Полный текст (7 019 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
ولأبي حنيفة أن حرمته باعتبار كونه ميتة كما ذكرنا، وباعتبار أنه محظور إحرامه؛ لأن إحرامه هو الذي أخرج الصيد عن المحلية والذابح عن الأهلية في حق الذكاة، فصارت حرمة التناول بهذه الوسائط مضافة إلى إحرامه بخلاف محرم آخر؛ لأن تناوله ليس من محظورات إحرامه.
ولا بأس بأن يأكل المحرم لحم صيد اصطاده حلال، وذبحه إذا لم يدل المحرم عليه، ولا أمره بصيده، خلافا لمالك ﵀ فيما إذا اصطاده؛ لأجل المحرم. له قوله ﷺ : «لا بأس بأكل المحرم لحم صيد ما لم يصده، أو يصاد له» .
ــ
[البناية]
م: (ولأبي حنيفة أن حرمته) ش: أي حرمة التناول للآكل المحرم الذابح. م: (باعتبار كونه) ش: أي باعتبار كون المذبوح. م: (ميتة كما ذكرنا) ش: من أن المذبوح ميتة. م: (وباعتبار أنه محظور إحرامه) ش: أي أن المذبوح إحرامه. م: (لأن إحرامه هو الذي أخرج الصيد عن المحلية) ش: أي كونه ممنوعًا اصطياده. م: (والذابح) ش: أي وإخراج الذابح. م: (عن الأهلية في حق الذكاة فصارت حرمة التناول بهذه الوسائط) ش: وهي كونه ميتة، والأصل والأكل من محظورات إحرامه وخروج الصيد عن المحلية والذابح عن الأهلية. م: (مضافة إلى إحرامه) ش: أي إلى إحرام الذابح، فوجب بتناوله الجزاء. م: (بخلاف محرم آخر؛ لأن تناوله ليس من محظورات إحرامه) ش: لأنه لم يضف إلى إحرامه.
م: (ولا بأس بأن يأكل المحرم لحم صيد اصطاده حلال، وذبحه إذا لم يدل المحرم عليه) ش: أي على اصطياده. م: (ولا أمره بصيده، خلافا لمالك ﵁ فيما إذا اصطاده؛ لأجل المحرم) ش: فإن عنده لا يجوز له أكل ما اصطاده الحلال لأجل المحرم، وإن لم يكن بإذن المحرم، وقال في " الموطأ ": إذا أكل المحرم من ذلك الصيد الذي صيد لأجله يجب عليه جزاء الصيد كله، وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور.
م: (له) ش: أي لمالك. م: (قوله ﵊) ش: أي قول النبي ﷺ . م: «لا بأس بأن يأكل المحرم لحم الصيد ما لم يصده أو يصاد له» ش: هذا الحديث رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، ولكن لفظه عندهم «صيد البر لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه، أو يصاد لكم» أخرجوه عن يعقوب بن عبد الرحمن ﵀ عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: صيد البر ... » الحديث، قال الترمذي ﵀: المطلب بن عبد الله بن حنطب لا نعرف له سماعًا من جابر، وقال النسائي: عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث، وإن كان قد روى عنه مالك.
стр. 2242
ولنا ما روي أن الصحابة ﵃ تذاكروا لحم الصيد في حق المحرم، فقال ﷺ " لا بأس به "، واللام فيما روي لام تمليك فيحمل على أن يهدى إليه الصيد دون اللحم، أو معناه أن يصاد بأمره.
ــ
[البناية]
وقال صاحب " التنقيح ": عمرو بن أبي عمرو تكلم فيه بعض الأئمة، لكن روى عنه مالك، وأخرج له البخاري ومسلم في " صحيحهما ": والمطلب بن عبد الله ثقة، إلا أنه لم يسمع من جابر فيما قيل، والعجب من الأترازي أنه ذكر هذا الحديث في معرض الاستدلال لمالك، ولم يذكر أن لفظه ما ذكره المصنف يخالف ما ذكره أصحاب السنن في صدر الحديث. وأعجب منه أنه قال له قوله ﵊: " «صيد البر لكم حلال ... » الحديث، ثم قال: رواه الترمذي، وصاحب السنن، ولم ينبه على صاحب السنن من هو، والترمذي أيضًا صاحب السنن.
م: (ولنا ما روي أن الصحابة ﵃ تذاكروا لحم الصيد في حق المحرم، فقال ﵊: «لا بأس به» ش: هذا رواه محمد بن الحسن الشيباني في كتاب " الآثار ": أخبرنا أبو حنيفة ﵀ عن محمد بن المنكدر، عن عثمان بن محمد، عن طلحة بن عبيد الله ﵁ «قال: تذاكرنا لحم الصيد بأكلها لمحرم، والنبي ﷺ نائم فارتفعت أصواتنا فاستيقظ النبي ﷺ ، فقال: " فيما تتنازعوا؟ " فقلنا: في لحم الصيد يأكلها المحرم، فأمرنا بأكله ... » انتهى. وهو يخالف لفظ ما ذكره المصنف، فإن قوله: لا بأس به، يخالف قوله فأمرنا من حيث اللفظ، وإن كانا في الحقيقة بمعنى واحد، على أن الفرق بين اللفظين ظاهر من حيث الظاهر على ما لا يخفى.
م: (واللام فيما روي لام تمليك) ش: هذا جواب عن الحديث الذي رواه مالك ﵀، وأراد باللام في قوله: أو يصيد له، فزعم المصنف أنه لام تمليك. م: (فيحمل على أن يهدى إليه الصيد دون اللحم) ش: لأن تمليك الصيد إنما يتحقق فيما أهداه إلى المحرم لا فيما أهدي إليه اللحم؛ لأن اللحم يسمى صيدًا حقيقة، فاقتضى الحديث حرمة تناول الصيد على المحرم، وبه نقول لإحرامه أكل لحمه إذا لم يكن بإذنه. م: (أو معناه أن يصاد بأمره) ش: أي أو أن يكون بمعنى أو يصيد له بأمره، فحينئذ يحرم.
واعلم أن هذا الحديث روي بالرفع أيضًا، أو يصاد له كما رواه أصحاب " السنن " على ما ذكرناه الآن فحينئذ لا تمسك لمالك بهذه الرواية لا يقتضي الحل إذا صاده غيره لأجله؛ لأنه صار معطوفًا على المعنى لا على الغاية، ومع هذا فهذا الحديث ضعيف ضعفه يحيى بن معين، والنسائي، والترمذي.
стр. 2243
ثم شرط عدم الدلالة، وهذا تنصيص على أن الدلالة محرمة، قالوا: فيه روايتان. ووجه الحرمة حديث أبي قتادة ﵁ وقد ذكرناه. وفي صيد الحرم إذا ذبحه الحلال تجب قيمته يتصدق بها على الفقراء؛ لأن الصيد استحق الأمن بسبب الحرم. قال ﷺ في حديث فيه طول: «ولا ينفر صيدها» .
ــ
[البناية]
وقال الترمذي: منقطع، وقد ذكرناه الآن. وقال الشيخ حميد الدين الضرير: والصحيح عندي بالنصب، وأو هاهنا بمعنى إلى أن لا يأتي إلى أن يصاد له، وحكم ما بعد الغاية تخالف حكم ما قبلها، فيستقيم السند به حينئذ؛ لأنه صار تقديره يحل للمحرم أكل لحم الصيد بنفسه حلًا محدودًا إلى غاية اصطياد الغير لأجله، كذا في الخيار.
م: (ثم شرط عدم الدلالة) ش: أي شرط القدوري ﵀ في قوله: إذا لم يذكر المحرم. م: (وهذا تنصيص على أن الدلالة محرمة) ش: أي شرط عدم الدلالة عن القدوري نص في رواية على أن المحرم إذا دل حلالًا على صيد الحل، فذبحه الحلال يكون اللحم حرامًا لا يحل له أكله. قوله: محرمة - بكسر الراء وتشديدها. م: (قالوا: فيه روايتان) ش: أي قال المتأخرون من أصحاب أبي حنيفة ﵃ في تحريم اصطياده حلال بدلالة المحرم روايتان في رواية: يحرم، وفي رواية: لا يحرم، قلت: رواية الحرمة رواية الطحاوي ﵁، ورواية عدم الحرمة رواية أبي عبيد الله الجرجاني.
م: (ووجه الحرمة حديث أبي قتادة، وقد ذكرناه) ش: أي في باب الإحرام بقوله: هل أعنتم، هل أشرتم، هل دللتم، وقد مر الكلام فيه، وأبو قتادة اسمه الحارث بن ربعي الأنصاري. م: (وفي صيد الحرم إذا ذبحه الحلال تجب قيمته يتصدق بها على الفقراء) ش: وفي بعض النسخ: عليه قيمته، وقيد بقوله: الحلال؛ لأن المحرم لو قتله تلزمه كفارة واحدة لأجل الإحرام. وفي " المبسوط ": ذبح الحلال صيد الحرم فعليه قيمته عند العلماء إلا على قول أصحاب الظاهر فإنه لا شيء عليه عندهم. م: (لأن الصيد يستحق الأمن بسبب الحرم) ش: فإن قلت: الصيد كما استحق الأمن بسبب الحرم فكذلك بسبب الإحرام، وإذا قتل المحرم صيد الحرم ينبغي أن يجب عليه كفارتان وليس كذلك.
قلت: وجوب الكفارتين وجه القياس، صرح بذلك في " الإيضاح ". ووجه الاستحسان ما ذكره في " شرح الطحاوي " أن حرمة الإحرام أقوى؛ لأن المحرم حرم عليه الصيد في الحل، والحرم جميعًا، فامتنع الأقوى الأضعف.
م: (قال ﵊ في حديث طويل: «ولا ينفر صيدها» ش: وفي بعض النسخ في حديث فيه طول، والحديث أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن أبي هريرة ﵁ قال: «لما فتح الله مكة على رسول الله ﷺ قام فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: " إن الله
стр. 2244
ولا يجزيه الصوم؛ لأنها غرامة، وليست بكفارة، فأشبه ضمان الأموال. وهذا لأنه يجب بتفويت وصف في المحل، وهو الأمن، والواجب على المحرم بطريق الكفارة جزاء على فعله؛
ــ
[البناية]
حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها أحلت لي ساعة من النهار ثم بقي حرام إلى يوم القيامة، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يخلى خلاها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد " فقال العباس: إلا الإذخر، فإنه لقبورنا وبيوتنا، فقال ﷺ : " إلا الإذخر» .
وأخرج البخاري ومسلم عن طاووس عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة ... الحديث، وفيه: «لا ينفر صيدها» وذكر المصنف هذا لأنه هو الأصل، وفي حرمة صيد الحرم على الحلال إذا أحرم يتغير صيد الحرم، فالقتل أولى وإنها خلا، والخلا والخلاء بفتح الخاء المعجمة، وبالقصر الرطب من المرعى، وبالمد المكان الخالي، والحشيش هو اليابس من الكلأ، والعضد القطع من باب ضرب، وعضده ضرب عضده من باب دخل.
م: (ولا يجزئه الصوم) ش: أي ولا يجزئ ذابح صيد الحرم الصوم. م: (لأنها) ش: أي لأن قيمة الصيد. م: (غرامة وليست بكفارة، فأشبه ضمان الأموال) ش: وليس فيه إلا الغرامة.
فإن قلت: لو كان غرامة ينبغي أن يجب على الصبي، والمجنون، والكافر، كما في أموال الناس، وقد نص في " الإيضاح " أنه لا يجب عليهم.
قلت: وإن كان ضمان المحل، لكن فيه معنى الحل أيضًا، حتى لو أخذ حلال صيد الحرم فقتله في يده حلال آخر فعلى كل واحد منهما جزاء كامل؛ لأن كل واحد متلف، فأحدهما بالأخذ والآخر بالقتل والأخذ المفوت للأمن كالاستهلاك ثم يرجع الأخذ على القاتل عما ضمن بالاتفاق.
فإن قلت: فعلى هذا ينبغي أن لا يؤدى في ضمن جزاء الإحرام فيما إذا قتل المحرم صيد الحرم، كما لا يؤدى ضمان حق العبد في ضمن الجزاء فيمن قتل صيدًا مملوكًا في الحرم.
قلت: حرمة الحرم حصلت في حرمة الإحرام فيما نحن فيه؛ لأن حرمة الحرم لإثبات الأمن للصيد، وكذا حرمة الإحرام، فكان الضمان لله تعالى في الحرمتين، فجعل أحدهما تبعًا للأخرى، بخلاف الصيد المملوك بأن مما يجب بأن القتل حق الله تعالى، فلا يمكن أن يقضي به حق العبد، فصار في حق العبد كأن الضمان لم يستوف، كذا في " الأسرار ".
م: (وهذا) ش: يشير به بين قتل المحرم الصيد، وقتل الحلال صيد الحرم في جواز الصوم في الأول دون الثاني بقوله. م: (لأنه) ش: أي لأن وجوب الضمان. م: (يجب بتفويت وصف في المحل) ش: أراد بالوصف الأمن، وبالمحل الصيد. م: (وهو الأمن) ش: أي الوصف هو الأمن. م: (والواجب على المحرم بطريق الكفارة جزاء على فعله؛ لأن الحرمة باعتبار معنى فيه وهو إحرامه) ش: ولهذا لو
стр. 2245
لأن الحرمة باعتبار معنى فيه وهو إحرامه،
والصوم يصلح جزاء الأفعال لا ضمان المحال. وقال زفر ﵀: يجزئه الصوم اعتبارا بما وجب على المحرم، والفرق قد ذكرناه،
وهل يجزئه الهدي؟ ففيه روايتان. ومن دخل الحرم بصيد فعليه أن يرسله فيه إذا كان في يده، خلافا للشافعي ﵀ فإنه يقول: حق الشرع لا يظهر في مملوك العبد لحاجة العبد. ولنا أنه لما حصل في الحرم وجب ترك التعرض لحرمة الحرم، أو صار هو من صيد الحرم،
ــ
[البناية]
اشترك حلالان في قتله يجب عليهما ضمان واحد، بخلاف المحرمين؛ فإنه يجب على كل واحد منهما قيمة كاملة لا جزاء القتل.
م: (والصوم يصلح جزاء الأفعال لا ضمان المحال) ش: أما صلاحية الصوم جزاء الأفعال فلقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] ، وأما عدم صلاحيته لضمان المحل فلأنه لا مماثلة بين الصوم، وهو العرض، وبين المحل وهو العين. م: (وقال زفر ﵀: يجزئه الصوم اعتبارا بما وجب على المحرم) ش: وبه قال الشافعي ومالك وأحمد؛ لأن الواجب هنا كفارة كالواجب على المحرم، فيتأدى بالصوم. م: (والفرق) ش: أي الفرق بين قتل المحرم الصيد وبين قتل الحلال صيد الحرم في جواز الصوم في الأول دون الثاني. م: (قد ذكرناه) ش: هو الذي ذكره بقوله والصوم يصلح جزاء الأفعال لا ضمان المحل.
م: (وهل يجزئه الهدي؟ ففيه روايتان) ش: في رواية يجزئه، وبه قال الشافعي وزفر ومالك وأحمد، حتى لو سرق المذبوح بعد الذبح لا شيء عليه، ويشترط أن تكون قيمته عندنا مثل قيمة الصيد؛ لأن الهدي مال يجعل لله تعالى والإراقة طريق صالح لجعل المال له تعالى خالصًا بمنزلة التصدق، وفي رواية لا يجوز حتى لو سرق المذبوح لا يتأدى الواجب ويشترط أن تكون قيمة اللحم بعد الذبح مثل قيمة الصيد.
م: (ومن دخل الحرم بصيد فعليه أن يرسله فيه) ش: أي في الحرم. م: (إذا كان في يده) ش: قال في " النهاية " يعني وهو حلال حتى يظهر خلاف الشافعي ﵁، فإن المحرم لا يتوقف وجوب الإرسال على أدنى بعضه لا يجب عليه الإرسال على دخول الحرم، فإنه يجب عليه الإرسال بالاتفاق. م: (خلافا للشافعي ﵀ فإنه يقول: حق الشرع لا يظهر في مملوك العبد لحاجة العبد) ش: لأن الله تعالى غني والعبد محتاج فلا يجب الإرسال.
م: (ولنا أنه لما حصل في الحرم وجب ترك التعرض لحرمة الحرم) ش: أي ترك التعرض للصيد لأجل حرمة الحرم. م: (أو صار هو من صيد الحرم) ش: تعليل ثان لوجوب الإرسال، وفي نسخة الأترازي بخطة إذ هو من صيد الحرم بكلمة إذ التي هي للتعليل، وقال قوله - إذا صارت من صيد الحرم - تعليل لوجوب ترك التعرض، وكلمة هو راجع إلى الصيد. وقال الأكمل أيضًا ما يقوي كلامه حيث قال: إنه لما صار في الحرم وجب ترك التعرض لحرمة الحرم وبين الملازمة بقوله
стр. 2246
فاستحق الأمن لما روينا. فإن باعه رد البيع فيه إن كان قائما؛ لأن البيع لم يجز لما فيه من التعرض للصيد وذلك حرام. وإن كان فائتا فعليه الجزاء؛ لأنه تعرض للصيد بتفويت الأمن الذي استحقه. وكذلك بيع المحرم الصيد من محرم أو حلال لما قلنا. ومن أحرم وفي بيته أو في قفص معه صيد فليس عليه أن يرسله. وقال الشافعي ﵀: عليه أن يرسله؛ لأنه متعرض للصيد بإمساكه في ملكه فصار كما إذا كان في يده. ولنا أن الصحابة ﵃ كانوا
ــ
[البناية]
إذا صار يعني الصيد من صيد الحرم بالدخول فيه وصيد الحرم مستحق للأمن. م: (فاستحق الأمن لما روينا) ش: وهو قوله ﷺ «ولا ينفر صيدها» .
م: (فإن باعه رد البيع فيه) ش: أي فإن باع الحلال الصيد الذي أدخله من الحل إلى الحرم رد البيع فيه، أي في الصيد. م: (إن كان) ش: أي الصيد. م: (قائما؛ لأن البيع لم يجز لما فيه من التعرض للصيد، وذلك حرام. وإن كان فائتا فعليه الجزاء) ش: يتصدق بقيمته. م: (لأنه تعرض للصيد بتفويت الأمن الذي استحقه. وكذلك بيع المحرم الصيد من محرم أو حلال لما قلنا) ش: أشار به إلى قوله - لأن البيع في الصيد لم يجز لما فيه من التعرض للصيد - وفي " مناسك الحسن " نقل صاحب " الأجناس " أن أحد متعاقدي البيع في الصيد إذا كان محرمًا لا يجوز البيع سواء كان بيعًا أو هبة أو صدقة، وإن كان المتعاقدان حلالين ينظر إلى موضع الصيد إن كان في الحلال جاز البيع سواء كان المتبايعان في الحل أو الحرم أو أحدهما في الحل، والآخر في الحرم، وإن كان الصيد في الحرم لم يجز البيع، فإن سلمه للمشتري فذبحه كان على المحرم الذي باعه جزاؤه، وعلى المشتري قيمته للبائع إذا كان قد اصطاده وهو حلال ثم أحرم ثم باعه، وللبائع أن يتعين بهذه القيمة في الجزاء الذي عليه، وكذا بيع المحرم الصيد من محرم أو حلال، يعني يرد البيع إن كان الصيد قائمًا، وإن كان فائتًا فعليه الجزاء.
م: (ومن أحرم وفي بيته) ش: أي والحال أن في بيته. م: (أو في قفص معه صيد فليس عليه أن يرسله) ش: ولا يزول ملكه عنه، وهو مذهب الأوزاعي ومجاهد وعبد الله بن الحارث ومالك وأحمد وأبي ثور، لكن يجب إزالة يده عنه إن كان في يده أو رجليه أو جبهته أو في قفص معه، أو كان مربوطًا بحبل معه، وقال أبو ثور ﵀: لا تلزمه إزالته، وصححه ابن المنذر، وإن كان في بيته أو في قفصه لا يلزمه إرساله.
م: (وقال الشافعي ﵀: يجب عليه أن يرسله) ش: وبه قال مالك: وأحمد في رواية عن كل منهما. وقال الأزهري: لا يزول ملكه. م: (لأنه متعرض للصيد بإمساكه في ملكه فصار كما إذا كان في يده) ش: وهذا بناء على أن بالإحرام هل يزول الملك عن الصيد المملوك أم لا، فعندنا لا يزول، وعنده يزول.
م: (ولنا أن الصحابة ﵃ كانوا يحرمون وفي بيوتهم صيود ودواجن) ش: رواه
стр. 2247
يحرمون، وفي بيوتهم صيود، ودواجن، ولم ينقل عنهم إرسالها، وبذلك جرت العادة الفاشية، وهي من إحدى الحجج. ولأن الواجب ترك التعرض، وهو ليس بمتعرض من جهته؛ لأنه محفوظ بالبيت والقفص لا به، غير أنه في ملكه، ولو أرسله في مفازة فهو على ملكه فلا معتبر ببقاء الملك، وقيل: إذا كان القفص في يده لزمه إرساله، لكن على وجه لا يضيع.
قال: فإن أصاب حلال صيدا ثم أحرم فأرسله من يده غيره يضمن - عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: لا يضمن؛ لأن المرسل آمر بالمعروف ناه عن المنكر
ــ
[البناية]
ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا أبو بكر بن عياش، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث كنا نحج وننزل عند أهلنا [....] من الصيد ما نرسلها. حدثنا عبد السلام بن حرب عن ليث عن مجاهد أن عليًا ﵁ رأى مع جماعة داجنا من الصيد وهم محرمون فلم يأمرهم بإرساله والدواجن جمع داجن، وهو الذي تعود المكان وألفه من قولهم بعير داجن، وشاة داجن، إذا كان مقيمًا بالبيت لا يرعى، وأراد بالصيود نحو الصقر والشاهين، وبالدواجن نحو الغزال.
م: (ولم ينقل عنهم إرسالها) ش: أي لم ينقل عن الصحابة ﵃ إرسال الدواجن بعد الإحرام. م: (وبذلك جرت العادة الفاشية) ش: أي بكون الدواجن في البيوت وهم محرمون أي جرت العادة المستمرة المشهورة من العشر وهو الظهور. وقال قاضي خان: ألا ترى أن الرجل يحرم وله بيت حمام لا يجب عليه إرسالها. م: (وهي من إحدى الحجج) ش: أي العادة الفاشية من إحدى الحجج التي يحكم بها، قال ﷺ «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن» . وقال الكاكي: العادة الفاشية مثل الإجماع القولي.
م: (ولأن الواجب) ش: على المحرم، هذا دليل آخر يتضمن الجواب عن دليل الشافعي ﵀. م: (ترك التعرض) ش: للصيد. م: (وهو) ش: أي المحرم الذي في بيته قفص صيد. م: (ليس بمتعرض) ش: للصيد. م: (من جهته لأنه) ش: أي أن الصيد. م: (محفوظ بالبيت والقفص لا به) ش: أي لا بالمحرم. م: (غير أنه في ملكه) ش: لم يزل عنه.
م: (ولو أرسله في مفازة فهو على ملكه فلا معتبر ببقاء الملك) ش: لأنه ليس يتعرض للصيد فإن وجوب الجزاء لو كان باعتبار الملك ينبغي أن يجب الجزاء أرسل أو لم يرسل ولا يقول به أحد، فإن أرسله لا ينعدم ملكه. م: (وقيل: إذا كان القفص في يده لزمه إرساله، لكن على وجه لا يضيع) ش: أي لا يضيع الملك؛ لأن إضافة المال حرام فيرسله في بيت أو يودعه عنه إنسان.
م: (قال: فإن أصاب حلال صيدا ثم أحرم فأرسله من يده غيره يضمن - عند أبي حنيفة ﵀) ش: وبه قال مالك وأحمد:. م: (وقالا: لا يضمن؛ لأن المرسل آمر بالمعروف) ش: لأن الإرسال واجب عليه. م: (ناه عن المنكر) ش: لأن الإرسال حرام عليه، فكان مقيمًا للحسنة فلا
стр. 2248
﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] (٩١ التوبة) . وله أنه ملك الصيد بالأخذ ملكا محترما، فلا يبطل احترامه بإحرامه وقد أتلفه المرسل فيضمنه، بخلاف ما إذا أخذه في حالة الإحرام؛ لأنه لم يملكه. والواجب عليه ترك التعرض، ويمكنه ذلك بأن يخليه في بيته، فإذا قطع يده عنه كان متعديا، ونظيره الاختلاف في كسر المعازف.
وإذا أصاب محرم صيدا فأرسله من يده غيره لا ضمان عليه بالاتفاق؛ لأنه لم يملكه بالأخذ، فإن الصيد لم يبق محلا للتملك في حق المحرم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] (٩٦ المائدة) ، فصار كما إذا اشترى الخمر، فإن قتله محرم آخر في يده فعلى كل واحد منهما
ــ
[البناية]
يكون ضامنًا، قال تعالى. م: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] (التوبة: الآية ٩١) ش: لأنه فعل ما فعله طلبًا لرضا الله تعالى، وما لأحد سبيل إلى منع المحسن من إحسانه.
م: (وله) ش: أي لأبي حنيفة ﵀. م: (أنه) ش: أي المحرم. م: (ملك الصيد بالأخذ ملكا محترما) ش: أي معصومًا. م: (فلا يبطل احترامه بإحرامه) ش: كما في سائر أمواله. م: (وقد أتلفه المرسل فيضمنه) ش: بالإتلاف. م: (بخلاف ما إذا أخذه في حالة الإحرام) ش: لأن محرم العين على المحرم فلا يضمن المرسل. م: (لأنه) ش: أي لأن الآخذ. م: (لم يملكه) ش: أي لم يملك الصيد. م: (والواجب عليه) ش: جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال سلمنا أنه ملكه ملكًا محترمًا، ولكن وجب إخراجه من الملك تركًا للتعرض الواجب الترك فأجب بقوله الواجب عليه. م: (ترك التعرض) ش: لا الإخراج عن ملكه. م: (ويمكنه ذلك بأن يخليه في بيته، فإذا قطع يده عنه كان متعديا) ش: فيضمنه. م: (ونظيره الاختلاف في كسر المعازف) ش: لأنه آمر بالمعروف ناه عن المنكر، وعند أبي يوسف ﵀ يجب الضمان؛ لأنه مملوك لصاحبه كما إذا قتل الجارية المغنية خطأ تجب قيمتها غير مغنية والمعازف الملاهي، قال ابن دريد: قال قوم من أهل اللغة: هو اسم يجمع العود والطنبور وأشباههما. وقال آخرون: بل المعازف التي استخرجها أهل اليمن في ديوان الأدب المعزف ضرب من الطنابير يتخذه أهل اليمن.
م: (وإذا أصاب محرم صيدا فأرسله من يده غيره لا ضمان عليه بالاتفاق) ش: بين أبي حنيفة ﵀ وصاحبيه. م: (لأنه) ش: أي لأن المحرم. م: (لم يملكه) ش: أي الصيد. م: (بالأخذ) ش: ملكًا محترمًا. م: (فإن الصيد لم يبق محلا للتمليك) ش: لأن الحرمة أضيفت إلى العين. م: (في حق المحرم؛ لقوله : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] ش: (المائدة: الآية ٩٦) أي محرمين. م: (فصار كما إذا اشترى الخمر) ش: يعني إذا اشترى المسلم الخمر لا يملكها، فإذا أتلفها آخر لا ضمان عليه؛ لأنها حرام لعينها لقوله ﷺ «حرمت الخمرة لعينها» فكذا إذا أرسل صيد المحرم؛ لأن الصيد حرام عليه لعينه، فلا يجب الضمان.
م: (فإن قتله محرم آخر في يده) ش: أي في يد المحرم. م: (فعلى كل واحد منهما) ش: أي من
стр. 2249
جزاؤه؛ لأن الآخذ متعرض للصيد الآمن، والقاتل مقرر لذلك، والتقرير كالابتداء في حق التضمين كشهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا، ويرجع الآخذ على القاتل، وقال زفر ﵀: لا يرجع؛ لأن الآخذ مؤاخذ بصنعه فلا يرجع على غيره. ولنا أن الآخذ إنما يصير سببا للضمان عند اتصال الهلاك به، فهو بالقتل جعل فعل الآخذ علة، فيكون في معنى مباشرة علة العلة فيحال بالضمان عليه كالغاصب.
فإن قطع حشيش الحرم، أو شجرة ليست بمملوكة، وهو مما لا ينبته الناس فعليه قيمته
ــ
[البناية]
الآخذ والقاتل. م: (جزاؤه؛ لأن الآخذ متعرض للصيد الآمن، والقاتل مقرر لذلك) ش: أي التعرض الموجب لتفويت الأمن. م: (والتقرير كالابتداء في حق التضمين كشهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا) ش: لأنهم يضمنون بما قرروا بشهادتهم ما كان على شرف السقوط بتمكين الزوج على ما عرف. م: (ويرجع الآخذ على القاتل) .
ش: فإن قلت: ليس للآخذ في الصيد ملك ولا يد محترمة، فكيف يرجع على القاتل، فالضمان يجب بأحد هذين الأمرين.
قلت: يده على الصيد معتبرة بحق الآخذ؛ لأنه يتمكن من إرساله وإسقاط الجناية عن نفسه فالقاتل صار مفوتًا هذه اليد، فيضمن إن لم يملكه الآخذ كغاصب المدبر إذا قتله إنسان في يده فأدى الغاصب ضمانه، فإنه يرجع على القاتل بقيمته كما لو ملكه وإن كان المدبر لا يقبل النقل من ملك إلى ملك.
م: (وقال زفر ﵀: لا يرجع؛ لأن الآخذ مؤاخذ بصنعه) ش: وهو تعرضه للصيد الآمن فلا يرجع على غيره؛ لأنه يستلزم تنزيل الراجع منزلة المالك بواسطة الضمان والصيد غير قابل للملك في حق المحرم. م: (فلا يرجع على غيره) ش: كمسلم غصب خنزير ذمي فأتلفه من يده آخر فأخذ الذمي من الغاصب لم يرجع الغاصب على المتلف بشيء، فكذا هذا.
م: (ولنا أن الآخذ إنما يصير سببا للضمان عند اتصال الهلاك به) ش: أي بالأخذ. م: (فهو) ش: أي القاتل. م: (بالقتل جعل فعل الآخذ علة، فيكون) ش: أي قتله. م: (في معنى مباشرة علة العلة فيحال بالضمان) ش: أي يضاف الضمان. م: (عليه) ش: أي إلى القاتل. م: (كالغاصب) ش: أي إذا أتلف المغصوب وضمنه الغاصب، فإن حصل الضمان يستقر عليه، والجواب عما استشهد به زفر أن غاصب الخنزير أثبت له يد محترمة؛ لأن خروجه عن محل التمليك لإهانته، بخلاف الصيد؛ لأن ذلك فيه زيادة احترام في حق المحرم بإحرامه لحرمة الأذى، فبقيت له يد محترمة، وإن لم يثبت له ملك.
[قطع حشيش الحرم وشجره]
م: (فإن قطع حشيش الحرم، أو شجرة ليست بمملوكة، وهو مما لا ينبته الناس فعليه قيمته) ش: الواو فيه للحال. اعلم أن ما زرعه الإنسان وشجر الحرم أنواع أربعة؛ إما أن يكون من جنس ما
стр. 2250
إلا فيما جف منه؛ لأن حرمتهما تثبت بسبب الحرم، قال ﷺ : «لا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها» ، ولا يكون للصوم في هذه القيمة مدخل؛ لأن حرمة تناولها بسبب الحرم لا بسبب الإحرام، فكان من ضمان المحال على ما بينا،
ويتصدق بقيمته على الفقراء، وإذا أداها
ــ
[البناية]
ينبته الناس كالجوز واللوز والتفاح والكمثرى ونحوها، أو من جنس ما لا ينبتونه كشجر أم غيلان والأثل وكل واحد منهما إما أن ينبت بنفسه أو ينبته الناس فينبت، ولا يجب الجزاء إلا في نوع واحد وهو الذي ينبت بنفسه مما لا ينبته الناس، ولا شيء في الأنواع الثلاثة؛ لأنها لا تنبت للحرم بل إلى المنبت؛ لهذا تملك بالإنبات فكانت أهلية ولم تكن حرمية.
وفي " المبسوط " حرمة شجر الحرم كحرمة صيده فإن صيده يأكل منها ويأوي إليها ويستظل بظلها ويتخذ الوكر على أغصانها، ويسكن إليها في الحر والمطر كالكهوف، وما ينبته الناس عادة فهو لهم، والناس يزرعون في الحرم ويحصدونه من عهد رسول الله ﷺ من غير نكير.
وقال مالك ﵀: لا بأس بما أنبته الناس في الحرم من النخل والشجر كما في البقول والزروع، وهو قول أبي الخطاب وابن عقيل من الحنابلة. وقال القاضي منهم: يجب الجزاء، وهو قول الشافعي في الجزاء في الشجر بكل حال، وهو المذهب عنده فأوجب في الدوحة وهي الشجرة العظيمة بقرة، ورووه عن ابن عباس ﵄ وليس له صحة، وضعفه مالك ﵀، وفي أصغر من ذلك شاة والكبيرة بالبقرة والصغيرة بالشاة عند الشافعي وابن حنبل، ولا أصل له إلا ما روي عن عطاء والشافعي لا نقله الصحابة، وقلد الشافعي فيه مع مخالفة الأصول. وعن بعض السلف أنه أوجب في الدوحة بدنة، وعن عبد الله وابن المنذر وابن أبي نجيح في الدوحة سبعة دنانير أو ستة دنانير، وقال مالك وأبو ثور وداود الظاهري وابن المنذر: لا ضمان في شجر الحرم ولا في حشيشه كقطع المحرم في الدليل، وهو قول الشافعي في القديم. وقال في الجديد: يلزمه الجزاء، وبه قال أحمد، لكن الجزاء عند الشافعي في الدوحة بقرة كما قلنا عن قريب، وفيما دونها شاة وفي الصغيرة القيمة والمعتبر فيها أن تكون سبعة للعظيمة. وقال ابن المنذر: لا أجد دليلًا فيه من كتاب ولا سنة ولا إجماع.
م: (إلا فيما جف منه) ش: استثناء من قوله: فعليه قيمته، يعني لا يجب عليه شيء في قطع ما جف منه، أي يبس. م: (لأن حرمتهما) ش: أي حرمة حشيش الحرم وحرمة شجره. م: (تثبت بسبب الحرم، قال ﷺ : «لا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها» ش: هذا الحديث قد مر. م: (ولا يكون للصوم في هذه القيمة) ش: أي قيمة شجر الحرم وحشيشه. م: (مدخل؛ لأن حرمة تناولها بسبب الحرم لا بسبب الإحرام، فكان من ضمان المحال) ش: لا ضمان الفعل كما في صيد الحرم. م: (على ما بينا) ش: أشار به إلى قوله والصوم يصلح جزاء الأفعال لا ضمان من ضمان المحال.
م: (ويتصدق بقيمته على الفقراء، وإذا أداها) ش: أي إذا أدى القاطع قيمة قيمة الشجر إلى الفقراء. م:
стр. 2251
ملكه كما في حقوق العباد.
ويكره بيعه بعد القطع؛ لأنه ملكه بسبب محظور شرعا، فلو أطلق له في بيعه لتطرق الناس إلى مثله، إلا أنه يجوز البيع مع الكراهة، بخلاف الصيد، والفرق ما نذكره. والذي ينبته الناس عادة عرفناه غير مستحق للأمن بالإجماع؛ ولأن المحرم المنسوب إلى الحرم والنسبة إليه على الكمال عند عدم النسبة إلى غيره بالإنبات. وما لا ينبت عادة إذا أنبته إنسان التحق بما ينبت عادة. ولو نبت بنفسه في ملك رجل فعلى قاطعه قيمتان: قيمة لحرمة الحرم حقا للشرع، وقيمة أخرى ضمانا لمالكه كالصيد المملوك في الحرم
ــ
[البناية]
(ملكه) ش: أي ملك الشجر. م: (كما في حقوق العباد) ش: كالغاصب إذا أدى قيمة المغصوب إلى مالك ملك المغصوب.
فإن قلت: في المقيس عليه تحصل المعاوضة، وفي المقيس لا تحصل.
قلت: تحصل المعاوضة في المقيس أيضًا؛ لأن الفقير نائب عن الله تعالى، وقد ملك العوض، فيملك القاطع المعوض وهو الشجر.
م: (ويكره بيعه) ش: أي بيع الحشيش والشجر. م: (بعد القطع؛ لأنه ملكه بسبب محظور شرعا، فلو أطلق له في بيعه لتطرق الناس إلى مثله) ش: ولا يبقى أشجار الحرم، وفي ذلك إلحاق صيد الحرم. م: (إلا أنه يجوز البيع مع الكراهة) ش: لأنه ملكه بالضمان. م: (بخلاف الصيد) ش: يعني لا يجوز بيع الصيد بعد أداء القيمة أصلًا. م: (والفرق ما نذكره إن شاء الله تعالى) ش: وهو قوله لأن بيعه جائز تعرض للصيد إلا من يقف عليه بعد سبعة عشر أو ثمانية عشر شطرًا.
م: (والذي ينبته الناس عادة) ش: متصل بقوله وهو ما ينبته الناس. م: (عرفناه غير مستحق الأمن بالإجماع) ش: لأن الناس يزرعون في الحرم ويحصدون فيه من عصر النبي ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير من أحد. م: (ولأن المحرم المنسوب إلى الحرم) ش: أي الذي يحرم قطعه هو الشجر الذي ينبت إلى الحرم. م: (والنسبة إليه على الكمال عند عدم النسبة إلى غيره بالإنبات) ش: أي بإنبات أحد. م: (وما لا ينبت) ش: على صيغة المجهول. م: (عادة) ش: أي من حيث العادة. م: (إذا أنبته إنسان التحق بما ينبته عادة) ش: أراد بالالتحاق أن لا يجب بقطعه شيء بحرمة الحرم.
م: (ولو نبت بنفسه) ش: أي لو نبت ما لا ينبت عادة كأم غيلان بلا إنبات أحد. م: (في ملك رجل فعلى قاطعه قيمتان: قيمة لحرمة الحرم حقا للشرع، وقيمة أخرى) ش: أي تجب قيمة أخرى. م: (ضمانا) ش: أي للضمان. م: (لمالكه كالصيد المملوك في الحرم) ش: حيث يجب فيه قيمتان: إحداهما لحرمة الحرم والأخرى لصاحب الصيد.
فإن قيل: النبات يملك بالأخذ، فكيف تجب القيمة بعد ذلك. وأجيب بأن قوله ﷺ : «الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار» ، محمول على خارج الحرم، وأما حكم الحرم فبخلافه؛ لأنه حرام التعرض بالنص كصيده.
стр. 2252
وما جف من شجر الحرم لا ضمان فيه؛ لأنه ليس بنام. ولا يرعى حشيش الحرم، ولا يقطع إلا الإذخر. وقال أبو يوسف ﵀: لا بأس بالرعي؛ لأن فيه ضرورة، فإن منع الدواب عنه متعذر. ولنا ما روينا، والقطع بالمشافر كالقطع بالمناجل، وحمل الحشيش من الحل ممكن فلا ضرورة فيه، بخلاف الإذخر؛ لأنه استثناه النبي ﷺ
ــ
[البناية]
فإن قيل: الحرم غير مملوك لأحد، فكيف يتصور قوله - وقيمة أخرى ضمانًا لمالكه - وأجيب بأنه على قول من يرى بملك أرض الحرم، وهو قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله -.
م: (وما جف من شجر الحرم لا ضمان فيه؛ لأنه ليس بنام) ش: لأنه لو وجب الضمان فيه لتضرر أهل الحرم في إيقاد النار؛ لأن ما جف بمنزلة الميت من الصيد. م: (ولا يرعى حشيش الحرم، ولا يقطع إلا الإذخر) ش: وهو نبت بمكة معروف، وبه قال الشافعي ومالك - رحمهما الله -. وفي " المحلى " لا يحل لأجل قطع شيء من شجر الحرم ولا شوكه ولا من حشيش حاشًا الإذخر، واستثنى مالك والشافعي - رحمهما الله - السنا أيضًا. قال: وهو خلاف أمر رسول الله ﷺ ويجب الضمان بإتلاف الشجر، وهو مروي عن ابن عباس ﵄ وعطاء، وبه قال مالك، والشافعي، وابن حنبل، ويحرم قطع الشجر والعوسج وبه قال مالك، وابن حنبل، وعطاء. وعن مجاهد، وعمرو بن دينار، والشافعي: لا يحرم، وهو مردود بقوله ﵊: " «لا يعضد شوكها» في حديث ابن عباس ﵄ في " الصحيحين ".
وقال الشافعي: لا قطع في الشجرة المؤذية كقتل الصيد المؤذي وهو قياس بعيد في مقابلة النص فهو فاسد الوضع، كاستدلال الشافعية بخبر الواحد فيما تعم به البلوى، واختار المتولي منهم أنه مضمون، وقطع إمام الحرمين، والغزالي، إلى أن تحريم الشجرة مما لا ينبته الناس.
م: (وقال أبو يوسف ﵀: لا بأس بالرعي) ش: وبه قال الشافعي، ومالك. م: (لأن فيه ضرورة، فإن منع الدواب عنه متعذر. ولنا ما روينا) ش: وهو قوله ﵊: «لا يختلى خلالها» . م: (والقطع بالمشافر كالقطع بالمناجل) ش: هذا جواب عما يقال النص في القطع لا في الرعي، والمشافر جمع مشفرة، ومشفر البعير كالجحفلة من الفرس، والشفر من الإنسان، والمناجل جمع منجل بكسر الميم، وهو الحديد الذي يحصد به الزرع. م: (وحمل الحشيش من الحل ممكن) ش: هذا جواب عن قول أبي يوسف ﵀؛ لأن فيه ضرورة تقريره سلمنا أن النص في القطع لا في الرعي، لكن لا نسلم الضرورة؛ لأن حمل الحشيش من الحل إلى خارج الحرم ممكن. م: (فلا ضرورة، بخلاف الإذخر) ش: هذا جواب أيضًا عما يقال: ما بال الإذخر لم يحرم رعيه، ولا ضرورة فيه، فأجاب بقوله: بخلاف الإذخر.
م: (لأنه) ش: أي لأن الإذخر. م: (استثناه النبي ﷺ ) ش: وهو في حديث طويل أخرجه الأئمة
стр. 2253
فيجوز قطعه ورعيه، وبخلاف الكمأة؛ وذلك لأنها ليست من جملة النبات،
وكل شيء فعله القارن مما ذكرنا أن فيه على المفرد دما فعليه دمان: دم لحجته، ودم لعمرته. وقال الشافعي ﵀: دم واحد بناء على أنه محرم بإحرام واحد عنده، وعندنا بإحرامين. وقد مر من قبل. قال: إلا أن يتجاوز الميقات غير محرم بالعمرة أو الحج فيلزمه دم واحد
ــ
[البناية]
الستة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ «لما فتح الله على رسوله مكة..» الحديث، وقد ذكرناه عن قريب. وفي آخره: الإذخر. م: (فيجوز قطعه ورعيه) ش: لاستثناء الشارع في أمره. م: (وبخلاف الكمأة) ش: معطوف على قوله بخلاف الإذخر. م: (وذلك لأنها ليست من جملة النبات) ش: إنما هو شيء مزروع في الأرض ينبت من ماء السماء لا من الأرض في النبات ينبت من الأرض ومائها، كذا قال في " الكافي "، والكمأة بفتح الكاف، وسكون الميم، وفتح الهمزة جمع كم على عكس ثمرة.
فإن قيل: النص عام، وقد خص منه الإذخر بالنص أو الإجماع، فلم لا يجوز تخصيصه بغير الرعي والضرورة.
قلنا: الإذخر خص بالاستثناء المتصل، والكمأة تداخله، فلا يجوز تخصيصه المتراخي يجوز عند بعض أصحابنا، كذا قيل. وفي " المبسوط "، و" البدائع ": تأويل الحديث أنه ﷺ كان من قصد فيه الاستثناء، فسبقه العباس ﵁ أو كان أوحي إليه أنه يرخص فيما سبقه العباس، أو أن النبي ﷺ عممه، فجاء جبريل ﷺ بالرخصة، فقال: «إلا الإذخر» .
م: وكل شيء فعله القارن مما ذكرنا) ش: يعني من الجنايات. م: أن فيه على المفرد دما فعليه) ش: أي على القارن. م: (دمان: دم لحجته، ودم لعمرته. وقال الشافعي ﵁: دم واحد) ش: أي عليه دم واحد، وبه قال مالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه. م: (بناء على أنه محرم بإحرام واحد عنده) ش: لأن إحرام العمرة داخل في إحرام الحجة عنده، حتى إن القارن يطوف طوافًا واحدًا ويسعى سعيين.
م: (وعندنا بإحرامين. وقد مر من قبل) ش: أراد به ما ذكره بقوله: في باب القران الاختلاف بيننا وبين الشافعي ﵁ بناء على أن القارن عندنا يطوف طوافين ويسعى سعيين، وعنده طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا.
م: (إلا أن يتجاوز) ش: وفي بعض النسخ، قال: أي القدوري. م: (إلا أن يتجاوز القارن) ش: وفي بعض نسخ القدوري ﵀ إلا أن يجاوز من باب المفاعلة، والأول من باب التفاعل وهذا استثناء من قوله: فعليه دمان، إلا في هذه المسألة، وفيه نظر؛ لأن للقارن دمان، أي على القارن دمان في كل موضع يجب فيه على المفرد دم إلا في صورة واحدة، وهي أن يجاوز. م: (الميقات غير محرم) ش: أي حال كونه غير محرم. م: (بالعمرة أو الحج فيلزمه دم واحد) ش: وفي
стр. 2254
خلافا لزفر ﵀ لما أن المستحق عليه عند الميقات إحرام واحد، وبتأخير واجب واحد لا يجب إلا جزاء واحد.
وإذا اشترك محرمان في قتل صيد فعلى كل واحد منهما جزاء كامل؛ لأن كل واحد منهما بالشركة يصير جانيا جناية تفوق الدلالة، فيتعدد الجزاء بتعدد الجناية. وإذا اشترك حلالان في قتل صيد الحرم فعليهما جزاء واحد؛ لأن الضمان بدل عن المحل لا جزاء عن الجناية فيتحد باتحاد المحل، كرجلين قتلا رجلا خطأ تجب عليهما دية واحدة، وعلى كل واحد منهما كفارة.
ــ
[البناية]
بعض النسخ يلزمه لذلك الدم دم واحد. وقال القدوري في " شرح مختصر الكرخي ": وليس في الأصول معنى يجب على المفرد دم، وعلى القارن دم، إلا في هذه المسألة ففيه نظر؛ لأن القارن إذا أفاض قبل الإمام عليه دم واحد، وكذا إذا أدى طواف الزيارة جنبًا، أو محدثًا، وقد رجع إلى أهله يجب عليه دم واحد، وكذلك إذا وقف القارن بعرفة ثم قتل صيدًا. م: (خلافا لزفر ﵀) ش: فإن عنده يجب عليه دمان.
م: (لما أن المستحق عليه عند الميقات إحرام واحد) ش: هذا تعليل لنا لا لزفر، أي الواجب عليه عند عبور الميقات أحد الإحرامين هو إحرام واحد للعمرة. م: (وبتأخير واجب واحد، لا يجب إلا جزاء واحد) ش: ألا ترى أنه لو أحرم بالعمرة عند الميقات، ثم جاوز، ثم أحرم بالحج لا شيء عليه مع أنه قارن، بخلاف سائر المحظورات، فإنه صار بجنايته مرتكبًا به محظورة إحرامين، فيدخل النقص فيهما، وهاهنا ليس كذلك، وكذا لو أهل بعمرته بعدما جاوز ثم أهل بحجته بمكة فعليه دم واحد بتأخيره إحرام العمرة.
م: (وإذا اشترك محرمان في قتل صيد فعلى كل واحد منهما جزاء كامل) ش: وهو قول الحسن، والشعبي، وسعيد بن جبير، والنخعي، والثوري، وبه قال مالك، والمتولي من الشافعية، وهو رواية عن أحمد، واختيار أبي بكر من الحنابلة. وعن ابن عمر بن الخطاب ﵄، وطاووس، والزهري، وحماد بن أبي سليمان، والأوزاعي، أن عليهما جزاء واحد. م: (لأن كل واحد منهما بالشركة يصير جانيا جناية تفوق الدلالة، فيتعدد الجزاء بتعدد الجناية) ش: الشافعي ﵁ يقول: هو ضمان المحل، والمحل واحد، ونحن نقول: هو ضمان الفعل، والفعل متعدد.
م: (وإذا اشترك حلالان في قتل صيد الحرم فعليهما جزاء واحد؛ لأن الضمان بدل عن المحل لا جزاء عن الجناية فيتحد) ش: أي الجزاء. م: (باتحاد المحل) ش: والمحل واحد، والجزاء واحد على كل واحد منهما نصف قيمة الصيد، وإن كانوا أكثر من ذلك ضم الضمان على عددهم. م: (كرجلين قتلا رجلا خطأ تجب عليهما دية واحدة) ش: لأنه لا ضمان المحل. م: (وعلى كل واحد منهما كفارة) ش: لأنها ضمان الفعل.
стр. 2255
وإذا باع المحرم الصيد أو ابتاعه فالبيع باطل؛ لأن بيعه حيا تعرض للصيد بتفويت الأمن وبيعه بعدما قتله بيع ميتة. ومن أخرج ظبية من الحرم فولدت أولادا فماتت هي. وأولادها فعليه جزاؤهن؛ لأن الصيد بعد الإخراج من الحرم بقي مستحقا للأمن شرعا، ولهذا وجب رده إلى مأمنه، وهذه صفة شرعية فتسري إلى الأولاد. فإن أدى جزاءها ثم ولدت ثم ماتت الأولاد ليس عليه جزاء الولد؛ لأن بعد أداء الجزاء لم تبق آمنة
ــ
[البناية]
م: (وإذا باع المحرم الصيد أو ابتاعه) ش: أي اشتراه. م: (فالبيع باطل؛ لأن بيعه حيا) ش: أي لأن بيع المحرم الصيد حال كونه حيًا. م: (تعرض للصيد بتفويت الأمن وبيعه بعدما قتله بيع ميتة) ش: وكلاهما باطل فيكون البيع باطلًا. وقال الناطقي: لو اشترى، أو باع حال إحرامه الصيد، نقض الحاكم البيع، وإن قبضه المشتري فاستهلكه، والبائع محرم، والمشتري حلال، فعلى البائع قيمة الصيد للكفارة، ولا ضمان عليه للبائع إن كان صاده حال إحرامه، وإن صاده وهو حلال ثم أحرم ثم باعه حال إحرامه فعلى المشتري قيمته للبائع. م: (ومن أخرج ظبية من الحرم فولدت أولادا فماتت هي وأولادها فعليه جزاؤهن) ش: أي جزاء الأم والأولاد. م: (لأن الصيد بعد الإخراج من الحرم بقي مستحقا للأمن شرعا) ش: يعني بعد إخراجه من الحرم متصف بوصف شرعي وهو الأمن. وإذا كان كذلك بقي مستحقًا بأن يكون آمنًا من جهة الشرع، ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] (آل عمران: الآية ٩٧) ، فبقي معه هذا الوصف.
م: (ولهذا) ش: أي ولأجل استحقاقه الأمن شرعًا. م: (وجب رده إلى مأمنه، وهذه صفة شرعية) ش: أي كون الصيد واجب الرد إلى المأمن، أي إلى موضع أمانه، وهو الحرم صفة شرعية. م: (فتسري إلى الأولاد) ش: يعني يثبت وجوب الرد إلى الحرم في الأولاد أيضًا؛ لأن الأوصاف القارة في الأمهات تسري إلى الأولاد، كالحرية، والكتابة، والتدبير.
فإن قلت: ينتقض هذا بولد المغصوبة، فإنها واجب الرد، ولم يسر إلى والدها.
قلت: صفة المغصوبية ليست بصفة شرعية فلا يتعدى إلى الولد.
فإن قلت: المضمونية صفة شرعية، فينبغي أن تتعدى.
قلت: هي صفة غير لازمة، فلا تسري، بخلاف التدبير وغيره، فإنه صفة لازمة، وفي " جامع قاضي خان ": إن سبب وجوب الضمان في المغصوب تفويت اليد، ولم يوجد ذلك في الأولاد لا حقيقة، ولا حكمًا؛ لأن المالك لم يطالب الأولاد حتى إذا طالبه وامتنع كان ضامنًا، أما حق الرد لله تعالى في كل ساعة، فإذا لم يرد ومنع كان ضامنًا من وقت المنع.
م: (فإن أدى جزاءها) ش: أي جزاء الظبية. م: (ثم ولدت ثم ماتت الأولاد ليس عليه جزاء الولد؛ لأن بعد أداء الجزاء لم تبق آمنة) ش: أي مستحقة الأمن، فحينئذ لم تبق الأولاد مستحقة للأمن
стр. 2256
لأن وصول الخلف كوصول الأصل، والله أعلم بالصواب.
ــ
[البناية]
أيضًا لحدوثها على ملكه خارج الحرم، وهو معنى قوله. م: (لأن وصول الخلف) ش: وهو القيمة إلى الفقراء. م: (كوصول الأصل) ش: وهو الصيد إلى الحرم، ألا ترى أنه لو غصب جارية فأدى قيمتها ثم ولدت أولادًا فاستهلكها وأولادها لا يجب عليه شيء فكذا هاهنا، كذا في " الجامع المحبوبي " وكذا فسر الإمام حميد الدين الضرير ﵀ قوله: لأن وصول الخلف كوصول الأصل، وقيد بقوله: لأن وصول قيمة الصيد إلى فقراء مكة، بمنزلة وصول الصيد إلى الحرم.
وقال الأترازي: فيه نظر؛ لأنه يجوز أن يصرف القيمة إلى فقراء مكة وغيرهم عندنا، فإذا أدى الجزاء إلى غيرهم يسقط أيضًا مع أنه لم يصل الخلف إلى فقرائها، فلا يستقيم التعليل بأن وصول الخلف إلى فقراء مكة كوصول الأصل إلى الحرم، انتهى.
قلت: فنظيره غير موجه، فلا يرد شيء على المصنف، ولا على الشيخ حميد الدين الضرير، أما المصنف فإنه أطلق هو، ويشمل الوصول إلى فقراء مكة، والى غير فقرائها، وقال الشيخ حميد الدين الضرير ﵀: فإنه قيده باعتبار الغالب، والله أعلم الصواب.
стр. 2257
باب مجاوزة الوقت بغير إحرام وإذا أتى الكوفي بستان بني عامر فأحرم بعمرة
ــ
[البناية]
[باب مجاوزة الميقات بغير إحرام]
م: (باب مجاوزة الوقت بغير إحرام) ش: أي: هذا باب في بيان حكم من جاوز الميقات بغير إحرام، ولما فرغ من بيان حكم الجناية الواقعة بعد الإحرام شرع في باب الجناية الواقعية قبل الإحرام، فاشتركا في معنى الجناية، لكن لما كانت الجناية بعد الإحرام على الكمال قدم بيانها على هذا الباب، والمجاوزة من باب المفاعلة التي تكون بين الاثنين، ولكنها بمعنى الجواز كما في قوله ﵎: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] (آل عمران: الآية ١٣٣) بمعنى أسرعوا الوقت، قال في " الجمهرة ": الوقت معروف اسم واقع على الساعة في الزمان والحين، فعلى هذا يكون استعمال الوقت في معنى المكان مجازًا كما استعمل المكان في معنى الزمان مجازًا في قَوْله تَعَالَى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا﴾ [آل عمران: ٣٨] (آل عمران: الآية ٣٨) .
وقال الجوهري: الوقت معروف، والميقات الوقت المضروب للفعل والموضع، يقال: هذا ميقات أهل الشام للموضع الذي يحرمون منه فعلى هذا يكون إطلاق الميقات على مكان الإحرام حقيقة لاستعمال أهل اللغة الميقات في معنى المكان. قال الأترازي ﵀: ولا يخلو من تأمل، وقال الأكمل ناقلًا عن غيره:
فإن قيل: كان الواجب أن لا يجب على من جاوز الميقات بغير إحرام شيء؛ لأن المحرم للأشياء الموجبة للكفارة هو الإحرام، والإحرام غير موجود في ذلك الوقت.
فالجواب: أن من جاوز الميقات بغير إحرام ارتكب المنهي عنه، وتمكن به في حجه نقصان، ونقصانه يجبر بالدم إلا إذا تدارك ذلك في أوانه بالرجوع إلى الميقات ملبيًا قبل أن يطوف، انتهى.
قلت: مذهب الحسن البصري، والنخعي، أن الإحرام من الميقات غير واجب، فلا يجب عليه شيء إذا جاوز الميقات بغير إحرام.
وفي " المبسوط ": ولو جاوزه وأحرم انعقد إحرامه إلا عند سعيد بن جبير فإنه قال: لا ينعقد إحرامه، فإن رجع إلى الميقات قبل التلبس بأفعال الحج بالإحرام سقط عنه الدم عند أكثر العلماء.
[الحكم لو جاوز الكوفي ذات عرق بلا إحرام]
م: (وإذا أتى الكوفي) ش: أي الرجل من أهل الكوفة. م: (بستان بني عامر) ش: هو موضع قريب من مكة داخل الميقات خارج الحرم. م: (فأحرم بعمرة) ش: يعني المسألة ما إذا جاوز ذات عرق بلا إحرام، ودخل البستان، وكان من نيته الحج أو العمرة؛ لأنه لو لم يكن من ذلك، ولم يرد دخول مكة في أوان الميقات ثم أنشأ الإحرام لم يجب عليه شيء لحرمة الوقت، وذات عرق
стр. 2258
فإن رجع إلى ذات عرق ولبى بطل عنه دم الوقت، وإن رجع إليه ولم يلب حتى دخل مكة وطاف لعمرته فعليه دم، وهذا قول أبي حنيفة ﵀، وقالا: إن رجع إليه محرما فليس عليه شيء لبى أو لم يلب. وقال زفر - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لا يسقط لبى أو لم يلب؛ لأن جنايته لم ترتفع بالعود، وصار حكمه كما إذا أفاض من عرفات ثم عاد إليه بعد الغروب. ولنا أنه تدارك المتروك في أوانه، وذلك قبل الشروع في الأفعال فيسقط الدم، بخلاف الإفاضة؛ لأنه لم يتدارك المتروك على ما مر. غير أن التدارك عندهما بعوده محرما؛ لأنه أظهر حق الميقات كما إذا مر به محرما ساكنا.
ــ
[البناية]
ميقات أهل العراق، وقال القرطبي: ذات عرق عليه، أو عصية بينهما وبين مكة يومان، وبعض يوم.
م: (فإن رجع) ش: أي محرمًا قيدنا به؛ لأنه إذا رجع قبل الإحرام، وأحرم من الميقات لا شيء عليه عندنا، وعند الشافعي. م: (إلى ذات عرق) ش: التخصيص بذات عرق لظاهر حال الكوفي، وإلا فالرجوع إليه وإلى غيره من المواقيت سواء في ظاهر الرواية في سقوط الدم. وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: ينظر أنه إن عاد إلى ميقات آخر، وذلك الميقات يحاذي الميقات الأول سقط الدم، وإلا فلا. م: (ولبى بطل عنه دم الوقت) ش: أي دم الميقات.
م: (وإن رجع إليه ولم يلب حتى دخل مكة، وطاف لعمرته فعليه دم، وهذا) ش: أي هذا المذكور بالتفصيل. م: (قول أبي حنيفة ﵁، وقالا: إن رجع إليه) ش: أي إلى الميقات حال كونه. م: (محرما فليس عليه شيء لبى أو لم يلب) ش: وبه قال الشافعي في قول. م: (وقال زفر: لا يسقط لبى أو لم يلب) ش: وبه قال مالك ﵀، وأحمد، والشافعي في قول. م: (لأن جنايته لم ترتفع بالعود) ش: جنايته هو ترك الإحرام من الميقات فلا يرجع بعوده إلى الميقات؛ لأن بالعود الواجب عليه إنشاء تلبية واجبة عند الميقات، ووجوب التلبية عند الإحرام لا بعده.
م: (وصار حكمه كما إذا أفاض من عرفات ثم عاد إليه بعد الغروب. ولنا أنه تدارك المتروك في أوانه) ش: أي في أوان المتروك، والمتروك قضاء حق الفائت. م: (وذلك) ش: أي أوان المتروك. م: (قبل الشروع في الأفعال) ش: أي في أفعال الحج. م: (فيسقط الدم، بخلاف الإفاضة) ش: جواب عن قول زفر ﵀ كما إذا أفاض، أراد أن قياسه عليه غير صحيح. م: (لأنه لم يتدارك المتروك) ش: لأن المتروك هنا استدامة الوقوف إلى غروب الشمس، وبالعدة لم يحصل ذلك. م: (على ما مر) ش: أي في الجنايات. م: (غير أن التدارك عندهما) ش: أشار به إلى أن التدارك هل يحصل بمجرد العود، أو مع التلبية، فقال: إن التدارك عندهما أي عند أبي يوسف، ومحمد ﵄. م: (بعوده) ش: خلاف كونه محرمًا؛ لأنه أظهر حق الميقات وهو مجاوزته. م: (محرما؛ لأنه أظهر حق الميقات كما إذا مر به) ش: أي بالميقات حال كونه. م: (محرما ساكنا) ش: فلا يلزمه
стр. 2259
وعنده ﵀: بعوده محرما ملبيا؛ لأن العزيمة في حق الإحرام من دويرة أهله، فإذا ترخص بالتأخير إلى الميقات وجب عليه قضاء حقه بإنشاء التلبية وكان التلافي بعوده ملبيا، وعلى هذا الخلاف إذا أحرم بحجة بعد المجاوزة مكان العمرة في جميع ما ذكرناه. ولو عاد بعدما ابتدأ بالطواف، واستلم الحجر لا يسقط عنه الدم بالاتفاق، ولو عاد إليه قبل الإحرام يسقط عنه بالاتفاق. وهذا الذي ذكرناه إذا كان يريد الحج أو العمرة، فإن دخل البستان لحاجته فله أن يدخل مكة بغير إحرام، ووقته البستان، وهو وصاحب المنزل سواء؛ لأن البستان غير واجب التعظيم فلا يلزمه الإحرام بقصده، وإذا دخله التحق بأهله
ــ
[البناية]
شيء، وكلاهما حالان مترادفان، أو متداخلان.
م: (وعنده) ش: أي عند أبي حنيفة ﵁. م: (بعوده) ش: أي التدارك بعوده حال كونه. م: (ملبيا) ش: كلاهما أيضًا حالان مثل ذاك. م: (لأن العزيمة) ش: أي الميقات. م: (في حق الإحرام من دويرة أهله) ش: أي لأن الأخذ بما أوجب الله عليه في الإحرام أن يكون من دويرة أهله في حق الآفاقي، قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦) على ما مر فيما مضى.
م: (فإذا ترخص بالتأخير) ش: أي بتأخير الإحرام. م: (إلى الميقات وجب عليه قضاء حقه بإنشاء التلبية) ش: أي قضاء حق الميقات بالإتيان بالتلبية. م: (وكان التلافي بعوده ملبيا) ش: أي بالتدارك في عوده إلى الميقات حال كونه ملبيًا فإذا عاد ملبيًا فقد أتى بجميع المستحق عليه. م: (وعلى هذا الخلاف) ش: أي الخلاف المذكور. م: (إذا أحرم بحجة بعد المجاوزة) ش: عن الميقات. م: (مكان العمرة في جميع ما ذكرناه) ش: من الأشياء.
م: (ولو عاد) ش: على الميقات. م: (بعدما ابتدأ بالطواف، واستلم الحجر لا يسقط عنه الدم بالاتفاق) ش: أي باتفاق علمائنا، والشافعي في قول، ومالك، وأحمد، والفاء في فاستلم تفسيرًا للشروع في الطواف لبيان المعتبر في ذلك الشرط، وإن عاد قبله فعلى الخلاف المذكور. م: (ولو عاد إليه) ش: أي إلى الميقات. م: (قبل الإحرام يسقط عنه بالاتفاق) ش: وذلك لأنه استثناء التلبية الواجبة عند ابتداء الإحرام. م: (وهذا الذي ذكرناه) ش: من الأحكام. م: (إذا كان يريد الحج أو العمرة، فإن دخل البستان لحاجته فله أن يدخل مكة بغير إحرام) ش: كما يجوز للبستاني. م: (ووقته) ش: أي ميقاته. م: (البستان، وهو وصاحب المنزل سواء؛ لأن البستان غير واجب التعظيم) ش: إذ ليس فيه ما يوجب التعظيم. م: (فلا يلزمه الإحرام بقصده) ش: أي البستان.
م: (وإذا دخله) ش: أي البستان. م: (التحق بأهله) ش: أي بأهل البستان سواء نوى الإقامة خمسة عشر يومًا، أو لم ينو، وعن أبي يوسف ﵀: لو نوى الإقامة خمسة عشر يومًا فالجواب على ما ذكر، يعني إن نوى أن يقيم به خمسة عشر يومًا جاز له أن يدخله مكة بغير
стр. 2260
وللبستاني أن يدخل مكة بغير إحرام للحاجة فكذلك له ذلك. والمراد بقوله: ووقته البستان جميع الحل الذي بينه وبين الحرم وقد مر من قبل، فكذا وقت الداخل الملتحق به، فإن أحرما من الحل ووقفا بعرفة لم يكن عليهما شيء يريد به البستاني والداخل فيه؛ لأنهما أحرما من ميقاتهما.
ومن دخل مكة بغير إحرام، ثم خرج من عامه ذلك إلى الوقت، وأحرم بحجة عليه أجزأه ذلك من دخوله مكة بغير إحرام وقال زفر ﵀: لا تجوز، وهو القياس اعتبارا بما لزمه بسبب النذر، وصار كما إذا تحولت السنة. ولنا أنه تلافى المتروك في وقته؛ لأن الواجب عليه تعظيم هذه البقعة بالإحرام، كما إذا أتاه محرما بحجة الإسلام في الابتداء
ــ
[البناية]
إحرام؛ لأنه صار وطنًا له، وإن لم ينو الإقامة فلا يجوز له دخول مكة بغير إحرام؛ لأنه ليس من أهله فلا يعتبر.
[دخول البستاني مكة بغير إحرام]
م: (وللبستاني أن يدخل مكة بغير إحرام للحاجة فكذلك له ذلك) ش: أي الذي دخل البستان لحاجته أن يدخل مكة بغير إحرام، كما يجوز للبستاني؛ لأنه التحق بأهل البستان. م: (والمراد بقوله) ش: أي بقول محمد ﵀ في " الجامع الصغير ". م: (ووقته البستان جميع الحل الذي بينه وبين الحرم وقد مر من قبل) ش: أراد به ما ذكره في فصل المواقيت بقوله: ومن كان داخل الميقات فوقته الحل، معناه: الحل الذي بين المواقيت وبين الحرم. م: (فكذا) ش: أي فكذا يكون. م: (وقت الداخل) ش: أي ميقاته. م: (الملتحق به) ش: أي بالبستاني. م: (فإن أحرما) ش: أي البستاني والملتحق به. م: (من الحل ووقفا بعرفة لم يكن عليهما شيء) ش: لأنهما بالميقات على ما يجيء الآن. م: (يريد به البستاني والداخل فيه) ش: أي في البستان. م: (لأنهما أحرما من ميقاتهما) ش: وهو الحل.
[دخل مكة بغير إحرام ثم خرج من عامه ذلك إلى الوقت وأحرم بحجة]
م: (ومن دخل مكة بغير إحرام، ثم خرج من عامه ذلك إلى الوقت) ش: أي إلى الميقات. م: (وأحرم بحجة عليه) ش: يعني حجة الإسلام، أو حجة منذورة، أو عمرة منذورة. م: (أجزأه ذلك) ش: عما لزمه. م: (من دخوله مكة بغير إحرام) ش: يعني يسقط عنه ما وجب عليه من العمرة أو الحجة بسبب دخول مكة بغير إحرام، وذكر في " الإيضاح "، و" شرح الأقطع "، و" شرح مختصر الكرخي " غيرها. م: (وقال زفر: لا تجوز، وهو القياس اعتبارا بما لزمه بسبب النذر) ش: فإنه إذا كان عليه حجة، وجبت بالنذر، وحج حجة الإسلام فإنه لا يسقط بها المنذورة فكذلك هاهنا، والجامع أن كل واحدة منهما واجبة بسبب غير سبب الأخرى. م: (وصار ذلك كما إذا تحولت السنة) ش: التي دخل فيها مكة ثم حج فإنه لا يقوم مقام ما لزمه بدخول مكة بلا خلاف.
م: (ولنا أنه تلافى) ش: أي تدارك. م: (المتروك في وقته) ش: وهو السنة التي دخل فيها مكة. م: (لأن الواجب عليه تعظيم هذه البقعة) ش: أي الكعبة. م: (بالإحرام) ش: يعني لما انتهى إلى الميقات كان حقه أن يجاوزه بإحرام يؤدي أفعاله في تلك السنة لا في سنة أخرى. م: (كما إذا أتاه) ش: أي البقعة التي هي مكة حال كونه. م: (محرما بحجة الإسلام في الابتداء) ش: يعني من أول الأمر، فإنه يجزئه
стр. 2261
بخلاف ما إذا تحولت السنة؛ لأنه صار دينا في ذمته، فلا يتأدى إلا بإحرام مقصود كما في الاعتكاف المنذور، فإنه يتأدى بصوم رمضان من هذه السنة دون العام الثاني.
ومن جاوز الوقت فأحرم بعمرة، وأفسدها مضى فيها وقضاها؛ لأن الإحرام يقع لازما فصار كما إذا أفسد الحج، وليس عليه دم لترك الوقت، وعلى قياس قول زفر ﵀ لا يسقط عنه، وهو نظير الاختلاف في فائت الحج إذا جاوز الوقت بغير إحرام
ــ
[البناية]
عن حجة الإسلام التي نوى، وعما لزمه بدخول مكة. م: (بخلاف ما إذا تحولت السنة؛ لأنه صار دينا في ذمته) ش: بمضي وقت الحج. م: (فلا يتأدى إلا بإحرام مقصود) ش: أي قصدي. م: (كما في الاعتكاف المنذور) ش: أي كما إذا نذر أن يعتكف شهر رمضان هذا. م: (فإنه يتأدى بصوم رمضان من هذه السنة دون العام الثاني) ش: يعني إذا لم يعتكف شهر رمضان الذي نذر فيه الاعتكاف حتى جاز رمضان العام الثاني فصامه فاعتكف فيه قضاء عما عليه لم يعتكف؛ لأنه لما لم يعتكف في الرمضان الأول، صار الصوم مقصودًا، فلم يتأد إلا بصوم مقصود، كذا هذا.
فإن قيل: سلمنا أن الحج يتحول إلى السنة، ويصير دينًا، ولكن لا نسلم أن العمرة تصير دينًا؛ لأنها موقتة فينبغي أن تسقط العمرة الواجبة بدخول مكة بغير إحرام بالعمرة المنذورة في السنة الثانية، كما تسقط هي بها في السنة الأولى.
أجيب بأنه لا شك أن العمرة يكره تأخيرها إلى أيام النحر والتشريق، فإذا أخرها إلى وقت يكره صار كالمعقول لها، فصارت دينًا.
[جاوز الوقت فأحرم بعمرة وأفدسدها]
م: (ومن جاوز الوقت) ش: أي الميقات. م: (فأحرم بعمرة، وأفسدها) ش: أي العمرة أفسدها بجماع. م: (مضى فيها وقضاها) ش: أي العمرة ثم يقضيها. م: (لأن الإحرام يقع لازما) ش: أي لأنه عقد لازم لا يخرج الرغبة بعد الشروع فيهما إلا بأداء الأفعال، وأما القضاء فلأنه التزم الأداء على وجه الصحة، ولم يفعل. م: (فصار) ش: أي حكم هذا. م: (كما إذا أفسد الحج) ش: فإنه يقضيه فكذلك هذا. م: (وليس عليه دم لترك الوقت) ش: لأنه إذا فصلها بإحرام الميقات ينجبر به ما نقص من حق الوقت بالمجاوزة بغير إحرام، فيسقط عنه الدم كمن سها في الصلاة، ثم أفسدها ثم قضاها سقط عنه سجود السهو. م: (وعلى قياس قول زفر ﵁: لا يسقط عنه) ش: الدم لبى أو لم يلب؛ لأن جنايته لا ترتفع بالعود، وكذا إذا جاوز الميقات ثم أحرم بعمرة، ثم وجب عليه القضاء بالإفساد، ولا يسقط عنه الدم بالقضاء لعدم ارتفاع الجناية بالقضاء قياسًا على تلك المسألة.
م: (وهو نظير الاختلاف) ش: أي هذا الاختلاف بيننا وبين زفر ﵀ أن الدم الواجب بالمجاوزة عن الميقات يسقط بالقضاء عندنا ولا يسقط عنده نظير الاختلاف الواقع. م: (في فائت الحج إذا جاوز الميقات بغير إحرام) ش: ثم أحرم بالحج وفاته الحج بفوات الوقوف بعرفات،
стр. 2262
وفيمن جاوز الوقت بغير إحرام وأحرم بالحج ثم أفسد حجه. وهو يعتبر المجاوزة هذه بغيرها من المحظورات. ولنا أنه يصير قاضيا حق الميقات بالإحرام منه في القضاء، وهو يحكي الفائت ولا ينعدم به غيره من المحظورات فوضح الفرق.
وإذا خرج المكي يريد الحج، فأحرم ولم يعد إلى الحرم ووقف بعرفة فعليه شاة؛ لأن وقته الحرم، وقد جاوزه بغير إحرام، فإن عاد إلى الحرم ولبى أو لم يلب فهو على الاختلاف الذي ذكرناه
ــ
[البناية]
وتحلل بأفعال العمرة، ووجب عليه القضاء من قابل يسقط الدم الواجب بالمجاوزة بغير إحرام لوجوب القضاء عندنا خلافًا له. م: (وفيمن جاوز الوقت) ش: عطفًا على قوله في فائت الحج، أي ونظير الاختلاف أيضًا بيننا وبينه فيمن جاوز الوقت، أي الميقات. م: (بغير إحرام وأحرم بالحج ثم أفسد حجه) ش: بالجماع قبل الوقوف بعرفات فوجب عليه المضي والقضاء، ويسقط عنه دم المجاوزة عندنا خلافًا له.
م: (هو) ش: أي زفر ﵀. م: (يعتبر المجاوزة هذه) ش: أي يقيس المجاوزة هذه. م: (بغيرها) ش: أي بغير المجاوزة. م: (من المحظورات) ش: كالتطيب واللبس والحلق، فإن الدم الواجب فيها لا يسقط بقضاء الحج أو العمرة، فكذا هذا.
م: (ولنا أنه يصير قاضيا حق الميقات بالإحرام منه) ش: أي من الميقات في. م: (في القضاء، وهو) ش: أي القضاء. م: (يحكي الفائت) ش: فينعدم المعنى الذي لأجله وجب الدم، وهو أداء الواجب الحج بإحرام بعد مجاوزة الميقات. م: (ولا ينعدم به) ش: أي بالقضاء. م: (غيره) ش: أي غير هذا المحظور. م: (من المحظورات) ش: لأن الواجب بها النقصان يمكن في الإحرام الأول، والجبر لا يقع بأصل العبادة كسجدة في الصلاة يقع بها الجبر، وبأصل الصلاة لا يقع، أما هاهنا الدم وجب بترك أصل الإحرام من الوقت، وقد أتى بأصل الإحرام في الوقت في القضاء، فينوب عما ترك؛ لأن أصل الصلاة عن الأصل، أما الأصل فلا ينوب عن التبع، كذا في " المبسوط "، وهو معنى قوله. م: (فوضح الفرق) ش: أي بين ما نحن فيه، وبين ما قاس عليه زفر.
[خرج المكي يريد الحج فأحرم ولم يعد إلى الحرم ووقف بعرفة]
م: وإذا خرج المكي) ش: يعني من الحرم حال كونه. م: يريد الحج، فأحرم) ش: يعني للحج. م: ولم يعد إلى الحرم ووقف بعرفة فعليه شاة) ش: لأنه لما خرج عن الحرم ثم أحرم بالحج فصار كالآفاقي إذا جاوز الميقات ثم أحرم فوجب عليه شاة لزكى حرمة الميقات كما وجب على الآفاقي. م: (لأن وقته) ش: أي لأن ميقاته. م: (الحرم، وقد جاوزه بغير إحرام) ش: إذا قيد بقوله يريد الحج؛ لأنه لو خرج من الحرم لأجل حاجته ثم أحرم بحج لا شيء عليه عاد، أو لم يعد؛ لأنه لما خرج إلى ذلك الموضع لحاجة صار من أهله، ووقت أهله كذا في " جامع الأسبيجابي ".
م: (فإن عاد إلى الحرم ولبى أو لم يلب فهو على الاختلاف الذي ذكرناه) ش: يعني عند أبي حنيفة يسقط عنه الدم بالعود والتلبية عند الحرم، وعندهما يسقط بمجرد العود، وعند زفر لا
стр. 2263
في الآفاقي.
و المتمتع إذا فرغ من عمرته ثم خرج من الحرم، فأحرم ووقف بعرفة فعليه دم؛ لأنه لما دخل مكة وأتى بأفعال العمرة صار بمنزلة المكي، وإحرام المكي من الحرم لما ذكرنا فيلزمه الدم بتأخيره عنه، فإن رجع إلى الحرم، فأهل فيه قبل أن يقف بعرفة فلا شيء عليه، وهو على الخلاف الذي تقدم في الآفاقي
ــ
[البناية]
يسقط، وإن لبى. م: (في الآفاقي) ش: ذكره قبل هذا في إتيان الكوفي في بستان بني عامر، قيل: الصواب الأفقي؛ لأن الآفاق جمع أفق، فالنسبة تكون للمفرد دون الجمع، ولم يسمع في كتب اللغة الآفاقي، وعن الأصمعي وابن السكيت الأفقي بفتحتين.
[المتمتع إذا فرغ من عمرته ثم خرج من الحرم فأحرم ووقف بعرفة]
م: (والمتمتع إذا فرغ من عمرته ثم خرج من الحرم، فأحرم) ش: بالحج. م: (ووقف بعرفة فعليه دم) ش: هذه المسألة من مسائل " الجامع الصغير "، وقيد فيه بالتمتع لأن إحرام القارن بحجة وعمرة ميقاتي فلا يرد هذا الحكم فيه. م: (لأنه لما دخل مكة، وأتى بأفعال العمرة صار بمنزلة المكي، وإحرام المكي من الحرم لما ذكرنا فيلزمه الدم بتأخيره عنه) ش: أي بتأخير الإحرام عن الوقت. م: (فإن رجع إلى الحرم، وأهل فيه) ش: أي أحرم، ولبى في الحرم. م: (قبل أن يقف بعرفة فلا شيء عليه، وهو على الخلاف الذي تقدم) ش: فيما مضى أن عند أبي حنيفة ﵁ يسقط عنه الدم إذا لبى، وعندهما: لا تشترط التلبية. وعند زفر ﵀: لا يسقط الدم في الحالين في الآفاقي إنما قال تقدم. م: (في الآفاقي) ش: فإن كان المتمتع أيضًا آفاقيًا؛ لأن المتمتع في آخر إحرام الحج كالمكي فافهم، والله أعلم، وبه التوفيق.
стр. 2264
باب إضافة الإحرام إلى الإحرام قال أبو حنيفة ﵀: إذا أحرم المكي بعمرة، وطاف لها شوطا ثم أحرم بالحج فإنه يرفض الحج، وعليه لرفضه دم، وعليه حجة وعمرة. وقال أبو يوسف، ومحمد - رحمهما الله -: رفض العمرة أحب إلينا، وقضاها، وعليه دم لرفضها؛ لأنه لا بد من رفض أحدهما؛ لأن الجمع بينهما في حق المكي غير مشروع، والعمرة أولى بالرفض؛ لأنها أدنى حالا وأقل أعمالا وأيسر قضاء لكونها غير موقتة، وكذا إذا أحرم بالعمرة ثم بالحج ولم يأت بشيء من أفعال
ــ
[البناية]
[باب إضافة الإحرام إلى الإحرام]
م: (باب إضافة الإحرام إلى الإحرام)
ش: أي هذا باب في بيان حكم إضافة الإحرام إلى الإحرام، ولما كانت هذه من أهل مكة، وممن منزله داخل الميقات جناية، وكذا إضافة إحرام العمرة إلى الحجة في الآفاقي عقب باب الجنايات بهذا الباب لكونه نوعًا من الجنايات.
م: (قال أبو حنيفة ﵁: إذا أحرم المكي بعمرة، وطاف لها شوطا ثم أحرم بالحج فإنه يرفض الحج، وعليه لرفضه دم، وعليه حجة وعمرة) ش: إنما قيد المكي لأن الآفاقي لو أحرم بعمرة فطاف له شوطًا ثم أحرم بحجة يمضي في الحج فيها، ولا يرفض الحج؛ لأن بناء أفعال الحج على أعمال العمرة صحيح في حقه عندنا، وعند الشافعي ﵁، ومالك: يصح في حق المكي أيضًا لمشروعية القران، والتمتع عندهما، وإنما قيد بقوله: وطاف لها شوطًا؛ لأنه إذا لم يطف للعمرة أصلًا يرفض العمرة بالاتفاق، وقيد بقوله: شوطًا، وأراد به أقل الأشواط، حتى إذا طاف شوطين، أو ثلاثة أشواط كان الخلاف فيه كما ذكره، أما إذا طاف للعمرة أكثر الأشواط يرفض الحج بالاتفاق.
م: (وقال أبو يوسف، ومحمد: رفض العمرة أحب إلينا) ش: لأنها أيسر قضاء، وأداء، وأخف مؤنة، فصارت أولى بالرفض على ما يجيء. م: (وقضاها) ش: أي العمرة. م: (وعليه دم لرفضها؛ لأنه لا بد من رفض أحدهما) ش: أي الحجة أو العمرة. م: (لأن الجمع بينهما) ش: أي الحجة والعمرة. م: (في حق المكي غير مشروع) ش: أي عندنا، خلافًا للشافعي، ومالك ﵄؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦) . م: (والعمرة أولى بالرفض) ش: من الحج. م: (لأنها أدنى حالا وأقل أعمالا وأيسر قضاء لكونها غير موقتة) ش: لأن العمرة سنة، والحج فريضة؛ لأن أداءها يمكن في جميع السنة إلا خمسة أيام يكره فيها.
م: (وكذا إذا أحرم بالعمرة ثم بالحج ولم يأت بشيء من أفعال العمرة لما قلنا) ش: برفض العمرة أيضًا بالاتفاق، وفي عبارته تسامح؛ لأنه عطف بقوله: وكذا المتفق عليه على المختلف فيه، وفيه تلبيس إذا أحرم بالعمرة ثم بالحج، ومات بشيء من أفعال العمرة كما قلنا هو قوله: لأنها
стр. 2265
العمرة لما قلنا. فإن طاف للعمرة أربعة أشواط، ثم أحرم بالحج رفض الحج بلا خلاف؛ لأن للأكثر حكم الكل فتعذر رفضها كما إذا فرغ منها، ولا كذلك إذا طاف للعمرة أقل من ذلك عند أبي حنيفة ﵀ وله أن إحرام العمرة قد تأكد بأداء شيء من أعمالها، وإحرام الحج لم يتأكد، ورفض غير المتأكد أيسر؛ ولأن في رفض العمرة، والحالة هذه إبطال العمل، وفي رفض الحج امتناعا عنه، وعليه دم بالرفض أيهما رفضه؛ لأنه تحلل قبل أوانه؛ لتعذر المضي فيه
ــ
[البناية]
أدنى حالًا، وأقل أعمالًا وأيسر قضاء. م: (فإن طاف للعمرة أربعة أشواط، ثم أحرم بالحج رفض الحج بلا خلاف؛ لأن للأكثر حكم الكل فيتعذر رفضها كما إذا فرغ منها) ش: أي من العمرة لعدم إمكان الرفض. م: (ولا كذلك إذا طاف للعمرة أقل من ذلك عند أبي حنيفة ﵁) ش: وفي بعضها: وكذلك بحذف كلمة " لا " من قوله: ولا كذلك، وقال السغناقي ﵁: قال الإمام حسام الدين ﵁: الصواب، وكذلك قال الكاكي أيضًا هو المثبت في نسخة المصنف، قال: وكذلك وجدت بخط شيخي.
وقال الأترازي في نسخته: ولا كذلك، هذا جواب سؤال مقدر بأن يقال: لما قال المصنف: فإن طاف للعمرة أربعة أشواط رفض الحج؛ لأن للأكثر حكم الكل، ورد عليه السؤال بأن يقال: كيف يرفض الحج على مذهب أبي حنيفة ﵁ فيما إذا طاف الأقل للعمرة، ولم يوجد الأكثر الذي له حكم الكل؟
فأجاب عنه وقال: ولا كذلك إذا طاف للعمرة أقل من ذلك، إلا أن أبا حنيفة ﵁ لا يعلل لرفض العملة فيما إذا طاف الأقل للعمرة لوجود الأكثر لم يعلل بعلة أخرى، وهي ما ذكره بقوله:
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵁. م: (أن إحرام العمرة قد تأكد بأداء شيء من أعمالها، وإحرام الحج لم يتأكد، ورفض غير المتأكد أيسر) ش: من رفض المتأكد وهذا لأن الحكم جاز أن يكون معلولًا بعلل شتى، وعدم الكل لعلة لا يوجب للكل عدم الحكم. م: (ولأن في رفض العمرة) ش: هذا وجه آخر لقوله: ولا كذلك، أي: والجواب أن في رفض العمرة وجود بعض أفعال العمرة، وأشار إليه بقوله. م: (والحالة هذه) ش: يعني، والحال أنه أتى بشيء من أفعال العمرة. م: (إبطال العمل) ش: بالنصب لأنه اسم إن، يعني أن إبطال العمل في الطواف الذي أتى به.
م: (وفي رفض الحج امتناع عنه) ش: أي ولأن في رفض الحج امتناعًا عن الإبطال، والامتناع أهون في الإبطال؛ لأن ما وقع معتد به، ولا كذلك إذا لم يفعل شيئًا. م: (وعليه دم بالرفض أيهما رفضه) ش: يعني الحج عنده والعمرة عندهما. م: (لأنه تحلل قبل أوانه) ش: بعد أداء الأفعال. م: (لتعذر المضي فيه) ش: لكون الجمع بينهما غير مشروع.
стр. 2266
فكان في معنى المحصر، إلا أن في رفض العمرة قضاءها لا غير، وفي رفض الحج قضاؤه وعمرة؛ لأنه في معنى فائت الحج. وإن مضى عليهما أجزأه لأنه أدى أفعالهما كما التزمهما، غير أنه منهي عنهما، والنهي لا يمنع تحقق الفعل على ما عرف من أصلنا. وعليه دم؛ لجمعه بينهما؛ لأنه تمكن النقصان في عمله لارتكابه المنهي عنه، وهذا في حق المكي دم جبر، وفي حق الآفاقي دم شكر.
ومن أحرم بالحج ثم أحرم يوم النحر بحجة أخرى
ــ
[البناية]
م: (فكان في معنى المحصر) ش: من حيث إنه تعذر المضي بعد الشروع، وعلى المحصر دم للتحلل، ويكون الدم دم جبر لا دم نسك على ما يأتي إن شاء الله تعالى. م: (إلا أن في رفض العمرة قضاءها لا غير) ش: أي غير أن في رفض العمرة قضاء العمرة لا غير؛ لأنه خرج عنها بعد الشروع.
م: (وفي رفض الحج) ش: أي ولأن في رفض الحج. م: (قضاؤه) ش: أي قضاء الحج الذي رفضه في سنة أخرى. م: (وعمرة) ش: بالرفض، أي مع قضاء عمرة أخرى غير العمرة التي شرع فيها. م: (لأنه في معنى فائت الحج) ش: وفائت الحج يتحلل بأفعال العمرة، لكن يؤدي أولًا العمرة التي شرع فيها، ويفرغ منها، ثم يأتي بعمرة أخرى. م: (وإن مضى عليهما) ش: أي على العمرة والحج، يعني لم يرفض المكي ومن في معناه العمرة والحج، بل مضى عليهما وأداهما. م: (أجزأه لأنه أدى أفعالهما كما التزمهما، غير أنه منهي عنهما) ش: أي عن إحرام الحج، والعمرة، وقال صاحب " النهاية ": وفي نسخة شيخ بخطه عنها أي عن العمرة إذ هي المستتبعة للرفض إجماعًا فيما إذا لم يشتغل بطواف الحج والكلام فيه؛ لأنها هي الداخلة في وقت الحج، وبسببها وقع العصيان.
م: (والنهي لا يمنع تحقق الفعل على ما عرف من أصلنا) ش: لأن النهي إذا كان المعنى في غيره لا يعدم المشروعية على أصل الحقيقة على ما عرف في موضعه. وفي " الكافي ": فإن قيل: قد ذكر الشيخ في أول المسألة أن الجمع بينهما في حق المكي غير مشروع، وهاهنا قال: النهي تحقيق المشروعية، وهذا يصير تناقضًا، قلنا: أراد بقوله: غير مشروع كاملًا كما في حق الآفاقي، فيندفع التناقض في حق المكي. م: (وعليه دم) ش: أي دم جبر. م: (لجمعه بينهما) ش: أي بين الحج والعمرة. م: (لأنه تمكن النقصان في عمله لارتكابه المنهي عنه) ش: وهو الجمع بينهما فارتكب محظور فعليه دم جبر لا يحل له، ولا لسائر الأغنياء، فيتصدق به على المساكين كسائر دماء الكفارة. م: (وهذا) ش: أي هذا الدم الواجب. م: (في حق المكي دم جبر) ش: للنقصان لارتكابه المنهي عنه. م: (وفي حق الآفاقي دم شكر) ش: لما أنعم الله به عليه من الجمع بين العبادتين.
[أحرم بالحج ثم أحرم يوم النحر بحجة أخرى]
م: (ومن أحرم بالحج ثم أحرم يوم النحر بحجة أخرى) ش: اعلم أن الجمع بين الإحرامين لحجتين أو لعمرتين حرام؛ لأنه بدعة، ويأتي هذا على أربعة أقسام بالقسمة العقلية إدخال إحرام
стр. 2267
فإن حلق في الأولى لزمته الأخرى، ولا شيء عليه، وإن لم يحلق في الأولى لزمته الأخرى، وعليه دم قصر، أو لم يقصر عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: إن لم يقصر فلا شيء عليه؛ لأن الجمع بين إحرامي الحج، أو إحرامي العمرة بدعة،
فإذا حلق فهو وإن كان نسكا في الإحرام الأول فهو جناية على الثاني؛ لأنه في غير أوانه فلزمه الدم بالإجماع، وإن لم يحلق حتى حج في العام القابل فقد أخر الحلق عن وقته في الإحرام الأول وذلك يوجب الدم عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما لا يلزمه شيء على ما ذكرنا
ــ
[البناية]
الحج على إحرام الحج، وإدخال إحرام الحج على إحرام العمرة، وإدخال إحرام العمرة على إحرام الحج، وإدخال إحرام العمرة على إحرام العمرة. وأشار إلى بعضها، وسيأتي كل ذلك. وأشار إلى ذلك: الأول بقوله: ومن أحرم بالحج ثم أحرم يوم النحر بحجة أخرى ففيه تفصيل، أشار إليه بقوله. م: (فإن حلق في الأولى) ش: أي في الحجة الأولى. م: (لزمته الأخرى) ش: أي الحجة الأخرى؛ لأنه لم يجمع بين الإحرامين؛ لأنه تحلل من الأولى بالحلق، ويؤدي الحجة الأخرى في العام القابل. م: (ولا شيء عليه) ش: أي ولا دم عليه؛ لأنه لم يجمع بين الإحرامين.
م: (وإن لم يحلق في الأولى) ش: أي في الحجة الأولى. م: (لزمته الأخرى) ش: أي الحجة الأخرى. م: (وعليه دم قصر، أو لم يقصر) ش: قال الكاكي: قوله: قصر أي حلق بعد إحرام، أو لم يحلق، وعبر بالقصر عن الحلق؛ لأنه وضع المسألة بلفظ من يقول: ومن أحرم، وهو يتناول الذكر والأنثى، فذكر أولًا لفظ الحلق، ولا ينافي لفظ التقصير ليشملهما أن الحلق مختص بالرجال. وفي بعض الروايات حلق مكان قصر. م: (عند أبي حنيفة ﵁) ش: يعني عند أبي حنيفة ﵁ يلزمه دم على كلا التقديرين، أما إذا حلق فلأنه جناية في حق إحرام الحجة الثانية، وإنما كان نسكًا في حق إحرام الأولى، وأما إذا لم يحلق للأولى يلزمه الدم أيضًا؛ لأن تأخير النسك عن وقته يوجب الدم عنده.
م: (وقالا) ش: أي أبو يوسف، ومحمد ﵄. م: (إن لم يقصر) ش: يعني أن يفرغ من الحجة. م: (فلا شيء عليه؛ لأن الجمع بين إحرامي الحج، أو إحرامي العمرة بدعة) ش: هذا دليل لقوله وعليه دم؛ قصر أو لم يقصر، وقال فخر الإسلام البزدوي في " شرح الجامع الصغير ": وذكر بعض مشايخنا في ذلك روايتين يعني في وجوب الدم لأجل الجمع بين الإحرامين في رواية: يجب، وفي رواية: لا يجب.
م: (فإذا حلق فهو وإن كان نسكا في الإحرام الأول فهو جناية على الثاني) ش: أي على الإحرام الثاني. م: (لأنه في غير أوانه) ش: لأنه حلق قبل أداء الأعمال في الإحرام. م: (فلزمه الدم بالإجماع) ش: جواب إذا. م: (وإن لم يحلق حتى حج في العام القابل فقد أخر الحلق عن وقته في الإحرام الأول وذلك يوجب الدم عند أبي حنيفة ﵁، وعندهما لا يلزمه شيء على ما ذكرنا) ش: وهو
стр. 2268
فلهذا سوى بين التقصير وعدمه عنده، وشرط التقصير عندهما.
ومن فرغ من عمرته إلا التقصير فأحرم بأخرى فعليه دم لإحرامه قبل الوقت؛ لأنه جمع بين إحرامي العمرة، وهذا مكروه فيلزمه الدم وهو دم جبر وكفارة.
ومن أهل بحج ثم أحرم بعمرة لزماه؛ لأن الجمع بينهما مشروع في حق الآفاقي، والمسألة فيه فيصير بذلك
ــ
[البناية]
أن التأخير لا يوجب شيئًا عندهما. م: (فلهذا) ش: أي فلأجل أن التأخير جناية عنده. م: (سوى بين التقصير وعدمه عنده) ش: أي عند أبي حنيفة ﵁.
م: (وشرط التقصير عندهما) ش: أي عند أبي يوسف، ومحمد - رحمهما الله - يعني إن قصر في هذه السنة فعليه دم بجنايته على الإحرام الثاني؛ لأن التأخير غير مضمن عندهما، كذا في " الجنازية "، و" الإيضاح "، ولكن ينبغي أن لا يجب دم عند محمد لعدم لزوم الآخر. قيل في جواب المسألة مصورة فيما إذا وقف في الحجة الأولى، فلا يكون جمعًا بين الإحرامين فيلزمه الإحرام الثاني، لكن بعد الأداء لكن لا يستقيم هذا مع قوله؛ لأن الجمع بين الإحرامين بدعة.
[فرغ من عمرته إلا التقصير فأحرم بأخرى]
م: (ومن فرغ من عمرته إلا التقصير فأحرم بأخرى) ش: أي بعمرة أخرى. م: (فعليه دم لإحرامه قبل الوقت) ش: أي قبل وقت الإحرام، يعني إن وقت الإحرام للعمرة الثانية بعد الحلق أو التقصير للأولى، فلما أحرم للثانية قبل ذلك يكون محرمًا قبل الوقت، فيصير جامعًا بين إحرامي العمرتين، وهذا معنى قوله. م: (لأنه جمع بين إحرامي العمرة، وهذا) ش: أي الجمع بين إحرامي العمرة. م: (مكروه فيلزمه الدم وهو دم جبر وكفارة) ش.
فإن قلت: يجب الدم رواية واحدة في الجمع بين إحرامي العمرة، والجمع بين إحرامي الحج روايتان، فما الفرق على إحداهما.
قلت: الجمع في هذا الإحرام إنما كره لأجل الجمع في الأفعال. وفي الحجتين لا يتحقق الجمع فعلًا؛ لأن أفعال الحج الثاني لا يؤدى في هذه السنة، فإنما يؤدى في السنة الثانية، والجمع بين إحرامي العمرة بسبب الجمع فعلًا لجواز العمرة في كل السنة.
[أهل بحج ثم أحرم بعمرة]
م: (ومن أهل بحج ثم أحرم بعمرة لزماه) ش: هذا هو القسم الثاني من الأقسام الأربعة المذكورة، وهو إدخال إحرام الحج على إحرام العمرة، فإذا جمع بينهما لزماه. م: (لأن الجمع بينهما مشروع في حق الآفاقي) ش: قوله: أهل، أي رفع صوته بالتلبية، وإنما اختار الفقهاء لفظ أهل على التلبية في كثير من المواضع إشارة إلى السنة في التلبية وهي رفع الصوت.
م: (والمسألة فيه) ش: أي في الآفاقي، ومعنى المسألة أن الآفاقي إذا أحرم بحجة ثم بعمرة قبل أداء شيء من أفعال الحج لزماه لصدوره من أهله؛ لأنه أمكن إتيان أفعال العمرة قبل أفعال الحج، وإنما الترتيب فيما هو وسيلة، والعبرة للمقصود. م: (فيصير بذلك) ش: أي الجمع بين الحج والعمرة
стр. 2269
قارنا لكنه أخطأ السنة فيصير مسيئا. فلو وقف بعرفات ولم يأت بأفعال العمرة فهو رافض لعمرته؛ لأنه تعذر عليه أداؤها، إذ هي مبنية على الحج غير مشروعة، فإن توجه إليها لم يكن رافضا حتى يقف، وقد ذكرناه من قبل فإن طاف للحج ثم أحرم بعمرة فمضى عليهما لزماه، وعليه دم لجمعه بينهما؛ لأن الجمع بينهما مشروع على ما مر فصح الإحرام بينهما، والمراد بهذا الطواف طواف التحية، وأنه سنة وليس بركن حتى لا يلزمه بتركه شيء
ــ
[البناية]
م: (قارنا) ش: لأنه جمع بين النسكين. م: (لكنه أخطأ السنة) ش: لأن القارن من يحرم بالحج والعمرة معًا، أو يقدم إحرام العمرة لا عكس. م: (فيصير مسيئا) ش: لأن الله تعالى جعل الحج أحد الفائتين في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦) فكان ينبغي أن يدخل الحج على العمرة لا العكس، لكنه لما لم يؤد الحج صح؛ لأن الترتيب وجد في الأداء وإن فات في الإحرام.
م: (فلو وقف بعرفات، ولم يأت بأفعال العمرة فهو رافض لعمرته؛ لأنه تعذر عليه أداؤها) ش: أي أداء العمرة. م: (إذ هي) ش: أي العمرة فقوله هي مبتدأ. م: (مبنية) ش: نصب على الحال من هي، والعامل فيها معنى الإشارة في هي، كذا قال في " النهاية "، هكذا كانت مقيدة بخط شيخي، وفيه نظر. م: (على الحج) ش: متعلق بقوله: مبنية. م: (غير مشروعة) ش: خبر المبتدأ في " جامع قاضي خان " لما وقف بعرفة بعذر عليه، إذ أعمال العمرة بعد الوقوع؛ لأنه لو فعل لكان بانيًا أفعال العمرة على أفعال الحج، وذلك غير مشروع.
م: (فإن توجه إليها) ش: أي إلى عرفات. م: (لم يكن رافضا) ش: لعمرته. م: (حتى يقف) ش: بعرفات حتى لو بدا له فرجع من الطريق إلى مكة فطاف لعمرته وسعى، ثم وقف بعرفات كان قارنًا. م: (وقد ذكرناه من قبل) ش: أي في آخر باب القران، فقال: ولا يصير رافضًا بمجرد التوجه وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة.... إلى آخره.
م: (فإن طاف للحج) ش: أي فإن طاف طواف القدوم للحج. م: (ثم أحرم بعمرة فمضى عليهما لزماه) ش: حتى يأتي بأفعال العمرة ثم بأفعال الحج. م: (وعليه دم) ش: يعني دم الكفارة حتى لا يأكل منه؛ لأنه خالف السنة في هذا الجمع. م: (لجمعه بينهما) ش: أي بين الحج والعمرة. م: (لأن الجمع بينهما مشروع على ما مر) ش: أراد به قوله: لأن الجمع بينهما في حق الآفاقي مشروع. م: (فصح الإحرام بينهما) ش: أي بين الحج والعمرة. م: (والمراد بهذا الطواف) ش: أشار به إلى الطواف الذي في قوله: فإن طاف للحج ثم أحرم بعمرة. م: (طواف التحية) ش: وهو طواف القدوم. م: (وأنه) ش: أي وإن طواف القدوم. م: (سنة وليس بركن حتى لا يلزمه بتركه شيء) ش: لأنه إذ ترك السنة أصلًا لا يلزمه شيء.
стр. 2270
وإذا لم يأت بما هو ركن يمكنه أن يأتي بأفعال العمرة ثم بأفعال الحج، فلهذا لو مضى عليهما جاز، وعليه دم لجمعه بينهما، وهو دم كفارة وجبر هو الصحيح؛ لأنه بان بأفعال العمرة على أفعال الحج من وجه. ويستحب أن يرفض عمرته؛ لأن إحرام الحج قد تأكد بشيء من أعماله، بخلاف ما إذا لم يطف للحج،
وإذا رفض عمرته يقضيها لصحة الشروع فيها، وعليه دم لرفضها ومن أهل بعمرة في يوم النحر، أو في أيام التشريق لزمته لما قلنا، ويرفضها، أي يلزمه الرفض؛ لأنه قد أدى ركن الحج فيصير بانيا أفعال العمرة على أفعال الحج من كل وجه، وقد كرهت العمرة في هذه الأيام أيضا على ما نذكره
ــ
[البناية]
م: (وإذا لم يأت بما هو ركن يمكنه أن يأتي بأفعال العمرة ثم بأفعال الحج، فلهذا لو مضى عليهما جاز، وعليه دم لجمعه بينهما، وهو دم كفارة وجبر وهو الصحيح) ش: احترز به عما اختاره شمس الأئمة، وقاضي خان، والمحبوبي، أنه دم شكر لا دم القران لتحقق القران لوجوب الترتيب المشروع في الأركان، وإنما فات الترتيب في طواف التحية، وهو من التوابع فصار كترك التركيب في الإحرام.
كذا في " المبسوط "، ولكن اختار المصنف أنه دم جبر لما اختاره فخر الإسلام لأنه خالف السنة، فكان كقران المكي فلا يأكل هو منه ولا الغني.
م: (لأنه بان بأفعال العمرة على أفعال الحج من وجه) ش: وذاك لأن طواف التحية، وإن كان سنة لكنه من جملة أفعال الحج من هذا الوجه، وذلك مكروه. م: (ويستحب أن يرفض عمرته؛ لأن إحرام الحج قد تأكد بشيء من أعماله، بخلاف ما إذا لم يطف للحج) ش: لأنه لا ي رفض العمرة ؛ لأنه لا يكون بانيًا أفعال العمرة على أفعال الحج.
[رفض العمرة]
م: (وإذا رفض عمرته يقضيها لصحة الشروع فيها، وعليه دم لرفضها) ش: أي لرفض العمرة؛ لأنه بالرفض يصير جانيًا فيلزمه الدم. م: (ومن أهل بعمرة في أيام النحر) ش: قال السغناقي ﵁: أي المحرم بالحج إذا وقف بعرفات يوم عرفة، ثم أحرم بالعمرة يوم النحر قبل الحلق أو قبل طواف الزيارة؛ لأن حكم من أهل بها من بعد ما أحل مرة من الحج بالحلق يأتي ذكره.
وقال الأكمل: والظاهر الإطلاق على ما ذكره. م: (أو في أيام التشريق لزمته) ش: أي العمرة. م: (لما قلنا) ش: يريد به قوله: لأن الجمع بينهما مشروع في حق الآفاقي. م: (ويرفضها) ش: أي ويرفض العمرة. م: (أي يلزمه الرفض) ش: قال محمد في " الجامع الصغير ": يرفضها، وقالوا في " شرح الجامع الصغير ": معناه أن يلزمه الرفض والمصنف أيضًا قال كذلك. م: (لأنه قد أدى ركن الحج فيصير بانيا أفعال العمرة على أفعال الحج من كل وجه، وقد كرهت العمرة في هذه الأيام أيضًا على ما نذكره) ش: في باب القران.
م: (فلهذا) ش: أي ولأجل كونها مكروهة في هذه الأيام. م: (يلزمه رفضها، فإن رفضها فعليه دم
стр. 2271
فلهذا يلزمه رفضها، فإن رفضها فعليه دم، لرفضها، وعمرة مكانها، لما بينا، فإن مضى عليها أجزأه؛ لأن الكراهة لمعنى في غيرها، وهو كونه مشغولا في هذه الأيام بأداء بقية أعمال الحج فيجب تخليص الوقت له تعظيما وعليه دم لجمعه بينهما، إما في الإحرام أو في الأعمال الباقية، قالوا: وهذا دم كفارة أيضا. وقيل إذا حلق للحج ثم أحرم لا يرفضها على ظاهر ما ذكر في الأصل، وقيل يرفضها احترازا عن النهي. قال الفقيه أبو جعفر: ومشايخنا ﵏ على هذا، فإن فاته الحج ثم أحرم بعمرة
ــ
[البناية]
لرفضها وعمرة مكانها) ش: أي وعليه عمرة مكان العمرة المرفوضة. م: (لما بينا) ش: أشار إلى قوله: لأن الجمع بينهما مشروع في حق الآفاقي. م: (فإن مضى عليها) ش: أي على العمرة التي أحرم بها يوم النحر. م: (أجزأه) ش: وفي بعض النسخ عليها: أو على الحج والعمرة لما قيل: كيف أجزأه أجاب بقوله. م: (لأن الكراهة لمعنى في غيرها، وهو كونه مشغولا في هذه الأيام بأداء بقية أفعال الحج فيجب تخليص الوقت له) ش: أي للحج. م: (تعظيما) ش: أي لأجل التعظيم له والتعظيم له إنما يكون بجعل الوقت خالصًا له بلا مزاحمة عنده. م: (وعليه دم لجمعه بينهما) ش: أي للجمع بين الإحرامين. م: (إما في الإحرام) ش: أي باعتبار أنه أحرم بالعمرة قبل الحلق. م: (أو في الأفعال الباقية) ش: أي أو الجمع في الأفعال الباقية من رمي الجمار وغيره على تقدير الإحرام بعد الحلق قبل الطواف للزيارة أو بعده.
فإن قيل: بعد طواف الزيارة كيف يكون جامعًا؛ لأنه تحلل عن الإحرام أصلا بطواف الزيارة.
قلنا: يكفي، لكن بقي عليه بعض واجبات الحج، وهو رمي الجمار في أيام التشريق.
م: (قالوا) ش: أي المشايخ. م: (وهذا دم كفارة أيضا) ش: لا دم شكر. م: (وقيل إذا أحرم للحج ثم حلق لا يرفضها) ش: أي العمرة. م: (على ظاهر ما ذكر في الأصل) ش: أي " المبسوط " قال فيها: لا يرفض مطلقًا. م: (وقيل يرفضها احترازا عن النهي) ش: وهو العمرة في أيام النحر، والتشريق.
م: (قال الفقيه أبو جعفر ﵀) ش: هو محمد بن عبد الله الهندواني من كبار العلماء، مات ببخارى، وحمل إلى بلخ، ودفن يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة، وهو ابن اثنين وستين سنة. م: (ومشايخنا على هذا) ش: أي على هذا القول، وهو رفض العمرة. م: (فإن فاته الحج ثم أحرم بعمرة أو بحجة فإنه يرفضها) ش: أي يرفض الثانية حتى لا يلزم الجمع بين الحجتين أو العمرتين، بيانه أن فائت الحج جاز إحرامًا؛ لأن إحرام الحج باق ومعتمرًا. م: (لأن فائت الحج يتحلل بأفعال العمرة من غير أن ينقلب إحرامه إحرام العمرة) ش: وهذا عند أبي حنيفة ﵀، ومحمد ﵀، وقال أبو يوسف ﵀: ينقلب إحرامه إحرام العمرة، وفائدة الخلاف تظهر في حق لزوم الرفض إذا أحرم بحجة أخرى، وعندهما يرفضها لئلا يصير جامعًا بين إحرامي الحج، وعنده لا يرفضها بل يمضي فيها، كذا.
стр. 2272
أو بحجة فإنه يرفضها؛ لأن فائت الحج يتحلل بأفعال العمرة من غير أن ينقلب إحرامه إحرام العمرة على ما يأتيك في باب الفوات إن شاء الله، فيصير جامعا بين العمرتين من حيث الأفعال، فعليه أن يرفضها كما لو أحرم بعمرتين، وإن أحرم بحجة يصير جامعا بين الحجتين إحراما فعليه أن يرفضها، كما لو أحرم بحجتين، وعليه قضاؤها لصحة الشروع فيها ودم لرفضها بالتحلل قبل أدائه، والله أعلم
ــ
[البناية]
ذكره فخر الإسلام، وظهير الدين مرغيناني وكذا في " المبسوط ". م: (على ما يأتي في باب الفوات إن شاء الله تعالى، فيصير) ش: أي فائت الحج الذي أحرم بعمرة. م: (جامعا بين العمرتين) ش: أحدهما العمرة الملتزمة، والأخرى لكونه فات الحج. م: (من حيث الأفعال، فعليه أن يرفضها) ش: العمرة التي أحرم بها.
م: (كما لو أحرم بعمرتين، وإن أحرم بحجة يصير جامعا بين الحجتين إحراما) ش: أي من حيث الإحرام. م: (فعليه أن يرفضها) ش: أي الحجة. م: (كما لو أحرم بحجتين وعليه قضاؤها) ش: أي قضاء تلك الحجة. م: (لصحة الشروع فيها ودم) ش: أي وعليه دم. م: (لرفضها بالتحلل قبل أدائه) ش: لأنه تحلل قبل أداء تلك الحجة.
[باب الإحصار]
[ما يتحقق به الإحصار]
م: (باب الإحصار)
стр. 2273
باب الإحصار
ــ
[البناية]
ش: أي هذا باب في بيان حكم الإحصار أعقب باب الجنايات بباب الإحصار؛ لأن فيه ما هو جناية في الحرم. الإحصار في اللغة: المنع من حصره إذا منعه، والمحصر هو الممنوع، تقول العرب: أحصر فلان إذا منعه خوف أو مرض من الوصول إلى أيام حجته أو عمرته، وإذا حبسه سلطان قاهر تقول: حصر. وفي " المحلى ": الإحصار من عذر أو مرض أو كسر أو قطع طريق أو ذهاب نفقته أو رواحله، وعندنا هو فائت الحج والإحصار بكل حابس، وقال ابن المنذر في " الأشراف ": وهو مذهب ابن مسعود، وعطاء، والنخعي، والثوري، وأبي ثور. وقال الأترازي: هو قول ابن مسعود، وابن عباس، وعروة، ومجاهد، وعلقمة ﵃، والحسن، وسالم، والقاسم، وابن سيرين، والزهري، وأبي عبيد، وأبي عبيدة، وداود، وأصحابه، وهو قول عبادة، والكلبي أيضًا.
وقال الفضل بن سلمة: وقال بعض الفقهاء: لا يكون إلا من عدو دون المرض، وهو قول مخالف لقول مجتهدي الفقهاء، ومذاهب العرب. قلت: هذا قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وأحمد في رواية على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفي " الأسبيجابي " و" الوتري " و" مناسك الكرماني ": اختلف العلماء في الإحصار في اثنين وستين موضعًا بعون الله تعالى، ونحن نذكره مختصرًا.
الأول: أن الإحصار متحقق بكل مانع يمنع المحرم من الوصول إلى البيت لإتمام حجته، أو عمرته من خوف، أو مرض، ومنع سلطان، أو قاهر في حبس، أو مدينة حديثة.
الثاني: أن المحصر لا يتحلل إلا بالذبح عندنا، وبه قال الشافعي، وأحمد، وجمهور أهل العلم. وقال مالك ﵁: لا هدي عليه إلا أن يكون معه هدي ساقه.
الثالث: يتحقق الإحصار في العمرة عند عامة أهل العلم، وهو مذهبنا، ذكره في " المبسوط "، وغيره، وذكر محب الدين الطبري عن ابن عمر ﵄، وابن عباس ﵄ أنه لا يتحقق لعدم التأقيت، وخوف الفوات، وذكر ابن قدامة الحنبلي ﵀ أنه قول مالك.
الرابع: لا يجوز ذبح دم الإحصار إلا في الحرم عندنا في الحج، والعمرة. وقال أبو بكر الرازي ﵀ في " أحكام القرآن ": هو قول ابن مسعود، وابن عباس إن قدر عليه، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري. وقال الشافعي ﵀، ومالك ﵀، وأحمد ﵀ في العمرة يذبح هديه حيث أحصر، وعن أحمد ﵀ في الحج روايتان، أحدهما: أنه يختص بيوم النحر.
стр. 2274
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الخامس: أنه يجوز ذبحه قبل يوم النحر في العمرة اتفاقًا، وكذا في الحج عند أبي حنيفة ﵁، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد ﵏ في العمرة، وكذا في الحج رواية. وقال أبو يوسف ﵀، ومحمد، والثوري، وأحمد ﵏ في رواية أنه لا يجوز قبل يوم النحر، فإذا لم يجز نحره قبل يوم النحر لم يجز له التحلل قبله.
السادس: لا يحتاج إلى الحلق بل يتحلل بالذبح، وقال أبو يوسف ﵀ يحلق، فإن لم يحلق فلا شيء عليه، وفي " الكرماني ": في حلق المحصر روايتان عن أبي يوسف ﵀ في رواية يجب، وفي رواية: لا يجب. وفي رواية " النوادر " عنه يجب الدم بتركه، وعند مالك ﵀ واجب، وعند الشافعي، وأحمد - رحمهما الله - كذلك إذا جعلاه نسكًا.
السابع: إذا لم يجد هديًا يبقى محرمًا، ولا بدل له عندنا، وبه قال الشافعي، ومالك - رحمهما الله - في أحد قوليه. وفي قول آخر: يصوم عشرة أيام، وهو قول أحمد وأشهب - رحمهما الله -. وفي " المرغيناني "، و" التحفة ": هو قول أبي يوسف ﵀ آخرًا. وكان عطاء ﵀ يقول: إذا عجز عن الهدي نظر إلى قيمته فيطعم بذلك كل مسكين نصف صاع من بر أو يصوم، وقال أبو يوسف في " الأمالي ": وهذا أحب إلي.
الثامن: المحصر بالحج النفل يجب عليه قضاء حجة، وعمرة، وإن كان محصرًا بعمرة يجب عليه قضاء عمرة لا غير، وهو قول عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وعروة ﵃ وقال أبو بكر الرازي: وهو قول ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعلقمة، والحسن، والنخعي، وسالم، والقاسم، وابن سيرين، وعكرمة، والشعبي ﵏، ورواية عن أحمد ﵀. وقال مالك، وأحمد، والشافعي في رواية: لا قضاء عليه إلا أن تكون حجة الإسلام.
التاسع: في الاشتراك، والاعتبار به عندنا، ولا يحل إلا بالهدي، وبه قال مالك، والشافعي في الجديد، وعن محمد ﵀ في رواية: يعتبر شرطه، وهو قول أحمد، وداود - رحمهما الله - وجماعة من أهل الحديث، والشافعي في القديم.
العاشر: يبعث القارن بهديين عندنا، وبه قال إبراهيم، وسعيد بن جبير، وعند الأئمة الثلاثة يحل بهدي واحد.
الحادي عشر: سئل عبد الملك بن الماجشون ﵀ عن مالك، قال: إن أحصر بعد إحرامه سقط عنه حجة الإسلام، وخالف الجماعة فيه.
стр. 2275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الثاني عشر: إذا أحاط به العدو من كل جانب، يتحلل عند الجمهور، وفي أحد قولي الشافعي ﵀ أو الوجهين لا يتحلل.
الثالث عشر: المحصر إذا فاته الحج، وقدر أن يتحلل بأفعال العمرة يتحل بها، ولو لم يتحلل لا يحج من العام القابل بذلك الإحرام عندنا، وهو قول الجمهور، وقال مالك ﵀: يحج به إذا لم يتحلل منه.
الرابع عشر: قال الزهري، وعروة بن الزبير: لا إحصار على أهل مكة. وفي " المبسوط ": ولو أحصر بمكة بعد قدومه فليس بمحصر. وقال السرخسي: الأصح أنه إن منع من الوقوف والطواف فهو محصر.
الخامس عشر: لا يتحقق الإحصار بعد الوقوف بعرفة عندنا، وبه قال مالك، لكن يكون حولهما حتى يصل إلى البيت فيطوف طواف الزيارة والصدر، ثم يحلق وقد فاته الوقوف بمزدلفة ورمي الجمار فعليه دم للوقوف ودم لرمي الجمار بالإجماع، ودمان بتأخير طواف الزيارة والحلق عند أبي حنيفة ﵀، وعند الشافعي ﵀، وأحمد ﵀ يتحقق.
السادس عشر: إن امتنع عليه الطواف، والوقوف بعرفة فهو محصر، وإن قدر على أحدهما فليس بمحصر.
السابع عشر: ذهب بعض الناس إلى أنه لا إحصار اليوم لزوال الشرك عن جزيرة العرب، وهو شذوذ، فإن العرب وقطاع الطريق لا تخلو الأرض منهم، وقد كانت القرامطة بعد زوال الشرك أشد على الحج من المشركين، وكذا بنو خفاجة، وبلي وبنو سالم، وغيرهم، لا كثرهم الله.
الثامن عشر: المحرم بالحج إذا أحصر وفاته الحج، فإنه يتحلل بأفعال العمرة إذا قدر عليها، ولا يحتاج إلى إحرام جديد للعمرة عند أبي حنيفة ﵀ ومحمد، بل يؤديها بإحرام الحج الذي هو فيه، وعند أبي يوسف ﵀ يحتاج إلى إحرام جديد للعمرة.
التاسع عشر: إذا حبسه السلطان إذا حبس في مدينة يتحلل عند الجماعة خلافًا لمالك ﵀ فإنه قال: لا يحلله إلا البيت.
العشرون: المحصر في الحج إذا تحلل بأفعال العمرة ليس عليه الوقوف بالمزدلفة، ولا رمي الجمار. وقال المرغيناني: يأتي بكل ما قدر عليه من مناسك الحج مع أعمال العمرة.
الحادي والعشرون: الذبح عندنا يختص بالحرم سواء أمكن ذبحه بالحرم أو لم يكن، وقالت الشافعية في أحد الوجهين: يجوز ذبحه بالحل مع القدرة على ذبحه في الحرم، وأجمعوا على أنه
стр. 2276
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
لو أحصر في الحرم لا يجوز ذبح هديه في الحل، وكذا لو أحصر في الحل لا يجوز ذبحه في الحل في غير مكان الإحصار عندهم.
الثاني والعشرون: لو أحاط العدو به لا يتحلل في الوجهين أو القولين للشافعي، وعند الجماعة يتحلل.
الثالث والعشرون: يتحقق الإحصار كيفما كان العدو في المنع عامًا أو خاصا، وعند الشافعي: لا يتحلل بشرذمة في قوله.
الرابع والعشرون: قال في " الذخيرة للمالكية " للمحصر خمس حالات يجوز له التحلل في ثلاثة منها، ويمتنع في وجه، ويصح في وجه، وإن شرط الإحلال فأحد الثلاثة أن يكون العدو طارئًا بعد إحرامه، أو متقدما، أو لم يعلم به، أو علم وكان يروي أنه لا يقيده فقيده، وإن علم أنه يقيده، أو شك لا يحل أن يشترطه في صورة الشك، وعندنا لا تفصيل في ذلك، ويتحقق في الكل، ويتحلل منه.
الخامس والعشرون: القارن إذا أحصر يتحلل منهما، وتلزمه عمرتان وحجة عندنا، سواء كان في الفرض، أو النفل، وعند الثلاثة لا يلزمه شيء في النفل.
السادس العشرون: في الأصل أن المحصر إذا قضى حجته من عامه فلا عمرة، روى الحسن عن أبي حنيفة ﵁ أن عليه حجة، وعمرة، كما لو أخرها إلى العام القابل.
السابع والعشرون: الحج عن الغير إذا أحصر يجب دم الإحصار على الآمر عندهما، وعند أبي يوسف ﵀ الحاج.
الثامن والعشرون: إذا أحرمت المرأة بحج التطوع فللزوج أن يحللها بالتقبيل، والمعانقة، والمس، والتطيب، وقص ظفر، ونحوها في الحال من غير ذبح، وعليها أن تبعث هديًا فيذبح في الحرم، وكذا العبد والأمة، وعليهما الهدي بعد عتقهما وقضاء الحج والعمرة، وكذا بعد إذن المولى لهما في ذلك لم يكره له تحليلهما، وروي عن أبي يوسف وزفر ومالك والشافعي ﵏ أنه ليس له تحليلها لإسقاط حقه بالإذن كالزوجة. والصحيح ظاهر الرواية أنه لا يتحلل بالنهي، ولا بقوله: حللتك.
التاسع والعشرون: لا يلزم المولى به الهدي، وإن كان بإذنه، وذكر القدوري ﵀ في شرحه " لمختصر الكرخي " أن المولى إذا أعتقه يجب على المولى أن يبعث الهدي عنه، وقبل إعتاقه لا يجب عليه.
الثلاثون: في " الينابيع ": لو أحرمت المرأة بإذن زوجها لا تتحلل إلا بالذبح، وروى زفر
стр. 2277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
﵀ عن أبي حنيفة ﵁ إن تم إحصارها إلى يوم النحر صح إحلالها، فإن زال في مدة تقدر أن تدرك الحج بعده لا تحل بذبح ذلك الهدي، ويجب عليها المضي في الحج، فإن لم تفعله حتى فاتها الحج تتحلل بالعمرة.
الحادي والثلاثون: إذا زال الإحصار وقدر على الحج بعد الذبح جاز له التحلل استحسانًا. وفي رواية زفر ﵀ عن أبي حنيفة ﵁ لا يتحلل.
الثاني والثلاثون: الهدي بسبع بدنة، أو بقرة، أو شاة بكمالها، وهو قول عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس ﵃ وبه قال الجمهور. وعن عائشة، وابن عمر: لا تجزئه الشاة.
الثالث والثلاثون: في السنن يجزئه ما يجزئ في الأضحية عند الجمهور، وقال مالك ﵁: لا يجوز من الكل إلا الشيء فصاعدًا، وقال الأوزاعي: يجزئ الجذع من الكل عن سبعة إلا الشاة.
الرابع والثلاثون: المخطئ في رواية الهلال، وعدد الشهر ليس بمحصر بل هو فائت الحج، وقال داود وأصحابه: هو محصر وإن وجده، ويمكنه أن يذهب معه، ويأتي بأفعال العمرة فلا إحصار، هكذا قالوا. وإن كان لا يمكنه الرواح معه نصف راحلته أو غير ذلك فهو محصر. وفي " التحفة ": إن خاف أن لا يمكنه المشي مع القافلة إذا هلكت راحلته فهو محصر.
الخامس والثلاثون: قال عبد الله وعروة ابنا الزبير ﵃: إن العدو والمرض سواء لا يحل المحصر فيهما. وقال أبو بكر الرازي: لا نعلم أيهما موافقًا من فقهاء الأمصار.
السادس والثلاثون: يتحقق الإحصار عندنا بعد الإحرام. وقال مالك ﵁: لا يكون محصرًا حتى يفوته الحج، إلا أن يدرك فيما بقي فيتحلل في مكان.
السابع والثلاثون: ذهب الجمهور إلى جواز قتال الحاصر عند القدرة. وقال مالك: لا يجوز سواء كان الحاصر مسلمًا، أو كافرًا.
الثامن والثلاثون: إذا لبسوا الدروع والمغفر للقتال فعليهم الفدية، وقال قوم: لا شيء عليهم.
التاسع والثلاثون: لو أحصر في فاسد الحج فله أن يتحلل عند الأئمة وأصحابهم، وقال داود وأصحابه: لا يبقى إحرامه بالإفساد، وقال مالك والحسن: ينقلب عمرة.
الأربعون: قالت الثلاثة: الهدي واجب وهو شرط التحلل. وقال أشهب: هو ليس بشرط للتحلل.
стр. 2278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الحادي والأربعون: قال في " المحلى ": قد روينا عن عطاء، وإبراهيم، والحسن: إن حل المحصر دون البيت فعليه هدي آخر دون سوى الذي لزمه، وعندنا لا شيء عليه.
الثاني والأربعون: قال الحكم بن عيينة: على القارن إذا حل عليه حجة وثلاث عمرات، وعندنا حجة، وعمرتان.
الثالث والأربعون: لو أحرم بحجتين أو عمرتين ثم أحصر يتحلل بدمين عند أبي حنيفة ﵁، وعند أبي يوسف ﵁، ومحمد، والشافعي، وأحمد ﵏ بهدي واحد.
الرابع والأربعون: لو أحرمت المرأة بغير محرم بغير إذن الزوج بحجة الإسلام فهي محصرة، وله أن يحللها بغير هدي، ذكره في الأصل، وذكر الكرخي أنه لا يحللها إلا بالهدي، ولو جامعها قيل يكره، وقيل: لا يكره لحصول التحلل قبل الجماع بالمس بشهوة، ذكره في " المحيط ".
الخامس والأربعون: في " البدائع ": المفرد بالحج إذا تحلل ثم زال الإحصار عنه فأحرم وحج من عامه فليس عليه نية القضاء، ولا عمرة عليه، وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵁ أن عليه قضاء حجة، وعمرة، ولا بد من نية القضاء، وهو قول زفر ﵀ كما لو تحولت السنة.
السادس والأربعون: في " المحلى ": عن الشعبي إن دخل المحصر قبل هديه فعليه الفدية يخير في إطعام ستة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام، أو شاة، وعند الأئمة الثلاثة ﵏ غير مالك ﵀: عليه شاة.
السابع والأربعون: المحصر إن رجع إلى أهله قال عروة بن الزبير ﵁: لا يحل فيه إلا رأسه، وخالفه الجماعة.
الثامن والأربعون: قال أبو مصعب، وأبو بكر البقالي: إن الحج يسقط عن الحاج إذا أراد الحاج وصد عنه، وإن لم يحرم، وأبو بكر البقالي تلميذ ابن شعبان وفقيه مصر في وقته، وهو مذهب ابن شعبان.
التاسع والأربعون: لو باع العبد والأمة المحرمين جاز البيع. وقال سحنون ﵀: لا يجوز بيعهما، ويملكهما المشتري عندنا، وقال مالك، والشافعي، وزفر، وأبو ثور ﵏: ليس له تحليلهما.
стр. 2279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الخمسون: روى محمد بن سماعة عن محمد ﵀ أن الأمة المزوجة إذا أذن لها مولاها في الحج فأحرمت فليس لزوجها أن يحللها، ذكره في " البدائع ".
الحادي والخمسون: ينعقد إحرام العبد، والأمة بغير إذن المولى عند الفقهاء كافة، ويثبت فيهما حكم الإحصار، وقال أهل الظاهر: لا ينعقد.
الثاني والخمسون: في " البدائع ": لو أحرم بشيء ولم ينو حجة، ولا عمرة ثم أحصر يجعله عمرة، ويحل بهدي واحد، وعليه عمرة في الاستحسان، وفي القياس: لا تعين حجته، ولا عمرته إلا بالشروع في عمل أحدهما، وهو قياس قاعدة زفر.
الثالث والخمسون: المذهب عندنا أن الهدي ليس له بدل، والأصح عند الشافعي ﵁: إن له بدلًا، وفيه ثلاثة أقوال: الأول: إطعام فدية الأذى، وفي الصيام ثلاثة أقوال: أحدها: صوم التمتع، والثاني: صوم الحلق، والثالث: صوم التعديل، ذكره محب الدين الطبري ﵀ في " مناسكه ".
الرابع والخمسون: في " قاضي خان ": إذا أحصر بعد الوقوف بعرفة لا يحل بالهدي، وهو محرم عن النساء حتى يصل إلى البيت فيطوف طواف الزيارة في يوم النحر، وطواف الصدر، ويحلق، هكذا ذكره في الأصل.
الخامس والخمسون: رجل أحرم بحجة أو عمرة ثم أحصر يبعث بهدي الإحصار، فزال الإحصار ثم حدث إحصار آخر، فإن علم أنه يدرك هديه، ونوى أن يكون لإحصاره الثاني جاز وحل به، وإن لم ينو حتى ذبح لم يجزئه.
السادس والخمسون: في " البدائع " وغيره: تحليل الزوجة بتطيبها، وبساطها بإذن الزوج والمولى، ولا يفتقر تحليلهما إلى الهدي.
السابع والخمسون: [.....] في الحج يلزمه المعنى فيه، والقضاء لو أفسده فلو أحصر في قضائه، وتحلل لا يلزمه القضاء، والأصح أنه يلزمه.
الثامن والخمسون: ذكر السغناقي، والطبري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ليس على المحصر بدل، وإنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ، فأما من حبسه عدو أو غير ذلك فإنه يحل بغير هدي، ولا يرجع إن كان معه هدي وهو محصر نحوه، وإن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن قدر أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله، رواه عنه البخاري، ومسلم - رحمهما الله - قال: فمن أصابه الله تعالى بمرض، أو بكسر، أو بحبس فليس عليه شيء، رواه سعيد بن منصور وأراد به بالتلذذ النساء، قاله الطبري ﵀.
стр. 2280
وإذا أحصر المحرم بعدو أو أصابه مرض فمنعه من المضي جاز له التحلل. وقال الشافعي ﵀: لا يكون الإحصار إلا بالعدو؛ ولأن التحلل بالهدي شرع في حق المحصر؛ لتحصيل
ــ
[البناية]
التاسع والخمسون: في الحصر إن كان العدو يرجى زواله، وعلم أنه قد بقي من الوقت ما لا يملكه إدراكه، فإنه يتحلل عند الجماعة، وبه قال ابن القاسم، وعبد الملك، وقال أشهب: لا يحل حتى يوم النحر، ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة.
الستون: المكي إذا تلبس بالحج ثم أحصر بمكة فإنه يطوف، ويسعى، ويحل، وكذا الغريب بمكة إذا أحرم بالحج، وبه قال الشافعي، وقال مالك ﵀: إذا بقي محصورًا حتى فرغ الناس من الحج خرج إلى الحل، ويحرم بعمرة ويفعل ما يفعله المعتمر، ويحل، وعليه الحج من قابل، والهدي مع الحج، وكذا الغريب إذا أحصر بها، حكاه عنه ابن المنذر في " الأشراف "، وقال الزهري: لا بد للمحصر المكي أن يقف وإن نفس نفسًا.
الحادي والستون: قال القرطبي في " شرح الموطأ ": من أحصر بمرض، أو كسر، أو عرج فقد حل في موضعه، ولا هدي، وعليه القضاء، وخالف فيه جماعة.
الثاني والستون: على المحصر هدي واحد، وقال مالك: لا شيء عليه، وقال مالك والزهري ﵄: عليه هديان، الأول: يتحلل به في حلاق الشعر، وإزالة التفث في الحال، ويبقى محرمًا في حق النساء حتى يصل إلى البيت، ويطوف، ويسعى، ويحل، وعليه الحج قابلًا، وهدي ثان.
[أحصر المحرم بعدو أو أصابه مرض فمنعه من المضي]
م: (وإذا أحصر المحرم بعدو أو أصابه مرض فمنعه من المضي جاز له التحلل) ش: قوله المحرم يتناول المحرم بالحج، والمحرم بالعمرة، قوله. م: (من المضي) ش: أي من الوصول إلى البيت، والتحلل: الخروج من الإحرام، ثم العدو: يشمل المسلمين والكافرين.
فإن كانوا المسلمين واحتاج المحرمون على القتال فلا يلزمهم القتال، ولهم التحلل، وإن كانوا كفارًا يجب القتال إذا لم يزد عدد الكفار على الضعف بشرط وجدان المسلمين أهبة للقتال، وقال الآخرون: لا يجب القتال، وإن كان العدو كفارًا وكان في مقاتلة كل مسلم أقل من مشرك.
م: (وقال الشافعي ﵀: لا يكون الإحصار إلا بالعدو) ش: معناه: ليس للمحرم التحلل بعذر المرض، وبه قال مالك، وأحمد في رواية، بل يصير حتى يصح، فإن كان محرمًا بعمرة أتمها، وإن كان محرمًا بحج فإنه يتحلل بعد العمرة، هذا إذا لم يشترط، أما إذا اشترط التحلل عند المرض وقت الإحرام بأن قال: إذا مرضت يعقبني تحلل، فقد نص في القديم على صحة هذا، وبه قال أحمد، ومحمد - رحمهما الله - في رواية، وفي رواية جماعة من أهل الحديث لحديث بنت الزبير، ضباعة عمة رسول الله ﷺ أنه ﷺ قال لها: «تريدي الحج؟ " فقالت:
следующие страницы →