Полный текст (7 019 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
وإن حلق الرقبة كلها فعليه دم؛ لأنه عضو مقصود بالحلق. وإن حلق الإبطين أو أحدهما فعليه دم؛ لأن كل واحد منهما عضو مقصود بالحلق لدفع الأذى ونيل الراحة، فأشبه العانة. ذكر في الإبطين الحلق هاهنا وفي الأصل النتف وهو السنة. وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - لو حلق عضوا فعليه دم، وإن كان أقل فطعام أراد به الصدر أو الساق وما أشبه ذلك؛ لأنه مقصود بطريق التنور فتتكامل
ــ
[البناية]
الربع به يقع ترفقهم عادة، فلحق الربع بالكل احتياطاً لإيجاب الكفارة في المناسك، فإنها مبنية على الاحتياط.
م: (وإن حلق الرقبة كلها فعليه دم؛ لأنه عضو مقصود بالحلق. وإن حلق الإبطين أو أحدهما فعليه دم؛ لأن كل واحد منهما مقصود بالحلق لدفع الأذى ونيل الراحة)
ش: فإن قلت: كان ينبغي في حلق الإبطين أن يجب دمان، إذ كل إبط عضو مقصود بالحلق.
قلت: الأصل في جنايات المحرم إذا كانت من جنس واحد أن يجب ضمان واحد، ألا ترى أنه إذا تنور جميع بدنه يلزمه دم واحد م: (فأشبه العانة) ش: في وجوب الدم، وفي " جامع قاضي خان " إذا كان شعر العانة كثيراً، ففي حلق ربعها دم م: (ذكر في الإبطين) ش: أي ذكر محمد ﵀ في الإبطين م: (الحلق هاهنا) ش: أي في " الجامع الصغير ".
م: (وفي الأصل) ش: أي وذكر في " المبسوط " م: (النتف) ش: أي نتف الإبطين م: (وهو السنة) ش: أي نتف الإبطين هو السنة، وفي العامل بالسنة أولى، وفي الأصل أنه لا حظر في الحلق وإن كانت السنة هو النتف وفي " شرح الطحاوي " ولو حلق من أحد الإبطين أكثر وجب الصدقة، لأنه ليس له نظير في البدن، وليس لأحدهما حكم الكل.
م: (وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله) ش: قيل قولهما بيان قول أبي حنيفة، لا أنه خالفهما في ذلك، وإنما خصا بالذكر، لأن الرواية محفوظة عنهما، كذا في " الكافي " م: (لو حلق عضوا فعليه دم، وإن كان أقل) ش: أي من العضو م: (فطعام) ش: أي الواجب طعام م: (أراد به) ش: أي أراد محمد ﵀ في " الجامع الصغير " بالعضو الكامل م: (الصدر أو الساق وما أشبه ذلك) .
ش: نحو الساعد والعانة والإبط. قال الكاكي ﵀: هذا مخالف لما ذكر في " المبسوط " حيث ذكر فيه الأصل من حلق عضو مقصود بالحلق، فعليه دم. وإن حلق عضواً غير مقصود فعليه صدقة فيهما ليس بمقصود حلق شعر الصدر والساق، ولم يذكر الخلاف فيه م: (لأنه مقصود بطريق التنور) ش: أي باستعمال النورة، يقال تنور إذا طلى بالنورة م: (فتتكامل) ش: أي الجناية م: (بحلق كله وتتقاصر عند حلق بعضه) ش: ولهذا قالوا عبد المحرم خبز فاحترق بعض يديه في
стр. 2172
بحلق كله وتتقاصر عند حلق بعضه، وإن أخذ من شاربه فعليه طعام حكومة عدل، ومعناه أنه ينظر أن هذا المأخوذ لم يكن من ربع اللحية فيجب عليه الطعام بحسب ذلك، حتى ولو كان مثلا مثل ربع الربع يلزمه قيمة ربع الشاة، ولفظة الأخذ من الشارب تدل على أنه هو السنة فيه دون الحلق.
ــ
[البناية]
التنور فعليه صدقة إذا عتق، لأنه جناية يسيرة، وإن طلى من غير أذى فعليه دم إذا عتق؛ لأن جنايته غليظة ولا فرق بين الحلق والنتف والتنور في وجوب الفدية عند الأئمة الأربعة.
م: (وإن أخذ من شاربه فعليه طعام حكومة عدل) ش: هذا من مسائل " الجامع الصغير ". وفي " شرح الطحاوي " ﵀ ولو حلق شاربه فعليه صدقة، لأنه تبع اللحية، وهو قليل وقليل الشارب عضو مقصود بالحلق، فإن من عادة بعض الناس حلق الشارب دون اللحية فكان الواجب تكامل الجناية لحلقه، وأجيب بأنه مع اللحية في الحقيقة عضواً واحداً، لاتصال البعض بالبعض، فلا يجعل في حكم أعضاء متفرقة كالرأس، فإن من العلوية من عادته حلق مقدم الرأس، وذلك لا يدل على أن كله ليس بعضو واحد.
م: (ومعناه) ش: أي معنى ما ذكر من حكومة العدل م: (أنه ينظر أن هذا المأخوذ لم يكن من ربع اللحية فيجب عليه الطعام بحسب ذلك، حتى ولو كان) ش: أي المأخوذ م: (مثلا مثل ربع الربع) ش: أي ربع ربع اللحية م: (يلزمه قيمة ربع الشاة) ش: فيتصدق به، وعلى هذا القياس سائر الأجزاء، وإنما قال مثلاً لأنه يجوز أن يكون ثلث الربع أو نصف الربع أو غير ذلك، ففي الأول ثلث الشاة، وفي الثالث نصف الشاة.
م: (ولفظة الأخذ من الشارب) ش: يعني ذكر محمد ﵀ في " الجامع الصغير " لفظة الأخذ من الشارب م: (تدل على أنه) ش: أي أن الأخذ م: (هو السنة فيه) ش: أي في الشارب م: (دون الحلق) ش: في شرح الآثار أن الحلق سنة، وهو أحسن من القص، والقص حسن جائز، وقد بوب الطحاوي ﵀ في كتاب الكراهية باب حلق الشارب، ثم ذكر أحاديث فيها لفظ قص الشارب عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : «الفطرة عشرة "، فذكر قص الشارب» وأخرجه أبو داود بأتم منه، ومنها عن عائشة ﵂ مثله وأخرجه الجماعة ما خلا البخاري.
فلفظ مسلم قال: قال رسول الله ﷺ : «عشرة من الفطرة قص الشارب ... " الحديث.» ومنها عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الفطرة خمس» ، ثم ذكر مثله وأخرجه مسلم. ومنها عن المغيرة بن شعبة «أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً طويل الشارب فدعاه النبي ﷺ ثم دعا بسواك وشفرة فقص شارب الرجل على عود السواك» وأخرجه أبو داود وأحمد ثم قال فذهب قوم من أهل المدينة إلى هذه الآثار واختياره لقص الشارب على إحفائه،
стр. 2173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
انتهى.
قلت في شرحي الذي شرحته لكتاب الطحاوي ﵀ المسمى بشرح " معاني الآثار " أراد بالقوم هؤلاء سالماً وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وجعفر بن الزبير وعبد الله بن عبيد الله بن عتبة، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
فإنهم قالوا المستحب هو القص لا الإحفاء، وإليه ذهب حميد بن هلال والحسن البصري ومحمد بن سيرين وعطاء بن أبي رباح وبكر بن عبد الله ونافع بن جبير وعراك بن مالك والإمام مالك، وقال عياض: ذهب كثير من السلف إلى منع الحلق والاستئصال في الشارب، وكان مالك يرى حلقه مثلة، ويأمر بتأديب فاعله، ثم قال الطحاوي وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا بل يستحب إحفاء الشارب ويراه أفضل من قصه، انتهى.
قلت: أراد بهم جمهور السلف منهم أهل الكوفة ومكحول ومحمد بن عجلان ونافع مولى ابن عمر وأبو حنيفة ﵀ وأبو يوسف ومحمد ﵀ فإنهم قالوا المستحب إحفاء الشارب وهو أفضل من قصه، وروي ذلك عن عبد الله بن عمر وأبي سعيد الخدري ورافع بن خديج وسلمة بن الأكوع وجابر بن عبد الله وأبي أسيد وعبد الله بن عمر.
واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «أحفوا الشوارب وأعفوا عن اللحى» ، وأخرجه مسلم والترمذي، وبما رواه عن أنس عن النبي ﷺ مثله، وزاد: «ولا تشبهوا باليهود» ، وأخرجه البزار في " مسنده " ولفظه: «خالفوا المجوس جزوا الشوارب وأوفوا اللحى» ، وبما رواه عن أبي هريرة ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : «جزوا الشوارب أرخوا اللحى» ، وأخرجه مسلم.
والإحفاء الاستئصال، قال الخطابي: يقال أعفى شاربه ورأسه، وقال ابن دريد حفى شاربه حفياً إذا استأصل أخذ شعره، ومنه قوله أحفوا الشوارب، وقال الجوهري الإحفاء مصدر من قولهم أحفى شاربه إذا استقصى في أخذه.
قلت: أراد الطحاوي ﵀ بتبويب باب الحلق الإحفاء، لأن لفظ الحلق لم يرد. والحاصل أن الإحفاء للاستئصال حتى يرى جلده، وكان ابن عمر ﵄ يحفي حتى يرى جلده ويعلم من هذا كله أن الإحفاء أفضل من القص، وهو خلاف ما ذهب إليه المصنف من أن لفظ الأخذ هو السنة، لأن الإحفاء أوفى من الأخذ.
وقال الكاكي ﵀ وذكر الطحاوي في " شرح الآثار " أن حلقه سنة ونسب ذلك إلى العلماء الثلاثة، انتهى.
стр. 2174
والسنة أن يقص حتى يوازي الإطار. قال وإن حلق موضع المحاجم فعليه دم عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: عليه صدقة لأنه إنما يحلق لأجل الحجامة، وهي ليست من المحظورات. فكذا ما يكون وسيلة إليها، إلا أن فيه إزالة شيء من التفث فتجب الصدقة. ولأبي حنيفة ﵀ أن حلقه مقصود لأنه لا يتوصل إلى المقصود إلا به، وقد وجد
ــ
[البناية]
قلت: لم يذكر الطحاوي كذلك وإنما قال بعد روايته الأحاديث المذكورة والتوفيق بينها أن الإخفاء أفضل من القص، ثم قال نعم باب حلق الشارب. وإنما أراد بذلك الإحفاء حتى يصير كالحلق. وفي " المختار " حلقه سنة وقصه حسن. وفي " المحيط " الحلق أحسن من القص، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه - رحمهما الله -.
م: (والسنة أن يقص شاربه حتى يوازي الإطار) ش: هذا تفسير القص وهو أن يأخذ من الشارب حتى يوازي بالزاي المعجمة من الموازاة، وهي المقابلة والمواجهة والأصل فيه العمرة يقال فيه وازيته إذا حازيته. وقال الجوهري ﵁: ولا يقف وازيته وغيره أجازه على تخفيف الهمزة وثقلها، والإطار بكسر الهمزة الطرف الأعلى من الشفة العليا وفي " المغرب " إطار الشفة منتهى جلدها ولحمه استقبال من إطار المنجل والدف، وإن حلق موضع المحاجم.
وفي أكثر النسخ م: (قال) ش: أي قال القدوري ﵀ م: (وإن حلق المحرم موضع المحاجم) ش: وفي بعض النسخ مواضع المحاجم وفي بعضها موضع المحجم وهي جمع محجمة بكسر الميم وهي قارورة الحجامة، ويقال لها المحجم أيضاً بكسر الميم والمحجم بفتح الميم والجيم اسم مكان الحجم ويجمع على محاجم أيضا، والمراد هو الأول.
وإنما ذكرها بالجمع لاختلاف عادات الناس في مواضع الحجامة، فإن العرب يحتجمون على الرأس والفرس بين الكتفين وأهل الهدر على البطن م: (فعليه دم عند أبي حنيفة ﵀) ش: وبه قال الشافعي وأحمد. وقال ابن حزم وهو قول إبراهيم النخعي وعطاء وقال الحسن البصري من احتجم وهو محرم فعليه دم، وقال مالك ﵀ من فعل شيئاً من ذلك، فأما دفع عن نفسه أذى فعليه الفدية.
م: (وقالا: عليه صدقة لأنه) ش: أي لأن موضع الحجامة م: (إنما يحلق لأجل الحجامة، وهي ليست من المحظورات) ش: أي من محظورات الإحرام، أي ممنوعاته م: (فكذا) ش: لا يكون من المحظورات م: (ما يكون وسيلة إليها) ش: أي إلى الحجامة، لأنه وسيلة إلى الأمر المباح م: (إلا أن فيه) ش: أي غير أن في الحلق م: (إزالة شيء من التفث فتجب الصدقة) ش: لأن ليس في كل منهما ترفق ولا نيل راحة.
م: (ولأبي حنيفة ﵀ أن حلقه) ش: أي حلق موضع المحاجم م: (مقصود لأنه لا يتوصل) ش: يسار م: (إلى المقصود) ش: وهو الحجامة م: (إلا به) ش: أي بالحلق م: (وقد وجد
стр. 2175
إزالة التفث عن عضو كامل فيجب الدم
وإن حلق رأس محرم بأمره أو بغير أمره فعلى الحالق الصدقة، وعلى المحلوق دم. وقال الشافعي: ﵀: لا يجب إن كان بغير أمره بأن كان نائما؛ لأن من أصله أن الإكراه يخرج المكره من أن يكون مؤاخذا بحكم الفعل والنوم أبلغ منه، وعندنا بسبب النوم والإكراه ينتفي المأثم دون الحكم، وقد تقرر سببه، وهو ما نال من الراحة والزينة
ــ
[البناية]
إزالة التفث عن عضو كامل فيجب الدم) ش: قيل لا شك أن حلق موضع المحاجم وسيلة إلى الحجامة، وما كان وسيلة إلى الشيء كيف يصح أن يكون مقصوداً، وأجيب بأنه لا ينافي كونه وسيلة أن يكون مقصوداً، ألا ترى الإيمان وسيلة لصحة جميع العبادات وهو مع هذا من أعظم المقاصد.
م: (وإن حلق رأس محرم) ش: أي وإن حلق المحرم رأس محرم آخر م: (بأمره أو بغير أمره فعلى الحالق الصدقة، وعلى المحلوق دم) ش: وفي " البدائع " حلق رأس محرم أو حلال أو قلم أظافيره، وهو محرم فعليه صدقة، سواء كان نائماً، وفي " شرح الوجيز " إذا حلق حلال أو حرام المحرم بغير أمره ينظر إن كان المحرم نائماً أو مكرهاً أو مغمى عليه، ففيه قولان أصحهما أن الفدية على الحالق، وبه قال مالك ﵀ وأحمد، لأنه هو المقصود لا تقصير من جهة المحلوق، والثاني: أنها على المحلوق، وبه قال أبو حنيفة ﵀، واختاره المزني لأنه هو المرتفق به. وقد ذكر المزني أن الشافعي ﵀ قد حط على هذا القول لكن الأصحاب نقلوه عن البويطي ووجدوه غير محطوط عليه، ولو حلقه بأمره فالفدية على المحلوق ولا شيء على الحالق قولاً واحداً، وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله - لأن فعل الحالق يضاف إليه سواء كان الحالق محرماً أو حلالاً.
م: (وقال الشافعي ﵀: لا يجب إن كان بغير أمره بأن كان نائما؛ لأن من أصله) ش: أي من أصل الشافعي م: (أن الإكراه يخرج المكره من أن يكون مؤاخذا بحكم الفعل والنوم أبلغ منه) ش: أي من الإكراه، لأن الإكراه لا بعد قصده وإلا أخذ بالفعل بالنوم بعدما نام م: (وعندنا بسبب النوم والإكراه ينتفي المأثم دون الحكم) ش: يعني ينتفي الإثم الذي هو حكم الآخرة دون الحكم الذي يتعلق بالدماء م: (وقد تقرر سببه) ش: أي سبب وجوب الفدية والواو فيه للحال م: (وهو) ش: أي السبب م: (ما نال من الراحة والزينة) ش: أي ما نال المحلوق من الزينة والراحة بزوال الشعث ومن الزينة بزوال انتشار الشعر.
فإن قلت: ذكر في الديات أن في شعر الرأس دية، لأنه فوق أنه كمال، لأن وجود الشعر جمال وزينة، وجعل هاهنا فوات الزينة.
قلت: شعر الرأس زينة من حيث أصل الخلقة، فكذلك تجب الدية بزواله، والمراد هاهنا من
стр. 2176
فيلزمه الدم حتما، بخلاف المضطر حيث يتخير؛ لأن الآفة هناك سماوية، وهاهنا من العباد، ثم لا يرجع المحلوق رأسه على الحالق؛ لأن الدم إنما لزمه بما نال من الراحة فصار كالمغرور في حق العقر، وكذا إذا كان الحالق حلالا لا يختلف الجواب في حق المحلوق رأسه، وأما الحالق فتلزمه الصدقة في مسألتنا في الوجهين. وقال الشافعي ﵀: لا شيء عليه، وعلى هذا الخلاف إذا حلق المحرم رأس الحلال له
ــ
[البناية]
الزينة زوال الشعث، وهو أمر عارض يزيد صفرة الوجه، فكان هذا غير زوال، فأطلق هاهنا جمالا ًوهناك زينة للفرق بينهما.
م: (فيلزمه الدم حتما) ش: أي وجوباً، لأن النذر من قبل من ليس له الحق فيغلظ الحكم م: (بخلاف المضطر حيث يتخير) ش: أي بخلاف المحرم المضطر إلى حلق رأسه، فإنه إذا حلق يتخير بين الأشياء الثلاثة إن شاء ذبح شاة وإن شاء تصدق بها على ستة مساكين، وإن شاء صام ثلاثة أيام، وفيه نفي لقول الشافعي ﵀، فإنه يقول إذا حلق المحرم غير مضطر فهو مخير بين الأشياء الثلاثة كما في حال الضرورة م: (لأن الآفة هناك) ش: أي في الاضطرار م: (سماوية) ش: أي من قبل الله م: (وهاهنا) ش: أي في الإكراه م: (من العباد) ش: أي من قبلهم م: (ثم لا يرجع المحلوق رأسه) ش: مما وجب عليه من الدم م: (على الحالق؛ لأن الدم إنما لزمه بما نال من الراحة) ش: وهو الانتفاع م: (فصار) ش: أي المحلوق م: (كالمغرور في حق العقر) ش: حيث لا يرجع بالعقر على مائعه. صورته اشترى جارية فاستولدها، ثم استحقت يغرم قيمة الولد والعقر، ويرجع بقيمة الولد على البائع ولا يرجع بالعقر، لأن العقر بسبب ما كان من الراحة بالوطء، ولهذا قال المصنف على من رفع الساق، وكذا إذا تزوج امرأة فاستحقت لا يرجع على الذي تزوجها لأنها حرة، لأن المغرور هو الذي استوفى منافع البضع، وقال في " شرح مختصر الكرخي " ﵀ كان أبو حازم يقول يرجع، وعليه الكفارة، لأن الحالق ألجأه إلى التكفير فصار كأنه أخذ من ماله ذلك القدر فأتلفه.
م: (وكذا إذا كان الحالق حلالا لا يختلف الجواب في حق المحلوق رأسه) ش: يعني إذا حلق حلال رأس محرم يجب على المحلوق الدم عندنا لحصول الارتفاق الكامل، وعند الشافعي ﵀ إذا لم يكن بأمره فلا شيء عليه، وفي السكون وجهان م: (وأما الحالق فتلزمه الصدقة في مسألتنا) ش: يعني فيما إذا كان المحرم حلق المحرم م: (في الوجهين) ش: أي فيما إذا كان الحالق بأمر المحلوق أو بغير أمره.
م: (وقال الشافعي ﵀: لا شيء عليه) ش: أي الحالق، وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله - م: (وعلى هذا الخلاف) ش: أي بيننا وبين الشافعي ﵀ م: (إذا حلق المحرم رأس حلال) ش: فعندنا تجب الصدقة على الحالق، وعند الشافعي لا شيء عليه م: (له) ش: أي
стр. 2177
أن معنى الارتفاق لا يتحقق بحلق شعر غيره، وهو الموجب.
ولنا أن إزالة ما ينمو من بدن الإنسان من محظورات الإحرام؛ لاستحقاقه الأمان بمنزلة نبات الحرم، فلا يفترق الحال بين شعره وشعر غيره إلا أن كمال الجناية في شعره. فإن أخذ من شارب حلال أو قلم أظافيره أطعم ما شاء
ــ
[البناية]
للشافعي ﵀ م: (أن معنى الارتفاق لا يتحقق بحلق شعر غيره، وهو الموجب) ش: بكسر الجيم، أي الموجب للدم هو الارتفاق، ولا يحصل الارتفاق للشخص بحلق شعر غيره.
م: (ولنا أن إزالة ما ينمو من بدن الإنسان من محظورات الإحرام لاستحقاقه الأمان) ش: أي لاستحقاق ما ينمو من الأمان بمنزلة بيان الحرم. قال السغناقي ﵀ هذا يقتضي أن الحلال إذا حلق رأس حلال في الحرم أن يجب على الحالق الجزاء كما في قطع نبات الحرم ولكن ما وجدت رواية له بل وجدت رواية أنه لا يجب شيء، قيل لا يقتضي لأن شعر الحلال في الحرم لا يصير م: (بمنزلة نبات الحرم) ش: وإنما يصير بالإحرام فلا يلزمه هذا م: (فلا يفترق الحال بين شعره وشعر غيره) ش: أي بين حلق شعر نفسه وبين حلق شعر غيره، لأن الأمان يزول في الصورتين. م: (إلا أن كمال الجناية في شعره) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر بأن يقال لم يفترق الحال بين الصورتين ينبغي أن يجب عليه الدم في حلق شعر غيره، فأجاب بأن كمال الجناية في حلق شعر نفسه لوجود العين إزالة الأمن والارتفاق الكامل ولهذا يجب الدم بخلاف شعر غيره، قلت: فإن حلقه هو الارتفاق الكامل من الراحة والزينة للحالق بل له نوع ارتفاق بأن بدر مع الداري ينفقه، ولهذا وجبت الصدقة لقصور الجناية.
م: (فإن أخذ من شارب حلال) ش: وفي بعض النسخ فإن حلق من شارب حلال، وكذا في نسخة الأترازي وقال وهذه من مسائل " الجامع الصغير " وقد نص في " شرحه " فخر الإسلام البزدوي عن محمد عن يعقوب عن محمد عن أبي حنيفة في المحرم يأخذ من شارب الحلال أو يقص من أظفاره قال يطعم شيئاً.. إلى آخره. وقد قال المصنف بلفظ أحمد تبعاً للفظ محمد ﵀ م: (أو قلم) ش: بالتشديد. وقال الأترازي ﵀، لأن التفضيل للتكثير ما في الفعل كما في حول وطوف، وإما في الفاعل كما في موت الإبل، وإما في المفعول كما في غلقت الأبواب وما نحن فيه من قبيل الثالث انتهى.
قلت: ليس التعليل هاهنا بمعنى ما ذكره ولا معنى من معاني هذه الثلاثة، وإنما فعل بالتشديد هاهنا للتعدية كما في قولك فرحته ولقن ابن الحاجب إن فعل بالتشديد يجيء للتعدية، ثم ذكر المقال المذكور م: (أظافيره) ش: جمع أظفار وهو جمع ظفر، وهو من جموع القلة م: (أطعم ما شاء) ش: في لفظ محمد ﵀ في " الجامع الصغير " يطعم شيئاً، وفي لفظ النسفي في " الكنز " وفي أخذ شارب حلال وقلم أظفاره طعام.
стр. 2178
والوجه فيه ما بينا ولا يعرى عن نوع ارتفاق؛ لأن يتأذى بتفث غيره، فإن كان أقل من التأذي بتفث نفسه فيلزمه الطعام، وإن قص أظافير يديه ورجليه فعليه دم؛ لأنه من المحظورات لما فيه من قضاء التفث وإزالة ما ينمو من بدن الإنسان، فإذا قلمها كلها فهو ارتفاق كامل فيلزمه الدم، ولا يزاد على دم إن حصل في مجلس واحد؛ لأن الجناية من نوع واحد
ــ
[البناية]
قال الشارح أي صدقة بطعام كالفطرة. وقال الأترازي عبارته مشككة جداً، ثم قال ملخصه إنه إن أراد بقوله أطعم ما شاء العموم، يعني قليلاً أو كثيراً كيفما شاء، فلا يجوز لأنه صرح في " شرح الكرخي " بإيجاب الصدقة نصاً عن أبي حنيفة ﵀ في قلم المحرم أظافير الحلال، وإن أراد الخصوص بإرادة التصديق فنصف صاع من حنطة فلا يجوز أيضاً، لأن إزالة تفث غيره أدنى من إزالة تفث نفسه، انتهى.
قلت: لا اعتراض على محمد أيضاً، لأن معنى قوله يطعم شيئاً من الصدقة، وكذا قول المصنف أطعم ما شاء وهو في معنى ما ذكره محمد ولا اعتراض على محمد أيضاً ولا معنى لقوله يطعم شيئا من الصدقة لأن الكرخي ﵀ نص في إيجاب الصدقة كما ذكرنا، وبين شارح " الكنز " الصدقة بقوله أي صدقة بطعام كالفطرة كما ذكرنا.
م: (والوجه فيه ما بينا) ش: يعني قوله - إن إزالة ما ينمو من بدن الإنسان من محظورات الإحرام - إلى أن قال - فلا يفترق بين شعره وشعر غيره - م: (ولا يعرى عن نوع ارتفاق) ش: هذا جواب عن قول الشافعي ﵀ في قوله لا يجب شيء على المحرم إذا حلق رأس الحلال، لأنه قاسه على ما إذا لبس غيره مخيطاً في عدم ارتفاقه، فكما لا يجب في إلباس غيره شيء، فكذلك هاهنا ورد عليه المصنف بقوله ولا يعرى أي المحرم عن نوع ارتفاق وبين ذلك بقوله م: (لأن يتأذى) ش: أي لأن المحرم الذي حلق للحلال أو أخذ من شاربه أو أظافير يتأذى م: (بتفث غيره، فإن كان أقل من التأذي بتفث نفسه فيلزمه الطعام) ش: أي بأن الصدقة بالطعام كالفطرة كما ذكرنا.
م: (وإن قص) ش: أي المحرم م: (أظافير يديه ورجليه فعليه) ش: أي وأظافر رجليه أراد به قص أظافيره كلها من اليدين والرجلين م: (فعليه دم لأنه) ش: أي لأن قصه هذا م: (من المحظورات) ش: أي من ممنوعات المحرم م: (لما فيه) ش: أي لما في القص المذكور م: (من قضاء التفث) ش: أي من إزالة الوسخ م: (وإزالة ما ينمو من بدن الإنسان، فإذا قلمها كلها) ش: أي كل الأظافير من اليدين والرجلين م: (فهو ارتفاق كامل فيلزمه الدم) ش: لأن قص الأظفار لا يجوز للمحرم، وقال عطاء يجوز ولا خلاف فيه عند الأئمة الأربعة م: (ولا يزاد على دم) ش: أي على دم واحد م: (إن حصل في مجلس واحد لأن الجناية من نوع واحد) ش: أي قص الأظافير الارتفاق من حيث القص، وهو شيء واحد، وبه قال حماد ومالك والشافعي وأحمد.
стр. 2179
فإن كان في مجالس فكذلك عند محمد ﵀ لأن مبناها على التداخل فأشبه كفارة الفطر إلا إذا تخللت الكفارة لارتفاع الأولى بالتكفير. وعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - يجب أربعة دماء إن قلم في كل مجلس يدا أو رجلا؛ لأن الغالب فيه معنى العبادة فيتقيد التداخل باتحاد المجلس كما في آي السجدة. وإن قص يدا أو رجلا فعليه دم، إقامة للربع مقام الكل كما في الحلق، وإن كان قص أقل من خمسة أظافير فعليه صدقة، معناه تجب بكل ظفر صدقة. وقال زفر ﵀: يجب الدم بقص ثلاثة منها، وهو قول أبي حنيفة ﵀ الأول استحسانا؛ لأن في أظافير اليد الواحدة دما، والثلاثة أكثرها.
ــ
[البناية]
م: (فإن كان) ش: أي قص الأظافير كلها م: (في مجالس فكذلك) ش: أي يجب دم واحد م: (عند محمد ﵀ لأن مبناها) ش: أي مبنى هذه الكفارة م: (على التداخل) ش: إذا اتحد الجنس م: (فأشبه كفارة الفطر) ش: إذا أفطر في أيام رمضان، فإنه تكفيه كفارة واحدة، وكما تتداخل الكفارة أيضاً إذا ترك الجماع في أيام النحر كلها، وخرج عن هذا سجدة التلاوة، لأنها ليست بكفارة عند الشافعي ﵀ إذا وجدت أفعال متفرقة من جنس واحد في مجلس واحد أو مجلس من غير تكفير، ففي تداخل الكفارة قولان في مثل قول محمد ﵀، وحكي عن مالك كذلك وفي قول مثل قولهما.
م: (إلا إذا تخللت الكفارة) ش: يعني إن كفر للأولى تجب كفارة أخرى للثانية م: (لارتفاع الأولى) ش: أي الجناية الأولى م: (بالتكفير) ش: فتصير الثانية جناية مبتدأة م: (وعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - يجب أربعة دماء إن قلم في كل مجلس يدا أو رجلا؛ لأن الغالب فيه) ش: أي في هذا التكفير م: (معنى العبادة) ش: بدليل أن كفارات الإحرام تجب على المعذورات كالمكره والجاهل والناسي تجب عليه ولا تجب العقوبات، بخلاف كفارات الفطر، فإنها لا تجب على المعذور م: (فيتقيد التداخل باتحاد المجلس) ش: يعني لا يكون التداخل إلا إذا اتحد المجلس لأن لاتحاد المجلس تأثيرا ًفي عدم المتفرقات، وإذا اختلفت المجالس يترجح جانب اختلاف المجالس م: (كما في آي السجدة) ش: إذا تكررت في مجلس واحد تجب سجدة واحدة، فإن كانت في مجالس مختلفة فعليه لكل واحدة سجدة.
م: (وإن قص يدا أو رجلا) ش: أي وإن قص المحرم أظافير رجل واحدة م: (فعليه دم، إقامة للربع مقام الكل كما في الحلق) ش: أي كما إذا حلق ربع رأسه فإنه يجب عليه دم، لأن الربع يحكي حكاية الكل م: (وإن قص أقل من خمسة أظافير فعليه صدقة، معناه) ش: أي معنى قول القدوري في قص الأقل من الخمسة بقوله فعليه صدقة هو أنه م: (تجب بكل ظفر صدقة. وقال زفر ﵀: يجب الدم بقص ثلاثة منها، وهو) ش: أي قول زفر ﵀ م: (قول أبي حنيفة ﵀ الأول استحساناً؛ لأن في أظافير اليد الواحدة دما، والثلاثة) ش: أي الأظافير الثلاثة م: (أكثرها) ش: أي أكثر الأظافير من اليد والرجل، لأن حكم الأكثر حكم الكل.
стр. 2180
وجه المذكور في الكتاب أن أظافير كف واحد أقل ما يجب الدم بقلمه، وقد أقمناها مقام الكل، فلا يقام أكثرها مقام كلها؛ لأنها تؤدي إلى ما لا يتناهى.
وإن قص خمسة أظافير متفرقة من يديه ورجليه فعليه صدقة عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وقال محمد ﵀: عليه دم اعتبارا بما لو قصها من كف واحد، وبما إذا حلق ربع الرأس من مواضع متفرقة. ولهما أن كمال الجناية بنيل الراحة والزينة وبالقلم على هذا الوجه يتأذى ويشينه ذلك، بخلاف الحلق،
ــ
[البناية]
م: (وجه المذكور في الكتاب) ش: أي القدوري وأراد بالذكر وجوب الصدقة لكل ظفر م: (أن أظافير كف واحد أقل ما يجب الدم بقلمه) ش: باتفاق م: (وقد أقمناها مقام الكل) ش: الواو فيه للحال أي والحال إزالة قد أقمنا أقل ما يجب الدم بقلمه مقام الكل م: (فلا يقام أكثرها) ش: أي أكثر اليد الواحدة م: (مقام كلها؛ لأنها تؤدي إلى ما لا يتناهى) ش: أي إلى ما لا يتعسر اعتباره. وفي " الكافي " المراد من عدم التناهي العسر لا المذكور في أصول الدين في وجود ما لا يتحرى، لأنه لو كان وجوب الدم باعتبار الأكثر لكان يجب دم أو الصدقة في عشر الأصبع، لأن العشر أكثر بالنسبة إلى نصف العشر، وفي العشر لا يجب بالإجماع.
وقال الأترازي ﵀ بيانه أن بيان المؤدي ما لا يتناهى إن أوجبنا الدم في خمسة أصابع اليد الواحدة أو الرجل الواحدة لحصول الارتفاق الكامل بقص الربع، لأن مجموع الأصابع عشرون والخمسة ربع ذلك، ثم إذا أوجبنا الدم في ثلاثة أصابع إقامة للأكثر مقام الكل يلزمه اعتبار ذلك فيما دون الثلاثة، لأن الأصبعين أكثر الثلاثة فيلزم أن يجب فيهما دم أيضاً، لأنها نصف الأصبعين وما يقابله، فليس بكثير، ويكون كثيراً فيلزم حينئذ بالأكثر في كل أصبع بلا نهاية، فلا يجوز للزوم خرق الإجماع من ذلك فافهم.
م: (وإن قص خمسة أظافير متفرقة من يديه ورجليه فعليه صدقة عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وقال محمد ﵀: عليه دم) ش: هذه من مسائل القدوري. قوله - متفرقة - بالجر صفة المعدود كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف: ٤٣] [يوسف: الآية ٤٣] ، م: (اعتبارا بما لو قصها من كف واحد) ش: لأن الخمسة ربع الأصابع فصار قصها متفرقة كقصها من يد واحدة أو من رجل واحدة م: (وبما إذا حلق ربع الرأس من مواضع متفرقة) ش: أي واعتباراً أيضاً بما إذا حلق ربع رأسه من جوانب مختلفة فإنه يضم بعضه إلى بعض كما في النجاسة في مواضع متفرقة.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة وأبي يوسف م: (أن كمال الجناية بنيل الراحة والزينة وبالقلم على هذا الوجه) ش: أي على وجه التفرق م: (يتأذى به) ش: لاختلاف ما ينتفع به م: (ويشينه) ش: أي يريد في المنظر مكروهاً وهو من الشنو، وهو العين، يقال شانه يشينه شيناً، والشين هاهنا من حيث إن البخل لا يكون نقص البغض. وفي " المبسوط " أنه لا يحسن في النظر، فيزداد له شغل القلب م: (ذلك، بخلاف الحلق) ش: كأنه جواب عما يقال من جهة محمد ﵀ -
стр. 2181
لأنه معتاد على ما مر. وإذا تقاصرت الجناية تجب فيها الصدقة فيجب بقلم كل ظفر طعام مسكين، وكذلك لو قلم أكثر من خمسة متفرقا إلا أن يبلغ ذلك دما فحينئذ ينقص عنه أو عن الطعام ما شاء. قال: وإن انكسر ظفر المحرم فتعلق فأخذه فلا شيء عليه؛ لأنه لا ينمو بعد الانكسار فأشبه اليابس من شجر الحرم. وإن تطيب أو لبس مخيطا أو حلق من عذر فهو مخير إن شاء ذبح شاة، وإن شاء تصدق على ستة مساكين بثلاثة أصوع من الطعام، وإن شاء صام ثلاثة أيام لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦)
ــ
[البناية]
ينبغي أن يكون كذلك في الحلق من جوانب الرأس، فأجاب بقوله م: (لأنه) ش: أي لأن الحلق على هذا الوجه م: (معتاد على ما مر) ش: في أن الأتراك والعرب يفعلون ذلك، لأنه معتاد عندهم، وقص البعض دون البعض ليس بمعتاد فافترقا. م: (وإذا تقاصرت الجناية تجب فيها الصدقة) ش: بمقدارها م: (فيجب بقلم كل ظفر طعام مسكين) ش: وقال مالك ﵀ في ظفرين فدية، وقال ابن القاسم في الواحد، وفي الموازية لا شيء في الواحد، إلا أن يميط به أذى، وقال أشهب: يطعم مسكيناً، وقال الشافعي ﵀ أوجب الفدية في الثلاثة، وفيما دونها مداً لكل ظفر. م: (وكذلك لو قلم أكثر من خمسة متفرقا) ش: يعني، وكذا الحكم لكل ظفر طعام مسكين عندهما، وعند محمد ﵀ دم إذا قص أكثر من خمسة أصابع متفرقاً وانتصابه على أنه صفة لمصدر محذوف، أي قلماً متفرقاً يعني من الأطراف، وليس من عضو واحد م: (إلا أن يبلغ ذلك) ش: أي الطعام م: (دما) ش: أي تبلغ قيمة الطعام الذي وجب لأجل قص الأصابع المتفرقة دماً م: (فحينئذ ينقص عنه) ش: أي عن الدم م: (أو عن الطعام ما شاء) ش: حتى لو قص ستة عشر ظفراً من كل عضو أربعة فعليه لكل ظفر طعام مسكين، إلا أن يبلغ ذلك طعاماً فينقص منه ما شاء. وفي " شرح المجمع " واختلفوا في كيفية النقصان عن الدم كيلا يبلغ الواجب، وما قيل ينقص من صاع أو نصفه شيء حتى ينقص منه الواجب عن الدم، والأصح أن ينظرا على أصوع من الشعير أو التمر، فإن لم يبلغ ذلك وما إذا أخرج فيكون الواجب أنقص من الدم، وتكون الصدقة بمقدار مقدر شرعاً، وكذا في نصف صاع من بر. م: (قال: وإن انكسر ظفر المحرم وتعلق فأخذه فلا شيء عليه؛ لأنه لا ينمو بعد الانكسار فأشبه اليابس من شجر الحرم) ش: حيث يجب عليه إذا قلعه، وكذلك الشعر المقطوع. وقال ابن المنذر في " الإشراق " أجمع أهل العلم أن له أن يزيل عن نفسه ما كان منكسراً منه كابن عباس وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومجاهد وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري ومالك والحميدي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. م: وإن تطيب) ش: أي المحرم م: أو لبس مخيطا أو حلق من عذر) ش: أي من أجل عذر.
م: (فهو مخير إن شاء ذبح وإن شاء تصدق على ستة مساكين بثلاثة أصوع من الطعام وإن شاء صام ثلاثة أيام لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦)) ش: أول الآية
стр. 2182
وكلمة "أو" للتخيير، وقد فسرها رسول الله ﷺ بما ذكرنا، والآية نزلت في المعذور
ثم الصوم يجزئه في أي موضع شاء؛ لأنه عبادة في كل مكان، وكذلك الصدقة عندنا لما بينا. وأما النسك فيختص بالحرم بالاتفاق؛ لأن الإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان أو مكان
ــ
[البناية]
قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] قوله: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهو القمل أو الجراحة، فعليه إذا حلق فدية من صيام ثلاثة أيام أو صدقة على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من بر أو نسك، وهو شاة، والنسك مصدر، وقيل جمع منسكة.
م: (وكلمة "أو" للتخيير) ش: فيدل على أن الذي يحلق بعذر بين هذه الأشياء الثلاثة م: (وقد فسرها رسول الله ﷺ ) ش: أي الآية قَوْله تَعَالَى ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦) ، أطلق على بعض الآية أنه من قبيل ذكر الجزء وإرادة الكل م: (بما ذكرنا، والآية نزلت في المعذور) ش: وهو كعب بن عجرة بضم العين المهملة، وسكون الجيم ابن أمية بن عدي يكنى أبا محمد؛ شهد بيعة الرضوان مات سنة ثلاثة وخمسين بالمدينة وله خمس وسبعون سنة. وأخرج الأئمة الستة حديثه عنه «أن النبي ﷺ مر به وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو محرم يوقد تحت قدرة ناراً والقمل يتهافت على وجهه، فقال: " أيؤذيك هوامك هذه؟ " قال: " نعم، قال: " فاحلق رأسك وأطعم فرقاً بين ستة مساكين "، والفرق ثلاثة أصوع " أو صم ثلاثة أيام أو نسك شاة» .
وأخرج البخاري ومسلم أيضاً «عن عبيد الله بن مغفل حدثنا، قال حدثني كعب بن عجرة أنه خرج مع رسول الله ﷺ محرماً فقمل رأسه ولحيته فبلغ ذلك النبي ﷺ فأرسل إليه فدعى الحلاق فحلق رأسه، ثم قال: " هل عندك نسك "، قال ما أقدر عليه فأمره أن يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين صاع، فأنزل الله فيه خاصة ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ثم كانت للمسلمين عامة» وقد فسرها رسول الله ﷺ بقدره بالصوم ستة أيام إلا لما يقدر الطعام ستة مساكين كان القياس أن يكون الصوم ستة أيام.
م: (ثم الصوم يجزئه في أي موضع شاء) ش: هذا بالاتفاق بين الأئمة الأربعة م: (لأنه) ش: أي لأن الصوم م: (عبادة في كل مكان) ش: فلا يتقيد بمكان معين م: (وكذلك الصدقة عندنا) ش: خلافاً للشافعي فإنه يقول الطعام لا يجزئه إلا في الحرم، وبه قال أحمد م: (لما بينا) ش: هو أنه عبادة في كل مكان م: (وأما النسك) ش: وهو ذبح الشاة م: (فيختص بالحرم بالاتفاق) ش: أي بيننا وبين الشافعي.
م: (لأن الإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان) ش: كالأضحية م: (أو مكان) ش: كجميع
стр. 2183
وهذا الدم لا يختص بزمان فتعين اختصاصه بالمكان. ولو اختار الطعام أجزأه، فيه التغذية والتعشية عند أبي يوسف ﵀ اعتبارا بكفارة اليمين، وعند محمد ﵀ لا يجزئه؛ لأن الصدقة تنبئ عن التمليك وهو المذكور.
ــ
[البناية]
الهدايا م: (وهذا الدم لا يختص بزمان فتعين اختصاصه بالمكان) ش: وهو الحرم. وقال مالك ﵀ إذا ذبحها في الحرم وفرق لحمها في الحل جاز كقولنا. وقال الحسن البصري كل دم واجب فليس له أن يذبحه إلا بمكة، وعند الظاهرية تجوز الثلاثة في أي موضع شاء، ومثله عن مجاهد ﵀، فإن هلك المذبوح أو سرق سقط لتعيينه كالزكاة، وفيه خلاف الشافعي.
م: (ولو اختار) ش: الحالق المعذور م: (الطعام أجزأه فيه التغذية والتعشية عند أبي يوسف اعتبارا بكفارة اليمين) ش: ذكر في القرآن بلفظ الإطعام وهو يفيد الإباحة، واعتبر أبو يوسف ﵀ لفظ الطعام في الحديث حيث قال أطعم مساكين.
م: (وعند محمد ﵀ لا يجزئه؛ لأن الصدقة تنبئ عن التمليك) ش: أي الصدقة المذكورة في قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] تنبئ عن التمليك م: (وهو المذكور) ش: في الآية المذكورة، وإنما ذكر الضمير بالنظر إلى الخبر كما في قَوْله تَعَالَى الإطعام لا الصدقة، قال ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] قيل لا تدل الصدقة على التمليك، وقال ﷺ : «نفقة الرجل على أهله صدقة» ، ولا تمليك هاهنا، فإنما هو الإباحة.
стр. 2184
فصل وإن نظر إلى فرج امرأته بشهوة فأمنى لا شيء عليه؛ لأن المحرم هو الجماع ولم يوجد، فصار كما لو تفكر فأمنى.
. وإن قبل أو لمس بشهوة فعليه دم، وفي " الجامع الصغير "، يقول: إذا مس بشهوة فأمنى، ولا فرق بينهما إذا أنزل أو لم ينزل ذكره، في الأصل
ــ
[البناية]
[فصل في النظر والمباشرة للمحرم]
م: (فصل) ش: أي هذا فصل مهماً فصل ينون، ومهماً وصل لا ينون، لأن الإعراب لا يكون إلا بالتركيب.
١ -
م: (وإن نظر إلى فرج امرأته بشهوة فأمنى لا شيء عليه) ش: يعني سوى الغسل، وإنما قال امرأته وإن كان الحكم في غير امرأته كذلك إلا أن النظر إلى فرج الأجنبية حرام، ولا يظن بالمسلم ارتكاب الحرام، فراعى الأدب وقال امرأته. وأراد بالفرج موضع البكارة، ولا يمكن النظر إليها إلا إذا كان سكينة، أما النظر إلى ظاهر الفرج فليس بشيء كذا في " الكافي " م: (لأن المحرم عليه هو الجماع ولم يوجد) ش: لأن الجماع هو قضاء الشهوة على سبيل الاجتماع صورة ومعنى. أما الصورة فهو الإيلاج، أما معنى فهو الإنزال ولم يوجد ذلك م: (فصار كما لو تفكر فأمنى) ش: فإنه لا يجب عليه شيء، وكذا لو أطال النظر أو تكرر منه، وعن عطاء لو أطال النظر فأمنى يفسد حجه، ولو دفع فعليه بدنة عند الحسن البصري والحج من قابل، وهو قول مالك ﵀: وفي " المغني " لو نظر فصرف بصره فعليه شاة عند أحمد ﵀، وإن كرر فعليه بدنة وحجة تامة عند الأئمة الثلاثة. وقال الأوزاعي ﵀ الإنزال فيما دون الفرج يفسد الحج، وقال عبد الله بن الحسن: إذا لمس فأنزل بطل حجه.
م: (وإن قبل أو لمس بشهوة فعليه دم) ش: سواء أنزل أو لم ينزل على رواية الأصل كما يذكر م: (وفي " الجامع الصغير "، يقول: إذا مس بشهوة فأمنى) ش: إنما ذكر لفظ " الجامع الصغير " لأنه شرط الإنزال حيث قال فأمنى أي أنزل ولم يشترط القدوري ذلك، كما اشترط في الأصل حيث قال والمس والتقبيل من شهوة والجماع فيما دون الفرج أنزل أو لم ينزل لم يفسد الإحرام، ولكنه يوجب الدم م: (ولا فرق بين ما إذا أنزل أو لم ينزل ذكره، في الأصل) ش: أي ذكر محمد ﵀ الفرق بين الإنزال وعدم الإنزال في المس والتقبيل من شهوة في الأصل، وهو في " المبسوط ". وذكر في " شرح الطحاوي " والكرخي كما في الأصل، وفي " شرح المهذب " للنووي ﵀ يحرم اللمس بشهوة والقبلة والمباشرة فيما دون الفرج بشهوة، ولا يفسد بذلك حجة أنزل أو لم ينزل، ولا تجب بدونه فدية الحلق، وأما اللمس والقبلة بغير شهوة فلا يحرم، ولا شيء عليه بلا خلاف، وغلطوا إمام الحرمين والعراقي فيه حيث اعتبراه ينقض الوضوء في الحرمة.
стр. 2185
وكذا الجواب في الجماع فيما دون الفرج. وعن الشافعي ﵀ أنه إنما يفسد إحرامه في جميع ذلك إذا أنزل واعتبره بالصوم.
ولنا أن فساد الحج يتعلق بالجماع، ولهذا لا يفسد بسائر المحظورات، وهذا ليس بجماع مقصود فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع إلا أن فيه معنى الاستمتاع والارتفاق بالمرأة وذلك محظور الإحرام فيلزمه الدم بخلاف الصوم؛ لأن المحرم فيه قضاء الشهوة، ولا يحصل بدون الإنزال فيما دون الفرج.
ــ
[البناية]
م: (وكذا الجواب في الجماع فيما دون الفرج) ش: أي تجب الشاة، ولا يفسد به الإحرام أنزل أو لم ينزل، والجماع فيما دون الفرج هو الإدخال بين الفخذ والسرة، فإن الفرج يراد به القبل والدبر م: (وعن الشافعي ﵀ أنه إنما يفسد إحرامه في جميع ذلك) ش: ذلك إشارة إلى اللمس بشهوة والتقبيل بشهوة والجماع فيما دون الفرج، يعني يفسد إحرامه عند الشافعي ﵀ في هذه الصور الثلاث إذا وجد الإنزال، وهو معنى قوله م: (إذا أنزل واعتبره بالصوم) ش: فإن الصوم إنما يفسد بهذه الأشياء إذا أنزل، لأنه مواقعة معنى، وقال السروجي: ولا أصل له، يعني نسبة هذه الرواية إلى الشافعي غير صحيحة، لأن إحرامه لا يفسد في شيء من ذلك من الذي تقدم، إنما قال ذلك عقيب نقله ما ذكرناه الآن من " شرح المهذب " وفي متن " المغني " لأصحابنا لمس امرأته بشهوة قبل الوقوف فأمنى فسد حجه، وكذا إذا لم يمن في رواية وهو شاذ ضعيف، وفي " المنافع " يعني بالفساد النقصان الفاحش لا البطلان، وقال ابن المنذر أجمع أهل العلم أن الحج لا يفسد إلا بالجماع.
م: (ولنا أن فساد الحج يتعلق بالجماع) ش: أي على وجه التغليظ م: (ولهذا لا يفسد بسائر المحظورات) ش: أي لتعلق فساد الحج بالجماع لا يفسد الحج بسائر ممنوعات الإحرام من قبيل التقبيل ولبس المخيط واستعمال الطيب ونحوها م: (وهذا) ش: أي اللمس والتقبيل بلا إنزال م: (ليس بجماع مقصود) ش: لأن الجماع المقصود هو الإيلاج م: (فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع) ش: المقصود من الفساد م: (إلا أن فيه) ش: أي في المس والتقبيل م: (معنى الاستمتاع والارتفاق بالمرأة) ش: أي الانتفاع بها م: (وذلك محظور الإحرام فيلزمه الدم) ش: لما تقدم أن دواعي الجماع ملحقة به فيلزمه الدم، أي ذبح الشاة.
م: (بخلاف الصوم) ش: هذا جواب عن اعتبار الشافعي ﵀ بالصوم تقديره هو قوله م: (لأن المحرم فيه) ش: أي في الصوم م: (قضاء الشهوة، ولا يحصل بدون الإنزال فيما دون الفرج) ش: أي الاستعمال بين الفخذين لا اليدين، لأنه يحصل فيه قضاء الشهوة بدون الإنزال وقال القدوري في " شرح مختصر الكرخي " الوطء في الموضع المكروه لا يفسد الحج في إحدى الروايتين عن أبي حنيفة ﵀، لأنه وطء في موضع لا يتعلق وجوب المهر بحال، فلا يتعلق به فساد الحج، كالوطء فيما دون الفرج، ويفسد الحج في الرواية الأخرى، لأنه وطء
стр. 2186
وإن جامع في أحد السبيلين قبل الوقوف بعرفة فسد حجه، وعليه شاة، ويمضي في الحج كما يمضي من لم يفسده، وعليه القضاء والأصل فيه ما روي «أن رسول الله ﵊ سئل عمن واقع امرأته وهما محرمان بالحج، قال: يريقان دما ويمضيان في حجتهما وعليهما الحج من قابل» وهكذا نقل عن جماعة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -
ــ
[البناية]
يوجب الاغتسال من غير إنزال، فصار كالوطء في الفرج وهي قولهما.
[بطلان الحج بالجماع قبل الوقوف بعرفة]
[كفارة من أفسد حجه بالجماع]
م: (وإن جامع في أحد السبيلين قبل الوقوف بعرفة فسد حجه) ش: وفسد حج المرأة أيضاً سواء كانت مطاوعة أو مكرهة م: (وعليه شاة، ويمضي في الحج كما يمضي من لم يفسد حجه) ش: وكذا عليها، ويجزئ شرك بقرة أو جزور، وقال الشافعي ومالك وأحمد عليه بدنة على ما يجيء الآن في " الجامع الصغير " يعتبر غيبوبة الحشفة، وكذلك لو استدخلت ذكر حمار أو ذكراً مقطوعاً فسد حجها بالإجماع، ولو لف ذكره بخرقة ثم أدخله إن وجد حرارة الفرج واللذة يفسد، وإلا فلا، وبه قال الشافعي ﵀ في قول. وفي أصح قوليه يفسد به مطلقاً سواء وجد حرارة الفرج واللذة أو لا.
م: (والأصل فيه ما روي «أن النبي ﷺ سئل عمن واقع امرأته وهما محرمان بالحج، قال: يريقان دما ويمضيان في حجتهما وعليهما الحج من قابل» ش: هذا رواه أبو داود في المراسيل، حدثنا أبو توبة حدثنا معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير أنبأنا يزيد بن نعيم أو زيد بن نعيم شك أبو توبة «أن رجلاً من خذام جامع امرأته وهما محرمان فسأل الرجل النبي ﷺ فقال: " اقضيا نسككما واهديا هدياً» ، رواه البيهقي، وقال: إنه منقطع، وهو يزيد بن نعيم بلا شك، وقال صاحب " الجوهر النقي " في الرد على البيهقي: إنه يزيد بلا شك.
وروى أحمد بن حنبل ﵀ حدثنا إسماعيل بن أيوب عن غيلان بن جرير أنه سمع علياً الأزدي قال سألت ابن عمر ﵁ عن رجل وامرأة من عمان أقبلا حاجين فقضيا المناسك حتى لم يبق عليهما إلا الإفاضة وقع عليها، فسألت ابن عمر فقال ليحجا عاماً قابلاً، قوله - وهما محرمان - الواو فيه للحال قوله - يريقان دماً - أي يريق كل واحد منهما دماً.
م: (وهكذا نقل عن جماعة من الصحابة ﵃) ش: يعني هكذا نقل الحكم المذكور قبله فيمن جامع قبل الوقوف عن جماعة من الصحابة، روى مالك في الموطأ أنه بلغه أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبا هريرة ﵃ سألوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج، فقالوا ينفذان بوجوههما حتى يقضيا حجهما، ثم عليهما حج في قابل والهدي وقال علي ﵁ فإذا أهلا بالحج من عام قابل قعدوا حتى يقضيا حجهما.
стр. 2187
وقال الشافعي ﵀: تجب بدنة اعتبارا بما لو جامع بعد الوقوف، والحجة عليه إطلاق ما روينا، ولأن القضاء لما وجب عليه ولا يجب إلا لاستدراك المصلحة معنى الجناية، فيكتفي بالشاة، بخلاف ما بعد الوقوف لأنه لا قضاء عليه. ثم سوى بين السبيلين. وعن أبي حنيفة ﵀ أن في غير القبل منهما، لا يفسد لتقاصر معنى الوطء، وكان عنه روايتان. وليس عليه أن يفارق امرأته في قضاء ما أفسداه عندنا، خلافا لمالك ﵀ إذا خرجا من بيتهما.
ــ
[البناية]
م: (وقال الشافعي: تجب بدنة اعتبارا بالجماع بعد الوقوف) ش: وبه قال مالك وأحمد م: (والحجة عليه) ش: أي على الشافعي ﵀ م: (إطلاق ما روينا) ش: وهو قوله ﷺ «يريقان دماً» ، وذكر الدم مطلقاً، ولم يقيده بشيء، فتناول الشاة، لأنه متيقن.
فإن قلت: المطلق ينصرف إلى الكامل وهو البدنة.
قلت: ينصرف إلى الكامل في الماهية مع حصول التيقن به، والشاة كامل فتجزئه، وعن عطاء يفسد حجه ويستغفر الله تعالى. وعن سعيد بن جبير أربع روايات الأولى شاة، والثانية بقرة، والثالثة يفسد حجه، والرابعة لا شيء عليه فيستغفر الله تعالى.
م: (ولأن القضاء لما وجب عليه) ش: أي على هذا المجامع، وهذه الجملة معترضة بين لما وجوابه، وهو قوله - حقاً - م: (ولا يجب إلا لاستدراك المصلحة حين معنى الجناية) ش: الفائتة بالقضاء لكون الجماع قبل الوقوف للقضاء م: (فيكتفي بالشاة، بخلاف ما بعد الوقوف) ش: أي بخلاف الجماع بعد الوقوف بعرفات م: (لأنه لا قضاء عليه) ش: فتجب البدنة، فتغلظ الجناية وعدم حقها لعدم القضاء م: (ثم سوى بين السبيلين) ش: أي سوى القدوري ﵀ بين السبيلين القبل والدبر في فساد الحج بالجماع.
م: (وعن أبي حنيفة ﵀ أن في غير القبل منهما) ش: أي من السبيلين م: (وقيل) ش: أي من الرجل والمرأة م: (لا يفسد) ش: أي الحج م: (لتقاصر معنى الوطء) ش: حتى لا يجب الحد عنده، وقد مر الكلام فيه عن قريب م: (وكان عنه) ش: أي عن أبي حنيفة ﵀ م: (روايتان) ش: الأولى أنه لا يفسد حجه قال في " شرح الطحاوي ": لو جامعها في الدبر فعلى قياس قول أبي حنيفة لا يفسد حجه وعمرته، كما قال في " الخزانة " لا يجب، الثانية: أنه يفسد، روى الكرخي عنه أنه تجب الكفارة في رمضان وجعلها كالجماع في الفرج م: (وليس عليه) ش: أي على هذا الرجل الذي جامع م: (أن يفارق امرأته في قضاء ما أفسداه) ش: أي الزوجين ما أفسداه بالجماع.
م: (عندنا، خلافا لمالك ﵀ إذا خرجا من بيتهما) ش: يعني إذا أراد قضاء الحج الفساد بالجماع من عام قابل يفرقان عند مالك من حين خروجهما من بيتهما، قال هاهنا وفي " شرح
стр. 2188
ولزفر ﵀: إذا أحرما، وللشافعي ﵀: إذا انتهيا إلى المكان الذي جامعها فيه. لهم أنهما يتذاكران ذلك فيقعان في المواقعة فيفترقان. ولنا أن الجامع وهو النكاح بينهما قائم فلا معنى للافتراق قبل الإحرام لإباحة الوقاع، ولا بعده؛ لأنهما يتذاكران ما لحقهما من المشقة الشديدة بسبب لذة يسيرة فيزدادان ندما وتحرزا فلا معنى للافتراق.
ــ
[البناية]
الوجيز " وتتمتهم أن قول مالك ﵀ يفترقان إذا أحرما كما هو مذهب زفر، ويحتمل أن يكون عنه روايتان. وقال السروجي ﵀ وما ذكر عن مالك لا أصل له.
قلت: فيه ما فيه، لأنه لم يطلع على كتب المالكية كلها، وذكر في " المبسوط " وغيره أن مالكاً في هذا موضع زفر.
م: (ولزفر: إذا أحرما) ش: أي وخلافاً لزفر، فإن عنده يفترقان، إذا أحرما م: (وللشافعي) ش: أي وخلافاً للشافعي ﵀: م: (إذا انتهيا إلى المكان الذي جامعها فيه) ش: فعنده يفترقان إذا أتيا المكان الذي جامعا فيه، وبه قال أحمد وذكر ابن المنذر قول أحمد مع زفر، وبقول الشافعي قال إسحاق.
وفي " المحيط " و " المبسوط " و " الأسبيجابي " يستحب الافتراق عند خوف المعاودة، وقال سند: والافتراق مستحب كقول الشافعي خلافاً للحنابلة، قال ولو كان واجباً لوجب به دم كسائر واجبات الحج. وقال النووي: يستحب وفي القديم يجب.
فإن قلت: روي عن عمر وعلي وابن عباس ﵃ أنهم قالوا يفترقان وقولهم حجة.
قلت: إنما يكون حجة إذا نفر من العصر ولم يوجد الخلاف، وقد روي عن الحسن وعطاء مثل قولنا، وهما قد أدركا عصر الصحابة فيكون خلافاً معتبراً فلا ينعقد الإجماع.
م: (له) ش: أي للشافعي ﵀ وقيل لمالك والأول أولى لأنه أقرب، وفي بعض النسخ لهم، أي لزفر ومالك والشافعي، وهو الأصح؛ لأنه ذكره دليلاً هو أوقع لأقوالهم م: (أنهما) ش: أي أن الزوجين م: (يتذاكران ذلك) ش: أي الجماع الذي وقع في المكان الذي أتياه م: (فيقعان في المواقعة) ش: أي في المجامعة م: (فيفترقان) ش: حتى لا يقعا فيما وقعا أولا ً.
م: (ولنا أن الجامع وهو النكاح بينهما قائم فلا معنى للافتراق قبل الإحرام) ش: لقيام النكاح، والافتراق ليس بنسك في الأداء، فلا يكون نسكاً في القضاء م: (لإباحة الوقاع) ش: أي الجماع وهو متعلق بقوله قبل الإحرام م: (ولا بعده) ش: أي ولا بعد الإحرام م: (لأنهما يتذاكران ما لحقهما من المشقة الشديدة) ش: وهي السفرة الثانية للقضاء م: (بسبب لذة يسيرة) ش: وهو الجماع الذي يقتضي في ساعة م: (فيزدادان ندما وتحرزا فلا معنى للافتراق) ش: فلا يقبل الأمر به.
стр. 2189
ومن جامع بعد الوقوف بعرفة لم يفسد حجه، وعليه بدنة. خلافا للشافعي ﵀ فيما إذا جامع قبل الرمي لقوله ﷺ «من وقف بعرفة فقد تم حجه» وإنما تجب البدنة لقول ابن عباس ﵄ أو لأنه أعلى أنواع الارتفاق فيتغلظ موجبه.
وإن جامع بعد الحلق فعليه شاة لبقاء إحرامه في حق النساء دون لبس المخيط، وما أشبهه فخفت الجناية فاكتفى بالشاة. .
ــ
[البناية]
[حكم من جامع بعد الوقوف بعرفة]
م: (ومن جامع بعد الوقوف بعرفة لم يفسد حجه، وعليه بدنة. خلافا للشافعي ﵀ فيما إذا جامع قبل الرمي) ش: فإن عنده إذا جامع قبل الرمي يفسد حجه، والمراد بالرمي رمي جمرة العقبة وبعد الرمي لا يفسد، لأنه عنده محلل، وبه قال مالك وأحمد - رحمهما الله - م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «من وقف بعرفة فقد تم حجه» ش: هذا دليل لنا، وليس للشافعي، وأخرج أحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم من «حديث عبد الرحمن بن معمر شهدت رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفات وأتاه ناس من أهل نجد فقالوا يا رسول الله كيف الحج، قال: عرفة من جاء قبل الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه» لفظ أحمد. وفي رواية لأبي داود: «من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج» . وفي رواية للدارقطني والبيهقي: «الحج عرفة» .
م: (وإنما تجب البدنة لقول ابن عباس ﵄) ش: هذا جواب عما يقال إذا لم يفسد الحج بالجماع بعد الوقوف لكونه أثر الغفران، فكان ينبغي أن لا يجب شيء بعد تمامه لا يقبل الجناية فلا يقتضي جزاء، وتقدير الجواب أن وجوب البدنة لقول ابن عباس ﵄ وهو ما رواه مالك في " الموطأ " عن ابن الزبير المكي عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه سئل عن رجل واقع وهو بمنى قبل أن يفيض فأمره أن ينحر بدنة م: (أو لأنه) ش: أي أو لأن الجماع م: (أعلى أنواع الارتفاق فيتغلظ موجبه) ش: بفتح الجيم لوجوب التطابق بين الموجب بمقتضى الحكم.
وقال الأكمل قيل إنما ذكر بكلمة أو ليكون أثر ابن عباس هذا غير مشهور، فأتى بها ليكون متمسكاً بأحدهما، قال وفيه نظر؛ لأن المطلوب إثبات الوجوب وهو ثبت بخبر الواحد، ولا يتوقف على الاشتهار، انتهى.
قلت: إن لم يتوقف على الاشتهار يتوقف على صحة طريقه فإذا اشتهر ثبت صحة الفرض فضلاً عن ثبوت الواجب.
م: (وإن جامع بعد الحلق فعليه شاة لبقاء إحرامه في حق النساء دون لبس المخيط، وما أشبهه فخفت الجناية فاكتفى بالشاة) ش: وفي " المنافع " وإن جامع بعد الحلق هكذا وقع في عامة النسخ، وفي بعض النسخ قبل الحلق فإن كانت الرواية قبل الحلق فلأنه محرم بعد الوقوف، وإن كانت
стр. 2190
ومن جامع في العمرة قبل أن يطوف أربعة أشواط فسدت عمرته فيمضي فيها ويقضيها وعليه شاة. ومن جامع بعدما طاف أربعة أشواط أو أكثر فعليه شاة ولا تفسد عمرته وقال الشافعي ﵀: تفسد في الوجهين وعليه بدنة اعتبارا بالحج، إذ هي فرض عنده كالحج. ولنا أنها سنة فكانت أحط رتبة عنه فتجب الشاة فيها والبدنة في الحج إظهارا للتفاوت.
ومن جامع ناسيا كان كمن جامع متعمدا. وقال الشافعي ﵀: جماع الناسي غير مفسد للحج
ــ
[البناية]
الرواية بعد الحلق فلأنه محرم في حق النساء، وفي المسعودي إن جامع قبل الحلق بعد الوقوف قبل الطواف لم يفسد حجه، وعليه بدنة، وإن جامع بعده فعليه شاة مع البدنة.
[حكم من جامع في العمرة قبل تمامها]
م: (ومن جامع في العمرة قبل أن يطوف أربعة أشواط فسدت عمرته فيمضي فيها) ش: يعني لكمالها م: (ويقضيها وعليه شاة. وإذا جامع بعدما طاف. أربعة أشواط أو أكثر فعليه شاة ولا تفسد عمرته) ش: وكذا بعد السعي قبل الحلق لبقاء إحرام العمرة، ذكره في " المحيط " ووجوب الشاة بالوطء في العمرة قول عطاء والثوري وإسحاق وابن المنذر وأجمعوا على أنه لو وطأ قبل الطواف فسدت عمرته، فإن وطأ قبل الحلق فعليه دم، وهو قول ابن عباس والثوري، واختاره ابن المنذر، وقال أحمد وأبو ثور وعليه هدي، وقال مالك والشافعي عليه بدنة.
م: (وقال الشافعي: تفسد في الوجهين) ش: أي تفسد عمرته سواء كان الجماع قبل أربعة أشواط أو لا م: (وعليه بدنة اعتبارا بالحج) ش: أي قياساً على الحج م: (إذ هي) ش: أي العمرة م: (فرض عنده) ش: أي عند الشافعي ﵀ م: (كالحج) ش: أي كفرضية الحج.
م: (ولنا أنها) ش: أي أن العمرة م: (سنة فكانت أحط البدنة عنه) ش: أي عن الحج م: (فتجب الشاة فيها) ش: أي في العمرة م: (والبدنة) ش: أي تجب البدنة م: (في الحج إظهارا للتفاوت) ش: بينهما، والدليل على سنية العمرة ما رواه جابر ﵁ «أن النبي ﷺ سئل عن العمرة أهي واجبة قال: " لا وأن تعتمر خير لك» .
[حكم من جامع ناسيا في الحج]
م: (ومن جامع ناسيا كان كمن جامع متعمدا) ش: أي في حق إفساد الحج والإحرام لا في حق الإثم، وبه قال مالك والشافعي في القديم، واختاره المزني، وفي الجديد لا يفسد بالنسيان إلا أن يعلم، وفيه دم عليه، وذكر المصنف خلافه بقوله م: (وقال الشافعي ﵀: جماع الناسي غير
стр. 2191
وكذا الخلاف في جماع النائمة والمكرهة. هو يقول: الحظر ينعدم بهذه العوارض فلم يقع الفعل جناية.
ولنا أن الفساد باعتبار معنى الارتفاق في الإحرام ارتفاقا مخصوصا، وهذا لا ينعدم بهذه العوارض، والحج ليس في معنى الصوم؛ لأن حالات الإحرام مذكرة بمنزلة حالات الصلاة بخلاف الصوم، والله أعلم.
ــ
[البناية]
مفسد للحج) ش: ولم يبين أنه قوله الجديد ولا ذكر إلا أن يعلم فيه دم عليه م: (وكذا الخلاف في جماع النائمة والمكرهة) ش: يعني أن جماعها قبل الوقوف بعرفات يفسد الحج عندنا، خلافاً للشافعي، وكذا الخلاف في غير النائمة بالتحريم. وقال ابن أبي هريرة ﵀ من أصحاب الشافعي: ولا خلاف بالفساد في المكرهة، لأن إكراه الرجل على الوطء ممتنع.
م: (هو يقول) ش: أي الشافعي يقول م: (الحظر ينعدم بهذه العوارض) ش: أي بالنسيان والنوم والإكراه م: (فلم يقع الفعل جناية) ش: فلا يفسد.
م: (ولنا أن الفساد باعتبار معنى الارتفاق في الإحرام ارتفاقا مخصوصا) ش: هو الارتفاق بالجماع والفساد متعلق به بعين الجماع م: (وهذا) ش: أي هذا الارتفاق المخصوص م: (لا ينعدم بهذه العوارض) ش: لإرادة أن أثر هذه العوارض في انعدام المأثم لا في انعدام أصل الفعل، ولهذا يلزم الاغتسال مع وجود هذه العوارض، وتثبت به حرمة المصاهرة ويستوي فيه الصغير والكبير والعاقل والمجنون، كذا في " المبسوط "، والنوم لا ينافي الجماع، ألا ترى أن النائم يحتلم، ويمكن أن تصل اللذة إليه ولم يعلم.
م: (والحج ليس في معنى الصوم) ش: هذا جواب عن اعتبار الشافعي ﵀ بالصوم وتقديره أن يقال قياس الحج على الصوم غير صحيح م: (لأن حالات الإحرام) ش: أي هيئاته م: (مذكرة بمنزلة حالات الصلاة) ش: وهي الانتقال من القيام إلى الركوع ومن الركوع إلى السجود، ومن السجود إلى القعود، وعلى غير ذلك من الهيئات م: (بخلاف الصوم) ش: لأنه أمر مبطن لا يطلع عليه أحد وليس عند الصائم أيضاً ما يذكره في غالب الأوقات.
стр. 2192
فصل ومن طاف طواف القدوم محدثا فعليه صدقة. وقال الشافعي ﵀: لا يعتد به لقوله ﷺ : «الطواف صلاة، إلا أن الله تعالى أباح فيه النطق» ، فتكون الطهارة من شرطه. ولنا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] (الحج: الآية ٢٩) ، من غير قيد الطهارة فلم تكن فرضا ثم قيل: هي سنة، والأصح أنها واجبة لأنه يجب بتركها الجابر؛ ولأن الخبر يوجب العمل فيثبت به الوجوب،
ــ
[البناية]
[فصل فيمن طاف طواف القدوم محدثا]
م: (فصل) ش: أي هذا فصل في مسائل فصله عن المسائل التي قبله فلأجل المغايرة بينهما ذكر لفظ فصل.
م: (ومن طاف طواف القدوم محدثا) ش: أي حال كونه محدثاً م: (فعليه صدقة) ش: كل موضع وجبت فيه صدقة فهي نصف صاع من بر أو صاع من شعير أو صاع من تمر إلا ما يجب بقتل جرادة أو قمل، أو بإزالة شعرات قليلة من رأسه أو عضو من أعضائه، فإن فيه يتصدق بما شاء م: (وقال الشافعي: لا يعتد به) ش: أي لا يعتد بطواف المحدث ولا ينجبر بالدم ونحوه م: (لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «الطواف صلاة، إلا أن الله تعالى أباح فيه النطق» ش: هذا الحديث تقدم في باب الإحرام، والمصنف استدل به هاهنا للشافعي ﵀ على أن الطهارة شرط لصحة الطواف، وبقوله قال مالك وأحمد قوله أباح فيه النطق بالإجماع، أي الكلام م: (فتكون الطهارة من شرطه) ش: أي من شرط الطواف، فلا يصح بدونها كالصلاة.
م: (ولنا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] (الحج: الآية ٢٩) ، من غير قيد الطهارة فلم تكن فرضا) ش: وجه الاستدلال أن الله تعالى أمر بالطواف وهو الدوران حول الكعبة من غير الطهارة، فلم يكن فرضاً وجه التشبيه في أنه صلاة كمالاً لا حقيقة فهو اقتضاء، ولا عموم للمقتضى عندنا، فثبت كونه صلاة في حق تعلق الجواز والبيت، كما في الصلاة وأما الاستثناء فدل كلام مبتدأ، كأنه، قال ولكن أبيح فيه الكلام لإزالة إشكال الحرمة ألا ترى أنه أبيح فيه المشي والانحراف عن البيت، بخلاف الصلاة، مع أن يحيى بن معين ضعف الحديث، وقال: إنه منقطع.
م: (ثم قيل: هي سنة) ش: القائل بأن الطهارة في الطواف سنة ابن شجاع م: (والأصح أنها واجبة) ش: وهو قول أبي بكر الرازي م: (لأنه يجب بتركها الجابر) ش: فلو لم تكن الطهارة واجبة لما وجب الجابر بتركها م: (ولأن الخبر يوجب العمل فيثبت به الوجوب) ش: أي وجوب الطهارة م:
стр. 2193
فإذا شرع في هذا الطواف وهو سنة، يصير واجبا بالشروع ويدخله نقص بترك الطهارة فيجبر بالصدقة إظهارا لدنو رتبته عن الواجب بإيجاب الله وهو طواف الزيارة، وكذا الحكم في كل طواف هو تطوع. ولو طاف طواف الزيارة محدثا فعليه شاة لأنه أدخل النقص في الركن فكان أفحش من الأول فينجبر بالدم، وإن كان جنبا فعليه بدنة، كذا روي عن ابن عباس ﵄؛ ولأن الجنابة أغلظ من الحدث
ــ
[البناية]
(فإذا شرع في هذا الطواف) ش: أي طواف القدوم، هذا جواب عن سؤال مقدر، بأن يقال لما كان أصل هذا الطواف سنة وتركه لا يوجب دماً على ما ذكر في " شرح الطحاوي " ويوجب صدقة على ما ذكر في " الإيضاح " ينبغي أن لا يجب في الحدث شيء لأنه يؤدي للتسوية بين تركه وبين الإتيان به محدثاً.
فأجاب بقوله " فإذا شرع في هذا الطواف " م: (وهو سنة) ش: أي والحال أنه سنة م: (يصير واجبا بالشروع) ش: فإذا وجب بالشروع الملزم فيلزمه م: (ويدخله نقص بترك الطهارة فيجبر بالصدقة إظهارا) ش: أي لأجل الإظهار م: (لدنو رتبته) ش: أي لقرب رتبة طواف القدوم م: (عن الواجب بإيجاب الله، وهو طواف الزيارة) ش: وهاهنا سؤالان.
الأول: أن دخول النقص بترك الطهارة على تقدير كونها سنة في جبر النزاع فلا يوجد في الدليل؟ والجواب أن ترك السنة يوجب نقصاً أو ينجبر بالكفارة، إلا ترى أن من أفاض من عرفات قبل الإمام وجب عليه دم، وقال: لأنه ترك سنة الدفع.
الثاني: أنه منقوض بالصلاة النافلة، فإنها إذا دخلها نقص ينجبر بسجدتي السهو ولم يظهر دنو رتبة النفل عن رتبة الفرض فيها فليكن هاهنا أيضاً كذلك، والجواب أن الشارع جعل الجابر في الصلاة نوعاً واحداً فلا يصار إلى غيره، وفي الحج جعله متنوعاً قد يكون بالدم وقد يكون بالفدية وقد يكون بالصدقة ما أمكن المصير إلى ما تبين منه رتبة النفل عن الفرض، وهذا كله على رواية القدوري التي اختارها المصنف، وأما على ما ذكره الطحاوي وشيخ الإسلام أنه إذا طاف طواف التحية محدثاً فلا شيء عليه، لأنه لو تركه أصلاً لم يجب عليه شيء، فكذا إذا أتى به محدثاً فلا يحتاج إلى شيء من هذه الكلمات.
م: (وكذا الحكم في كل طواف هو تطوع) ش: أي المذكور في طواف القدوم، روي الحكم في كل طواف هو تطوع، وعن بعض مشايخ العراق يلزمه الدم م: (ولو طاف طواف الزيارة محدثا فعليه شاة لأنه أدخل النقص في الركن) ش: لأن طواف الزيارة ركن م: (فكان) ش: أي النقص م: (أفحش من الأول) ش: أي من النقص الذي يدخل في الواجب م: (فينجبر بالدم) ش: لأن الدم على حسب الموجب م: (وإن كان) ش: حال كونه م: (جنبا فعليه بدنة، كذا روي عن ابن عباس ﵄) ش: هذا غريب عن ابن عباس م: (ولأن الجنابة أغلظ من الحدث) ش: وهو
стр. 2194
فيجب جبر نقصانها بالبدنة إظهارا للتفاوت، وكذا إذا طاف أكثره جنبا أو محدثا، لأن أكثر الشيء له حكم كله. والأفضل أن يعيد الطواف ما دام بمكة ولا ذبح عليه، وفي بعض النسخ: وعليه أن يعيده،
والأصح أنه يؤمر بالإعادة في الحدث استحبابا، وفي الجنابة إيجابا لفحش النقصان بسبب الجنابة وقصوره بسبب الحدث. ثم إذا أعاده وقد طافه محدثا لا ذبح عليه وإن
ــ
[البناية]
الجنابة م: (فيجب جبر نقصانها بالبدنة إظهارا للتفاوت) ش: بين الجنابتين.
م: (وكذا إذا طاف أكثره) ش: أي أكثر طواف الزيارة م: (جنبا أو محدثا، لأن أكثر الشيء له حكم كله) ش: أي تركاً وتحصيلاً. وفي " مبسوط شيخ الإسلام " إذا كان للأكثر حكم الكل في الحج، لأن الشرع أقامه مقام الكل في وقوع الأمن عن الغفران احتياطاً أو صيانة أو تخفيفاً ببيانه أنه ﵊ قال: " من «وقف بعرفة فقد تم حجه» وكذا لا يفسد بالجماع بعد الرمي بالإجماع، ولو حلق أكثر الرأس كان محللاً، ولما كان هذا الأمر على هذا الوجه اليسير جرينا على هذا الأصل فأقمنا الأكثر مقام الكل في باب التحلل وما يجري مجراه صيانة للحج عن الفوات كما أن الطواف أحد سببي التحلل كالحلق.
م: (والأفضل أن يعيد الطواف ما دام بمكة) ش: وجه ذلك أن فيه تحصيل الخير بما هو من جنسه وكان أفضل م: (ولا ذبح عليه) ش: بناء على أن الطواف الأول وإن كان بغير طهارة يعتد به، وإلا لزم الدم على قول أبي حنيفة ﵀ بالتأخير، فإذا كان معتداً به بنقصان، وقد أعاده ولم تبق إلا شبهة النقصان، وهي نقصان الطواف بالحدث وهي لا يوجب شيئاً م: (وفي بعض النسخ) ش: أي وفي بعض نسخ القدوري. وقال الكاكي: أي نسخ " المبسوط "، وما ذكرناه هو الصحيح م: (وعليه أن يعيده) ش: أي الطواف وهو يدل على وجوب الإعادة والنسخة التي فيها الأفضل أن يعيد الطواف بمكة يدل على الاستحباب لا الوجوب، فهذه على ما إذا كان الطواف مع الحدث وتلك تحمل على ما إذا كان مع الجنابة، لأن النقص في الحدث [....] وفي الجنابة.
م: (والأصح أنه يؤمر بالإعادة في الحدث استحبابا، وفي الجنابة إيجابا لفحش النقصان بسبب الجنابة وقصوره بسبب الحدث. ثم إذا أعاده وقد طاف) ش: أي والحال أنه قد طاف م: (محدثا لا ذبح عليه) ش: وقال الأترازي ﵀: هذا سهو من صاحب " الهداية " ﵀ لأن تأخير النسك عن وقته يوجب الدم عن أبي حنيفة ﵀ فكيف لا يكون عليه الذبح إذا أعاد طواف الزيارة بعد أيام النحر قد حصل تأخير النسك عن وقته على أن الرواية في كتب من فقه منه بخلاف ذلك، وبهذا صرح في " شرح الطحاوي " ﵀ إذا أعاد طواف الزيارة بعد أيام النحر يجب عليه الدم لتأخيره سواء كان إعادته بسبب الحدث أو بسبب الجنابة، انتهى.
قلت: يحتمل أنه مشى هنا على مذهب الصاحبين فلا وجه لنسبة صاحب " الهداية " إلى السهو م: (وإن أعاده بعد أيام النحر) ش: واصل بما قبله فلا يحتاج إلى جواب.
стр. 2195
أعاده بعد أيام النحر؛ لأن بعد الإعادة لا تبقى إلا شبهة النقصان، وإن أعاده وقد طاف جنبا في أيام النحر فلا شيء عليه لأنه أعاده في وقته، وإن أعاده بعد أيام النحر لزمه الدم عند أبي حنيفة ﵀ بالتأخير على ما عرف من مذهبه.
ولو رجع إلى أهله وقد طافه جنبا عليه أن يعود؛ لأن النقص كثير فيؤمر بالعود استدراكا له ويعود بإحرام جديد. وإن لم يعد وبعث بدنة أجزأه لما بينا أنه جابر له، إلا أن الأفضل هو العود. ولو رجع إلى أهله وقد طافه محدثا إن عاد وطاف جاز، وإن بعث بالشاة فهو أفضل لأنه خف معنى النقصان وفيه نفع للفقراء، ولو لم يطف طواف الزيارة أصلا حتى رجع إلى أهله فعليه أن يعود بذلك الإحرام لانعدام التحلل منه وهو محرم عن النساء أبدا حتى يطوف. ومن طاف طواف الصدر محدثا فعليه صدقة لأنه دون طواف الزيارة، وإن كان واجبا
ــ
[البناية]
م: (لأن بعد الإعادة لا تبقى إلا شبهة النقصان) ، ش: أي بسبب التأخير لا حقيقة التأخير، لأنه أداه لكن بالحدث، فيكون تأخيراً بطريق التهمة، لأن النقصان عدم من وجه أو بعض العدم، كذا في " الكافي ".
م: (وإن أعاده وقد طاف جنبا) ش: أي والحال أنه قد طاف حال كونه جنباً م: (في أيام النحر فلا شيء عليه لأنه أعاده في وقته، وإن أعاده بعد أيام النحر لزمه الدم عند أبي حنيفة بالتأخير على ما عرف من مذهبه) ش: أي بتأخيره النسك عن أيامه يجب الدم عنده.
واختلف المشايخ في أن المعتبر طوافه الأول أم الثاني. قال الكرخي ﵀: المعتبر هو الأول، والثاني جبر له. وقال أبو بكر الرازي: المعتبر هو الثاني وهو الأصح، ورجح في " الإيضاح " قول الكرخي، وهو أقرب إلى الفقه.
م: (ولو رجع إلى أهله وقد طاف جنبا) ش: أي والحال أنه قد طاف جنباً م: (عليه أن يعود؛ لأن النقص كثير فيؤمر بالعود استدراكا له) ش: أي تداركاً لما فاته من المصلحة م: (ويعود بإحرام جديد) ش: لكن هذا إذا جاوز الميقات، أما إذا لم يجاوزه فلا حاجة إلى إحرام جديد م: (وإن لم يعد وبعث بدنة أجزأه لما بينا أنه جابر له) ش: ولأن فيه حق معنى النقصان، وفيه نفع للفقراء أيضاً م: (إلا أن الأفضل هو العود) ش: استثناء من قوله وإن لم يعد وبعث بدنة أجزأه يعني لكن الأفضل أن يعود، لأن استدراك الشيء بجنسه، وهو الطواف أولى من استدراكه بغير جنسه، وهو الفدية.
م: (ولو رجع إلى أهله وقد طاف محدثا إن عاد وطاف جاز، وإن بعث بالشاة فهو أفضل لأنه خف معنى النقصان وفيه نفع للفقراء، ولو لم يطف طواف الزيارة أصلا حتى رجع إلى أهله فعليه أن يعود بذلك الإحرام لانعدام التحلل منه وهو محرم عن النساء أبدا حتى يطوف. ومن طاف طواف الصدر محدثا فعليه صدقة لأنه دون طواف الزيارة، وإن كان واجباً) ش: كلمة إن واصلة بما قبلها، أي وإن كان طواف الصدر واجباً.
стр. 2196
فلا بد من إظهار التفاوت. وعن أبي حنيفة ﵀ أنه تجب شاة، إلا أن الأول أصح. ولو طاف جنبا فعليه شاة، لأنه نقص كثير، ثم هو دون طواف الزيارة فيكتفي بالشاة.
ومن ترك من طواف الزيارة ثلاثة أشواط فما دونها، فعليه شاة لأن النقصان بترك الأقل يسير فأشبه النقصان بسبب الحدث، فتلزمه شاة فلو رجع إلى أهله أجزأه أن لا يعود ويبعث شاة لما بينا. ومن ترك أربعة أشواط بقي محرما أبدا حتى يطوفها
ــ
[البناية]
م: (ولا بد من إظهار التفاوت) ش: بين الفرض والواجب يعني إذا طاف طواف الزيارة أو أكثره محدثاً تجب الشاة فينبغي أن تلزم الصدقة إذا طاف طواف الصدر أو أكثره محدثاً إظهاراً للتفاوت، وإلا تلزم التسوية بين الفرض والواجب فلا يجوز.
م: (وعن أبي حنيفة ﵀ أنه تجب شاة) ش: أي فيما إذا طاف طواف الصدر محدثاً، وهو رواية الكرخي م: (إلا أن الأول أصح) ش: أي وجوب الصدقة أصح، وهو رواية القدوري م: (ولو طاف) ش: أي طواف الصدر م: (جنبا فعليه شاة، لأنه نقص كثير، ثم هو) ش: أي طواف الصدر م: (دون طواف الزيارة فيكتفي بالشاة) ش: أي إذا أدى من طواف الزيارة فيجب في طواف الزيارة جنباً بدنة بعيراً أو بقرة فيجزئه الشاة في طواف الصدر جنباً لأنه لا يلزم التسوية بين الفرض والواجب.
م: (ومن ترك من طواف الزيارة ثلاثة أشواط فما دونها) ش: أي شوطاً أو شوطين م: (فعليه شاة) ش: وقال الشافعي: يلزمه فعل ما ترك ولا يتحلل حتى يفعله، كذا في " شرح الأقطع " ومذهب الشافعي وأحمد ومالك عدد السبع شوط حتى لو ترك طوفة واحدة أو خطوة لم يجزئه ولا يتحلل من إحرامه، لأن تقدير الطواف بالعدد السبع ثابت بالنصوص المتواترة فكان كالمنصوص في القرآن وما يقدر شرعاً بقدر لا يكون لما دون ذلك القدر، وحكم ذلك القدر كما في الحدود وأعداد الركعات، فإنه لا يقوم الأكثر فيها مقام الكل، وكذا في الطواف.
وأشار إلى دليلنا بقوله م: (لأن النقصان بترك الأقل يسيرا فأشبه النقصان بسبب الحدث، فتلزمه شاة) ش: إنما كان كذلك لجانب الوجود راجح وأفعال الحج متجانسة يقبل بعضها الفضل عن بعض، ولهذا إذا أتى ببعض الأشواط ثم اشتغل بعمل آخر ثم أتى بالباقي جاز، بخلاف الصلاة، فإن أفعالها ليست بمتجانسة، وليس بعضها يقبل الفضل عن بعض، لأنه إذا أفسد جزءاً فيها يفسد الجميع، فلم يجز إقامة الأكثر مقام الكل، ولما ثبت التجانس وقبول الفضل في الطواف بحيث لم يتعلق صحة المؤدى بصحة الباقي أقيم الأكثر مقام الكل.
م: (فلو رجع إلى أهله أجزأه أن لا يعود ويبعث شاة لما بينا) ش: أشار به إلى قوله، لأن النقصان بترك الأقل يسير، وقيل: يرجع إلى قوله، لأنه حق معنى النقصان، وفيه نفع للفقراء.
م: (ومن ترك أربعة أشواط) ش: أي من طواف الزيارة م: (بقي محرما أبدا حتى يطوفها) ش: أي
стр. 2197
لأن المتروك أكثر فصار كأنه لم يطف أصلا. ومن ترك طواف الصدر أو أربعة أشواط منه فعليه شاة لأنه ترك الواجب أو الأكثر منه، وما دام بمكة يؤمر بالإعادة إقامة للواجب في وقته. ومن ترك ثلاثة أشواط من طواف الصدر فعليه الصدقة، ومن طاف طواف الواجب في جوف الحجر، فإن كان بمكة أعاده لأن الطواف وراء الحطيم واجب على ما قدمناه. والطواف في جوف الحجر أن يدور حول الكعبة ويدخل الفرجتين اللتين بينهما وبين الحطيم، فإذا فعل ذلك فقد أدخل نقصا في طوافه، فما دام بمكة أعاده كله ليكون مؤديا للطواف على الوجه المشروع. وإن أعاده على الحجر خاصة أجزأه لأنه تلافى ما هو المتروك، وهو أن يأخذ عن يمينه خارج الحجر حتى ينتهي إلى آخره ثم يدخل الحجر من الفرجة ويخرج من الجانب الآخر هكذا يفعله سبع مرات.
ــ
[البناية]
في حق النساء، لأنه حل له كل شيء سوى النساء بالحلق، وإنما ما بقي في حق النساء م: (لأن المتروك أكثر فصار كأنه لم يطف أصلا) ش: فلا يجزئه الدم م: (ومن ترك طواف الصدر أو أربعة أشواط منه) ش: أو ترك أربعة أشواط من طواف الصدر م: (فعليه شاة لأنه ترك الواجب أو الأكثر منه) ش: أي أو ترك الأكثر من الواجب م: (وما دام بمكة يؤمر بالإعادة إقامة للواجب في وقته) ش: أي في مطلق الزمان، وهو طواف الصدر، لأنه ليس بموقت بأيام، ولهذا لا يجب شيء بالتأخير عنهما بالاتفاق ولا ذبح عليه، لأنه تلافى الفائت.
م: (ومن ترك ثلاثة أشواط من طواف الصدر فعليه الصدقة) ش: لأن الأصل إنما يجب في ترك كله دم يجب في أقله صدقة كما في الرمي، والمراد بالصدقة أن يجب لكل شوط نصف صاع من بر م: (ومن طاف طواف الواجب) ش: وفي بعض النسخ ومن طاف الطواف الواجب م: (في جوف الحجر) ش: أي الحطيم م: (فإن كان بمكة أعاده) ش: أي أعاد الطواف م: (لأن الطواف وراء الحطيم واجب على ما قدمناه) ش: أراد به قوله ﵊: «الحطيم من البيت» ، وعند الشافعي ومالك وأحمد ﵃ الطواف من جوف الحجر لا يعتد به. م: (والطواف في جوف الحجر أن يدور حول الكعبة ويدخل الفرجتين اللتين بينهما وبين الحطيم، فإذا فعل ذلك فقد أدخل نقصا في طوافه فما دام بمكة أعاده كله ليكون مؤديا للطواف على الوجه المشروع وإن أعاده على الحجر خاصة أجزأه لأنه تلافى) ش: بالفاء أي تدارك م: (ما هو المتروك) ش: وهو الطواف بالحطيم م: (وهو أن يأخذ) ش: إنما ذكر الضمير الراجع إلى الإعادة بالنظر إلى الخبر م: (عن يمينه خارج الحجر حتى ينتهي إلى آخره ثم يدخل الحجر من الفرجة ويخرج من الجانب الآخر هكذا يفعله سبع مرات) ش: وعند الأئمة الثلاثة: تفسيره أن سور الحائط فيطوف حول الحطيم خاصة؛ لأن الحائط ليس من الحطيم هكذا ذكره القدوري، والنووي، وغيره من الشافعية، وفي " المغني ": لا يجزئ الطواف عند الحنابلة، إلا خارج الحائط؛ لأنه ﵊ هكذا فعله، قلنا: فعله لا يدل على الركنية.
стр. 2198
فإن رجع إلى أهله ولم يعده فعليه دم؛ لأنه تمكن نقصان في طوافه بترك ما هو قريب من الربع ولا تجزئه الصدقة. ومن طاف طواف الزيارة على غير وضوء وطواف الصدر في آخر أيام التشريق طاهرا فعليه دم، فإن كان طاف طواف الزيارة جنبا فعليه دمان عند أبي حنيفة ﵀ وقالا عليه دم واحد لأن في الوجه الأول لم ينقل طواف الصدر إلى طواف الزيارة لأنه واجب، وإعادة طواف الزيارة بسبب الحدث غير واجب، وإنما هو مستحب فلا ينقل إليه. وفي الوجه الثاني ينقل طواف الصدر إلى طواف الزيارة لأنه مستحق الإعادة فيصير تاركا لطواف الصدر مؤخرا لطواف الزيارة عن أيام النحر فيجب الدم بترك الصدر بالاتفاق وبتأخير الآخر على الخلاف، إلا أنه يؤمر بإعادة طواف الصدر ما دام بمكة ولا يؤمر بعد الرجوع على ما بينا.
ومن طاف لعمرته وسعى على غير وضوء حل فما دام مكة
ــ
[البناية]
م: (فإن رجع إلى أهله ولم يعده فعليه دم؛ لأنه تمكن نقصان في طوافه بترك ما هو قريب من الربع ولا تجزئه الصدقة. ومن طاف طواف الزيارة على غير وضوء) ش: قال الكاكي: يحتمل الجنابة.
قلت: لا يعمل لهذا الاحتمال لأن المراد به الحدث الأصغر جزماً م: (وطواف الصدر في آخر أيام التشريق) ش: حال كونه م: (طاهرا فعليه دم) ش: أي دم واحد، وتجزئه شاة لنقصان الحدث م: (فإن كان طاف طواف الزيارة جنبا فعليه دمان عند أبي حنيفة ﵀) ش: لأن الطواف مع الجنابة في حكم العدل، وهذا يؤمر بالإعادة ما دام بمكة وجوباً لا استحبابا، ولما كان في حكم العدل وجب نقل طواف الصدر إليه؛ لأن العزيمة في ابتداء الإحرام حصلت للأفعال على الترتيب التي شرعت فبطلت نيته على خلاف ذلك الترتيب، فانتقل طواف الصدر إلى طواف الزيارة، فيصير كأنه طاف طواف الزيارة في آخر أيام التشريق، ولم يطف للصدر.
م: (وقالا عليه دم واحد لأن في الوجه الأول) ش: وهو ما إذا طاف طواف الزيارة على غير وضوء م: (لم ينقل طواف الصدر إلى طواف الزيارة لأنه واجب، وإعادة طواف الزيارة بسبب الحدث غير واجب وإنما هو مستحب فلا ينقل إليه. وفي الوجه الثاني) ش: وهو ما إذا طاف طواف الزيارة جنباً م: (ينقل طواف الصدر إلى طواف الزيارة لأنه مستحق الإعادة فيصير تاركا لطواف الصدر مؤخرا لطواف الزيارة عن أيام النحر فيجب الدم بترك الصدر بالاتفاق) ش: بين أبي حنيفة وصاحبيه م: (وبتأخير الآخر) ش: وهو طواف الزيارة م: (على الخلاف) ش: بين أبي حنيفة وصاحبيه، فإنه يجب دمان عنده، ودم واحد عندهما م: (إلا أنه يؤمر بإعادة طواف الصدر ما دام بمكة ولا يؤمر بعد الرجوع على ما بينا) ش: أي عند قوله: ترك طواف الصدر أو أربعة أشواط فعليه شاة - إلى قوله -: وما دام بمكة يؤمر بالإعادة.
م: (ومن طاف لعمرته وسعى على غير وضوء وحل) ش: أي حلق أو قصر م: (فما دام بمكة
стр. 2199
يعيدهما، ولا شيء عليه أما إعادة الطواف فلتمكن النقص فيه بسبب الحدث. وأما السعي فلأنه تبع للطواف، وإذا أعادهما لا شيء عليه لارتفاع النقصان وإن رجع إلى أهله قبل أن يعيد فعليه دم لترك الطهارة فيه، ولا يؤمر بالعود لوقوع التحلل بأداء الركن إذ النقصان يسير، وليس عليه في السعي شيء؛ لأنه أتى به على أثر طواف معتد به، وكذا إذا أعاد الطواف ولم يعد السعي في الصحيح.
ومن ترك السعي بين الصفا والمروة فعليه دم وحجه تام؛ لأن السعي من الواجبات عندنا فيلزم بتركه دم دون الفساد. ومن أفاض قبل الإمام
ــ
[البناية]
يعيدهما) ش: أي يعيد الطواف والسعي جميعاً م: (ولا شيء عليه) ش: بعد الإعادة م: (أما إعادة الطواف فلتمكن النقصان فيه بسبب الحدث. وأما السعي) ش: أي وأما إعادة السعي بين الصفا والمروة م: (فلأنه) ش: أي فلأن السعي م: (تبع للطواف، وإذا أعادهما لا شيء عليه لارتفاع النقصان وإن رجع إلى أهله قبل أن يعيد فعليه دم لترك الطهارة فيه، ولا يؤمر بالعود لوقوع التحلل بأداء الركن) ش: وهو الطواف والسعي م: (إذ النقصان يسير، وليس عليه في السعي شيء) ش: قال الكاكي ﵀: قوله: ليس عليه معطوف على قوله: فعليه دم لترك الطهارة، وهذا جواب سؤال، وهو أن يقال: لما قام الدم مقام الطواف عند الرجوع إلى أصله صار كأنه أعاد الطواف، ولو أعاده لا يجب عليه إعادة السعي، ولما لم يعد السعي وجب الدم، كما إذا أعاد الطواف ولم يعد السعي على رواية التمرتاشي وقاضي خان وغيرهما؟ فأجاب عن السؤال في " الفوائد الظهيرية " فقال: إنما لزمه دم لعدم إعادة السعي؛ لأن بالإعادة ارتفع المؤدى فبقي السعي قبل الطواف فلا يقع الاعتداد فيلزم الدم، بخلاف ما إذا لم يعد الطواف وأراق الدم حيث لا يرتفع المؤدي.
م: (لأنه أتى به على أثر طواف معتد به، وكذا إذا أعاد الطواف ولم يعد السعي) ش: أي لا شيء عليه م: (في الصحيح) ش: من الرواية، واحترز به عما ذكره في " جامع التمرتاشي "، وقاضي خان وغيرهما أنه لو أعاد الطواف، ولم يعد السعي كان عليه دم، واختار المصنف، وشمس الأئمة السرخسي، والمحبوبي أن لا شيء عليه؛ لأن الطهارة ليست بشرط للسعي، وإن كانت شرطا ًللطواف لاختصاصه بالبيت، واعتباره بالصلاة من وجه لما جاء في الحديث، وإنما الشرط في السعي أن يأتي به على أثر طواف معتد به وطواف المحدث معتد به، ألا ترى أنه تحلل به.
م: (ومن ترك السعي بين الصفا والمروة فعليه دم وحجه تام لأن السعي من الواجبات عندنا) ش: وعند الشافعي ركن، وعندنا واجب م: (فيلزم بتركه الدم دون الفساد) ش: لأن كل نسك ليس بركن فالدم يقوم مقامه كالرمي، قوله: دون الفساد احترازاً عن قول مالك، وأحمد فإن السعي ركن عندهما فيلزم الفساد بتركه. م: (ومن أفاض قبل الإمام) ش: أي قبل غروب الشمس، قال الأترازي: وإنما قدر بقبل غروب الشمس؛ لأنه إذا غربت الشمس وأبطأ الإمام بالدفع يجوز للناس الدفع قبل الإمام، لأن وقت الدفاع قد دخل، وإذا تأخر الإمام فقد ترك السنة فلا يجوز للناس تركها، وبه صرح في " شرح مختصر الكرخي " ودفع قبل الإمام.
стр. 2200
من عرفات فعليه دم، وقال الشافعي ﵀: لا شيء عليه؛ لأن الركن أصل الوقوف فلا يلزمه بترك الإطالة شيء. ولنا أن الاستدامة إلى غروب الشمس واجبة لقوله ﷺ : «فادفعوا بعد غروب الشمس» فيجب بتركه الدم، بخلاف ما إذا وقف ليلا لأن استدامة الوقوف على من وقف نهارا لا ليلا
ــ
[البناية]
م: (من عرفات فعليه دم، وقال الشافعي ﵀: لا شيء عليه؛ لأن الركن أصل الوقوف فلا يلزمه بترك الإطالة شيء) ش: أي الإطالة إلى جزء من الليل، وهذا المذكور هو أحد قولي الشافعي ﵀، وفي قوله الآخر: يجب الدم كقولنا، وبه قال أحمد ومالك، إن لم يجمع بين الليل والنهار في الوقوف لا يكون مدركاً له إذا أدرك النهار، كذا ذكره الكاكي عنه، والجمع بين الليل والنهار ليس بشرط عنده، بل يكفي جزء من الليل لا النهار، وقال السروجي: لم يقل مالك ﵀ باشتراط الوقوف في شيء من النهار، وإنما ركن الوقوف عنده وقوف لحظة من الليل دون النهار، وعند غيره من الفقهاء الركن منه في جزء من ليل أو نهار.
م: (ولنا أن الاستدامة إلى غروب الشمس واجبة لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «فادفعوا بعد غروب الشمس» ش: هذا حديث غريب، وذكر الأترازي ﵀ هذا الحديث، ولم يذكر من حاله شيئاً، وأمر بالدفع في الإفاضة من عرفات، وكان ينبغي أن يستدل في هذا بما في حديث جابر الطويل ﵀، «فلم يزل ﵊ واقفاً حتى غربت الشمس» وروى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن علي بن أبي طالب ﵁ «أنه ﵊ أفاض منها حين غربت الشمس» ورواة نسك رسول الله ﷺ أجمعوا على أنه أفاض من عرفات بعد غروب الشمس، فعلم أن الاستدامة في الوقوف إلى جزء من الليل واجبة، فلزمه بتركه دم، وهو معنى قوله:
م: (فيجب بتركه الدم) ش: قيل: إذا وقف ليلاً، ولم يقف بالنهار لا يلزمه شيء بالاتفاق، فأولى أن لا يلزمه شيء إذا وقف نهاراً، ولم يقف ليلاً؛ لأن الوقوف بالنهار أصل، وبالليل تبع.
وأجيب: بأن الوقوف المعتد به ركناً بأن الوقوف بالنهار، أو بالليل، إلا أن الواجب هو الوقوف بجزء من الليل لا محالة، ثم إذا وقف بالنهار دون جزء من الليل أتى بالركن دون الواجب، فلزمه دم، وإذا وقف بالليل دون النهار لم يجب عليه شيء؛ لأن الجزء الأول من وقوفه اعتبر ركناً، والجزء الثاني اعتبر واجباً، فلما أتى بالركن والواجب لم يلزمه شيء.
م: (بخلاف ما إذا وقف ليلا؛ لأن استدامة الوقوف على من وقف نهاراً لا ليلاً) ش: أي بالإجماع، وهذا متصل بقوله: ولنا أن الاستدامة إلى غروب الشمس واجبة، قيل: قوله ﵊: «من وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد أدرك الحج» ، يقتضي أن لا تكون الاستدامة
стр. 2201
فإن عاد إلى عرفة بعد غروب الشمس لا يسقط عنه الدم في ظاهر الرواية؛ لأن المتروك لا يصير مستدركا. واختلفوا فيما إذا عاد قبل الغروب. ومن ترك الوقوف بالمزدلفة فعليه دم لأنه من الواجبات،
ومن ترك رمي الجمار في الأيام كلها فعليه دم لتحقق ترك الواجب، ويكفيه دم واحد؛ لأن الجنس متحد كما في الحلق، والترك إنما يتحقق بغروب الشمس من آخر أيام الرمي؛ لأنه لم يعرف قربة إلا فيها
ــ
[البناية]
شرطاً لا في الليل، ولا في النهار، فكيف جعلتم شرطاً في النهار دون الليل.
وأجيب: بترك ظاهر الحديث في حق النهار بقوله ﵊: «فادفعوا بعد غروب الشمس» فبقي الليل على ظاهره، هذا أورده الأكمل في " شرحه "، وأعجبني منه كيف يجب بهذا الجواب، إلا أن الحديث الصحيح كيف يترك ظاهره بحديث لا يعرف دلالة أصله عند المحدثين.
م: (فإن عاد إلى عرفة بعد غروب الشمس لا يسقط عنه الدم في ظاهر الرواية؛ لأن المتروك لا يصير مستدركا) ش: احترازاً بظاهر الرواية عما روى ابن شجاع عن أبي حنيفة ﵀، وعن ما ذكر الحسن بن زياد ﵀ في " مناسكه " أنه يسقط؛ لأنه استدرك ما فاته، فإن الواجب عليه الإفاضة بعد غروب الشمس، وقد أتى به فيسقط عنه الدم، وبه قال الشافعي، وأحمد - رحمهما الله -، وفي " شرح القدوري " وهو الصحيح.
م: (واختلفوا) ش: أي العلماء الثلاثة وزفر م: (فيما إذا عاد قبل الغروب) ش: فعند زفر ﵀ لا يسقط، وعند الثلاثة: يسقط، وبه قال الشافعي، وأحمد م: (ومن ترك الوقوف بالمزدلفة فعليه دم؛ لأنه) ش: أي لأن الوقوف بمزدلفة م: (من الواجبات) ش: عندنا، وعند الشافعي ﵀ نفس الوقوف سنة، والمبيت بمزدلفة واجب، واستثني من هذا من جاوزها ليلاً عن علة، أو ضعف، أو خاف الزحام فلا شيء عليه، وقد مرت المسألة.
م: (ومن ترك رمي الجمار في الأيام كلها) ش: وهي الأيام الأربعة آخرها آخر أيام التشريق م: (فعليه دم لتحقق ترك الواجب، ويكفيه دم واحد) ش: يعني في ترك السبعين حصاة كلها م: (لأن الجنس متحد) ش: أي جنس المتروك واحد، وفي قول الشافعي ﵀ يجب عليه دمان لما أن رمي يوم النحر منفرد بنفسه، ورمي أيام التشريق شيء واحد، والأصح أنه يجب أربعة، وما ذكره في " شرح الوجيز " م: (كما في الحلق) ش: أي في حلق الرأس، فإن حلق ربعه في غير أوانه يوجب الدم، ثم حلق جميعه لا يوجب إلا دماً واحداً، كذا في " المبسوط " م: (والترك) ش: أي ترك الرمي م: (إنما يتحقق بغروب الشمس) ش: من أيام التشريق م: (من آخر أيام الرمي) ش: وهو اليوم الرابع م: (لأنه) ش: أي لأن الرمي م: (لم يعرف قربة إلا فيها) ش: أي في هذه الأيام، يعني معنى القربة غير معقول فيه، وإنما عرفناه قربة لا يفعله ﵊ في هذه الأيام، فلا يكون قربة في رميها كما لا يكون قربة في إراقة الدم في غير أيام النحر.
стр. 2202
وما دامت الأيام باقية فالإعادة ممكنة فيرميها على التأليف، ثم بتأخيرها عنه يجب الدم عند أبي حنيفة ﵀ خلافا لهما.
وإن ترك رمي يوم واحد فعليه دم؛ لأنه نسك تام.
ومن ترك رمي إحدى الجمار الثلاث فعليه الصدقة؛ لأن الكل في هذا اليوم نسك واحد فكان المتروك أقل، إلا أن يكون المتروك أكثر من النصف، فحينئذ يلزمه الدم لوجود ترك الأكثر.
وإن ترك رمي جمرة العقبة في يوم النحر فعليه دم؛ لأنه ترك كل وظيفة هذا اليوم رميا، وكذا إذا ترك الأكثر منها. وإن ترك منها حصاة أو حصاتين أو ثلاثا تصدق لكل حصاة نصف صاع إلا أن يبلغ دما فينقص ما
ــ
[البناية]
م: (وما دامت الأيام باقية فالإعادة ممكنة فيرميها على التأليف) ش: يعني على الترتيب، وبه قال الشافعي ﵀ في قول. وفي قول: يسقط رمي كل يوم يمضي؛ لأنه فات عن وقته م: (ثم بتأخيرها) ش: أي بتأخير الجمرات م: (عنه) ش: أي عن أيامها م: (يجب الدم عند أبي حنيفة ﵀ خلافا لهما) ش: أي لأبي يوسف، ومحمد - رحمهما الله - فإن عندهما لا دم عليه.
م: (وإن ترك رمي يوم واحد فعليه دم؛ لأنه نسك تام) ش: قيل: إنه مخير في اليوم الثالث بين النفر، وبين الإقامة تمضي، أي كونه متطوعاً، فكيف يجب بتركه الدم، وأجيب بأن التخيير قبل طلوع الفجر من اليوم الرابع، فأما بعد طلوعه وجب عليه الإقامة، ويجب بتركه الدم كالتطوع إذا تركه بعد الشروع.
م: (ومن ترك رمي إحدى الجمار الثلاث من يوم واحد فعليه الصدقة) ش: يعني إذا ترك من يوم واحد؛ لأن الجمار الثلاث من يوم واحد نسك واحد، وهو معنى قوله م: (لأن الكل في هذا اليوم نسك واحد، فكان المتروك أقل) ش: وهو سبع حصيات، فتجب صدقة لكل حصاة نصف صاع من بر م: (إلا أن يكون المتروك أكثر من النصف) ش: هذا استثناء من قوله ﵊: " فعليه الصدقة "، يعني إذا ترك أكثر من الجمار الثلاث، فإن رمى ثمان حصيات، وترك ثلاث عشرة حصاة م: (فحينئذ يلزمه الدم لوجود ترك الأكثر) ش: منها.
م: (وإن ترك رمي جمرة العقبة في يوم النحر فعليه دم؛ لأنه ترك كل وظيفة) ش: يوم النحر من حيث الرمي، وإنما قيد بقوله: رمياً، احترازاً عن الوارد عليه إذا لم يقل كذلك بأن يقال: كيف قلت إن رمي جمرة العقبة كل وظيفة م: (هذا اليوم) ش: والذبح والحلق والطواف أيضاً من وظائف هذا اليوم، فلما قال: م: (رميا) ش: خرجت الأشياء المذكورة، م: (وكذا إذا ترك الأكثر منها) ش: أي يجب عليه الدم أيضاً إذا ترك الأكثر من جمرة العقبة م: (وإن ترك منها حصاة أو حصاتين أو ثلاثا) ش: أي ثلاث حصيات م: (تصدق لكل حصاة نصف صاع، إلا أن يبلغ دما) ش: استثناء من قوله: تصدق لكل حصاة نصف صاع، يعني إذا بلغ قيمة ما تصدق لكل حصاة قيمة الدم م: (فينقض ما شاء) ش: يعني ينقض من الدم ما شاء حتى لا تلزمه التسوية بين الأقل والأكثر.
стр. 2203
شاء
لأن المتروك هو الأقل فتكفيه الصدقة. ومن أخر الحلق حتى مضت أيام النحر فعليه دم عند أبي حنيفة ﵀، وكذا إذا أخر طواف الزيارة حتى مضت أيام التشريق فعليه دم عنده وقالا: لا شيء عليه في الوجهين وكذا الخلاف في تأخير الرمي وفي تقديم نسك على نسك كالحلق قبل الرمي، ونحر القارن قبل الرمي، والحلق قبل الذبح، لهما أن ما فات مستدرك بالقضاء ولا يجب مع القضاء شيء آخر. وله حديث ابن مسعود ﵁ أنه قال «من قدم نسكا على نسك فعليه دم»
ــ
[البناية]
م: (لأن المتروك هو الأقل فتكفيه الصدقة. ومن أخر الحلق حتى مضت أيام النحر فعليه دم عند أبي حنيفة ﵀، وكذا إذا أخر طواف الزيارة. وقالا: لا شيء عليه في الوجهين) ش: أي في تأخير الحلق، وتأخير طواف الزيارة، والأصل في هذا أن تأخير النسك هل يوجب الدم أم لا؟ فعند أبي حنيفة يوجب، وعندهما لا.
م: (وكذا الخلاف) ش: أي بين أبي حنيفة وصاحبيه م: (في تأخير الرمي) ش: بأن أخر رمي جمرة العقبة في اليوم الأول إلى الثاني، وكذا إذا أخر رمي الجمار من اليوم الثاني أو الثالث إلى الرابع م: (وفي تقديم نسك على نسك) ش: أي وكذا الخلاف بينهم في تقديم نسك على نسك م: (كالحلق قبل الرمي، ونحر القارن قبل الرمي، والحلق قبل الذبح) ش: بيانه حلق المفرد بالحج أو القارن أو المتمتع قبل الرمي، وذبح القارن أو المتمتع قبل الرمي والذبح، بخلاف ما إذا ذبح المفرد قبل الرمي، أو حلق قبل الذبح حيث لا يجب عله شيء؛ لأن النسك لا يتحقق في حقه؛ لأن المفرد يذبح إن أحب، ولا يجب عليه.
واعلم أنه يفعل في يوم النحر أربعة أشياء، الرمي، والنحر، والحلق، والطواف، وهذا الترتيب واجب أم لا؟ اختلف العلماء فيه، فقال أبو حنيفة، والشافعي - رحمهما الله - في وجه ومالك وأحمد - رحمهما الله -: واجب، وعلى قول آخر للشافعي ﵀ مستحب، أما لو قدم الحلق على النحر جاز، ولا يجب شيء عنده قولاً واحداً، وكذا عندهما، ولو قدمه على الرمي لزمه دم عند الشافعي وعند مالك. وقال أحمد: لو قدم كل واحد على الآخر ساهياً أو جاهلاً لا شيء عليه، وإن كان عامداً ففي وجوب الدم روايتان، وعند أبي حنيفة التقديم، والتأخير يوجب الدم ساهياً أو جاهلاً، وبه قال زفر، ومالك، وعند أبي يوسف، ومحمد ﵏: لا شيء في التقديم، والتأخير، وإنما يجب في حق قول القارن قبل الذبح دم باعتبار الحلق في أوانه جناية على إحرامه، لا باعتبار التقديم والتأخير، وقولهما أصح قولي الشافعي. م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف، ومحمد - رحمهما الله - م: (أن ما فات مستدرك بالقضاء) ش: أي بالاتفاق م: (ولا يجب مع القضاء شيء آخر. وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀ م: (حديث ابن مسعود ﵁ أنه قال "من قدم نسكا على نسك فعليه دم) ش: هكذا هو الغالب في النسخ ابن مسعود، وفي بعضها: ابن عباس ﵀ وهو الأصح، رواه
стр. 2204
ولأن التأخير عن المكان يوجب الدم فيما هو موقت بالمكان كالإحرام، فكذا التأخير على الزمان فيما هو موقت بالزمان،
وإن حلق في أيام النحر في غير الحرم فعليه دم
ــ
[البناية]
ابن أبي شيبة في " مصنفه ": حدثنا سلام بن مطيع أبو الأحوص عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عباس، قال: من قدم نسكاً في حجه، أو أخره فليهد لذلك دماً، وقال الشيخ في " الإمام "، وإبراهيم بن مهاجر ضعيف، وأخرج عن سعيد ابن جبير، وإبراهيم النخعي، وجابر بن زيد أبي الشعثاء نحو ذلك.
م: (ولأن التأخير عن المكان) ش: كالتجاوز عن المقيات بغير إحرام م: (يوجب الدم فيما هو موقت بالمكان كالإحرام) ش: فإنه موقت بميقات م: (فكذا التأخير عن الزمان فيما هو موقت بالزمان) ش: قوله: لأن التأخير جواب عن قولهما، يعني القياس كما قالا إنه لا يجب شيء مع القضاء إلا أنا تركناه استدلالاً بتأخير الإحرام عن الميقات، والقياس: ترك بدلالة النص، كذا في " المبسوط ".
فإن قلت: معهما أيضاً قياس على سائر ما يستدرك من العبادات بالنص، فكان قياساً في خبر التعارض.
قلت: إن قياساً يرجح بالاحتياط، فإن فيه الخروج عن العهدة بيقين.
فإن قلت: ثبت في " الصحيحين " عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ «أنه ﷺ وقف للناس بمنى يسألونه، فجاء رجل، وقال: نحرت قبل الرمي، فقال ﵊: " افعل ولا حرج " فما سئل ﷺ عمن قدم، أو أخر؛ إلا قال: " افعل ولا حرج» وهذا دليل واضح على أن لا شيء في التقديم والتأخير.
قلت: إنه متروك الظاهر؛ لأنه لا يدل على القضاء أيضاً، ويجوز أن تكون المسائل مفرداً، وتقديم الذبح على الرمي لا يوجب عليه شيئاً. وفي " المستصفى ": كان هذا في ابتداء الإسلام حين لم تستقر أفعال المناسك دل عليه «أنه ﷺ سئل في ذلك الوقت: سعيت قبل أن أطوف، فقال: " افعل ولا حرج» وذلك لا يجوز بالإجماع، واليوم لا يفتى بمثله؛ ولأن نفي الحرج لا يقتضي انتفاء الكفارة، كما لو تطيب، أو حال من عدد.
م: (وإن حلق في أيام النحر في غير الحرم فعليه دم) ش: يعني إن حلق الحاج، لا للحل في أيام النحر خارج الحرم يجب عليه دم، ولم يذكر له في هذه المسألة خلاف أبي يوسف في " الجامع الصغير "، فلأجل هذا قال بعض المشايخ: يجب عليه الدم في هذه المسألة باتفاق، وقال الصدر الشهيد في " شرح الجامع الصغير ": الأصح أنه على الاختلاف، يعني لا شيء عليه عند أبي يوسف، كما لا شيء عليه عنده إذا حلق المعتمر خارج الحرم، خلافاً لهما، وأثبت الخلاف في
стр. 2205
من اعتمر فخرج من الحرم وقصر فعليه دم عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى -، وقال أبو يوسف ﵀: لا شيء عليه قال ﵁: ذكر في " الجامع الصغير " قول أبي يوسف ﵀ في المعتمر ولم يذكره في الحاج. وقيل هو بالاتفاق؛ لأن السنة جرت في الحج بالحلق بمنى وهو من الحرم. والأصح أنه على الخلاف، هو يقول: الحلق غير مختص بالحرم؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه أحصروا بالحديبية وحلقوا في غير الحرم. ولهما أن الحلق لما جعل محللا صار كالسلام في آخر الصلاة فإنه من واجباتها، وإن كان محللا، فإذا صار نسكا
ــ
[البناية]
" المنظومة "، والمختلف في الحج والعمرة جميعاً، وهذا الخلاف مبنى على أصل، وهو أن الحلق عند أبي حنيفة ﵀ يوقت بالزمان دون المكان، حتى إذا حلق بعد أيام النحر في الحرم يجب عليه الدم عند أبي حنيفة، ومحمد، وزفر، خلافاً لأبي يوسف ومحمد، وإذا حلق خارج الحرم في أيام النحر يجب عليه الدم عند أبي حنيفة، ومحمد، وزفر خلافاً لأبي يوسف، ولكن يتحلل في هذه الصورة بالاتفاق.
م: (ومن اعتمر فخرج من الحرم وقصر فعليه دم عند أبي حنيفة ومحمد ﵃) ش: لتأخيره عن مكانه، كما يلزمه الدم بتأخيره عن وقته م: (وقال أبو يوسف ﵀: لا شيء عليه قال: ذكر في " الجامع الصغير ") ش: أي قال المصنف ﵀: ذكر - أي محمد ﵀ قول أبي يوسف ﵀ في " الجامع الصغير " م: (في المعتمر أنه لا شيء عليه، وفي " الجامع ") ش: إذا حلق خارج الحرم م: (وقيل هو بالاتفاق) ش: أي قبل وجوب الدم في الحج بالاتفاق إذا حلق خارج الحرم، ولا خلاف فيه لأبي يوسف م: (لأن السنة جرت في الحج بالحلق بمنى، وهو من الحرم) ش: فبتركه يلزمه الجبر.
م: (والأصح أنه على الخلاف) ش: عندهما يجب الدم، وعند أبي يوسف ﵀: لا يجب، م: (هو يقول) ش: أي أبو يوسف يقول: م: (الحلق غير مختص بالحرم «لأن النبي ﷺ وأصحابه أحصروا بالحديبية وحلقوا في غير الحرم» ش: هذا الحديث أخرجه البخاري، ومسلم عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم قال: «خرج النبي ﷺ زمن الحديبية في بعض عشر مائة من الصحابة.. الحديث، وفيه: فأمرهم بالحلق فحلقوا في الحديبية، وهي خارج الحرم» والحديبية تصغير حدبا اسم موضع قريب من مكة.
م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة، ومحمد - رحمهما الله - م: (أن الحلق لما جعل محللا) ش: بكسر اللام م: (صار كالسلام في آخر الصلاة فإنه) ش: محلل، ومع هذا هو واجب، ولهذا لو تركه ساهياً يجب سجود السهو وأنه م: (من واجباتها) ش: أي فإن السلام من واجبات الصلاة م: (وإن كان محللا) ش: واصل بما قبله.
م: (وإذا صار نسكا اختص بالحرم) ش: أي عبادة اختص بالحرم؛ لأنه غير معقول المعنى
стр. 2206
اختص بالحرم كالذبح، وبعض الحديبية من الحرم فلعلهم حلقوا فيه، فالحاصل أن الحلق يتوقت بالزمان والمكان، عند أبي حنيفة ﵀ وعند أبي يوسف: لا يتوقت بهما، وعند محمد: يتوقت بالمكان دون الزمان، وعند زفر: يتوقت بالزمان دون المكان. وهذا الخلاف في التوقيت في حق التضمين بالدم، وأما في حق التحلل فلا يتوقت بالاتفاق. والتقصير، والحلق في العمرة غير موقت بالزمان بالإجماع؛ لأن أصل العمرة لا يتوقت به، بخلاف المكان؛ لأنه موقت به. قال: فإن لم يقصر حتى رجع وقصر فلا شيء عليه في قولهم جميعا، معناه: إذا خرج المعتمر ثم عاد؛
ــ
[البناية]
فيختص بالحرم، وبه قال مالك، وأحمد - رحمهما الله - في رواية م: (كالذبح) ش: حيث يختص بالحرم م: (وبعض الحديبية من الحرم) ش: هذا جواب عن تمسك أبي يوسف ﵀ بالحديبية المذكور، وبه قال الشافعي ﵀ في الأظهر م: (فلعلهم حلقوا فيه) ش: أي في الحرم الذي هو من الحديبية م: (فالحاصل أن الحلق موقت بالزمان والمكان عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف لا يتوقت بهما، وعند محمد ﵀: يتوقت بالمكان دون الزمان، وعند زفر: يتوقت بالزمان دون المكان) ش: قد مر الكلام فيه آنفاً.
م: (وهذا الخلاف في التوقيت في حق التضمين بالدم، وأما في حق التحلل فلا يتوقت) ش: بالزمان والمكان، وإن الكلام في وجوب الدم عند من يقول بالتوقيت يجب الدم بتركه م: (بالاتفاق) ش: لكونه معتداً به بالاتفاق م: (والتقصير والحلق في العمرة غير موقت بالزمان بالإجماع) ش: لنفس العمرة حيث لا يتوقت بالزمان. فإن قلت: في أيام النحر مكروهة فكانت موقتة.
قلت: كراهيتها فيها ليست من حيث إنها موقتة به، بل باعتبار أنه مشغول بأفعال الحج فيها، فلو اعتمر فيها ربما أخل بشيء من أفعال الحج، فكرهت لذلك.
م: (لأن أصل العمرة لا يتوقت به) ش: أي بالزمان، وأصل العمرة الطواف والسعي، فلا يتوقت بالزمان بالإجماع م: (بخلاف المكان؛ لأنه موقت به) ش: أي بخلاف مكان العمرة، فإن أصلها موقت به، وهو الحرم، فكذا يتوقت ما يترتب عليه وهو الحلق، والتقصير، حتى لو حلق خارج الحرم للعمرة فعليه دم عند أبي حنيفة، ومحمد - رحمهما الله -، كما في الحج. وعند أبي يوسف ﵀: لا شيء عليه، كذا في " المبسوط ".
م: (فإن لم يقصر حتى رجع وقصر لا شيء عليه في قولهم جميعاً) ش: وفي أكثر النسخ قال: فإن لم يقصر، أي قال محمد في " الجامع الصغير ": فإن لم يحلق المعتمر حتى عاد إلى الحرم، فلا شيء عليه في قول أبي حنيفة وصاحبيه جميعاً؛ لأنه بدل المتروك في مكان م: (معناه) ش: أي قال محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": معنى حكم المسألة م: (إذا خرج المعتمر ثم عاد) ش: ذكر العود إلى الحرم من خواص " الجامع الصغير " م: (لأنه) ش: أي لأن المعتمر م: (أتى به) ش:
стр. 2207
لأنه أتى به في مكانه فلا يلزمه ضمانه. وإن حلق القارن قبل أن يذبح فعليه دمان - عند أبي حنيفة ﵀: دم بالحلق في غير أوانه؛ لأن أوانه بعد الذبح , ودم بتأخير الذبح عن الحلق. وعندهما يجب عليه دم واحد، وهو الأول، ولا يجب بسبب التأخير شيء على ما بينا.
ــ
[البناية]
أي بالتقصير أو الحلق م: (في مكان فلا يلزمه ضمانه. وإن حلق القارن قبل أن يذبح فعليه دمان - عند أبي حنيفة - دم بالحلق) ش: أي بسبب الحلق م: (في غير أوانه؛ لأن أوانه بعد الذبح، ودم بتأخير الذبح) ش: أي بسبب تأخير الذبح م: (عن الحلق , وعندهما) ش: أي، وعند أبي يوسف، ومحمد - رحمهما الله - م: (يجب عليه دم واحد، وهو الأول) ش: وهو دم القران؛ لأنه الواجب أولاً بحكم القران، لكن لفظه يوهم أنه أراد به الدم الواجب بالحلق في غير أوانه.
م: (ولا يجب بسبب التأخير شيء على ما بينا) ش: وفي بعض النسخ: على ما قلنا، وأشار به إلى ما قال، قيل: هذا إنما فات مستدرك بالقضاء ولا يجب مع القضاء شيء آخر، وقال الأكمل ﵀: على هذا تقرير المسألة على ما عليه أصل رواية " الجامع الصغير "، فإن محمداً ﵀ , قال فيه في القارن حلق قبل أن يذبح فعليه دمان، دم القران، ودم آخر؛ لأنه حلق قبل أن يذحب، يعني على قول أبي حنيفة ﵀، وعلى هذا ما ذكره المصنف ﵀ غير مطابق له؛ لأنه قال: دم الحلق في غير أوانه؛ لأنه بعد الذبح، ودم بتأخير الذبح عن الحلق، وهذا كما ترى يشير إلى أنهما دما جناية، ولم يذكر دم القران، وقال: وعندهما عليه دم واحد وهو الأول، يعني الذي يجب بالحلق من غير رواية؛ لأنه لم يذكر أولاً إلا سواه، ولم يذكر أيضاً دم القران، ومع عدم مطابقته فهو متقاصر لقوله قبل هذا. وقالا: لا شيء عليه في الوجهين جميعاً، إلى أن قال: والحلق قبل الذبح على هذا كان الحق أن يقول: فعليه دمان عند أبي حنيفة ﵀ دم بالقران، ودم بتأخير الذبح، فكأنه سهو وقع منه أو من الكاتب، ولا يجب في السهو على الإنسان. انتهى.
قلت: هذا الذي ذكره أوجه من قول الأترازي، وقد حط صاحب " الهداية " لأنه جعل الدمين هاهنا جميعاً للجناية، وجعل في باب القران أحدهما للنسك، والآخر للجناية، انتهى.
قلت: يحتمل أن يكون المصنف ذكر هاهنا عادة بعض المشايخ، وهو أن دم القران واجب إجماعاً، ودم آخر بسبب الجناية على الإحرام؛ لأن الحلق لا يجوز إلا بعد الذبح، وهذا واجب أيضاً إجماعاً، ودم آخر عند أبي حنيفة ﵀ بسبب تأخير الذبح عن الحلق.
فإن قيل: على ما ذكره محمد ﵀ إنه يجب عليه ثلاثة دماء، إلا أن جناية القارن مضمونة بالدمين.
قيل له: إنما يجب على المفرد فيه دم، فعلى القارن دمان، ولو قادم المفرد الحلق على الذبح لم يجب عليه شي، فلا يضاعف على القارن.
стр. 2208
فصل اعلم أن صيد البر محرم على المحرم، وصيد البحر حلال لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦] الآية (٩٦: المائدة) وصيد البر ما يكون توالده، ومثواه في البر، وصيد البحر ما يكون توالده ومثواه في الماء
ــ
[البناية]
[فصل صيد البر محرم على المحرم] [ المقصود بصيد البر والبحر وحكم قتل الفواسق]
م: (فصل) ش: أي: هذا فصل، فلا يعرب إلا بهذا التقدير، وهذا الفصل في بيان الجناية على الصيد، ولما كان هذا نوعاً خاصاً من أنواع الجنايات ذكره في فصل على حدة.
م: (اعلم أن صيد البر محرم على المحرم، وصيد البحر حلال لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦] (المائدة: الآية: ٩٦)) ش: صيد البر كله حرام على المحرم، سواء كان مملوكاً أو مباحاً، وسواء كان مأكول اللحم أو غيره لعموم اسم الصيد إلا ما أباح الشرع قتله من الفواسق الخمس وما في معناها، فلا شيء بقتلها، وكذا إذا قتل الصيد ذاباً عن نفسه إذا صال عليه لا يجب عليه شيء، بخلاف الجمل إذا صال فقتله حيث تجب عليه قيمته، وعن أبي يوسف، والشافعي: لا يضمن، وإذا قتل إنساناً حمل عليه بسلاح ذاباً عن نفسه فلا شيء عليه بالإجماع، قوله: وطعامه أي ما يطعم منه كالسمك، قوله: متاعاً لكم، نصب على أنه مفعول له، أي تمتعاً لكم، لكونه طرياً وللسيارة بين ودونه قديداً، قوله: ما دمتم حرماً: أي محرمين.
م: (وصيد البر ما يكون توالده ومثواه في البر) ش: أي مقامه، وهو اسم مكان من ثوى يثوي ثواً وثوياً إذا قام، والمعتبر المتوالد؛ لأنه الأصل، وفي " البدائع ": الطيور كلها من صيد البر، وما توالده في البر، وما يأوي في البحر من صيد البر، وما يتوالد في البحر، ويأوي في البر كالضفدع من صيد البر.
م: (وصيد البحر ما يكون توالده ومثواه في الماء) ش: ولا فرق بين حيوان البحر الملح، وبين الأنهار والعيون، ثم الحيوان الذي يعيش في الماء على ثلاثة أنواع: أحدها: ما لا يعيش إلا في الماء وهو السمك، وهذا لا جزاء فيه بلا خلاف، وقال الكرماني ﵀ في " مناسكه ": الذي يرخص للمحرم من صيد البحر السمك خاصة؛ لأنه هو الصيد الحلال عندنا، ولا نأخذ ما سواه، وكذا في " خزانة الأكمل ".
والثاني: ما يعيش في الماء وغيره، إلا أنه أكثر مأواه كالسرطان والسلحفاة البحرية، والضفدع لا شيء فيها، وعن عطاء فيها الجزاء، والثالث: ما تكون إقامته في البر، ومعاشه، وكسبه في الماء كالطيور ففيها الجزاء، وقال الشافعي على ما ذكره النووي: صيد البحر ما لا يعيش إلا في البحر، وما يعيش فيهما حرام كالمتولد من مأكول وغيره الطيور المائية التي تعرض في الماء، وتخرج منه محرمة، وقال مالك ﵀: في قتل طير الماء الجزاء.
стр. 2209
والصيد هو الممتنع المتوحش في أصل الخلقة، واستثنى رسول الله ﷺ الخمس الفواسق، وهي: الكلب العقور، والذئب والحدأة، والغراب والحية، والعقرب
ــ
[البناية]
[جزاء الصيد ومقداره]
م: (والصيد هو الممتنع المتوحش في أصل الخلقة) ش: قيد بالممتنع احترازاً عن الدجاج، والبط الأهلي، وقيد بالمتوحش في أصل الخلقة ليدخل الحمام المسرول، ويخرج البعير المتوحش؛ فإنه لا يدخل في حكم الصيد، ولا يثبت له؛ لأنه عارض إلا في حق الزكاة للضرورة، وأما البط الذي يطير في الهواء جنس آخر، وهو من جملة الطيور، كذا في " الإيضاح ": وقال مالك ﵀ لا جزاء في المستأنس كالحمام المسرول، والطيب لخروجه من الامتناع.
م: (واستثنى رسول الله ﷺ الخمس الفواسق، وهي: الكلب العقور، والذئب والحدأة، والغراب والحية، والعقرب) ش: روى البخاري، ومسلم عن مالك، عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: العقرب، والفأرة، والكلب العقور، والحدأة» وليس في هذه الرواية من الذئب ولا الحية.
وفي رواية لمسلم ذكر الخمسة، وأما الذئب، ففي رواية الدارقطني في " سننه ": عن حجاج ابن أرطاة، عن وبرة بن عبد الرحمن قال: سمعت ابن عمر يقول: «أمر رسول الله ﷺ بقتل الذئب، والفأرة، والحدأة، والغراب» والحجاج لا يحتج به.
قوله: واستثنى رسول الله ﷺ ، ليس فيه حقيقة الاستثناء لأنه لا يتصور، وإنما معناه بين رسول الله ﷺ عدم دخول الخمس الفواسق في الآية الكريمة المذكورة، وما جاز قتل هذه الخمسة بالحديث خرجت عن حكم حرمة قتل الصيد، استعار لفظ الاستثناء لوجود معناه، وإن لم توجد صورته، والخمس منصوب بلفظ استثنى، والفواسق بالنصب أيضاً صفة، وهو جمع فاسقة، وسميت فواسق بطريق الاستعارة لخبثهن.
وقيل: لخروجهن عن الحرمة، والفسق الخروج من الاستقامة، ومنه قيل للعاصي فاسق لخروجه عما أمر به، وقيل: سميت فواسق لإرادة تحريم أكلها لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣] بعدما ذكر ما حرم من الميتة والدم، وقيل: لخروجهن عن السلامة منهن إلى الأذى، وقيل: لخروجهن عن الانتفاع بهن، ثم تنصيص الخمس بالذكر لا ينافي ما عداه مما هو في معناهن، ألا ترى إلى ما روى الحسن عن مسلم عن سعيد بن أبي وقاص ﵁ قال: «أمر النبي ﷺ بقتل الوزغ، وسماه فويسقاً» .
وعم أم شريك ﵂ «أنه ﵊ أمر بقتل الأوزاغ» رواه البخاري، ومسلم، وروى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يقتل المحرم السبع العادي، والكلب العقور، والفأرة، والعقرب نوالحدأة، والغراب» رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن ورواه أبو داود.
стр. 2210
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وأيضاً فهذا فيه ستة، والمذكور في الصحاح خمسة، والذي ذكره المصنف ستة، الأول: الكلب العقور، ذكر أبو عمر أن ابن عيينة قال: الكلب العقور كل سبع يعقر، ولم يخص به، وعن أبي هريرة ﵀: الكلب العقور الأسود، وعن مالك ﵀: هو كل ما عقر الناس، وعدا عليهم مثل الأسد، والنمر، والفهد، وأما ما كان من السباع لا يعدو مثل الضبع، والثعلب، وشبههما فلم يقتله المحرم، وإن قتله فداه.
وزعم النووي ﵀ أن العلماء اتفقوا على جواز قتل الكلب العقور للمحرم، والحلال في الحل والحرم، واختلفوا في المراد به فقيل: هو الكلب المعروف، حكاه عياض عن أبي حنيفة، والأوزاعي، والحسن بن جني، وألحقوا به الذئب، وحمل زفر الكلب على الذئب وحده، وفي " المبسوط ": المراد من الكلب العقور الذئب، وقيل: الكلب والذئب واحد، لأن الكلب المعروف أهلي، وليس بصيد، ولا يدخل الأسد وإن صح انه ﵊ سماه كلباً لتضمنه إبطال العذر.
قلت: هذا قول ابن ندمي الحصر والصحيح ما ذكرنا أن التنصيص على عدد لا ينافي ما زاد عليه، وقد ذكرت في " شرح الكنز " عن أبي حنيفة ﵀ الكلب العقور وغيره، والمستأنس، والمتوحش منه سواء.
وقال أبو المعالي: جمع الكلب أكلب، وكلاب، وكليب، وهو جمع عزيز لا يكاد يوجد إلا قليلاً نحو عبد وعبيد وجمع الأكلب أكالب، وفي " المحكم ": ويقال في جمع كلاب: كلابات، وأكالب، كالحامل جماعة الكلاب، والكلبة الأنثى، وجمعها كلبات جمع مكسر، وفي " المحيط "، و " البدائع ": الكلب العقور شأنه الوثوب على الناس، وغيرهم ابتداء، وهذا المعنى موجود في الأسد، والنمر، والفهد، بل أشد، فكان ورود النص في الكلب العقور قد ورد فيما ذكرناه، ويدل عليه قوله ﵊: «السبع العادي» في حديث الترمذي الذي ذكرناه.
الثاني من الستة: الذئب، وقد ذكرنا فيه من الكلام، ولكن الظاهر أنه هو الذئب غير الكلب، وهو الذئب المعهود.
الثالث: الحداء بكسر الحاء، وبعد الدال ألف ممدودة بعدها همزة مفتوحة، وجمعها حدد مثل عنب وحداي، كذا في " الدستور "، وقال الجوهري ﵀: حدأة، وفي " المطالع ": الحدأة لا يقال فيها إلا بكسر الحاء، وقد جاء الحداء يعني بالفتح، وهو جمع حدأة، وجاء الحديا على وزن الثريا، ويجوز قتل الحدأة سواء كان للمحرم أو للحلال؛ لأنها تبتدئ بالأذى، وتخطف اللحم من أيدي الناس، وروي عن مالك ﵀ في الحدأة والغراب أنه لا
следующие страницы →