← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

اختص بالحرم كالذبح، وبعض الحديبية من الحرم فلعلهم حلقوا فيه، فالحاصل أن الحلق يتوقت بالزمان والمكان، عند أبي حنيفة ﵀ وعند أبي يوسف: لا يتوقت بهما، وعند محمد: يتوقت بالمكان دون الزمان، وعند زفر: يتوقت بالزمان دون المكان. وهذا الخلاف في التوقيت في حق التضمين بالدم، وأما في حق التحلل فلا يتوقت بالاتفاق. والتقصير، والحلق في العمرة غير موقت بالزمان بالإجماع؛ لأن أصل العمرة لا يتوقت به، بخلاف المكان؛ لأنه موقت به. قال: فإن لم يقصر حتى رجع وقصر فلا شيء عليه في قولهم جميعا، معناه: إذا خرج المعتمر ثم عاد؛ ــ [البناية] فيختص بالحرم، وبه قال مالك، وأحمد - رحمهما الله - في رواية م: (كالذبح) ش: حيث يختص بالحرم م: (وبعض الحديبية من الحرم) ش: هذا جواب عن تمسك أبي يوسف ﵀ بالحديبية المذكور، وبه قال الشافعي ﵀ في الأظهر م: (فلعلهم حلقوا فيه) ش: أي في الحرم الذي هو من الحديبية م: (فالحاصل أن الحلق موقت بالزمان والمكان عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف لا يتوقت بهما، وعند محمد ﵀: يتوقت بالمكان دون الزمان، وعند زفر: يتوقت بالزمان دون المكان) ش: قد مر الكلام فيه آنفاً. م: (وهذا الخلاف في التوقيت في حق التضمين بالدم، وأما في حق التحلل فلا يتوقت) ش: بالزمان والمكان، وإن الكلام في وجوب الدم عند من يقول بالتوقيت يجب الدم بتركه م: (بالاتفاق) ش: لكونه معتداً به بالاتفاق م: (والتقصير والحلق في العمرة غير موقت بالزمان بالإجماع) ش: لنفس العمرة حيث لا يتوقت بالزمان. فإن قلت: في أيام النحر مكروهة فكانت موقتة. قلت: كراهيتها فيها ليست من حيث إنها موقتة به، بل باعتبار أنه مشغول بأفعال الحج فيها، فلو اعتمر فيها ربما أخل بشيء من أفعال الحج، فكرهت لذلك. م: (لأن أصل العمرة لا يتوقت به) ش: أي بالزمان، وأصل العمرة الطواف والسعي، فلا يتوقت بالزمان بالإجماع م: (بخلاف المكان؛ لأنه موقت به) ش: أي بخلاف مكان العمرة، فإن أصلها موقت به، وهو الحرم، فكذا يتوقت ما يترتب عليه وهو الحلق، والتقصير، حتى لو حلق خارج الحرم للعمرة فعليه دم عند أبي حنيفة، ومحمد - رحمهما الله -، كما في الحج. وعند أبي يوسف ﵀: لا شيء عليه، كذا في " المبسوط ". م: (فإن لم يقصر حتى رجع وقصر لا شيء عليه في قولهم جميعاً) ش: وفي أكثر النسخ قال: فإن لم يقصر، أي قال محمد في " الجامع الصغير ": فإن لم يحلق المعتمر حتى عاد إلى الحرم، فلا شيء عليه في قول أبي حنيفة وصاحبيه جميعاً؛ لأنه بدل المتروك في مكان م: (معناه) ش: أي قال محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": معنى حكم المسألة م: (إذا خرج المعتمر ثم عاد) ش: ذكر العود إلى الحرم من خواص " الجامع الصغير " م: (لأنه) ش: أي لأن المعتمر م: (أتى به) ش:

стр. 2207

لأنه أتى به في مكانه فلا يلزمه ضمانه. وإن حلق القارن قبل أن يذبح فعليه دمان - عند أبي حنيفة ﵀: دم بالحلق في غير أوانه؛ لأن أوانه بعد الذبح , ودم بتأخير الذبح عن الحلق. وعندهما يجب عليه دم واحد، وهو الأول، ولا يجب بسبب التأخير شيء على ما بينا. ــ [البناية] أي بالتقصير أو الحلق م: (في مكان فلا يلزمه ضمانه. وإن حلق القارن قبل أن يذبح فعليه دمان - عند أبي حنيفة - دم بالحلق) ش: أي بسبب الحلق م: (في غير أوانه؛ لأن أوانه بعد الذبح، ودم بتأخير الذبح) ش: أي بسبب تأخير الذبح م: (عن الحلق , وعندهما) ش: أي، وعند أبي يوسف، ومحمد - رحمهما الله - م: (يجب عليه دم واحد، وهو الأول) ش: وهو دم القران؛ لأنه الواجب أولاً بحكم القران، لكن لفظه يوهم أنه أراد به الدم الواجب بالحلق في غير أوانه. م: (ولا يجب بسبب التأخير شيء على ما بينا) ش: وفي بعض النسخ: على ما قلنا، وأشار به إلى ما قال، قيل: هذا إنما فات مستدرك بالقضاء ولا يجب مع القضاء شيء آخر، وقال الأكمل ﵀: على هذا تقرير المسألة على ما عليه أصل رواية " الجامع الصغير "، فإن محمداً ﵀ , قال فيه في القارن حلق قبل أن يذبح فعليه دمان، دم القران، ودم آخر؛ لأنه حلق قبل أن يذحب، يعني على قول أبي حنيفة ﵀، وعلى هذا ما ذكره المصنف ﵀ غير مطابق له؛ لأنه قال: دم الحلق في غير أوانه؛ لأنه بعد الذبح، ودم بتأخير الذبح عن الحلق، وهذا كما ترى يشير إلى أنهما دما جناية، ولم يذكر دم القران، وقال: وعندهما عليه دم واحد وهو الأول، يعني الذي يجب بالحلق من غير رواية؛ لأنه لم يذكر أولاً إلا سواه، ولم يذكر أيضاً دم القران، ومع عدم مطابقته فهو متقاصر لقوله قبل هذا. وقالا: لا شيء عليه في الوجهين جميعاً، إلى أن قال: والحلق قبل الذبح على هذا كان الحق أن يقول: فعليه دمان عند أبي حنيفة ﵀ دم بالقران، ودم بتأخير الذبح، فكأنه سهو وقع منه أو من الكاتب، ولا يجب في السهو على الإنسان. انتهى. قلت: هذا الذي ذكره أوجه من قول الأترازي، وقد حط صاحب " الهداية " لأنه جعل الدمين هاهنا جميعاً للجناية، وجعل في باب القران أحدهما للنسك، والآخر للجناية، انتهى. قلت: يحتمل أن يكون المصنف ذكر هاهنا عادة بعض المشايخ، وهو أن دم القران واجب إجماعاً، ودم آخر بسبب الجناية على الإحرام؛ لأن الحلق لا يجوز إلا بعد الذبح، وهذا واجب أيضاً إجماعاً، ودم آخر عند أبي حنيفة ﵀ بسبب تأخير الذبح عن الحلق. فإن قيل: على ما ذكره محمد ﵀ إنه يجب عليه ثلاثة دماء، إلا أن جناية القارن مضمونة بالدمين. قيل له: إنما يجب على المفرد فيه دم، فعلى القارن دمان، ولو قادم المفرد الحلق على الذبح لم يجب عليه شي، فلا يضاعف على القارن.

стр. 2208

فصل اعلم أن صيد البر محرم على المحرم، وصيد البحر حلال لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦] الآية (٩٦: المائدة) وصيد البر ما يكون توالده، ومثواه في البر، وصيد البحر ما يكون توالده ومثواه في الماء ــ [البناية] [فصل صيد البر محرم على المحرم] [ المقصود بصيد البر والبحر وحكم قتل الفواسق] م: (فصل) ش: أي: هذا فصل، فلا يعرب إلا بهذا التقدير، وهذا الفصل في بيان الجناية على الصيد، ولما كان هذا نوعاً خاصاً من أنواع الجنايات ذكره في فصل على حدة. م: (اعلم أن صيد البر محرم على المحرم، وصيد البحر حلال لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦] (المائدة: الآية: ٩٦)) ش: صيد البر كله حرام على المحرم، سواء كان مملوكاً أو مباحاً، وسواء كان مأكول اللحم أو غيره لعموم اسم الصيد إلا ما أباح الشرع قتله من الفواسق الخمس وما في معناها، فلا شيء بقتلها، وكذا إذا قتل الصيد ذاباً عن نفسه إذا صال عليه لا يجب عليه شيء، بخلاف الجمل إذا صال فقتله حيث تجب عليه قيمته، وعن أبي يوسف، والشافعي: لا يضمن، وإذا قتل إنساناً حمل عليه بسلاح ذاباً عن نفسه فلا شيء عليه بالإجماع، قوله: وطعامه أي ما يطعم منه كالسمك، قوله: متاعاً لكم، نصب على أنه مفعول له، أي تمتعاً لكم، لكونه طرياً وللسيارة بين ودونه قديداً، قوله: ما دمتم حرماً: أي محرمين. م: (وصيد البر ما يكون توالده ومثواه في البر) ش: أي مقامه، وهو اسم مكان من ثوى يثوي ثواً وثوياً إذا قام، والمعتبر المتوالد؛ لأنه الأصل، وفي " البدائع ": الطيور كلها من صيد البر، وما توالده في البر، وما يأوي في البحر من صيد البر، وما يتوالد في البحر، ويأوي في البر كالضفدع من صيد البر. م: (وصيد البحر ما يكون توالده ومثواه في الماء) ش: ولا فرق بين حيوان البحر الملح، وبين الأنهار والعيون، ثم الحيوان الذي يعيش في الماء على ثلاثة أنواع: أحدها: ما لا يعيش إلا في الماء وهو السمك، وهذا لا جزاء فيه بلا خلاف، وقال الكرماني ﵀ في " مناسكه ": الذي يرخص للمحرم من صيد البحر السمك خاصة؛ لأنه هو الصيد الحلال عندنا، ولا نأخذ ما سواه، وكذا في " خزانة الأكمل ". والثاني: ما يعيش في الماء وغيره، إلا أنه أكثر مأواه كالسرطان والسلحفاة البحرية، والضفدع لا شيء فيها، وعن عطاء فيها الجزاء، والثالث: ما تكون إقامته في البر، ومعاشه، وكسبه في الماء كالطيور ففيها الجزاء، وقال الشافعي على ما ذكره النووي: صيد البحر ما لا يعيش إلا في البحر، وما يعيش فيهما حرام كالمتولد من مأكول وغيره الطيور المائية التي تعرض في الماء، وتخرج منه محرمة، وقال مالك ﵀: في قتل طير الماء الجزاء.

стр. 2209

والصيد هو الممتنع المتوحش في أصل الخلقة، واستثنى رسول الله ﷺ الخمس الفواسق، وهي: الكلب العقور، والذئب والحدأة، والغراب والحية، والعقرب ــ [البناية] [جزاء الصيد ومقداره] م: (والصيد هو الممتنع المتوحش في أصل الخلقة) ش: قيد بالممتنع احترازاً عن الدجاج، والبط الأهلي، وقيد بالمتوحش في أصل الخلقة ليدخل الحمام المسرول، ويخرج البعير المتوحش؛ فإنه لا يدخل في حكم الصيد، ولا يثبت له؛ لأنه عارض إلا في حق الزكاة للضرورة، وأما البط الذي يطير في الهواء جنس آخر، وهو من جملة الطيور، كذا في " الإيضاح ": وقال مالك ﵀ لا جزاء في المستأنس كالحمام المسرول، والطيب لخروجه من الامتناع. م: (واستثنى رسول الله ﷺ الخمس الفواسق، وهي: الكلب العقور، والذئب والحدأة، والغراب والحية، والعقرب) ش: روى البخاري، ومسلم عن مالك، عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: العقرب، والفأرة، والكلب العقور، والحدأة» وليس في هذه الرواية من الذئب ولا الحية. وفي رواية لمسلم ذكر الخمسة، وأما الذئب، ففي رواية الدارقطني في " سننه ": عن حجاج ابن أرطاة، عن وبرة بن عبد الرحمن قال: سمعت ابن عمر يقول: «أمر رسول الله ﷺ بقتل الذئب، والفأرة، والحدأة، والغراب» والحجاج لا يحتج به. قوله: واستثنى رسول الله ﷺ ، ليس فيه حقيقة الاستثناء لأنه لا يتصور، وإنما معناه بين رسول الله ﷺ عدم دخول الخمس الفواسق في الآية الكريمة المذكورة، وما جاز قتل هذه الخمسة بالحديث خرجت عن حكم حرمة قتل الصيد، استعار لفظ الاستثناء لوجود معناه، وإن لم توجد صورته، والخمس منصوب بلفظ استثنى، والفواسق بالنصب أيضاً صفة، وهو جمع فاسقة، وسميت فواسق بطريق الاستعارة لخبثهن. وقيل: لخروجهن عن الحرمة، والفسق الخروج من الاستقامة، ومنه قيل للعاصي فاسق لخروجه عما أمر به، وقيل: سميت فواسق لإرادة تحريم أكلها لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣] بعدما ذكر ما حرم من الميتة والدم، وقيل: لخروجهن عن السلامة منهن إلى الأذى، وقيل: لخروجهن عن الانتفاع بهن، ثم تنصيص الخمس بالذكر لا ينافي ما عداه مما هو في معناهن، ألا ترى إلى ما روى الحسن عن مسلم عن سعيد بن أبي وقاص ﵁ قال: «أمر النبي ﷺ بقتل الوزغ، وسماه فويسقاً» . وعم أم شريك ﵂ «أنه ﵊ أمر بقتل الأوزاغ» رواه البخاري، ومسلم، وروى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يقتل المحرم السبع العادي، والكلب العقور، والفأرة، والعقرب نوالحدأة، والغراب» رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن ورواه أبو داود.

стр. 2210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وأيضاً فهذا فيه ستة، والمذكور في الصحاح خمسة، والذي ذكره المصنف ستة، الأول: الكلب العقور، ذكر أبو عمر أن ابن عيينة قال: الكلب العقور كل سبع يعقر، ولم يخص به، وعن أبي هريرة ﵀: الكلب العقور الأسود، وعن مالك ﵀: هو كل ما عقر الناس، وعدا عليهم مثل الأسد، والنمر، والفهد، وأما ما كان من السباع لا يعدو مثل الضبع، والثعلب، وشبههما فلم يقتله المحرم، وإن قتله فداه. وزعم النووي ﵀ أن العلماء اتفقوا على جواز قتل الكلب العقور للمحرم، والحلال في الحل والحرم، واختلفوا في المراد به فقيل: هو الكلب المعروف، حكاه عياض عن أبي حنيفة، والأوزاعي، والحسن بن جني، وألحقوا به الذئب، وحمل زفر الكلب على الذئب وحده، وفي " المبسوط ": المراد من الكلب العقور الذئب، وقيل: الكلب والذئب واحد، لأن الكلب المعروف أهلي، وليس بصيد، ولا يدخل الأسد وإن صح انه ﵊ سماه كلباً لتضمنه إبطال العذر. قلت: هذا قول ابن ندمي الحصر والصحيح ما ذكرنا أن التنصيص على عدد لا ينافي ما زاد عليه، وقد ذكرت في " شرح الكنز " عن أبي حنيفة ﵀ الكلب العقور وغيره، والمستأنس، والمتوحش منه سواء. وقال أبو المعالي: جمع الكلب أكلب، وكلاب، وكليب، وهو جمع عزيز لا يكاد يوجد إلا قليلاً نحو عبد وعبيد وجمع الأكلب أكالب، وفي " المحكم ": ويقال في جمع كلاب: كلابات، وأكالب، كالحامل جماعة الكلاب، والكلبة الأنثى، وجمعها كلبات جمع مكسر، وفي " المحيط "، و " البدائع ": الكلب العقور شأنه الوثوب على الناس، وغيرهم ابتداء، وهذا المعنى موجود في الأسد، والنمر، والفهد، بل أشد، فكان ورود النص في الكلب العقور قد ورد فيما ذكرناه، ويدل عليه قوله ﵊: «السبع العادي» في حديث الترمذي الذي ذكرناه. الثاني من الستة: الذئب، وقد ذكرنا فيه من الكلام، ولكن الظاهر أنه هو الذئب غير الكلب، وهو الذئب المعهود. الثالث: الحداء بكسر الحاء، وبعد الدال ألف ممدودة بعدها همزة مفتوحة، وجمعها حدد مثل عنب وحداي، كذا في " الدستور "، وقال الجوهري ﵀: حدأة، وفي " المطالع ": الحدأة لا يقال فيها إلا بكسر الحاء، وقد جاء الحداء يعني بالفتح، وهو جمع حدأة، وجاء الحديا على وزن الثريا، ويجوز قتل الحدأة سواء كان للمحرم أو للحلال؛ لأنها تبتدئ بالأذى، وتخطف اللحم من أيدي الناس، وروي عن مالك ﵀ في الحدأة والغراب أنه لا

стр. 2211

فإنها مبتدئات بالأذى. والمراد به الغراب الذي يأكل الجيف. هو المروي عن أبي يوسف ﵀. قال: وإذا قتل المحرم صيدا أو دل عليه من قتله ــ [البناية] يقتلهما المحرم، إلا أن يبتدئا بالأذى، والمشهور من مذهبه خلافه. الرابع: الغراب، وقد ذكره المصنف على ما يجيء، وقال غيره: الغراب الأبقع الذي في ظهره، وبطنه البياض، والغراب الأورع، والدرعي الأسود والأعصم الأبيض الرجلين، وروي المنع عن ذلك. وقال مجاهد ﵀: يرمي التراب، ولا يقتله، وقال به قوم، واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري ﵀ «أن النبي ﷺ سئل عما يقتل المحرم، قال: " الحية، والعقرب، والفويسقة، ويرمي الغراب ولا يقتله.» الحديث رواه ابن ماجه، وقال أبو عمر ﵁ ليس هذا مما يحتج به على حديث ابن عمر ﵄ الذي مر ذكره. الخامس: الحية. السادس: العقرب، وذكر أبو عمر عن حماد بن أبي سليمان، والحكم أن المحرم لا يقتل الحية والعقرب، رواه عنهما شعبة قال: وحجتهما أنهما من هوام الأرض، وقال القاضي: لم يختلف في قتل الحية والعقرب، وقال أبو عمر: لا خلاف عن مالك ﵀، وجمهور العلماء في قتل الحية، والعقرب في الحل، والحرم، وكذلك الأفاعي، ولا شيء في قتل الرتيلا، وأم الأربعة والأربعين. م: (فإنها مبتدئات بالأذى) ش: أي فإن الستة التي استثناها رسول الله ﷺ لأنها مبتدئات بالأذى، يعني أن يؤذين ابتداء من غير تعرض أحد إليهن، والمؤذي يقتل م: (والمراد به الغراب الذي يأكل الجيف. هو المروي عن أبي يوسف ﵀) ش: يعني دون الغراب غراب الزرع والقعقع. وفي " السروجي ": «أمر رسول الله ﷺ بقتل الحية في الحل والحرم» أبدت جوهرها الخبيث حيث خانت آدم ﷺ ، فأدخلت إبليس الحية بين أيديها، ولو كانت يروه لم يتركها رضوان خازن الجنة أن تدخله، والفأرة أبدت جوهرها بأن عمدت إلى حبال سفينة نوح ﷺ فقطعتها، والغراب أبدى جوهره حيث بعثه نوح نبي الله ﷺ ليأتيه بخبر الأرض فترك أمره، وأقبل على جيفة. والوزعة نفخت إلى نار إبراهيم ﷺ من بين سائر الدواب فعلنت. م: (قال: وإذا قتل المحرم) ش: وفي غالب النسخ قال: وإذا قتل، أي قال القدوري ﵀: إذا قتل المحرم م: (صيدا أو دل عليه) ش: أي على الصيد م: (من قتله) ش: بأن قال في

стр. 2212

فعليه الجزاء أما القتل فلقوله تعالى ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة: ٩٥] الآية (٩٦ المائدة) نص على إيجاب الجزاء. وأما الدلالة ففيها خلاف الشافعي ﵀. هو يقول: الجزاء تعلق بالقتل، والدلالة ليست بقتل، فأشبه دلالة الحلال حلالا. ولنا ما روينا من حديث أبي قتادة ﵁. ــ [البناية] مكان، كذا صيد فقتله المدلول عليه م: (فعليه الجزاء) ش: أي فعلى الدال المحرم الجزاء، سواء كان المدلول محرماً، أو حلالاً، وسيجيء تفسير الجزاء إن شاء الله تعالى. م: (أما القتل فلقوله تعالى ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة: ٩٥] الآية (المائدة: ٩٦) ش: أي أما حكم القتل وهو وجوب الجزاء م: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة: ٩٥] (المائدة الآية: ٩٦)) ش: استدل على حرمة قتل المحرم الصيد بهاتين الآيتين الكريمتين إحداهما قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] وقد نهى الله تعالى عن قتل الصيد في حالة الإحرام والواو في قوله: وأنتم للحال أي: وأنتم محرمون، والحرم جمع حرام يعني محرم، وقال النووي، والعراقي: جمع محرم، وليس بصحيح، من جهة الصناعة، ووقع الإجماع على تحريم قتل صيد البر على المحرم، وتحريم اصطياده، وكذا نقل النووي ﵀ الإجماع عليه، ويدل عليه الآية المذكورة، والآية الثانية قوله ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] (المائدة: الآية: ٩٦) ، أي فعلية جزاء يماثل المقتول من النعم الوحشي، ومثل الحيوان قيمة؛ لأن المثل المطلق هو المثل صورة ومعنى، فإذا تعذر ذلك حمل على المثل المعنوي، وهو القيمة. م: (نص على إيجاب الجزاء) ش: أي نص على القاتل م: (وأما الدلالة) ش: أي وأما حكم دلالة المحرم غيره على قتل الصيد م: (ففيها خلاف الشافعي ﵀) ش: ومالك ﵁: والقسمة العقلية فيها أربعة أقسام، إما أن يكون الدال والمدلول حلالين أو محرمين، أو الدال حلالاً، والمدلول محرماً، أو بالعكس من ذلك. الأول: ليس مما نحن فيه، والثاني على كل واحد منهما جزاء عندنا، والثالث: على المدلول الجزاء دون الدال، وفي الرابع: عكسه. وقال الشافعي ﵀: لا شيء على الدال أصلاً. م: (هو يقول) ش: أي الشافعي م: (الجزاء تعلق بالقتل، والدلالة ليست بقتل، فأشبهت دلالة الحلال حلالا) ش: على صيد الحرام، حيث لا يجب على الدال شيء؛ لأنه لا إيصال للدلالة بالمحل، وهذا بخلاف المودع إذا دل سارقاً على الوديعة التي تحت يده يجب عليه ضمانها؛ لأنه التزم حفظها بإثبات يده عليها. م: (ولنا ما روينا من حديث أبي قتادة ﵁) ش: حديث أبي قتادة هذا تقدم في أول باب الإحرام عند قوله: ولا يقتل صيداً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] (المائدة:

стр. 2213

وقال عطاء ﵀: أجمع الناس على أن على الدال الجزاء؛ ولأن الدلالة من محظورات الإحرام؛ ولأنه تفويت الأمن على الصيد، إذ هو آمن بتوحشه وتواريه، فصار كالإتلاف؛ ولأن المحرم بإحرامه التزم الامتناع عن التعرض، فيضمن بترك ما التزمه كالمودع، بخلاف الحلال؛ لأنه لا التزام من جهته، على أن فيه الجزاء على ما روي عن أبي يوسف وزفر - رحمهما الله -، والدلالة الموجبة للجزاء أن لا يكون المدلول عالما بمكان الصيد، وأن يصدقه في الدلالة، حتى لو كذبه وصدق غيره لا ضمان على المكذب. ــ [البناية] الآية ٩٥) ، ولا يشير إليه ولا يدل عليه.. الحديث عن أبي قتادة، ومر الكلام فيه هناك م: (وقال عطاء: أجمع الناس على أن على الدال الجزاء) ش: قال الكاكي ﵀: هو عطاء بن أبي رباح تلميذ ابن عباس ﵄. وقال مخرج الأحاديث: هذا غريب، وكأنه ابن أبي رباح صرح به في " المبسوط "، وغيره، وذكره ابن قدامة في " المغني " عن علي وابن عباس ﵄ وقال الطحاوي ﵀: هو مروي عن عدة من الصحابة، ولم يرو عنهم خلافه، فكان إجماعاً. م: (ولأن الدلالة من محظورات الإحرام؛ ولأنه تفويت الأمن عن الصيد، إذ هو) ش: كلمة إذ للتعليل والضمير يرجع إلى الصيد م: (آمن) ش: من التعرض إليه م: (بتوحشه) ش: أي بسبب توشحه وأصل الوحشة خلاف الأمن، وقال ابن الأثير: والوحشة الخلوة، ومنه يقال: مكان وحش إذا كان خالياً لا ساكن فيه م: (وتواريه) ش: أي عن أعين الناس، وبالدلالة يزول ذلك م: (فصار كالإتلاف) ش: أي صار إزالة أمنه كإتلافه م: (ولأن المحرم بإحرامه التزم الامتناع عن التعرض، فيضمن بترك ما التزمه) ش: أي بسبب ترك ما التزمه بعدم التعرض إليه م: (كالمودع) ش: إذا دل سارقاً على الوديعة م: (بخلاف الحلال؛ لأنه لا التزام من جهته) ش: فلا يلزمه شيء. فإن قلت: كان ينبغي الجزاء على الحلال أيضاً إذا دل؛ لأنه ملتزم أيضاً بترك التعرض لصيد الحرم بالإسلام. قلت: الإسلام ليس بكاف في إيجاب الضمان؛ بل التزم الأمان بعقد خاص هو المعتبر، ولهذا إذا دل الأجنبي بسرقة الوديعة إنساناً لا يجب على الأجنبي ضمان، وإن كان الإسلام موجوداً. م: (على أن فيه الجزاء) ش: أي فيما إذا دل الحلال على صيد الحرم الجزاء م: (على ما روي عن أبي يوسف وزفر) ش: ذكره في " مختصر الكرخي " م: (والدلالة الموجبة للجزاء أن لا يكون المدلول عالما بمكان الصيد، وأن يصدقه في الدلالة) ش: أي وأن يصدق المدلول الدال ليكون في معنى الإتلاف م: (حتى لو كذبه) ش: أي حتى لو كذب المدلول الدال م: (وصدق غيره) ش: أي غير الدال م: (لا ضمان على المكذب) ش: بفتح الذال، وفيه إشارة إلى أن الضمان على ذلك الغير إن كان

стр. 2214

ولو كان الدال حلالا في الحرم لم يكن عليه شيء لما قلنا، وسواء في ذلك العامد والناسي؛ لأنه ضمان يعتمد وجوبه الإتلاف، فأشبه غرامات الأموال. والمبتدئ والعائد سواء ــ [البناية] محرماً، وهاهنا شروط أخر لم يذكرها أن يتصل القتل بهذه الدلالة؛ لأن مجرد الدلالة لا يوجب شيئاً، والثاني: أن يبقى الدال محرماً عند أخذه المدلول؛ لأن فعله إنما [....] جناية إذا بقي محرماً إلى وقت الفعل. والثالث: أن يأخذه المدلول قبل أن ينقلب فلو صدقه ولم يقتله حتى انقلبت ثم أخذه بعد ذلك، فقتله لم يكن على الدال شيء؛ لأن ذلك بمنزلة جرح الأول. م: (ولو كان الدال حلالا في الحرم لم يكن عليه شيء لما قلنا) ش: أشار إلى قوله: لأنه لا التزام من جهته م: (وسواء في ذلك) ش: أي سواء في الضمان م: (العامد والناسي) ش: سواء كانا قاتلين أو دالين، ولا خلاف للأئمة الأربعة إلا ما روي عن بعض أصحاب الشافعي ﵁ أن في وجوب الضمان على الناسي قولين، وكذلك في المخطئ، وقال ابن عباس ﵄: لا شيء على المخطئ، وبه أخذ داود الأصبهاني وسالم، والقاسم لظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥] (المائدة الآية: ٩٥) ، وروي عن سعيد بن جبير، وأحمد كذلك، وفي الخطأ روايتان. م: (لأنه) ش: أي لأن الجزاء م: (ضمان يعتمد وجوبه الإتلاف، فأشبه غرامات الأموال) ش: فإن في غرامات الأموال يستوي العامد، والناسي، كالكفارة بقتل المسلم؛ لأنه تعالى حرم قتل الصيد تعمداً بقوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] (المائدة: الآية ٩٥) ، وتقييده في الآية بالعمد ليس لأخذ الجزاء بل للوعيد المذكور في آخر الآية بقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] وليس قتل العمد يدل على نفي الحكم عما عداه، فجاز أن يثبت حكم النسيان بدليل آخر، وهو قوله ﵊: «الضبع صيد، وفيه شاة» من غير فصل بين عمد ونسيان، وعن الزهري - رحمه: نزل الكتاب بالعمد، ووردت السنة بالخطأ، وهو مذهب عمر، وعبد الرحمن بن عوف ﵃، وسعد بن أبي وقاص ﵁. م: (والمبتدئ) ش: هو الجاني أول مرة م: (والعائد) ش: هو الجاني ثانياً، إلا أن يكون المراد به العود بالقتل م: (سواء) ش: أي مستويات في وجوب الضمان، وقال ابن عباس ﵄: لا جزاء على العائد، وبه قال داود وشريح، ولكن يقال: اذهب فينتقم الله منك، فظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] (المائدة: الآية ٩٥) . قلنا: إن ضمان إيجابه لا يختلف بالابتداء والعود بل جناية العائد أشد، والمراد من الآية: ومن عاد بعد العلم بالحرمة كما في آية الربا ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] (البقرة: الآية ٢٧٥) ، أي: ومن عاد إلى المباشرة بعد العلم بالحرمة، كذا في " مبسوط الأسبيجابي،

стр. 2215

لأن الموجب لا يختلف. والجزاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - أن يقوم الصيد في المكان الذي قتل فيه، أو في أقرب المواضع منه إذا كان في برية، فيقومه ذوا عدل، ثم هو مخير في الفداء إن شاء ابتاع بها هديا، وذبحه إن بلغت هديا، وإن شاء اشترى بها طعاما وتصدق على كل مسكين نصف صاع من بر، أو صاعا من تمر، أو شعير، وإن شاء صام ــ [البناية] والكاكي ". م: (لأن الموجب لا يختلف) ش: أي لأن الموجب للضمان وهو الإتلاف لا يختلف بالابتداء والعود، فيجب الجزاء في الحالين كالصيد المملوك م: (والجزاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -) ش: هذا شروع في تفسير الجزاء، وهو عند أبي حنيفة، وأبي يوسف م: (أن يقوم الصيد) ش: أي يقوم من حيث نفس الصيد لا من حيث الصفة، حتى لو قتل البازي المعلم فعليه قيمة غير معلم؛ لأن كونه معلماً عارض لا مدخل فيه في الصيدية م: (في المكان الذي قتل فيه) ش: أي قتل فيه إن كانت للصيد قيمة في ذلك المكان، وإلا فيقوم في أقرب الأماكن الذي له قيمة فيه، وهو معنى قوله: م: (أو في أقرب المواضع منه) ش: أي من المواضع الذي قتل فيه م: (إذا كان في برية) ش: أي إذا كان القتل في برية، ثم قتل الصيد على ضربين محرم ومباح، فالمحرم قتله بغير سبب يبيحه ففيه الجزاء بالنص، والمباح أنواع، أحدها في حالة الاضطرار، فيباح بلا خلاف، ويضمن قيمته وجد غيره أو لم يجده، كما إذا كان بمال الغير في المخمصة. وقال الأوزاعي: لا ضمان في حالة الضرورة، والثاني: إذا صار عليه ولم يمكنه دفعه فلا شيء عليه. وقال زفر ﵀ عليه الجزاء كالجمل الصائل، ونقل أبو بكر من الحنابلة وجوب الجزاء عن أبي حنيفة - رحمة الله عليه - وأخطأ في نقل الثالث إذا خلص صيداً من سبع أو شبكة، فتلف بذلك، فلا شيء عليه، وبه قال عطاء. وهو رواية عن أحمد، وعنه أنه يضمن، وهو قول قتادة. الرابع: لو حفر بئر الماء، أو تنور الطبخ، فوقع في ذلك صيد، فلا جزاء عليه، ولو كان للاصطياد إلا إذا حفر للذئب، أو للاصطياد الذي شرع بإباحة قتله، فوقع فيه غيره، فمات فلا جزاء عليه لعدم التعدي، وكذا رو أرسلر كلبه على [.....] فأخذ غيره لا يضمن ذكر ذلك الأسبيجابي. م: (فيقومه ذوا عدل) ش: أي يقوم الصيد رجلان عدلان ممن لهم معرفة في قيمة الصيد م: (ثم هو مخير) ش: أي ثم القاتل مخير م: (في الفداء) ش: وفي بعض النسخ في الفدية م: (إن شاء ابتاع بها هديا وذبحه) ش: أي اشترى بها، أي بالقيمة هدياً وذبحه م: (إن بلغت هديا) ش: أي قيمته قيمة ما يهدى به م: (وإن شاء اشترى بها طعاما وتصدق على كل مسكين نصف صاع من بر، أو صاعا من تمر، أو شعير) ش: فإن فعل هذا فهو بالخيار م: (وإن شاء صام) ش: مكانه يوماً كاملاً، وإن شاء

стр. 2216

على ما نذكر، وقال محمد والشافعي - رحمهما الله -: يجب في الصيد النظير فيما له نظير، ففي الظبي شاة، وفي الضبع شاة، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة، وفي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] (٩٥ المائدة) ، ومثله من النعم ما يشبه المقتول صورة؛ لأن القيمة لا تكون نعما. والصحابة ﵃ أوجبوا ــ [البناية] تصدق به؛ لأن صوم نصف النهار لا يجوز م: (على ما نذكر) ش: فيما يأتي إن شاء الله تعالى. م: (وقال محمد والشافعي ﵄: يجب في الصيد النظير فيما له نظير) ش: أي يجب في قتل الصيد مثله فيما له مثل من حيث القيمة، وبه قال مالك، وأحمد، وأكثر أهل العلم، ثم فسر النظير بقوله: م: (ففي الظبي شاة، وفي الضبع شاة، وفي الأرنب عناق) ش: وهو الأنثى من أولاد المعز، وفي " خزانة الأكمل " عناق، أو جدي، وهو الذكر من أولاد المعز، وهو دون الجذع م: (وفي اليربوع جفرة) ش: وقال الرافعي ﵀: يجب أن يكون المراد هاهنا بالجفرة ما دون العناق؛ لأن الأرنب خير من اليربوع، فكيف يستوي في موجبها؟! قلت: ذكرتم في موجب الطير، والحمام بإيجاب الشاة فيهما، وقال الأترازي ﵀: اليربوع اسم حيوان من الحشرات فوق الجرد، والذكر، والأنثى فيه سواء، وقال الجوهري ﵀: الياء فيه زائدة؛ لأنه ليس في كلامهم بعلول، وأرض مربعة ذات يرابيع، والجفرة بفتح الجيم وسكون الفاء الأنثى من أولاد المعز. م: (وفي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة) ش: وكذا في بقر الوحش بقرة، وفي الثعلب الجزاء، روي ذلك عن عطاء، وقتادة ومالك، والشافعي، وأحمد ﵃ في رواية الجزاء هو الشاة، ولا شيء فيه عند الزهري، وعمرو بن دينار، وابن أبي نجيح، وابن المنذر، وروى ابن القاسم عن مالك في الضب قيمته طعاماً، أو صياماً، وفي رواية ابن وهب شاة، وأوجب ابن حبيب في الدب الجزاء، وأوجب الرافعي الجزاء في أم حبين بضم الحاء المهملة، وفتح الباء الموحدة وروى الشافعي والبيهقي بإسناد عن عثمان بحلاب من المغنم بضم الحاء المهملة وتشديد اللام، وهو الحمل أي الحرون، وفي إسناده مطرف بن مازن وهو ضعيف جداً، وقال يحيى بن معين: هو كذاب. واختلف الشافعية في حل أكل أم حبين، وقال النووي: الأصح حل أكلها، ووجوب الجزاء فيها، وأم حبين دابة على صورة الحرباء، وعن عطاء في القنفذ شاة رواه عنه سعيد بن منصور، وهو شذوذ؛ لأن القنفذ لا يشبه الشاة لا في الصورة ولا في المعنى، ولا في القيمة. م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] (المائدة الآية: ٩٥) ، ومثله من النعم ما يشبه المقتول صورة) ش: لأن من النعم بيان المثل م: (لأن القيمة لا تكون نعما. والصحابة ﵃ أوجبوا النظير من حيث الخلقة والمنظر في النعامة والظبي وحمار الوحش والأرنب على ما

стр. 2217

النظير من حيث الخلقة، والمنظر في النعامة، والظبي، وحمار الوحش، والأرنب على ما بينا. وقال ﷺ «الضبع صيد وفيه شاة» ، وما ليس له نظير عند محمد ﵀ تجب فيه القيمة مثل العصفور، والحمام، وأشباههما، وإذا وجبت القيمة كان قوله كقولهما، والشافعي ﵀ يوجب في الحمامة شاة ــ [البناية] بيناه) ش: أراد به ما ذكره من قوله: ففي الظبي شاة ... إلى آخره، والمراد من الصحابة جماعة منهم على ما رواه الشافعي، ومن جهة ما رواه البيهقي في " سننه " عن سعيد بن سالم عن ابن جريج عن عطاء الخراساني أن عمر، وعثمان، وعلياً، وزيد بن ثابت، وابن عباس، ومعاوية ﵃ قالوا في النعامة يقتلها المحرم بدنة من الإبل، انتهى. وقال الشافعي: إنما القول في النعامة بدنة بالقياس لا بهذا الأثر فإن هذا الأثر غير ثابت عند أهل العلم بالحديث، قال البيهقي: وسبب عدم ثبوته أن فيه ضعفاً وانقطاعاً، وذلك لأن عطاء الخراساني ولد سنة خمسين، قال ابن معين وغيره: فلم يدرك عمر، ولا عثمان، ولا علياً , ولا زيد بن ثابت، وكان في زمن معاوية صبياً , ولم يثبت له سماع من ابن عباس ﵁ مع احتمال أن ابن عباس توفي سنة ثمان وتسعين، وعطاء الخراساني مع انقطاع حديثه هذا متكلم فيه، وروى مالك في " الموطأ " أخبرنا أبو الزبير عن جابر أن عمر ﵁ قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة. م: (وقال ﷺ «الضبع صيد وفيه الشاة» ش: هذا الحديث أخرجه الأئمة الأربعة أصحاب السنن من «حديث جابر بن عبد الله، قال: سألت رسول الله ﷺ عن الضبع أصيد هو، قال: " نعم، ويجعل فيه كبش» ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح م: (وما ليس له نظير) ش: أي من حيث الخلقة م: (عند محمد ﵀ تجب فيه القيمة مثل العصفور، والحمام، وأشباههما) ش: مثل الحمام، والقمري، والفاختة. م: (وإذا وجبت القيمة كان قوله) ش: أي قول محمد ﵀ م: (كقولهما) ش: أي كقول أبي يوسف، وأبي حنيفة في تغريم الصيد، والشراء، بقيمة الهدي، وإن بلغت هدياً , أو اشترى بها طعاماً للمتصدق كما مر عن قريب، وحاصل الخلاف في موضعين، أحدهما أن الخيار إلى القاتل عندهما، وعند محمد ﵀ معهما في هذا، والله أعلم. م: (والشافعي ﵀ يوجب في الحمامة) ش: وليس للحكم إلا تعيين القيمة عند محمد ﵀ الخيار للحكمين، والثاني: تجب القيمة فيما له نظير، أو لم يكن له نظير

стр. 2218

ويثبت المشابهة بينهما من حيث إن كل واحد منهما يعب ويهدر، ولأبي حنيفة وأبي يوسف أن المثل المطلق هو المثل صورة ومعنى، ولا يمكن الحمل عليه فحمل على المثل معنى لكونه معهودا في الشرع كما في حقوق العباد، أو لكونه مرادا بالإجماع ــ [البناية] عندهما، وعند محمد ﵀ معهما في هذا، والله أعلم. الشافعي ﵁ يوجب في الحمامة شاة م: (ويثبت المشابهة بينهما من حيث إن كل واحد منهما يعب) ش: من العب وهو شرب الماء بلا مص، وهو جرعه جرعاً شديداً، كما تجرع الدواب، ويقال: العب أن يشرب الماء مرة من غير أن يقطع الجرع من باب طلب، وقال أبو عمر ﵁: والحمام يشرب هكذا، بخلاف سائر الطيور، فإنها تشرب شيئاً فشيئاً. م: (ويهدر، ولأبي حنيفة وأبي يوسف) ش: من هدر البعير والحمام إذا صوت من باب ضرب يضرب، والشاة ليست نظيرة للحمامة، لا في الصورة، ولا في المعنى، ولا في القيمة فإن الحمامة تساوي نصف درهم، والشاة تساوي عشرين درهماً , بل وثلاثين وأكثر، والشاة من ذوات الظلف تمشي على أربع، والحمامة من الطيور ولها جناحان، وتمشي على رجلين، ولا اعتبار للعب إذا لم يرد اعتبار أبي يوسف ﵀ م: (أن المثل المطلق هو المثل صورة ومعنى) ش: أراد أن الله أطلق المثل في قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] والمطلق ينصرف إلى الكامل، وهو المثل من حيث الصورة، ومن حيث المعنى م: (ولا يمكن الحمل عليه) ش: أي على مثل صورة، ومعنى الخروج ما ليس له مثل صوري من تأويل النص، وفي ذلك إهمال عن حكم الشرع. م: (فحمل على المثل معنى لكونه معهودا في الشرع) ش: أي لكون المثل معهوداً في الشرع، كما إذا أتلف إنسان ثوب غيره مثلاً تجب عليه قيمته، أما اعتبار الصورة فلا معنى فليس بمعهود في الشرع، ولو كان من الواجب من حيث الخلقة لم يحتج فيه إلى حكم عدلين لحصول العلم بالحس والمشاهدة. م: (كما في حقوق العباد) ش: فإن الحكم فيها بالمثل المعنوي، قال الله تعالى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] (البقرة: الآية ١٩٤) ، وثمة لما تعذر الحمل على المثل صورة ومعنى حمل على المثل معنى، فكذلك هاهنا م: (أو لكونه) ش: أي أو لكون المثل المعنوي م: (مرادا بالإجماع) ش: فيما لا مثل له صورة كالعصفور، فلا يكون غيره مراداً، وإلا لزم عموم المشترك المعنوي، ولا عموم له في موضع الإثبات، ولما فيه من الجمع بين الحقيقة والمجاز، وكلاهما غير جائز. فإن قلت: المثل ليس بمشترك بين المثل صورة، وبين المثل معنى، ولا هو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، حتى يلزم ما ذكرتم، بل هو مطلق يتناول الصورة والمعنى، كما أنه يتناول المؤمنة

стр. 2219

أو لما فيه من التعميم، وفي ضده التخصيص، والمراد بالنص - والله أعلم - فجزاء قيمة ما قتل من النعم الوحشي، واسم النعم يطلق على الوحشي والأهلي، كذا قاله أبو عبيدة والأصمعي - رحمهما الله عنه - والمراد بما روي ــ [البناية] والكافرة، فيدخل تحت المثل المطلق والمعنوي، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] دخل ما له مثل صورة ومعنى، كما في المثليات، وما ليس له مثل لا معنى كالقيمات. قلت: أجيب بأن المطلق ما يتعرض للذات دون الصفات، لا بالنفي، ولا بالإثبات، فهو الدال على الماهية فقط، وذلك يتحقق تحته كل فرد من أفراده المحتملة، فلو كان دالاً على ذلك لوجبت النعامة على النعامة، وليس كذلك بل حقيقة فيه في المطلق، ومجاز في غيره، والمجاز هنا مراد بالإجماع، فلا يكون غيره مراداً، ومثل ذلك قوله في الآية الأخرى. أما على قول من يقول: يوجب الغصب القيمة، ورد مخلص فظاهر؛ لأن الموجب الأصلي أولى بالإرادة ورد العين ثبتت بقوله ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى ترده» ، وأما على قول من يقول بموجب الغصب رد العين وأداء القيمة يخلص فكذلك القيمة ثابتة بالكتاب ورد العين بالسنة وهذا الكلام مبحث من كلام السغناقي، وغيره. م: (أو لما فيه من التعميم) ش: دليل آخر، أي لما في دليل المثل معنى من التعميم؛ لأنه يتناول ما له نظير، وما ليس كذلك م: (وفي ضده التخصيص) ش: وفي اعتبار المثل صورة التخصيص لتناوله ما له نظير فقط، والعمل بالتعميم أولى؛ لأن النص حينئذ أعم فائدة م: (والمراد بالنص - والله أعلم -) ش: هذا جواب عن قوله: لأن القيمة لا تكون نعماً، تقديره، والمراد بالآية م: (فجزاء قيمة ما قتل من النعم الوحشي) ش: ولما اعترض المعترض بقوله: كيف يقول من النعم الوحشي، والنعم يراد به الأهلي، ولا يجب بقتل الأهلي، فأجاب دفعاً لسؤاله بقوله: م: (واسم النعم ينطلق على الوحشي والأهلي، كذا قاله أبو عبيدة) ش: واسمه معمر بن المثنى التميمي من تيم قريش مولاهم، وفي بعض النسخ: أبو عبيد بدون التاء في آخره، واسمه القاسم بن سلام البغدادي صاحب كتاب " الحديث "، والأول أصح م: (والأصمعي) ش: واسمه عبد الملك بن قريب، وهما الإمامان في اللغة ثقتان في نقلهما، فقال: النعم كما يطلق على الأهلي يطلق على الوحشي أيضاً. فإن قلت: ما تصنع بقوله: هدياً، وهو حال من جزاء، فإن كان الجزاء القيمة كيف يمكن أن يكون هدياً بالغ الكعبة، بأن معناه إذا قوم فبلغت قيمته هدياً بالغ الكعبة. م: (والمراد مما روي) ش: هذا الجواب عما روى محمد ﵀ من قوله ﵊: «الضبع صيد، وفيه الشاة» لأنه لا مماثلة بين الضبع والشاة من حيث الخلقة، وإنما

стр. 2220

التقديرية دون إيجاب المعين، ثم الخيار إلى القاتل في أن يجعله هديا، أو طعاما، أو صوما عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -. وقال محمد والشافعي - رحمهما الله -: الخيار إلى الحكمين في ذلك، فإن حكما بالهدي يجب النظير على ما بينا، وإن حكما بالطعام أو بالصوم، فعلى ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف. لهما أن التخيير شرع رفقا بمن عليه، فيكون الخيار إليه كما في كفارة اليمين. ولمحمد والشافعي ــ [البناية] المماثلة بينهما قد تكون من حيث القيمة، وهذا نظير ما قال علي ﵁ في ولد المعز والغلام بالغلام، والجارية بالجارية، والمراد القيمة، والدليل عليه أنهم أوجبوا في الحمامة شاة، ولا تشابه بينهما في النظر، فدل أنهم أوجبوها بالقيمة م: (التقديرية دون إيجاب المعين، ثم الخيار) ش: يعني بعد حكم الحاكمين يكون الخيار م: (إلى القاتل في أن يجعله) ش: أي في أن يجعل النسك م: (هديا، أو طعاما، أو صوما عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -) ش: كما في كفارة اليمين، حيث يكون بالخيار إلى الحالف، يختار أحد الأشياء الثلاثة من الإطعام، والكسوة، والتحرير؛ لأن الخيار للوقت بالحالف فكذا هنا. م: (وعند محمد والشافعي ﵄ الخيار) ش: أحدثه م: (إلى الحكمين في ذلك) ش: أي في تعيين النوع م: (فإن حكما بالهدي يجب النظير على ما بينا، وإن حكما بالطعام أو بالصوم، فعلى ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف) ش: يعني من اعتبار القيمة من حيث المعنى م: (لهما) ش: أي لأبي حنفية، وأبي يوسف - رحمهما الله - م: (أن التخيير شرع رفقا بمن عليه، فيكون الخيار إليه كما في كفارة اليمين) ش: حيث يكون الخيار إلى الحالف، وقد ذكرناه الآن. م: (ولمحمد والشافعي ﵄) ش: ذكر المصنف ﵀، والشافعي ﵁ مع محمد ﵀ في كون الخيار إلى الحكمين المذكور في كتب أصحابه أن الخيار إلى القاتل كما في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف - رحمهما الله - ولم يذكر في " المبسوط " , و " الأسرار " و " شرح التأويلات " قول الشافعي ﵀ بل اقتصر فيها على قول محمد ﵀، قال الكاكي: ولم يلزم من عدم ذكر محمد ﵀ مع الشافعي ﵀ في هذه الكتب عدم كونه مع محمد ﵀، وذكر في " الحلية " وما حكمت الصحابة ﵃ فيه بالمثل لا يحتاج فيه إلى اجتهاده، وما لم يحكم فيه فلا بد من حكمين، ثم قيل: يجوز أن يكون القاتل أحدهما، وفيه وجهان: أحدهما: يجوز، وهو المذهب، وقال مالك ﵀: لا بد من الحكمين في الجميع، وفي " تتمتهم ": لا يتعين على قاتل الصيد إخراج المثل من النعم، ولكنه يخير إن شاء ذبح بالمثل، وإن شاء قومه وصرف قيمته إلى الطعام وتصدق به على كل مسكين مداً , وإن شاء صام بدل كل مد يوماً، وعن أحمد ﵀ لا يخرج الطعام، وإنما التقويم بالطعام لمعرفة

стр. 2221

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا﴾ [المائدة: ٩٥] الآية (٩٥ المائدة) ذكر الهدي منصوبا لأنه تفسير لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] أو مفعول لحكم الحكم، ثم ذكر الطعام، والصيام بكلمة " أو "، فيكون الخيار إليهما. قلنا: الكفارة عطفت على الجزاء لا على الهدي بدليل أنه مرفوع، وكذا قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] مرفوع، فلم يكن فيها دلالة اختيار الحكمين، وإنما يرجع إليهما في تقويم المتلف , ثم الاختيار بعد ذلك إلى من عليه، ويقومان في المكان الذي أصابه لاختلاف القيم باختلاف الأماكن ــ [البناية] قدر الصيام م: (قَوْله تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا﴾ [المائدة: ٩٥] (المائدة: الآية ٩٥)) ش: ووجه ذلك أنه م: (ذكر الهدي منصوبا لأنه) ش: أي لأن قوله هدياً م: (تفسير لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] ش: فإن ضمير به مبهم يفسره بقوله: هدياً، فكان نصا على التفسير، قيل: بل التمييز فثبت أن المثل إنما يصير مثلياً باختيارهما وحكمهما م: (أو مفعول لحكم الحكم، ثم ذكر) ش: على أن يكون بدلاً عن الضمير محمولاً على محله، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: ١٦١] (الأنعام: الآية ١٦١) ، وفي ذلك تنصيص إلى أن التعيين إلى الحكمين ثم لما ثبت ذلك في الهدي ثبت في الطعام والصيام لعدم القائل بالفعل. م: (الطعام، والصيام بكلمة " أو ") ش: التي للتنويع والتخيير عطفاً على هدياً بدليل قراءة عن ابن عمر أو كفارة بالنصب م: (فيكون الخيار إليهما) ش: ويقال: إن الشافعي ﵀ لا يرى الاستدلال بالقراءة الشاذة وقراءة عيسى شاذة م: (قلنا) ش: جواب عن استدلال محمد ﵀، والشافعي ﵀ م: (الكفارة عطفت على الجزاء لا على الهدي) ش: أراد أن ما قالا إنما يصح إذا كانت كفارة معطوفة على الهدايا، وليست معطوفة على هدياً، لاختلاف إعرابها؛ لأن قوله: كفارة معطوفة على الجزاء م: (بدليل أنه) ش: أي أن الجزاء م: (مرفوع به) ش: قال الأترازي ﵀: قوله: بدليل أنه مرفوع، أي بدليل أن الكفارة مرفوع، وإنما ذكر ضمير الكفارة على تأويل المعطوف، انتهى. وفيه تأمل لا يخفى. م: (وكذا قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] مرفوع) ش: والعدل ما يعادل الشيء من غير جنسه كالصوم والطعام، وذلك إشارة إلى الطعام، وصياماً تمييز للعدل، كقوله: لي مثله رجلاً، فإذا كان الإعراب كذلك م: (فلم يكن فيهما) ش: أي في الآية م: (دلالة اختيار الحكمين) ش: في الطعام والصيام، وإذا لم يثبت الخيار فيها للحكمين لم يثبت للهدي، لعدم القائل بالفضل م: (وإنما يرجع إليهما) ش: أي إلى الحكمين م: (في تقويم المتلف) ش: يعني الحاجة في الرجوع إليهما في تقويم الذي أتلفه القاتل؛ لأن القيمة أمر يقع فيها الاختلاف. م: (ثم الاختيار بعد ذلك) ش: أي بعد التقويم م: (إلى من عليه) ش: الجزاء لا إلى الحكمين م: (ويقومان) ش: يعني الحكمين المتلف م: (في المكان الذي أصابه) ش: أي المحرم م: (لاختلاف القيم) ش: أي قيم الأشياء م: (باختلاف الأماكن) ش: وقال الشعبي ﵀: يقوم بمكة أو بمنى، ومذهب الثلاثة أنه يقوم في موضع الإتلاف؛ لأن الضمان يجب به

стр. 2222

فإن كان الموضع برية ليس فيه بيع ولا شراء للصيد يعتبر أقرب المواضع إليه مما يباع فيه ويشترى. قالوا: والواحد يكفي، والمثنى أولى؛ لأنه أحوط وأبعد عن الغلط كما في حقوق العباد. وقيل: يعتبر المثنى هاهنا بالنص. ــ [البناية] كما في سائر الأموال، وفي " المبسوط " لشيخ الإسلام، وكذلك الزمان الذي فيه أصابه؛ لأن القيمة تختلف باختلاف الزمان أيضًا. م: (فإن كان الموضع) ش: الذي قتل فيه الصيد. م: (برية ليس فيه بيع ولا شراء للصيد يعتبر أقرب المواضع إليه) ش: أي إلى الموضع الذي قتل الصيد فيه. م: (مما يباع فيه ويشترى) ش: أي مما يباع في أقرب المواضع ويشترى منه. م: (قالوا) ش: أي المشايخ. م: (والواحد يكفي) ش: لأن قوله: ملزم، ولأنه من باب الخبر لا الشهادة فيقبل قول الواحد العدل. م: (والمثنى) ش: أي الاثنان. م: (أولى؛ لأنه أحوط وأبعد عن الغلط) ش: كما قالوا في شهادة النساء، فيما لا يطلع عليه الرجال، فيقبل فيه قول الواحدة، والمثنى أحوط. م: (كما في حقوق العباد) ، م: (وقيل: يعتبر المثنى هاهنا بالنص) ش: أو يعتبر أن يكون الحكم بفتح الكاف اثنين في جزاء الصيد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] قوله: هنا، وفي بعض النسخ: هاهنا، أي في قيمة الصيد، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد ﵏، قيل: يشترط عند مالك أن يكونا فقيهين، والفقيه ليس بشرط عند الجماعة بالنص، وقال شمس الأئمة السرخسي ﵀ في " شرح الكافي ": وعلى طريقة القياس يكفي الواحد للتقويم، وكان المثنى أحوط، ولكن يعتبر حكومة بالنص، وقال الأترازي ﵀ قال في " الكشاف ": وعن قبيصة أنه أصاب ظبيًا وهو محرم فسأل عمر ﵁ فشاور عبد الرحمن بن عوف ﵁ ثم أمره بذبح شاة، فقال قبيصة: والله ما علم أمير المؤمنين، حتى سأل غيره، فأقبل عليه [ ... ] بالدرة، فقال: أبيض القفاء تقتل الصيد وأنت محرم، وقال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] (المائدة: الآية ٩٥) ، فأنا عمر وهذا عبد الرحمن بن عوف، وكذا قال الأكمل ﵀، قال في " الكشاف ": عن قبيصة إلى آخره. قلت: روى مالك ﵁ في " موطئه " عن عبد الملك بن يزيد البصري عن محمد بن سيرين أن رجلًا جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال له: إني أصبت ظبيًا، وأنا محرم، فما ترى في ذلك؟ فقال عمر لرجل إلى جنبه يقال: حتى أحكم أنا، وأنت، قال: فحكما عليه بغير قول الرجل. وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلا فحكم معه، فلما سمعه عمر ﵁ دعاه، فقال له: هل تقرأ سورة المائدة؟ قال: لا، قال: لو أخبرتني أنك تقرؤها لأوجعتك بالضرب، إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]

стр. 2223

والهدي لا يذبح إلا مكة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] (٩٥ المائدة) ، ويجوز الإطعام في غيرها، خلافا للشافعي ﵀، هو يعتبره بالهدي والجامع التوسعة على سكان الحرم ونحن نقول: الهدي قربة غير معقولة، فيختص بمكان أو زمان. أما الصدقة فقربة معقولة في كل زمان ومكان. والصوم يجوز في غير مكة لأنه قربة في كل مكان، فإن ذبح الهدي بالكوفة أجزأه عن الطعام، معناه إذا تصدق باللحم، وفيه وفاء بقيمة الطعام؛ لأن الإراقة لا تنوب عنه، ــ [البناية] فأنا عمر، وهذا عبد الرحمن بن عوف، انتهى، وقال أبو عبيد: يعني قوله: [....] ، وتصغى فيها بالغين المعجمة والصاد المهملة. م: (والهدي لا يذبح إلا بمكة؛ لقوله : ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] ش: م: (المائدة: الآية ٩٥)) ش: أراد بمكة الحرم؛ لأنه تابع مكة، وبه قال الشافعي، وفي الأصح، وفي قول: لا يختص بالحرم، وقال مالك ﵀: لا يختص ما يجب من الفدية بالإحرام، وقال في القديم: ما أساسه في الحل يجوز ذبحه في الحل، وبه قال أحمد ﵀، وقال مالك ﵀: لا يختص ما يجب من الفدية بالإحرام بمكان، ولنا قَوْله تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وصفه بكونه بالغ الكعبة، والمراد من الكعبة الحرام؛ لأن عين الكعبة غير مراد بالإجماع؛ لأنها تصان عن إراقة الدماء، فأريد بها ما حولها، وهو الحرم الذي له جزء منها. م: (ويجوز الإطعام في غيرها) ش: أي في غير مكة. م: (خلافا للشافعي) ش: أي فإن عنده لا يجوز الإطعام على غير فقراء مكة، وبه قال أبو ثور ﵀، وهو قول عطاء ﵀. م: (هو يعتبره بالهدي) ش: أي الشافعي يعتبر الإطعام بالهدي قياسًا عليه. م: (والجامع) ش: أي بين الإطعام والهدي. م: (التوسعة على سكان الحرم) ش: يعني على فقراء مكة. م: (ونحن نقول: الهدي قربة غير معقولة، فيختص بمكان أو زمان. أما الصدقة فقربة معقولة في كل زمان ومكان) ش: فلا يختص بواحدة منها، وقياس الشافعي ﵀ ضعيف؛ لأن ما ثبت بخلاف القياس، فغيره لا يقاس عليه. م: (والصوم يجوز في غير مكة؛ لأنه قربة في كل مكان) ش: فيجوز في مكة وغيرها. م: (فإن ذبح بالكوفة) ش: وفي بعض النسخ: فإن ذبحه، أي فإن ذبح الهدي بغير مكة، وقوله: بالكوفة تمثيل لا تقييد لا يجزئه عن الهدي، ولكنه. م: (أجزأه عن الطعام) ش: يعني جاز بدلًا من الطعام، وبين ذلك بقوله. م: (معناه) ش: أي معنى جوازه عن الطعام. م: (إذا تصدق باللحم، وفيه وفاء بقيمة الطعام) ش: يعني إنما يخرج عن العهدة بالتصدق في هذه إذا أصاب كل مسكين من اللحم ما يبلغ قيمته نصف صاع من البر على قياس كفارة اليمين، أو كسي عشرة مساكين ثوبًا واحدًا أجزأه عن الطعام إذا أصاب كل مسكين منه ما قيمته نصف صاع من البر. م: (لأن الإراقة) ش: أي الإراقة الحاصلة بالمكان غير المحرم. م: (لا تنوب عنه) ش: أي لا تجزئ عن الهدي حتى لو سرف المذبوح أو

стр. 2224

وإذا وقع الاختيار على الهدي يهدي ما يجزيه في الأضحية؛ لأن مطلق اسم الهدي منصرف إليه. وقال محمد والشافعي - رحمهما الله -: يجزي صغار النعم فيها؛ لأن الصحابة ﵃ أوجبوا عناقا وجفرة. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -: يجوز الصغار على وجه الإطعام، يعني إذا تصدق، وإذا وقع الاختيار على الطعام يقوم المتلف بالطعام عندنا؛ ــ [البناية] ضاع قبل التصدق لا يخرج عن العهدة؛ لأن الإراقة قربة مخصوصة بمكان وزمان. م: (وإذا وقع الاختيار) ش: أي اختيار القاتل. م: (على الهدي يهدي ما يجزيه في الأضحية) ش: وهو الجذع الكبير من الضأن والثني من غيره. م: (لأن مطلق اسم الهدي منصرف إليه) ش: أي إلى ما يجزئ من الأضحية، وذلك في هدي القربان؛ لأن الهدي الصدقة، فإن هدي الصدقة قد يقع على الثوب، كما في قوله: إن فعلت كذا فثوبي هدي، ولكن لا يقع في هدي الصدقة على الثوب، إلا إذا كان أشار بأن قال: ثوبي أو هذا الثوب، فلو قال: إن فعلت كذا فعلي هدي بلا إشارة يقع على شاة؛ لأن الهدي يقع على الإبل، والبقر، والغنم، والشاة أدناه، كذا في " المبسوط "، و" الأسرار ". م: (وقال محمد والشافعي - رحمهما الله: يجزي صغار النعم فيها) . ش: أي في أضحية الهدي. م: (لأن الصحابة أوجبوا عناقا وجفرة) ش: يعني حكموا في الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة، وكلام صاحب " الهداية "، هذا يدل على أن الخلاف في هذه المسألة بين أبي حنيفة ﵀ وبين محمد ﵀ وأن أبا يوسف ﵀ مع أبي حنيفة ﵀ وذكر في " المبسوط "، و" الأسرار "، و" شرح الجامع الصغير " لفخر الإسلام قاضي خان، وغيرهما قول أبي يوسف ﵀ مثل قول محمد ﵀، وأحمد ﵀ والشافعي لعموم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ﴾ [الأنعام: ١٤٦] ؛ فإنه تصدق على الصغير والكبير، والعناق فيهدي ويضحي تبعًا لأمه، ولأبي حنيفة ﵀، وبه قال مالك ﵀ إن إراقة الدم ليست بقربة إلا في زمن مخصوص، ومكان مخصوص، وإن لم يوجد شروط كونها قربة لا يكون قربة فلم يكن نسكًا في مقابلة الجناية على الإحرام أو الحرم. م: (وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -: يجوز الصغار على وجه الإطعام، يعني إذا تصدق) ش: يعني إذا تصدق به دون إراقة الدم. م: (وإذا وقع الاختيار) ش: أي اختيار القاتل. م: (على الطعام يقوم المتلف بالطعام عندنا) ش: قال الكاكي: المراد به بقوله: عندنا أبو حنيفة، وأبو يوسف ﵄ وهو قول مالك، فإن عند محمد ﵀ والشافعي ﵀ المعتبر فيه النظير بناء على أصلهما أن الواجب هو النظير، وقال الأترازي: المراد بقوله: عندنا احترازًا عن قول الشافعي ﵀، لا عن قول محمد ﵀ ألا ترى إلى ما قال في " شرح مختصر الكرخي " ﵀ بقوله: قال أصحابنا: إن الإطعام بدل عن

стр. 2225

لأنه هو المضمون، فيعتبر قيمته. وإذا اشترى بالقيمة طعاما تصدق على كل مسكين نصف صاع من بر، أو صاعا من تمر. أو شعير، ولا يجوز أن يطعم المسكين أقل من نصف صاع؛ لأن الطعام المذكور ينصرف إلى الطعام المعهود في الشرع. وإن اختار الصيام يقوم المقتول طعاما ثم يصوم عن كل نصف صاع من بر، أو صاع من تمر، أو شعير يوما؛ لأن تقدير الصيام بالمقتول غير ممكن؛ إذ لا قيمة للصيام فقدرناه بالطعام، والتقدير على هذا الوجه معهود في الشرع كما في ــ [البناية] الصيد. وقال الشافعي: يدل على النظير، وقال في " الإيضاح ": والإطعام بدل عن الصيد بقول الصيد بالطعام، وقال الشافعي ﵀: هو بدل عن النظير، تجب شاة، وتقوم الشاة بالطعام، وقال في " شرح الأقطع ": قال أصحابنا: إذا اختار الإطعام أخرج بقيمة المقتول، وقال الشافعي ﵀: بقيمة النظير، وهنا المضمون هو الصيد المقتول، فيعتبر بقيمته لا قيمة نظيره، انتهى. قلت: اعتمد الكاكي ﵀ هنا على قول الشيخ الإمام حميد الدين ﵀ في " شرحه " المراد من قوله: عندنا، وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف - رحمهما الله -، بناء على أن الجزاء يجب عند محمد ﵀ باعتبار الصورة، وعندهما باعتبار المعنى. م: (لأنه) ش: أي لأن الصيد. م: (هو المضمون، فيعتبر قيمته) ش: وعند الشافعي ﵀ يقوم النظير؛ لأنه حوله إلى الطعام باختياره، فيعتبر قيمة الواجب وهو النظير، وعند الواجب الأصلي قيمة الصيد، فلا يعتبر بتحويله إلى الطعام، وقال مالك ﵀: إن لم يخرج المثل إلى المثل قوم الصيد إلى المثل؛ لأنه هو الأصل، وعن أحمد ﵀ أنه لا يخرج الطعام وإنما التقويم بالطعام بمعرفة قدره فصيام. م: (وإذا اشترى بالقيمة طعاما تصدق على كل مسكين نصف صاع من بر، أو صاعا من تمر. أو شعير، ولا يجوز أن يطعم المسكين أقل من نصف صاع) ش: أي من بر أو صاع من شعير. م: (لأن الطعام المذكور ينصرف إلى الطعام المعهود في الشرع) ش: وهو نصف صاع من بر، أو صاع من شعير كما في صدقة الفطر، وكفارة اليمين، والظهار، وبه قال أحمد ﵀ في رواية، وقال الشافعي ﵁: يتصدق على كل مسكين مدًا منه، وتقدير الطعام عنده بالمد، وعندنا بالصاع، ومذهبهم مروي عن ابن عباس، ومجاهد ﵄، ومذهبنا مروي عن ابن عباس، ومجاهد ﵄ أيضًا، وإبراهيم، وعطاء، ومقسم، وقتادة. م: (وإن اختار الصيام يقوم المقتول طعاما ثم يصوم عن كل نصف صاع من بر، أو صاع من تمر، أو شعير يوما؛ لأن تقدير الصيام بالمقتول غير ممكن؛ إذ لا قيمة للصيام فقدرناه بالطعام، والتقدير على هذا الوجه معهود في الشرع) ش: أي تقدير صيام يوم بنصف صاع من بر معهود في الشرع. م: (كما في

стр. 2226

باب الفدية فإن فضل من الطعام أقل من نصف صاع فهو مخير إن شاء تصدق به، وإن شاء صام عنه يوما كاملا؛ لأن الصوم أقل من يوم غير مشروع، وكذلك إن كان الواجب دون طعام مسكين يطعم قدر الواجب أو يصوم يوما كاملا لما قلنا. ولو جرح صيدا أو نتف شعره أو قطع عضوا منه ضمن ما نقصه اعتبارا للبعض بالكل، كما في حقوق العباد. ولو نتف ريش طائر أو قطع قوائم صيد فخرج من حيز الامتناع ــ [البناية] باب الفدية) ش: فإن الشيخ الفاني يفدي عن صوم كل يوم بنصف صاع من بر. م: (فإن فضل من الطعام أقل من نصف صاع فهو مخير إن شاء تصدق به، وإن شاء صام عنه يوما كاملا؛ لأن الصوم أقل من يوم غير مشروع) ش: وهذا عن الشافعي ﵀. م: (وكذلك إن كان الواجب دون طعام مسكين) ش: يعني إن كان الواجب في الأصل دون طعام مسكين، بأن كانت قيمة المقتول أقل منه بأن كان قتل يربوعًا أو عصفورًا، ولم تبلغ قيمة إلا مدًا من الحنطة. م: (يطعم قدر الواجب أو يصوم يوما كاملا لما قلنا) ش: أشار به إلى قوله: لأن الصوم أقل من نصف يوم غير مشروع. م: (ولو جرح) ش: أي المحرم. م: (صيدا أو نتف شعره أو قطع عضوا منه ضمن ما نقصه) ش: يقال بعض الشيء نقصان، ونقصه غيره نقصًا. م: (اعتبارا للبعض بالكل) ش: أي قياسًا لضمان البعض على ضمان الكل، ألا ترى أن من أتلف عضوًا من دابة إنسان يضمن كما إذا أتلف كلها، وفي " المبسوط ": جرح صيدًا، أو نتف شعره، أو ريشه، أو قلع سنه فنبت كما كان، ونبت سنه مكانها، فلا شيء عليه عندهما، وعند أبي يوسف ﵀ يلزمه صدقة الإثم، وإن غاب الصيد ولم يعلم هل مات أو برئ يضمن النقصان، وعند الأسبيجابي ﵀: يلزمه جميع القيمة احتياطًا كمن أخذ صيدًا من الحرم ثم أرسله، ولم يعلم دخوله في الحرم، وفي " الخزانة ": لو قطع المحرم يد الصيد، ثم قطع الآخر رجله فعلى الأول ما نقصه جرحه من قيمته، وبه جرح الأول. وقالت المالكية ﵏: جرح صيدًا أو اندمل لا شيء عليه. وقال أشهب ﵀: يضمن النقص وهو قول الشافعي، وأحمد - رحمهما الله: ولو خلص حمامة من سنور، أو سبع، أو شبكة، أو أخذ الصيد فتخلص خيط من رجله فقطعت فلا شيء عليه عند الجمهور ﵏، وقال قتادة: يضمن، وفي " المبسوط ": نفر الصيد منه بغير صنعه، فانكسر رجله فلا شيء عليه، ولو نفر تنفيره فوقع في بئر أو صدم على شيء فعليه الجزاء، وكذا لو كان راكبًا أو سائقا أو قائدًا فأتلفت الدابة بيدها أو رجلها أو فيها صيدًا فعليه الجزاء، وكذا لو نفذ السهم منه فقتله آخر يجب عليه جزاؤها، ولو تعلق بطنب فسطاط المحرم، أو حفر بئرًا للماء، أو تنورًا للخبز فعقب فيهما فلا شيء عليه. م: (كما في حقوق العباد) ش: حيث يعتبر ضمان البعض بضمان الكل. م: (ولو نتف ريش طائر أو قطع قوائم صيد فخرج من حيز الامتناع) ش: فقد يكون بالطيران، وقد يكون بالعدو وقد يكون

стр. 2227

فعليه قيمته كاملة؛ لأنه فوت عليه الأمن بتفويت آلة الامتناع فيغرم جزاءه. ومن كسر بيض نعامة فعليه قيمته، وهذا مروي عن علي، وابن عباس ﵃، ولأنه أصل الصيد، وله عرضية أن يصير صيدا، فنزل منزلة الصيد احتياطا ــ [البناية] بدخوله في حجره والحيز أصله الحيوز، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، فصار حيزًا، والحيز الجانب، ومنه حيز الدراهم، وهو ما انضم إليها من جوانبها. م: (فعليه قيمته كاملة؛ لأنه فوت عليه الأمن بتفويت آلة الامتناع فيغرم جزاءه) ش: كما إذا قطع قوائم فرس لآدمي؛ لأن الصيد هو الممتنع المتوحش بأصل الخلقة، ولم يبق بعد نتف ريشه، وقطع قوائمه، كونه ممتنعًا إذا كان بحيث لا يقدر أحد على التصرف، والشافعي ﵀ في أصح قوليه معنًا، وعن ابن شريح من أصحابه أنه يجب عليه قدر النقصان؛ لأنه لم يهلكه بالكلية. م: (ومن كسر بيض نعامة فعليه قيمته) ش: أي قيمة البيض، وبه قال الشافعي ﵁ وأحمد ﵀، وقال المزني ﵀، وداود ﵀: لا يجب فيه شيء لأنه لم يكن صيدًا حقيقة، وقال مالك ﵀: تضمينه بعشر قيمة الطير الناقص تشبيهًا بجنين الأمة، كذا في " تتمتهم "، وفي " مبسوط " شيخ الإسلام الأسبيجابي ﵀ وقال مالك ﵀: إن كانت البيضة صحيحة غير مذرة يضمن عشر قيمة ما يخرج منه، وهو أحد قولي الشافعي ﵀ كما في جنين الميت يلزمه عشر قيمة الأم. وقال ابن أبي ليلى ﵀: عليه درهم. م: (وهذا مروي) ش: أي هذا الذي ذكرنا مروي. م: (عن علي، وابن عباس ﵃) . ش: أما حديث علي ﵁ فغريب يعني لا أصل له، وأما حديث عبد الله بن عباس ﵄ فرواه عبد الرزاق ﵀ في " مصنفه " حدثنا سفيان الثوري ﵀ عن عبد الكريم الحروي، عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: في كل بيضتين درهم، وفي كل بيضة نصف درهم، قال: وحدثنا وكيع، وابن نمير عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عمر ﵁ قال في بيض النعامة قيمته، وهذا منقطع؛ لأن إبراهيم النخعي ﵀، لم يدرك عمر ﵁. م: (ولأنه) ش: أي ولأن بيض النعامة. م: (أصل الصيد، وله عرضية أن يصير صيدا) ش: قوله: وله أي للبيض على أن يصير صيدًا، فصار كالصيد. م: (فنزل منزلة الصيد احتياطا) ش: أي لأجل الاحتياط لئلا يأثم على تقدير كونه صيدًا، والاحتياط في اللغة الحفظ، وفي الاصطلاح: حفظ النفس عن الوقوع في المأثم، وقال مالك ﵁ في " الموطأ ": أرى في بيض النعامة عشر البدنة، وفي " النعمانية ": وجوب القيمة في بيض النعامة قول عمر بن الخطاب، وعبد الله

стр. 2228

ما لم يفسد. فإن خرج من البيض فرخ ميت فعليه قيمته حيا، وهذا استحسان، والقياس أن لا يغرم سوى البيضة؛ لأن حياة الفرخ غير معلومة. وجه الاستحسان أن البيض معد؛ ليخرج منه الفرخ الحي، والكسر قبل أوانه سبب لموته فيحال به عليه احتياطا، وعلى هذا إذا ضرب بطن ظبية فألقت جنينا ميتا وماتت فعليه قيمتهما. وليس في قتل الغراب، والحدأة، والذئب، والحية، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور جزاء؛ ــ [البناية] ابن مسعود، وابن عباس، والشعبي، والنخعي، والزهري، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، قال أبو عبيدة، وأبو موسى الأشعري: يجب صوم يوم، أو طعام مسكين. وقال الحسن البصري: فيه جنين من الإبل، وقال مالك: فيه عشر البدنة، وقال السروجي: وتجب القيمة في بيض جميع الطيور. م: (ما لم يفسد) ش: أي بيض النعامة، إنما يجب ما لم يكن مذرًا؛ لأن المذرة لا شيء فيها. م: (فإن خرج من البيض فرخ ميت فعليه قيمته حيا) ش: أي قيمة الفرخ، ولو كان حيًا، وبه صرح في " المبسوط "، وقال الشافعي ﵀: لا شيء فيه، وقال الشافعي ﵀: هذا إذا لم يعلم أن موته بالكسر أم لا، ولو علم أنه كان ميتًا بغير الكسر لا شيء عليه. م: (وهذا استحسان) ش: أي وجوب القيمة استحسان، ووجهه يأتي الآن. م: (والقياس أن لا يغرم سوى البيضة؛ لأن حياة الفرخ غير معلومة. وجه الاستحسان أن البيض معد؛ ليخرج منه الفرخ الحي، والكسر قبل أوانه سبب لموته فيحال به عليه) ش: أي يضاف بالموت على الكسر، والباء صلة واصلة بحال الموت على الكسر. م: (احتياطا) ش: فعليه قيمته. م: (وعلى هذا) ش: أي على القياس، والاستحسان. م: (إذا ضرب بطن ظبية فألقت جنينا ميتا وماتت فعليه قيمتهما) ش: أي قيمة الظبية وجنينها، ففي القياس: لا يغرم، وفي الاستحسان: يغرم، وعند الشافعي في الأم: المثل، وفي الجنين: ما ينقض من قيمتها بالوضع، وينبغي أن لا يجب قيمة الجنين كما لو ضرب بطن جارية فأسقطت جنينًا ميتًا، ثم ماتت هي كان عليه قيمة الجارية أو دية الحرة لا ضمان الجنين، فكيف وجبت هنا قيمة الجنين. أجيب: بأن الجنين في حكم الجزء من وجه، وفي حكم النفس من وجه فالضمان الواجب في حق العباد غير مبني على الاحتياط، فلا يجب في موضع النسك، وأما جزاء الصيد فمبني على الاحتياط فيرجع فيه شبهة النفس في الجنين ووجوب الجزاء. م: (وليس في قتل الغراب، والحدأة، والذئب، والحية، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور جزاء) ش: ذكر المصنف ﵀ في أول هذا الفصل حيث قال: فاستثنى رسول الله ﷺ الخمس الفواسق، وعدها ستًا، وأعادها هاهنا مع زيادة الفأرة، فصارت سبعة، وذكرنا الكلام في المستقصى، قلت: الذئب هناك وهاهنا. وقال الأترازي: أما الذئب فلم يذكر في الروايات

стр. 2229

لقوله ﷺ : «خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم: الحدأة، والحية، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» وقال ﷺ : «يقتل المحرم الفأرة، والغراب، والحدأة، والعقرب، والحية، والكلب العقور» وقد ذكر الذئب في بعض الروايات ــ [البناية] الصحيحة في كتب الأحاديث، ولهذا لم يبح قتله ابتداء على رواية الطحاوي، وعلى رواية الكرخي يباح قتله، ثم قال: محصله أن الذئب لا يباح قتله؛ لأن النبي ﷺ ذكر الخمس ما هن، فذكر الخمس يدل على أن غير الخمس حكمه غير حكمها، وإلا لم يكن لذكر الخمس معنى، انتهى. قلت: ذكر العدد المعين لا ينافي ما زاد عليه، وكل واحد من المزيد والمزيد عليه، معنى باعتبار حال يقتضي ذلك، وقد ذكرنا هناك من روى الذئب من أهل الحديث، وذكرنا ما قالوا فيه، وقال: ذكر المصنف في أول هذا الفصل الستة على رواية أو الدلالة. قلت: كان هذا جواب عن سؤال مقدر، تقديره أن يقال: لم يذكر الذئب في الأحاديث التي أخرجها الشيخان وغيرهما، وليس فيها ذكر الذئب، فالمصنف ﵀ ذكره زيادة عليهما، فأجاب إنما ذكره من حيث رواية جاءت فيه أو من حيث دلالة النص، فإن في الذئب ما في الكلب مع الزيادة. وجاء في بعض الروايات أن الكلب العقور هو الذئب، وروي عن ابن عمر ﵁ وغيره. وأما الفأرة ففيما رواه البخاري، ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم؛ الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» وفي لفظ لمسلم: «الحية عوض عن العقرب» وفي لفظ لهما: «خمس من الدواب كلهن فواسق» . وفي لفظ لمسلم: «أربع كلهن فواسق يقتلن في الحل، والحرم: الحدأة، والغراب، والفأرة، والكلب العقور» انتهى، وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها لأذى الناس، وإفساد أموالهم. م: (لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ . م: «خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم: الحدأة والحية، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» ش: هذا الحديث روي بوجوه في " الصحاح " كما ذكرنا، والأقرب لما ذكر المصنف حديث عائشة ﵂، وليس فيه الحية وفيه العقرب. م: (وقال ﵊: «يقتل المحرم الفأرة، والغراب، والحدأة، والعقرب، والحية، والكلب العقور» ش: هذا الحديث رواه البخاري، ومسلم، عن إحدى نسوة النبي ﷺ قال: «يقتل المحرم: الكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحية، والغراب» وهذا كما ترى فيه تقديم وتأخير بين رواية المصنف، وبين رواية البخاري ومسلم. م: (وقد ذكر الذئب في بعض الروايات) ش: قد ذكرنا في أول الفصل من رواه وما حاله

стр. 2230

وقيل: المراد بالكلب العقور الذئب، أو يقال إن الذئب في معناه، والمراد بالغراب الذي يأكل الجيف ويخلط؛ لأنه يبتدئ بالأذى، أما العقعق فغير مستثنى؛ لأنه لا يسمى غرابا ولا يبتدئ بالأذى. وعن أبي حنيفة ﵀ أن الكلب العقور وغير العقور، والمستأنس، والمتوحش، منهما سواء؛ لأن المعتبر في ذلك الجنس، وكذا الفأرة الأهلية والوحشية سواء. والضب واليربوع ليسا من الخمس المستثناة؛ لأنهما لا يبتدئان بالأذى. ــ [البناية] فليراجع هناك، وفي قوله: ذكر يجوز أن يكون على صيغة المعلوم، وأن يكون على صيغة المجهول، والثاني أقرب. م: (وقيل: المراد بالكلب العقور الذئب) ش: قد مر الآن أثر روي عن عمر ﵁ أن الكلب العقور الذئب. م: (أو يقال: إن الذئب في معناه) ش: أي في معنى الكلب العقور، وأشار بالقول الأول إلى أن ذكر الذئب يثبت بالرواية وبالقول الكافي إلى أنه بدلالة النص. م: (والمراد بالغراب) ش: أي المذكور في الحديث. م: (الذي يأكل الجيف) ش: جمع جيفة. م: (ويخلط) ش: أي يخلط الحب بالنجس يعني يأكل الحب تارة، ويأكل النجس أخرى، وقد ذكره المصنف في أول هذا الفصل، والمراد بالغراب: هو الذي يأكل الجيف هو المروي عن أبي يوسف ﵀ وأعاده هنا، وزاد فيه لفظ: ويخلط، وقوله م: (لأنه يبتدئ بالأذى) ش: ويراد بهذا ما قاله الأكمل بأن هذا وقع تكرارًا، وكان هذا مستغنى عن ذكره، والمؤذي يقتل. م: (أما العقعق فغير مستثنى؛ لأنه لا يسمى غرابا ولا يبتدئ بالأذى) ش: أما عدم تسميته غرابًا فمسلم، وأما عدم ابتدائه بالأذى ففيه نظر؛ لأنه دائمًا يقع على دبر الدابة، فينبغي أن لا يجب فيه الجزاء، انتهى. قلت: هذا عجيب منه؛ لأنه قال: أولًا لا يبتدئ بالأذى نظر. وقال الجوهري: العقعق طائر معروف وصوته العقعقة، وقال الكاكي ﵀: قيل في صوت العقعق سرور. م: (وعن أبي حنيفة ﵀ أن الكلب العقور وغير العقور، والمستأنس، والمتوحش منهما) ش: أي من الكلب العقور وغير العقور. م: (سواء؛ لأن المعتبر في ذلك الجنس) ش: يعني الحقيقة التي تسمى كلبًا الأفراد دون فرد، وجنسه ليس بصيد، ولهذا يجوز قتل جنسه فيستوي فيه الأهلي، والوحشي، والعقور، وغيره، قيل: فيه نظر لأنه نقص لإبطال الوصف المخصوص عليه وهو كونه عقورًا، وأجيب بأنه ليس للقيد بل لإظهار نوع إذائه، فإن ذلك طبع فيه. م: (وكذا الفأرة الأهلية والوحشية سواء) ش: لإطلاق الحديث. م: (والضب واليربوع ليسا من الخمس المستثناة؛ لأنهما لا يبتدئان بالأذى) ش: يعني يجب في قتل كل منهما الجزاء لأنهما من الصيود؛ لأنهما يمتنعان وحشيان بأصل الخلقة، ولا يبتدئان بالأذى، بخلاف الفأرة فإنها مستثناة؛ ولأنه ينقب الغرائر ويسرق أموال الناس ويضرم عليهم بيوتهم، ويدخل المضائق،

стр. 2231

وليس في قتل البعوض والنمل والبراغيث والقراد شيء؛ لأنها ليست بصيود، وليست بمتولدة من البدن، ثم هي مؤذية بطباعها، والمراد بالنمل السوداء، أو الصفراء التي تؤذي، وما لا يؤذي لا يحل قتلها، ولكن لا يجب الجزاء للعلة الأولى. ومن قتل قملة تصدق بما شاء مثل كف من طعام؛ ــ [البناية] ويفسد فسادًا كبيرًا، ولأبي يوسف ﵀ في السمود، والدلف الجزاء؛ لأنهما من الجنس الممتنع المتوحش الذي لا يبتدئ بالأذى. [قتل المحرم للبعوض والنمل] م: (وليس في قتل البعوض والنمل والبراغيث والقراد شيء؛ لأنها ليست بصيود) ش: لأنها ليست بمتوحشة عن الأذى، بل هي طالبة للأذى وليست هذه الأشياء من قضاء التفث، م: (وليست بمتولدة من البدن) ش: واحترز به عن القملة على ما يجيء، وذكر علتين، وإن كانا علتين؛ لأنه ذكر في موضع السلب، وفي موضع السلب يكون بعلل كثيرة بمعنى علة واحدة في أن الحكم ينتفي بالجميع كما ينتفي بانتفاء الواحدة. وفي " المحيط ": ليس في قتل القنافذ، والخنافس، والسلاحف، والوزغ، والذباب، والزنبور، والدلمة، وصياح الليل والصرصر وأم جنين، وابن عرس شيء لأنهما من هوام الأرض وحشراتها وليست بصيود، ولا متولدة من البدن، بخلاف القمل، ولم يوجب عمر، وعطاء، وأبو ثور، والشافعي، وأحمد ﵏ فيها شيئًا، وعن أبي يوسف ﵀: يجب الجزاء بقتل القنفذ. م: (ثم هي) ش: أي البعوض وما ذكر معه. م: (مؤذية بطباعها) ش: فلا يجب الجزاء بقتلها. م: (والمراد بالنمل السوداء، أو الصفراء التي تؤذي) ش: أي مراد محمد ﵀ من قوله: وليس في قتل البعوض والنمل إلى آخر ما ذكره في " الجامع الصغير "، ولفظه محرم قتل برغوثة أو بقة أو نملة فلا شيء عليه، ولم يذكر في الأصل البرغوث والبق. م: (وما لا يؤذي لا يحل قتلها) ش: أي النمل التي لا تؤذي لا يحل قلتها، يعني النملة، ولكن لا يحل قتلها، ومع هذا إذا قتلها المحرم. م: (ولكن لا يجب عليه الجزاء للعلة الأولى) ش: وهي أنها ليست بمتولدة من البدن، والعلة الثانية كونها مؤذية بطباعها. م: (ومن قتل قملة تصدق بما شاء) ش: ذكر في " الجامع الصغير "، وإن قتل قملة أطعم شيئًا، وقال في الأصل: تصدق بشيء، ولفظ شيء يشمل القليل والكثير، وأوضحه المصنف ﵀ بقوله. م: (مثل كف من طعام) ش: وكذا ذكره القدوري ﵀ في " شرحه "، حيث قال: يتصدق بما شاء بكف من طعام، وقال الإمام الأسبيجابي في " شرح الطحاوي " ﵀: ولم يذكر في ظاهر الرواية مقدار الصدقة ثم قال: وذكر الحسن بن زياد ﵀ عن أبي حنيفة ﵁ أنه قال: إذا قتل المحرم قملة، أو ألقاها أطعم كسرة، وإن كانت اثنتين، أو ثلاثة أطعم قبضة من الطعام، وإن كان أكثر أطعم نصف الصاع، ولو ألقاها على

стр. 2232

لأنها متولدة من التفث الذي على البدن، وفي " الجامع الصغير " أطعم شيئا، وهذا يدل على أنه يجزيه أن يطعم مسكينا شيئا يسيرا على سبيل الإباحة وإن لم يكن مشبعا. ومن قتل جرادة تصدق بما شاء، ــ [البناية] الأرض تصدق بما شاء، ولو كانت ساقطة على الأرض فقتلها، فلا شيء عليه، كما في البرغوث. وفي " الفتاوى ": محرم وضع ثيابه في الشمس ليقتل حر الشمس القمل فعليه الجزاء، ولو وضع في الشمس، ولم يقصد قتل القمل لا شيء عليه، كما لو فتل الثوب فمات القمل، انتهى. وقال الشافعي ﵁: لو كثر القمل على بدنه، أو ثيابه لم يكره تنحيته، ولو قتله لم يلزمه شيء، ويكره أن يفلي رأسه ولحيته، فإن فعل وأخرج منها قملة وقتلها يتصدق ولو بلقمة، لما فيه من إزالة الأذى عن الرأس، وكذا في " شرح الوجيز ". وروي عن ابن عباس ﵄ أطعم شيئًا كثيرًا في قملة قتلها. وفي اثنتين وثلاث كف من طعام، وعن أبي يوسف في القملة كف من دقيق، كذا في " المحيط "، و" قاضي خان "، وفي " عيون المسائل ": ألقى قملة من رأسه أطعم كسرة خبز، وعن ابن عمر ﵄ يتصدق بكسرة، أو قطعة، أو قبضة من طعام، وعن مالك لا يقتله، ولا يطرحه من رأسه، فإن قتله فعليه حفنة من طعام، وقال أحمد: يطعم شيئا كما قال محمد ﵀. وقال إسحاق ﵀ تمرة فما فوقها، وقال النووي: يكفر إذا كثر، وعن عطاء، وقتادة ﵄ قبضة من طعام، وقال سعيد بن المسيب، وابن جبير، وطاوس، وأبو ثور: لا شيء فيها، وقال ابن المنذر: ليس لمن أوجب فيها شيئًا حجة، وللمحرم أن يعود لغيره، وهو قول عمر بن الخطاب، وابن عباس، وجابر بن زيد، وعطاء، والشافعي، وابن حنبل، وأكثر أهل العلم، وكرهه ابن عمر، ومالك. وفي " المنتقى ": قال الحلال: [من قال] : ارفع هذا القمل عني فعليه الكفارة، وفي " العيون ": ولو أشار المحرم إلى قملة فقتله المشار إليه يجب على المشير الجزاء، قال السروجي: في هذا بعد؛ لأن القمل ليس بمصيد حتى يجعل بالإشارة مزيلًا للأمن. م: (لأنها) ش: أي لأن القملة. م: (متولدة من التفث الذي على البدن) ش: أي من الوسخ والدرن أي على البدن من قلة الإزالة وعدم التنظيف. م: (وفي " الجامع الصغير " أطعم شيئا) ش: أي قال محمد ﵀ في " الجامع الصغير ": إذا قتل قملة أطعم شيئًا من غير تعيين، وقال المنصف: م: (وهذا) ش: أي الذي ذكره في " الجامع الصغير ". م: (يدل على أنه يجزيه أن يطعم مسكينا شيئا يسيرا على سبيل الإباحة وإن لم يكن مشبعا) ش: ككسر خبز ونحوها. م: (ومن قتل جرادة تصدق بما شاء) ش: قوله: بما يشمل القليل والكثير، وروي عن ابن عمر ﵄.

стр. 2233

لأن الجراد من صيد البر، فإن صيد ما لا يمكن أخذه إلا بحيلة ويقصده الآخذ. وتمرة خير من جرادة؛ لقول عمر ﵁: تمرة خير من جرادة. ــ [البناية] وفي الجرادة: تمرة أيضًا أنه أمر في جرادات بقبضة من طعام، وعنه التمرة خير من جرادة، وعنه التمرتان أحب إلي من جرادتين، أخرجه سعيد بن منصور ﵀. م: (لأن الجراد من صيد البر، فإن الصيد ما لا يمكن أخذه إلا بحيلة ويقصده الآخذ) ش: اختلف العلماء في الجراد، فروي أنه من صيد البحر. وكذا ذكره الترمذي من حديث أبي المهزم عن أبي هريرة ﵁ «قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة، أو عمرة فاستقبلنا رجل من جراد، فجعلنا نضربه بأسيافنا أو عصينا، فقال النبي ﷺ : " كلوه فإنه من صيد البحر» وقال الترمذي ﵀ هذا حديث غريب، وأبو المهزم اسمه يزيد بن سفيان، وقد تكلم فيه شعبة ﵀. ورواه أبو داود ﵀ من رواية حبيب المعلم عن أبي الهرم، وقال: المهزم ضعيف، والحديث وهم. قلت: وجه الوهم أن حماد بن سلمة رواه عن ميمون بن جابان عن أبي رافع عن كعب قوله: غير مرفوع، والرجل بكسر الراء، وسكون الجيم الجماعة الكثيرة من الجراد، ولا يقال ذلك إلا للجراد خاصة، وفي رواية الترمذي: وقع أسياطنا جمع سوط، والمشهور أسواط، والصحيح أنه من صيد البر، كما قال المصنف ﵀ فيجب الجزاء بقتله، قال شيخنا زين الدين ﵀: وهو قول عمر، وابن عباس ﵄ وعطاء بن أبي رباح، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في قوله الصحيح المشهور، كما حكاه ابن العربي عن أكثر أهل العلم، وقال شيخنا: وفيه قول ثالث، وهو أنه من صيد البر والبحر، ورواه سعيد بن منصور في " سننه " عن هشيم عن منصور. وعن الحسن قوله: م: (وتمرة خير من جرادة؛ لقول عمر ﵁: تمرة خير من جرادة) ش: وقصة أن أهل حمص أصابوا جرادًا كثيرًا في إحرامهم، وجعلوا يتصدقون مكان كل جرادة بدرهم، فقال عمر ﵁ إن دراهمكم كثيرة يا أهل حمص، تمرة خير من جرادة، وروى مالك ﵀ في " الموطأ " أخبرنا يحيى بن سعيد أن رجلًا سأل عمر - رضي الله

стр. 2234

ولا شيء عليه في قتل السلحفاة؛ لأنه من الهوام والحشرات، فأشبه الخنافس والوزغات، ويمكن أخذها من غير حيلة، وكذا لا يقصد بالأخذ فلم يكن صيدا، ومن حلب صيد الحرم فعليه قيمته؛ لأن اللبن من أجزاء الصيد، فأشبه كله. ومن قتل ما لا يؤكل لحمه من الصيد كالسباع ــ [البناية] عنه - عن جرادة قتلها وهو محرم، فقال عمر لكعب: يقال: حتى يحكم كعب بدرهم، فقال عمر ﵁ لكعب: إنك لتجد الدراهم، تمرة خير من جرادة. م: (ولا شيء عليه) ش: أي على المحرم. م: (في قتل السلحفاة) ش: بضم السين وفتح اللام وسكون الحاء نوع من حيوان الماء معروف، وقد يكون في البر وجمعها سحالف، وسلاحف، قال الفراء: الذكر من السلاحف العلم والأنثى في لغة بني أسد السلحفاة، وحكى أبو عبيد ﵀ عن بعضهم سلحفة، مثل بالهبة لكنها أي جمع حرة، قال صاحب " الديوان ": هي صغار دواب الأرض. م: (لأنه من الهوام والحشرات، فأشبه الخنافس) ش: وهو جمع خنفساء بضم الفاء، وفي كتاب " الجمهور ": وصححها بالضم والفتح جميعًا، وهو دويبة سوداء منتنة الريح، وجاء في معناها الخنفس والخنفسة بفتح الفاء. م: (والوزغات) ش: جمع وزغة وهي المسماة أم أبرص. م: (ويمكن أخذها) ش: أي أخذ السلحفاة. م: (من غير حيلة، وكذا لا يقصد بالأخذ فلم يكن صيدا) ش: فلا يجب بقتلها الجزاء، وبه قال الشافعي ﵀ وأحمد ﵀. م: (ومن حلب صيد الحرم فعليه قيمته؛ لأن اللبن من أجزاء الصيد) ش: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ [المؤمنون: ٢١] (المؤمنون: الآية ٢١) ، وكلمة من للتبعيض، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد ﵏ وقال الروياني ﵀ من الشافعية والقاضي من الحنابلة: لا يضمنه، وهو قول مالك ﵀. وقال النووي ﵀ وقال أبو حنيفة ﵀: إن نقص الصيد ضمنه وإلا فلا. وقال السروجي ﵀ ونقله عنه غلط. وقال الكرماني ﵁: لو حلب الصيد فعليه ما نقص بحلبه يرويه قوم به نقص الصيد عن ضمان اللبن. م: (فأشبه كله) ش: أي فأشبه لبنه كله؛ لأنه يتولد من عينه، وتناول الصيد حرام على المحرم، فكذا ما كان منه اعتبارًا للبعض بالكل. م: (ومن قتل ما لا يؤكل لحمه من الصيد كالسباع) ش: هذا لفظ القدوري بعينه، وقال الإمام حميد الدين ﵀ أراد بالسباع النمر والأسد والفهد. م: (ونحوها) ش: أراد به القرد والفيل، كذا قاله حميد الدين. وقال الأترازي فيه؛ لأن السبع اسم لكل مختطف ينتهب قاتل عادي عادة، انتهى. قلت: في نظره نظر؛ لأن الوصف الذي وصف به السبع، وقال عادة لا يوجد في القرد والفيل عادة، ثم قال الأترازي ﵀: ويجوز أن يريد بقوله ونحوها أي ونحو السباع ما

стр. 2235

ونحوها، فعليه الجزاء، إلا ما استثناه الشرع، وهو ما عددناه. وقال الشافعي ﵀: لا يجب الجزاء؛ لأنها جبلت على الإيذاء، فدخلت في الفواسق المستثناة، وكذا اسم الكلب يتناول السباع بأسرها لغة. ولنا أن السبع صيد لتوحشه، وكونه مقصودا بالأخذ إما لجلده، أو ليصطاد به، أو لدفع أذاه، والقياس على الفواسق ممتنع لما فيه من إبطال العدد ــ [البناية] لا يؤكل لحمه من السباع: كالطربان والسمور والدلف والفيل والثعلب، انتهى. قلت: فيه تأمل لا يخفى، وقال الأكمل ونحوها، أي سباع الطير، وكذلك قاله الكاكي، وهو الأوجه، وقال السروجي: ولا فرق في ذلك بين سباع البهائم وسباع الطير. م: (فعليه الجزاء، إلا ما استثناه الشرع، وهو ما عددناه) ش: يعني فيما مضى من الخمس الفواسق. م: (وقال الشافعي ﵀: لا يجب الجزاء) ش: أي في السباع أصلًا، وبه قال أحمد، وقال مالك: السباع المبتدئة بالضرر من الطير والوحش كالفهد والذئب والغراب لا جزاء فيه وفي غيرها يجب. وفي السروجي قال الشافعي ﵀: لا شيء فيما لا يؤكل لحمه، ولا في المتولد مما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه كالسمع بكسر السين وسكون الميم، وهو المتولد بين الذئب والضبع. م: (لأنها) ش: أي لأن السباع. م: (جبلت) ش: أي خلقت. م: (على الإيذاء، فدخلت في الفواسق المستثناة) ش: لأنها خلقت مؤذية بطبعها، فكل ما كان في طبعها الإيذاء صار كالخمس الفواسق. م: (وكذا اسم الكلب يتناول السباع بأسرها) ش: أي بجميعها. م: (لغة) ش: أي من حيث اللغة ألا ترى أنه ﷺ حين دعا على عتبة بن أبي لهب فقال: «اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك؛ فافترسه الأسد بدعائه ﷺ » . م: (ولنا أن السبع صيد لتوحشه) ش: وبعده عن أعين الناس. م: (وكونه) ش: أي ولكونه. م: (مقصودا بالأخذ إما لجلده) ش: كما في الأسد والنمر. م: (أو ليصطاد به) ش: أي أو لأجل الاصطياد به كالفهد. م: (أو لدفع أذاه) ش: كما في الخنزير فيجب بقتله الجزاء. م: (والقياس على الفواسق ممتنع) . ش: هذا جواب عن قياس الشافعي على الفواسق، تقديره أن يقال هذا القياس ممتنع ضعيف لوجود الفارق. م: (لما فيه) ش: أي في قياسه. م: (من إبطال العدد) ش: الذي نص عليه الشارع، ولا يجوز. فإن قيل: أنتم أبطلتم عدد الخمس حيث ألحقتم بها غيرها. قيل له: نحن ألحقنا بها ما هو في معناها، أما إلحاق السباع المضرة بقلة الإيذاء غير مستقيم،

стр. 2236

واسم الكلب لا يقع على السبع عرفا، والعرف أملك. ولا يجاوز بقيمته شاة، وقال زفر ﵀: تجب بالغة ما بلغت اعتبارا بمأكول اللحم منه. ولنا قوله ﷺ : «الضبع صيد وفيه الشاة؛» ولأن اعتبار قيمته لمكان الانتفاع بجلده، لا لأنه محارب مؤذ، ومن هذا الوجه لا يزداد على قيمة ــ [البناية] لأن إيذاء الفواسق يتعدى إلينا؛ لأنها تسكن بيوتنا، أما السباع فإيذاؤها لا يتعدى إلينا ولا يستكن في بيوتنا ولا في القرب منا، فلم يكن في معنى المنصوص، فلا يلحق بها. م: (واسم الكلب لا يقع على السبع عرفا، والعرف أملك) ش: هذا جواب عن قول الشافعي ﵀: وكذا اسم الكلب يتناول السباع لغة. فأجاب عنه: بأنه لا يقع في عرف الناس بخلاف ما قال؛ لأنهم لا يفهمون من إطلاق اسم الكلب المعروف عندهم، والعرف أرجح وأقوى من الحقيقة اللغوية، ولهذا إذا حلف لا يأكل رأسًا فأكل رأس العصفور لا يحنث لعدم العرف فيه وإن كان رأسًا في الحقيقة. م: (ولا يجاوز بقيمته شاة) ش: أي لا يجاوز بقيمة السبع أو بقيمة ما لا يؤكل لحمه من السباع، ولا يجاوز على صيغة المجهول، وشاة بالرفع؛ لأنه أسنده إلى قوله " لا يجاوز " ويجوز النصب على أنه مفعول ثان، وأسند الفعل إلى الجار والمجرور، والمعنى لا يبلغ دمًا. م: (وقال زفر ﵀: تجب) ش: أي قيمته. م: (بالغة ما بلغت اعتبارا بمأكول اللحم منه) ش: أي من الصيد، يعني كما إذا كان الصيد مأكول اللحم، وكما إذا كان السبع ملكًا لآدمي. م: (ولنا قوله ﵊) ش: أي قول النبي ﷺ . م: «الضبع صيد وفيه الشاة» ش: هذا غريب جدًا، وقال الأترازي ﵀: ولنا ما روى أصحابنا عن النبي ﷺ : «الضبع صيد، وفيه الشاة» . قلت: هذا أغرب من الأول، ووجه الاستدلال به أنه لما ورد الشرع بتقدير الشاة، لا يزاد عليها؛ لأن المقادير لا اهتداء للرأي فيها. م: (ولأن اعتبار قيمته لمكان الانتفاع بجلده) ش: إذ اللحم غير مأكول. م: (لا لأنه محارب مؤذ) ش: يعني اعتبار القيمة لا لأجل الجلد، معنى المحاربة كما في بعض السباع كالفيل يعلمه أهل الهند المحاربة بحيث يهزم العسكر، وهو معنى مطلوب للملوك والسلاطين، وذلك أمر خارج عن الصيدية، فلا يعتبر، ولا لمعنى الإيذاء، يعني لا يقوم له شرعًا، فينتفي اعتبار الجلد باعتبار اللحم على تقدير كونه مأكول اللحم، ولذلك لا يزيد على قيمة الشاة غالبًا؛ لأن لحم الشاة خير من لحم السبع والضبع. م: (ومن هذا الوجه) ش: أي الوجه الذي ذكره دليلًا عقليًا. م: (لا يزداد على قيمة الشاة ظاهرا) ش: أي بحيث ظاهر الحال.

стр. 2237

الشاة ظاهرا، وإذا صال السبع على المحرم فقتله لا شيء عليه. وقال زفر ﵀: يجب اعتبارا بالجمل الصائل. ولنا ما روي عن عمر ﵁ أنه قتل سبعا وأهدى كبشا، وقال: إنا ابتدأناه؛ ولأن المحرم ممنوع عن التعرض لا عن دفع الأذى، ولهذا كان مأذونا في دفع المتوهم من الأذى كما في الفواسق فلأن يكون مأذونا في دفع المتحقق منه أولى، ومع وجود الإذن من الشارع لا يجب الجزاء حقا له ــ [البناية] م: (وإذا صال) ش: أي وقت. م: السبع على المحرم فقتله فلا شيء عليه) ش: وبه قال الشافعي ومالك وأحمد ﵏ وأكثر أهل العلم، وكذا الخلاف في غير السباع، إلا أنه ذكر السبع لما أنه الصياد فيه غالبًا، كذا في " المبسوط ". م: (وقال زفر ﵀: تجب قيمته اعتبارا بالجمل الصائل) ش: وفي " شرح الأقطع " قال زفر ﵀: عليه الضمان إلا في الذئب، وقاسه على الجلد إذا صال على إنسان فقتله إنسان لا تسقط قيمته وإن كان قتله دفعًا للأذى، فكذا هنا. م: (ولنا ما روي عن عمر ﵁ أنه قتل سبعا وأهدى كبشا، وقال: إنا ابتدأناه) ش: هذا غريب جدًا، وذكره في " المبسوط "، وجه الاستدلال به أن عمر ﵁ علل لإهدائه بأصل نفسه، فعلم به أن المحرم إذا لم يبتدئ بقتله، بل قتله دفعًا لصولته لم يجب عليه شيء، وإلا لم يبق للتعليل فائدة، واعترض أن التخصيص بالذكر لا يدل على نفي الحكم على ما عداه فلا يصح الاستدلال. وأجيب بأن ذلك في خطابات الشرع، وأما في الروايات. قيل: فيه نظر؛ لأن قول عمر ﵁ في هذا المحل بمنزلة خطاب الشرع؛ لأنه في حيز الاستدلال به، فلا يفسده. والجواب: أن الاستدلال إنما هو بفعل، وقوله رواية مسندة. م: (ولأن المحرم ممنوع عن التعرض) ش: هذا الاستدلال بدليل حديث الفواسق، ووجهه أن المحرم ممنوع من جهة الشرع عن التعرض إلى الصيد. م: (لا عن دفع الأذى) ش: أي ليس ممنوعًا عن التعرض لأجل دفع أذاه. م: (ولهذا) ش: أي ولأجل كون امتناعه عن التعرض لأجل أذاه. م: (كان مأذونا) ش: من الشرع. م: (في دفع المتوهم) ش: أي الأذى المتوهم. م: (من الأذى كما في الفواسق) ش: الخمس؛ لأنه لما جاز قتلهن لتوهم الأذى منهن. م: (فلأن يكون مأذونا في دفع المتحقق منه) ش: أي الأذى المتحقق، وهو الصيال. م: (أولى) ش: وأبلغ منه، ولهذا لو أمكنه دفعه بغير سلاح فقتله فعليه الجزاء، ذكره الطحاوي [....] ، فلما صار قتله مأذونًا بدلالة النص لا يكون قتله موجبًا للضمان. م: (ومع وجود الإذن من الشارع لا يجب الجزاء حقا له) ش: أي للشارع.

стр. 2238

بخلاف الجمل الصائل؛ لأنه لا إذن له من صاحب الحق، وهو العبد. وإن اضطر المحرم إلى قتل صيد فقتله فعليه الجزاء؛ لأن الإذن مقيد بالكفارة بالنص على ما تلوناه من قبل ولا بأس للمحرم أن يذبح الشاة، والبقرة والبعير، والدجاجة، والبط الأهلي؛ لأن هذه الأشياء ليست بصيود؛ لعدم التوحش، والمراد بالبط الذي يكون في المساكن، والحياض؛ لأنه ألوف بأصل الخلقة. ولو ذبح حماما مسرولا ــ [البناية] م: (بخلاف الجمل الصائل؛ لأنه لا إذن له) ش: موجود. م: (من صاحب الحق، وهو العبد) ش: على أنه روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يجب فيه الضمان أيضًا، وبه قال الشافعي ﵀ ولا يلزم العبد إذا صال بالصيف فقتله المصول عليه، حيث لا يضمن مع أنه لم يوجد الإذن من مالكه كان العبد مضمونًا في الأصل؛ لأنه آدمي مكلف كالحر حقًا له لا حقًا للمولى، لكونه مكلف كمولاه، فإذا جاء المبيح من قبله وهو المحاربة سقط حقه، كما إذا ارتد، وسقوط البتة التي هي ملك المولى إنما كان في ضمن سقوط الأصل، وهو نفسه، فلا يعتبر به، كما إذا ارتد. م: (وإن اضطر المحرم إلى قتل صيد) ش: أي إن اضطر إلى أكل لحم الصيد، وبه صرح في بعض نسخ " مختصر القدوري ". م: (فقتله فعليه الجزاء؛ لأن الإذن) ش: من الشارع. م: (مقيد بالكفارة بالنص) ش: كما في الحلق، وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦) . وجه الاستدلال بها أن الحلق محظور الإحرام، وقد أذن له الشارع فيه حال الضرورة مقيدًا بالكفارة، وكذا قتل الصيد محظور الإحرام، فيباح لأجل الضرورة مقيدًا بالكفارة، ولا يسقط عنه ما يتعلق به من الكفارة. م: (على ما تلوناه من قبل) ش: وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولو وجد المحرم صيدًا وميتة يأكل الميتة، وبه قال مالك وأحمد والثوري ﵏. وقال أبو يوسف والشعبي - رحمهما الله - يأكل الصيد ويؤدي الجزاء. وفي " الذخيرة " جعل الأقوى رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵁ وفي " الخزانة " عن ابن سماعة الغصب أولى من الميتة، واختاره الطحاوي. وعند الكرخي يخير. م: (ولا بأس للمحرم أن يذبح الشاة، والبقرة والبعير، والدجاجة، والبط الأهلي) ش: وفي بعض نسخ القدوري البط الكسكري، وهو المنسوب إلى كسكر، ناحية من نواحي بغداد، والمراد الأهلي. م: (لأن هذه الأشياء ليست بصيود؛ لعدم التوحش) ش: لأنها مختلطة بالناس بمرأى أعينهم. م: (والمراد بالبط الذي يكون في المساكن، والحياض؛ لأنه ألوف) ش: مستأنس. م: (بأصل الخلقة) ش: وأما البط الذي يطير فإنه جنس آخر لا يجوز للمحرم ذبحه؛ لأنه من جملة الصيود. م: (ولو ذبح حماما مسرولا) ش: بفتح الواو، وهو ما في رجله ريش، من سرولته إذا ألبسته

стр. 2239

فعليه الجزاء، خلافا لمالك ﵀. له أنه ألوف مستأنس، ولا يمتنع بجناحيه لبطء نهوضه، ونحن نقول: الحمام متوحش بأصل الخلقة ممتنع بطيرانه، وإن كان بطيء النهوض، والاستئناس عارض فلم يعتبر، وكذا إذا قتل ظبيا مستأنسا؛ لأنه صيد في الأصل فلا يبطله الاستئناس كالبعير إذا ند لا يأخذ حكم الصيد في الحرمة على المحرم. وإذا ذبح المحرم صيدا فذبيحته ميتة لا يحل أكلها. وقال الشافعي ﵀: يحل ما ذبحه المحرم لغيره؛ لأنه عامل له فانتقل فعله إليه. ــ [البناية] سرويل فتسرول. م: (فعليه الجزاء) ش: وبه قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله -. م: (خلافا لمالك له) ش: أي لمالك. م: (أنه ألوف مستأنس، ولا يمتنع بجناحيه لبطء نهوضه) ش: فخرج عن حد الصيد. م: (ونحن نقول: الحمام متوحش بأصل الخلقة ممتنع بطيرانه، وإن كان بطيء النهوض، والاستئناس عارض فلم يعتبر) ش: كالظبي وحمار الوحش. فإن قلت: البراءة لا يحل بذكاة الاضطرار حتى لو رمى سهما إلى برج حمام لا يحل، ولو كان صيدًا حل بذكاة الاضطرار. قلت: من الأصحاب من قال: يحل بذكاة الاضطرار، ذكره في " المحيط " فذكاة الاضطرار متعلقة بالعجز لا بكونه صيدًا، ألا ترى أن الثوري لو ند فلم يقدر عليه ذكي بذكاة، إلا وهو ليس بصيد. م: (وكذا إذا قتل ظبيا مستأنسا) ش: أي وكذا يجب الجزاء إذا قتل ظبيًا مستأنسًا في البيوت. م: (لأنه صيد في الأصل فلا يبطله الاستئناس) ش: لأنه عارض. م: (كالبعير إذا ند) ش: أي إذا نفر، ند يند ندودًا، من باب ضرب يضرب. م: (لا يأخذ حكم الصيد في الحرمة على المحرم) ش: لأنه بالندود لا يخرج عن حكمه أهليًا. م: (وإذا ذبح المحرم صيدا فذبيحته ميتة لا يحل أكلها. وقال الشافعي ﵀: يحل ما ذبحه المحرم لغيره؛ لأنه عامل له) ش: أي لأن المحرم عامل لغيره. م: (فانتقل فعله إليه) ش: وهذا التعليل يشير إلى أن اللام في " لغيره " تتعلق بقوله " ذبحه " وهكذا ذكره أيضًا في " الإيضاح " لا لقوله " يحل " ولكن ما ذكره في " المبسوط " يدل على أنه حلال لغيره، وسواء ذبحه لأجل غيره أو لأجل نفسه، وفي تتمتهم ما يدل على هذا، قال: ما ذبحه المحرم ميتة فأكله حرام عليه، وهل هو ميتة في حق غيره، فعنه قولان في الجديد يكون ميتة، وبه قال مالك ﵀ وأبو حنيفة ﵁؛ لأن ذبحه لا يفيد الحل كذبح المرتد، وفي القديم: يحل لغيره، وفي " السروجي " في " شرح المذهب " للنووي ﵀: ذبيحة المحرم عليه بلا خلاف، وفي تحريمه على غيره قولان الجديد تحريمه وهو الأصح عند أكثرهم، وفي القديم حله وصححه كثير منهم.

стр. 2240

ولنا: أن الذكاة فعل مشروع، وهذا فعل حرام، فلا يكون ذكاة كذبيحة المجوسي؛ وهذا لأن المشروع هو الذي قام مقام المميز بين الدم واللحم تيسيرا، فينعدم بانعدامه. فإن أكل المحرم الذابح من ذلك شيئا فعليه قيمة ما أكل عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: ليس عليه جزاء ما أكل، وإن أكل منه محرم آخر فلا شيء عليه في قولهم جميعا. لهما أن هذه ميتة فلا يلزمه بأكلها إلا الاستغفار، وصار كما إذا أكله محرم غيره. ــ [البناية] م: (ولنا: أن الذكاة فعل مشروع، وهذا فعل حرام، فلا يكون ذكاة كذبيحة المجوسي) ش: فإن قلت: يشكل على هذا ذبح الغير بغير أمره، فإنه حرام، ومع ذلك يحل تناولها. قلت: النهي في معنى عين الذبح ولم يصر المذبوح حرامًا لعينه، بل لصيانة حق الغير، ولهذا يحل ذبحه بإذن المالك، فكان الذبح مشروعًا في نفسه، أما هاهنا نفس الفعل حرام لعينه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة: ٩٥] (المائدة: الآية ٩٥) ، فقد وصف الصيد بالحرمة فدل على خروج المحل عن قبول الفعل الحلال. م: (وهذا) ش: أي كون ذبح المحرم حرامًا. م: (لأن المشروع) ش: أي الذبح المشروع. م: (هو الذي قام مقام المميز بين الدم واللحم تيسيرا) ش: لأن الذبح لا يتبين بخروج كل الدم النجس لغير الخبيث من الطيب؛ لأن الميتة حرام باعتبار الدم المسفوح باللحم؛ لأن الشرع أقام الذبح مقامه تيسيرًا، ولهذا لو ذبح ولم يسل الدم يحل أكله، ولو ذبح المجوسي وسال الدم لم يحل أكله، فينتفي ما لم يكن مشروعًا على أصل القياس. م: (فينعدم) ش: أي الميزان والحل. م: (بانعدامه) ش: أي بانعدام الفعل المشروع، وهو الذكاة؛ لأن الانعدام لعدم المحلية كالانعدام بعدم الأهلية كما في المجوسي. م: (فإن أكل المحرم الذابح من ذلك) ش: أي من الذي ذبحه. م: (شيئا فعليه قيمة ما أكل عند أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) ش: هذا الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه فيما إذا أكل من الصيد بعدما أدى جزاءه، فعنده يجب ما أكل، وعندهما لا يجب عليه إلا الاستغفار، أما إذا أكل قبل أداء الجزاء دخل ما إذا أكل في ضمان الجزاء بالإجماع، وبه صرح في " المختلف "، وقول الشافعي مثل قولهما، كذا في " الإيضاح "، وقال القدوري ﵀: أما إذا أكل من المذبوح قبل أداء الجزاء فلا رواية في هذه المسألة، ويجوز أن يقال: يجب فيه الجزاء مضافًا إلى القتل، ويجوز أنهما متداخلان. م: (وقالا: ليس عليه جزاء ما أكل) ش: وبه قال الشافعي عنه، ومالك، وأحمد، وأكثر أهل العلم. م: (وإن أكل منه محرم آخر فلا شيء عليه في قولهم جميعا) ش: أي لا شيء عليه من قيمة ما أكل بلا خلاف كالحلال إذا قتل صيد الحرم فأكل منه. م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد - رحمهما الله -. م: (أن هذه) ش: أي ذبيحة المحرم. م: (ميتة فلا يلزمه بأكلها إلا الاستغفار) ش: والتوبة لأنه معصية. م: (وصار كما إذا أكله محرم غيره) ش: أي غير الذابح أو أكله حلال.

стр. 2241

ولأبي حنيفة أن حرمته باعتبار كونه ميتة كما ذكرنا، وباعتبار أنه محظور إحرامه؛ لأن إحرامه هو الذي أخرج الصيد عن المحلية والذابح عن الأهلية في حق الذكاة، فصارت حرمة التناول بهذه الوسائط مضافة إلى إحرامه بخلاف محرم آخر؛ لأن تناوله ليس من محظورات إحرامه. ولا بأس بأن يأكل المحرم لحم صيد اصطاده حلال، وذبحه إذا لم يدل المحرم عليه، ولا أمره بصيده، خلافا لمالك ﵀ فيما إذا اصطاده؛ لأجل المحرم. له قوله ﷺ : «لا بأس بأكل المحرم لحم صيد ما لم يصده، أو يصاد له» . ــ [البناية] م: (ولأبي حنيفة أن حرمته) ش: أي حرمة التناول للآكل المحرم الذابح. م: (باعتبار كونه) ش: أي باعتبار كون المذبوح. م: (ميتة كما ذكرنا) ش: من أن المذبوح ميتة. م: (وباعتبار أنه محظور إحرامه) ش: أي أن المذبوح إحرامه. م: (لأن إحرامه هو الذي أخرج الصيد عن المحلية) ش: أي كونه ممنوعًا اصطياده. م: (والذابح) ش: أي وإخراج الذابح. م: (عن الأهلية في حق الذكاة فصارت حرمة التناول بهذه الوسائط) ش: وهي كونه ميتة، والأصل والأكل من محظورات إحرامه وخروج الصيد عن المحلية والذابح عن الأهلية. م: (مضافة إلى إحرامه) ش: أي إلى إحرام الذابح، فوجب بتناوله الجزاء. م: (بخلاف محرم آخر؛ لأن تناوله ليس من محظورات إحرامه) ش: لأنه لم يضف إلى إحرامه. م: (ولا بأس بأن يأكل المحرم لحم صيد اصطاده حلال، وذبحه إذا لم يدل المحرم عليه) ش: أي على اصطياده. م: (ولا أمره بصيده، خلافا لمالك ﵁ فيما إذا اصطاده؛ لأجل المحرم) ش: فإن عنده لا يجوز له أكل ما اصطاده الحلال لأجل المحرم، وإن لم يكن بإذن المحرم، وقال في " الموطأ ": إذا أكل المحرم من ذلك الصيد الذي صيد لأجله يجب عليه جزاء الصيد كله، وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور. م: (له) ش: أي لمالك. م: (قوله ﵊) ش: أي قول النبي ﷺ . م: «لا بأس بأن يأكل المحرم لحم الصيد ما لم يصده أو يصاد له» ش: هذا الحديث رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، ولكن لفظه عندهم «صيد البر لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه، أو يصاد لكم» أخرجوه عن يعقوب بن عبد الرحمن ﵀ عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: صيد البر ... » الحديث، قال الترمذي ﵀: المطلب بن عبد الله بن حنطب لا نعرف له سماعًا من جابر، وقال النسائي: عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث، وإن كان قد روى عنه مالك.

стр. 2242

ولنا ما روي أن الصحابة ﵃ تذاكروا لحم الصيد في حق المحرم، فقال ﷺ " لا بأس به "، واللام فيما روي لام تمليك فيحمل على أن يهدى إليه الصيد دون اللحم، أو معناه أن يصاد بأمره. ــ [البناية] وقال صاحب " التنقيح ": عمرو بن أبي عمرو تكلم فيه بعض الأئمة، لكن روى عنه مالك، وأخرج له البخاري ومسلم في " صحيحهما ": والمطلب بن عبد الله ثقة، إلا أنه لم يسمع من جابر فيما قيل، والعجب من الأترازي أنه ذكر هذا الحديث في معرض الاستدلال لمالك، ولم يذكر أن لفظه ما ذكره المصنف يخالف ما ذكره أصحاب السنن في صدر الحديث. وأعجب منه أنه قال له قوله ﵊: " «صيد البر لكم حلال ... » الحديث، ثم قال: رواه الترمذي، وصاحب السنن، ولم ينبه على صاحب السنن من هو، والترمذي أيضًا صاحب السنن. م: (ولنا ما روي أن الصحابة ﵃ تذاكروا لحم الصيد في حق المحرم، فقال ﵊: «لا بأس به» ش: هذا رواه محمد بن الحسن الشيباني في كتاب " الآثار ": أخبرنا أبو حنيفة ﵀ عن محمد بن المنكدر، عن عثمان بن محمد، عن طلحة بن عبيد الله ﵁ «قال: تذاكرنا لحم الصيد بأكلها لمحرم، والنبي ﷺ نائم فارتفعت أصواتنا فاستيقظ النبي ﷺ ، فقال: " فيما تتنازعوا؟ " فقلنا: في لحم الصيد يأكلها المحرم، فأمرنا بأكله ... » انتهى. وهو يخالف لفظ ما ذكره المصنف، فإن قوله: لا بأس به، يخالف قوله فأمرنا من حيث اللفظ، وإن كانا في الحقيقة بمعنى واحد، على أن الفرق بين اللفظين ظاهر من حيث الظاهر على ما لا يخفى. م: (واللام فيما روي لام تمليك) ش: هذا جواب عن الحديث الذي رواه مالك ﵀، وأراد باللام في قوله: أو يصيد له، فزعم المصنف أنه لام تمليك. م: (فيحمل على أن يهدى إليه الصيد دون اللحم) ش: لأن تمليك الصيد إنما يتحقق فيما أهداه إلى المحرم لا فيما أهدي إليه اللحم؛ لأن اللحم يسمى صيدًا حقيقة، فاقتضى الحديث حرمة تناول الصيد على المحرم، وبه نقول لإحرامه أكل لحمه إذا لم يكن بإذنه. م: (أو معناه أن يصاد بأمره) ش: أي أو أن يكون بمعنى أو يصيد له بأمره، فحينئذ يحرم. واعلم أن هذا الحديث روي بالرفع أيضًا، أو يصاد له كما رواه أصحاب " السنن " على ما ذكرناه الآن فحينئذ لا تمسك لمالك بهذه الرواية لا يقتضي الحل إذا صاده غيره لأجله؛ لأنه صار معطوفًا على المعنى لا على الغاية، ومع هذا فهذا الحديث ضعيف ضعفه يحيى بن معين، والنسائي، والترمذي.

стр. 2243

ثم شرط عدم الدلالة، وهذا تنصيص على أن الدلالة محرمة، قالوا: فيه روايتان. ووجه الحرمة حديث أبي قتادة ﵁ وقد ذكرناه. وفي صيد الحرم إذا ذبحه الحلال تجب قيمته يتصدق بها على الفقراء؛ لأن الصيد استحق الأمن بسبب الحرم. قال ﷺ في حديث فيه طول: «ولا ينفر صيدها» . ــ [البناية] وقال الترمذي: منقطع، وقد ذكرناه الآن. وقال الشيخ حميد الدين الضرير: والصحيح عندي بالنصب، وأو هاهنا بمعنى إلى أن لا يأتي إلى أن يصاد له، وحكم ما بعد الغاية تخالف حكم ما قبلها، فيستقيم السند به حينئذ؛ لأنه صار تقديره يحل للمحرم أكل لحم الصيد بنفسه حلًا محدودًا إلى غاية اصطياد الغير لأجله، كذا في الخيار. م: (ثم شرط عدم الدلالة) ش: أي شرط القدوري ﵀ في قوله: إذا لم يذكر المحرم. م: (وهذا تنصيص على أن الدلالة محرمة) ش: أي شرط عدم الدلالة عن القدوري نص في رواية على أن المحرم إذا دل حلالًا على صيد الحل، فذبحه الحلال يكون اللحم حرامًا لا يحل له أكله. قوله: محرمة - بكسر الراء وتشديدها. م: (قالوا: فيه روايتان) ش: أي قال المتأخرون من أصحاب أبي حنيفة ﵃ في تحريم اصطياده حلال بدلالة المحرم روايتان في رواية: يحرم، وفي رواية: لا يحرم، قلت: رواية الحرمة رواية الطحاوي ﵁، ورواية عدم الحرمة رواية أبي عبيد الله الجرجاني. م: (ووجه الحرمة حديث أبي قتادة، وقد ذكرناه) ش: أي في باب الإحرام بقوله: هل أعنتم، هل أشرتم، هل دللتم، وقد مر الكلام فيه، وأبو قتادة اسمه الحارث بن ربعي الأنصاري. م: (وفي صيد الحرم إذا ذبحه الحلال تجب قيمته يتصدق بها على الفقراء) ش: وفي بعض النسخ: عليه قيمته، وقيد بقوله: الحلال؛ لأن المحرم لو قتله تلزمه كفارة واحدة لأجل الإحرام. وفي " المبسوط ": ذبح الحلال صيد الحرم فعليه قيمته عند العلماء إلا على قول أصحاب الظاهر فإنه لا شيء عليه عندهم. م: (لأن الصيد يستحق الأمن بسبب الحرم) ش: فإن قلت: الصيد كما استحق الأمن بسبب الحرم فكذلك بسبب الإحرام، وإذا قتل المحرم صيد الحرم ينبغي أن يجب عليه كفارتان وليس كذلك. قلت: وجوب الكفارتين وجه القياس، صرح بذلك في " الإيضاح ". ووجه الاستحسان ما ذكره في " شرح الطحاوي " أن حرمة الإحرام أقوى؛ لأن المحرم حرم عليه الصيد في الحل، والحرم جميعًا، فامتنع الأقوى الأضعف. م: (قال ﵊ في حديث طويل: «ولا ينفر صيدها» ش: وفي بعض النسخ في حديث فيه طول، والحديث أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن أبي هريرة ﵁ قال: «لما فتح الله مكة على رسول الله ﷺ قام فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: " إن الله

стр. 2244

ولا يجزيه الصوم؛ لأنها غرامة، وليست بكفارة، فأشبه ضمان الأموال. وهذا لأنه يجب بتفويت وصف في المحل، وهو الأمن، والواجب على المحرم بطريق الكفارة جزاء على فعله؛ ــ [البناية] حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها أحلت لي ساعة من النهار ثم بقي حرام إلى يوم القيامة، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يخلى خلاها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد " فقال العباس: إلا الإذخر، فإنه لقبورنا وبيوتنا، فقال ﷺ : " إلا الإذخر» . وأخرج البخاري ومسلم عن طاووس عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة ... الحديث، وفيه: «لا ينفر صيدها» وذكر المصنف هذا لأنه هو الأصل، وفي حرمة صيد الحرم على الحلال إذا أحرم يتغير صيد الحرم، فالقتل أولى وإنها خلا، والخلا والخلاء بفتح الخاء المعجمة، وبالقصر الرطب من المرعى، وبالمد المكان الخالي، والحشيش هو اليابس من الكلأ، والعضد القطع من باب ضرب، وعضده ضرب عضده من باب دخل. م: (ولا يجزئه الصوم) ش: أي ولا يجزئ ذابح صيد الحرم الصوم. م: (لأنها) ش: أي لأن قيمة الصيد. م: (غرامة وليست بكفارة، فأشبه ضمان الأموال) ش: وليس فيه إلا الغرامة. فإن قلت: لو كان غرامة ينبغي أن يجب على الصبي، والمجنون، والكافر، كما في أموال الناس، وقد نص في " الإيضاح " أنه لا يجب عليهم. قلت: وإن كان ضمان المحل، لكن فيه معنى الحل أيضًا، حتى لو أخذ حلال صيد الحرم فقتله في يده حلال آخر فعلى كل واحد منهما جزاء كامل؛ لأن كل واحد متلف، فأحدهما بالأخذ والآخر بالقتل والأخذ المفوت للأمن كالاستهلاك ثم يرجع الأخذ على القاتل عما ضمن بالاتفاق. فإن قلت: فعلى هذا ينبغي أن لا يؤدى في ضمن جزاء الإحرام فيما إذا قتل المحرم صيد الحرم، كما لا يؤدى ضمان حق العبد في ضمن الجزاء فيمن قتل صيدًا مملوكًا في الحرم. قلت: حرمة الحرم حصلت في حرمة الإحرام فيما نحن فيه؛ لأن حرمة الحرم لإثبات الأمن للصيد، وكذا حرمة الإحرام، فكان الضمان لله تعالى في الحرمتين، فجعل أحدهما تبعًا للأخرى، بخلاف الصيد المملوك بأن مما يجب بأن القتل حق الله تعالى، فلا يمكن أن يقضي به حق العبد، فصار في حق العبد كأن الضمان لم يستوف، كذا في " الأسرار ". م: (وهذا) ش: يشير به بين قتل المحرم الصيد، وقتل الحلال صيد الحرم في جواز الصوم في الأول دون الثاني بقوله. م: (لأنه) ش: أي لأن وجوب الضمان. م: (يجب بتفويت وصف في المحل) ش: أراد بالوصف الأمن، وبالمحل الصيد. م: (وهو الأمن) ش: أي الوصف هو الأمن. م: (والواجب على المحرم بطريق الكفارة جزاء على فعله؛ لأن الحرمة باعتبار معنى فيه وهو إحرامه) ش: ولهذا لو

стр. 2245

لأن الحرمة باعتبار معنى فيه وهو إحرامه، والصوم يصلح جزاء الأفعال لا ضمان المحال. وقال زفر ﵀: يجزئه الصوم اعتبارا بما وجب على المحرم، والفرق قد ذكرناه، وهل يجزئه الهدي؟ ففيه روايتان. ومن دخل الحرم بصيد فعليه أن يرسله فيه إذا كان في يده، خلافا للشافعي ﵀ فإنه يقول: حق الشرع لا يظهر في مملوك العبد لحاجة العبد. ولنا أنه لما حصل في الحرم وجب ترك التعرض لحرمة الحرم، أو صار هو من صيد الحرم، ــ [البناية] اشترك حلالان في قتله يجب عليهما ضمان واحد، بخلاف المحرمين؛ فإنه يجب على كل واحد منهما قيمة كاملة لا جزاء القتل. م: (والصوم يصلح جزاء الأفعال لا ضمان المحال) ش: أما صلاحية الصوم جزاء الأفعال فلقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] ، وأما عدم صلاحيته لضمان المحل فلأنه لا مماثلة بين الصوم، وهو العرض، وبين المحل وهو العين. م: (وقال زفر ﵀: يجزئه الصوم اعتبارا بما وجب على المحرم) ش: وبه قال الشافعي ومالك وأحمد؛ لأن الواجب هنا كفارة كالواجب على المحرم، فيتأدى بالصوم. م: (والفرق) ش: أي الفرق بين قتل المحرم الصيد وبين قتل الحلال صيد الحرم في جواز الصوم في الأول دون الثاني. م: (قد ذكرناه) ش: هو الذي ذكره بقوله والصوم يصلح جزاء الأفعال لا ضمان المحل. م: (وهل يجزئه الهدي؟ ففيه روايتان) ش: في رواية يجزئه، وبه قال الشافعي وزفر ومالك وأحمد، حتى لو سرق المذبوح بعد الذبح لا شيء عليه، ويشترط أن تكون قيمته عندنا مثل قيمة الصيد؛ لأن الهدي مال يجعل لله تعالى والإراقة طريق صالح لجعل المال له تعالى خالصًا بمنزلة التصدق، وفي رواية لا يجوز حتى لو سرق المذبوح لا يتأدى الواجب ويشترط أن تكون قيمة اللحم بعد الذبح مثل قيمة الصيد. م: (ومن دخل الحرم بصيد فعليه أن يرسله فيه) ش: أي في الحرم. م: (إذا كان في يده) ش: قال في " النهاية " يعني وهو حلال حتى يظهر خلاف الشافعي ﵁، فإن المحرم لا يتوقف وجوب الإرسال على أدنى بعضه لا يجب عليه الإرسال على دخول الحرم، فإنه يجب عليه الإرسال بالاتفاق. م: (خلافا للشافعي ﵀ فإنه يقول: حق الشرع لا يظهر في مملوك العبد لحاجة العبد) ش: لأن الله تعالى غني والعبد محتاج فلا يجب الإرسال. م: (ولنا أنه لما حصل في الحرم وجب ترك التعرض لحرمة الحرم) ش: أي ترك التعرض للصيد لأجل حرمة الحرم. م: (أو صار هو من صيد الحرم) ش: تعليل ثان لوجوب الإرسال، وفي نسخة الأترازي بخطة إذ هو من صيد الحرم بكلمة إذ التي هي للتعليل، وقال قوله - إذا صارت من صيد الحرم - تعليل لوجوب ترك التعرض، وكلمة هو راجع إلى الصيد. وقال الأكمل أيضًا ما يقوي كلامه حيث قال: إنه لما صار في الحرم وجب ترك التعرض لحرمة الحرم وبين الملازمة بقوله
следующие страницы →