← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

قال: ويصلي الإمام بالناس المغرب والعشاء بأذان وإقامة واحدة. وقال زفر ﵀: بأذان وإقامتين اعتبارا بالجمع بعرفة. ولنا رواية جابر ﵁ أن النبي ﷺ «جمع بينهما بأذان، وإقامة واحدة؛» ولأن العشاء في وقته فلا يفرد بالإقامة إعلاما، بخلاف العصر بعرفة لأنه مقدم على وقته، فأفرد بها لزيادة الإعلام. ــ [البناية] إلى قوله - لأنه يدعو ويعلم فيعوا ويسمعوا - م: (قال: ويصلي الإمام بالناس المغرب والعشاء بأذان وإقامة واحدة) ش: وفي أكثر النسخ قال: ويصلي الإمام، أي قال القدوري ﵀ في مختصره. م: (وقال زفر: بأذان وإقامتين اعتبارا بالجمع بعرفة) ش: أي قياساً عليه، واختاره الطحاوي وبه قال الشافعي في قول وأبو ثور وابن الماجشون المالكي، وفي قول الشافعي ﵀ بإقامتين دون الأذان. م: (ولنا رواية جابر ﵁ أن النبي ﷺ جمع بينهما بأذان وإقامة واحدة) ش: أي جمع بين المغرب والعشاء بأذان وإقامة واحدة، يعني في المزدلفة، وهذا رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا حاتم بن إسماعيل عن محمد بن جعفر بن محمد عن جابر بن عبد الله قال: «صلى رسول الله ﷺ المغرب والعشاء يجمع بأذان واحد وإقامة واحدة ولم يسبح بينهما» وهذا حديث غريب، فإن الذي في حديث جابر الطويل عند مسلم أنه صلاهما بأذان وإقامتين وبلفظه «ثم أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً» .. الحديث. وعند البخاري أيضاً عن ابن عمر ﵄ قال «جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء، يجمع كل واحد بينهما بإقامة ولم يسبح بينهما ولا على أثر واحدة بينهما» وهذا مخالف لرواية ابن أبي شيبة. وقال الأترازي ﵀: والترجيح لقولنا بأن نقول إن حديث جابر ﵁ مضطرب كما ترى، لأنه حدث في رواية بأذان وإقامتين، وفي رواية بأذان وإقامة. قلت: إنما يصح الحكم بالاضطراب لو كانت زيادة روايته مخرجتين في " الصحيح "، والرواية التي تخبر بأذان واحد وإقامة واحدة ليست في " الصحيح ". م: (ولأن العشاء في وقته) ش: أي مؤداة في وقته م: (فلا يفرد بالإقامة إعلاما) ش: أي لأجل الإعلام، لأنه معلوم في جميع أهل الموقف م: (بخلاف العصر بعرفة؛ لأنه) ش: أي لأن العصر م: (مقدم على وقته فأفرد بها) ش: أي بالإقامة م: (لزيادة الإعلام) ش: فإن قلت: يرد عليكم الفوائت لأنه إن شاء أذن وأقام لكل صلاة، وإن شاء اقتصر على الإقامة، فينبغي أن يكون هذا كذلك.

стр. 2067

ولا يتطوع بينهما؛ لأنه يخل بالجمع، ولو تطوع، أو تشاغل بشيء أعاد الإقامة لوقوع الفصل، وكان ينبغي أن يعيد الأذان أيضا كما في الجمع الأول بعرفة إلا أنا اكتفينا بإعادة الإقامة، لما روي «أن النبي ﷺ صلى المغرب بمزدلفة ثم تعشى ثم أفرد الإقامة للعشاء» ولا تشترط الجماعة لهذا الجمع ــ [البناية] قلت: الفوائت كل واحد منها صلاة على حدة فينفرد كل منهما بالإقامة، بخلاف الصلاتين بالمزدلفة، فإنهما صارتا كصلاة واحدة، بدليل أنه لا يجوز التطوع بهما، فلأجل هذا أفرد كل واحدة بالإقامة. م: (ولا يتطوع بينهما) ش: أي بين المغرب والعشاء بالمزدلفة م: (لأنه يخل بالجمع) ش: ولأن النبي ﷺ لم يتطوع بينهما م: (ولو تطوع) ش: أي بينهما م: (أو تشاغل بشيء) ش: مثل التعشي وافتقار النية ونحو ذلك م: (أعاد الإقامة لوقوع الفصل) ش: فيحتاج إلى إعلام آخر. قال الكاكي ﵀ قال شيخي العلامة ﵀ يسوي بين التطوع والتعشي والتشاغل بشيء آخر في إعادة الإقامة، وهو يوافق ما ذكر في " المبسوط "، ولكن اشترط في " المبسوط " الأسبيجابي، الذي اختصره في " مبسوط " البزدوي إلى إعادة الإقامة، وإلى إعادة الأذان والإقامة في النفس وغيره. م: (وكان ينبغي أن يعيد الأذان أيضا) ش: لقول زفر ﵀ م: (كما في الجمع الأول) ش: أي كما يعيد الأذان أيضاً في الجمع الأول، وهو الجمع بين الظهر والعصر بعرفة م: (إلا أنا اكتفينا بإعادة الإقامة، لما روي أن النبي ﷺ صلى المغرب بمزدلفة ثم تعشى) ش: أي أكل العشاء م: (ثم أفرد الإقامة بالعشاء) ش: أي بصلاة العشاء، وهذا الحديث غريب، وتمثيله بفعل النبي ﷺ مشكل لأنه قد ذكر أولاً قبل هذا أن النبي ﷺ جمع بأذان وإقامة واحدة، واحتج به على زفر ﵀ في إفراد الإقامة، وكان ذلك هو الثابت الصحيح عنده ضرورة، وبعد ثبوته لا يمكنه التمثيل بما ذكره بعد، لأنه لم يصح ولم يثبت، لأنه ﷺ لم يحج إلا مرة واحدة، فكيف يستدل به؟! فإن قلت: هذه صورة التعارض فيحمل كل واحد على حالته. قلت: لا يمكن هذا هاهنا لأنا ننفي صحة الحديث الذي ذكره، فمن أين يأتي التعارض حتى يوفق بينهما بذلك. وقال الكاكي ﵀ إذا ترجحت، أعني الرواية المروية في " الصحيح " انتفت الأخرى، وحملت على سهو الراوي فلا يصح التمسك به انتهى. قلت: فلأجل ذلك اختار الطحاوي ﵀ مذهب زفر ﵀ لصحة دليله وترك الرواية الأخرى. م: (ولا تشترط الجماعة لهذا الجمع) ش: أي الجمع الذي في المزدلفة.

стр. 2068

عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن المغرب مؤخرة عن وقتها، بخلاف الجمع بعرفة لأن العصر مقدم على وقته. قال: ومن صلى المغرب في الطريق لم تجزئه عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر. وقال أبو يوسف ﵀: يجزيه، وقد أساء، وعلى هذا الخلاف إذا صلى بعرفات. ولأبي يوسف ﵀ أنه أداها في وقتها فلا تجب عليه إعادتها كما بعد طلوع الفجر، إلا أن التأخير من السنة فيصير مسيئا بتركه. ولهما ما روي «أنه ﷺ قال لأسامة ﵁ في طريق المزدلفة: " الصلاة أمامك» ــ [البناية] م: (عند أبي حنيفة ﵀ لأن المغرب) ش: أي صلاة المغرب م: (مؤخرة عن وقتها، بخلاف الجمع بعرفة؛ لأن العصر مقدم على وقته) ش: فروعي منه جمع ما ورد به النص وهو الأداء مع الإمام في حالة الإحرام، وأما الجمع بمزدلفة فلم يخالف القياس، لأن المغرب مؤخرة عن وقتها، وقضاء الصلاة بعد وقتها أمر معقول لوجود المسبب بعد وجود السبب فلم يشترط فيه مراعاة ما ورد به النص وهو الإمام، ولكن الأفضل أن يصلي مع الإمام بالجماعة، لأن الأداء بالجماعة أولى، كذا في " الإيضاح "، وقال الإمام المحبوبي: لا يشترط الإحرام والسلطان أيضاً. م: (قال: ومن صلى المغرب) ش: أي صلاة المغرب م: (في الطريق) ش: قبل أن يأتي إلى المزدلفة م: (لم يجزئه عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر) ش: وبه قال زفر والحسن بن زياد - رحمهما الله تعالى - م: (وقال أبو يوسف ﵀: يجزئه، وقد أساء) ش: لمخالفة السنة، وبه قال مالك ﵁ والشافعي وأحمد ﵄. م: (وعلى هذا الخلاف) ش: أي بين أبي حنيفة ومحد وبين أبي يوسف ﵏ م: (إذا صلى) ش: أي المغرب م: (بعرفات) ش: فعندهما لا يجزئه، وعند أبي يوسف ﵀ تجزئه، وفي " الإيضاح " وكذا لو صلى العشاء الآخرة بعد دخول وقتها في الطريق، لأنها مرتبة على المغرب فإذا لم تجز المغرب فما رتب عليه أولى بتركه. م: (ولأبي يوسف ﵀ أنه أداها في وقتها فلا تجب إعادتها كما في بعد الطلوع) ش: أي كما إذا صلى بعد طلوع الفجر م: (إلا أن التأخير) ش: أي تأخير المغرب ليلة المزدلفة م: (من السنة فيصير مسيئا بتركه) ش: أي بترك التأخير. م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - م: «ما روي أن النبي ﷺ قال لأسامة في طريق المزدلفة: الصلاة أمامك» ش: هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد بن حارثة مولى النبي ﷺ وكان يسمى حب النبي ﷺ ، قال أسامة «دفع النبي ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء، فقلت له الصلاة فقال الصلاة أمامك» .

стр. 2069

معناه: وقت الصلاة، وهذا إشارة إلى أن التأخير واجب، وإنما وجب ليمكنه الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة فكان عليه الإعادة ما لم يطلع الفجر ليصير جامعا بينهما. وإذا طلع الفجر لا يمكنه الجمع فسقطت الإعادة ــ [البناية] .. الحديث، م: (معناه) ش: أي معنى قوله أمامك م: (وقت الصلاة) ش: ومكان الصلاة، لأن الصلاة فعل المصلي، وفعله لا يتصور أن يكون أمامه، فإذا أداها في الطريق فقد أداها قبل الوقت الثابت بهذا الخبر فوجبت الإعادة كما إذا صلى الظهر في منزله يوم الجمعة، فإنه يؤمر بالقضاء حتى يأتي على هذا الوجه الأكمل. م: (وهذا) ش: أي قوله الصلاة أمامك م: (إشارة إلى أن التأخير) ش: أي تأخير صلاة المغرب م: (واجب، وإنما وجب ليمكنه الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة) ش: ما دام وقت العشاء باقياً م: (فكان عليه الإعادة ما لم يطلع الفجر ليصير جامعا بينهما) ش: أي بين الصلاتين م: (وإذا طلع الفجر لا يمكنه الجمع فسقطت الإعادة) ش: وقال القدوري: إذا كان يخشى أن يطلع الفجر قبل أن يصلي إلى المزدلفة صلى المغرب لأنه إذا طلع الفجر فات وقت الجمع، وكذلك إن صلى العشاء الأخيرة في الطريق بعد دخول وقتها لم تجزئه إلا على تقدير خوف طلوع الفجر. فإن قلت: قوله ﷺ قام عن الصلاة.. الحديث خبر واحد يوجب الترتيب، وتجب عليه الإعادة وإن ذهب، وها هنا لم تجب الوقت. قلت بأن وجوب الإعادة هناك لوجوب الترتيب، وهو قائم ما لم يدخل الأكثر، وها هنا وجوب الإعادة لرعاية الجمع فيفوت إن كان الجمع بفوات وقت العشاء. فإن قلت: قوله ﷺ «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» لا تجب الإعادة لو صلى بدون فاتحة الكتاب ناسياً أو عامداً، وها هنا وجبت ما دام الوقت باقيا. قلت خبر الواحد يوجب العمل على وجه لا يؤدي إلى إبطال الكتاب، ثم ها هنا الإعادة من باب العلم ما دام الوقت باقياً لما أنه صلى قبل الوقت الثابت بخبر الواحد، وقبل الوقت لا يجوز فتجب الإعادة كما في مسألة الترتيب، وأما خبر الفاتحة فقد علمنا به كما يليق بحاله حيث قلنا يوجب صلاة السهو إذا تركها ساهياً، وبالإثم إذا تركها عامداً، أما لو قلنا بالإعادة كان خبر الواحد مبطلاً لإطلاق قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ [المزمل: ٢٠] (المزمل: الآية ٢٠) ، وذلك لا يجوز. فإن قلت: ففي حديث أسامة أيضاً القول بوجوب الإعادة في الوقت فوجب الإبطال. قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] [النساء: الآية ١٣] . قلت: قالوا: الإعادة فيه لنوع فساد اقتضاء خبر الواحد لا لفساد قوي، فلو قلنا بالإعادة بعد الوقت، لكنا قائلين بالفساد لتؤدي فحينئذ كنا مبطلين وجوب قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]

стр. 2070

قال: وإذا طلع الفجر يصلي الإمام بالناس الفجر بغلس لرواية ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ صلاها يومئذ بغلس " ــ [البناية] ولا نقول به. فإن قلت: خبر أسامة خبر واحد فلا يجوز تأخير المغرب عن وقته، لأن محافظة الوقت واجبة بالدلائل القطعية، ولو كان من المشاهير تجب الإعادة على الإطلاق، لأنه مؤدي للمغرب قبل الوقت الثابت بالحديث المشهور. قلت: قال الشيخ الكاكي ﵀: وجوب التأخير ثبت الجمع بمزدلفة وهو من المشاهير تجوز للزيادة به على الكتاب فصار للعصر بعرفات وللمغرب بمزدلفة وقتان، أحدهما ثابت بالدليل القطعي، والثاني ثابت بالسنة المشهورة إلا أنه مأمور بالأداء في الوقت الثابت بالسنة، فإذا أداها في الوقت الثابت بالكتاب ثبت لها أصل الجواز، وكان مثبتاً لمخالفة السنة المشهورة فيؤمر بالإعادة تحقيقاً للجمع، فإذا فات وقت الجمع فلا فائدة في الأمر بالإعادة بعدما ثبت جواز الأداء والله أعلم. وأشكل عن أبي يوسف ﵀ بأن صلاة المغرب التي صلاها في الطريق، إما إن وقعت صحيحة أو لا، فإن كان الأول فلا تجب الإعادة إلا في الوقت ولا بعده، وإن كان الثاني وجبت فيه وبعده لأنها وقعت فاسدة، فلا تنقلب صحيحة بمضي الوقت. وأجيب بأن الفساد موقوف لظهور أثره في ثاني الحال، كما مر في مسألة الترتيب. [صلاة الفجر بغلس في المزدلفة والوقوف بها] م: (قال: وإذا طلع الفجر) ش: أي في يوم النحر م: (يصلي الإمام بالناس الفجر) ش: أي صلاة الفجر م: (بغلس) ش: بفتحتين، وهو آخر ظلمة الليل، قاله الأترازي ثم قال كذا في الديوان وقال الأكمل الغلس: ظلمة آخر الليل، وفي بعض الشروح ناقلاً عن الديوان آخر ظلمة الليل، وقد وافق على ما نحن فيه على ما سيظهر، انتهى. قلت: أراد ببعض الشروح شرح الأترازي م: (لرواية ابن مسعود ﵁: «أن النبي ﷺ صلاها يومئذ بغلس» ش: هذا رواه البخاري، ومسلم عن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود قال: «ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين، صلاة المغرب والعشاء بجمع وصلاة الفجر يومئذ قبل ميقاتها.» قوله - قبل ميقاتها - معناه المعهود المعتاد في كل يوم، لا أنه صلاها قبل الفجر ولكنه غلس بها كثيرا بينه لفظ البخاري، وصلى الفجر حين طلع الفجر، وفي لفظ لمسلم «أنه ﷺ جمع الصلاتين جميعاً، وصلى الفجر حين طلع الفجر» وقائل يقول لم يطلع الفجر، ولهذا يندفع قول من يقول أن الدليل غير مطابق للمدلول، لأن الدليل يدل على أنه ﷺ صلاها بغلس،

стр. 2071

ولأن في التغليس دفع حاجة الوقوف فيجوز كتقديم العصر بعرفة. ثم وقف - أي ووقف معه الناس، فدعا لأن النبي ﷺ وقف في هذا الموضع يدعو حتى روي في حديث ابن عباس ﵄ فاستجيب له دعاؤه لأمته حتى الدماء والمظالم ــ [البناية] والمدلول قوله - وإذا طلع الفجر يصلي الإمام بالناس الفجر بغلس. م: (ولأن في التغليس دفع حاجة الوقوف فيجوز) ش: أي التغليس م: (كتقديم العصر بعرفة) ش: أي كما يجوز تقديم العصر بعرفة قبل وقتها لدفع حاجة الوقوف بها، واعترض عليه أن هذا الدليل العقلي لا يطابق المدلول، بيانه أن تقريره في التغليس دفع حاجة الوقوف، ودفع الحاجة يجوز التقديم للعصر بعرفة، وتقديم العصر كان على وقته، فيكون ها هنا تصحيحاً للتشبيه، وهو خلال المطلوب، وأجيب بأن معناه لما جاز تعجيل العصر على وقتها للحاجة إلى الوقوف بعدها، فلا يجوز التغليس بالفجر وهو في وقتها أولى. م: (ثم وقف) ش: أي ثم وقف الإمام بعد أن غلس بصلاة الفجر م: (أي ووقف معه الناس، فدعا) ش: بما شاء من الأدعية ويرفع يديه ويستقبل بهما وجهه سبطاً. وفي النوازل ويدعو بالمزدلفة نحو ما دعا بعرفة «اللهم حرم لحمي وشعري ودمي وعظمي وجميع جوارحي من النار يا أرحم الراحمين» . م: (لأن النبي ﷺ وقف في هذا الموضع يدعو حتى روي في حديث ابن عباس ﵄ فاستجيب له دعاؤه لأمته حتى الدماء والمظالم) ش: فيه حديثان، أحدهما قوله لأن النبي ﷺ وقف في هذا الموضع، وأشار به إلى المشعر الحرام الذي هو الجبل الذي يقال له قزح، ويدعو لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] (البقرة: الآية ١٩٨) ، وهذا في حديث جابر الطويل ﵁ حيث قال: «ثم ركب أي النبي ﷺ القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس» . الحديث الثاني: هو حديث عباس بن مرداس ﵁ وليس هو حديث ابن عباس الذي هو عبد الله وقول المصنف في حديث ابن عباس ﵁ وهم، ولم ينبه على هذا أحد من الشراح، واعتذر بعضهم بأن المصنف إنما أراد بابن عباس ﵁ كنانة بن عباس بن مرداس وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أن ابن عباس إذا أطلق لا يراد به إلا عبد الله بن عباس، فلو أراد كنانة لقيده. والثاني: أن المصنف ليس من عادته أن يذكر الشافعي دون الصحابي عند ذكر الحديث، فلا يليق به ذلك.

стр. 2072

ثم هذا الوقوف واجب عندنا، وليس بركن حتى لو تركه بغير عذر يلزمه الدم. وقال الشافعي ﵀: إنه ركن ــ [البناية] وأما حديث ابن عباس بن مرداس فقد ذكرناه عند قوله وأما الاجتهاد فلأنه ﷺ اجتهد في الدعاء في هذا الموقف لأمته فاستجيب له، إلا في الدماء والمظالم، وها هنا استجيب له دعاؤه لأمته، حتى الدماء والمظالم بالرفع فيهما، والمظالم جمع مظلمة، وهو الظلم أو اسم مأخوذ ظلماً يعني حتى استجيب له دعاؤه في الدماء والمظالم، والأصل أن تبقى حقوق العباد لكن قالوا إن الله تعالى يرضي الخصوم بالأزدياد في بيوتهم حتى تركوا خصوماتهم في الدنيا والمظالم واستوجبوا المغفرة. فإن قلت: هذا خاص بالذي يحج أول عام أو لا. قلت: لا بل هو عام لجميع أمته ولا قرينة للتخصيص، ثم الكلام في إعراب حتى الدماء والمظالم، فقد ذكرنا أنه بالرفع فيهما لأن حتى للعطف كما في قولهم قدم الحاج حتى المشاة، ويجوز الجر فيهما على أن تكون حتى جارة كما في قولك أكلت السمكة حتى رأسها، وها هنا قيل حتى ظهرها قبلها، لأن الرأس داخل في أكله السمكة، وتقدير الكلام استجيب له دعاؤه ولأمته في ذنوبهم حتى الدماء والمظالم. فإن قلت: الشرط في الرفع أن يكون ما بعدها مجازاً لما قبلها، وفيه الدعاء والمظالم ليس من عين الدعاء. قلت: لا بد من التأويل، وهو أن قال إن معناه استجيب له كل ذنب لأمته حتى استجيب له في الدماء والمظالم. م: (ثم هذا الوقوف) ش: أي الوقوف بالمزدلفة م: (واجب عندنا، وليس بركن، حتى لو تركه بغير عذر يلزمه الدم) ش: وإن تركه بعذر لازدحام أو تعجيل السير إلى منى فلا شيء عليه، قاله في " المحيط "، والمبيت بمزدلفة سنة وبه قال مجاهد وعطاء وقتادة والزهري والثوري وإسحاق وأبو ثور. م: (وقال الشافعي ﵀: إنه ركن) ش: أي أن الوقوف بالمزدلفة ركن، ونسبة هذا القول إلى الشافعي غير صحيحة، لأنه ذكر في " وجيزهم " أن الوقوف بالمزدلفة سنة، قال الأترازي ﵀: إن صاحب " الهداية " وجد نقلاً صحيحاً عن الشافعي ﵀ أنه ذكر. وقال الشافعي وقال الكاكي - رحمهما الله -: نسبته لهذا القول إلى الشافعي ﵀ وقع سهواً من الكاتب لما أنه ذكر في كتبهم أنه سنة، وذكر في " المبسوط " الليث بن سعد مكان الشافعي، وفي " الأسرار " علقمة، وفي " فتاوى قاضي خان " ﵀ مالكاً مكانه، وذكر في " المحيط " مالكاً والشعبي وعلقمة، ونسبة هذا أيضاً إلى مالك ﵁ سهو، لأن

стр. 2073

لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] [١٩٨ البقرة] ، وبمثله تثبت الركنية، ولنا ما روي أنه ﵊ قدم ضعفة أهله بالليل، ولو كان ركنا لما فعل ذلك، والمذكور فيما تلا الذكر وهو ليس بركن بالإجماع، وإنما عرفنا الوجوب بقوله ﵊: «من وقف معنا هذا الموقف وقد كان أفاض قبل ذلك من عرفات فقد تم ــ [البناية] الصحيح من مذهبه أن الوقوف بها سنة، والنزول بها واجب، وكذا الوقوف مع الإمام سنة عنده. وذهب علقمة بن قيس والشعبي والنخعي والحسن البصري والأوزاعي وحماد بن أبي سليمان إلى أن الحج يفوت بفوات الوقوف بالمزدلفة، ويروى عن ابن عباس والزبير. وفي " المبسوط " وعلى قول الليث بن سعد هذا الوقوف ركن. وقالت الظاهرية: من لم يدرك مع الإمام صلاة الصبح بالمزدلفة بطل حجه إن كان رجلاً، ولو دفع عن عرفة قبل غروب الشمس فلا شيء عليه وحجه تام م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] [البقرة: الآية ١٩٨] ، وبمثله) ش: أي وبمثل هذا الأمر الذي في الآية الكريمة م: (تثبت الركنية) ش: لأنه نص قطعي، فأمر بالذكر عند المشعر الحرام والذكر يكون مع الوقوف فيكون فرضاً. م: (ولنا ما روي «أنه ﵊ قدم ضعفة أهله بالليل» ش: هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال «كان رسول الله ﷺ يقدم ضعفة أهله بغلس ويأمرهم لا يرمون الجمرة حتى تطلع الشمس» وروى البخاري ﵁ ومسلم عن سالم عن أبيه عن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقدم ضعفة أهله ... الحديث، والضعفة على وزن فعلة، جمع ضعيف ويجمع على ضعفاء أيضا وأراد به النساء والولدان والخدام. م: (ولو كان) ش: أي الوقوف بمزدلفة م: (ركنا لما فعل ذلك) ش: أي تقديم الضعفة، لأن ما كان ركناً لا يجوز تركه للعود، وفي " الإيضاح " الركن لا يثبت إلا بدليل مقطوع به، وقد أجمعت الأمة أن الوقوف بعرفة وطواف الزيارة من جملة الأركان، وفي الوقوف بمزدلفة لم ينعقد الإجماع بل الحديث ورد به م: (والمذكور فيما تلا الذكر) ش: هذا جواب عن استدلال الشافعي ﵀ بالآية، وتقديره أن المأمور به في الآية هو الذكر. م: (وهو ليس بركن بالإجماع) ش: فكذا ما كان وسيلة إليه، وهو الحضور في الوقوف م: (وإنما عرفنا الوجوب) ش: جواب عن سؤال مقدر ما يقال إذا نفيتم الركنية عن الوقوف بالمزدلفة، فمن أين يقولون بوجوبه، فقال وإنما عرفنا الوجوب، أي وجوب الوقوف بمزدلفة م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ : «من وقف معنا هذا الموقف وقد كان أفاض قبل ذلك من عرفات، فقد تم

стр. 2074

حجه» علق به تمام الحج، وهذا يصلح أمارة للوجوب، غير أنه إذا تركه بعذر بأن يكون به ضعف، أو علة، أو كانت امرأة تخاف الزحام لا شيء عليه لما روينا. قال: والمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر لما روينا من قبل. قال: فإذا طلعت الشمس أفاض الإمام والناس معه ــ [البناية] حجة» هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن عروة بن نصير، قال: قال رسول الله ﷺ : «من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى يدفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك، ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه» وأخرجه ابن حبان ﵁ في " صحيحه " والحاكم في " مستدركه " وقال: وهو الصحيح على شرط كافة أئمة الحديث. قوله - هذا الموقف - أشار به إلى موقف المزدلفة، والواو في - وقد كان - للحال قوله - أفاض - أي رجع ووقع. م: (علق) ش: أي علق رسول الله ﷺ م: (به) ش: أي بالوقوف بالمزدلفة م: (تمام الحج، وهذا) ش: أي تعليق تمام الحج بالوقوف م: (يصلح أمارة للوجوب) ش: بفتح الهمزة، أي علامة وجوب الوقوف م: (غير أنه إذا تركه) ش: إشارة من قوله - وهذا يصلح أمارة الوجوب - يعني الوقوف بمزدلفة واجب، إلا أنه إذا تركه، أي الوقوف م: (بعذر كأن) ش: أي بسبب عذر مثل الخوف من الزحام أو عروض علة من العلل، أشار إليه بقوله م: (بأن يكون به ضعف، أو علة، أو كانت امرأة تخاف الزحام لا شيء عليه لما روينا) ش: أراد به أنه ﵊ قدم ضعفه أهله بالليل. [المزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر] م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (والمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر لما روينا من قبل) ش: وهو قوله ﵊ ومزدلفة كلها موقف، وارتفعوا عن وادي محسر وفي " المحيط " وقت الوقوف بمزدلفة بعد طلوع الفجر من يوم النحر، إلا إن أسفر جداً. وفي " الأسبيجابي " لو جاوز حد المزدلفة قبل طلوع الفجر، فعليه دم إلا لعلة أو ضعف، فخاف الزحمة فدفع منها ليلا أو مر بها من غير أن يقف جاز كالوقوف بعرفة، وفي " التحفة " لو مر في حريم آخر المزدلفة جاز، ومحسر بكسر السين المشددة فاعل من حسر بالتشديد، لأن فيه أصحاب حسر فيه، [....] ، وقيل: من السير وهو واد بين منى والمزدلفة، وسمي وادي النار، يقال: إن رجلاً اصطاد فيه فنزلت نار فأحرقته، وقيل لأنه يحسر سالكيه رؤوسهم، ذكره المنذري، وحد المزدلفة ما بين ماري عرفة، وقرن بمحسر يمينا وشمالا من الشعاب والجبال، ذكره النووي - رحمهما الله - وحكم الإسراع فيه مخالفة النصارى لأنه موقفهم. م: (قال) ش: أي القدوري م: (فإذا طلعت الشمس أفاض الإمام والناس معه) ش: على هينهم.

стр. 2075

حتى يأتوا منى قال العبد الضعيف - عصمه الله تعالى -: هكذا وقع في نسخ المختصر، وهذا غلط، والصحيح: أنه إذا أسفر أفاض الإمام والناس؛ لأن النبي ﵊ دفع قبل طلوع الشمس. ــ [البناية] م: (حتى يأتوا منى. قال العبد الضعيف - عصمه الله تعالى -) ش: أي المصنف م: (هكذا وقع في نسخ المختصر، وهذا غلط، والصحيح: أنه إذا أسفر أفاض الإمام والناس) ش: معه. وقال الأترازي: هذا الذي قاله صاحب " الهداية " ﵀ صحيح، لكن الغلط وقع من الكاتب لا من القدوري ﵀، ففسره الأترازي أن الشيخ أبا النصر البغدادي ﵀، وهو من تلامذة الشيخ أبي الحسن القدوري ﵀ في هذا الموضع في الشرح بقوله، قال ثم يفيض الإمام من مزدلفة قبل طلوع الشمس والناس معه حتى يأتي منى. وأثبت الإمام أبو الحسن القدوري ﵀ في " مختصر الكرخي " مثل هذا، فقال ويفيض الإمام قبل طلوع الشمس فيأتي منى فعلم أن ذكر صاحب " الهداية " منقول في " مختصر " القدوري ﵀، فذلك سهو من الكاتب لا من القدوري، والشيخ أبو الحسن القدوري ﵀ أجل نصاً من أن تزل قدمه في هذا القدر وهو بحر جار في الفقه، وغيث مدرار في الحديث، وناهيك من دليل على غزارة علمه شرحه لمختصر القدوري ﵀ فإذا طالعته عرفت أن محله في الفقه كان عند العيوب ولا تناله يد كل أحد ويرجع طرف الناظر إلى منزلته من كلال ورمد، انتهى. قلت: هذا كله لا ينافي وقوع السهو منه لأن تعرض له كبوة، والعالم له زلة، وقد وقع من أكابر العلماء ممن تقدموا من السهو والخطأ، ومع هذا وقوع السهو لا ينافي جلالة قدره وغزارة علمه، ولكن سمعت من أستاذه الكبير يقول إن القدوري ﵀ لما فرغ من تصنيف مختصره المنسوب إليه حج، وأخذ المختصر معه، ولما فرغ من طوافه سأل الله سبحانه أن يوقفه على خطأ فيه وسهو منه عن قلم. ثم إنه فتح المختصر وتصفحه ورقة ورقة إلى آخره فوجد فيه خمسة مواضع أو ستة مواضع ممحوة، وهذا يعد من كرامته، وهذا مما يؤيد أن وقوع هذا الغلط من الكاتب لا منه والله أعلم، ومختصر القدوري ﵀ الذي عنده يقرؤه أبي وجدي وقرئ على شيخ المشايخ هكذا، والمزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر، ثم أفاض الإمام والناس قبل طلوع الشمس حتى يأتوا منى. قوله والصحيح إذا أسفر ذكره في " المحيط " محمد ﵀ الإسفار يقال إذا لم يبق من طلوع إلا مقدار ما يصلي فيه ركعتان. م: (لأن النبي ﷺ دفع قبل طلوع الشمس) ش: هذا الحديث رواه الجماعة إلا سلمان عن «عمرو بن ميمون قال: شهدت عمر ﵁ صلى بجمع الصبح ثم وقف فقال: إن

стр. 2076

قال: فيبتدئ بجمرة العقبة فيرميها من بطن الوادي بسبع حصيات مثل حصى الخذف؛ «لأن ــ [البناية] المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون أشرق ثبير، وأن النبي ﷺ خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس» و - ثبير - بفتح الثاء وكسر الباء الموحدة اسم جبل، وكانوا يقولون أشرف نهر كما يغير من الإغارة بالغين المعجمة وهو الإسراع. [رمي الجمرات] [عدد الجمرات وصفاتها] م: (قال: فيبتدئ بجمرة العقبة) ش: وفي بعض النسخ م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ فيبتدئ بجمرة العقبة - الجمرة - الحجر الصغير، وجمعها الجمار، وبها سمي المواضع التي يرمي جمار أو حجار أو حجرات لما بينهما من الملابسة. وقيل لجمع ما هنالك من الحصى من تجمر القوم إذا اجتمعوا، وسميت جمرة العقبة لأنها جبل في طريق منى كذا في " مبسوط " البكري ﵀، وذكر في " مبسوط " شيخ الإسلام إنما سميت جمرة لأن إبراهيم ﷺ لما أمر بذبح الولد جاء الشيطان يوسوسه فكان إبراهيم ﵇ يرمي إليه الأحجار طرداً له، وكان بجمع بين يديه أي يسرع في المشي. م: (فيرميها من بطن الوادي) ش: أي فيرمي الجمرة من أسفل الوادي إلى أعلاه، هكذا رواه ابن عمر وابن مسعود في " الصحيحين " والترمذي عن ابن مسعود أنه ﵇ «لما رمى جمرة العقبة جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه» وفي رواية أنه أسطن، وقال ابن مسعود ﵁ هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة، وإنما خص بسورة البقرة لأن معظم مناسك الحج فيها، ولو رماها من أعلاها جاز، والأول السنة، فإن عمر ﵁ رماها من أعلاها للزحام. وفي " البدائع " و " التحفة " يأخذ الجمار من المزدلفة أو من الطريق، وفي " المحيط " يأخذ من الطريق، وفي " مناسك " جمال الدين الحضرمي قد جرى التواتر بحمل الحصى من جبل على الطريق، فيحمل سبعين حصاة، وفي " مناسك " الكرماني ﵀ يرفع من المزدلفة سبع حصاة، لحديث الفضل هو السنة، وقال قوم يأخذ منها سبعين حصاة، ويكره كسر الحجارة إلا عن عذر، ويستحب التقاطها من الطريق والأمر في ذلك واسع لسبع حصيات مثل حصيات الخذف بالخاء والذال المعجمتين الرمي برؤوس الأصابع والحذف بالحاء المهملة الرمي بالقبض. وقال الحسن البصري في " مناسكه " حصى الحذف مثل النواة وقال الشافعي ﵀: يكون أصغر من الأنملة طولاً وعرضاً، لأن النبي ﷺ لما أتى منى لم يعرج على شيء حتى رمى جمرة العقبة، هذا في حديث جابر الطويل ﵀، فدفع قبل أن تطلع الشمس حتى وصل إلى بطن محسر، فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها. م: (بسبع حصيات مثل حصى الخذف؛ لأن النبي ﷺ لما أتى منى لم يعرج على شيء حتى رمى

стр. 2077

النبي ﵇ لما أتى منى لم يعرج على شيء حتى رمى جمرة العقبة» وقال ﵊: «عليكم بحصى الخذف، لا يؤذي بعضكم بعضا» ولو رمى بأكبر منه جاز لحصول الرمي، غير أنه لا يرمي بالكبار من الأحجار كيلا يتأذى به غيره. ولو رماها من فوق العقبة أجزأه؛ لأن ما حولها موضع النسك، والأفضل أن يكون من بطن الوادي لما روينا، ويكبر مع كل ــ [البناية] جمرة العقبة) ش: فقوله لم يعرج على شيء، أي لم يقف عنده، يقال مررت به فأعرجت عليه، أي ما وقفت وعرجت بالقاف، م: (وقال ﷺ : «عليكم بحصى الخذف، لا يؤذي بعضكم بعضا» ش: هذا الحديث رواه الطبراني ﵀ في " معجمه الأوسط " من حديث نافع عن ابن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ قال لما أتى محسراً: " عليكم بحصى الخذف» . وفي رواية ابن ماجه من حديث سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه قالت: «رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة من بطن الوادي.. الحديث، وفي آخره وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف.» م: (ولو رمى بأكبر منه) ش: أي بحجر أكبر من حصى الخذف م: (جاز لحصول الرمي، غير أنه لا يرمي بالكبار من الأحجار كيلا يتأذى به غيره) ش: وفي " المحيط " لا يستحب الكبار، وعند أحمد ﵁ لو رمى بحجر كبير لا تجزئه، وقال مالك ﵀ عنه يستحب أن يكون أكبر من حصى الخذف، وأنكر القرطبي والشافعي - رحمهما الله -، وقالا بعدما صح من قول الشارع أنه مثل حصى الخذف لا معنى لأكبر من ذلك. م: (ولو رماها من فوق العقبة أجزأه) ش: جاز لحصول الرمي، غير أنه لا يرمي بالكبار كيلا يتأذى به غيره أجزأه م: (لأن ما حولها موضع النسك) ش: لأن بعض الصحابة ﵃ كانوا يرمونها من فوق العقبة، ألا ترى أن عبد الرحمن بن زيد ﵁ قال: إن الناس يرمونها من فوقها، وأراد بالناس الصحابة والتابعين ﵃ م: (والأفضل أن يكون من بطن الوادي لما روينا) ش: وهو أنه ﷺ رمى هكذا. م: (ويكبر مع كل حصاة) ش: من الحصيات السبع، قال الناطقي ﵀ في كتاب " الأجناس " - ذكر في مناسك الحسن بن دينار - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يقول عند كل حصاة يرميها بسم الله والله أكبر، ويرمي بيد واحدة بيده اليمنى. وقال في " النوازل " يكبر مع كل حصاة، ويقول اللهم اجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً. وقال أبو عمر بن عبد

стр. 2078

حصاة، كذا روي ابن مسعود، وابن عمر ﵃. ولو سبح مكان التكبير أجزأه) لحصول الذكر، وهو من آداب الرمي، ولا يقف عندها؛ لأن النبي ﵊ لم يقف عندها. ويقطع التلبية مع أول حصاة؛ لما روينا عن ابن مسعود ﵁ ــ [البناية] البر ﵀ لا تأقيت في دعاء الرمي عند الفقهاء، وإنما هو ذكر ودعاء، وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ أنه إذا كان يرمي يقول بسم الله اللهم لك الحمد والشكر، وعن علي ﵁ أنه كان يقول كلما رمى حصاة اللهم اهدني بالهدى، وقوني بالتقوى، واجعل الآخرة خيراً لي من الأولى، والمعروف عندنا أن يقول عند كل حصاة بسم الله والله أكبر، رغماً للشيطان وحزبه ويقوم التسبيح والتهليل مقامه. م: (كذا روي ابن مسعود، وابن عمر ﵃) ش: أما حديث ابن مسعود فأخرجه البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن زيد قال عبد الله بن مسعود ﵁ جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة الحديث. وأما حديث ابن عمر ﵄ فأخرجه البخاري عن الزهري ﵁ سمعت سالماً يحدث عن أبيه «أن النبي ﷺ كان إذا رمى الجمرة رماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة» .. الحديث. م: (ولو سبح مكان التكبير أجزأه لحصول الذكر) ش: أي ذكر الله تعالى م: (وهو من آداب الرمي) ش: أي التكبير من آداب الرمي ولهذا لو سبح مكان التكبير جاز لحصول المقصود وهو الذكر م: (ولا يقف عندها) ش: أي عند جمرة العقبة م: (لأن النبي ﷺ لم يقف عندها) ش: كان إذا رمى الجمرة ... الحديث، وفيه: ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة فيرميها بسبع حصيات يكبر كلما رماها بحصاة، ثم ينصرف ولا يقف عندها. م: (ويقطع التلبية مع أول حصاة؛ لما روينا عن ابن مسعود ﵁) ش: أشار به إلى قوله فيما مضى، ولنا ما روي «أن النبي ﷺ ما زال يلبي حتى أتى جمرة العقبة» هكذا قال الأترازي، وقال مخرج الأحاديث: كأن المصنف ذهل، فإنه لم يذكر هذا عن ابن مسعود ﵁، وأما ما ذكر عند التكبير مع كل حصاة إلا أن يكون مفهوماً، فإنه قوله: يكبر مع كل حصاة، يدل على أنه قطع التلبية مع أول كل حصاة، وصرح به البيهقي في " المعرفة "، فإنه قال بعد أن ذكره من جهة مسلم: وفيه دلالة على أنه قطع التلبية بأول حصاة ثم كان يكبر مع كل حصاة، انتهى، ورمى جمرة العقبة بأول حصاة.

стр. 2079

وروى جابر أن النبي ﷺ قطع التلبية عند أول حصاة رمى بها جمرة العقبة. ثم كيفية الرمي أن يضع الحصاة على ظهر إبهامه اليمنى، ويستعين بالمسبحة ومقدار الرمي أن يكون بين الرامي، وبين موضع السقوط خمسة أذرع فصاعدا، كذا روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ لأن ما دون ذلك يكون طرحا، ولو طرحها طرحا أجزأه لأنه رمى إلى قدميه، إلا أنه مسيء لمخالفته السنة. ولو وضعها وضعا لم يجزئه؛ لأنه ليس برمي، ولو رماها فوقعت قريبا من الجمرة يكفيه؛ لأن هذا القدر مما لا يمكن الاحتراز عنه، ولو وقعت بعيدا منها لا يجزئه؛ لأنه لم يعرف قربة إلا في مكان مخصوص. ــ [البناية] م: (وروى جابر ﵁ «أن النبي ﷺ قطع التلبية عند أول حصاة رمى بها جمرة العقبة» ش: هذا الحديث لم يتعرض إليه أحد من الشراح، وهذا مفهوم ما جاء في حديث جابر الطويل ﵁ «حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة» ... الحديث. [كيفية رمي الجمرات ومقداره] م: (ثم كيفية الرمي أن يضع الحصاة على ظهر إبهامه اليمنى، ويستعين بالمسبحة) ش: أي بالسبابة وهي التي تلي الإبهام. قيل: إن المسبحة اسم جاهلي، وقال الكاكي ﵀ اختلف المشايخ في كيفية الرمي، قال بعضهم يضع الحصاة على ظهر إبهامه ويستعين بالمسبحة كأنه عاقد سبعين. وقيل يأخذها بطرف إبهامه وسبابته كأنه عاقداً ثلاثين ويرميها، وقال بعضهم يحلق سبابته ويضعها على مفصل إبهامه كأنه عاقد عشرة ويرميها وبه قال الشافعي ﵁. وفي " الفتاوي الظهيرية " قال مشايخ بخارى كيفما رمى فهو جائز، والأول أصح، كذا في " المحيط " وقيل يضع رأس الإبهام عند وسط السبابة ويرمي بظفر الإبهام، وفي " البدائع «عنه ﷺ أنه وضع إحدى سبابتيه على الأخرى كأنه يحذف وكيفما رمى جاز» . م: (ومقدار الرمي أن يكون بين الرامي، وبين موضع السقوط خمسة أذرع فصاعدا، كذا روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ لأن ما دون ذلك يكون طرحا) ش: فيكون مسبباً لمخالفة السنة م: (ولو طرحها طرحا أجزأه لأنه رمى إلى قدميه، إلا أنه مسيء لمخالفته السنة. ولو وضعها وضعا لم يجزئه؛ لأنه ليس برمي) ش: حكى القاضي عياض ﵀ عن المالكية أن الطرح والوضع لا يجزئ، قال: وقال أصحاب الرأي يجزئ الطرح ولا يجزئ الوضع. قال: ووافقنا أبو ثور إلا أنه قال: إن كان يسمى الطرح رمياً أجزأه. وحكى إمام الحرمين عن بعض أصحاب الشافعي ﵀ أنه يكفي الوضع. م: (ولو رماها فوقعت قريبا من الجمرة يكفيه؛ لأن هذا القدر مما لا يمكن الاحتراز عنه، ولو وقعت بعيدا منها لا يجزئه؛ لأنه) ش: أي لأن الرمي م: (لم يعرف قربة إلا في مكان مخصوص) ش: وهو الجمرة، لأن نفس الرمي ليس بقربة فلا يقع قربة إلا في المكان المخصوص الذي عينه الشارع.

стр. 2080

ولو رمى بسبع حصيات جملة، فهذه الجملة واحدة؛ لأن المنصوص عليه تفرق الأفعال، ويأخذ الحصاة من أي موضع شاء، إلا من عند الجمرة فإن ذلك يكره؛ لأن ما عندها من الحصى مردود، هكذا جاء في الأثر فيتشاءم به ــ [البناية] م: (ولو رمى بسبع حصيات جملة، فهذه واحدة) ش: أي رمية واحدة فعليه أن يأتي بالبقية م: (لأن المنصوص عليه تفرق الأفعال) ش: أي لأن المنصوص هو فعل الرمي بسبع حصيات متفرقات لا عين الحصيات. وقال الحاكم الشهيد في " الكافي ": وإن رماها بأكثر من سبع لم تضره تلك الزيادة م: (ويأخذ الحصى من أي موضع شاء، إلا من عند الجمرة، فإن ذلك يكره) ش: وبه قال الشافعي ﵀، وقال أحمد ﵀ وابن شعبان المالكي لا يجوز. وقال الحاكم الشهيد في " الكافي " فإن رماها بحصاة أخذها من عند الجمرة أجزأه، وقد أساؤوا. وقال القدوري ﵀ في " شرحه "، فإن رمى بحجر من الجمرة جاز، وقال مالك ﵀: لا يجوز. لنا أن الرمي لا يغير صفة الحجر، فجاز الرمي كما جاز في الابتداء بخلاف الماء المستعمل عندنا حيث لا يجوز استعماله ثانياً لأنه انتقلت النجاسة إليه بالاستعمال، وقال القدوري: والعجب من مالك ﵀ حيث جوز الوضوء بالماء المستعمل وإن كان الاستعمال يغير اسم الماء ومنع الرمي بالحجر وإن كان الرمي لا يغير صفته، انتهى. قلت: ذكر الكاكي مالكاً والشافعي - رحمهما الله - ينافي هذه المسألة. م: (لأن ما عندها من الحصى مردود) ش: أي لأن ما عند الجمرة من الحصى مردود لم يقبل الله من راميه م: (هكذا جاء في الأثر) ش: أي بكونه مردوداً جاء الحديث م: (فيتشاءم به) ش: أي فيعد مشئوماً مانعاً إلا به، والأثر أخرجه أبو نعيم في " دلائل النبوة " عن عبد الله بن خراش عن العوام عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما قبل حج امرئ إلا رفع حصاه» ، ورواه إسحاق بن راهويه في " مسنده " عن ابن عباس ﵄ قال في حصى الجمار ما قبل منه رفع وما لا يقبل منه ترك، وروى ابن أبي شيبة أيضاً نحوه موقوفاً. وروى الحاكم في " مستدركه " والدارقطني في " سننه " عن يزيد بن سنان عن زيد بن أبي شيبة عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ﵁ عن أبي سعيد الخدري قال: «قلنا يا رسول الله ﷺ هذه الجمار التي يرمى بها كل عام فنحسب أنها تنقص فقال إن ما قبل منها رفع ولولا ذلك لرأيتها أمثال الجبال» قال الحاكم ﵁ حديث

стр. 2081

ومع هذا لو فعل أجزأه، لوجود فعل الرمي، ويجوز الرمي بكل ما كان من أجزاء الأرض عندنا خلافا للشافعي ﵀ ــ [البناية] صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ويزيد بن سنان ليس بالمتروك. وأعله الشيخ في " الإمام " بأن يزيد بن سنان فيه مقال. وقال صاحب " التنقيح " هذا حديث لا يثبت، فإن أبا فروة يزيد بن سنان ضعفه الإمام أحمد والدارقطني - رحمهما الله - وغيرهما، وتركه النسائي وغيره. ورواه ابن أبي شيبة في " منصفه " موقوفاً على أبي سعيد، وقال ما تقبل من حصى الجمار رفع، والكاكي ﵀ ذكر هنا عند قوله، هكذا جاء الأثر قال ﷺ «من قبلت حجته رفعت جمرته» وعن سعيد بن جبير ﵀ قال: قلت لابن عباس ﵄ ما بال الجمار ترمى من وقت الخليل ﷺ [.....] لسد الأفق، فقال أما علمت أن من تقبل حجته ترفع حصاه، ومن لم تقبل حجته ترك حصاه. قال مجاهد لما سمعت هذا منه جعلت على حصياتي علامة، ثم توسطت الجمرة من كل جانب فلم أجدها، كذا في " المبسوط " وقال الأترازي هنا: ولا يأخذ من الجمار التي رميت عند الجمرة لما قيل إنها حصى من لم تقبل حجته، فإن من قبلت حجته رفعت جمرته، وقال: وقد روي عن سعيد بن جبير ﵁ أنه قال لابن عباس، فذكر مثل ما ذكره الكاكي إلى قوله [ ] ، وقال ابن عباس: أما علمت أن من قبل حجته رفع حصاه، انتهى. قلت: كل هذا من عدم اطلاعهم على كتب الحديث وما آفة ذاك إلا من التقليد. م: (ومع هذا) ش: أي وعلى ما ذكرنا من أن أخذه الحصى من عند الجمرة مكروه م: (لو فعل) ش: أي لو أخذ من موضع الجمرة م: (أجزأه لوجود فعل الرمي) ش: لأن المقصود التشبه بإبراهيم ﷺ في إهانة الشيطان وإنه حاصل. م: (ويجوز الرمي بكل ما كان من أجزاء الأرض عندنا) ش: سواء كان مدراً أو طيناً أو يابساً أو قبضة تراب، وفي السروجي وكذا المغرة والنورة والزرنيخ والأحجار النفيسة كالياقوت والزمرد والبلخش ونحوها والملح الحيلي والكحل والزبرجد والبلور والعقيق والفيروز، بخلاف الحشيش والعنبر واللؤلؤ والذهب والفضة والجواهر وهي كبار اللؤلؤ فإنها ليست من أجزاء الأرض، وبقولنا قال الثوري. م: (خلافا للشافعي ﵀) ش: فإنه عنده لا يجوز إلا بالحجر، وفي " السروجي " وعند الشافعي ﵀ المرمر والدام، والكران وحجر النورة قبل أن يطبخ، وحجر الحديد على

стр. 2082

لأن المقصود فعل الرمي، وذلك يحصل بالطين كما يحصل بالحجر، بخلاف ما إذا رمى بالذهب أو الفضة فإنه لا يجوز، لأنه يسمى نثارا لا رميا. قال: ثم يذبح إن أحب ثم يحلق أو يقصر لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نرمي ثم نذبح، ثم ــ [البناية] المذهب الصحيح، ومما يتخذ منه الفصوص كالفيروزج والياقوت والعقيق والبلور والزبرجد في أصح الوجهين، وهو قول أحمد ﵀ و [.....] مع أنه نوع من الحجر. وبقول الشافعي ﵀ قال مالك: وقال القاضي من الحنابلة لا يجوز بالدام والحام والكران، وعن أحمد ﵀ لا يجوز الحجر الكبير، وذهب أبو داود إلى أنه يجوز بكل شيء حتى البعرة والعصفور الميت، وقال ابن المنذر ﵀ لا يجوز إلا بالحصى، ذكره القرطبي. م: (لأن المقصود فعل الرمي) ش: هذا تعللينا، ولم يذكر تعليل الشافعي ﵀، هو يقول أن المأثور هو الحجر م: (وذلك) ش: أي المقصود من الرمي م: (يحصل بالطين كما يحصل بالحجر) ش: والمقصود هو إهانة الشيطان وهو يحصل بكل ما كان مهاناً في نفسه من أجزاء الأرض، هكذا ذكره الأترازي ﵀، وقال الكاكي: المقصود التشبه بإبراهيم ﷺ في إهانة الشيطان، انتهى. قلت: في كلام كل منهما نظر، أما كلام الأترازي ﵀ فإنه قال بكل ما كان مهانا في نفسه، فالياقوت والزمرد والبلخش والزبرجد والبلور والعقيق والفيروزج عزيزة في أنفسها غير مهانة، فعلى تعليله ينبغي أن لا يجوز الرمي بهذه الأشياء، وأما كلام الكاكي ﵀ فإنه قال: المقصود التشبه بإبراهيم ﷺ ، ففي الرمي بهذه الأشياء لا يوجد التشبه. م: (بخلاف ما إذا رمى بالذهب أو الفضة، فإنه لا يجوز، لأنه يسمى نثارا لا رميا) ش: فيه نظر، لأن فيه الرمي حقيقة، بل قوله - لأنه يسمى نثاراً - صحيح، وقال الأترازي ﵀، لأنه نثار لا رمي، فلم يدل على الإهانة، بل على الإعزاز، وفيه أيضاً نظر، لأن الإعزاز في الياقوت ونحوه مما ذكرنا أقوى وأشد وأظهر فعلى كلامه ينبغي أن لا يجوز ومع هذا يجوز. [ذبح الهدي والحلق والتقصير للحاج] م: (قال) ش: أي القدوري ﵀ م: (ثم يذبح) ش: بعد رمي جمرة العقبة م: (إن أحب) ش: أي الذبح، يعني إن شاء، وأما على المحبة باعتبار الدم على المفرد مستحب لا واجب، والكلام في المفرد لا في القارن والمتمتع، فإن الدم واجب عليهما م: (ثم يحلق أو يقصر) ش: إنما تردد بين الحلق والتقصير، لأن أحدهما واجب، سواء كان مفرداً أو قارناً أو متمتعاً، لكن الحلق أفضل، وفي " المبسوط " أنه خير بين الحلق والتقصير إذا لم يكن شعره ملبداً أو معقوصاً أو مصفراً، فإن كان لا يتخير بل يلزمه الحلق، وبه قال الشافعي ﵀ في القديم وأحمد وقال في الجديد يجوز القصر. م: (لما روي عن رسول الله ﷺ قال: " إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نرمي، ثم نذبح ثم نحلق ") ش: هذا

стр. 2083

نحلق» ولأن: الحلق من أسباب التحلل، وكذا الذبح حتى يتحلل به المحصر، فيقدم الرمي عليهما، ثم الحلق من محظورات الإحرام فيقدم عليه الذبح، وإنما علق الذبح بالمحبة لأن الدم الذي يأتي به المفرد تطوع، والكلام في المفرد، والحلق أفضل؛ لقوله ﷺ : «رحم الله المحلقين» قاله ثلاثا ... الحديث ظاهر بالترحم عليهم ــ [البناية] غريب، وأخرجه الجماعة إلا ابن ماجه عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك ﵏ «أن رسول الله ﷺ أتى منى وأتى الجمرة ورماها ثم أتى منزله منى فنحر ثم قال للحلاق خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس» . م: (ولأن: الحلق من أسباب التحلل، وكذا الذبح حتى يتحلل به المحصر) ش: أي الذبح أيضاً من أسباب التحلل كالحلق، وهكذا يتحلل به المحصر، وليس عليه حلق أو تقصير في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - على ما يجيء بيانه في باب الإحصار م: (فيقدم الرمي عليهما) ش: أي على الذبح م: (ثم الحلق من محظورات الإحرام) ش: أي من ممنوعاته م: (فيقدم عليه الذبح) ش: أي على الحلق، فأخر لذلك م: (وإنما علق الذبح بالمحبة) ش: أي إنما علق القدوري الذبح بقوله إن أحب. م: (لأن الدم الذي يأتي به المفرد تطوع) ش: لأنه مسافر م: (والكلام) ش: يعني في هذا الباب م: (في المفرد) ش: يعني في الحاج المفرد وقد ذكرنا هذا عن قريب م: (والحلق أفضل) ش: أي من التقصير م: (لقوله ﷺ : «رحم الله المحلقين، قاله ثلاثاً» ... الحديث) ش: هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «رحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله» . وفي رواية البخاري «لما كان الرابعة قال: و " المقصرين» قوله الحديث - بالنصب، أي آخر الحديث إلخ، ويجوز رفعه على أنه مبتدأ محذوف الخبر م: (ظاهر بالترحم عليهم) ش: أي ظاهر النبي ﷺ بالترحم على المحلقين. قال الأكمل: أي كرر الترحم عليهم، وقال الكاكي: المراد به ها هنا التلفظ به مراراً، يعني كرر لفظ رحم الله، وهو قريب من الأول، قال تاج الشريعة حيث قال: ثلاث مرات حيث قال رحم الله المحلقين من ظاهر بين الثوبين، إذ ليس أحدهما فوق الآخر. قلت: ظاهر من باب المفاعلة وأصله للمشاركة بين اثنين، وها هنا ليس كذلك، بل هو بمعنى فعل كما في قَوْله تَعَالَى ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣] أي أسرعوا، وفي الحديث ظاهر بين درعين، أي ظهر بينهما معناه ليس أحدهما فوق الآخر، ومنه بارز علي ﵁ يوم بدر، أي نصر وأعان، وقال الأترازي ﵀: قوله ظاهر الحديث بالترحم عليهم، ورفع لفظ الحديث، فيدل على أن لفظ الحديث هو فاعل، وظاهر فعله، وبالترحم في محل المفعول وليس كذلك، بل فاعل ظاهر هو النبي ﷺ لما ذكرنا فافهم.

стр. 2084

ولأن الحلق أكمل في قضاء التفث وهو المقصود، وفي التقصير بعض التقصير، فأشبه الاغتسال مع الوضوء، ويكتفى في الحلق بربع الرأس اعتبارا بالمسح، وحلق الكل أولى اقتداء برسول الله ﷺ وفي التقصير أن يأخذ من رؤوس شعره مقدار الأنملة. ــ [البناية] م: (لأن الحلق أكمل في قضاء التفث) ش: أي في إزالة الوسخ، لأن قضاء التفث قص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة، والتفث بالفتحات الوسخ، ومادته بالمثناة من فوق وفاء وتاء مثلثة، وكون الحلق أكمل إجماع، واختلف فيمن وجب عليه الحلق، وليس على رأسه شعر، قيل يجب عليه إمرار الموسى على رأسه، وبه قال مالك وبعض أصحاب الشافعي - رحمهما الله -، لأن الواجب عليه إمرار الموسى على رأسه وإزالة الشعر، إلا أنه عجز عن أحدهما وقدر على الآخر، فما قدر عليه بقي وما عجز عنه سقط، وقال بعضهم يستحب وبه قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله - م: (وهو المقصود) ش: أي إزالة التفث هو المقصود. م: (وفي التقصير بعض التقصير) ش: أي في تقصير شعر رأسه بعض التقصير في إقامة السنة وإنما قيد بالبعض لأن كلاً من الحلق والتقصير جائز، ولكن الحلق أفضل من التقصير، وفيه نوع قصور م: (فأشبه الاغتسال مع الوضوء) ش: فإن المغتسل إذا ترك الوضوء واكتفى بغسله فإنه يجوز، ولكن الأفضل أن يتوضأ أولاً ثم يغتسل، فإن في ترك الوضوء نوع قصور. م: (ويكتفي في الحلق بربع الرأس اعتبارا بالمسح) ش: في الوضوء، لأن الربع يقوم مقام الكل م: (وحلق الكل أولى اقتداء برسول الله ﷺ ) ش: أي أفضل، وبه قال الشافعي ﵀، وعنده أقل ما يجزئ ثلاث شعرات أو يقصر بها، وقال مالك وأحمد - رحمهما الله - بحلق الكل أو الأكثر بناء على مسح الرأس، وفي حمل النوازل حلق كله مسنون. م: (وفي التقصير أن يأخذ من رؤوس شعره مقدار الأنملة) ش: وهذا التقدير مروي عن ابن عمر ﵄، وعليه إجماع الأمة والمرأة فيه كالرجل. وفي " الولوالجي " تقصر ربع رأسها مقدار الأنملة - وكذا الرجل تأخذ من كل قرن بقدر الأنملة، ولو تنور حتى زال شعره فهو كالحلق، وبه قال الشافعي ﵀، ومن لا شعر له لو أمر موسى لا يأخذ من لحيته أو شاربه. وقال الشافعي ﵀ يأخذ استحباباً، وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله - لأن ابن عمر ﵄ فعل ذلك. قلنا: فعل ذلك اتفاقاً لا قصداً، والحلق من يمين الحالق، وعند الشافعي ﵀ من يمين المحلوق، فاعتبرنا يمين المحلوق، وقال الكرماني ذكره بعض أصحابنا ولم يعزه إلى أحد، بل الأولى اتباع السنة، فإنه ﵇ بدأ بيمينه. وقال الكاكي: وقد أخذ أبو حنيفة ﵀ بقول الحجام حين قال أذن الشق الأيمن من رأسه وفيه حكاية معروفة.

стр. 2085

وقد حل له كل شيء إلا النساء. وقال مالك ﵀: وإلا الطيب أيضا؛ لأنه من دواعي الجماع. ولنا قوله ﷺ فيه: «حل له كل شيء إلا النساء» ــ [البناية] قلت: الحكاية هي ما روي عن وكيع قال: قال أبو حنيفة ﵀: أخطأت في ستة أبواب من المناسك علمنيها حجام، وذلك حين أردت أن أحلق رأسي وقفت على حجام، فقلت له بكم تحلق رأسي؟ فقال لي: أعرابي أنت، فقلت: نعم، قال النسك لا يشترط عليه، اجلس، فجلست منحرفاً عن القبلة، فقال لي حول وجهك إلى القبلة، فحولت وأردت أن يحلق رأسي من الجانب الأيسر، فقال لي أدر الشق الأيمن من رأسك، فأدرته، فجعل يلحق وأنا ساكت، فقال لي كبر، فجعلت أكبر حتى قمت لأذهب، فقال: رأيت عطاء بن أبي رباح يفعل هذا، أخرجه أبو الفرج في مسير القوم الساكن إلى أشرف الأماكن اقتداء برسول الله ﷺ . أخرج الجماعة إلا ابن ماجه عن ابن سيرين عن أنس بن مالك قال: «لما رمى رسول الله ﷺ الجمرة ونحر نسكه وحلق ناول الحالق شقه الأيمن، فحلقه ثم دعا أبا طلحة الأنصاري ﵁ فأعطاه ثم ناوله الآخر، فقال احلق فحلقه أبو طلحة، فقال: " اقسمه بين الناس» ، والتقصير أن يأخذ من رؤوس شعره مقدار الأنملة وقد مر الآن. [التحلل الأصغر والأكبر للحاج] م: (وقد حل له) ش: أي لهذا الحاج المفرد م: (كل شيء) ش: من محظورات الإحرام م: (إلا النساء) ش: قال الأترازي: الرواية بنصب - النساء - لأنه مستثنى من الموجب. م: (وقال مالك ﵀: وإلا الطيب أيضاً) ش: وبه قال الشافعي ﵀ في قوله وقال الليث إلا النساء والصيد، كذا في " شرح مختصر الكرخي " م: (لأنه) ش: أي الطيب م: (من دواعي الجماع) ش: كالمس والقبلة، ولهذا حرم الطيب على المعتدة وروي عن عمر ﵁ أنه قال: لا يحل الطيب. م: (ولنا قوله ﷺ ) ش: أي قول النبي ﷺ م: (فيه) ش: أي فيمن رمى وحلق وذبح م: (حل له كل شيء إلا النساء) ش: هذا أخرجه الطحاوي ﵀ في " شرح الآثار " بإسناده إلى عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء» . وروى أبو داود عن حجاج بن أرطاة عن الزهري عن عمرة عن عائشة قالت، قال رسول الله ﷺ : «إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء» ، قال أبو داود: هذا الحديث ضعيف، والحجاج بن أرطاة لم ير الزهري ولم يسمع منه.

стр. 2086

وهو مقدم على القياس. ولا يحل له الجماع فيما دون الفرج عندنا، خلافا للشافعي ﵀ لأنه قضاء الشهوة بالنساء فيؤخر إلى تمام الإحلال. ثم الرمي ليس من أسباب التحلل عندنا، خلافا للشافعي ﵀ هو يقول: إنه يتوقت بيوم النحر كالحلق فيكون بمنزلته في التحليل. ولنا أن ما يكون محللا يكون جناية في غير أوانه كالحلق، والرمي ليس بجناية في غير أوانه، بخلاف الطواف؛ لأن التحلل بالحلق السابق لا به. ــ [البناية] م: (وهو مقدم على القياس) ش: أي الحديث مقدم على القياس الذي قاسه مالك، حيث لم يجوز الطيب بالقياس، وقال الجماع لا يحل له بعد الحلق قبل الطواف، فكذا الطيب. لأنه من دواعي الجماع، وجوابه هو قوله - وهو مقدم على القياس - حاصله لا نسلم بأن الطيب من دواعي الجماع، ولئن سلمنا لكن نقول العمل بخبر الواحد أولى من العمل بالقياس، لأن الشبهة في القياس في أصله وفي خبر الواحد في نقله لا في أصله. م: (ولا يحل له الجماع فيما دون الفرج عندنا) ش: كالبطن ونحوه م: (خلافا للشافعي ﵀) ش: فإن عنده في أحد قوليه يحل الجماع فيما دون الفرج والمباشرة م: (لأنه) ش: أي لأن الجماع فيما دون الفرج م: (قضاء الشهوة بالنساء فيؤخر إلى تمام الإحلال) ش: وهو بعد الطواف. م: (ثم الرمي) ش: أي رمي جمرة العقبة م: (ليس من أسباب التحلل عندنا) ش: وقبل الحلق م: (خلافا للشافعي ﵀) ش: فعنده يتحلل بعد الرمي، ويحل له كل شيء إلا النساء م: (هو) ش: أي الشافعي ﵀ م: (يقول: إنه) ش: أي إن التحلل م: (يتوقت بيوم النحر كالحلق) ش: فإنه يحل له بعد الرمي، وهو من محظورات الإحرام م: (فيكون) ش: أي الرمي م: (بمنزلته) ش: أي بمنزلة الحلق م: (في التحليل) ش: لأن كل ما هو يتوقت بيوم النحر فهو محلل كالحلق. م: (ولنا أن ما يكون محللا يكون جناية في غير أوانه) ش: لأن كل ما هو يتوقت بيوم النحر فهو محلل، لأن قبل أوانه فيه صفة الحظر كالسلام في الصلاة فإنه في غير أوانه جناية م: (كالحلق والرمي ليس بجناية في غير أوانه) ش: فإن قلت: يشكل على هذا دم الإحصار فإنه للتحلل وهو ليس محظور الإحرام. قلت: قال في " النهاية ": الأصل فيما شرع هو الذي ذكر في الكتاب، وهو أن يكون محظور الإحرام، وأما دم الإحصار فهو ليس بأصل في التحلل، وإنما صير إليه لضرورة المنع. م: (بخلاف الطواف) ش: هذا جواب عما يقال الطواف محلل في حق النساء وليس بمحظور الإحرام، وتقديره هو قوله م: (لأن التحلل) ش: في حق النساء إنما وقع م: (بالحلق السابق لا به) ش: أي لا بالطواف، إلا أن الحلق قد يراعى بعض حكمه، وذلك في حق النساء يكون

стр. 2087

قال: ثم يأتي مكة من يومه ذلك، أو من الغد، أو من بعد الغد، فيطوف بالبيت طواف الزيارة سبعة أشواط، لما روي أن النبي ﷺ لما حلق أفاض إلى مكة فطاف بالبيت ثم عاد إلى منى وصلى الظهر بمنى. ووقته أيام النحر؛ لأن الله تعالى عطف الطواف على الذبح قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨] (٢٨ الحج) ، ثم قال ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ــ [البناية] الطواف مؤدى في الإحرام ليظهر كونه ركناً. فإن قلت: روي في السنن عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: «إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء» . قلت: قد مر هذا الحديث مع جوابه. [طواف الزيارة] م: (ثم يأتي مكة من يومه ذلك) ش: وفي بعض النسخ م: (قال: ثم يأتي مكة) ش: قال: أي القدوري ﵀ ثم يأتي الحاج المفرد مكة من يومه ذلك، يعني يوم النحر م: (أو من الغد) ش: أي أو يأتي من يوم الغد، وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة م: (أو من بعد الغد) ش: وهو اليوم الثاني عشر من ذي الحجة م: (فيطوف بالبيت طواف الزيارة سبعة أشواط، لما روي «أن النبي ﷺ لما حلق أفاض إلى مكة، فطاف بالبيت ثم عاد إلى منى، وصلى الظهر بمنى» ش: هذا الحديث أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمر ﵂ عن نافع عن ابن عمر ﵄ «أنه ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى.» فإن قلت: في حديث جابر الطويل ﵁ أنه صلى يوم النحر بمكة ولفظه قال ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر ... الحديث. قلت: قال ابن حزم ﵀ وأحد الخبرين وهم، إلا أن الغالب أنه صلى الظهر بمكة لوجود ذكرها، وقال غيره يحتمل أنه أعادها لبيان الجواز. وقال أبو الفتح اليعمري في " سيرته ": وقع في رواية ابن عمر ﵄ «أن النبي ﷺ رجع في يومه إلى منى فصلى الظهر» وقالت عائشة ﵂ وجابر ﵁ صلى الظهر ثم اليوم بمكة، ولا شك أن أحد الخبرين وهم ولا ندري أيهما لصحة الطريق في ذلك. م: (ووقته) ش: أي وقت طواف الزيارة م: (أيام النحر) ش: وهي ثلاثة أيام العاشر والحادي عشر، والثاني عشر م: (لأن الله تعالى عطف الطواف على الذبح قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨] (الحج: الآية ٢٨) ش:، ثم قال ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ش: أي قال الله ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]

стр. 2088

فكان وقتهما واحدا، وأول وقته بعد طلوع الفجر من يوم النحر؛ لأن ما قبله من الليل وقت الوقوف بعرفة والطواف مرتب عليه، وأفضل هذه الأيام أولها كما في التضحية ــ [البناية] ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] (الحج: الآية ٢٨) ، والمراد بالذكر والله أعلم التسمية على ما ينحر لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨] ليس بأمر لازم، إن شاء أكل من أضحيته، وإن شاء لم يأكل، وهذا الأمر كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] (المائدة: الآية ٢) ، فإن مثل هذا الأمر للإباحة سعة لنا، وإذا قلنا بالوجوب يعود علينا. قوله - البائس - هو الذي له بؤس، وهو شدة الفقر، يقال بئس الرجل، وبئس إذا صار ذا بؤس. قوله تفثهم التفث الأخذ من الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والأخذ من الشعر وكأنه الخروج من الإحرام إلى الإحلال، والبيت العتيق القديم، سمي به لأنه أعتق من الغرق أيام الطوفان، وقيل: إنه أعتق من الجبابرة فلم يغلب عليه جبار، وقيل: لأنه لم يدعه أحد من الناس. قوله ثم قال وليطوفوا بالبيت العتيق فإنه عطف النحر، والنحر مؤقت بأيام النحر. م: (فكان وقتهما واحداً) ش: أي وقت النحر والطواف، لأن حكم المعطوف حكم المعطوف عليه، إلا أن الأضحية لم تشرع بعد أيام النحر والطواف مشروع بعد ذلك. فإن قلت: هذا الطواف يجوز أداؤه بعد أيام النحر، ولو كان مؤقتاً لما جاز القضاء بعد الوقت كرمي الجمار والوقوف بعرفة. قلت: إنما لا يجوز قضاؤهما بعد الوقت لا لأنهما مؤقتان، بل لأن القضاء شرع بالتطوع، والتطوع بهما غير مشروع، بخلاف التطوع بالطواف، فإنه مشروع، كذا في " مبسوط " البكري. م: (وأول وقته) ش: أي أول وقت طواف الزيارة م: (بعد طلوع الفجر من يوم النحر لأن ما قبله من الليل وقت الوقوف بعرفة، والطواف مرتب عليه) ش: أي على الوقوف، وبقولنا قال مالك وقال الشافعي ﵀ أول وقته إذا انتصف الليل من ليلة النحر، وبه قال أحمد، وآخر وقته اليوم الثاني من أيام التشريق، فإن أخره عنها طاف وعليه دم عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: لا شيء عليه، وفي " شرح القدوري ": آخره آخر أيام التشريق عند أبي حنيفة ﵀ وعندهما آخره غير موقت، وبه قال الشافعي وأحمد وقال مالك ﵀ آخره بمضي ذي الحجة، وعن الشافعي وأحمد - رحمهما الله - أول وقته من نصف الليل، وأفضله ضحى نهاره، وآخره غير مؤقت. م: (وأفضل هذه الأيام) ش: أي أيام النحر م: (أولها كما في الأضحية) ش: فإن التضحية في

стр. 2089

ففي الحديث "أفضلها أولها". فإن كان قد سعى بين الصفا والمروة عقيب طواف القدوم لم يرمل في هذا الطواف ولا سعي عليه، وإن كان لم يقدم السعي رمل في هذا الطواف وسعى بعده؛ لأن السعي لم يشرع إلا مرة، والرمل ما شرع إلا مرة في طواف بعده سعي. ويصلي ركعتين بعد هذا الطواف؛ لأن ختم كل طواف بركعتين فرضا كان الطواف أو نفلا لما بيناه. قال: وقد حل له النساء، ولكن بالحلق السابق إذ هو المحلل لا بالطواف، إلا أنه أخر عمله في حق النساء. قال: وهذا الطواف هو المفروض في الحج، وهو ركن فيه، إذ هو المأمور به في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] (٢٩ الحج) ، ويسمى طواف الإفاضة، وطواف الزيارة ــ [البناية] أول أيام النحر أفضل م: (ففي الحديث أفضلها) ش: أي وجاء في حديث النبي ﷺ أفضل التضحية أول أيامها، وهذا الحديث غريب جداً، يعني لم يثبت، والأولى أن يقال هذا بالإجماع. م: (فإن كان قد سعى بين الصفا والمروة عقيب طواف القدوم لم يرمل في هذا الطواف) ش: أي طواف الزيارة م: (ولا سعي عليه) ش: أي بين الصفا والمروة م: (وإن كان لم يقدم السعي) ش: يعني عقيب طواف القدوم م: (رمل في هذا الطواف وسعى بعده؛ لأن السعي لم يشرع إلا مرة، والرمل ما شرع إلا مرة في طواف بعده سعي) ش: والأصل هنا أن السعي الواجب في الحج موضعه طواف الزيارة، لأنه ذكره في الحج، فيتبعه ما هو الواجب، بخلاف طواف القدوم، فإنه سنة فلا يتبعه ما هو الواجب، لأنه أعلى من السنة فلا يصح أن يكون تبعاً لها، إلا أنه جاز تقديم السعي وفعله عقيب طواف القدوم رخصة طلباً للتخفيف، لأن يوم النحر يوم الاشتغال في الأفعال، فإذا لم يترخص بتقديم السعي عقيب طواف الزيارة لأنه هو العزيمة والأصل في الرمل أن كل طواف بعده سعي ففيه رمل، وكل طواف لا سعي بعده فلا رمل فيه. م: (ويصلي ركعتين بعد هذا الطواف) ش: أي بعد طواف الزيارة م: (لأن ختم كل طواف بركعتين فرضا كان الطواف أو نفلا لما بيناه) ش: أي في طواف القدوم وهو قوله ﷺ " وليصل الطائف لكل أسبوع ركعتين " م: (قال: وقد حل له النساء) ش: وفي بعض النسخ قال أي القدوري ﵀: وقد حل له النساء، أي بعد الطواف م: (ولكن بالحلق السابق إذ هو المحلل لا بالطواف، إلا أنه أخر عمله في حق النساء) ش: أي إلا أن الشأن أو الحلق آخر عمله في آخر عمله النساء، لأن الطواف لا يصلح للتحلل، وهذا كالطلاق الرجعي فإنه محرم إلا أنه أخر عمله إلى انقضاء العدة، فإن الفرقة بعد انقضائها تضاف إلى الطلاق لا إلى الانقضاء. م: (قال: وهذا الطواف) ش: أي طواف الزيارة م: (هو المفروض في الحج، وهو ركن فيه) ش: أي في الحج م: (إذ هو المأمور به في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] (الحج: الآية ٢٨) ش:، ويسمى طواف الإفاضة) ش: عند أهل الحجاز م: (وطواف الزيارة) ش: عند أهل العراق م:

стр. 2090

وطواف يوم النحر. ويكره تأخيره عن هذه الأيام لما بينا أنه موقت بها وإن أخره عنها لزمه دم عند أبي حنيفة ﵀، وسنبينه في باب الجنايات إن شاء الله تعالى. قال: ثم يعود إلى منى فيقيم بها؛ لأن النبي ﷺ رجع إليها كما روينا، ولأنه بقي عليه الرمي وموضعه بمنى، فإذا زالت الشمس من اليوم الثاني من أيام النحر رمى الجمار الثلاث فيبدأ بالتي تلي مسجد الخيف فيرميها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عندها، ثم يرمي التي تليها من ذلك ويقف عندها، ثم يرمي جمرة العقبة كذلك ولا يقف عندها ــ [البناية] (وطواف يوم النحر) ش: أي ويسمى أيضاً يوم النحر، ويسمى أيضاً طواف يوم النحر، ويسمى أيضاً طواف الركن م: (ويكره تأخيره عن هذه الأيام) ش: أي عن أيام النحر م: (لما بينا أنه مؤقت بها) ش: أي بأيام النحر، وهو ما ذكره بقوله ووقته أيام النحر. م: (وإن أخره) ش: أي إن أخر هذا الطواف م: (عنها) ش: أي عن أيام النحر م: (لزمه دم عند أبي حنيفة ﵀، وسنبينه في باب الجنايات إن شاء الله تعالى. قال) ش: أي قال القدوري - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - م: (ثم يعود) ش: أي من مكة بعد طواف الزيارة م: (إلى منى فيقيم بها؛ لأن النبي ﷺ رجع إليها) ش: أي إلى منى م: (كما روينا) ش: وهو ما ذكره قبل هذا بقوله وروي «أن النبي ﷺ لما حلق أفاض إلى مكة فطاف» قيل هذا كقوله «روي أن النبي ﷺ طاف بالبيت ثم عاد إلى منى وصلى الظهر بمنى» م: (ولأنه) ش: أي ولأن الحاج م: (بقي عليه الرمي وموضعه بمنى) ش: وفي " شرح مختصر الكرخي " قال القدوري، قال أصحابنا: إذا بات بمكة فقد أساء ولا شيء عليه. وقال الشافعي ﵀ إن بات ليلة فعليه مد، وإن بات ليلتين فعليه مدان، وإن بات ثلاث ليال فعليه دم. م: (فإذا زالت الشمس من اليوم الثاني من أيام النحر رمى الجمار الثلاث فيبتدئ بالتي) ش: أي بالجمرة التي م: (تلي مسجد الخيف) ش: وهو مسجد إبراهيم ﷺ ، قال في " الديوان " الخيف ما يحد من غلظ الجبل وارتفع عن سبيل الماء، ومنه سمي مسجد الخيف، وفي " المغرب " بالسكون المكان المرتفع نحو خيف منى، أو الذي اختلفت ألوان حجارته، ومنه حديثه ﷺ : " نحن نازلون بخيف بني كنانة " يعني المحصب. قلت: الخيف خيفان، خيف منى، وخيف بني كنانة، قوله - بالجمرة التي تلي مسجد الخيف - المراد بالجمرة موضعها، بدليل قوله م: (فيرميها بسبع حصيات) ش: أي يرمي الجمرة، أي موضعها بسبع حصيات م: (يكبر مع كل حصاة، ويقف عندها) ش: أي عند الجمرة الأولى. م: (ثم يرمي التي) ش: أي الجمرة التي م: (تليها) ش: أي تلي جمرة مسجد الخيف م: (من ذلك) ش: يعني بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة م: (ويقف عندها) ش: أي عند الجمرة الثانية، وهي التي تلي الجمرة التي تلي مسجد الخيف م: (ثم يرمي جمرة العقبة كذلك) ش: أي حصيات م: (ولا يقف عندها) ش: أي عند جمرة العقبة.

стр. 2091

هكذا روى جابر ﵁ فيما نقل من نسك رسول الله ﵊ مفسرا، ويقف عند الجمرتين في المقام الذي يقف فيه الناس، ويحمد الله تعالى، ويثني عليه، ويهلل، ويكبر، ويصلي على النبي ﷺ ، ويدعو الله تعالى بحاجته، ويرفع يديه ــ [البناية] م: (هكذا روى جابر ﵁ فيما نقل من نسك رسول الله ﷺ مفسرا) ش: نصب على الحال من قوله - هكذا - من أنه مفعول - روي - ويجوز أن يكون حالاً من الموصول في قوله - فيما نقل - أي فيما نقله، ويجوز حذف الراجع إلى الموصول عند أهل العلم به، ثم الحديث الذي نسبه المصنف إلى جابر غريب عن جابر، والذي روي عن جابر ﵀ في حديثه الطويل أنه ﷺ رمى جمرة العقبة يوم النحر لا غير، وروى أبو داود في " سننه " عن ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: «أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها» . قال المنذري في " مختصره ": حديث حسن، ورواه ابن حبان في " صحيحه " والحاكم " في مستدركه " وقال: صحيح على شرط مسلم. م: (ويقف عند الجمرتين) ش: أي الجمرة الأولى والوسطى م: (في المقام الذي يقف فيه الناس) ش: وهو أعلى الوادي، كذا في " المحيط " م: (ويحمد الله تعالى ويثني عليه، ويهلل، ويكبر، ويصلي على النبي ﷺ ، ويدعو الله تعالى بحاجته) ش: وكان ابن عمر وابن عباس وسعيد بن جبير والأسود وطاوس والنخعي ﵃ يطلبون القيام عند الجمرتين وقال ابن المنذر ولا شيء عليه في ترك القيام، لأنه سنة لا عند الثوري ﵀، فإنه قال: يريق دماً. م: (ويرفع يديه) ش: يعني عند الوقوف في الجمرتين، وفي المرغيناني يرفعهما حذو منكبيه بسطا، وفي " الينابيع " يرفع يديه عقيب كل حصاة ويكبر ويهلل ويسبح ويحمد الله تعالى ويثني عليه ويسأل حاجته ثم يأتي المقام، وقيل: إنه يقول عند كل حصاة يرميها بيمينه بسم الله والله أكبر ثم يرفع يديه ويقول: اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً وعملا مشكوراً، وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال يجب أن يكون بين الرامي وبين المرمى خمسة أذرع، وفي " خزانة الأكمل " إن رماها من بعيد فوقعت الحصاة قريباً من الجمرة أجزأه، وقال الكرماني ﵀ وعند الشافعي ﵀ لا يجزئه وهو قول ابن حنبل. ولو رماها في الهواء فوقعت في المرمى لا يجزئه، ذكره النووي ﵀ ويجزئه

стр. 2092

لقوله ﷺ : «لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن» - وذكر من جملتها " عند الجمرتين "، والمراد رفع الأيدي بالدعاء. وينبغي أن يستغفر للمؤمنين في دعائه في هذه المواقف؛ لأن النبي ﷺ قال: «اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج» ، ثم الأصل أن كل رمي بعده رمي يقف بعده؛ لأنه في وسط العبادة فيأتي بالدعاء فيه، وكل رمي ليس بعده رمي لا يقف لأن العبادة قد انتهت، ــ [البناية] الطرح، وإن رمى حصاة فوقعت وطارت أخرى فوقعت الثانية في المرمى دون الأولى لا يجزئه، وإن التقطها طائر قبل وصولها لا يجزئه، وإن وقعت الحصاة على حجر أو أرض صلبة فتدحرجت أو على ثوب إنسان فطارت ووقعت في المرمى أجزأه، وبه قال أحمد والشافعي - رحمهما الله - في الأصح، ولو وقعت في عنق البعير أو على المحمل فتدحرجت إلى المرمى تجزئه، وعند الشافعية لا يجزئه في أظهر الوجهين، ذكرهما النووي. ولو رمى عن القوس أو بالرجل لا يجزئه. م: (لقوله ﷺ : " لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن ") ش: هذا الحديث تقدم في باب صفة الصلاة، ولفظ الحديث في " شرح الآثار " بإثبات الفعل بدون حرف الاستثناء بعده، ولكن الفقهاء ذكروه بنفي الفعل وحرف الاستثناء بعده، وقالوا لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن، ولئن صح ما رواه الفقهاء فهو أبلغ م: (وذكر من جملتها) ش: أي من جملة السبعة م: (عند الجمرتين) ش: الأولى والوسطى م: (والمراد رفع الأيدي بالدعاء) ش: أي المراد من قوله - لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن، رفع الأيدي بالدعاء. وقال الكاكي ﵀ يرفع يديه بالدعاء حذو منكبيه، نص عليه محمد، ويجعل بطون كفيه إلى السماء بخلاف الافتتاح، وقال ابن المنذر رفع اليد في الدعاء في المقامين إجماع، ولا نعلم أحداً أنكر ذلك غير مالك، واتباع السنة أولى، وقد ثبت دعاؤه عليه ﷺ في المقامين. م: (وينبغي أن يستغفر للمؤمنين في دعائه في هذه المواقف؛ لأن النبي ﷺ قال: «اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج» ش: هذا الحديث أخرجه الحاكم في " المستدرك " عن شريك عن منصور عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج» ، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. م: (ثم الأصل أن كل رمي بعده رمي يقف بعده؛ لأنه في وسط العبادة فيأتي بالدعاء فيه) ش: للوقار والسكينة م: (وكل رمي ليس بعده رمي لا يقف لأن العبادة قد انتهت، ولهذا لا يقف؛ بعد

стр. 2093

ولهذا لا يقف بعد جمرة العقبة في يوم النحر أيضا. قال: وإذا كان من الغد رمى الجمار الثلاث بعد زوال الشمس. كذلك، وإن أراد أن يتعجل النفر إلى مكة نفر، وإن أراد أن يقيم رمى الجمار الثلاث في اليوم الرابع بعد زوال الشمس؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] (٢٠٣ البقرة) ، والأفضل أن يقيم لما روي أن النبي ﷺ صبر ــ [البناية] جمرة العقبة في يوم النحر أيضاً) ش: لأن العبادة لم تبق. فإن قلت: الأصل أن الدعاء بعد العبادة كما في الصلاة. قلت: بل الأصل أن يكون الدعاء مقترنه في العبادة، وإنما أخرت في حق الصلاة لعدم التكلم فيها. م: (فإن كان من الغد) ش: وفي أكثر النسخ قال أي القدوري ﵀: وإذا كان بعد الغد وهو الثالث من أيام النحر، أعني اليوم الثاني عشر من ذي الحجة م: (رمى الجمار الثلاث بعد زوال الشمس. كذلك) ش: أي كما رمى في اليوم الحادي عشر يبتدئ بالجمرة التي تلي مسجد الخيف فيرميها ثم يرمي الجمرة الوسطى ويقف عند الجمرتين ويدعو لحاجته ويرفع يديه ثم يرمي جمرة العقبة ولا يقف عندها ولا يرفع يديه. م: (وإن أراد أن يتعجل النفر) ش: أي الرجوع من منى إلى مكة نفر إلى مكة م: (وإن أراد أن يقيم) ش: أي بمنى م: (رمى الجمار الثلاث في اليوم الرابع) ش: وهو الثالث عشر من ذي الحجة، والثالث من أيام التشريق، والرابع من يوم النحر م: (بعد زوال الشمس؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] (البقرة الآية: ٢٠٣) . ش: المراد من اليومين الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة من نفر بعدما رمى الجمار الثلاث في اليوم الثاني من أيام التشريق فلا إثم عليه وهو النفر الأول، والنفر الثاني في اليوم الثالث وهو آخر أيام التشريق، والحاصل أنه لا إثم عليه في التأجيل، ولا في التعجيل وأنه مخير فيهما، ويجوز التخيير بين التعجيل والتأخير، وإن كان التأخير أفضل، لأنه يجوز التخيير بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار، وإن كان الصوم أفضل. وقال الزمخشري: قيل: إن أهل الجاهلية كانوا فريقين، منهم من جعل التعجيل إثماً، ومنهم من جعل التأخير إثماً فورد القرآن ينفي الإثم عنهما، ويتعجل يأتي مطاوعاً ومتعدياً، والأول أولى يدل له قوله ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] أي ذلك التأخير ونفي المأثم فيها للحاج الذي يتقي به معاصي الله تعالى. م: (والأفضل أن يقيم) ش: أي بمنى م: (لما روي أن النبي ﷺ صبر حتى رمى الجمار الثلاث في

стр. 2094

حتى رمى الجمار الثلاث في اليوم الرابع وله أن ينفر ما لم يطلع الفجر من اليوم الرابع، فإذا طلع الفجر من اليوم الرابع لم يكن له أن ينفر لدخول وقت الرمي، وفيه خلاف الشافعي ﵀ وإن قدم الرمي في هذا اليوم - يعني اليوم الرابع - قبل الزوال، وبعد طلوع الفجر جاز عند أبي حنيفة ﵀ وهذا استحسان، وقالا: لا يجوز اعتبارا بسائر الأيام، وإنما التفاوت في رخصة النفر، فإذ لم يترخص التحق بها، ومذهبه مروي عن ابن عباس - رضي ــ [البناية] اليوم الرابع) ش: هذا الحديث رواه أبو داود عن ابن إسحاق، وقد ذكرناه عن قريب. م: (وله أن ينفر ما لم يطلع الفجر من اليوم الرابع) ش: وهو آخر أيام التشريق م: (فإذا طلع الفجر من اليوم الرابع لم يكن له أن ينفر لدخول وقت الرمي) ش: فلا ينفر حتى يرمي م: (وفيه خلاف الشافعي) ش: فإن عنده لا يجوز له النفر إذا غربت الشمس من اليوم الثاني عشر حتى يرمي الجمار الثلاث في اليوم الرابع، وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله - وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀ لما روى عمر ﵁ أنه قال: من أدرك المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس، قلنا: الليل ليس بوقت لرمي اليوم الرابع، لأن ليلة يوم الرابع ملحقة باليوم الثالث في حق الرمي، بدليل أنه لو ترك رمي اليوم الثالث، ورمى في هذه الليلة يجوز بخلاف ما بعد طلوع الفجر، فإنه وقت الرمي فلا يتقي جاره بعد ذلك، وما روي عن عمر ﵁ غير مشهور، ولو ثبت يحمل على الأفضلية. م: (وإن قدم الرمي في هذا اليوم - يعني اليوم الرابع - قبل الزوال وبعد طلوع الفجر جاز عند أبي حنيفة ﵀ وهو استحسان، وقالا: لا يجوز) ش: وبه قال الشافعي ومالك وأحمد ﵏ م: (اعتبارا بسائر الأيام) ش: يعني قياساً عليها، وأراد بسائر الأيام اليومين، يوم الثاني والثالث دون اليوم الأول من أيام النحر، فإن رمي جمرة العقبة في ذلك اليوم قبل الزوال جائز بالإجماع م: (وإنما التفاوت في رخصة النفر، فإذ لم يترخص التحق بها) ش: أي بسائر الأيام، ولأنه ﷺ رمى فيه بعد الزوال، وكون الرمي عبادة لا يعرف إلا بقياس، فيقتصر على مورد النص. م: (ومذهبه) ش: أي مذهب أبي حنيفة ﵀ م: (مروي عن ابن عباس ﵁) ش: رواه البيهقي عنه إذا انفتح النهار من يوم النحر فقد حل الرمي والصيد، والانفتاح الارتفاع، وفعل النبي ﷺ محمول على الأفضل بدلالة جواز النفر بحكم الآية، وقياسهما على اليوم الثاني والثالث ضعيف لأنه لا يجوز ترك الرمي فيهما أصلاً، فجاز التقديم أيضاً على الزوال.

стр. 2095

الله عنهما -؛ ولأنه لما ظهر أثر التخفيف في هذا اليوم في حق الترك؛ فلأن يظهر في حق جوازه في الأوقات كلها أولى، بخلاف اليوم الأول، والثاني، حيث لا يجوز الرمي فيهما إلا بعد الزوال في المشهور من الرواية، لأنه لا يجوز تركه فيهما فبقي على الأصل المروي. ؛ فأما يوم النحر فأول وقت الرمي فيه من وقت طلوع الفجر. وقال الشافعي: أوله بعد نصف الليل لما روي «أن النبي ﷺ رخص للرعاء أن يرموا ليلا» . ــ [البناية] م: (ولأنه لما ظهر أثر التخفيف في هذا اليوم) ش: يعني اليوم الرابع م: (في حق الترك؛ فلأن يظهر في جوازه في الأوقات كلها أولى، بخلاف اليوم الأول، والثاني، حيث لا يجوز الرمي فيهما إلا بعد الزوال في المشهور من الرواية) ش: إنما قيد بالمشهور، احترازاً عما ذكره الحاكم في " المنتقى " قال: كان أبو حنيفة ﵀ يقول: الأفضل أن يرمي في اليوم الثاني والثالث بعد الزوال، يعني في اليوم الثاني والثالث من أيام النحر، فإن رمى قبله جاز. م: (لأنه لا يجوز تركه فيهما) ش: أي لا يجوز ترك الرمي في اليومين م: (فبقي على الأصل المروي) ش: أي بقى حكم الرمي في اليومين على الأصل المروي، يعني لم يجز إلا بعد الزوال وأراد بالمروي ما روي عن جابر قبل هذا، أو أراد بالأصل المروي أن لا يتغير حكم المروي عما كان، والذي روي عن جابر هو «أنه ﷺ رمى جمرة العقبة قبل الزوال يوم النحر ورمى في بعض الأيام بعد الزوال» . م: (فأما يوم النحر فأول وقت الرمي من وقت طلوع الفجر. وقال الشافعي) ش: ﵀ م: (أوله بعد نصف الليل) ش: وبه قال أحمد وهو قول عطاء م: (لما روي «أن النبي ﷺ رخص للرعاء أن يرموا ليلا» ش: هذا رواه الطبراني ﵀ في " معجمه " من حديث ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ رخص للرعاء أن يرموا ليلاً» وروى الدارقطني ﵀ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن رسول الله ﷺ رخص للرعاء أن يرموا ليلاً وأي ساعة يشاءوا من النهار» . وروى البزار ﵀ في " مسنده " عن ابن عمر ﵄ من طريق مسلم ابن خالد الزنجي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ -

стр. 2096

ولنا قوله ﷺ : «لا ترموا جمرة العقبة إلا مصبحين» ويروى " حتى تطلع الشمس " ــ [البناية] رخص لرعاء الإبل أن يرموا بالليل» . وقال ابن القطان ﵀: مسلم بن خالد الزنجي شيخ الشافعي ﵀ ضعفه قوم ووثقه آخرون، وقال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث، والرعاء بكسر الراء وبالمد جمع راع الغنم، وقد يجمع على رعاة بالضم كقضاة جمع قاض. م: (ولنا قوله ﷺ ) ش: أي قول النبي ﷺ م: «لا ترموا جمرة العقبة إلا مصبحين» ويروي «حتى تطلع الشمس» ش: الرواية الأولى رواها الطحاوي ﵀ في " شرح الآثار " حدثنا ابن أبي داود ثنا المقدمي ثنا فضيل بن سليمان حدثني موسى بن عقبة أخبرنا كريب عن ابن عباس ﵁ «أن النبي ﷺ كان يأمر نساءه نقله صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد ولا يرموا الجمرة إلا مصبحين.» والرواية الثانية رواها الأربعة عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال «كان رسول الله ﷺ يقدم ضعفة أهله بغلس ويأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس.» فإن قلت: ما وجه الدليل من الحديثين. قلت: الإصباح يوجد بعد الفجر فيقول ثبت أول الوقت برواية الطحاوي ﵀، ووقت الأفضل بحديث ابن عباس ﵄. قلت: كأنه ما اطلع في هذا الموضع في كتب الحديث، فالحديثان كلاهما لنا، وما رواه الشافعي يحمل على الليلة الثانية والثالثة. فإن قلت: احتج الخصم أيضاً بما رواه أبو داود ﵀ من حديث هشام بن عروة عن أبيه «عن عائشة ﵂ أنها قالت أرسل رسول الله ﷺ أم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت ففاضت، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ » - يعني عندها، وروى أبو داود ﵀ أيضاً من حديث ابن جريج قال: أخبرنا عطاء ﵀ قال أخبرني مخبر «عن أسماء أنها رمت الجمرة، قلت: إنا رمينا الجمرة في ليلة قال: إنما كنا نصنع هذا على عهد رسول الله ﷺ .» قلت: حديث أم سلمة مروي من طرق وليس فيها أنه ﷺ أنه أمرها أن ترمي ليلاً، ولأن بين مكة وبين جمرة العقبة ميلين فيجوز أن تكون رمت أول الليل ثم صلت الصبح بمكة. وأما حديث أسماء ﵂ فمنقطع بروايته عن ابن جريج عن عطاء قال: أخبرني مخبر عن أسماء

стр. 2097

فيثبت أصل الوقت بالأول، والأفضلية بالثاني. وتأويل ما روي الليلة الثانية، والثالثة؛ ولأن ليلة النحر وقت الوقوف، والرمي يترتب عليه، فيكون وقته بعده ضرورة، ثم عند أبي حنيفة: يمتد هذا الوقت إلى غروب الشمس لقوله ﷺ : «إن أول نسكنا في هذا اليوم الرمي» جعل اليوم وقتا له، وذهابه بغروب الشمس. وعن أبي يوسف ﵀ أنه يمتد إلى وقت الزوال، والحجة ــ [البناية] فهو منقطع مجهول، ثم إنه لم يذكر أن رسول الله ﷺ علم بذلك فلم يكره. م: (فيثبت أصل الوقت بالأول) ش: أي يثبت أصل وقت رمي الجمرة بالحديث الأول، وهو قوله ﷺ : «لا ترموا جمرة العقبة إلا مصبحين» م: (والأفضلية بالثاني) ش: أي وتثبت الأفضلية بالحديث الثاني، وهو قوله ﷺ : «لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس» . م: (وتأويل ما روي) ش: أي ما روى الشافعي ﵀ م: (الليلة الثانية، والثالثة) ش: هذا جواب عن الحديث الذي رواه الشافعي ﵀، وهو «أنه ﷺ رخص للرعاء أن يرموا ليلاً» وهو أنه محمول على الليلة الثانية والثالثة توفيقاً بين الحديثين، ولئن سلمنا أن المراد منه ليلة العيد، فنقول لا حجة للخصم علينا، لأنه ثبت منه رخصة للرعاء والضعفاء، فلا يعد وهماً؛ لأن الرمي ثابت بخلاف القياس. م: (ولأن ليلة النحر وقت الوقوف) ش: يعني وقوف المزدلفة م: (والرمي يترتب عليه) ش: أي على الوقوف م: (فيكون وقته بعده ضرورة) ش: أي فيكون وقت الرمي بعد الوقوف، وكون الرمي مرتباً على الوقوف بالإجماع، والقول بأن وقته بعد النصف من الليل يؤدي إلى خرق الإجماع. م: (ثم عند أبي حنيفة ﵀: يمتد هذا الوقت إلى غروب الشمس) ش: أي عنده وقت رمي جمرة العقبة من وقت طلوع الشمس إلى غروب الشمس، روى ذلك الحسن عنه، كذا ذكره القدوري ﵀ م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «إن أول نسكنا في هذا اليوم الرمي» ش: هذا الحديث قد تقدم عند قوله - ثم يحلق أو يقصر - ومضى الكلام فيه هناك م: (جعل اليوم وقتا له) ش: أي جعل النبي ﷺ اليوم وقتاً للرمي، يعني جعله ظرفاً، فجاز في كل جزء من أجزائه إلى غروب الشمس م: (وذهابه) أي ذهاب اليوم م: (بغروب الشمس) ش: لأن اليوم من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. م: (وعن أبي يوسف ﵀ أنه) ش: أي روي عن أبي يوسف ﵀ أن وقت الرمي م: (يمتد إلى وقت الزوال) ش: وما بعده قضاء، لأن الوقت يعرف بتوقيت الشارع، والشرع ورد بالرمي قبل الزوال، فلا يكون ما بعده وقتاً له، وفي " الإيضاح " وأصل محمد ﵀ في وقت الرمي كأصل أبي حنيفة ﵀. م: (والحجة عليه) ش: أي على أبي يوسف ﵀ م: (ما روينا) ش: وهو قوله ﷺ «إن أول نسكنا هذا اليوم الرمي» ، وفي " مبسوط شيخ الإسلام " الحاصل أن ما بعد طلوع الفجر

стр. 2098

عليه ما روينا. وإن أخره إلى الليل رماه ولا شيء عليه، لحديث الرعاء. وإن أخر إلى الغد رماه؛ لأنه وقت جنس الرمي، وعليه دم عند أبي حنيفة ﵀ لتأخيره عن وقته، كما هو مذهبه. قال: فإن رماها راكبا أجزأه لحصول فعل الرمي. وكل رمي بعده رمي فالأفضل أن يرميه ماشيا، وإلا فيرميه راكبا؛ لأن الأول بعده وقوف، ودعاء على ما ذكرنا فيرمي ماشيا ليكون أقرب إلى التضرع، وبيان الأفضل مروي عن أبي يوسف ﵀. ويكره أن لا يبيت بمنى ليالي الرمي؛ لأن النبي ﷺ بات بها ــ [البناية] من يوم النحر إلى طلوع الشمس وقت الجواز مع الإساءة، وما بعده إلى الزوال وقت مسنون، وما بعده إلى الغروب وقت الجواز من غير إساءة، والليل وقت الجواز مع الإساءة. م: (وإن أخره إلى الليل) ش: أي وإن أخر رمي جمرة العقبة إلى الليل م: (رماه) ش: أي في الليل م: (ولا شيء عليه، لحديث الرعاء) ش: «لأنه ﷺ رخص لرعاء الإبل أن يرموا ليلاً» م: (وإن أخره إلى الغد) ش: أي وإن أخر الرمي إلى غد يوم النحر م: (رماه؛ لأنه) ش: أي لأن غد يوم النحر م: (وقت جنس الرمي، وعليه دم عند أبي حنيفة ﵀ لتأخيره) ش: أي لتأخيره الرمي م: (عن وقته، كما هو مذهبه) ش: هو أن تأخير الشك عن وقته يوجب النسك من وقتيه يوجب الدم عنده. م: (قال: وإن رماها) ش: أي فإن رمى الجمار حال كونه م: (راكبا أجزأه لحصول فعل الرمي) ش: وفي " المبسوط " " والمحيط " قال أبو حنيفة ﵀ يجوز الرمي راكباً وماشياً لحصول الرمي، وفي حمل النوازل عن أبي يوسف ﵀ إذا رمى يوم النحر أفضل وفيما بعده من الأيام راجلاً لأنه كذا روي من فعله ﷺ ، وقال الشافعي ﵀: المستحب أن يرمي يوم النحر وآخر أيام التشريق راكباً، لأنه ﷺ رمى فيهما راكباً، كذا ذكره في " الإملاء "، والصحيح أن لا يرمي غير الأول راكباً من أيام التشريق كلها، كما روي عن أبي يوسف ﵀ لأن ابن عمر ﵄ روى «أنه ﷺ يأتي الجمرات بعد يوم النحر ماشياً» . م: (وكل رمي بعده رمي فالأفضل أن يرميه ماشيا، وإلا) ش: أي وإن لم يكن بعده رمي كرمي جمرة العقبة م: (فيرميه) ش: حال كونه م: (راكبا لأن الأول) ش: أي الرمي الأول م: (بعده وقوف، ودعاء على ما ذكرناه) ش: عند قوله ثم الأصل إن كان رمي بعده رمي يقف بعده، لأنه في وسط العبادة فيأتي بالدعاء فيه م: (فيرمي ماشيا ليكون أقرب إلى التضرع) ش: وإظهار المسكنة. م: (وبيان الأفضل مروي عن أبي يوسف ﵀) ش: أي بيان الأفضل في الرمي مروي عن أبي يوسف ﵀ ماشياً أو راكباً، وهو أن كل رمي بعده رمي، فالأفضل أن يرمي ماشياً، وكل رمي ليس بعده رمي كجمرة العقبة، فالأفضل أن يرمي راكباً. م: (ويكره أن لا يبيت بمنى ليالي الرمي؛ لأن النبي ﷺ بات بها) ش: وذكرنا فيما مضى «عن

стр. 2099

وعمر ﵁ كان يؤدب على ترك المقام بها. ولو بات في غيرها متعمدا لا يلزمه شيء عندنا، خلافا للشافعي ﵀؛ لأنه وجب ليسهل عليه الرمي في أيامه، فلم يكن من أفعال الحج فتركه لا يوجب الجابر. قال: ويكره أن يقدم الرجل ثقله إلى مكة ويقيم حتى يرمي لما روي أن عمر ﵁ كان يمنع منه، ويؤدب عليه؛ ولأنه يوجب شغل قلبه، وإذا نفر إلى مكة نزل بالمحصب وهو الأبطح وهو اسم موضع قد نزل به رسول الله ﷺ ــ [البناية] عائشة ﵂ قالت: أفاض النبي ﷺ من آخر يوم حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس» م: (وعمر ﵁ كان يؤدب على ترك المقام بها) ش: أي بمنى، وهذا غريب، نعم روى ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا ابن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر ﵁ كان ينهى أن يبيت من وراء العقبة وكان يأمرهم أن يدخلوا بمنى. م: (ولو بات في غيرها) ش: أي في غير منى حال كونه م: (متعمدا لا يلزمه شيء عندنا) ش: وإن كان يكره م: (خلافا للشافعي ﵀) ش: فإن عنده بالمبيت بمنى قولان: أحدهما أنه يجب حتى وجب بتركها الدم، وبه قال مالك، وأحمد - رحمهما الله - في رواية؛ لأنه نسك والثاني أنه مستحب، وبه قال أحمد ﵀ في رواية، وعن بعض أصحاب الشافعي ﵀ لو ترك البيتوتة ليلة فعليه مد، ولو ترك ليلتين فعليه مدان، ولو ترك ثلاث ليال فعليه دم م: (لأنه) ش: تعليل لأصحابنا، أي لأن المبيت م: (وجب ليسهل عليه الرمي في أيامه، فلم يكن من أفعال الحج فتركه لا يوجب الجابر) ش: كالبيتوتة بمنى ليلة العيد. م: (قال: ويكره أن يقدم الرجل ثقله) ش: بفتح الثاء المثلثة وفتح القاف، وهو متاع المسافر وحشمه، كذا في " الديوان " م: (إلى مكة، ويقيم حتى يرمي لما روي أن عمر ﵁ كان يمنع منه، ويؤدب عليه) ش: هذا غريب، وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه ": حدثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن عمارة، قال: قال عمر ﵁: من قدم ثقله من منى ليلة نفره فلا حج له م: (ولأنه) ش: أي ولأن تقدم الثقل م: (يوجب شغل قلبه) ش: من الاشتغال وذلك لأنه إذا قدمه يحصل له في قلبه أمور من جهة. م: (وإذا نفر) ش: أي وإذا ذهب متوجهاً م: (إلى مكة نزل بالمحصب) ش: على وزن اسم المفعول من التحصيب وهو الأبطح، وهو اسم موضع ذي حصى بين منى ومكة م: (وهو الأبطح) ش: أي وهو الذي يقال له الأبطح م: (وهو) ش: أي المحصب م: (اسم موضع قد نزل به رسول الله ﷺ ) ش: فيه أحاديث: منها ما رواه قتادة عن أنس «أن النبي ﷺ صلى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ورقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف» .

стр. 2100

وكان نزوله قصدا، وهو الأصح حتى يكون النزول به سنة على ما روي أنه ﷺ قال لأصحابه: «إنا نازلون غدا عند خيف بني كنانة حيث تقاسم المشركون فيه على شركهم» ــ [البناية] ومنها ما أخرجه مسلم عن نافع عن ابن عمر ﵄ «أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر ﵄ كانوا ينزلون بالأبطح» . ومنها ما رواه مسلم أيضاً «عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: لم يأمرني رسول الله ﷺ أن أنزل بالأبطح من حين خرج من منى، ولكن جئت فضربت قبة في منزل، قال أبو بكر ﵁ وكان على ثقل النبي ﷺ » . م: (وكان نزوله قصدا) ش: أي وكان نزول النبي ﷺ بالمحصب قصداً م: (وهو الأصح حتى يكون النزول به سنة) ش: قوله: وهو الأصح احترازاً عما قاله بعض أصحابنا أن النزول بالمحصب ليس بسنة، واحتجوا على ذلك بما روى البخاري، عن عطاء، عن ابن عباس، قال ليس التحصيب بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ ، وعن هذا قال الشافعي ﵀: التحصيب مستحب، وليس بسنة، وبه قال مالك، وذهب المصنف وآخرون أنه سنة؛ لأنه ﵊ نزل به قصداً، رآه المشركون لطيف صنع الله تعالى به من الفتح، والنصر وإهانة لهم، فكان سنة كالرمل في الطواف، ومعنى ليس التحصيب بشيء ليس بنسك مفروض. م: (على ما روي أنه ﷺ ) ش: أي النبي ﷺ م: (قال لأصحابه: «إنا نازلون غدا عند خيف بني كنانة حيث تقاسم المشركون فيه على شركهم» ش: هذا الحديث أخرجه الجماعة عن عمرو بن عثمان بن عفان ﵄ «عن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله أين ننزل غداً أي في حجه، قال: " هل ترك لنا عقيل منزلاً " قال: " نحن نازلون بخيف كنانة حيث قاسمت قريش على الكفر» وذلك أن بني كنانة خالفت قريشاً على بني هاشم أن لا يناكحوهم، ولا يودوهم، ولا يبايعوهم. وأخرجه البخاري، ومسلم أيضاً عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵄ قال: قال لنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى: «نحن نازلون غدا ًبخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر» وذلك أن قريشاً وبني كنانة تحالفت على بني هاشم، وبني المطلب أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله] ﷺ يعني بذلك المحصب، وقد ذكر الأترازي الحديث أولاً، فقال: وقد روى صاحب " السنن " بإسناده إلى أسامة بن زيد فذكره، ثم قال: وأخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، فكان ما اطلع أولاً على تخريج البخاري، ومسلم ثم استدركه وليس هذا طريقة من له يد في الحديث. وقال أيضاً: قوله: «خيف بني كنانة» كما ذكرنا في " السنن " بلا تكرار الخيف خيفان، وعلى ما ذكره صاحب " السنن "، يكون الخيف الثاني عطف بيان؛ لأن الخيف خيفان،

стр. 2101

يشير إلى عهدهم على شركهم على هجران بني هاشم، فعرفنا أنه نزل به إراءة للمشركين لطيف صنع - الله تعالى - به، فصار سنة كالرمل في الطواف، قال: ثم دخل مكة وطاف بالبيت سبعة أشواط لا يرمل فيها، وهذا طواف الصدر، ويسمى طواف الوداع، وطواف آخر العهد بالبيت لأنه يودع البيت ويصدر به عنه، وهو واجب عندنا، خلافا للشافعي ﵀ ــ [البناية] أحدهما: خيف منى، وهو الذي فيه المسجد، وهو مشهور، والثاني خيف بني كنانة، وهو المحصب، وسمي خيف بني كنانة لأنهم تحالفوا مع قريش في ذلك الموضع على بني هاشم. قوله: حيث تقاسم، أي تعاهد، وتحالف، قوله: على شركهم أي مع شركهم، وعلى بمعنى مع، كما يقال: فلان يقول الشعر على صغر سنه، أي مع صغر سنه. م: (ويشير إلى عهدهم) ش: أي يشير النبي ﷺ إلى عهد بني كنانة م: (على هجران بني هاشم) ش: روي أنهم حبسوا بني هاشم في واد سبع سنين م: (فعرفنا أنه) ش: أي النبي ﷺ م: (نزل به) ش: أي بالمحصب م: (إراءة) ش: أي لأجل الإراءة، وهو مصدر من أرى يرى إراءة م: (للمشركين لطيف صنع - الله تعالى - به) ش: حيث فتح له مكة، ونصره عليهم م: (فصار) ش: أي النزول بالمحصب م: (سنة كالرمل في الطواف) ش: حيث كان لإظهار الجد والقوة ليغيظ به المشركين. م: (قال: ثم دخل مكة) ش: وفي أكثر النسخ قال: أي القدوري ﵀ ثم دخل الحاج مكة بعد نزوله بالمحصب م: (فطاف بالبيت سبعة أشواط لا يرمل فيها) ش: أي في السبعة الأشواط م: (وهذا طواف الصدر) ش: لأنه يصدر به عن مكة، أي يرجع، والصدر بفتحتين وهو الرجوع م: (ويسمى طواف الوداع) ش: لأن وداع البيت يحصل به، والوداع بفتح الواو اسم التويدع كسلام بمعنى التسليم، وكلام بمعنى التكليم م: (وطواف آخر عهده) ش: أي ويسمى أيضاً طواف العهد م: (بالبيت؛ لأنه يودع البيت ويصدر به عنه) ش: أي يصدر بهذا الطواف عن البيت، وفي بعض النسخ: يصدر عنه، أي رجع عن البيت والأول أجود. م: (وهو) ش: أي طواف الصدر م: (واجب عندنا) ش: وبه قال أحمد ﵁ م: (خلافا للشافعي ﵀) ش: فإن عنده يستحب في أحد القولين، وبه قال مالك ﵀ أنه سنة ولا دم على تاركه، وعلى تارك طواف القدوم دم، وقال ابن قدامة في " المغني ": ووافقه أبو حنيفة ﵀ فيهما، وهذه غفلة، فالمتأخر يوقف المتقدم دون العكس، قال السروجي ﵀: أوجب الدم على تارك طواف الوداع الحسن البصري، ومجاهد، والثوري، والحكم، وحماد، وعن ابن عباس ﵄ ما يدل عليه.

стр. 2102

لقوله ﷺ : «من حج هذا البيت فليكن آخر عهده بالبيت الطواف» ، ورخص للنساء الحيض تركه إلا على أهل مكة؛ لأنهم لا يصدرون، ولا يودعون، ولا رمل فيه لما بينا أنه شرع مرة واحدة، ويصلي ركعتي الطواف بعده لما قدمنا. ثم يأتي زمزم، فيشرب من مائها؛ لما روي «أن النبي ﵊ استقى دلوا بنفسه فشرب منه، ثم أفرغ باقي الدلو في البئر» . ــ [البناية] م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «من حج هذا البيت فليكن آخر عهده بالبيت الطواف» ، ورخص للنساء الحيض تركه) ش: يجوز رفع الآخر، ونصب الطواف وبالعكس. قوله: رخص أي النبي ﷺ للنساء الحيض، وهو جمع حائض، وتخصيص الحائض برخصة الترك دليل على الوجوب أيضاً، وهذا الحديث رواه البخاري عن طاوس عن ابن عباس ﵄ قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» في لفظ مسلم، قال: «كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : " لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» ورواه الشافعي ﵀، وزاد في آخره، «فإن آخر النسك الطواف بالبيت» وهذه الزيادة توافق ما في الكتاب. قال م: (إلا على أهل مكة؛ لأنهم لا يصدرون، ولا يودعون) ش: هذا استثناء من قوله: وهو واجب، أي طواف الصدر واجب، إلا على أهل مكة فإنه ليس بواجب عليهم، وقال الأترازي ﵀: لو كان واجباً لوجب على أهل مكة. قلت: جوابه يفهم من قول المصنف لأنهم لا يصدرون ولا يودعون، فلا يحتاج إلى التطويل م: (ولا رمل فيه) ش: أي في طواف الصدر م: (لما بينا أنه شرع مرة واحدة) ش: أشار بقوله: لما بينا إلى قوله فيما مضى: والرمل ما شرع إلا مرة واحدة في طواف بعده سعي، وفي السروج: ويسقط طواف الوداع عن ستة: عن المكي؛ لأن التوديع شأن المفارق، والمعتمر، وأهل المواقيت فمن دونها ممن نوى الإقامة بمكة قبل النفر الأول، وبعده لا يسقط عند أبي حنيفة ﵀، وعند الشافعي ﵀ يسقط لعدم مفارقته البيت وعن الحائض والنفساء. م: (ويصلي ركعتي الطواف بعده) ش: أي بعد طواف الصدر م: (لما قدمنا) ش: أي في أوائل هذا الباب، وهو قوله ﵊: «ويصلي الطائف لكل أسبوع ركعتين» ، ويأتي زمزم فيشرب من مائها لما روي «أن النبي ﷺ استسقى دلواً بنفسه فشرب منه ثم أفرغ باقي الدلو في البئر» ش: قال الأترازي: قال في " الإيضاح ": روي أن النبي ﷺ استسقى.. إلخ. نحوه، والعجب منه: كيف يقنع بهذا المقدار، وقد روى أحمد في " مسنده "، والطبراني في " معجمه " «عن ابن

стр. 2103

ويستحب أن يأتي الباب، ويقبل العتبة، ثم يأتي الملتزم، وهو ما بين الحجر إلى الباب فيضع صدره ووجهه عليه، ويتشبث بالأستار ساعة يدعو الله تعالى فيها، ثم يعود إلى أهله، هكذا روي أن النبي ﵊ فعل بالملتزم ذلك. قالوا: وينبغي أن ينصرف وهو يمشي وراءه، ووجهه إلى البيت متباكيا متحسرا على فراق البيت حتى يخرج من المسجد، فهذا بيان تمام الحج. ــ [البناية] عباس ﵄ قال: جاء النبي ﷺ زمزم فنزعت له دلواً فشرب منها ثم مج فيها، ثم أفرغناها في زمزم، ثم قال: " لولا أن تعلموا عليها السرعة لبدئ» . وروي عن ابن سعد في كتاب " الطبقات " في باب حجة النبي ﷺ ما يوافق المذكور في الكتاب، قال: أخبرنا عبد الوهاب عن ابن جريج عن عطاء «لما أفاض نزع بنفسه الدلو يعني من زمزم لم ينزع منه أحد فشرب ثم أفرغ باقي الدلو في البئر....» الحديث وهو مرسل. م: (ويستحب أن يأتي الباب) ش: أي باب الكعبة م: (ويقبل العتبة) ش: أي عتبة الباب م: (ويأتي الملتزم، وهو ما بين الحجر إلى الباب) ش: أي ما بين الحجر الأسود إلى باب البيت م: (فيضع صدره ووجهه عليه، ويتشبث بالأستار) ش: أي يتعلق بأستار الكعبة وهو جمع ستر م: (ساعة يدعو الله تعالى فيها، ثم يعود إلى أهله، هكذا روي أن النبي ﵊ فعل بالملتزم ذلك) ش: هذا أخرجه أبو داود في " سننه " عن المثنى بن صالح «عن عمرو بن شعيب عن أبيه شعيب قال: طفت مع عبد الله فلما جئنا دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ، قال: نتعوذ بالله من النار، ثم مضى، واستلم الحجر، وقام بين الركن والباب، فوضع صدره، ووجهه، وذارعيه، وكفيه هكذا، وبسطهما بسطاً، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله.» م: (قالوا) ش: أي مشايخنا: م: (فينبغي أن ينصرف) ش: أي الحاج م: (وهو يمشي وراءه) ش: أي والحال أنه يمشي وراءه يعني ينكص على عقبيه م: (ووجهه) ش: أي والحال أن وجهه م: (إلى البيت) ش: حال كونه م: (متباكيا متحسرا على فراق البيت حتى يخرج من المسجد الحرام) ش: فهذا الذي ذكرنا م: (بيان تمام الحج) ش: أي الذي فعله رسول الله ﷺ .

стр. 2104

فصل فإن لم يدخل المحرم مكة وتوجه إلى عرفات ووقف فيها - على ما بينا - سقط عنه طواف القدوم؛ لأنه شرع في ابتداء الحج على وجه يترتب عليه سائر الأفعال، فلا يكون الإتيان به على غير ذلك الوجه سنة، ولا شيء عليه بتركه؛ لأنه سنة، وبترك السنة لا يجب الجابر. ومن أدرك الوقوف بعرفة ما بين زوال الشمس من يومها إلى طلوع الفجر من يوم النحر فقد أدرك الحج، فأول وقت الوقوف ــ [البناية] [فصل في بيان مسائل شتى من أفعال الحج] م: (فصل) ش: أي: هذا فصل في بيان مسائل شتى من أفعال الحج، ذكرها بفصل على حدة لتعلقها بالباب. م: (فإن لم يدخل المحرم مكة وتوجه إلى عرفات وقف فيها) ش: وفي بعض النسخ ووقف فيها م: (على ما بينا) ش: أي قبل هذا الفصل من أحكام الوقوف بعرفة م: (سقط عنه طواف القدوم؛ لأنه شرع في ابتداء الحج على وجه يترتب عليه سائر الأفعال) ش: أي يأتي الأفعال ومنه السور م: (فلا يكون الإتيان به) ش: أي بطواف القدوم م: (على غير ذلك الوجه سنة، ولا شيء عليه بتركه) ش: أي لترك طواف القدوم م: (لأنه) ش: أي لأن طواف القدوم م: (سنة، وبترك السنة لا يجب الجابر) ش: لأن وقت طواف القدوم في ابتداء الحج قبل الشروع في الأفعال والسنن إذا فاتت عن وقتها لا تقضي، وعند مالك ﵀ طواف القدوم واجب يحتاج تاركه إلى جابر إلا في حق المراهق للوقوف، فإنه يسقط عنه عنده بلا جابر، ذكره في " الذخيرة ". م: (ومن أدرك الوقوف بعرفة ما بين زوال الشمس من يومها) ش: أي من يوم عرفة م: (إلى طلوع الفجر من يوم النحر فقد أدرك الحج) ش: اعلم أن أول وقت الوقوف من وقت الزوال، هو مذهب الأئمة الثلاثة وأصحابهم، وقال أحمد ﵀: أول وقته من طلوع الفجر يوم عرفة، ولم يوافقه أحد على هذا، وأبو حفص الكبير من الحنابلة، قال بما قاله الأئمة الثلاثة، وقد أشار المصنف إلى هذا بقوله: م: (فأول وقت الوقوف بعد الزوال عندنا لما روي أن النبي ﷺ وقف بعد الزوال) ش: وهذا في حديث جابر الطويل أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف الحديث م: (وهذا بيان أول الوقت) ش: لأن الكتاب مجمل، فالتحق بفعل النبي ﷺ بياناً به كما في الصلاة. وقال السروجي: ليس في فعل النبي ﷺ ولا في قوله أن أول وقت الوقوف من الزوال لأنه ﵊ لما طلعت الشمس في منى سار إلى عرفة، فنزل بنمرة في العقبة التي ضربت له، فأقام بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فركب حتى أتى بطن

стр. 2105

بعد الزوال عندنا لما روي أن النبي ﷺ وقف بعد الزوال، وهذا بيان أول الوقت، وقال ﵊: «من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج» «ومن فاته عرفة بليل فقد فاته الحج» ، وهذا بيان آخر الوقت. ومالك ﵀ إن كان يقول: إن أول وقته بعد طلوع الفجر أو بعد طلوع الشمس فهو محجوج عليه بما روينا ــ [البناية] الوادي فخطب خطبته الطويلة التي ذكر فيها تحريم دمائهم، وأموالهم عليهم، والوصية بالنساء، ثم صلى الظهر، والعصر في وقت الظهر، ثم ركب القصواء وأتى الموقف، كما في حديث جابر ﵁ فلم يكن نزوله بعرفة وقت الزوال، ولا وقوفه؛ لأن نمرة ليست من عرفات في الصحيح، مع أن نزوله بنمرة كان قبل الزوال، ووقوفه بعرفة بعد الخطبتين والصلاة ووقت الزوال قبل هذا بكثير، هذا وإن أخذ بقوله، فينبغي أن يكون أول الوقت من طلوع فجر يوم عرفة؛ لأن قوله الأداء يدل على أن النهار محل الوقوف من أوله إلى آخره، وهو أقوى في الدليل، لأن الفعل لو وجد من وقت الزوال لا يدل على أنه أول وقته؛ لأنه يجوز أن يكون الأفضل والأولى هو وقت الزوال مع غيره من أوقات نهار يوم عرفة. م: (وقال ﵊: " من «أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج» ش: هذا الحديث رواه الأربعة عن سفيان الثوري عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي أن ناساً من أهل نجد أتوا رسول الله ﷺ وهو بعرفة فسألوه فأمر منادياً فنادى في الناس «الحج عرفة فمن جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج» ... " الحديث، رواه الدارقطني من حديث عطاء ونافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من وقف بعرفة بليل فقد أدرك الحج» . م: (ومن فاته عرفة بليل فقد فاته الحج) ش: فيحل بعمرة وعليه الحج من قابل، وفي إسناده ﵀ من مصعب ضعيف، م: (وهذا بيان آخر الوقت) ش: لأنه يدل على أن وقت الوقوف بعرفة يبقى الليل من يوم النحر ولا يبقى بعد الليل، فيصح قولهم: إن آخر وقت الوقوف قبل طلوع الفجر من يوم النحر. م: (ومالك ﵀ إن كان يقول بأول وقته) ش: أي أول وقت الوقوف م: (بعد طلوع الفجر أو بعد طلوع الشمس) ش: من يوم عرفة م: (فهو محجوج عليه بما روينا) ش: وهو «أن النبي ﷺ وقف بعد الزوال» ونقل هذا غير صحيح عن مالك ﵀ فإن مذهبه هنا مثل مذهبنا، وقد ذكر ابن الجلاب المالكي في كتاب " التفريع "، ولا يجزئ الوقوف بعرفة نهاراً قبل الزوال، وقال الكاكي ﵀: ما وجدت هذا عن مالك ﵀ في الكتب المعتبرة لبيان الخلاف وقيل:
следующие страницы →