن ماجه ومالك في الموطأ. وقد عزا بعض الفقهاء لفظ الأمر لمسلم وهو وهم منه، فسعى بل تجب النية ها هنا، ولو بدأ بالمروة لا يعتد به بالإجماع، وشذ عطاء بن أبي رباح فقال: إن بدأ فيه بالمروة أجزأ.
م: (ثم السعي بين الصفا والمروة واجب، وليس بركن) ش: وهو قول ابن عباس ﵄ وعبد الله بن الزبير وأنس وعروة بن الزبير والحسن البصري، وعطاء ومحمد بن سيرين ومجاهد، ونقل المروزي والميموني عن ابن حنبل أنه مستحب، واختار القاضي من الحنابلة أنه واجب فيجبر بالدم كقولنا.
م: (وقال الشافعي ﵀: إنه ركن) ش: وبه قال مالك وأحمد في رواية. ويروى عن عائشة ﵂ وإذا كان ركنا لا يصح بدونه م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «إن الله تعالى كتب عليكم السعي فاسعوا» ش: هذا الحديث رواه الشافعي ﵁ أخبرنا عبد الله بن المؤمل العابدي عن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن عن عطاء بن أبي رباح عن صفية بنت شيبة «عن حبيبة بنت أبي تجرأ إحدى نساء بني عبد الدار قالت: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي وهو يقول: " اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي» .
وقال ابن القطان: عبد الله بن المؤمل سيء الحفظ، وفي حديثه اضطراب كبير، وعن يحيى بن معين والنسائي والدارقطني: هو ضعيف، وقال ابن حبان: هو لا يجوز الاحتجاج بحديثه إذا انفرد، وذكره ابن الجوزي ﵀ في " الضعفاء والمتروكين ".
стр. 2045
ولنا قَوْله تَعَالَى: ﴿فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما﴾ [البقرة: ١٥٨] (١٥٨ البقرة) ، ومثله أن يستعمل للإباحة فينفي الركنية والإيجاب إلا أنا عدلنا عنه في الإيجاب ولأن الركنية لا تثبت إلا بدليل مقطوع به ولم يوجد، ثم معنى ما روي كتب استحبابا كما في قَوْله تَعَالَى ﴿كتب عليكم إذا حضر أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] [١٨٠ البقرة: الآية] ،
ــ
[البناية]
قلت: ولهذا رواه الحاكم في " مستدركه " وسكت عنه، وقال السروجي: وقد رواه البيهقي عن الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ولم يتعرض له بضعف مع علمه بضعفه، [.....] نظراً إلى عصبيته وعدم إنصافه، وهذا لا يليق بالإنسان في أمر الدين، وتراهم يقولون: الجرح مقدم على التعديل مع وجود التعديل، فكيف مع عدمه.
قوله: حبيبة بنت تجرأ بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الجيم وفتح الراء والهمزة. وقال الذهبي ﵀: حبيبة بنت تجرأ العبدرية، ويقال حبيبة بالتشديد روت عنها صفية بنت شيبة.
م: (ولنا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] (البقرة: الآية ١٥٨) ش: أي بالصفا والمروة وجه الاستدلال به هو قوله م: (ومثله) ش: أي مثل هذا الكلام وهو لفظ لا جناح م: (يستعمل للإباحة) ش: كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] [البقرة: الآية ٢١٥] ، فإذا كان يستعمل للإباحة م: (فينفي الركنية والإيجاب إلا أنا عدلنا عنه) ش: أي عن ظاهر الآية م: (في الإيجاب) ش: أي في نفي الإيجاب، قال الكاكي: وفي بمعنى إلى لأن: حروف الجر ينوب بعضها عن بعض، أي عدلنا عن النفي المطلق إلى الإيجاب الثابت بالخبر.
قلت: إن أراد بالخبر ما رواه الشافعي ﵀ فلا يصح، لأن الخبر ضعيف منكر كما ذكرناه، ولم يذكر ما وجب العدول، واختلف فيه الشارحون، فمنهم من قال عملاً بما رواه لأنه خبر واحد يوجب الإيجاب، ومنهم من قال بأول الآية، وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] [البقرة: الآية ١٥٨] ، فإن الشعائر جمع شعيرة، وهي العلامة وذلك يكون فرضاً، فأول الآية يدل على الفرضية وآخرها على الإباحة فعلمنا بهما، وقلنا بالوجوب لأنه ليس بفرض علماً وهو فرض عملاً فكان فيه نوع من كل واحد من الفرض والاستحباب وقيل بالإجماع.
قلت: الذي قال عملاً بما رواه لم يقف على حال الحديث، وكيف يعمل به وهو حديث ضعيف، حتى قال أحمد: أحاديث رواة هذا الحديث منكرة، وقال ابن حبان - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: لا يجوز الاحتجاج بخبره.
م: (ولأن الركنية لا تثبت إلا بدليل مقطوع به ولم يوجد) ش: يعني فيما رواه الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - م: (ثم معنى ما روي) ش: أي الشافعي ﵁ م: (كتب استحبابا كما في قَوْله تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] [البقرة: الآية ١٨٠] ش: قيل فيه نظر، لأن
стр. 2046
ثم يقيم بمكة حراما؛ لأنه محرم بالحج فلا يتحلل قبل الإتيان بأفعاله. ويطوف بالبيت كلما بدا له؛ لأنه يشبه الصلاة، قال ﷺ : «الطواف بالبيت صلاة»
ــ
[البناية]
الوصية للوالدين والأقربين كانت فرضاً ثم نسخت فكان كتب دلالة على الفرضية، قالوا وإن ذلك ليس بمجمع عليه، بل قال بعضهم ليست بمنسوخة بل يجمع للوارث من الوصية والميراث، والمانع يكفيه ذلك.
م: (ثم يقيم بمكة حراما) ش: أي ثم بعد فراغه من الطواف والسعي يقيم بمكة محرماً لا يحلق ولا يقصر م: (لأنه محرم بالحج فلا يتحلل قبل الإتيان بأفعاله) ش: أي بأفعال الحج فيقيم محرماً أي يوم النحر، وهو وقت التحلل. قال الكاكي: قوله: ثم يقيم بمكة حراماً، احترازاً عن قول ابن عباس ﵄ فإنه قال: يحلق أو يقصر ويحل، لما روي عن جابر ﵁ أنه قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع فمنا من أهل بحجة، ومنا من أهل بعمرة وكنت فيمن أهل بعمرة فدخلنا مكة صبيحة أربعة ذي الحجة، فلما طفنا وسعينا أمر النبي ﷺ من أهل بحجة بالإحلال فأحللنا وواقعنا النساء» .
والجواب عنه أنه منسوخ لأنه كان ذلك في الابتداء حين كان الناس يعدون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور فأمرهم أن يحلوا ويجعلوها عمرة تقريراً للحكم الشرعي ودرءاً للحكم الجاهلي في نسخ ذلك.
وإذا فرغ من السعي وهو مفرد بعمرة حلق أو قصر وكذا المتمتع الذي لم يسق الهدي، وبه قال أحمد ﵁، وعند مالك والشافعي هما سواء، ويمكث بمكة حلالاً إلى يوم التروية، ثم يحرم بالحج يوم التروية من ميقات أهل مكة وإن قدم إحرامه كان أفضل، وإن كان مفرداً بالحج أو متمتعاً ساق الهدي لا يتحلل بل يبقى محرماً ويؤدي أفعاله إلى أوان التحلل.
م: (ويطوف بالبيت كلما بدا له) ش: أي كلما ظهر له أن يطوف م: (لأنه) ش: أي لأن الطواف م: (يشبه الصلاة) ش: يعني في الثواب دون الحكم، ألا ترى أن الإنحراف والشر فيه لا يفسده. م: (قال ﷺ : «الطواف بالبيت صلاة» ش: هذا الحديث رواه ابن حبان ﵁ في " صحيحه " من حديث طاوس عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله تعالى قد أحل فيه المنطق فمن نطق فيه فلا ينطق إلا بخير» ، وأخرجه الحاكم أيضاً وسكت عنه.
стр. 2047
والصلاة خير موضوع، فكذا الطواف إلا أنه لا يسعى عقيب هذه الأطوفة في هذه المدة؛ لأن السعي لا يجب فيه إلا مرة، والتنفل بالسعي غير مشروع، ويصلي لكل أسبوع ركعتين، وهي ركعتا الطواف على ما بينا
ــ
[البناية]
ومعنى قوله صلاة، يعني يشبه الصلاة لأنه ليس بصلاة حقيقة، ولهذا يجوز الكلام فيه، وقد رواه الترمذي ﵁ بلفظ الطواف حول البيت مثل الصلاة، ثم قال: وقد روي هذا موقوفاً على ابن عباس ﵄.
م: (والصلاة خير موضوع، فكذلك الطواف) ش: خير موضوع، وفي " شرح الطحاوي " ﵀ الطواف للغرباء أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل، وهو مذهب عامة أهل العلم، لأن الغرباء يفوتهم الطواف، وأهل مكة لا يفوتهم الأمران، وعند الاجتماع الصلاة أفضل بعينها، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥] [الحج: الآية ١٢٥] ، قيل: الغرباء م: (إلا أنه لا يسعى عقيب هذه الأطوفة في هذه المدة) ش: هذا الاستثناء من قوله: ويطوف بالبيت كلما بدا له يعني لا يسعى بين الصفا والمروة عقيب هذه الأطوفة التي يأتي بها في مدة إقامته بمكة إلى أوان التحلل.
م: (لأن السعي لا يجب فيه) ش: أي في المفرد بالحج الموصوف من عند قوله - وإن كان مفرداً بالحج - إلى هنا م: (إلا مرة واحدة، والتنفل بالسعي غير مشروع) ش: لعدم ورود النص به.
فإن قلت: السعي تبع الطواف، ولهذا لا يجوز قبله والتنفل بمتبوعه مشروع فيجب أن يكون التنفل بالسعي أيضاً مشروعاً تبعاً للطواف.
قلت: السعي إنما ثبت كونه عبادة بالنص، بخلاف القياس فيقتصر على النص، والنص ورد بالإتيان مرة فلا يشرع ثانياً بالقياس لأنه لا محل له.
م: (ويصلي لكل أسبوع) ش: أي لكل سبعة أشواط وهو طواف واحد م: (ركعتين) ش: وفيه خلاف أبي يوسف ﵀، وإن عنده يجوز أن يجمع بين أسبوعين فصاعداً قبل أن يصلي ركعتي الطواف، وبه قال أحمد، ولكن عند أبي يوسف ﵀ ينصرف عن وتر ثلاثة أو خمسة أو سبعة وعند أبي حنيفة ومحمد ﵄ يكره الجمع بين الأسبوعين وبه قال مالك ﵁، وعند الشافعي ﵁ الأفضل الفصل بين كل أسبوعين بركعتين.
م: (وهي ركعتا الطواف على ما بينا) ش: وهو قوله ﷺ : «يصلي الطائف لكل أسبوع ركعتين» ، ذكره عند قوله: ثم يأتي المقام فيصلي ركعتين.
стр. 2048
قال: فإذا كان قبل يوم التروية بيوم خطب الإمام خطبة يعلم فيها الناس الخروج إلى منى والصلاة بعرفات والوقوف، والإفاضة، والحاصل أن في الحج ثلاث خطب، أولها ما ذكرنا، والثانية بعرفات يوم عرفة، والثالثة بمنى في اليوم الحادي عشر
ــ
[البناية]
[خطب الإمام في الحج] [ النفر إلى منى والمبيت بها ليلة التاسع]
م: (قال: فإذا كان قبل يوم التروية بيوم) ش: وهو اليوم السابع من ذي الحجة، لأن يوم التروية الثامن منه، كذا في " المغرب " وإنما سمي يوم التروية بذلك، لأن إبراهيم ﷺ رأى ليلة الثامن كأن قائلاً يقول له: إن الله تعالى يأمرك بذبح ابنك، فلما أصبح رؤي، أي افتكر في ذلك من الصباح إلى الرواح أمن الله هذا، أم من الشيطان؟ فمن ذلك سمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله تعالى، فمن ثم سمي يوم عرفة ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره، فسمي اليوم العاشر يوم النحر.
وقال أبو بكر الأنباري: في كتاب الزهد إنما سميت التروية لأن الناس يروون من الماء العطش في هذا اليوم، ويحملون الماء بالروايا إلى عرفة ومنى، وإنما سمي يوم عرفة لأن جبريل ﷺ علم إبراهيم ﷺ المناسك كلها يوم عرفة، فقال: أعرفت في أي موضع تطوف؟ وفي أي موضع تسعى؟ وفي أي موضع تقف؟ وفي أي موضع تنحر وترمي؟ فقال: عرفت فسمي يوم عرفة، وسمي يوم الأضحية، لأن الناس يضحون فيه بقربانهم، وقيل: إن آدم ﵊ لما هبط بالأرض وقع بالهند، وامرأته حواء ﵍ وقعت بالسند، فلم يلتقيا إلا عشية عرفة، فسمي يوم عرفة، لمعرفة كل منهما الآخر.
م: (خطب الإمام خطبة) ش: أي خطبة واحدة من غير جلسة بين الخطبتين بعد صلاة الظهر م: (يعلم الناس فيها الخروج إلى منى) ش: وهي قرية فيها ثلاث سكك بينها وبين مكة فرسخ، وهي في الحرم، لأنها منحر، والمنحر يكون في الحرم، والغالب على منى التذكير والصرف، وقد تكتب بالألف، وسميت بمنى لأن الحيوانات تساق إلى مناياها، وهو جمع منية وهي الموت وقيل لما تمنى من الدماء أي تراق، وقيل: إن جبرائيل ﷺ لما أراد أن يفارق آدم قال له: ماذا تتمنى فقال آدم: الجنة فسمي ذلك الموضع منى.
م: (والصلاة بعرفات) ش: أي يعلم الصلاة بجبل عرفات م: (والوقوف بها والإضافة) ش:.
م: (والحاصل أن في الحج ثلاث خطب أولها ما ذكرناه) ش: وهو الذي ذكر أن الإمام يخطب بمكة يوم التروية م: (والثانية) ش: أي الخطبة الثانية م: (بعرفات يوم عرفة) ش: قبل صلاة الظهر، وهي خطبتان يجلس بينهما جلسة خفيفة، قال أبو حنيفة ﵀ يبتدئ الخطبة إذا فرغ المؤذنون من الأذان بين يديه كخطبة الجمعة، وقال أبو يوسف ﵀: يخطب الإمام قبل الأذان، فإذا مضى صدر من خطبته أذن المؤذنون.
م: (والثالثة) ش: أي الخطبة الثالثة م: (بمنى في اليوم الحادي عشر) ش: يعلم الناس فيها النفر
стр. 2049
فيفصل بين كل خطبتين بيوم. وقال زفر ﵀ يخطب في ثلاثة أيام متوالية، أولها يوم التروية، لأنها أيام الموسم ومجتمع الحاج. ولنا أن المقصود منها التعليم ويوم التروية، ويوم النحر يوم اشتغال، فكان ما ذكرناه أنفع، وفي القلوب أنجع، فإذا صلى الفجر يوم التروية بمكة خرج إلى منى فيقيم بها حتى يصلي الفجر من يوم عرفة؛ لما روي «أن النبي ﷺ صلى الفجر يوم التروية»
ــ
[البناية]
وطواف الصدر، ولا يحتاج يوم النحر إلى خطبة، لأنهم قد علموا ما يحتاجون إليه في خطبة يوم عرفة، وما روي أن النبي ﷺ خطب يوم النحر، فإنها لم تكن خطبة من خطب الحج، وإنما كانت من خطب الوداع علمهم الأحكام لما علم أنه لا يتحقق مثله بعدها من الاجتماع والكثرة.
م: (يفصل بين كل خطبتين بيوم) ش: أي يفصل الخطيب الذي هو الإمام بين كل خطبتين من الخطب الثلاثة بيوم، وذلك كما ذكره أن الأولى قبل يوم التروية بمكة، والثانية يوم عرفة وبينهما يوم، وهو يوم التروية الثامن من الشهر، والثالثة في يوم الحادي عشر، وبينهما يوم وهو يوم العيد العاشر من شهره.
م: (وقال زفر ﵁ يخطب في ثلاثة أيام متواليات) ش: أي متتابعات م: (أولها يوم التروية، لأنها أيام الموسم) ش: أي لأن هذه الأيام الثلاثة أيام الموسم، وفي " المغرب " موسم الحاج سوقهم ومجتمعهم مشتق من الوسم وهو العلامة م: (ومجتمع الحاج) ش: أي موضع اجتماعهم م: (وذلك أن المقصود تعليمهم ما يقع في هذه الأيام) ش: فيجب أن تكون الخطب فيها.
م: (ويوم التروية، ويوم النحر يوم اشتغال) ش: جمع شغل، أما يوم التروية فيوم حاجتهم إلى الخروج إلى منى، وأما يوم النحر فلاشتغالهم بالحلق والرمي والطواف فلا تفيد الخطبة فيها، وبقولنا قال الشافعي ﵀، وعن أحمد ﵀ لا يخطب في اليوم السابع م: (فكان ما ذكرناه) ش: أي من التفريق بين كل خطبتين م: (أنفع) ش: مما قاله زفر ﵀ م: (وفي القلوب أنجع) ش: من نجع الوعظ إذا أثر.
م: (فإذا صلى الفجر يوم التروية بمكة خرج إلى منى) ش: يعني بعد طلوع الشمس، وعند عمر ابن عبد العزيز ﵄ إلى منى قبل الزوال، وبه قال مالك ﵀ ويستحب أن ينزل عند مسجد الخيف م: (فيقيم بها) ش: أي بمنى م: (حتى يصلي الفجر من يوم عرفة) ش: أي إلى أن يصلي الفجر الذي صبيحة يوم عرفة، وقال الرغيناني: يصلي الفجر بمنى بغلس، وفي مناسك الكرماني ﵁ يصلي في وقته، وفي " الوتري " يصلي في وقته المعروف، فإذا طلعت الشمس على ثبير وهو أعلى جبل بمنى راح إلى عرفة مع الناس وعليه السكينة والوقار، وفي خزانة الأكمل يذهب إلى عرفة بعد صلاة الغداة.
م: (لما روي «أن النبي ﷺ صلى الفجر يوم التروية بمكة، فلما طلعت الشمس راح إلى منى فصلى
стр. 2050
«بمكة فلما طلعت الشمس راح إلى منى فصلى بمنى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر ثم راح إلى عرفات» ولو بات بمكة ليلة عرفات، وصلى بها الفجر ثم غدا إلى عرفات ومر بمنى أجزأه؛ لأنه لا يتعلق بمنى في هذا اليوم إقامة نسك، ولكنه أساء بتركه الاقتداء برسول الله ﷺ . قال: ثم يتوجه إلى عرفات فيقيم بها لما روينا، وهذا بيان الأولوية، أما لو دفع قبله جاز
ــ
[البناية]
بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم راح إلى عرفات» ش: هذه قطعة من حديث جابر الذي رواه مسلم مطولاً، وروى الترمذي وابن ماجه عن إسماعيل بن مسلم عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم غدا إلى عرفات» وقال الترمذي: وإسماعيل بن مسلم تكلموا فيه.
م: (ولو بات بمكة ليلة عرفة ثم صلى بها الفجر ثم غدا) ش: بالغين المعجمة والدال المهملة من الغد، وهو الذهاب أول النهار م: (إلى عرفات ومر بمنى) ش: يعني جازها ولم ينزل بها م: (أجزأه) ش: ولا شيء عليه خلافاً للظاهرية م: (لأنه لا يتعلق بمنى في هذا اليوم إقامة نسك ولكنه أساء بتركه الاقتداء برسول الله ﷺ ) ش: إساءة الأدب في تركه اتباعه النبي ﷺ وفي ترك العمل بقوله ﷺ ، وهو أيضاً قوله: «خذوا عني مناسككم» .
[الدفع من منى إلى عرفة]
[الجمع بين الصلاتين بعرفة وخطبة الإمام بها]
م: (ثم يتوجه إلى عرفات) ش: هذا عطف على قوله فيقيم بها حتى يصلي الفجر من يوم عرفة م: (فيقيم بها) ش: أي بعرفات م: (لما روينا) ش: إشارة إلى قوله لما روي أن النبي ﷺ صلى الفجر إلى آخره م: (وهذا) ش: أي الذهاب والتوجه إلى عرفات بعد طلوع الشمس م: (بيان الأولوية) ش: يعني أولى من الذهاب قبل طلوع الشمس، وذكر هذا القيد، أعني طلوع الشمس [....] . وقال تاج الشريعة ﵁: ينبغي هذا القيد هنا، وقال الأترازي ﵀: كان هذا القيد تركه سهواً من الكاتب، وقال الأكمل: قال بعض الشارحين ترك هذا القيد من الكاتب.
قلت: أراد به الأترازي، فإنه هكذا ذكره كما ذكرنا. م: (أما لو دفع قبله جاز) ش: أي قبل طلوع الشمس إلى عرفات، وقال الأكمل: هذا إضمار قبل الذكر، وكان من حق الكلام أن يقول ثم يتوجه إلى عرفات بعد طلوع الشمس حتى يصبح بناء على قوله - أما لو دفع قبله عليه - وقال الكاكي مثله، ثم قال ولكن اتبع لفظ الإيضاح، فإنه ذكر هنا الضمير بعد طلوع الشمس، حيث قال - وإذا طلعت الشمس إلى أن قال: وإن دفع قبله جاز - انتهى.
قلت: هذا الجواب بطريق الاعتذار لا يحسن على ما لا يخفى، ولكن يمكن أن يقال الإضمار قبل الذكر يقع كثيراً من الكلام إذا دلت عليه قرينة لفظية أو حالية، وها هنا قد مضى
стр. 2051
لأنه لا يتعلق بهذا المقام حكم، قال في الأصل: وينزل بها مع الناس لأن الانتباذ تجبر، والحال حال تضرع، والإجابة في الجمع أرجى، وقيل: مراده أن لا ينزل على الطريق كي لا يضيق على المارة. قال: وإذا زالت الشمس يصلي الإمام بالناس الظهر والعصر فيبتدئ بالخطبة، فيخطب خطبة يعلم فيها الناس الوقوف بعرفة والمزدلفة ورمي الجمار والنحر والحلق وطواف الزيارة، ويخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة كما في الجمعة
ــ
[البناية]
قوله فيما قبل هذا تعليل، فلما طلعت الشمس راح إلى منى، فيكون الضمير في قوله - قبله - يرجع إلى الطلوع الذي يدل عليه لفظ طلعت، كما في قوله : ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ﴾ [المائدة: ٨] [المائدة: الآية ٨] ، فالضمير يرجع إلى العدل الذي يدل عليه اعدلوا.
م: (لأنه لا يتعلق بهذا المقام حكم، قال في الأصل) ش: أي قال محمد ﵀ في " المبسوط " م: (وينزل بها) ش: أي في عرفات م: (مع الناس لأن الانتباذ) ش: أي الانفراد والعزلة م: (تجبر) ش: لأنه لا يرى أحد مجاورة من تجبر وتكبر م: (والحال) ش: أي حال الحاج في هذا الوقت م: (حال تضرع) ش: وسكينة م: (والإجابة في الجمع أرجى) ش: لأنه قد يكون فيه من لا ترد دعوته.
م: (وقيل مراده) ش: أي مراد محمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - من قوله - وينزل مع الناس - م: (أي لا ينزل على الطريق كيلا يضيق على المارة) ش: بتشديد الراء، أي الناس الذين يمرون في الطريق، وفي " فتاوى الظهيرية " وينزل بعرفات في أي موضع شاء، إلا أنه لا ينزل على الطريق، وبه قال الشافعي ﵁ في قوله والنزول بقرب جبل الرحمة أفضل. وقال مالك وأحمد ﵄ ينزل ببطن نمرة، والنزول فيه أفضل، وبه قال الشافعي ﵁ في قول، قالوا نزل ﷺ فيه، قلنا نمرة بعرنة، وقد قال ﷺ : «ارتفعوا عن بطن عرنة» ، ونزوله ﷺ فيه لم يكن عن قصد.
م: (وإذا زالت الشمس) ش: أي شمس يوم عرفة، وفي " الإيضاح " وإذا زالت الشمس اغتسل إن أحب، وهو سنة وليس بواجب، كما في الجمعة والعيدين م: (ويصلي الإمام بالناس الظهر والعصر فيبتدئ بالخطبة) ش: أي قبل الصلاة م: (فيخطب خطبة يعلم فيها الناس الوقوف بعرفة، والمزدلفة) ش: هي المشعر الحرام، وقال في " المطالع " من الازدلاف، ولأنها منزلة من الله وقربة وقال الهروي ﵀ سميت بها لاجتماع الناس في زلفى الليل، وقيل لازدلاف حواء وآدم فيها، أي لاجتماعهما ويسمى الجمع أيضاً لاجتماع الناس فيها. ومزدلفة فوق منى من الجانب الشرقي، وعرفات فوق مزدلفة من الجانب الشرقي أيضاً بميل إلى الجنوب، ومن مزدلفة إلى مسجد عرفات ثلاثة أميال وإلى منى ثلاثة أميال.
م: (ورمي الجمار والنحر والحلق وطواف الزيارة، ويخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة كما في
стр. 2052
هكذا فعل رسول الله ﷺ ، وقال مالك ﵀: يخطب بعد الصلاة، لأنها خطبة وعظ وتذكير، فأشبه خطبة العيد ولنا ما روينا، ولأن المقصود منها تعليم المناسك والجمع منها، وفي ظاهر المذهب إذا صعد الإمام المنبر فجلس أذن المؤذنون كما في الجمعة. وعن أبي يوسف ﵀: أنه يؤذن قبل خروج الإمام، وعنه أنه يؤذن بعد الخطبة، والصحيح ما ذكرنا، لأن النبي ﷺ لما خرج واستوى على ناقته أذن المؤذنون بين يديه
ــ
[البناية]
الجمعة، هكذا فعل رسول الله ﷺ ) ش: يعني في حديث جابر ﵁ «أنه ﷺ خطب بعرفة قبل صلاة الظهر» وصفة الخطبة كما ذكره الكرخي ﵀ وهي أن الإمام يحمد الله تعالى ويثني عليه ويهلل ويكبر ويعظ الناس ويأمرهم بما يجب عليهم، وينهاهم عما نهاهم الله تعالى عنه ويخبر الناس معالم حجهم وتلبيتهم، ثم يدعو الله تعالى بحاجته ثم ينزل، وفي " الذخيرة " ويبدأ بالتكبير كخطبة العيد.
م: (وقال مالك ﵁: يخطب بعد الصلاة، لأنها خطبة وعظ وتذكير، فأشبه خطبة العيد. ولنا ما رويناه) ش: أشار به إلى قوله - هكذا فعل رسول الله ﷺ م: (ولأن المقصود منها) ش: أي من الخطبة م: (تعليم المناسك) ش: من الوقوف بعرفة والمزدلفة ورمي الجمار. م: (والجمع منها) ش: أي الجمع بين الصلاتين من المناسك م: (وفي ظاهر المذهب: إذا صعد الإمام المنبر فجلس أذن المؤذنون كما في الجمعة) ش: إنما قال كما في الجمعة، لأن رواية جابر ﵁ تقتضي الأذان بعد الخطبة، ورواية أخرى تقتضي قبلها، فتعارضت، يصير إلى القياس على الجمعة.
م: (وعن أبي يوسف ﵀: أنه يؤذن قبل خروج الإمام) ش: لأن هذا الأذان لأداء الظهر كما في سائر الأيام م: (وعنه) ش: أي وعن أبي يوسف ﵀ م: (أنه يؤذن بعد الخطبة) ش: وبه قال مالك ﵁: وفي " البدائع " عن أبي يوسف ﵀ ثلاث روايات، وظاهر الرواية كقولهما وقول الشافعي ﵀ إذا فرغ من الخطبة الأولى يجلس جلسة خفيفة ثم يقوم ويفتتح الخطبة الثانية، والمؤذنون يأخذون في الأذان معه، ويخفف بحيث يكون فراغه من فراغ المؤذنين من الأذان.
م: (والصحيح ما ذكرنا) ش: أي الصحيح من المذهب ما ذكرنا وهو ظاهر المذهب. قال الأكمل: وقال بعض الشارحين: ورواية أبي يوسف ﵀ أنه يؤذن بعد الخطبة أصح عندي وإن كان على خلاف ظاهر الرواية لما صح من حديث جابر ﵁ أن بلالاً أذن بعد الخطبة ثم أقام. قلت بعض الشارحين هو الأترازي، فإنه قال هذه المقالة.
م: (ولأن النبي ﷺ لما خرج واستوى على ناقته أذن المؤذنون بين يديه) ش: هذا الحديث غريب جداً، والذي صح من الحديث ما رواه أبو داود ﵁ في " سننه " «أن النبي ﷺ لما زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فركب حتى أتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن
стр. 2053
ويقيم المؤذن بعد الفراغ من الخطبة؛ لأنه أوان الشروع في الصلاة فأشبه الجمعة. قال: ويصلي بهم الظهر، والعصر في وقت الظهر بأذان وإقامتين، وقد ورد النقل المستفيض باتفاق الرواة بالجمع بين الصلاتين، وفيما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ صلاهما بأذان وإقامتين، ثم بيانه أنه يؤذن للظهر، ويقيم للظهر، ثم يقيم للعصر؛ لأن العصر يؤدى قبل وقته المعهود، فيفرد بالإقامة إعلاما للناس
ــ
[البناية]
بلال ﵁ ثم أقام، فصلى» الحديث رواه عن جابر ﵁.
م: (ويقيم المؤذن بعد الفراغ) ش: أي بعد فراغ الإمام م: (من الخطبة؛ لأنه أوان الشروع في الصلاة فأشبه الجمعة. قال: ويصلي بهم الظهر والعصر في وقت الظهر بأذان وإقامتين) ش: ويخفي الإمام القراءة فيهما، لأنهما ظهر وعصر، كما في سائر الأيام. وعن أحمد ﵀ إن شاء صلى بإقامة من غير أذن، وبقولنا قال الشافعي ﵀ وأبو ثور والثوري وأبو عبيد والطبري وابن الماجشون، وهو اختيار الأثرم وأبو حامد من الحنابلة. وقال ابن قدامة وهو أول حديث جابر ﵁ الصحيح أنه صلى صلاتين بأذان وإقامتين، وهو حجة على مالك ﵁ في اعتبار الأذانين، وفي هذه المسألة ستة أقوال.
الأول: مذهبنا الذي ذكرنا الذي بأذان وإقامتين، وبه قال عطاء والظاهرية والشافعي ﵃ في قول وأحمد، واختاره الطحاوي، وبه قال زفر وأبو ثور.
والثالث: بأذانين وإقامتين، روي ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁ ومحمد الباقر بن علي بن زين العابدين بن الحسين وهل بنية وهو رواية ابن مسعود.
والرابع: بإقامتين فقط، وروي ذلك عن عمر وعلي ﵄ وسالم بن عبد الله وهو أحد قولي الثوري وأحمد والشافعي ﵏.
والخامس: بإقامة واحدة من غير أذان، وبه قال الثوري وأبو بكر بن داود، ورواية مقطع عن أحمد والسادس: بغير أذان ولا إقامة، روي ذلك عن ابن عمر ﵄.
م: (وقد ورد النقل المستفيض) ش: أي الشائع م: (باتفاق الرواة) ش: أي رواة الحديث م: (بالجمع بين الصلاتين) ش: أي الظهر والعصر م: (وفيما روى جابر أن النبي ﷺ صلاهما بأذان وإقامتين) ش: كذا في " صحيح مسلم " كما ذكر الآن م: (ثم بيانه أنه) ش: أي أن المؤذن م: (يؤذن للظهر) ش: أي لأجل صلاة الظهر ثم م: (يقيم للظهر، ثم يقيم للعصر؛ لأن العصر يؤدى قبل وقته المعهود) ش: لأنه يصلى في وقت الظهر م: (فيفرد بالإقامة إعلاما للناس) ش: أي لأجل إعلام الناس من أنه يصلي العصر.
стр. 2054
ولا يتطوع بين الصلاتين تحصيلا لمقصود الوقوف، ولهذا قدم العصر على وقته، فلو أنه فعل مكروها، وأعاد الأذان للعصر في ظاهر الرواية، خلافا لما روي عن محمد ﵀؛ لأن الاشتغال بالتطوع، أو بعمل آخر يقطع فور الأذان الأول، فيعيده للعصر، فإن صلى بغير خطبة أجزأه؛ لأن هذه الخطبة ليست بفريضة.
قال: ومن صلى الظهر في رحله وحده، صلى العصر في وقته، عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: يجمع بينهما المنفرد؛ لأن جواز الجمع للحاجة
ــ
[البناية]
م: (ولا يتطوع) ش: أي الإمام، وكذا القوم لا يتطوعون م: (بين الصلاتين) ش: أي الظهر والعصر م: (تحصيلا لمقصود الوقوف) ش: أي بعرفة م: (ولهذا) ش: أي ولأجل تحصيل المقصود بالوقوف م: (قدم العصر على وقته) ش: وقال النووي يصلي السنن الراتبة، فيصلي أولاً سنة الظهر التي قبلها ثم يصلي الظهر ثم العصر ثم سنة الظهر التي بعدها، ثم سنة العصر، ولا يتنفلون بعد الصلاتين، ولم يسبح بهما ولا بعد واحدة منها، متفق عليه ولا فرق بين جمع عرفة.
م: (فلو أنه فعل) ش: أي فلو أن الإمام تطوع ذلك اليوم م: (فعل مكروهاً، وأعاد الأذان للعصر في ظاهر الرواية) ش: وهو قول أبي يوسف ﵀ م: (خلافا لما روي عن محمد ﵀) ش: رواه ابن سماعة عنه أنه لا يعيد الأذان وتجزئه الإقامة، لأن الوقت قد جمعهما فيكتفي بأذان كما في العشاء مع الوتر.
م: (لأن الاشتغال) ش: هذا تعليل وجه ظاهر الرواية، لأن اشتغال الإمام م: (بالتطوع، أو بعمل آخر يقطع فور الأذان الأول) ش: أي اتصال الأذان، يقال فلان فعل ذلك من فوره إذا أوصل الفعل بالآخر لا لبث بينهما م: (فيعيده للعصر) ش: أي لأجل صلاة العصر م: (فإن صلى بغير خطبة أجزأه؛ لأن هذه الخطبة ليست بفريضة) ش: إذ هي ليست تخلف عن ركن بخلاف خطبة الجمعة، فإنها خلف عن الركعتين.
م: (قال: ومن صلى الظهر) ش: وفي أكثر النسخ قال: أي القدوري ﵀ ومن صلى الظهر م: (في رحله) ش: أي في منزله حال كونه م: (وحده صلى العصر في وقته) ش: يعني لا يجمع العصر مع الظهر م: (وهذا) ش: أي هذا المذكور م: (قول أبي حنيفة ﵀) ش: وبه قال إبراهيم النخعي والثوري.
م: (وقالا: يجمع بينهما المنفرد) ش: كما يجمع بينهما الإمام، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وهو مروي عن ابن عمر وعائشة - رحمهما الله -، وإليه ذهب عطاء وإسحاق وأبو ثور، وقال ابن حزم لو فاتته مع الإمام يفرض عليه أن يجمع بينهما واحد م: (لأن جواز الجمع للحاجة إلى امتداد الوقوف والمنفرد محتاج إليه) ش: لأن حال الوقوف حال تضرع واشتغال بالدعاء،
стр. 2055
إلى امتداد الوقوف، والمنفرد محتاج إليه؛ ولأبي حنيفة ﵀ أن المحافظة على الوقت فرض بالنصوص فلا يجوز تركه إلا فيما ورد الشرع به، وهو الجمع بالجماعة مع الإمام، والتقديم لصيانة الجماعة؛ لأنه يعسر عليهم الاجتماع للعصر بعد ما تفرقوا في الموقف لا لما ذكراه إذ لا منافاة، ثم عند أبي حنيفة ﵀ الإمام شرط في الصلاتين جميعا. وقال زفر ﵀: في العصر خاصة؛ لأنه هو المغير عن وقته، وعلى هذا الخلاف الإحرام بالحج.
ــ
[البناية]
فيحتاج إلى الامتداد مع ذلك المنفرد أيضاً محتاج إليه.
م: (ولأبي حنيفة ﵀ أن المحافظة على الوقت) ش: أي على وقت الصلاة م: (فرض بالنصوص) ش: قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] [البقرة: الآية ٢٣٨] وقال ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] [النساء: الآية ١٠٣] أي فرضا موقتاً م: (فلا يجوز تركه) ش: أي ترك الفرض الموقت م: (إلا فيما ورد الشرع به) ش: أي بالترك م: (وهو الجمع بالجماعة مع الإمام) ش: أي ما ورد الشرع به هو الجماعة مع الإمام م: (والتقديم لصيانة الجماعة) ش: هذا جواب عن قولهما، تقريره لا نسلم أن جواز الجمع بالتقديم لامتداد الوقوف، بل لصيانة الجماعة.
م: (لأنه يعسر عليهم الاجتماع للعصر بعد ما تفرقوا في الموقف) ش: لأن الموقف موضع واسع ذو طول وعرض، ولا يمكنهم إقامة الجماعة إلا بالاجتماع، وأنه متعذر في العادة فيجعل العصر لئلا تفوتهم فضيلة الصلاة بالجماعة لحق الوقوف، لأن الجماعة تفوت لا إلى خلف، وحق الوقوف ينادي قبل وبعد م: (لا لما ذكره) ش: أي التقديم لأجل الصيانة لا لأجل ما ذكر أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -، وهو الحاجة إلى امتداد الوقوف م: (إذ لا منافاة) ش: أي لأنه لا منافاة بين الصلاة والوقوف، لأن الوقوف لا ينقطع بالاشتغال بالصلاة، كما لا ينقطع بالأكل والشرب والتوضي وغير ذلك.
م: (ثم عند أبي حنيفة ﵀ الإمام شرط في الصلاتين جميعا. وقال زفر ﵀: في العصر خاصة) ش: أي الإمام شرط في العصر خاصة، ولم يذكر قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - لأن عندهما الإمام ليس بشرط أصلاً م: (لأنه هو المغير عن وقته) ش: أي لأن العصر هو الذي غير عن وقته حيث قدم قبل وقته، بخلاف الظهر فإنه في وقته، فجاز له أن يصلي العصر مع الإمام، وأن يصلي الظهر في منزله.
م: (وعلى هذا الخلاف الإحرام بالحج) ش: أي الخلاف الذي قلنا في الإمام أنه شرط في الصلاتين عند أبي حنيفة ﵀، وشرط عند زفر في العصر وحده الإحرام بالحج، قال أبو حنيفة ﵀ الإحرام بالحج شرط فيهما جميعا حتى إذا صلى الظهر مع الإمام وهو حلال من أهل مكة ثم أحرم للحج فإنه يصلي العصر لوقته، ولا يجوز كقول زفر، كذا في
стр. 2056
ولأبي حنيفة ﵀ أن التقديم ورد على خلاف القياس عرفت شرعيته فيما إذا كان العصر مرتبة على ظهر مؤدى بالجماعة مع الإمام في حالة الإحرام بالحج فيقتصر عليه، ثم لا بد من الإحرام بالحج قبل الزوال في رواية تقديما للإحرام على وقت الجمع، وفي أخرى يكتفي بالتقديم على الصلاة؛ لأن المقصود هو الصلاة. قال: ثم يتوجه إلى الموقف فيقف بقرب الجبل، والقوم معه عقيب انصرافهم من الصلاة؛ لأن النبي ﵊ راح إلى الموقف عقيب
ــ
[البناية]
" شرح الطحاوي " ﵀.
م: (ولأبي حنيفة أن التقديم) ش: أي تقديم العصر قبل وقته م: (ورد على خلاف القياس عرفت شرعيته) ش: أي عرفت مشروعيته، وفي بعض النسخ عرفنا شرعيته م: (فيما إذا كان العصر مرتبة على ظهر مؤدى بالجماعة مع الإمام في حالة الإحرام بالحج فيقتصر عليه) ش: أي على مورد النص، وإنما قيد الإحرام بالحج لما روى محمد عن أبي حنيفة - رحمهما الله - أنه كان حين صلى الظهر مع الإمام محرماً بالعمرة ثم أحرم بالحج قبل العصر لم يجزئه، لأن إحرام العمرة لا تأثير له في جواز الجمع، فوجوده وعدمه سواء.
م: (ثم لا بد من الإحرام بالحج قبل الزوال) ش: أي لا بد في جواز الجمع بين الصلاتين بأن يكون محرماً من قبل الزوال، لأن الإحرام شرط جواز الجمع، وشرط الشيء يسبقه، ولهذا لا يجوز الجمع قبل الزوال، م: (في رواية تقديما) ش: أي لأجل التقديم م: (للإحرام على وقت الجمع) ش: تحقيق وجه هذه الرواية أن بالزوال يدخل وقت الجمع، ويختص بهذا الجمع المحرم بالحج، فيشترط تقديم الإحرام على الحج قبل الزوال.
م: (وفي أخرى) ش: أي وفي رواية أخرى م: (يكتفي بالتقديم) ش: أي بتقديم الإحرام م: (على الصلاة لأن المقصود هو الصلاة) ش: أي لأن المصنف اشترط الإحرام هو لأجل الصلاة لا لأجل الوقت، حتى إن الحلال لو صلى الظهر مع الإمام ثم أحرم فصلى العصر أو المحرم بالعمرة صلى مع الإمام ثم أحرم بالحج فصلى العصر معه لم تجز العصر إلا في وقتها.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ثم يتوجه) ش: أي الإمام م: (إلى الموقف) ش: بكسر القاف م: (فيقف بقرب الجبل) ش: أي الجبل الذي يسمى جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط عرفات، يقال له ألال على وزن هلال، والجوهري فتح همزته. وقال النووي المعروف كسرها، وذهب ابن جرير والماوردي إلى أنه يستحب الوقوف على جبل الرحمة الذي هو بوسط عرفات، ويقال له جبل الدعاء، قيل هو موقف الأنبياء ﵈. وقال النووي ﵀ ولا أصل له إذ لم يرد به حديث صحيح ولا ضعيف، والصواب الاعتناء بموقف رسول الله ﷺ .
م: (والقوم معه) ش: أي يتوجه القوم مع الإمام م: (عقيب انصرافهم من الصلاة؛ لأن النبي ﷺ راح إلى الموقف عقيب الصلاة) ش: كما في حديث جابر الذي رواه مسلم مطولاً.
стр. 2057
الصلاة، والجبل يسمى جبل الرحمة، والموقف للموقف الأعظم.
قال: وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة لقوله ﷺ : «عرفات كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة والمزدلفة كلها موقف، وارتفعوا عن وادي محسر» .
ــ
[البناية]
م: (والجبل يسمى جبل الرحمة والموقف) ش: أي ويسمى الموقف م: (للموقف الأعظم) ش:
[حدود عرفة]
م: (قال: وعرفات كلها موقف) ش: أي موضع منها وقف جاز م: (إلا بطن عرنة) ش: بضم العين المهملة وفتح الراء والنون. قال في " ديوان الأدب " عرنة واد في عرفات، وعامة أهل العلم على هذا الاستثناء، وشذ مالك فجوز الوقوف ببطن عرنة ووجب معه ما قال عياض، روى ابن المنذر عنه أنه لم يثبته في حديث جابر الطويل كما لو أثبت الاستثناء في حديث ابن عباس ﵄، وهو الذي ذكره المصنف بقوله - إلا بطن عرنة - م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «عرفات كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف، وارتفعوا عن وادي محسر» ش: هذا الحديث رواه جماعة من الصحابة ﵃ وهم ابن عباس وجابر وجبير بن مطعم وابن عمرو وأبو هريرة ﵃، فحديث ابن عباس أخرجه الطبراني في " معجمه " من حديث ابن أبي مليكة عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً نحو ما ذكر في الكتاب.
وحديث جابر عند ابن ماجه ولفظه قال رسول الله ﷺ «كل عرفة موقف وارتفعوا عن بطن عرنة، وكل المزدلفة موقف وارتفعوا عن بطن محسر، وكل منى منحر إلا ما وراء العقبة» . وفي سنده القاسم بن عبد الله بن عمر العمري متروك.
وحديث جبير بن مطعم عند أحمد ولفظه كل عرفات موقف وارتفعوا عن عرنة، وكل مزدلفة موقف وارتفعوا عن وادي محسر، وكل فجاج منى منحر، وكل أيام التشريق ذبح.
وحديث ابن عمر ﵄ عند ابن عدي في " الكامل " بلفظ حديث ابن عباس ﵄ وحديث أبي هريرة عنده أيضاً، وفي سنده يزيد بن عبد الملك النوفلي، وعن
стр. 2058
قال: وينبغي للإمام أن يقف بعرفات على راحلته؛ لأن النبي ﷺ وقف على ناقته، وإن وقف على قدميه جاز، والأول أفضل لما بينا. وينبغي أن يقف مستقبل القبلة) لأن النبي ﵊ وقف كذلك، وقال النبي ﷺ : «خير المواقف ما استقبلت به القبلة»
ــ
[البناية]
النسائي أنه متروك.
ومحسر بكسر السين المهملة المشددة، هو بين مكة وعرفات عن يسار الموقف، وقيل رأى النبي ﷺ الشيطان في بطن عرنة، فنهى عن الوقوف فيه، فكان هذا نظير النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة الثلاث. وقال بعضهم كانوا ينكرون وينزلون منزلين عن الناس في بطن عرنة وبطن محسر.
[آداب وسنن الوقوف بعرفة]
م: (قال: وينبغي للإمام أن يقف بعرفة على راحلته) ش: وهي من الإبل والبعير القوي على الأٍسفار والأحمال، الذكر والأنثى فيه سواء والهاء فيه للمبالغة وهي التي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة وتمام الخلق وحسن المنظر، فإذا كان في جماعة الإبل عرفت م: (لأن النبي ﷺ وقف على ناقته) ش: هذا من حديث جابر ﵁ «ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخيرات، وجعل خيل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة» .. الحديث.
يقال ناقة قصوءا إذا قطع طرف أذنها، ولا يقال جمل أقصى، إنما يقال جمل قصوى على خلاف القياس، وقال ابن دريد في " الجمهرة " القصواء اسم ناقة النبي ﷺ .
م: (وإن وقف) ش: أي الإمام م: (على قدميه جاز) ش: لحصول المقصود م: (والأول أفضل) ش: أي للوقوف على الراحلة أفضل م: (لما بينا) ش: أشار به إلى قوله - لأن النبي ﷺ وقف على ناقته - م: (وينبغي أن يقف مستقبل القبلة لأن النبي ﷺ وقف كذلك) ش: هذا أيضاً في حديث جابر الطويل.
م: (وقال النبي ﷺ : «خير المواقف ما استقبلت» ش: هذا حديث غريب بهذا اللفظ، وأخرج الحاكم في " مستدركه " عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إن لكل شيء شرفاً، وإن أشرف المجالس ما استقبل» م: (به القبلة) ش: الحديث بطوله وسكت عنه الحاكم وفي سنده هشام بن زياد قال الذهبي في " مختصره " هو متروك، وروى أبو يعلى الموصلي في " مسنده " والطبراني في " معجمه الأوسط " من حديث حمزة بن أبي حمزة النصيبي
стр. 2059
ويدعو، ويعلم الناس المناسك، لما روي «أن النبي ﷺ كان يدعو يوم عرفة مادا يديه، كالمستطعم المسكين» ويدعو بما شاء، وإن وردت الآثار ببعض الدعوات، وقد أوردنا تفاصيلها في كتابنا المترجم " بعدة الناسك في عدة من المناسك " بتوفيق الله تعالى.
ــ
[البناية]
عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أكرم المجالس ما استقبل به القبلة» ، ورواه ابن عدي في " الكامل "، وأعله بحمزة النصيبي، وقال إنه يقف الحديث. ورواه أبو نعيم الأصبهاني في " تاريخ أصبهان " في باب العين المهملة من حديث ابن الصلت عن ابن شهاب عن نافع مرفوعاً «خير المجالس ما استقبل به القبلة» .
م: (ويدعو) ش: وهو بالنصب عطف على قوله - أن يقف - أي يدعو الإمام م: (ويعلم الناس المناسك) ش: بنصب يعلم أيضاً عطفا على المنصوب الذي قبله م: (لما روي «أن النبي ﷺ كان يدعو يوم عرفة مادا يديه، كالمستطعم المسكين» ش: هذا الحديث رواه البيهقي في " سننه «عن ابن عباس ﵄ رأيته ﷺ يدعو بعرفة مادا يديه كالمستطعم المسكين» ورواه البزار في " مسنده " عن ابن عباس ﵄ عن «الفضل رأيت رسول الله ﷺ واقفاً بعرفة ماداً يديه كالمستطعم، أو كلمة نحو المستطعم» وفي تقديم المستطعم الذي هو صفة فائدة، وفي المبالغة في تحقق المد، فإن الشبهة حينئذ إنما تحصل بحالة الاستطعام، وهي حال الاحتياج.
م: (ويدعو بما شاء) ش: من الأدعية بحسب ما تيسر له ويكثر من الدعاء في هذا اليوم إلى أن تغرب الشمس ويلبي ساعة فساعة في أثناء الدعاء ويدعو الله بحاجته الدينية والدنيوية فإنه مستجاب غير مردود ويجتهد أن تقطر من عينه قطرات من الدمع، فإنه دليل القبول والإجابة، ويدعو لأبويه ولأهله ولإخوانه ولأصحابه ومعارفه وجيرانه، ويلح في الدعاء مع قوة الرجاء للإجابة ولا يقتصر فيه. م: (وإن وردت الآثار ببعض الدعوات) ش: كلمة إن واصلة بما قبلها، ذلك لأن كل الناس ما يقدرون على حفظ الدعوات، وهذا الدعاء مبناه على اليسير، ومن الأدعية المأثورة في هذا اليوم ما رواه الترمذي في " جامعه " مسندا إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «خير الدعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» م: (وقد أوردنا تفاصيلها) ش: أي تفاصيل الدعوات م: (في كتابنا المترجم) ش: أي المسمى م: (بعدة الناسك) ش: بضم العين، الناسك السلاح م: (في عدة) ش: بكسر العين من العدد م: (المناسك بتوفيق الله ش: بين العدة والعدة وبين الناسك والمناسك جناس.
стр. 2060
قال: وينبغي للناس أن يقفوا بقرب الإمام؛ لأنه يدعو، ويعلم، فيعوا، ويسمعوا، وينبغي أن يقف الحاج وراء الإمام ليكون مستقبل القبلة، وهذا بيان الأفضلية لأن عرفة كلها موقف على ما ذكرنا. قال: ويستحب أن يغتسل قبل الوقوف بعرفة ويجتهد في الدعاء. أما الاغتسال فهو سنة، وليس بواجب، ولو اكتفى بالوضوء جاز كما في الجمعة والعيدين، وعند الإحرام. وأما الاجتهاد فلأنه ﷺ اجتهد في الدعاء في هذا الموقف لأمته فاستجيب له إلا في الدماء والمظالم
ــ
[البناية]
م: (قال: وينبغي للناس أن يقفوا بقرب الإمام؛ لأنه يدعو، ويعلم، فيعوا) ش: أي فيحفظوا من الوعي، أصله يوعيوا، حذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة، واستثقلت الضمة على الياء، فحذفت بعد سلب حركتها إلى ما قبلها م: (ويسمعوا) ش: حذفت النون منه ومن قوله - فيعوا - علامة للنصب، لأنهما معطوفان على قوله - أن يقفوا - الذي سقط منه النون لأجل الناصب.
م: (وينبغي أن يقف وراء الإمام ليكون مستقبل القبلة) ش: لأن وجه الإمام إلى القبلة، فشكل من يقف وراءه أن يكون مستقبل القبلة م: (وهذا) ش: أي وقوف الحاج وراء الإمام م: (بيان الأفضلية لأن عرفة كلها موقف) ش: ففي أي موضع من عرفة وقف جاز م: (على ما ذكرنا) ش: أشار به إلى قوله ﷺ عرفة كلها موقف إلى آخره.
م: (قال: ويستحب أن يغتسل قبل الوقوف ويجتهد في الدعاء. أما الاغتسال فإنه سنة، وليس بواجب) ش: إنما قال أولاً ويستحب أن يغتسل، ثم قال أما الاغتسال فهو سنة، لأنه في صدد الشرح لكلام القدوري، فإنه قال يستحب أن يغتسل فنقله ثم قال: إنه سنة وكل سنة مستحبة من غير عكس، وقيد بقوله - وليس بواجب - لدفع وهم من يتوهم أن الاغتسال سنة مؤكدة، وهي كالواجب في القوة، وما رأيت أحداً من الشراح نبه لمثل هذا الدعاء.
م: (ولو اكتفى بالوضوء جاز كما في الجمعة والعيدين، وعند الإحرام. وأما الاجتهاد فلأنه ﷺ ) ش: أي ولأن النبي ﷺ م: (اجتهد في الدعاء في هذا الموقف لأمته فاستجيب له إلا في الدماء والمظالم) ش: هذا أخرجه ابن ماجه في " سننه " عن عبد القاهر بن السري عن عبد الله بن كنانة بن عباس بن مرداس عن أبيه كنانة عن أبيه عباس بن مرداس «أن النبي ﷺ دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة، فأجيب أني قد غفرت لهم ما خلا المظالم، فإني آخذ للمظالم، قال رب إن شئت أعطيت المظلوم الجنة وغفرت للظالم، فلم يجبه، عشيته، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء، فأجيب بما سأل، فضحك رسول الله ﷺ ، أو قال فتبسم فقال أبو بكر وعمر ﵄ بأبي أنت وأمي إن هذه ساعة ما كنت تضحك فيها، فما الذي أضحكك أضحك الله سنك، قال: " إن عدو الله إبليس لما علم أن الله قد استجاب دعائي وغفر لأمتي أخذ التراب فجعل يحثو على رأسه ويدعو بالويل والثبور فأضحكني ما رأيت من جزعه» .
стр. 2061
ويلبي في موقفه ساعة بعد ساعة
ــ
[البناية]
ورواه الطبراني في " معجمه " عن ابن أحمد بن حنبل في مسند أبيه وأبي يعلى الموصلي في " مسنده "، ورواه ابن عدي في " الكامل " وأعله بكنانة، وأسند عن البخاري أنه قال: كنانة روى عنه ابنه أنه لم يصح، وقال ابن حبان في كتاب " الضعفاء " كنانة بن العباس بن مرداس السلمي يروي عن أبيه، وروي عنه أنه منكر الحديث جدا، ولا أدري التخليط في حديثه منه أو من أبيه أو من أيهما كان فهو ساقط الاحتجاج بما روى، وذلك لعظم ما أتى من المناكير عن المشاهير.
وروى ابن الجوزي في " الموضوعات " من طريق الطبراني حدثنا إسحاق بن إبراهيم المدبري حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عمن سمع عن قتادة يقول: حدثنا خلاس بن عمرو عن عبادة بن الصامت ﵃ قال: «قال رسول الله ﷺ يوم عرفة: " أيها الناس إن الله تطول عليكم في هذا اليوم فغفر لكم إلا التبعات فيما بينكم، ووهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى لمحسنكم ما سأل فارفعوا بسم الله، وإبليس وجنوده واقف على جبال عرفات ينظرون ما يصنع الله بهم، فإذا نزلت المغفرة دعا هو وجنوده بالويل والثبور» ثم قال هذا حديث لا يصح، والراوي عن قتادة مجهول.
وخلاس ليس بشيء، قال أيوب لا يروى عنه فإنه ضعيف، قوله - إلا في الدماء - جمع دم، والمظالم جمع ملظمة وهو الظلم المتعلق بحق العباد بها، أما في حق الدم الذي وجب قصاصاً فلعجز صاحبه عن الاستغفار. وأما في حق المظالم التي وجبت لبعضهم على بعض فلعجز صاحبه عن الانتصاب وقيل توقف دعاء النبي ﷺ بعرفة في الدماء والمظالم إلى المزدلفة فاستجيب له فيها في الدماء والمظالم أيضا.
وفي الروحي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تطول على أهل عرفة فباهى بأهل عرفة يوم عرفة فيقول انظروا يا ملائكتي أي انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً أقبلوا يضربون إلي من كل فج عميق فاشهدوا أني قد غفرت لهم إلا التبعات التي بينهم "، قال ثم إن القوم أفاضوا من عرفات إلى جمع قال يا ملائكتي انظروا إلى عبادي وقفوا وعادوا في الطلب والرغبة والمسألة اشهدوا أني قد وهبت مسيئهم لمحسنهم وتحملت عنهم التبعات التي بينهم» رواه أبو ذر عن ابن أحمد الهروي في " منسكه ".
م: (ويلبي في موقفه ساعة بعد ساعة) ش: قال الأكمل يعني يستديم ذلك إلى أن يرمي أول
стр. 2062
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يقطع التلبية كما يقف بعرفة لأن الإجابة باللسان قبل الاشتغال بالأركان. ولنا: ما روي «أن النبي ﷺ ما زال يلبي حتى رمى جمرة العقبة؛» ولأن التلبية فيه كالتكبير في الصلاة فيأتي بها إلى آخر جزء من الإحرام.
ــ
[البناية]
حصاة من العقبة.
قلت: ليس المراد أن يستمر على التلبية وحدها، بل يلبي ويكبر ويهلل، ويصلي على النبي ﷺ وتكون التلبية في أثناء ذلك من غير انقطاع، وذلك لأن التلبية في الإحرام كالتكبير في الصلاة، ولهذا يؤتى في الانتقالات واختلاف الأحوال، كما في التكبير في الصلاة كما يتخلل بين التكبيرات في الصلاة بأشياء، فكذلك ينبغي أن يتخلل بين التلبية بالتكبير والتهليل والصلاة على النبي ﷺ فيؤتى بالتلبية إلى آخر جزء من الإحرام، وروى الفضل بن عباس «أن رسول الله ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة» متفق عليه.
م: (وقال مالك: يقطع التلبية كما يقف بعرفة؛ لأن الإجابة باللسان قبل الاشتغال بالأركان) ش: مبنى هذا الكلام أن التلبية إجابة اللسان، والإجابة باللسان قبل الاشتغال بالأركان كتكبيرة الافتتاح في الصلاة.
م: (ولنا: ما روي «أن النبي ﷺ ما زال يلبي حتى رمى جمرة العقبة» ش: هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن الفضل بن عباس وقد ذكرناه الآن، وهو قول ابن مسعود وابن عباس وعطاء وطاووس والنخعي وابن أبي ليلى والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وقالوا يلبي حتى يرمي جمرة العقبة، ويقطعها مع أول حصاة يرميها.
وعند أحمد وإسحاق والظاهرية يقطعها إذا رمى الحصيات السبع بأسرها. وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان يقطعها إذا زاغت الشمس من يوم عرفة.
م: (ولأن التلبية فيه) ش: أي في الحج م: (كالتكبير في الصلاة فيأتي بها) ش: أي بالتلبية م: (إلى آخر جزء من الإحرام) ش: وهو يكون عند رمي جمرة العقبة، وكان القياس أن تكون التلبية إلى آخر الحج، إلا أن القياس ترك فيما بعد الرمي بعد الإجماع، فبقي ما رواءه على أصل القياس، والقارن مثل المفرد بالحج في قطعه التلبية.
وقال الكرخي: يقطع التلبية في أول حصاة في حجه الفاسد، وأما المحرم بالعمرة فإنه يقطع التلبية حين يستلم الحجر الأسود عندنا، وعند مالك ﵀ إذا رأى البيت. وعند محمد ﵀ والذي يفوته الحج يتحلل بعمرة ويقطع التلبية حين يأخذ في الطواف الذي يتحلل به، ويقطع المحصر التلبية إذا ذبح هديه، لأنه أبيح له التحلل.
стр. 2063
قال: وإذا غربت الشمس أفاض الإمام، والناس معه على هينتهم حتى يأتوا المزدلفة لأن النبي ﷺ دفع بعد غروب الشمس
ــ
[البناية]
وقال القدوري في " شرحه " فإن حلق الحاج قبل أن يرمي جمرة العقبة قطع التلبية لأنه تحلل من الإحرام، والتلبية لا تثبت بعد التحلل، قال: فإن زالت الشمس قبل أن يرمي أو يذبح أو يحلق قطع التلبية في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - رواه هشام. وروى محمد ﵀ عن أبي يوسف ﵀ أنه قال: يلبي ما لم يحلق، أو تزول الشمس من يوم النحر، وروى ابن سماعة عن محمد ﵀ أن من لم يرم قطع التلبية إذا غربت الشمس يوم النحر.
أما إذا ذبح قبل أن يرمي فقد ذكر الكرخي ﵀ أن هشاما روى عن أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - أنه يقطع التلبية لأنه تحلل بالذبح، وروى ابن سماعة عن محمد ﵀ أنه لا يقطعها ما لم يرم أو يحلق، وقال الحسن عن أبي حنيفة ومحمد ﵀ أنه يقطع التلبية لأنه تحلل بالذبح إنما يقطع التلبية بالذبح، القارن والمتمتع، وأما إذا ضحى المفرد لم يقطعها، لأن تحلله لم يقف على ذبحه.
[الإفاضة من عرفات بعد غروب الشمس]
م: (قال: وإذا غربت الشمس) ش: أي يوم عرفة م: (أفاض الإمام) ش: أي رجع، وإنما قال أفاض اتباعاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] [البقرة: الآية ١٩٨) م: (والناس معه على هينتهم) ش: أي غير مسرعين، بل على السكينة والوقار، وقال ﷺ : «ليس البر في إيجاف الخيل ولا في إيضاع الإبل، فعليكم بالسكينة والوقار» . الإيجاف بالجيم نوع من سير الخيل والإيضاع انشراح الخيل في السير، وفي " المبسوط " زعم بعض الناس أن الإيضاع سنة، وإنا نقول به، وتأويل ما روي أن راحلته ﷺ كانت في ذلك الموضع فنخسها فانبعثت كعادة الدواب لا أنه قصد الإيضاع.
م: (حتى يأتوا المزدلفة؛ لأن النبي ﷺ دفع بعد غروب الشمس) ش: هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: «وقف رسول الله ﷺ بعرفة، فقال: " هذه عرفة وعرفة كلها موقف "، ثم أفاض حين غربت الشمس» .. الحديث.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، «وفي حديث جابر الطويل ﵁ فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، إلى أن قال ودفع رسول الله ﷺ وقد سبق القصواء» .. الحديث.
وفي حديث أسامة رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل «كنت ردف رسول الله ﷺ ، فلما وقعت الشمس دفع رسول الله ﷺ » .
стр. 2064
ولأن فيه إظهار مخالفة المشركين. وكان النبي ﷺ يمشي على راحلته في الطريق على هينته، فإن خاف الزحام فدفع قبل الإمام، ولم يجاوز حدود عرفة أجزأه؛ لأنه لم يفض من عرفة والأفضل أن يقف في مقامه كيلا يكون آخذا في الأداء قبل وقتها، فلو مكث قليلا بعد غروب
ــ
[البناية]
م: (ولأن فيه) ش: أي في الدفع بعد غروب الشمس م: (إظهار مخالفة المشركين) ش: فإنهم كانوا يدفعون من عرفة قبل طلوع الشمس، وقال الأترازي «روي أن النبي ﷺ عشية يوم عرفة قال: أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر، وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل غروب الشمس حين يقوم بها رؤوس الجبال، كأنها عام الرحال في وجوههم وإنا ندفع فلا تعجلوا، فدفع بعد غروب الشمس» انتهى.
قلت: هذا الحديث رواه الحاكم في " المستدرك " من حديث المسور بن مخرمة قال: «خطبنا رسول الله ﷺ بعرفات» .. الحديث، ثم قال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، قال فقد صح بهذا سماع المسور بن مخرمة عن رسول الله ﷺ ، لا كما يتوهمه رعاع أصحابنا أن له رواية بلا سماع، وهذا رواه الشافعي والبيهقي ﵀ أيضاً، والعجب من الأترازي مع دعواه الفريضة كيف يذكر الحديث بصيغة التمريض.
م: (وكان النبي ﷺ يمشي على راحلته في الطريق على هينته) ش: - في الطريق - أي في طريق المزدلفة. وفي حديث جابر الطويل قال: «دفع رسول الله ﷺ وقد شق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله وهو يقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة» ... الحديث.
م: (فإن خاف الزحام) ش: أي وإن خاف الحاج إلحاق الزحام، أي زحمة الناس م: (فدفع قبل الإمام، ولم يجاوز حدود عرفة أجزأه) ش: كذا إذا كان به علة فدفع قبل الإمام م: (لأنه لم يفض من عرفة) ش: بضم الياء وكسر الفاء من الإفاضة، وهو الدفع من عرفات، م: (والأفضل أن يقف في مقامه كيلا يكون آخذا في الأداء قبل وقتها) ش: أي قبل وقت الإفاضة وفيه إشارة إلى أنه إن جاوز عرفة قبل الإمام وقبل غروب الشمس وجب عليه الدم، ولكن إن عاد إلى عرفة قبل الغروب ثم دفع مع الإمام منها بعد الغروب سقط عنه الدم.
وقال زفر ﵀ لا يسقط، وعن أبي حنيفة ﵀ يسقط صححه الكرخي، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وإن عاد بعد غروب الشمس لم يسقط بالاتفاق، ولو ند بعيره فتبعه حتى خرج من عرفات إذا أخرجه بعيره فعليه دم، ولا يسقط بالعود، كذا في " المحيط " و " خزانة الأكمل "، وقال أبو يوسف ﵀ لا أحفظ فيه شيئاً عن أبي حنيفة ﵀.
م: (ولو مكث قليلا بعد غروب الشمس وإفاضة الإمام لخوف الزحام فلا بأس به) ش: وكذا
стр. 2065
الشمس، وإفاضة الإمام لخوف الزحام فلا بأس به؛ لما روي أن عائشة ﵂ بعد إفاضة الإمام دعت بشراب فأفطرت ثم أفاضت.
قال: وإذا أتى مزدلفة فالمستحب، أن يقف بقرب الجبل الذي عليه الميقدة يقال له: قزح لأن النبي ﷺ وقف عند هذا الجبل، وكذا عمر ﵁ ويتحرز في النزول عن الطريق كيلا يضر بالمارة فينزل عن يمينه أو يساره، ويستحب أن يقف وراء الإمام لما بينا في الوقوف بعرفة.
ــ
[البناية]
الخوف علة من العلل م: (لما روي أن عائشة ﵂ بعد إفاضة الإمام دعت بشراب فأفطرت ثم أفاضت) ش: هذا رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه "، حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة ﵂ أنها كانت تدعو بشراب تفطر ثم تفيض.
[المبيت بالمزدلفة]
[جمع المغرب والعشاء بمزدلفة]
م: (وإذا أتى مزدلفة فالمستحب أن يقف بقرب الجبل الذي عليه الميقدة) ش: بكسر الميم، موضع كان أهل الجاهلية يوقدون عليه النار، يقال لذلك الجبل قزح، بضم القاف كذا في " المغرب "، وقيل إنها كانون آدم ﷺ م: (يقال له: قزح) ش: أي يقال لذلك الجبل قزح، بضم القاف وفتح الزاي وبالحاء المهملة، وهو غير منصرف للعدل والعلمية، كذا قاله الكاكي.
قلت: هو عدل تقديري، كأنه معدول عن قازح كزفر عن زافر، وفي الحديث لا يقول قوس قزح من أسماء الشياطين، قيل سمي بقزح لتسويله الناس بحثه إلى المعاصي من القزح وهو الجنين، وقيل من القزح وهو الطريق والألوان التي في القوس الواحدة قزحة، ويمكن هذا أيضاً يسمى الجبل به لكونه ذات طرائق وألوان.
م: (لأن النبي ﷺ وقف عند هذا الجبل) ش: يعني جبل قزح رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي ﵃ واللفظ للترمذي قال: «وقف رسول الله ﷺ بعرفة ... » الحديث، فلما أصبح أتى قزح فوقف عليه، وروى الحاكم في المستدرك عن جابر ﵁ «أن النبي ﷺ قال: حين وقف بعرفة هذا الموقف، وكل عرفة موقف» وقيل حين وقف على قزح قال هذا الموقف، وكل المزدلفة موقف.
م: (وكذا عمر ﵁) ش: أي وكذا وقف عمر ﵁ على قزح، وهذا غريب يعني ليس له أصل. م: (ويتحرز في النزول عن الطريق كيلا يضر بالمارة فينزل عن يمينه أو يساره) ش: وقال الكرخي: وإذا جاء الإمام المزدلفة، وهي المشعر الحرام، وهي التي أقصيت من وادي عرفات إلى بطن محسر فانزل بها حيث شئت عن يمين الطريق وعن يساره، ولا تنزل على جادة الطريق فتؤذي الناس، وذلك لقوله ﷺ : «مزدلفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن محسر» وأما النزول على الطريق فهو ممنوع بالمزدلفة وغيرها، لأنه يقطع الناس عن الاجتياز.
م: (ويستحب أن يقف) ش: أي الحاج م: (وراء الإمام لما بينا في الوقوف بعرفة) ش: أشار به
стр. 2066
قال: ويصلي الإمام بالناس المغرب والعشاء بأذان وإقامة واحدة. وقال زفر ﵀: بأذان وإقامتين اعتبارا بالجمع بعرفة. ولنا رواية جابر ﵁ أن النبي ﷺ «جمع بينهما بأذان، وإقامة واحدة؛» ولأن العشاء في وقته فلا يفرد بالإقامة إعلاما، بخلاف العصر بعرفة لأنه مقدم على وقته، فأفرد بها لزيادة الإعلام.
ــ
[البناية]
إلى قوله - لأنه يدعو ويعلم فيعوا ويسمعوا - م: (قال: ويصلي الإمام بالناس المغرب والعشاء بأذان وإقامة واحدة) ش: وفي أكثر النسخ قال: ويصلي الإمام، أي قال القدوري ﵀ في مختصره.
م: (وقال زفر: بأذان وإقامتين اعتبارا بالجمع بعرفة) ش: أي قياساً عليه، واختاره الطحاوي وبه قال الشافعي في قول وأبو ثور وابن الماجشون المالكي، وفي قول الشافعي ﵀ بإقامتين دون الأذان.
م: (ولنا رواية جابر ﵁ أن النبي ﷺ جمع بينهما بأذان وإقامة واحدة) ش: أي جمع بين المغرب والعشاء بأذان وإقامة واحدة، يعني في المزدلفة، وهذا رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا حاتم بن إسماعيل عن محمد بن جعفر بن محمد عن جابر بن عبد الله قال: «صلى رسول الله ﷺ المغرب والعشاء يجمع بأذان واحد وإقامة واحدة ولم يسبح بينهما» وهذا حديث غريب، فإن الذي في حديث جابر الطويل عند مسلم أنه صلاهما بأذان وإقامتين وبلفظه «ثم أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً» .. الحديث. وعند البخاري أيضاً عن ابن عمر ﵄ قال «جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء، يجمع كل واحد بينهما بإقامة ولم يسبح بينهما ولا على أثر واحدة بينهما» وهذا مخالف لرواية ابن أبي شيبة. وقال الأترازي ﵀: والترجيح لقولنا بأن نقول إن حديث جابر ﵁ مضطرب كما ترى، لأنه حدث في رواية بأذان وإقامتين، وفي رواية بأذان وإقامة.
قلت: إنما يصح الحكم بالاضطراب لو كانت زيادة روايته مخرجتين في " الصحيح "، والرواية التي تخبر بأذان واحد وإقامة واحدة ليست في " الصحيح ".
م: (ولأن العشاء في وقته) ش: أي مؤداة في وقته م: (فلا يفرد بالإقامة إعلاما) ش: أي لأجل الإعلام، لأنه معلوم في جميع أهل الموقف م: (بخلاف العصر بعرفة؛ لأنه) ش: أي لأن العصر م: (مقدم على وقته فأفرد بها) ش: أي بالإقامة م: (لزيادة الإعلام) ش: فإن قلت: يرد عليكم الفوائت لأنه إن شاء أذن وأقام لكل صلاة، وإن شاء اقتصر على الإقامة، فينبغي أن يكون هذا كذلك.
стр. 2067
ولا يتطوع بينهما؛ لأنه يخل بالجمع، ولو تطوع، أو تشاغل بشيء أعاد الإقامة لوقوع الفصل، وكان ينبغي أن يعيد الأذان أيضا كما في الجمع الأول بعرفة إلا أنا اكتفينا بإعادة الإقامة، لما روي «أن النبي ﷺ صلى المغرب بمزدلفة ثم تعشى ثم أفرد الإقامة للعشاء» ولا تشترط الجماعة لهذا الجمع
ــ
[البناية]
قلت: الفوائت كل واحد منها صلاة على حدة فينفرد كل منهما بالإقامة، بخلاف الصلاتين بالمزدلفة، فإنهما صارتا كصلاة واحدة، بدليل أنه لا يجوز التطوع بهما، فلأجل هذا أفرد كل واحدة بالإقامة.
م: (ولا يتطوع بينهما) ش: أي بين المغرب والعشاء بالمزدلفة م: (لأنه يخل بالجمع) ش: ولأن النبي ﷺ لم يتطوع بينهما م: (ولو تطوع) ش: أي بينهما م: (أو تشاغل بشيء) ش: مثل التعشي وافتقار النية ونحو ذلك م: (أعاد الإقامة لوقوع الفصل) ش: فيحتاج إلى إعلام آخر. قال الكاكي ﵀ قال شيخي العلامة ﵀ يسوي بين التطوع والتعشي والتشاغل بشيء آخر في إعادة الإقامة، وهو يوافق ما ذكر في " المبسوط "، ولكن اشترط في " المبسوط " الأسبيجابي، الذي اختصره في " مبسوط " البزدوي إلى إعادة الإقامة، وإلى إعادة الأذان والإقامة في النفس وغيره.
م: (وكان ينبغي أن يعيد الأذان أيضا) ش: لقول زفر ﵀ م: (كما في الجمع الأول) ش: أي كما يعيد الأذان أيضاً في الجمع الأول، وهو الجمع بين الظهر والعصر بعرفة م: (إلا أنا اكتفينا بإعادة الإقامة، لما روي أن النبي ﷺ صلى المغرب بمزدلفة ثم تعشى) ش: أي أكل العشاء م: (ثم أفرد الإقامة بالعشاء) ش: أي بصلاة العشاء، وهذا الحديث غريب، وتمثيله بفعل النبي ﷺ مشكل لأنه قد ذكر أولاً قبل هذا أن النبي ﷺ جمع بأذان وإقامة واحدة، واحتج به على زفر ﵀ في إفراد الإقامة، وكان ذلك هو الثابت الصحيح عنده ضرورة، وبعد ثبوته لا يمكنه التمثيل بما ذكره بعد، لأنه لم يصح ولم يثبت، لأنه ﷺ لم يحج إلا مرة واحدة، فكيف يستدل به؟!
فإن قلت: هذه صورة التعارض فيحمل كل واحد على حالته.
قلت: لا يمكن هذا هاهنا لأنا ننفي صحة الحديث الذي ذكره، فمن أين يأتي التعارض حتى يوفق بينهما بذلك. وقال الكاكي ﵀ إذا ترجحت، أعني الرواية المروية في " الصحيح " انتفت الأخرى، وحملت على سهو الراوي فلا يصح التمسك به انتهى.
قلت: فلأجل ذلك اختار الطحاوي ﵀ مذهب زفر ﵀ لصحة دليله وترك الرواية الأخرى.
م: (ولا تشترط الجماعة لهذا الجمع) ش: أي الجمع الذي في المزدلفة.
стр. 2068
عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن المغرب مؤخرة عن وقتها، بخلاف الجمع بعرفة لأن العصر مقدم على وقته. قال: ومن صلى المغرب في الطريق لم تجزئه عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر. وقال أبو يوسف ﵀: يجزيه، وقد أساء، وعلى هذا الخلاف إذا صلى بعرفات. ولأبي يوسف ﵀ أنه أداها في وقتها فلا تجب عليه إعادتها كما بعد طلوع الفجر، إلا أن التأخير من السنة فيصير مسيئا بتركه. ولهما ما روي «أنه ﷺ قال لأسامة ﵁ في طريق المزدلفة: " الصلاة أمامك»
ــ
[البناية]
م: (عند أبي حنيفة ﵀ لأن المغرب) ش: أي صلاة المغرب م: (مؤخرة عن وقتها، بخلاف الجمع بعرفة؛ لأن العصر مقدم على وقته) ش: فروعي منه جمع ما ورد به النص وهو الأداء مع الإمام في حالة الإحرام، وأما الجمع بمزدلفة فلم يخالف القياس، لأن المغرب مؤخرة عن وقتها، وقضاء الصلاة بعد وقتها أمر معقول لوجود المسبب بعد وجود السبب فلم يشترط فيه مراعاة ما ورد به النص وهو الإمام، ولكن الأفضل أن يصلي مع الإمام بالجماعة، لأن الأداء بالجماعة أولى، كذا في " الإيضاح "، وقال الإمام المحبوبي: لا يشترط الإحرام والسلطان أيضاً.
م: (قال: ومن صلى المغرب) ش: أي صلاة المغرب م: (في الطريق) ش: قبل أن يأتي إلى المزدلفة م: (لم يجزئه عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر) ش: وبه قال زفر والحسن بن زياد - رحمهما الله تعالى - م: (وقال أبو يوسف ﵀: يجزئه، وقد أساء) ش: لمخالفة السنة، وبه قال مالك ﵁ والشافعي وأحمد ﵄.
م: (وعلى هذا الخلاف) ش: أي بين أبي حنيفة ومحد وبين أبي يوسف ﵏ م: (إذا صلى) ش: أي المغرب م: (بعرفات) ش: فعندهما لا يجزئه، وعند أبي يوسف ﵀ تجزئه، وفي " الإيضاح " وكذا لو صلى العشاء الآخرة بعد دخول وقتها في الطريق، لأنها مرتبة على المغرب فإذا لم تجز المغرب فما رتب عليه أولى بتركه.
م: (ولأبي يوسف ﵀ أنه أداها في وقتها فلا تجب إعادتها كما في بعد الطلوع) ش: أي كما إذا صلى بعد طلوع الفجر م: (إلا أن التأخير) ش: أي تأخير المغرب ليلة المزدلفة م: (من السنة فيصير مسيئا بتركه) ش: أي بترك التأخير.
م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - م: «ما روي أن النبي ﷺ قال لأسامة في طريق المزدلفة: الصلاة أمامك» ش: هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد بن حارثة مولى النبي ﷺ وكان يسمى حب النبي ﷺ ، قال أسامة «دفع النبي ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء، فقلت له الصلاة فقال الصلاة أمامك» .
стр. 2069
معناه: وقت الصلاة، وهذا إشارة إلى أن التأخير واجب، وإنما وجب ليمكنه الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة فكان عليه الإعادة ما لم يطلع الفجر ليصير جامعا بينهما. وإذا طلع الفجر لا يمكنه الجمع فسقطت الإعادة
ــ
[البناية]
.. الحديث، م: (معناه) ش: أي معنى قوله أمامك م: (وقت الصلاة) ش: ومكان الصلاة، لأن الصلاة فعل المصلي، وفعله لا يتصور أن يكون أمامه، فإذا أداها في الطريق فقد أداها قبل الوقت الثابت بهذا الخبر فوجبت الإعادة كما إذا صلى الظهر في منزله يوم الجمعة، فإنه يؤمر بالقضاء حتى يأتي على هذا الوجه الأكمل.
م: (وهذا) ش: أي قوله الصلاة أمامك م: (إشارة إلى أن التأخير) ش: أي تأخير صلاة المغرب م: (واجب، وإنما وجب ليمكنه الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة) ش: ما دام وقت العشاء باقياً م: (فكان عليه الإعادة ما لم يطلع الفجر ليصير جامعا بينهما) ش: أي بين الصلاتين م: (وإذا طلع الفجر لا يمكنه الجمع فسقطت الإعادة) ش: وقال القدوري: إذا كان يخشى أن يطلع الفجر قبل أن يصلي إلى المزدلفة صلى المغرب لأنه إذا طلع الفجر فات وقت الجمع، وكذلك إن صلى العشاء الأخيرة في الطريق بعد دخول وقتها لم تجزئه إلا على تقدير خوف طلوع الفجر.
فإن قلت: قوله ﷺ قام عن الصلاة.. الحديث خبر واحد يوجب الترتيب، وتجب عليه الإعادة وإن ذهب، وها هنا لم تجب الوقت.
قلت بأن وجوب الإعادة هناك لوجوب الترتيب، وهو قائم ما لم يدخل الأكثر، وها هنا وجوب الإعادة لرعاية الجمع فيفوت إن كان الجمع بفوات وقت العشاء.
فإن قلت: قوله ﷺ «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» لا تجب الإعادة لو صلى بدون فاتحة الكتاب ناسياً أو عامداً، وها هنا وجبت ما دام الوقت باقيا.
قلت خبر الواحد يوجب العمل على وجه لا يؤدي إلى إبطال الكتاب، ثم ها هنا الإعادة من باب العلم ما دام الوقت باقياً لما أنه صلى قبل الوقت الثابت بخبر الواحد، وقبل الوقت لا يجوز فتجب الإعادة كما في مسألة الترتيب، وأما خبر الفاتحة فقد علمنا به كما يليق بحاله حيث قلنا يوجب صلاة السهو إذا تركها ساهياً، وبالإثم إذا تركها عامداً، أما لو قلنا بالإعادة كان خبر الواحد مبطلاً لإطلاق قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ [المزمل: ٢٠] (المزمل: الآية ٢٠) ، وذلك لا يجوز.
فإن قلت: ففي حديث أسامة أيضاً القول بوجوب الإعادة في الوقت فوجب الإبطال. قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] [النساء: الآية ١٣] .
قلت: قالوا: الإعادة فيه لنوع فساد اقتضاء خبر الواحد لا لفساد قوي، فلو قلنا بالإعادة بعد الوقت، لكنا قائلين بالفساد لتؤدي فحينئذ كنا مبطلين وجوب قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]
стр. 2070
قال: وإذا طلع الفجر يصلي الإمام بالناس الفجر بغلس لرواية ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ صلاها يومئذ بغلس "
ــ
[البناية]
ولا نقول به.
فإن قلت: خبر أسامة خبر واحد فلا يجوز تأخير المغرب عن وقته، لأن محافظة الوقت واجبة بالدلائل القطعية، ولو كان من المشاهير تجب الإعادة على الإطلاق، لأنه مؤدي للمغرب قبل الوقت الثابت بالحديث المشهور.
قلت: قال الشيخ الكاكي ﵀: وجوب التأخير ثبت الجمع بمزدلفة وهو من المشاهير تجوز للزيادة به على الكتاب فصار للعصر بعرفات وللمغرب بمزدلفة وقتان، أحدهما ثابت بالدليل القطعي، والثاني ثابت بالسنة المشهورة إلا أنه مأمور بالأداء في الوقت الثابت بالسنة، فإذا أداها في الوقت الثابت بالكتاب ثبت لها أصل الجواز، وكان مثبتاً لمخالفة السنة المشهورة فيؤمر بالإعادة تحقيقاً للجمع، فإذا فات وقت الجمع فلا فائدة في الأمر بالإعادة بعدما ثبت جواز الأداء والله أعلم.
وأشكل عن أبي يوسف ﵀ بأن صلاة المغرب التي صلاها في الطريق، إما إن وقعت صحيحة أو لا، فإن كان الأول فلا تجب الإعادة إلا في الوقت ولا بعده، وإن كان الثاني وجبت فيه وبعده لأنها وقعت فاسدة، فلا تنقلب صحيحة بمضي الوقت.
وأجيب بأن الفساد موقوف لظهور أثره في ثاني الحال، كما مر في مسألة الترتيب.
[صلاة الفجر بغلس في المزدلفة والوقوف بها]
م: (قال: وإذا طلع الفجر) ش: أي في يوم النحر م: (يصلي الإمام بالناس الفجر) ش: أي صلاة الفجر م: (بغلس) ش: بفتحتين، وهو آخر ظلمة الليل، قاله الأترازي ثم قال كذا في الديوان وقال الأكمل الغلس: ظلمة آخر الليل، وفي بعض الشروح ناقلاً عن الديوان آخر ظلمة الليل، وقد وافق على ما نحن فيه على ما سيظهر، انتهى.
قلت: أراد ببعض الشروح شرح الأترازي م: (لرواية ابن مسعود ﵁: «أن النبي ﷺ صلاها يومئذ بغلس» ش: هذا رواه البخاري، ومسلم عن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود قال: «ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين، صلاة المغرب والعشاء بجمع وصلاة الفجر يومئذ قبل ميقاتها.» قوله - قبل ميقاتها - معناه المعهود المعتاد في كل يوم، لا أنه صلاها قبل الفجر ولكنه غلس بها كثيرا بينه لفظ البخاري، وصلى الفجر حين طلع الفجر، وفي لفظ لمسلم «أنه ﷺ جمع الصلاتين جميعاً، وصلى الفجر حين طلع الفجر» وقائل يقول لم يطلع الفجر، ولهذا يندفع قول من يقول أن الدليل غير مطابق للمدلول، لأن الدليل يدل على أنه ﷺ صلاها بغلس،
следующие страницы →