Полный текст (7 019 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
لو أحصر في الحرم لا يجوز ذبح هديه في الحل، وكذا لو أحصر في الحل لا يجوز ذبحه في الحل في غير مكان الإحصار عندهم.
الثاني والعشرون: لو أحاط العدو به لا يتحلل في الوجهين أو القولين للشافعي، وعند الجماعة يتحلل.
الثالث والعشرون: يتحقق الإحصار كيفما كان العدو في المنع عامًا أو خاصا، وعند الشافعي: لا يتحلل بشرذمة في قوله.
الرابع والعشرون: قال في " الذخيرة للمالكية " للمحصر خمس حالات يجوز له التحلل في ثلاثة منها، ويمتنع في وجه، ويصح في وجه، وإن شرط الإحلال فأحد الثلاثة أن يكون العدو طارئًا بعد إحرامه، أو متقدما، أو لم يعلم به، أو علم وكان يروي أنه لا يقيده فقيده، وإن علم أنه يقيده، أو شك لا يحل أن يشترطه في صورة الشك، وعندنا لا تفصيل في ذلك، ويتحقق في الكل، ويتحلل منه.
الخامس والعشرون: القارن إذا أحصر يتحلل منهما، وتلزمه عمرتان وحجة عندنا، سواء كان في الفرض، أو النفل، وعند الثلاثة لا يلزمه شيء في النفل.
السادس العشرون: في الأصل أن المحصر إذا قضى حجته من عامه فلا عمرة، روى الحسن عن أبي حنيفة ﵁ أن عليه حجة، وعمرة، كما لو أخرها إلى العام القابل.
السابع والعشرون: الحج عن الغير إذا أحصر يجب دم الإحصار على الآمر عندهما، وعند أبي يوسف ﵀ الحاج.
الثامن والعشرون: إذا أحرمت المرأة بحج التطوع فللزوج أن يحللها بالتقبيل، والمعانقة، والمس، والتطيب، وقص ظفر، ونحوها في الحال من غير ذبح، وعليها أن تبعث هديًا فيذبح في الحرم، وكذا العبد والأمة، وعليهما الهدي بعد عتقهما وقضاء الحج والعمرة، وكذا بعد إذن المولى لهما في ذلك لم يكره له تحليلهما، وروي عن أبي يوسف وزفر ومالك والشافعي ﵏ أنه ليس له تحليلها لإسقاط حقه بالإذن كالزوجة. والصحيح ظاهر الرواية أنه لا يتحلل بالنهي، ولا بقوله: حللتك.
التاسع والعشرون: لا يلزم المولى به الهدي، وإن كان بإذنه، وذكر القدوري ﵀ في شرحه " لمختصر الكرخي " أن المولى إذا أعتقه يجب على المولى أن يبعث الهدي عنه، وقبل إعتاقه لا يجب عليه.
الثلاثون: في " الينابيع ": لو أحرمت المرأة بإذن زوجها لا تتحلل إلا بالذبح، وروى زفر
стр. 2277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
﵀ عن أبي حنيفة ﵁ إن تم إحصارها إلى يوم النحر صح إحلالها، فإن زال في مدة تقدر أن تدرك الحج بعده لا تحل بذبح ذلك الهدي، ويجب عليها المضي في الحج، فإن لم تفعله حتى فاتها الحج تتحلل بالعمرة.
الحادي والثلاثون: إذا زال الإحصار وقدر على الحج بعد الذبح جاز له التحلل استحسانًا. وفي رواية زفر ﵀ عن أبي حنيفة ﵁ لا يتحلل.
الثاني والثلاثون: الهدي بسبع بدنة، أو بقرة، أو شاة بكمالها، وهو قول عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس ﵃ وبه قال الجمهور. وعن عائشة، وابن عمر: لا تجزئه الشاة.
الثالث والثلاثون: في السنن يجزئه ما يجزئ في الأضحية عند الجمهور، وقال مالك ﵁: لا يجوز من الكل إلا الشيء فصاعدًا، وقال الأوزاعي: يجزئ الجذع من الكل عن سبعة إلا الشاة.
الرابع والثلاثون: المخطئ في رواية الهلال، وعدد الشهر ليس بمحصر بل هو فائت الحج، وقال داود وأصحابه: هو محصر وإن وجده، ويمكنه أن يذهب معه، ويأتي بأفعال العمرة فلا إحصار، هكذا قالوا. وإن كان لا يمكنه الرواح معه نصف راحلته أو غير ذلك فهو محصر. وفي " التحفة ": إن خاف أن لا يمكنه المشي مع القافلة إذا هلكت راحلته فهو محصر.
الخامس والثلاثون: قال عبد الله وعروة ابنا الزبير ﵃: إن العدو والمرض سواء لا يحل المحصر فيهما. وقال أبو بكر الرازي: لا نعلم أيهما موافقًا من فقهاء الأمصار.
السادس والثلاثون: يتحقق الإحصار عندنا بعد الإحرام. وقال مالك ﵁: لا يكون محصرًا حتى يفوته الحج، إلا أن يدرك فيما بقي فيتحلل في مكان.
السابع والثلاثون: ذهب الجمهور إلى جواز قتال الحاصر عند القدرة. وقال مالك: لا يجوز سواء كان الحاصر مسلمًا، أو كافرًا.
الثامن والثلاثون: إذا لبسوا الدروع والمغفر للقتال فعليهم الفدية، وقال قوم: لا شيء عليهم.
التاسع والثلاثون: لو أحصر في فاسد الحج فله أن يتحلل عند الأئمة وأصحابهم، وقال داود وأصحابه: لا يبقى إحرامه بالإفساد، وقال مالك والحسن: ينقلب عمرة.
الأربعون: قالت الثلاثة: الهدي واجب وهو شرط التحلل. وقال أشهب: هو ليس بشرط للتحلل.
стр. 2278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الحادي والأربعون: قال في " المحلى ": قد روينا عن عطاء، وإبراهيم، والحسن: إن حل المحصر دون البيت فعليه هدي آخر دون سوى الذي لزمه، وعندنا لا شيء عليه.
الثاني والأربعون: قال الحكم بن عيينة: على القارن إذا حل عليه حجة وثلاث عمرات، وعندنا حجة، وعمرتان.
الثالث والأربعون: لو أحرم بحجتين أو عمرتين ثم أحصر يتحلل بدمين عند أبي حنيفة ﵁، وعند أبي يوسف ﵁، ومحمد، والشافعي، وأحمد ﵏ بهدي واحد.
الرابع والأربعون: لو أحرمت المرأة بغير محرم بغير إذن الزوج بحجة الإسلام فهي محصرة، وله أن يحللها بغير هدي، ذكره في الأصل، وذكر الكرخي أنه لا يحللها إلا بالهدي، ولو جامعها قيل يكره، وقيل: لا يكره لحصول التحلل قبل الجماع بالمس بشهوة، ذكره في " المحيط ".
الخامس والأربعون: في " البدائع ": المفرد بالحج إذا تحلل ثم زال الإحصار عنه فأحرم وحج من عامه فليس عليه نية القضاء، ولا عمرة عليه، وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵁ أن عليه قضاء حجة، وعمرة، ولا بد من نية القضاء، وهو قول زفر ﵀ كما لو تحولت السنة.
السادس والأربعون: في " المحلى ": عن الشعبي إن دخل المحصر قبل هديه فعليه الفدية يخير في إطعام ستة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام، أو شاة، وعند الأئمة الثلاثة ﵏ غير مالك ﵀: عليه شاة.
السابع والأربعون: المحصر إن رجع إلى أهله قال عروة بن الزبير ﵁: لا يحل فيه إلا رأسه، وخالفه الجماعة.
الثامن والأربعون: قال أبو مصعب، وأبو بكر البقالي: إن الحج يسقط عن الحاج إذا أراد الحاج وصد عنه، وإن لم يحرم، وأبو بكر البقالي تلميذ ابن شعبان وفقيه مصر في وقته، وهو مذهب ابن شعبان.
التاسع والأربعون: لو باع العبد والأمة المحرمين جاز البيع. وقال سحنون ﵀: لا يجوز بيعهما، ويملكهما المشتري عندنا، وقال مالك، والشافعي، وزفر، وأبو ثور ﵏: ليس له تحليلهما.
стр. 2279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الخمسون: روى محمد بن سماعة عن محمد ﵀ أن الأمة المزوجة إذا أذن لها مولاها في الحج فأحرمت فليس لزوجها أن يحللها، ذكره في " البدائع ".
الحادي والخمسون: ينعقد إحرام العبد، والأمة بغير إذن المولى عند الفقهاء كافة، ويثبت فيهما حكم الإحصار، وقال أهل الظاهر: لا ينعقد.
الثاني والخمسون: في " البدائع ": لو أحرم بشيء ولم ينو حجة، ولا عمرة ثم أحصر يجعله عمرة، ويحل بهدي واحد، وعليه عمرة في الاستحسان، وفي القياس: لا تعين حجته، ولا عمرته إلا بالشروع في عمل أحدهما، وهو قياس قاعدة زفر.
الثالث والخمسون: المذهب عندنا أن الهدي ليس له بدل، والأصح عند الشافعي ﵁: إن له بدلًا، وفيه ثلاثة أقوال: الأول: إطعام فدية الأذى، وفي الصيام ثلاثة أقوال: أحدها: صوم التمتع، والثاني: صوم الحلق، والثالث: صوم التعديل، ذكره محب الدين الطبري ﵀ في " مناسكه ".
الرابع والخمسون: في " قاضي خان ": إذا أحصر بعد الوقوف بعرفة لا يحل بالهدي، وهو محرم عن النساء حتى يصل إلى البيت فيطوف طواف الزيارة في يوم النحر، وطواف الصدر، ويحلق، هكذا ذكره في الأصل.
الخامس والخمسون: رجل أحرم بحجة أو عمرة ثم أحصر يبعث بهدي الإحصار، فزال الإحصار ثم حدث إحصار آخر، فإن علم أنه يدرك هديه، ونوى أن يكون لإحصاره الثاني جاز وحل به، وإن لم ينو حتى ذبح لم يجزئه.
السادس والخمسون: في " البدائع " وغيره: تحليل الزوجة بتطيبها، وبساطها بإذن الزوج والمولى، ولا يفتقر تحليلهما إلى الهدي.
السابع والخمسون: [.....] في الحج يلزمه المعنى فيه، والقضاء لو أفسده فلو أحصر في قضائه، وتحلل لا يلزمه القضاء، والأصح أنه يلزمه.
الثامن والخمسون: ذكر السغناقي، والطبري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ليس على المحصر بدل، وإنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ، فأما من حبسه عدو أو غير ذلك فإنه يحل بغير هدي، ولا يرجع إن كان معه هدي وهو محصر نحوه، وإن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن قدر أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله، رواه عنه البخاري، ومسلم - رحمهما الله - قال: فمن أصابه الله تعالى بمرض، أو بكسر، أو بحبس فليس عليه شيء، رواه سعيد بن منصور وأراد به بالتلذذ النساء، قاله الطبري ﵀.
стр. 2280
وإذا أحصر المحرم بعدو أو أصابه مرض فمنعه من المضي جاز له التحلل. وقال الشافعي ﵀: لا يكون الإحصار إلا بالعدو؛ ولأن التحلل بالهدي شرع في حق المحصر؛ لتحصيل
ــ
[البناية]
التاسع والخمسون: في الحصر إن كان العدو يرجى زواله، وعلم أنه قد بقي من الوقت ما لا يملكه إدراكه، فإنه يتحلل عند الجماعة، وبه قال ابن القاسم، وعبد الملك، وقال أشهب: لا يحل حتى يوم النحر، ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة.
الستون: المكي إذا تلبس بالحج ثم أحصر بمكة فإنه يطوف، ويسعى، ويحل، وكذا الغريب بمكة إذا أحرم بالحج، وبه قال الشافعي، وقال مالك ﵀: إذا بقي محصورًا حتى فرغ الناس من الحج خرج إلى الحل، ويحرم بعمرة ويفعل ما يفعله المعتمر، ويحل، وعليه الحج من قابل، والهدي مع الحج، وكذا الغريب إذا أحصر بها، حكاه عنه ابن المنذر في " الأشراف "، وقال الزهري: لا بد للمحصر المكي أن يقف وإن نفس نفسًا.
الحادي والستون: قال القرطبي في " شرح الموطأ ": من أحصر بمرض، أو كسر، أو عرج فقد حل في موضعه، ولا هدي، وعليه القضاء، وخالف فيه جماعة.
الثاني والستون: على المحصر هدي واحد، وقال مالك: لا شيء عليه، وقال مالك والزهري ﵄: عليه هديان، الأول: يتحلل به في حلاق الشعر، وإزالة التفث في الحال، ويبقى محرمًا في حق النساء حتى يصل إلى البيت، ويطوف، ويسعى، ويحل، وعليه الحج قابلًا، وهدي ثان.
[أحصر المحرم بعدو أو أصابه مرض فمنعه من المضي]
م: (وإذا أحصر المحرم بعدو أو أصابه مرض فمنعه من المضي جاز له التحلل) ش: قوله المحرم يتناول المحرم بالحج، والمحرم بالعمرة، قوله. م: (من المضي) ش: أي من الوصول إلى البيت، والتحلل: الخروج من الإحرام، ثم العدو: يشمل المسلمين والكافرين.
فإن كانوا المسلمين واحتاج المحرمون على القتال فلا يلزمهم القتال، ولهم التحلل، وإن كانوا كفارًا يجب القتال إذا لم يزد عدد الكفار على الضعف بشرط وجدان المسلمين أهبة للقتال، وقال الآخرون: لا يجب القتال، وإن كان العدو كفارًا وكان في مقاتلة كل مسلم أقل من مشرك.
م: (وقال الشافعي ﵀: لا يكون الإحصار إلا بالعدو) ش: معناه: ليس للمحرم التحلل بعذر المرض، وبه قال مالك، وأحمد في رواية، بل يصير حتى يصح، فإن كان محرمًا بعمرة أتمها، وإن كان محرمًا بحج فإنه يتحلل بعد العمرة، هذا إذا لم يشترط، أما إذا اشترط التحلل عند المرض وقت الإحرام بأن قال: إذا مرضت يعقبني تحلل، فقد نص في القديم على صحة هذا، وبه قال أحمد، ومحمد - رحمهما الله - في رواية، وفي رواية جماعة من أهل الحديث لحديث بنت الزبير، ضباعة عمة رسول الله ﷺ أنه ﷺ قال لها: «تريدي الحج؟ " فقالت:
стр. 2281
النجاة، وبالإحلال ينجو من العدو لا من المرض. ولنا أن آية الإحصار وردت في الإحصار بالمرض بإجماع أهل اللغة،
ــ
[البناية]
إن شاء الله تعالى، فقال ﵊: " حجي، واشترطي أن تحلي حيث حبست» .
وقال النووي: الصحيح بنت الزبير بن عبد المطلب هاشمية، وضباعة الأسلمية كما ذكره الغزالي غلط. قلنا: الاشتراط لا يمنع أن يجب بدونه كاشتراط التأخر، أما التحلل إلى حين بلوغ الهدي محله، وقال الزهري وهو الراوي للحديث: لم يقل أحد بالشرط إذ لو تحلل بالشرط من غير هدي لما شرع الهدي؛ لأن كل من أحرم كان يشترط، وقال إمام الحرمين: تأويل الحديث أي حبسني الموت، أي حين أدركني الموت انقطع إحرامي، قال النووي: هذا التأويل باطل.
م: (ولأن التحلل بالهدي مشروع في حق المحصر لتحصيل النجاة) ش: من الصيد. م: (وبالإحلال ينجو من العدو لا من المرض) ش: بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: الآية ١٩٦] ، والآية في الإحصار بالعدو، بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦) ، والأمان من العدو لا المرض، وإنما يكون من المرض الشفاء؛ ولأنه ﵊ كان محصرًا بالعدو، وفيما لم يرد به النص يتمسك بالأصل، وهو لزوم الإحرام إلى مراد الأفعال، إلا أن يشترط ذلك عند الإحرام لما مر من الحديث، وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا حصر إلا من العدو دون المرض، واستدل عليه بهذه الآية ذكر ذلك عنه ابن زيد في " القواعد ".
م: (ولنا أن آية الإحصار وردت في الإحصار بالمرض بإجماع أهل اللغة) ش: منهم ابن السكيت، وهو من كبار أهل اللغة، قال في كتاب " الإصلاح ": يقال: قد أحصره المرض إذا منعه من السفر، أو من حاجة يريدها وقد حصره العدو يحصره حصرًا إذا منعوا عليه فعلم أن الإحصار بالمرض والحصر بالسكون بالعدو، ومنهم أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد في كتاب " الجمهرة ": أحصر الرجل إذا منع من النقرة لمرض أو عائق في التنزيل، فإن أحصر ... ثم الإحصار وهو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مرض أو كسر، أو عدو، يقال: أحصر الرجل إحصارًا فهو محصر، وإن حبس في سجن أو دار فهو محصور، وقال أبو جعفر النحاس: جميع أهل اللغة على أن الإحصار إنما هو من المرض ومن العدو، ولا يقال إلا حصر.
وقال الأخفش والكسائي، والفراء، وأبو عبيدة: حصرت الرجل فهو محصور، أي حبسته، وأحصرني بولي. وقالوا: وما كان من ذهب نفقة، أو مرض [....] أحصر، وما كان من عدو، وأحصروا قبل منه حصر. وقال ثعلب في الفصيح: أحصر بالمرض، وحصر بالعدو، وقال النووي: قال أهل اللغة: أحصره، وحصر بالعدو، وقيل: أحصر وحصر بمعنى واحد قاله أبو عمرو الكسائي، وحكى ابن فارس أن ناسًا يقولون: حصره المرض، وأحصره العدو.
стр. 2282
فإنهم قالوا: الإحصار بالمرض، والحصر بالعدو
ــ
[البناية]
م: (فإنهم) ش: أي فإن أهل اللغة. م: (قالوا: الإحصار) ش: يعني من باب الأفعال. م: (بالمرض، والحصر) ش: بسكون الصاد. م: (بالعدو) ش: كما ذكرناه مستقصى قبل في كلام المصنف بحث من وجهين: الأول: كان من حق الكلام أن يقال بإجماع أهل التفسير؛ لأن أهل اللغة لا تعلق لهم بورود الآية، وسبب نزولها. الثاني: إنما نزلت في رسول الله ﷺ وأصحابه وكان الإحصار بالعدو.
وأجيب عن الأول: أن معناه بدلالة إجماع أهل اللغة أجمعوا على معنى ذلك المعنى أن تكون الآية واردة في الإحصار بالمرض.
وعن الثاني: بما قيل: النصوص الواردة مطلقة يعمل بها على إطلاقها من غير حمل على الأسباق الواردة، وهي الاجتهاد، ونقول أيضًا: إن العلة المبيحة للتحلل من الإحرام من الإحصار قدر مشترك، وهو المنع، وهو موجود في العدو والمرض فيعم بعموم العلة، ويوضحه ما رواه الترمذي: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا الصواف، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، قال: حدثني الحجاج بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه حجة أخرى " فذكرت ذلك لأبي هريرة، وابن عباس ﵃ فقالا: صدق» .
وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ورواه أبو داود، وابن ماجه من طريق عبد الرزاق.
قلت: الحجاج بن عمرو بن غزية الأنصاري المازني الذي له صحبة ورواية، وكان آخر من قاتل مع علي ﵁، وليس له عند الترمذي، ولا في بقية السنن إلا هذا الحديث الواحد.
فإن قلت: قال القرافي في " الذخيرة ": وهو حديث ضعيف.
стр. 2283
والتحلل قبل أوانه لدفع الحرج الآتي من قبل امتداد الإحرام، والحرج في الاصطبار عليه مع المرض أعظم. وإذا جاز له التحلل يقال له: ابعث شاة تذبح في الحرم وواعد من تبعثه بيوم بعينه تذبح فيه ثم يتحلل
ــ
[البناية]
قلت: هذا خطأ منه، وقال النووي ﵀ في " شرح المهذب " روي بأسانيد صحيحة ولو كان فيه ضعف لما حكم بصحته، ونبه على ضعفه مع مخالفة مذهبه، وفي رواية لأبي داود من عرج أو كسر أو مرض، وفي رواية عن أحمد: في حبس بكسر، أو مرض، وقال ابن حزم في " المحلى ": صح عن ابن مسعود ﵁ أنه أفتى في محرم بعمرة لذع فلم يقدر على النفوذ أن يبعث بهدي ويواعد أصحابه، فإذا بلغ الهدي المحل، وصح عنه أيضًا أنه أفتى في مريض محرم لا يقدر على النفوذ بأنه لا ينحر عنه بدنة ثم ليهل عامًا قابلًا مثل إهلاله الذي أهل به.
والجواب عن استدلال الشافعي بالآية المذكورة: قد علم مما ذكرناه عن ابن عباس مضطربة، وتصديقه للحجاج بن عمرو ﵀ ودليل على اضطراب قوله، ويحمل قوله على نفي الكمال، مثل لا فتى إلا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار، والتحلل قبل أوانه هذا استدلال مفعول فيه ثانية الترك، كأنه قال: سلمنا أن آية الإحصار وردت في الحصر بالعدو ولا فرق بين الإحصار والحصر، لكن المرض ملحق به بالدلالة.
م: (لأن التحلل قبل أوانه لدفع الحرج الآتي من قبل امتداد الإحرام، والحرج في الاصطبار عليه) ش: أي على الإحرام. م: (مع المرض أعظم) ش: لا محالة لكثرة احتياجه إلى المداواة، ويمتد ذلك. م: (وإذا جاز له التحلل) ش: بسبب العدو جاز بسبب المرض بالطريق الأولى؛ لأن الاصطبار على الإحرام مع المرض أشق من الاصطبار عليه بلا مرض، وإذا حد له التحلل. م: (يقال له: ابعث شاة) ش: يعني إذا ثبت له التحلل بالحصر بما ذكرنا من الدليل يقال له: ابعث شاة؛ ابعث: أمر، وشاة: منصوب. م: (تذبح) ش: على صيغة المجهول صفة شاة. م: (في الحرم) ش: في محل النصب على الحال.
م: (وواعد) ش: أمر من المواعدة إنما يحتاج به إلى المواعدة عند أبي حنيفة ﵁ لأن دم الإحصار عنده غير موقت بزمان، أما عندهما موقت بيوم النحر، فلا يحتاج إلى المواعدة كذا في " المحيط " و" المبسوط ". وأما في العمرة فمستقيم على قولهم جميعًا. م: (من تبعثه) ش: فيقول: واعد، والخطاب فيه للمحصر. (بيوم بعينه) ش: اللام فيه متعلق بقوله: واعد.
م: (تذبح فيه) ش: أي في ذلك اليوم بعينه، وتذبح على صيغة المجهول أيضًا. قال الأترازي: يذبح مجزوم على أنه جواب الأمر.
قلت: يجوز أن يكون مرفوعًا على تقدير: هو يذبح فيه. م: (ثم تحلل) ش: أي بعد الذبح،
стр. 2284
وإنما ينبعث إلى الحرم؛ لأن دم الإحصار قربة، والإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان مخصوص أو مكان مخصوص على ما مر، فلا يقع قربة دونه، فلا يقع به التحلل، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦) فإن الهدي اسم لما يهدى إلى الحرم. وقال الشافعي ﵀: لا يتوقت به؛ لأنه شرع رخصة، والتوقيت يبطل التخفيف.
ــ
[البناية]
وبعد التحليل هو مخير إن شاء أقام مكانه، وإن شاء رجع؛ لأنه صار ممنوعًا من الذهاب إلى مكة يخير بين المقام، والانصراف كذا في " المبسوط "، وفي " جامع قاضي خان ": ويبقى محرمًا ما لم يذبح حتى لو فعل مثل الذبح ما يفعله الحلال فقد ارتكب محظور إحرامه.
م: (وإنما يبعث إلى الحرم؛ لأن دم الإحصار قربة، والإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان مخصوص أو مكان مخصوص) ش: والإراقة لم تعرف قربة قام مقام الحلق في أوانه، وهو في أوانه نسك، فكذا ما قام مقامه، وأوانه بعد ركن الحج، وهو الوقوف بعرفات، لكنه لما وقع قبل الأداء، والأوان اعتبر جناية، فقيل: إنه دم كفارة. م: (على ما مر) ش: إشارة إلى قوله: في فصل الصيد: الهدي قربة غير معقولة، فيختص بمكان أو زمان. م: (فلا يقع قربة دونه) ش: أي فلا يقع دم الإحصار قربة دون الحرم. م: (فلا يقع به التحلل) ش: أي فلا يقع بدونه التحلل يعني إذا ذبح دم الإحصار في غير الحرم لا يحصل التحلل.
م: (وإليه) ش: أي وإلى كون دم الإحصار قربة. م: (الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦)) بالكسر عبارة عن المكان كالمسجد والمجلس، نهي عن الحلق حتى يبلغ الهدي محله، موضع حله؛ فسر المحل بقوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وليس المراد عين البيت؛ لأنه لا يراق فيه الدماء فكان المراد به الحرم. م: (فإن الهدي اسم لما يهدى إلى الحرم) ش: أي ينعقد إلى الحرم مأخوذ من الإهداء والهدية، ولهذا لو جعل ثوبه هديًا لزمه تبليغه إلى الحرم، كذا في " الأسرار ". وقال مالك ﵀: للمحصر التحلل بلا هدي إلا أن يكون معه هدي ساقه، وهو خلاف القرآن، والحديث.
م: (وقال الشافعي ﵀: لا يتوقت بالحرم) ش: ويجوز أن يذبح في الموضع الذي أحصر فيه. م: (لأنه) ش: أي لأن الهدي. م: (شرع رخصة) ش: أي لأجل الرخصة. م: (فالتوقيت) ش: بالحرم. م: (يبطل التخفيف) ش: وبه قال أحمد ﵀ في رواية. وقال الشافعي ﵁: إن النبي ﷺ لما أحصر مع أصحابه في الحديبية نحروا بها وهي خارج الحرم. ولنا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦) ، المراد بالمحل الحرم كما ذكرنا، وأما ما يستدل به فقد اختلفت الروايات في نحره ﵊ حين أحصر. «روي أنه أرسلها على يد ناجية الأسلمي لينحرها في الحرم حتى قال ناجية: ما لنا أصنع بما تبعث
стр. 2285
قلنا: إن المراعى أصل التخفيف لا نهايته، وتجوز الشاة؛ لأن المنصوص عليه الهدي والشاة أدناه، وتجزئه البقرة والبدنة أو سبعها كما في الضحايا، وليس المراد بما ذكرنا بعث الشاة بعينها؛ لأن ذلك قد يتعذر، بل له أن يبعث بالقيمة حتى تشترى الشاة هنالك وتذبح عنه. وقوله: ثم تحلل إشارة إلى أنه ليس عليه الحلق أو التقصير، وهو قول أبي
ــ
[البناية]
فقال: " انحرها، واصبغ نعلها بدمها، واضرب صفحة سنامها وخل بينها وبين الناس، ولا تأكل أنت ولا رفقتك منها شيئًا.» وهذه الرواية أقرب إلى موافقة الآية، وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] (الفتح: الآية ٢٥) .
وأما الرواية الثانية فإن صحت فنقول: الحديبية من الحرم؛ لأن نصفها من الحل، ونصفها من الحرم، وكان يضارب رسول الله ﷺ في أحد، ومصلاه في الحرم، وإنما تبعث الهدايا إلى جانب الحرم، ونحرت فيه، ولا يكون للخصم حجة.
وقيل: إن النبي ﷺ كان مخصوصا بذلك؛ لأنه ﷺ ما كان يجد في ذلك الوقت من يبعث الهدايا مع يده إلى الحرم، كذا في " المبسوط "، وقال الواقدي: الحديبية: هي طوف الحرم على سبعة أميال، وقال أبو القاسم بن عبيد الله بن خردويه في كتابه " حدود الحرم ": من طريق المدينة على ثلاثة أميال، ومن طريق اليمن على سبعة أميال، ومن طريق الطائف على أحد عشر ميلًا، ومن طريق جدة على أحد عشر ميلًا، ومن طريق العراق على تسعة أميال.
م: (قلنا: إن المراعى أصل التخفيف لا نهايته) ش: أي الذي يراعى هنا أصل التخفيف لا نهاية التخفيف، ولهذا لم يستحق التخفيف من لم يجد الهدي، بل يبقى محرمًا حتى يطوف ويسعى كما يفعل فائت الحج. م: (وتجوز الشاة) ش: يعني في الهدي، وذكر في " المحيط ": إذا كان معسرًا لا يجد قيمة الشاة أقام حرامًا حتى يطوف ويسعى كما يفعله فائت الحج. م: (لأن المنصوص عليه الهدي) ش: أي في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦) . م: (والشاة أدناه) ش: أي أدنى الهدي؛ لأن الهدي من الإبل، والبقر، والغنم. م: (وتجزئه البقرة والبدنة أو سبعها كما في الضحايا) ش: أي يجزئه سبع البقرة أو سبع البدنة كما في الأضحية، وعن أبي يوسف ﵀: أن عطاء قال: للمحصر إذا لم يجد الهدي، قوم الهدي طعامًا يتصدق به على المساكين، فإن لم يكن عنده طعام صام لكل نصف صاع يومًا، وقال أبو يوسف: قول عطاء أحب إلي.
م: (وليس المراد بما ذكرنا بعث الشاة بعينها؛ لأن ذلك) ش: أي بعث الشاة بعينها. م: (قد يتعذر، بل له أن يبعث) ش: شاة. م: (بالقيمة حتى تشترى الشاة هنالك) ش: أي في الحرم. م: (وتذبح عنه. وقوله) ش: أي قول القدوري ﵀. م: (ثم تحلل؛ إشارة إلى أنه ليس عليه الحلق أو التقصير) ش: وذلك لأنه لم يشترط الحلق للتحلل. م: (وهو) ش: أي عدم اشتراط الحلق للمحصر. م: (قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -، وقال أبو يوسف ﵀: عليه ذلك) ش: أي على المحصر
стр. 2286
حنيفة ومحمد - رحمهما الله -، وقال أبو يوسف ﵀: عليه ذلك، ولو لم يفعل لا شيء عليه؛ لأنه ﵊ حلق عام الحديبية، وكان محصرا بها وأمر أصحابه ﵃ بذلك. ولهما أن الحلق إنما عرف قربة مرتبا على أفعال الحج فلا يكون نسكا قبلها، وفعل النبي ﵊ وأصحابه ﵃ ليعرف استحكام عزيمتهم على الانصراف.
قال: وإن كان قارنا بعث بدمين لاحتياجه إلى التحلل من إحرامين
ــ
[البناية]
الحلق، وبه قال الشافعي ﵀ في قول، ومالك وأحمد - رحمهما الله - في رواية، وفي " الكافي ": المراد من قوله ﵊ ذلك، أي الحلق استحبابًا لا وجوبًا، بدليل قوله. م: (ولو لم يفعل) ش: أي الحلق. م: (لا شيء عليه) ش:
فإن قلت: لا مطابقة بين الدليل والمدلول؛ لأن قوله ﷺ مع أمره فيما قربه دليل الوجوب، فكيف يصح دليلًا على قول: ولو لم يفعل لا شيء عليه.
قلت: عن أبي يوسف روايتان في المسألة، في رواية: يجب الحلق، وفي رواية: لا يجب، ذكره المحبوبي، والمصنف ذكر دليل رواية الوجوب فقط، وقيل: لا؛ لأن ترك الواجب يوجب الدم، وترك السنة يوجب الإساءة، ولم يذكر واحدًا من الأمرين. وفي " مبسوط شيخ الإسلام " ﵀ على هذه الرواية: لا يتحقق الخلاف، وإنما يتحقق على ما روي في " النوادر " أن عليه الحلق، وإن لم يحلق فعليه دم.
م: (لأنه ﷺ ) ش: أي لأن النبي ﷺ . م: (حلق عام الحديبية، وكان محصرا بها وأمر أصحابه بذلك) ش: أي بالحلق، والحديث صحيح، رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عمر، وابن عباس ﵃؛ ولأن الإحصار يمنع من الطواف والسعي، ولم يمنع من الحلق فما منع سقط للضرورة، وما لم يمنع لم يسقط لعدم الضرورة.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ومحمد. م: (أن الحلق إنما عرف قربة مرتبا على أفعال الحج فلا يكون نسكا قبلها) ش: أي قبل أفعال الحج، ولم توجد أفعال الحج، فلا تكون قربة؛ ولأن الحلق من توابع الإحرام قد يؤمر به المحصر كالرمي. م: (وفعل النبي ﷺ وأصحابه) ش: هذا جواب عما تمسك به أبو يوسف ﵀ بيانه أن النبي ﷺ لما أحصر بالحديبية صالح مع كفار قريش أن يعتمر في العام القابل، وكان رأي أصحابه أن يحاربوهم ويعتمروا من عامهم ذلك، فحلق رسول الله ﷺ وأمر أصحابه بذلك. م: (ليعرف استحكام عزمهم على الانصراف) ش: أي على الرجوع؛ لأن حكم الله كان في الرجوع لا لأجل أن الحلق واجب.
[ما يفعل المحصر لو كان قارنا]
م: (قال: وإن كان) ش: أي المحصر. م: (قارنا بعث بدمين لاحتياجه إلى التحلل من إحرامين) ش: وعند الشافعي، ومالك، وأحمد ﵏: يكفيه دم. م: (فإن بعث بهدي واحد ليتحلل عن
стр. 2287
فإن بعث بهدي واحد ليتحلل عن الحج ويبقى في إحرام العمرة لم يتحلل عن واحد منهما؛ لأن التحلل منهما شرع في حالة واحدة. ولا يجوز ذبح دم الإحصار إلا في الحرم، ويجوز ذبحه قبل يوم النحر عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: لا يجوز الذبح للمحصر بالحج إلا في يوم النحر، ويجوز للمحصر بالعمرة متى شاء، اعتبارا بهدي المتعة والقران، وربما يعتبر أنه بالحلق إذ كل واحد منهما محلل. ولأبي حنيفة ﵀: أنه دم كفارة حتى لا يجوز الأكل منه فيختص بالمكان دون الزمان كسائر دماء الكفارات،
ــ
[البناية]
الحج، ويبقى في إحرام العمرة لم يتحلل عن واحد منهما؛ لأن التحلل منهما) ش: أي من الإحرامين. م: (شرع في حالة واحدة) ش: فلم يصح تقديم التحلل عن أحدهما كما في " المدرك ".
فإن قلت: وجب أن يكتفى بهدي واحد؛ لأن الهدي شرع في التحلل، والتحلل عن الإحرامين يقع بتحلل واحد، كما لو حلق قبل الذبح بعد أداء الأفعال.
قلت: ليس هذا كالحلق؛ لأن الحلق في الأصل محظور الإحرام، وإنما صار قربة بسبب التحلل، فكان قربة لمعنى في غيره لا في نفسه، فينوب الواحد عن اثنين كالطهارة الواحدة تكفي للصلاة الكثيرة، وكالسلام الواحد في باب الصلاة، فإنه يكفي للتحلل عن صلوات كثيرة، فأما الهدي شرع للتحلل؛ إلا أنها قربة مقصودة بنفسها بدون التحلل كما في الأضحية، وما شرع قربة مقصودة بنفسها، فلا ينوب الواحد عن الاثنين كأفعال الصلاة.
[مكان ووقت ذبح دم الإحصار]
م: (ولا يجوز ذبح دم الإحصار إلا في الحرم) ش: إنما أعاد هذه المسألة مع أنه ذكرها عن قريب في هذا الباب توطئة لقوله. م: (ويجوز ذبحه قبل يوم النحر عند أبي حنيفة ﵀) ش: زيادة في بيان أن دم الإحصار أعرف في الاختصاصية بالمكان، حيث لم يختلف فيه أصحابنا من اختصاصه بالزمان؛ لأنه مختلف فيه، فعند أبي حنيفة ﵀ يجوز ذبحه قبل يوم النحر.
م: (وقالا: لا يجوز الذبح للمحصر بالحج إلا في يوم النحر، ويجوز للمحصر بالعمرة) ش: أن يذبح. م: (متى شاء) ش: أي بالإجماع. م: (اعتبارا بهدي المتعة والقران) ش: فإنهما موقتان بالزمان، والمكان بلا خلاف، وهذا متصل بقوله: إلا في يوم النحر بالعمرة متى شاء، ففرقنا بينهما احترازًا. م: (وربما يعتبر أنه) ش: أي ربما يعتبر أبو يوسف، ومحمد - رحمهما الله - الذبح. م: (بالحلق؛ إذ كل واحد منهما محلل) ش: هذا بيان وجه الاعتبار بالحلق، أي القياس عليه بيانه أن كل واحد منهما دم يتحلل به عن إحرام الحج، فلا يجوز قبل أوان التحلل كالحلق.
م: (ولأبي حنيفة ﵀: أنه) ش: أي أن الذبح. م: (دم كفارة حتى لا يجوز الأكل منه فيختص بالمكان دون الزمان كسائر دماء الكفارات) ش: لأن هذا دم واجب لأجل الخروج عن الإحرام قبل أداء الأفعال، والخروج عن الإحرام قبل أداء الأفعال جناية، فيكون ما وجب لأجله
стр. 2288
بخلاف دم المتعة والقران؛ لأنه دم نسك، وبخلاف الحلق؛ لأنه في أوانه؛ لأن معظم أفعال الحج وهو الوقوف ينتهي به. قال: والمحصر بالحج إذا تحلل فعليه حجة وعمرة، هكذا روي عن ابن عباس وابن عمر ﵃
ــ
[البناية]
كفارة كما في سائر الجنايات، ولهذا لا يباح له التناول بالاتفاق. والكفارات تختص بالمكان دون الزمان بالاتفاق. م: (بخلاف دم المتعة والقران) ش: هذا جواب عن اعتبارهما، والذي بالحلق بيانه أن هذا الاعتبار غير صحيح. م: (لأنه) ش: أي لأن دم المتعة والقران. م: (دم نسك) ش: وما هو دم نسك يختص بالزمان، فكذا هذا.
م: (وبخلاف الحلق) ش: هذا جواب عن اعتبارهما الآخر، بيانه أن اعتبارهما الذبح بالحلق لا يصح. م: (لأنه) ش: أي لأن الحلق. م: (في أوانه؛ لأن معظم أفعال الحج وهو الوقوف) ش: بعرفة. م: (ينتهي به) ش: أي بوقت الحلق، ووقت الحلق مبدؤه طلوع الفجر من يوم النحر، فلا بد أن يقع الحلق في يوم النحر. وقال صاحب " الأسرار ": قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦) ، من غير اشتراط زمان، فالاشتراط بالناس نسخ. م: (والمحصر بالحج إذا تحلل فعليه حجة وعمرة) ش: وفي غالب النسخ قال: والمحصر بالحج، أي قال القدوري ﵀: المحصر بالحج ... إلخ.
م: (هكذا روي عن ابن عباس وابن عمر ﵃) ش: قال الأكمل: وابن عباس، وعمر قالا: قال رسول الله ﷺ : «من فاته عرفة بليل، فقد فاته الحج فيتحلل بعمرة، وعليه الحج من قابل» قال: والحديث عام في الذي فاته الحج لفوات وقت الوقوف، وبفواته في الإحصار لأن كلًا منهما قد فاته عرفة، وقلنا بوجوب العمرة، وأما الحجة فإنها تجب قضاء لصحة الشروع فيها، انتهى.
قلت: المصنف لم يبين من أخرج الذي ذكره، ولو كان له أصل لبينه مخرج الأحاديث، وإنما قال بعد قوله: روي عن ابن عمر ﵄ ... إلى آخره، ذكره أبو بكر الرازي عن ابن عباس، وابن مسعود ﵄ لا غير، وقد ذكرنا فيما مضى ناقلًا عن السروجي أنه قول عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وعروة ﵃، وذكرنا هناك أيضًا أنه قول مالك، والشافعي، وأحمد ﵏ في رواية: لا قضاء عليه إلا أن تكون حجة الإسلام.
стр. 2289
ولأن الحجة تجب قضاء لصحة الشروع فيها والعمرة لما أنه في معنى فائت الحج،
وعلى المحصر بالعمرة القضاء، والإحصار عنها يتحقق عندنا. وقال مالك ﵀: لا يتحقق؛ لأنها لا تتوقت. ولنا أن النبي ﵊ وأصحابه ﵃ أحصروا بالحديبية وكانوا عمارا؛ ولأن شرع التحلل لدفع الحرج، وهذا المعنى موجود في إحرام العمرة، وإذا تحقق الإحصار فعليه القضاء إذا تحلل كما في الحج. وعلى القارن حج وعمرتان، أما الحج وإحداهما فلما بينا، وأما الثانية لأنه خرج منها بعد صحة الشروع فيها.
ــ
[البناية]
م: (ولأن الحجة) ش: دليل آخر. م: (تجب قضاء لصحة الشروع فيها) ش: والشروع الصحيح ملزم. م: (والعمرة) ش: أي وقت العمرة. م: (لما أنه) ش: أي أن المحصر. م: (في معنى فائت الحج) ش: لأن في كل واحد منهما خروجًا عن الإحرام بعد الشروع قبل أداء الأفعال ثم فائت الحج يتحلل بأداء العمرة ويقضي الحج، فكذا هذا.
فإن قيل: العمرة في فائت الحج للتحلل، وهاهنا يحل بالهدي، فلا حاجة إلى إيجاب العمرة.
قلنا: والهدي لأجل لا يسقط العمرة الواجبة بعد تحقق الإحصار، لما أن المحصر في معنى فائت الحج، والعمرة واجبة، كذا ذكره العلامة حميد الدين - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وفي " المستصفى ": الهدي شرع لتعجيل التحلل عن الإحرام لا للتحلل عن الإحرام؛ لأنا لو شرطنا توقف تحلله بالعمرة يؤدي إلى إلحاق الضرر به لعجزه عنها بواسطة الإحصار.
[ما يلزم المحصر بالعمرة]
م: (وعلى المحصر بالعمرة القضاء؛ لأن الإحصار عنها يتحقق عندنا. وقال مالك ﵀: لا يتحقق) ش: أي الإحصار عن العمرة. م: (لأنها لا تتوقت) ش: لعدم تحقق الفوات. م: (ولنا أن النبي ﷺ وأصحابه أحصروا بالحديبية وكانوا عمارا) ش: هذا الحديث قد صح من وجوه كثيرة أن رسول الله ﷺ وأصحابه أحصروا بالعمرة بالحديبية فقضوها من القابل، وكانت تسمى عمرة القضاء، على أن مالكًا قد أورد في " الموطأ «أن رسول الله ﷺ كان أهل بعمرة عام الحديبية» .
م: (ولأن شرع التحلل) ش: أي لأن مشروعية التحلل الكائن الناشئ من امتداد الإحرام. م: (لدفع الحرج، وهذا المعنى موجود في إحرام العمرة) ش: بالشروع، فيشرع التحلل. م: (وإذا تحقق الإحصار فعليه القضاء إذا تحلل كما في الحج) ش: أي كما في المحصر بالحج إذا تحلل فعليه حجة وعمرة. م: (وعلى القارن) ش: أي وعلى المحصر القارن. م: (حجة وعمرتان، أما الحج وإحداهما) ش: أي وأحد العمرتين. م: (فلما بينا) ش: يعني في المفرد من كونه يعني فائت الحج.
م: (وأما الثانية) ش: أي وأما العمرة الثانية. م: (فلأنه خرج منها بعد صحة الشروع فيها) ش: فوجب قضاؤها، فإن بعث القارن هديًا، قال السغناقي ﵀: ذكر القارن هنا وقع غلط ظاهر من النساخ، فالصواب أن يقال: فإن بعث المحصر، بيان الغلط من وجهين،
стр. 2290
فإن بعث القارن هديا وواعدهم أن يذبحوه في يوم بعينه ثم زال الإحصار
ــ
[البناية]
أحدهما: أنه ذكر وإن بعث القارن هديا، ويجب على القارن بعث الهدي فلأنه يتحلل بالواحد؛ لأنه ذكر قبل هذا في الباب، فإن كان قارنًا بعث بدمين. والثاني: أن المصنف جمع بين روايتي القدوري ﵀، و" الجامع الصغير "، وهذه المسألة مذكورة في هذين الكتابين في حق المحصر بالهدي بالحج، ودفع الكاكي هذا عن المصنف فقال: يمكن أن يكون، وهذا المراد من قوله: هدي، أي لكل واحد من الحج والعمرة، أو يكون أراد بالهدي الجنس كما في قول الراوي: «قضى رسول الله ﷺ بشاهد ويمين» أن بجنس الشاهد عند إقامة البينة، وقال الأكمل ﵀ في دفع هذا: لما كان كلام المصنف قبل هذا في القارن لم يرد ذلك النظر.
وقال: م: (فإن بعث القارن هديًا) ش: والهدي إلى الحرم سواء كان ذلك دمين، أو دمًا واحدا وثوبا، وكان ذكر الواجب عليه دمان، وهما هدي القارن، فكأنه قال: فإن بعث القارن دمين فلا منافاة بين هذا وبين ما تقدم، ولا هو غالط في الكلام ولا من فسخه، بل ربما لو قال: فإن بعث المحصر كما بينا في حق القارن، ولو قال: هديين كان غير فصيح؛ لأنه اسم لجنس ما يهدى، ولا شيء إلا إذا قصد الأنواع، وليس بمقصود، انتهى.
قلت: كلامه لا يخلو عن النظر؛ لأن قوله: لأنه اسم جنس، وهذا غير صحيح، وكذلك في كلام الكاكي نظر من هذا الوجه، ووجه آخر أن الأصل عدم التقدير، وقال الأترازي: قيد بالقارن في " الهداية " وليس فيه كثير فائدة؛ لأن الحكم في المفرد بالحج كذلك، ولهذا وضع القدوري ﵀ هذه المسألة في مطلق المحصر، ولم يقيد بالقارن فقال: وإذا بعث المحصر هديا، ولم يقيد في " الجامع الصغير " أيضًا بالقارن وضع المسألة في المحصر بالحج، على أنه كان ينبغي أن يقول صاحب " الهداية " هديين؛ لأن القارن المحصر يبعث الهديين، انتهى.
قلت: لا يصح نفيه على الإطلاق، وأما نفي الأكمل العدد؛ لأنه قال: لم يرد به هاهنا، ونحن لا نسلم من أن يكون المراد العدد؛ لأن ذكر القارن قبله وبأن عليه دمين قرينة على صحة الإرادة من قوله: هديا هديين، وقول الأكمل، ولو كان غير فصيح لا يقبل هنا؛ لأن هذا في كلام الفصحاء، وكلام الفقهاء في متون الكتب مشحونة بالتسامح، والتساهل في الكلام.
م: (وواعدهم أن يذبحوه في يوم بعينه ثم زال الإحصار) ش: هنا أربعة أوجه: القسمة العقلية؛ لأنه إما أن لا يدرك الهدي، أو يدركهما، أو يدرك الهدي دون الحج أو بالعكس، فذكر المصنف ﵀ جميع ذلك، فالأول هو قوله: م: (فإن كان لا يدرك الحج والهدي لا يلزمه أن يتوجه) ش: لعدم الفائدة.
стр. 2291
فإن كان لا يدرك الحج والهدي لا يلزمه أن يتوجه بل يصبر حتى يتحلل بنحر الهدي لفوات المقصود من التوجه، وهو أداء الأفعال. وإن توجه ليتحلل بأفعال العمرة له ذلك؛ لأنه فائت الحج. فإن كان يدرك الحج والهدي لزمه التوجه لزوال العجز قبل حصول المقصود بالخلف. فإذا أدرك هديه صنع به ما شاء؛ لأنه ملكه وقد كان عينه لمقصود استغنى عنه.
وإن كان يدرك الهدي دون الحج؛ يتحلل لعجزه عن الأصل. وإن كان يدرك الحج دون الهدي جاز له التحلل استحسانا، وهذا التقسيم لا يستقيم على قولهما في المحصر بالحج؛ لأن دم الإحصار عندهما يتوقت بيوم النحر، فمن يدرك الحج يدرك الهدي، وإنما يستقيم على قول أبي حنيفة ﵀ وفي المحصر بالعمرة يستقيم بالاتفاق؛ لعدم توقت الدم بيوم النحر.
ــ
[البناية]
فإن قلت: ينبغي أن يلزم المتوجه ليتحلل بأفعال العمرة، وأنه واجب وله القدرة على ذلك.
قلت: لأنه قد فاته المقصود الأعظم، وهو الحج، وقد رخص له التحلل ببعث الهدي، فجاز له أن يتحلل.
م: (بل يصبر حتى يتحلل بنحر الهدي) ش: المبعوث. م: (لفوات المقصود من التوجه) ش: وهو الإدراك للحج، والهدي معًا، وهو معنى قوله: م: (وهو أداء الأفعال) ش: أي أفعال الحج. م: (وإن توجه) ش: الثاني. م: (ليتحلل بأفعال العمرة له ذلك؛ لأنه فائت الحج. فإن كان يدرك الحج والهدي لزمه التوجه لزوال العجز) ش: وهو عدم الإدراك. م: (قبل حصول المقصود بالحلق) ش: كالمكفر بالصوم إذا أيسر قبل إتمام الكفارة به. م: (فإذا أدرك هديه صنع به ما شاء؛ لأنه ملكه وقد كان عينه لمقصود استغنى عنه) ش: بإدراك الأصل.
[مكان ذبح الهدي للمحصر]
م: (وإن كان يدرك الهدي دون الحج) ش: وهو الوجه الثالث. م: (يتحلل لعجزه عن الأصل) ش: وفي بعض النسخ بعجزه عن الأصل بالباء الموحدة، أي بسبب عجزه، والتقدير في الكلام، أي لأجل عجزه. م: (وإن كان يدرك الحج دون الهدي جاز له التحلل استحسانا، وهذا التقسيم) ش: أراد به إدراك الحج دون إدراك الهدي هو الوجه الواقع. م: (لا يستقيم على قولهما) ش: أي على قول أبي يوسف، ومحمد - رحمهما الله -. م: (في المحصر بالحج؛ لأن دم الإحصار عندهما يتوقت بيوم النحر، فمن يدرك الحج يدرك الهدي، وإنما يستقيم على قول أبي حنيفة ﵀ وفي المحصر بالعمرة يستقيم) ش: هذا الوجه الرابع. م: (بالاتفاق) ش: بين أبي حنيفة ﵁ وصاحبيه. م: (لعدم توقت الدم بيوم النحر) ش: فلا يلزم إدراك الحج إدراك الهدي، ويجوز أن يكون بنفاذ الذبح أول يوم من عشر ذي الحجة مثلًا على قولهما، فلا يتأتى لأن الهدي موقت بيوم النحر في الحصر بالحج، فمن أدرك الحج أدرك الهدي لا محالة، وفي المحصر بالعمرة اتفاق.
م: (وجه القياس وهو قول زفر) ش: ورواية الحسن عن أبي حنيفة ﵁. م: (أنه) ش: أي المحصر. م: (قدر على الأصل وهو الحج قبل حصول المقصود بالبدل، وهو الهدي) ش: كالمقيم
стр. 2292
وجه القياس - وهو قول زفر ﵀ أنه قدر على الأصل وهو الحج قبل حصول المقصود بالبدل، وهو الهدي. وجه الاستحسان أنا لو ألزمناه التوجه لضاع ماله؛ لأن المبعوث على يديه الهدي ليذبحه ولا يحصل مقصوده، وحرمة المال كحرمة النفس، وله الخيار إن شاء صبر في ذلك المكان أو في غيره؛ ليذبح عنه فيتحلل، وإن شاء توجه ليؤدي النسك الذي التزمه بالإحرام وهو أفضل؛ لأنه أقرب إلى الوفاء بما وعد.
ومن وقف بعرفة ثم أحصر لا يكون محصرا؛ لوقوع الأمن عن الفوات.
ــ
[البناية]
إذا وجد الماء في خلال الصلاة، وكالمريض إذا قدر على الوطء في مدة الإيلاء يبطل الفيء باللسان، وكالمكفر بالصوم إذا أيسر قبل إتمام الكفارة.
م: (وجه الاستحسان أنا لو ألزمناه التوجه لضاع ماله؛ لأن المبعوث على يديه الهدي ليذبحه) ش: أي لأجل أن يذبحه، وهو جواب أن، وفي غالب النسخ: يذبحه بدون اللام. م: (ولا يحصل مقصوده) ش: أي مقصود المحصر. م: (وحرمة المال كحرمة النفس) ش: يعني كما أن خوف النفس عذر في التحلل، فكذلك الخوف على المال.
فإن قلت: هذا الذي ذكره المصنف أن حرمة المال كحرمة النفس مخالف لما قال فخر الإسلام ﵀، والأصوليون أن حرمة المال فجاز أن يكون وقاية النفس، فإذا أكره بالقتل على إتلاف مال غيره جاز الإقدام عليه.
أجيب: بأن حرمة النفس فوق حرمة المال حقيقة؛ لأنه مملوك ليستدل، فإنه يماثل المالك المستقل، ولكن حرمة المال تشبه حرمة النفس من حيث كون إتلافه ظلمًا لقيام عصمة صاحبه فيه، وإلى هذا أشار المصنف ﵀ بكاف التشبيه، فإن المشابهة بهذين الشيئين لا يقتضي اتحادهما من جميع الجهات، وإلا لارتفع التشبيه، ولو خاف على نفسه لا يلزمه التوجه، فكذا إذا خاف على ماله؛ لأنه ينبغي أن يضمن المبعوث على يده بالذبح لفوات مقصود المحصر، ولا وجه لإيجاب الضمان عليه لوجود الإذن.
م: (وله الخيار إن شاء صبر) ش: هذا على وجه الاستحسان، يعني لما جاز له التحلل استحسانًا كان له الخيار إن شاء صبر. م: (في ذلك المكان أو في غيره؛ ليذبح عنه) ش: بهديه الذي بعثه. م: (فيتحلل، وإن شاء توجه ليؤدي النسك الذي التزمه بالإحرام وهو الأفضل) ش: أي التوجه أفضل. م: (لأنه أقرب إلى الوفاء بما وعد) ش: وهو الحج؛ لأنه شرع فيه ووعد أداءه بقوله: اللهم إني أريد الحج، وأيضًا التوجه عمل بالعزيمة والتحلل رخصة.
[حكم من وقف بعرفة ثم أحصر]
م: (ومن وقف بعرفة ثم أحصر لا يكون محصرا؛ لوقوع الأمن عن الفوات) ش: أي لا يتحلل بالهدي عندنا، وبه قال مالك، وعند الشافعي، ومحمد ﵃: لو أحصر عن طواف الزيارة، ولقاء البيت يكون محصرًا لإطلاق قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ومن أحصر بمكة وهو ممنوع عن الطواف والوقوف، فهو محصر؛ لأنه تعذر عليه الإتمام؛ فصار كما إذا أحصر في الحل. وإن قدر على أحدهما فليس بمحصر، أما على الطواف فلأن فائت الحج يتحلل به، والدم بدل عنه في التحلل، وأما على الوقوف فلما بينا
стр. 2293
ومن أحصر مكة وهو ممنوع عن الطواف والوقوف، فهو محصر؛ لأنه تعذر عليه الإتمام؛ فصار كما إذا أحصر في الحل. وإن قدر على أحدهما فليس بمحصر، أما على الطواف فلأن فائت الحج يتحلل به، والدم بدل عنه في التحلل، وأما على الوقوف فلما بينا
ــ
[البناية]
١٩٦ -) .
قلنا: حكم الإحصار يثبت عند خوف الفوت، وبعد الوقوف بعرفة لا يخاف الفوت؛ لقوله ﵊: «من وقف بعرفة فقد تم حجه» وكان المنع بعد التمام، فلا يكون محصرًا، ومعنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: فإن منعتم عن إتمام الحج والعمرة، ولكنه يبقى محرمًا إلى أن يطوف للزيارة والصدر ويحلق أو يقصر، وعليه دم لترك الوقوف بمزدلفة، ولرمي الجمار دم، ولتأخير الطواف دم، ولتأخير الحلق دم عند أبي حنيفة ﵀ فكان عليه أربعة دماء، وعندهما ليس لتأخير الطواف شيء.
فإن قيل: أليس أنكم قلتم: إذا ازدادت عليه مدة الإحرام يثبت حكم الإحصار في حقه، وقد ثبتت زيادة مدة الإحرام هاهنا فلما لم يثبت حكم الإحصار في حقه.
قلنا: ليس كذلك، فإنه يتمكن من التحلل بالحلق إلا في حق النساء، وإن كان يلزمه بعض الدماء فلا يتحقق العذر الواجب للتحلل، كذا في " المبسوط ".
[أحصر بمكة وهو ممنوع عن الطواف والوقوف]
م: (ومن أحصر بمكة وهو ممنوع عن الطواف والوقوف، فهو محصر؛ لأنه تعذر عليه الإتمام، فصار كما إذا أحصر في الحل) ش: حاصله أن الإحصار لا يتحقق عندنا، إلا إذا منع عن الوقوف والطواف جميعًا، وقال الشافعي ﵁: يتحقق الإحصار بمكة مطلقًا، سواء قدر على الطواف أو لا، لإطلاق قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦) ، قلنا: مورد النص فيمن أحصر، خارج الحرم بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦) والنهي عن الحلق مقيدًا ببلوغ الهدي إلى الحرم دليل إلى أنه خارج الحرم.
م: (وإن قدر على أحدهما) ش: أي أحد الاثنين وهما الطواف والوقوف. م: (فليس بمحصر) ش: يعني لا يكون محصرًا يعني لا يتحلل بالدم؛ لأنه بأيهما أحصر، فله أن يأتي بالآخر.
م: (أما على الطواف) ش: أي أما لو قدر على الطواف. م: (فلأن فائت الحج يتحلل به) ش: أي بالهدي. م: (والدم بدل عنه) ش: أي عن الطواف. م: (في التحلل) ش: في حق المحصر بعمرة عن الطواف، فلما قدر على الطواف، وهو الأصل؛ لم يثبت البدل، وهو التحلل بالهدي.
م: (وأما على الوقوف) ش: أي أما لو قدر على الوقوف. م: (فلما بينا) ش: وهو قوله: ومن وقف بعرفة ثم أحصر لا يكون محصرًا. م: (وقد قيل في هذه المسألة) ش: يعني قوله: ومن أحصر بمكة. م: (خلاف بين أبي حنيفة، وأبي يوسف - رحمهما الله -) ش: وهو ما ذكر علي بن جعد ﵀ عن أبي يوسف ﵀، قال: سألت أبا حنيفة ﵁ عن المحرم
стр. 2294
وقد قيل في هذه المسألة خلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - والصحيح ما أعلمتك من التفصيل، والله تعالى أعلم.
ــ
[البناية]
يحصر في الحرم فقال: لا يكون محصرا. فقلت: أليس أن النبي ﷺ أحصر بالحديبية وهي من الحرم، فقال: إن مكة يومئذ كانت دار الحرب، فأما اليوم، فهي دار الإسلام، فلا يتحقق الإحصار فيها، قال أبو يوسف ﵀: وأما أنا فأقول: إذا غلب العدو على مكة حتى حالوا بينه وبين البيت فهو محصر.
م: (والصحيح ما أعلمتك من التفصيل) ش: أي قال المصنف ﵀: والصحيح من الرواية الممنوع من الوقوف والطواف يكون محصرًا باتفاق أصحابنا، وإذا قدر على أحدهما لا يكون محصرًا وهو معنى قوله: ما أعلمتك من التفصيل فافهم، والله ولي العصمة.
стр. 2295
باب الفوات ومن أحرم بالحج وفاته الوقوف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر، فقد فاته الحج؛ لما ذكرنا أن وقت الوقوف يمتد إليه، وعليه أن يطوف ويسعى ويتحلل ويقضي الحج من قابل ولا دم عليه؛ لقوله ﵊: «من فاته عرفة بليل فقد فاته الحج فليتحلل بعمرة» . وعليه الحج من قابل،
ــ
[البناية]
[باب الفوات] [حكم من أحرم بالحج وفاته الوقوف بعرفة]
م: (باب الفوات) ش: أي: هذا باب في بيان أحكام الفوات في الحج وآخره عن الإحصار؛ لأن الفوات إحرام وأداء، والإحرام والإحصار إحرام بلا أداء، فكان الإحصار قابلًا في العارضية، فقدم على الطواف وأيضًا معنى الإحصار من الفوات نازل منزلة المفرد من المركب، والمفرد قبل المركب.
م: (ومن أحرم بالحج وفاته الوقوف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج؛ لما ذكرنا أن وقت الوقوف يمتد إليه) ش: أي إلى طلوع الفجر من يوم النحر، وأراد بقوله: لما ذكرنا ذكره في الفصل المتقدم على باب القران.
م: (وعليه أن يطوف ويسعى ويتحلل) ش: أي بالحلق، وعن مالك ﵀: يبقى محرمًا حتى يقف بعرفة في العام القابل، واختلف أصحاب الشافعي ﵃ في أن التحلل بماذا، قال بعضهم: يتحلل ويسعى، ويحلق قولا واحدًا.
وقال بعضهم في المسألة قولان: أحدهما: وهو الصحيح أن عليه طوافًا وسعيا وحلقًا، والثاني: أنه ليس عليه شيء، وقال المزني ﵀: لا يسقط، وبه قال مالك ﵀. م: (ويقضي الحج من قابل) ش: أي من عام قابل. وقال الشافعي ﵀: إن كان الحج فرضا يبقى في ذمته، ويحج من قابل، وإن كان تطوعًا يلزمه القضاء، وعن أحمد: لا قضاء في رواية. م: (ولا دم عليه؛ لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ : م: (من فاته عرفة بليل فقد فاته الحج فليتحلل بعمرة. وعليه الحج من قابل) ش: هذا الحديث أخرجه الدارقطني ﵀ في " سننه " عن ابن عمر، وابن عباس ﵃ فحديث ابن عمر ﵄ أخرجه عنه رحمة بن مصعب عن ابن أبي ليلى عن عطاء ونافع عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من وقف بعرفة بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته بليل فقد فاته الحج، فليحل بعمرة، وعليه الحج من قابل» ، ورحمة بن مصعب ﵀ ضعيف. قال الدارقطني: رحمة ضعيف، وقد تفرد به. ورواه ابن عدي في الكامل وأعله بمحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ﵀ وضعفه عن جماعة.
стр. 2296
والعمرة ليست إلا الطواف والسعي، ولأن الإحرام بعدما انعقد صحيحا لا طريق للخروج عنه إلا بأداء أحد النسكين كما في الإحرام المبهم. وهاهنا عجز عن الحج فتتعين عليه العمرة، ولا دم عليه
ــ
[البناية]
وحديث ابن عباس ﵄ أخرجه عن يحيى بن عيسى التميمي النهشلي، عن محمد بن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أدرك عرفات فوقف بها والمزدلفة فقد تم حجه، ومن فاته عرفات، فقد فاته الحج، فليحل بعمرة، وعليه الحج من قابل» . ويحيى بن عيسى النهشلي ﵀ قال النسائي ﵀ فيه: ليس بالقوي، وقال ابن حبان في كتاب " الضعفاء ": كان ممن ساء حفظه، وكثر وهمه حتى خالف الأثبات، فبطل الاحتجاج به، ثم أسند عن ابن معين ﵀ أنه قال: كان ضعيفًا ليس بشيء، وقال في " التنقيح ": روى له مسلم، والشراح كلهم ذكروا هذا الحديث، ولم يذكر أحد منهم ما حاله.
م: (والعمرة ليست إلا الطواف والسعي) ش: بين الصفا والمروة. م: (ولأن الإحرام بعدما انعقد صحيحا لا طريق للخروج عنه إلا بأداء أحد النسكين) ش: وهما الحج والعمرة، قوله: صحيحًا، أي نافذًا لازمًا، لا يرتفع برافع احترز به عن إحرام الرقيق بغير إذن المولى. وإحرام المرأة في التطوع بغير إذن زوجها، فإن للمولى والزوج أن يحللاهما وليس باحتراز عن الإحرام الفاسد كما إذا جامع المحرم قبل الوقوف بعرفة، أو أحرم مجامعًا، فإن حكمه حكم الصحيح، قيل: قوله: لا طريق للخروج عنه إلا بأداء أحد النسكين منقوض بالمحصر، فإن الهدي طريق له للخروج عنه، وأجيب بأنه بنى الكلام على ما هو الوضع، ومسألة الإحصار في العوارض تثبت بالنص، وقال السغناقي ﵀ في الجواب: أجرى الكلام على ما هو الأصل فلا ترد العوارض نقضًا.
م: (كما في الإحرام المبهم) ش: أي لا، كما لا يخرج في الإحرام المبهم إلا بأحد النسكين، والإحرام المبهم بأن يقول: لبيك اللهم لبيك، ولا يقول: بحج وعمرة. م: (وهاهنا) ش: يعني في مسألة الفوات عن الوقوف. م: (عجز عن الحج فتتعين عليه العمرة) ش: لأن الحكم إذا دار بين الشيئين وانتفى أحدهما، تعين الآخر، وقد انتفى الحج منها لفائتة فتعين العمرة. م: (ولا دم عليه) ش: وقال الشافعي، ومالك، والحسن بن زياد ﵏: عليه دم لما روي عن عمر ﵁ أنه قال لأبي أيوب الأنصاري ﵁ حين فاته الحج: فإذا أدركت الحج من قابل، فحج واهدي ما استيسر من الهدي، وهكذا عن ابن عمر ﵄؛ ولأنه صار كالمحصر، فيجب عليه دم قياسًا عليه.
стр. 2297
لأن التحلل وقع بأفعال العمرة، فكانت في حق فائت الحج بمنزلة الدم في حق المحصر فلا يجمع بينهما. والعمرة لا تفوت وهي جائزة في جميع السنة إلا خمسة أيام يكره فعلها فيها،
وهي يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، لما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أنها كانت تكره العمرة في هذه الأيام الخمسة
ــ
[البناية]
ولنا الحديث الذي رواه الدارقطني ﵀ المذكور آنفًا وهذا دليل على أن الدم غير واجب؛ لأنه موضع الحاجة إلى البيان، واللائق بمنصبه البيان في موضع الحاجة، فإذا لم يبين، علم أنه ليس بواجب. روي عن الأسود ﵀ أنه قال: سمعت عمر ﵁ قال: من فاته الحج يحل بعمرة، ولا دم عليه، وعليه الحج من قابل. ثم لقيت زيد بن ثابت ﵁ بعد ذلك بثلاثين سنة، فقال مثل ذلك، وعن عثمان ﵁ مثله.
م: (لأن التحلل وقع بأفعال العمرة فكانت في حق فائت الحج بمنزلة الدم في حق المحصر فلا يجمع بينهما) ش: ولا يقاس أحدهما على الآخر؛ لأن كل واحد منهما قادر، وعاجز على ما يعجز عنه الآخر وعما يقدر عليه. م: (والعمرة لا تفوت) ش: لأنها غير مؤقتة. م: (وهي جائزة في جميع السنة) ش: حتى لو أهل بعمرة في أشهر الحج فقدم مكة يوم النحر يقضي عمرته، ولا دم عليه، والحاصل أن جميع السنة وقتها. م: (إلا خمسة أيام يكره فعلها فيها) ش: أي فعل العمرة في هذه الخمسة أيام.
وقال الشافعي ﵁: لا يكره في وقت من السنة، وقال مالك: تكره في أشهر الحج تعظيمًا لأمر الحج. وقد اختلف السلف في العمرة في أشهر الحج، وكان عمر ﵁ ينهى عنها، ويقول: الحج في الأشهر، والعمرة في غيرها أكمل لحجكم وعمرتكم.
والصحيح أن العمرة جائزة فيها بلا كراهة بدليل ما روى البخاري ﵀ في " الصحيح " بإسناده «أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر في ذي القعدة» .
م: (وهي يوم عرفة ويوم النحر، وأيام التشريق، لما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أنها كانت تكره العمرة في هذه الأيام الخمسة) ش: أخرج البيهقي عن شعبة عن يزيد عن معاذ، عن عائشة ﵂ قالت: العمرة في السنة كلها إلا أربعة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، ويومان بعد ذلك. وقال الشيخ في " الإمام ": وروى إسماعيل بن عباس عن نافع عن طاوس ﵀ فإن قال البحر يعني ابن عباس ﵄: خمسة أيام: عرفة، يوم النحر، وثلاثة أيام التشريق، اعتمر قبلها وبعدها ما شئت.
وقال مخرج الأحاديث: ولم يعزه. قلت: روى سعيد بن منصور ﵁ ورواية عائشة ﵂ لا يوافق كلام المصنف، ولا يوافقه إلا حديث ابن عباس -
стр. 2298
ولأن هذه أيام الحج فكانت متعينة له. وعن أبي يوسف ﵀: أنه لا تكره في يوم عرفة قبل الزوال؛ لأن دخول وقت ركن الحج بعد الزوال لا قبله، والأظهر من المذهب ما ذكرناه، ولكن مع هذا لو أداها في هذه الأيام صح ويبقى محرما بها فيها؛ لأن الكراهة لغيرها وهو تعظيم أمر الحج وتخليص وقته له فيصح الشروع، والعمرة سنة. وقال الشافعي ﵀: فريضة
ــ
[البناية]
﵄ على ما لا يخفى. وقال الأترازي ﵀: ولنا ما روى أصحابنا عن عائشة ﵂ أنها قالت: تمت العمرة في السنة كلها إلا: يوم عرفة، ويوم النحر، ويوم التشريق، انتهى. قلت: هذا ليس فيه الكفاية للدليل، وإقامة الحجج.
م: (ولأن هذه) ش: أي هذه الأيام الخمسة. م: (أيام الحج فكانت متعينة له) ش: أي للحج: وروي. م: (عن أبي يوسف ﵀: أنها لا تكره في يوم عرفة قبل الزوال؛ لأن دخول وقت ركن الحج بعد الزوال لا قبله، والأظهر من المذهب ما ذكرناه) ش: وهو كون هذه العمرة يوم عرفة قبل الزوال وبعده. م: (ولكن مع هذا) ش: أي مع كونها مكروهة في الأيام الخمسة. م: (لو أداها في هذه الأيام صح ويبقى محرما بها فيها) ش: أي بالعمرة إن لم يؤدها في هذه الأيام كبناء الصلاة بعد دخول الوقت المكروه. م: (لأن الكراهة لغيرها) ش: أي لغير عين العمرة، أراد أن الكراهة لمعنى في غيرها لا في نفسها. م: (وهو) ش: أي الكراهة لغيرها. م: (تعظيم أمر الحج وتخليص وقته له) ش: أي للحج، ومن تعظيم أمره أن يجعل له الوقت خاصة لا يكون فيه غيره، فإذا كان الكراهة لمعنى في غيرها. م: (فيصح الشروع فيها، والعمرة سنة) ش: وفي " الينابيع ": أي سنة مؤكدة، وفي " البدائع ": اختلف أصحابنا فيها.
فمنهم من قال: إنها واجبة كصدقة الفطر، والأضحية، والوتر، ومنهم من أطلق عليها اسم السنة، وهي لا تنافي الوجوب، وفي " التحفة "، و" القنية ": اختلف المشايخ فيها، قيل: هي سنة مؤكدة، وقيل: واجبة، وقيل في " التحفة ": وهما متقاربان، وفي " الذخيرة ": لا يوجد في كتب أصحابنا أن العمرة تطوع، إلا في كتاب " الحجر ". وقال بعض المشايخ - ومنهم محمد بن الفضل -: فرض كفاية ذكره في " المنافع "، وبالأول قال الشعبي، والنخعي، ومالك، وأبو ثور ﵏، وهو مذهب ابن مسعود ﵁، ومنهم من قال: العمرة تطوع، وبه كان الشافعي ﵀ يقول ببغداد ثم قال بمصر: هي فريضة كالحج، وهو الجديد، وإليه أشار بقوله المصنف.
م: (وقال الشافعي ﵁: فريضة) ش: وبه قال أحمد، وابن حبيب، وأبو بكر بن الجهم ﵃ من المالكية، ويروى عن ابن عمر ﵄ وابن عباس ﵄ ذكر ذلك ابن المنذر ﵀ في " الأشراف "، قال: وهو قول عطاء،
стр. 2299
لقوله ﵊: «العمرة فريضة كفريضة الحج»
ــ
[البناية]
وطاوس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، ومسروق، وإسحاق ﵃. م: (لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ . م: «العمرة فريضة كفريضة الحج» ش: هذا غريب.
وروى الحاكم في " مستدركه "، والدارقطني في " سننه " من حديث محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت» ، وقيل أحاديث أخر منها: ما رواه أبو داود والدارقطني رحمهما الله في سننهما " عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب ﵄ «أن رجلًا قال: يا رسول الله: ما الإسلام؟ قال: " أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وأن تحج وتعتمر» .
ومنها ما رواه أبو رزين العقيلي ﵁ «قال: يا رسول الله ﷺ ، إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ولا ظعن، قال: " احجج عن أبيك، واعتمر.» ومنها ما رواه ابن ماجه في " سننه "، وأحمد في مسنده " عن محمد بن الفضيل عن حبيب عن أبي عمرة، عن عائشة بنت طلحة ﵃ عن عائشة أم المؤمنين ﵂ «قالت: يا رسول الله ﷺ أعلى النساء جهاد؟ قال: " عليهن جهاد لا قتال فيه؛ الحج والعمرة» .
ومنها ما رواه الدارقطني من حديث الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده ﵃ «أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابًا وبعث به مع عمرو بن حزم وفيه أن العمرة الحج الأصغر» ومنها ما رواه البيهقي في " سننه " عن طريق ابن لهيعة عن
стр. 2300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
عطاء عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الحج والعمرة فريضتان واجبتان» .
والجواب عن هذه الأحاديث أما حديث زيد بن ثابت ﵁ فقال الحاكم بعد أن أخرجه الصحيح عن زيد بن ثابت ﵁ من قوله: وفي إسناده إسماعيل بن مسلم ضعفوه، ومحمد بن معبد قال البخاري فيه: منكر الحديث، ولم يرض به أحد. وقال حرفنا حديثه ما روى زيد بن ثابت مرفوعًا، وكذا أخرجه البيهقي موقوفا قال: وهو الصحيح.
وأما حديث عمر بن الخطاب ﵁ فهو مخرج في " الصحيحين " وليس فيه: وتعتمر وهذه الزيادة فيها شذوذ، قال صاحب " التنقيح " وأما حديث أبي ذر بن العقيلي فقال أحمد ﵁ لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أصح من هذا، ولكن لا يدل على وجوب العمرة إذ الأمر فيه ليس للوجوب، فإنه لا يجب أن يحج عن أبيه، وإنما يدل الحديث على جواز فعل الحج والعمرة فيه لكونه غير متطبع، وأما حديث عائشة ﵂ فقال صاحب " التنقيح "، قد أخرجه البخاري في صحيحه " من رواية غير واحد عن حبيب، وليس فيه ذكر العمرة.
وأما حديث عمرو بن حزم ﵀ ففي إسناده سليمان بن داود ﵀ قال غير واحد من الأئمة: إنه سليمان بن أرقم ﵀ وهو متروك، وأما حديث جابر، ﵁ ففي البيهقي، قال: ابن لهيعة غير محتج به، ورواه ابن عدي في " الكامل " وأعله به واستدل من قال بفرضية العمرة بالآية الكريمة وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦) ؛ لأن الله تعالى عطف العمرة على الحج وأمر بهما، والأمر للوجوب، والواجب من هذا أن عمر وعليًا وابن مسعود وسعيد بن جبير وطاوس ﵃ قالوا: إتمامها أن يحرم بها من دويرة أهله، فجعل الإتمام تقديم الإحرام بها على المواقيت المعروفة لا فرض العبادة.
وقال ابن القصار: استدلالهم بهذه الآية غلط؛ لأن من أراد أن يأتي بالسنة فواجب عليه أن يأتي بها تامة كمن أراد أن يصلي تطوعًا عليه يجب عليه أن يكون على طهارة ويأتي بها تامة الأركان والشروط، وما قالوه يبطل بعمرة ثانية وثالثة فإنه يجب إتمامها والمضي فيها وفي فسادها وإن لم تكن واجبة في الأصل. وقال أبو عمر حافظ المغرب: إن الله لم يوجب
стр. 2301
ولنا قوله ﵊: «الحج فريضة، والعمرة تطوع» ؛ ولأنها غير مؤقتة بوقت وتتأدى بنية غيرها كما في فائت الحج، وهذه أمارة النفلية
ــ
[البناية]
العمرة، ولا أوجبها رسول الله ﷺ في باب النفل ولا أجمع المسلمون على فرضيتها، والمفروض لا يثبت إلا من هذه الوجوه، فقد ثبت في " الصحيح " أنه ﷺ قال: «بني الإسلام على خمس» ، وذكر منها «حج البيت» ولم يذكر العمرة. فلو كانت فريضة كالحج كما زعموا لذكرها، فسقط قول من ادعى أنها فريضة.
م: (ولنا قوله ﵊: «الحج فريضة، والعمرة تطوع» ش: هذا الحديث غريب مرفوعًا، ورواه ابن أبي شيبة ﵀ في " مصنفه "، موقوفًا على ابن مسعود ﵁ فقال: حدثنا ابن إدريس وأبو ساحة عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر عن إبراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: «الحج فريضة والعمرة تطوع» .
وروى ابن ماجه في " سننه ": حدثنا هشام بن عمار عن الحسن بن الحسن بن يحيى الحسني عن عمر بن قيس عن طلحة بن يحيى عن عمه إسحاق بن طلحة عن طلحة بن عبيد الله ﵁ أنه سمع رسول الله يقول: «الحج جهاد، والعمرة تطوع» . وعمر بن قيس ﵁ تكلم فيه.
وأخرج الترمذي عن الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ﵁ «قال: سئل رسول الله ﷺ عن العمرة أواجبة؟ قال: " لا، وأن تعتمروا هو أفضل» ، وقال: حديث حسن صحيح، وهو قول بعض أهل العلم، قالوا: العمرة ليست بواجبة. وكان يقال: هما حجان الحج الأكبر يوم النحر والحج الأصغر العمرة.
م: (ولأنها غير موقتة) ش: أي ولأن العمرة غير موقتة. م: (بوقت) ش: إذ لو كانت فرضًا لتعلقت بوقت كالصلاة والصوم.. م: (وتتأدى بنية غيرها) ش: يعني تؤدى بإحرام غيرها بأن نواها بنية الحج. م: (كما في فائت الحج) ش: فإنه يتأدى بنية الحج الذي فاته. م: (وهذه أمارة النفلية) ش: يعني كونها غير موقتة وكونها تؤدى بنية غيرها، علامة النفلية، أي علامة كونها نفلًا، والفرض وبيان النفل، فإن النفل يتأدى بنية الفرض. والفرض الذي هو غير معين، لا يتأدى بنية النفل.
فإن قلت: هذا يشكل بالأيمان، وصلاة الجنازة، فإنهما فرضان وليسا بموقتين. وبالصوم
стр. 2302
وتأويل ما رواه، أنها مقدرة بأعمال كالحج؛ إذ لا تثبت الفرضية مع التعارض في الآثار. قال: وهي الطواف والسعي. وقد ذكرناه في باب التمتع، والله أعلم بالصواب.
ــ
[البناية]
فإنه يتأدى بنية غيره وهو فرض.
قلت: عدم التوقيت في الأيمان نشأ من فرضية مبتدأة من غير انقطاع، فكان جميع العمر من غير انقطاع وقته، ولا كذلك العمرة فإنها غير الخصم، يتأدى بأكثره كما في سائر الفرائض. وأما صلاة الجنازة فوقتها حضورها، فكانت موقتة وتتأدى بنية غيرها. وأما صوم رمضان فإنها فرض يتأدى بنية النفل لكونه معينًا في وقت له معتاد، ولم يشرع في غيره. فكذلك لم يصح بنية النفل.
م: (وتأويل ما رواه) ش: أي ما رواه الشافعي. م: (أنها) ش: أي العمرة. م: (مقدرة بأعمال كالحج؛ إذ لا تثبت الفرضية مع التعارض في الآثار، قال: وهي الطواف والسعي، وقد ذكرناه في باب التمتع) ش: هذا التعليل كأنه جواب عما يقال: ما وجه هذا التأويل الذي أولتم وقلتم: إن الفرض هنا بمعنى التقدير؟
فأجاب بما حاصله: أن الآثار أي الأحاديث والأخبار، إذا تعارضت لا تثبت الفرضية؛ لأن الفرض لا يثبت إلا بدليل مقطوع به.
فإن قيل: هو ثابت بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦) ، عطف العمرة على الحج، والحج فريضة، والأمر بالإتمام، والأمر للوجوب؟
قلت: قد مر الجواب عن هذا عن قريب.
ونقول أيضًا، القران في النظم لا يؤوب القران في الحكم. والأمر إنما هو بالإتمام. والإتمام إنما يكون بالشروع. ونحن نقول به، وإن كانت في الابتداء سنة. والله أعلم بالتوفيق.
стр. 2303
باب الحج عن الغير الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوما أو صدقة أو غيرها،
ــ
[البناية]
[باب الحج عن الغير] [شروط جواز الحج عن الغير]
م: (باب الحج عن الغير)
ش: لما فرغ عن بيان أفعال الحج بنفسه مع عوارضه، شرع في بيان الحج عن غيره بطريق النيابة. ولما كان الأصل في التصرفات أن تقع عمن تصدر منه، كان الحج عن الغير خليقًا أن يؤخر في باب على حدة.
م: (الأصل في هذا الباب) ش: أي في باب الحج عن الغير. م: (أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره) ش: خلافًا للمعتزلة، فإنهم قالوا: ليس للإنسان ذلك؛ لأن الثواب هو الجنة وهي لله تعالى، ولا يجوز تمليك ملك الغير، وسيجيء الرد عليهم. م: (صلاة) ش: يعني سواء كان جعل ثواب عمله لغيره صلاة. م: (أو صوما أو صدقة أو غيرها) ش: كالحج وقراءة القرآن والأذكار، وزيارة قبور الأنبياء والشهداء والأولياء والصالحين، وتكفين الموتى، وجميع أنواع البر والعبادة، مالية كالزكاة والصدقة والعشور والكفارات ونحوها، أو بدنية كالصوم والصلاة والاعتكاف وقراءة القرآن والذكر والدعاء، أو مركبة منهما كالحج والجهاد.
وفي " البدائع ": جعل الجهاد من البدنيات وفي " المبسوط " جعل المال في الحج شرط الوجوب، فلم يكن الحج مركبًا من البدل.
قيل: هو أقرب إلى الصواب ولهذا لا يشترط المال في حق المكي إذا قدر على المشي إلى عرفات. فإذا عمل شخص، ثواب ما عمله من ذلك إلى آخره يصل إليه وينتفع به، حيًا كان المهدى إليه أو ميتا، ومنع الشافعي ومالك - رحمهما الله - وصول ثواب القرآن إلى الموتى، وثواب الصلاة والصوم وجميع الطاعات والعبادات غير المالية وجوزا فيها. ويرد عليهما بما رواه الدارقطني «أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ ، فقال كان لي أبوان أبرهما حال حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال له ﵊: " إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صيامك» .
وعن علي بن أبي طالب، أن النبي ﷺ قال: «من مر على المقابر فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] إحدى عشرة مرة ثم وهب أجرها للأموات، أعطي من الأجر بعدد الأموات» رواه الدارقطني.
وعن أنس ﵁ «أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنا نتصدق عن موتانا ونحج عنهم وندعو لهم فهل يصل ذلك إليهم، فقال: " نعم، إنه ليصل إليهم
стр. 2304
عند أهل السنة والجماعة
ــ
[البناية]
ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالطريق إذا أهدي إليه» . رواه أبو حفص الكبير.
وعن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرءوا على موتاكم سورة يس» رواه أبو داود.
وروى الحافظ اللالكائي في " شرح السنة " عن أبي هريرة ﵁ قال: يموت الرجل ويدع ولدًا، فترفع له درجات، فيقول: ما هذا يا رب؟ فيقول : استغفار ولدك. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] (محمد: الآية ١٩) . قال: ويستغفرون لمن في الأرض، وكذا استغفار نوح وإبراهيم ﵉. وذكر عبد الحق صاحب " الأحكام " في العاقبة عن رسول الله ﷺ : «الغريق ينتظر دعوة تلحقه من ابنه وأخيه أو صديق له، فإذا لحقته كان أحب من الدنيا وما فيها» . ولهذا شرع الدعاء للميتة في صلاة الجنازة.
وفي العاقبة أن يصاد بن غالب قال: رأيت رابعة العدوية العابدة في المنام، وكنت كثير الدعاء لها، فقالت: يا بشر، هديتك تأتينا في أطباق من نور، عليها مناديل الحرير. وهكذا يأتينا دعاء الأحياء إذا دعوا لإخوانهم الموتى فاستجيب لهم. ويقال هذه هدية فلان إليك، ومما يدل على هذا أن المسلمين يجتمعون في كل عصر وزمان ويقرءون القرآن ويهدون ثوابه لموتاهم. وعلى هذا أهل الصلاح والديانة من كل مذهب من المالكية والشافعية وغيرهم ولا ينكر ذلك منكر فكان إجماعًا.
م: (عند أهل السنة والجماعة) ش: خلافًا للمعتزلة وفي مذهب أهل العدل والتوحيد، أن ليس للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره لأن الثواب نعمة دائمة خالصة مع التعظيم ومعظم ركنه للتعظيم. وبه فارق أغراض الصبيان والمجانين والبهائم وتعظيم المستحق لغير المستحق قبيح في العقل. ولو جاز أن يجب العالم أو التقي أو العادل تعظيمه لحامل أو جاهل أو صبي أو حمار، فإنه صح تعظيمه عقلًا، وإنكاره مكابرة. ولو جاز هذا فالأنبياء أحق الناس بهبة ثواب أعمالهم لآبائهم وأمهاتهم. وقد علم خلافه بالتواتر حين «قال النبي ﷺ لفاطمة ﵂ وسائر أولاده وزوجاته: " إني لا أملك يوم القيامة من الله شيئًا، ولا ينفعكم إلا أعمالكم.» وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] (النجم: الآية ٣٩) .
стр. 2305
لما روي عن النبي ﵊ «أنه ضحى بكبشين أملحين، أحدهما عن نفسه، والآخر عن أمته ممن أقر بوحدانية الله تعالى وشهد له بالبلاغ»
ــ
[البناية]
قلنا: أما قولهم قبيح عقلًا غير مسلم. بل يجوز في العقل تعظيم غير المستحق بواسطة محبته له. وباعتبار ذلك استحقق تعظيمه. وأما قولهم قد علم خلافه غير مسلم، ولئن سلم ذلك لقد شرطه أو بالمنع عن الله تعالى. وأما الجواب عن الآية فبثمانية أوجه:
الأول: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: ٢١] (الطور: الآية ٢١) ، أدخل الأبناء الجنة بصلاح آبائهم، قاله ابن عباس ﵄.
الثاني: خاصة بقوم إبراهيم وقوم موسى ﵉، يعني في صحف إبراهيم وموسى ﵉ ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨] ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] للعطف فهذان في صحيفتهما مختص بهما، فأما هذه الأمة فلقد ما سعيت ما سعى لها غيرها، قاله عكرمة.
الثالث: أن المراد بالإنسان الكافر هنا، وأما المؤمن فله ما سعى وما سعي له، قاله الربيع بن أنس بن الفضل ﵁.
الخامس: أن معنى ما سعى: ما نوى، قاله أبو بكر الوراق ﵀.
السادس: أن ليس للإنسان الكافر من الخير إلا ما عمله في الدنيا فيثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة خير البتة، ذكره الأستاذ أبو إسحاق الثعلبي ﵀.
السابع: اللام بمعنى على أي ليس على الإنسان إلا ما سعى كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] (الإسراء: الآية ٧) ، أي فعليها وكقوله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢] (الرعد: الآية ٢٥) ، أي وعليهم.
الثامن: ليس إلا سعيه، غير أن الأسباب مختلفة، فتارة يكون سعيه في تحصيل الشيء بنفسه، وتارة لتحصيل سببه لسعيه في تحصيل ولد أو صديق يستغفر الله، وتارة يسعى في خدمة الدين والعبادة، فيكتب محبة أهل الدين والصلاح فيكون ذلك سببًا حصل بسعيه حكى هذا أبو الفرج بن الجوزي.
م: (لما روي عن النبي ﷺ «أنه ضحى بكبشين أملحين، أحدهما عن نفسه، والآخر عن أمته ممن أقر بوحدانية الله تعالى وشهد له بالبلاغ» ش: روي هذا الحديث عن جماعة من الصحابة ﵃ منهم أبو هريرة وعائشة ﵄، وروى حديثهما ابن ماجه في " سننه " من طريق عبد الرزاق بإسناده عن عائشة وأبي هريرة ﵃ «أن النبي ﷺ ، كان إذا أراد
стр. 2306
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
أن يضحي، اشترى كبشين عظيمين أقرنين أملحين موجوءين، فذبح أحدهما عن أمته ممن شهد بالتوحيد، وشهد له بالبلاغ، وذبح الآخر عن محمد وآل محمد» .
وكذلك رواه أحمد في " مسنده " وروى أحمد أيضًا من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة أن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ فذكره.
ورواه الطبراني في " الأوسط " من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة فذكره، ومنهم جابر روى حديثه أبو داود وابن ماجه من حديث أبي عياش المعافري عن جابر بن عبد الله قال: «ذبح النبي ﷺ يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجوءين، فلما وجههما قال: إني وجهت وجهي ... الآية، " اللهم لك ومنك عن محمد وأمته بسم الله، والله أكبر، ثم ذبح» .
ومنهم أبو رافع حديثه عن أحمد ﵀. وحذيفة بن أسيد عند الحاكم، وأبو طلحة عند ابن أبي شيبة في " مسنده ". وأنس بن مالك حديثه عند ابن أبي شيبة أيضًا.
قوله: أملحين؛ الأملح الذي به سواد وبياض، ويقال: كبش أملح، فيه ملحة وهي بياض بشقه شعرات سود، وقوله أحدهما بالجر وكذا قوله، والآخر وهما بدلان من قوله بكبشين، ويجوز نصبهما على تقدير يذبح أحدهما؛ لأن قوله ضحى يدل على الذبح قوله وشهد له بالبلاغ أي شهد للنبي ﷺ بتبليغ أوامر الله ونواهيه إلى عباده. وإنما بين الأمة ممن آمن وشهد؛ لأن الأمة على نوعين: أمة دعوة وإجابة وهم المؤمنون وأمة دعوة لا إجابة وهم الكافرون.
وذلك لأن رسول الله ﷺ كان مبعوثًا إلى كافة الخلق وهم بأجمعهم أمة له. إلا أنه ﷺ ضحى إحدى الشاتين عن أمة المؤمنين لا عن الكافرين لأنهم لا يستحقون الثواب. وجه الاستدلال به ظاهر؛ لأنه ﷺ جعل من ثوابه لأمته، وهذا يعلم منه ﷺ أن الإنسان يجوز أن
стр. 2307
جعل تضحية إحدى الشاتين لأمته
والعبادات أنواع: مالية محضة كالزكاة، وبدنية محضة كالصلاة، ومركبة منهما: كالحج، والنيابة تجري في النوع الأول في حالتي الاختيار والضرورة، لحصول المقصود بفعل النائب. ولا تجري في النوع الثاني بحال؛ لأن المقصود وهو إتعاب النفس لا يحصل به، وتجري في النوع الثالث عند العجز للمعنى الثاني وهو المشقة بتنقيص المال.
ــ
[البناية]
ينفعه عمل غيره والتأسي برسول الله ﷺ هو العروة الوثقى.
م: (جعل) ش: أي النبي ﷺ . م: (تضحية إحدى الشاتين لأمته) ش: أي ثوابها، أي جعل ثوابها لأمة المؤمنين وهذا دليل صريح على جواز أن يجعل الرجل من ثوابه لغيره، وينتفع به الغير سواء كان حيًا أو ميتا.
م: (والعبادات أنواع: مالية محضة) ش: أي نوع منها عبادة مالية خالصة. م: (كالزكاة) ش: وصدقة الفطر، والمقصود منها صرف المال إلى سد خلة المحتاج. م: (وبدنية محضة) ش: أي نوع مهنا عبادة بدنية محضة. م: (كالصلاة) ش: والمقصود منها التعظيم بالجوارح، وإتعاب النفس الأمارة بالسوء ابتغاء مرضاة الله. م: (ومركبة منهما) ش: أي نوع منها عبادة مركبة من المالية والبدنية. م: (كالحج) ش: وقد ذكرنا في أول الباب أن الصواب أن الحج من العبادات البدنية؛ لأن المال شرط الوجوب.
م: (والنيابة تجري في النوع الأول) ش: وهو العبادة المالية المحضة كالزكاة فتجوز النيابة فيها. م: (في حالتي الاختيار) ش: أي الصحة. م: (والضرورة) ش: أي المرض. م: (لحصول المقصود بفعل النائب) ش: وذلك لأن المقصود هو صرف المال لسد خلة المحتاج، وهو يحصل بفعل النائب؛ لأن المقصود هو صرف المال. م: (ولا تجري) ش: أي النيابة. م: (في النوع الثاني) ش: وهو العبادة البدنية المحضة كالصلاة. م: (بحال) ش: أي في الاختيار والضرورة. م: (لأن المقصود وهو إتعاب النفس لا يحصل به) ش: أي بالنائب. م: (وتجري) ش: أي النيابة. م: (في النوع الثالث) ش: وهو العبادة المركبة من المال والبدن كالحج. م: (عند العجز للمعنى الثاني للمشقة بتنقيص المال) ش: إنما قال للمعنى الثاني؛ لأن الحج يشترط على معنيين: إتعاب النفس وتنقيص المال. فانتفى المعنى الأول عند العجز فتعين الثاني.
وقال الكاكي: وفي بعض النسخ للمعنى الأول، وهو اعتبار كونه ماليًا، وهذا أظهر بالنسبة إلى تقدير الكتاب، ولا يجزئ عند القدرة حتى لو حج صحيح رجلًا، ثم عجز لم يجزه بالإجماع. وفي كتب الشافعية، لو حج المغصوب غيره نظر إن شفي لم يجزه ذلك قولًا واحدًا عند الشافعي ﵀ وإن مات فيه قولان في قول يجوز وبه قال أبو حنيفة ﵀، وفي قول لا يجوز.
стр. 2308
ولا تجري عند القدرة لعدم إتعاب النفس، والشرط العجز الدائم إلى وقت الموت؛ لأن الحج فرض العمر،
وفي الحج النفل تجوز الإنابة حالة القدرة؛ لأن باب النفل أوسع. ثم ظاهر المذهب أن الحج يقع عن المحجوج عنه
ــ
[البناية]
قال الأصحاب: وهو الأظهر، ولو كان مرض لا يرجى زواله، فحج غيره فبرأ لا يجزئه في الأظهر، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد ﵏ في الأظهر، ولو حج الصحيح قبل العجز ثم عجز لم يجزه بالإجماع.
م: (ولا تجري) ش: أي النيابة. م: (عند القدرة لعدم إتعاب النفس، والشرط العجز الدائم) ش: أي شرط جواز النيابة في الحج عن الغير هو العجز المستمر الدائم. م: (إلى وقت الموت) ش: حتى لو قدر المحجوج عنه حج بعد أداء المأمور بحج ثانيًا فلا يسقط عنه الفرض، كما في الشيخ الفاني إذا قدر على الصوم بعد أداء الفدية يجب عليه الصوم. م: (لأن الحج فرض العمر) ش: هذا دليل لكون الشرط هو العجز الدائم، بيانه: أن الحج لما كان فرض العمر. وقدر على أدائه في أثناء عمره، وجب عليه، وجعل فعل النائب فيما مضى كأن لم يكن.
فإن قيل: القدرة على الأصل تبطل الخلف قبل حصول المقصود بالخلف، وقد حصل بالخلف، وهو حصول المشقة بتنقيص المال.
فالجواب: إن لم نسلك في هذه المسألة مسلك الأصل والخلف وإنما قلنا: إن الحج مركب من أمرين أحدهما يحتمل النيابة والآخر لا يحتملها. فقولنا بأحدهما عند القدرة، فلم تجز النيابة، وبالآخر عند العجز فجوزناها لكن شرطنا لكونه وظيفة العمر أن يكون العجز دائمًا لما مر.
واعترض بيان كونه وظيفة العمر، لا يصلح دليلًا على اشتراط العجز الدائم لتخلفه عنه، فإنه شرط لجواز الفدية للشيخ الفاني عن الصوم. والصوم ليس وظيفة العمر. والجواب أن الدليل يستلزم المدلول ولا ينعكس، وكل ما كان وظيفة العمر يشترط فيه العجز الدائم، ولا يلزم أن كل ما يشترط فيه العجز الدائم يكون وظيفة العمر.
[الإنابة في حج النفل]
م: (وفي الحج النفل تجوز الإنابة حالة القدرة؛ لأن باب النفل أوسع) ش: ولهذا تجوز الصلاة النافلة مع القدرة على القيام، لكن للأمر ثواب النفقة بالاتفاق؛ لأن وقوع النفل عن الأمر بالنص على خلاف القياس، وهو حديث الخثعمية، وهو ورد في الفرض؛ لأنها قالت: إن فريضة الحج أدركت ... فبقي النفل على أصل القياس، وقال الفراء في " الذخيرة ": المذهب كراهة النيابة في النفل، وذكر النووي ﵀ في " شرحه " أن في النيابة في الحج للنفل قولين والصحيح جوازها. م: (ثم ظاهر المذهب) ش: كراهة النيابة في النفل، وذكر النووي ﵀. م: (أن الحج يقع عن المحجوج عنه) ش: وهو الأمر هذا في الفرض بالنص على ما يجيء، وأما في نفل، فيقع عن المأمور بالاتفاق.
стр. 2309
وبذلك تشهد الأخبار الواردة في هذا الباب
ــ
[البناية]
واعترض عليه الأترازي ﵀ حيث قال: قال بعضهم في هذا الموضع الحج النفل يقع عن المأمور بالاتفاق، وللأمر ثواب النفقة، وذلك خلاف الرواية ألا ترى إلى ما قال الحاكم الجليل الشهيد في " مختصر الكافي " الحج التطوع عن الصحيح جائز.
ثم قال: وإذا حج الصحيح عن نفسه فهو تطوع، قال: وفي الأصل تكون الحجة عن الحج. م: (وبذلك) ش: أي وبوقوع الحج عن المحجوج عنه. م: (تشهد الأخبار الواردة في الباب) ش: أي في الباب الواردة في الحج عن الغير.
فمن جملة الأخبار ما أخرجه ابن ماجه عن محمد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس، قال: حدثني حصين بن عون ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، «إن أبي أدركه الحج، ولا يستطيع أن يحج إلا معترضا فسكت ساعة، ثم قال: حج عن أبيك» . قال العقيلي قال أحمد بن محمد بن كريب منكر الحديث.
وأخرجه البيهقي عن محمد بن سيرين عن ابن عباس ﵄ أن رجلًا أتى النبي ﷺ فذكره، قال البيهقي رواية محمد بن سيرين عن ابن عباس ﵄ مرسلة، قال صاحب " التنقيح ": قال أحمد وابن معين وابن المديني: لم يسمع ابن سيرين من ابن عباس ﵄، قال وقد روى البخاري في " صحيحه " حديثًا من رواية ابن سيرين عن ابن عباس ﵄.
ومنها ما أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن شعبة عن النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن أبي رزين العقيلي ﵁ رجل من بني عامر، «قال: يا رسول الله: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، قال: حج عن أبيك واعتمر.» قال الترمذي: حديث حسن صحيح، واسم أبي رزين لقيط بن صبرة، رواه أحمد ﵀ في " مسنده " وابن حبان في " صحيحه "، والحاكم في " مستدركه "، وقال: على شرط الشيخين.
ومنها ما رواه الطبراني من حديث سودة أم المؤمنين ﵂ «أن رجلًا قال: يا رسول الله أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج فأحج عنه؟ فقال رسول الله ﷺ : " أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان يجزئ عنه؟ " فقال: نعم، قال: " حج عنه» .
стр. 2310
«كحديث الخثعمية فإنه ﵊ قال فيه: " حجي عن أبيك واعتمري» . وعن محمد ﵀: أن الحج يقع عن الحاج، وللآمر ثواب النفقة؛ لأنه عبادة بدنية، وعند العجز أقيم الإنفاق مقامه كالفدية في باب الصوم.
قال: ومن أمره رجلان أن يحج عن كل واحد منهما حجة فأهل بحجة عنهما فهي عن الحاج ويضمن النفقة؛ لأن الحج يقع عن الآمر حتى لا يخرج الحاج عن حجة الإسلام
ــ
[البناية]
ومنها ما أخرجه البيهقي من حديث عطاء الخراساني عن أبي العون بن المحصن الحنفي ﵁ «قال: قلت: يا رسول الله ﷺ إن أبي أدركته فريضة الله في الحج، وهو شيخ كبير لا يتمالك على الراحلة أفتأمرني أن أحج عنه؟ قال: " نعم، حج عنه ". قال: وكذلك من مات من أهلنا ولم ير [....] ، أفنحج عنه، قال: " نعم وتؤجرون " قال: ويتصدق عنه ويصام عنه؟ قال: " نعم والصدقة أفضل.» قال البيهقي: إسناده ضعيف.
م: (كحديث الخثعمية، فإنه ﷺ قال فيه: «حجي عن أبيك واعتمري» ش: حديث الخثعمية أخرجه الأئمة الستة في كتبهم. أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ والباقون عن أخيه الفضل بن عباس ﵄ «أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله في الحج، وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، ظهر البعير، قال: حجي عنه» . وفي رواية المصنف ﵀ وهم، فإن حديث الخثعمية ليس فيه ذكر اعتمري، وهذه اللفظة في حديث أبي رزين العقيلي ﵀ كما ذكرناه الآن، وهذا الحديث يدل صريحًا على جواز الحج عن الغير.
م: (وعن محمد ﵀: أن الحج يقع عن الحاج) ش: يعني المأمور. م: (وللآمر ثواب النفقة؛ لأنه عبادة بدنية) ش: كذا أشار إليه في " المبسوط: أن الحج غير مركب من البدن، والمال فيه شرط الوجوب وقد ذكرناه. م: (وعند العجز) ش: عن الحج بنفسه. م: (أقيم الإنفاق مقامه) ش: أي مقام أداء الأفعال يعني الواجب عليه إذا حج، وإنفاق المال في طريقه فإن عجز عن الأداء بقي عليه الإمضاء ما يقدر.
وهو الإنفاق في طريقه. م: (كالفدية في باب الصوم) ش: فإنها أقيمت مقام الصوم، فكذا الإنفاق هاهنا يقوم مقام أداء الأفعال في حق سقوط الأفعال، وهذا لأن الإنفاق سبب أداء الأفعال، وإقامة السبب مقام المسبب أصل في الشرع في " النهاية " إلى هذا مال عامة المتأخرين، منهم صدر الإسلام أبو اليسر والإمام الأسبيجابي وقاضي خان وغيرهم، وقال شمس الأئمة السرخسي ﵀: إن أصل الحج يكون عن الآمر.
[أمره رجلان بأن يحج لكل واحد منهما حجة فأهل بحجة عنهما]
م: (قال: ومن أمره رجلان بأن يحج لكل واحد منهما حجة فأهل بحجة عنهما فهي عن الحاج ويضمن النفقة؛ لأن الحج يقع عن الآمر حتى لا يخرج الحاج عن حجة الإسلام) ش: يجزيه هذا
стр. 2311
وكل واحد منهما أمره أن يخلص الحج له من غير اشتراك، ولا يمكن إيقاعه عن أحدهما لعدم الأولوية فيقع عن المأمور، ولا يمكنه أن يجعله عن أحدهما بعد ذلك، بخلاف ما إذا حج عن أبويه، فإن له أن يجعله عن أحدهما؛ لأنه متبرع بجعل ثواب عمله لأحدهما أو لهما، فيبقى على خياره بعد وقوعه سببا لثوابه، وهنا يفعل بحكم الآمر، وقد خالف أمرهما فيقع عنه. ويضمن النفقة إن أنفق من مالهما؛ لأنه
ــ
[البناية]
الموضع أن الحج في هذه الصورة من وجه يقع للمأمور باعتبار المخالفة ولهذا لا يخرج الأمر عن حجة الإسلام، ومن وجه يقع للآمر من حيث قطع المسألة وتعين النفقة وهذا لا يخرج المأمور عن حجة الإسلام أيضًا، وقد صرح الإمام العتابي وغيره في " شرح الجامع الصغير " أن الحج يقع عن الأمر من وجه، وعن المأمور من وجه، فلا يخرج عن حجة الإسلام لا المأمور ولا الآمر.
والمصنف ﵀ أشار إلى هذين الوجهين أيضًا حيث قال: أولًا فهي عن الحاج، ثم قال الحج يقع عن الآمر، يعني يقع عن وجه من وجه آخر. وقال الأكمل: ذهب الشارحون إلى أن الدليل غير مطابق للمدلول، قوله فهي أي حجة عن الجميع، ويضمن النفقة ودليله لأن الحج يقع عن الآمر، ولا مطابقة بينهما كما ترى، ثم نقل عن السغناقي أن هذا التعليل حكم غير مذكور.
قلت: لا فائدة في ذكر تعليل بدون ذكر المعلل، وتحرير الكلام ما ذكرناه الآن، ثم نقل الأكمل خط الأترازي على الشراح من ثقة، ثم قال أقول بتوفيق الله في تقرير كلامه أي كلام المصنف ﵀ يقع عن الآمر، على ظاهر الرواية حتى لا يخرج الحاج عن حجة الإسلام ولا يمكن إيقاعه عن الآمر وكيف يمكن!
م: (وكل واحد منهما أمره أن يخلص الحج له من غير اشتراك، ولا يمكن إيقاعه عن أحدهما لعدم الأولوية) ش: يعني ليس أحدهما أولى من الآخر فلا يقع عنهما ولا عن أحدهما. م: (فيقع عن المأمور) ش: كلامه لا يخلو عن الإغلاق. م: (ولا يمكنه أن يجعله لأحدهما بعد ذلك) ش: هذا كأنه جواب عما يقال إذا وقع الحج للمأمور فيجعل عن أيهما شاء، كما إذا حج عن أبويه، فإن له أن يجعل عن أيهما شاء أي إن وقع لنفسه؛ لأنه لما لم يهل به على أولوية المأمور به وقع عن نفسه ولزمه الحج وضمن النفقة.
م: (بخلاف ما إذا حج عن أبويه، فإن له أن يجعله عن أحدهما؛ لأنه متبرع بجعل ثواب عمله لأحدهما أو لهما، فيبقى على خياره بعد وقوعه سببا لثوابه) ش: كما كان قبله. م: (وهنا) ش: أي في المذكور في الصورة الأولى. م: (يفعل بحكم الآمر، وقد خالف أمرهما فيقع عنه) ش: بخلاف ما هناك؛ لأنه متبرع فيه لا بحكم الآمر فكذلك قيد بالآمر؛ لأنه إذا أدى العمرة عن رجلين أو عن أحدهما بلا أمر يصح؛ لأنه في الحقيقة جعل ثوابه للغير. م: (ويضمن النفقة إن أنفق من مالهما؛ لأنه
стр. 2312
صرف نفقة الآمر إلى حج نفسه. وإن أبهم الإحرام بأن نوى عن أحدهما غير عين، فإن مضى على ذلك صار مخالفا لعدم الأولوية، وإن عين أحدهما قبل المضي. فكذلك عند أبي يوسف ﵀ وهو القياس؛ لأنه مأمور بالتعيين. والإبهام يخالفه فيقع عن نفسه، بخلاف ما إذا لم يعين حجة أو عمرة حيث كان له أن يعين ما شاء لأن الملتزم هناك مجهول، وهاهنا المجهول من له الحق. وجه الاستحسان أن الإحرام شرع وسيلة إلى الأفعال لا مقصودا بنفسه. والمبهم يصلح وسيلة بواسطة التعيين فاكتفى به شرطا
ــ
[البناية]
صرف نفقة الآمر إلى حج نفسه) ش: فيضمن لتصرفه في المال في خلال الموضع الذي أمر بصرفه فيه. م: (فإن أبهم الإحرام بأن نوى عن أحدهما غير عين) ش: يعني من غير تعيين فلا يخلو عن أمرين إما أن لا يمضي على ذلك أو مضى. م: (فإن مضى على ذلك) ش: أي على الإبهام. م: (صار مخالفا لعدم الأولوية، وإن عين أحدهما قبل المضي. فكذلك عند أبي يوسف ﵀ وهو القياس) ش: أي قول أبي يوسف ﵀ هو القياس. م: (لأنه مأمور بالتعيين) ش: من جهة كل منهما. م: (والإبهام يخالفه) ش: أي إبهامه عن أحدهما يصير مخالفًا. م: (فيقع عن نفسه) ش: كما إذا أمره رجلان كل منهما بشراء عبد هكذا فاشتراه لأحدهما غير معين يقع الشراء للمأمور، ثم إذا أراد أن يعين أحدهما، لا يصح فكذا هنا. م: (بخلاف ما إذا لم يعين حجة أو عمرة حيث كان له أن يعين ما شاء) ش: كان هذا جواب عما يقال إذا أحرم رجل على الإبهام من غير تعيين حجة ولا عمرة فإنه يصح أن يعين في الحجة والعمرة ما شاء، فلما لا يكون هاهنا كذلك. وأجاب بخلاف ما إذا.. إلى آخره، ثم بين الفرق بينهما بقوله. م: (لأن الملتزم هناك مجهول) ش: أي فيما إذا أبهم الإحرام مجهول ومن هم له الحق معلوم وجهالة الملتزم لا تمنع صحة الأداء كما إذا قال لفلان علي شيء لأحد يصح الإقرار، ويلزمه البيان ولو قال لأحدهما علي شيء لا يصح الإقرار لأن جهالة من له الحق تمنع صحة الإقرار. م: (وهاهنا) ش: يعني فيما إذا لم يعين حجة أو عمرة. م: (المجهول من له الحق) ش: وبينهما فرق.
وقد ذكرناه الآن بخلاف ما إذا أحرم عن أحد أبويه حيث يصح، وإن كان من له الحق مجهولًا؛ لأن ذلك ليس بحكم الآمر ليراعي شرائط الإمساك. م: (وجه الاستحسان) ش: هو قول أبي حنيفة ومحمد ﵄. م: (أن الإحرام شرع وسيلة إلى الأفعال) ش: يعني ليس بمقصود بنفسه، بل هو وسيلة يقصد به الأداء ولهذا لا يصح قبل أشهر الحج. م: (لا مقصودا) ش: أي ليس بشرع مقصود. م: (بنفسه والمبهم يصلح وسيلة بواسطة التعيين) ش: لأنه شرط فيراعى وجوده لا بصيغة التعيين كالوضوء للصلاة وإن لم يقع بها. م: (فاكتفى به) ش: أي بالإحرام المبهم. م: (شرطا) ش: أي من حيث الشرطية للأداء.
فإن قيل: الإحرام بمنزلة التكبير في الصلاة وفيه جهة الركنية، فينبغي أن يكون بمنزلة الشروع في الأفعال.
стр. 2313
بخلاف ما إذا أدى الأفعال على الإبهام؛ لأن المؤدي لا يحتمل التعيين فصار مخالفا. قال: فإن أمره غيره أن يقرن عنه فالدم على من أحرم؛ لأنه وجب شكرا لما وفقه الله تعالى من الجمع بين النسكين، والمأمور هو المختص بهذه النعمة؛ لأن حقيقة الفعل منه، وهذه المسألة تشهد بصحة المروي عن محمد ﵀ أن الحج يقع عن المأمور. وكذلك إن أمره واحد بأن يحج عنه، والآخر بأن يعتمر عنه، وأذنا له بالقران، فالدم عليه
ــ
[البناية]
قلنا: هو بمنزلة الوضوء عندنا ولهذا يجوز أن يكون قبل أشهر الحج.
م: (بخلاف ما إذا أدى الأفعال على الإبهام) ش: هذا متصل بقوله: فاكتفى به شرطا، يعني إذا أهل عن أحدهما، ثم عين أحدهما قبل المضي، صح تعيينه بخلاف ما إذا عين أحدهما بعد المضي، وهو قوله بخلاف ما إذا أدى الأفعال على الإبهام؛ لأنه إذا أدى ثم عين، فإنه يقع ابتداء، ثم التعيين يرد على ما مضى ويحمل، فلا يفيد شيئا، وهو معنى قوله. م: (لأن المؤدي لا يحتمل التعيين فصار مخالفا) ش: لأن ما مضى فات لا يعتمد التعيين كما ذكرنا.
م: (فإن أمره غيره) ش: وفي بعض النسخ قال: فإن أمره غيره، أي قال محمد ﵀: فإن أمر رجل غيره. م: (أن يقرن) ش: بضم الراء من باب نصر ينصر مفرد له عنه. م: (فالدم) ش: أي الدم القران. م: (على من أحرم) ش: أي وهو القارن. م: (لأنه وجب شكرا لما وفقه الله تعالى من الجمع بين النسكين) ش: أي الحج والعمرة.
م: (والمأمور هو المختص بهذه النعمة؛ لأن حقيقة الفعل منه) ش: ولكن يقع القران على الآمر. وبه قال الشافعي ﵁ في قول وفي أصح قوليه يجب دم القران من الآمر لأن مقتضى إحرامه أمره به، وكأنه القارن بنفسه.
م: (وهذه المسألة تشهد بصحة المروي عن محمد ﵀ أن الحج يقع عن المأمور) ش: لكون الدم عليه، وفيه نظر؛ لأن جميع الدماء في مال الحاج إلا دم الإحصار، فإنه في مال المحجوج عنه، وقيل: لا تدل هذه المسألة عليه؛ لأن سائر الأفعال من الرمي وغيره يوجد منه حقيقة، ويقع شرعًا عن الآمر، ووجوب هذا الدم من باب إقامة النسك وإقامة المناسك عليه حقيقة، وإن انتقل إلى الآمر حكمًا.
م: (وكذلك إن أمره واحد) ش: أي وكذلك وجود الدم على المأمور إن أمره واحد. م: (بأن يحج عنه، والآخر) ش: أي وأمره شخص آخر. م: (أن يعتمر عنه، وأذنا له) ش: أي أذن الاثنان كلاهما. م: (بالقران، فالدم عليه) ش: أي على المأمور، وإنما قيد بالإذن؛ لأنه إذا لم يوجد الإذن منهما بالقران ومع هذا قران، يكون مخالفًا عند أبي حنيفة ﵀.
فإن قيل: وجوب الدم عليه، لا يتوقف على إذنهما لما أنه على تقرير عدم الإذن يلزمه الدم
стр. 2314
لما قلنا.
ودم الإحصار على الآمر، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -. وقال أبو يوسف ﵀: على الحاج؛ لأنه وجب للتحلل دفعا لضرر امتداد الإحرام، وهذا الضرر راجع إليه، فيكون الدم عليه، ولهما أن الآمر هو الذي أدخله في هذه العهدة فعليه خلاصه، فإن كان يحج عن ميت فأحصر، فالدم في مال الميت عندهما خلافا لأبي يوسف ﵀ ثم قيل: هو من ثلث مال الميت؛ لأنه صلة كالزكاة وغيرها، وقيل من جميع المال؛ لأنه وجب حقا للمأمور، فصار دينا.
ودم الجماع على الحاج؛ لأنه دم جناية وهو الجاني عن اختيار ويضمن النفقة، معناه: إذا جامع قبل الوقوف حتى فسد حجه؛ لأن الصحيح هو المأمور به
ــ
[البناية]
أيضًا، ولأن القران أفضل، فكيف يكون مخالفًا. قلنا: فائدة التقييد بالإذن لدفع وهم وجوب الدم على الآمر كما قال الشافعي ﵀ في الأصح. م: (لما قلنا) ش: وهو أن المأمور مختص بهذه النعمة.
[دم الإحصار يلزم الأصيل أم النائب في الحج]
م: (ودم الإحصار على الآمر) ش: لأنه هو الذي أوقع فيه. م: (وهذا) ش: أي وجوب الدم على الآمر، عند إحصار المأمور. م: (عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -. وقال أبو يوسف ﵀: على الحاج؛ لأنه) ش: أي لأن الدم. م: (وجب للتحلل دفعا لضرر امتداد الإحرام، وهذا الضرر راجع إليه) ش: أي إلى الحاج. م: (فيكون الدم عليه) ش: أي على الحاج. م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -. م: (أن الآمر هو الذي أدخله في هذه العهدة فعليه خلاصه) ش: واعترض على قوله: أن الآمر هو الذي أدخله في هذه العهدة، بأن الآمر إذا أمر بالقران، فهو الذي أدخل المأمور في عهدة الدم، ولا يجب وعليه واجب، بأن دم القران نسك فيه، وقد وقع الآمر النفقة بمقابلة جميع ما كان من المناسك، وهو من جملتها، بخلاف دم الإحصار فإنه ليس بنسك، ولم يكن معلومًا عند الآمر أيضًا.
م: (فإن كان يحج عن ميت) ش: أي فإن كان الرجل يحج عن ميت. م: (فأحصر، فالدم) ش: أي دم الإحصار. م: (في مال الميت عندهما) ش: أي عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -. م: (خلافا لأبي يوسف ﵀) ش: فإن عنده على الحاج. م: (ثم قيل: هو من ثلث مال الميت؛ لأنه صلة) ش: الصلة هي التي لا تكون في مقابلة عوض مالي. م: (كالزكاة وغيرها) ش: يعني النذور وغيرها من الكفارات فإنها من الثلث. م: (وقيل من جميع المال) ش: يعني وتجب من جميع مال الميت. م: (لأنه) ش: أي لأن الدم. م: (وجب حقا للمأمور) ش: يعني لإدخال الآمر في هذه العهدة دينًا على الميت والدين محل جميع المال. م: (فصار دينا) ش: على الآمر.
[دم الجماع يلزم الأصيل أم النائب في الحج]
م: (ودم الجماع على الحاج؛ لأنه دم جناية وهو الجاني) ش: أي الحاج هو الجاني. م: (عن اختيار ويضمن النفقة، معناه) ش: أي معنى قوله يضمن النفقة. م: (إذا جامع قبل الوقوف بعرفة حتى فسد حجه؛ لأن الصحيح) ش: أي لأن الحج الصحيح. م: (هو المأمور به) ش: وبه قال الشافعي -
стр. 2315
بخلاف ما إذا فاته الحج حيث لا يضمن النفقة لأنه ما فاته باختياره. أما إذا جامع بعد الوقوف لا يفسد حجه ولا يضمن النفقة لحصول مقصود الآمر. وعليه الدم في ماله لما بينا، وكذلك سائر دماء الكفارات على الحاج لما قلنا.
ومن أوصى بأن يحج عنه فأحجوا عنه رجلا، فلما بلغ الكوفة مات
أو سرقت نفقته وقد أنفق النصف
ــ
[البناية]
﵀ ثم عليه المضي في هذه الحجة الفاسدة؛ لأنه لا يخرج عن إحرام الحج إلا بأفعال الحج لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦) ، من غير فصل بين الجائز والفاسد وعليه الحج من قابل وليسقط الحج عن الميت حتى يحج المأمور في السنة الثانية على وجه الصحة قضاء للأول وللشافعي ﵀ في قضاء الحج في السنة الثانية قولان:
أحدهما: أنه عليه الآمر. وأصحهما: أنه عن الأجير، فعلى هذا يلزمه حجة أخرى سوى القضاء للمستأجر، فيقضي عن نفسه ثم يحج عن المستأجر، ويلبث من حج عنه كذا في " شرح الوجيز ".
م: (بخلاف ما إذا فاته الحج حيث لا يضمن النفقة لأنه ما فاته باختياره. أما إذا جامع بعد الوقوف لا يفسد حجه ولا يضمن النفقة لحصول مقصود الآمر. وعليه) ش: أي على المأمور. م: (الدم في ماله لما بينا) ش: وهو قوله لأنه دم جناية. م: (وكذلك) ش: أي وكذلك وجوب الدم في. م: (سائر دماء الكفارات على الحاج لما قلنا) ش: وهو أنه دم جناية ومن هذا علم أن الدماء ثلاثة أنواع: دم نسك كالقران والتمتع، ودم جناية كجزاء الصيد ونحوه، ودم مؤنة كدم الإحصار.
[الوصية بالحج]
م: (ومن أوصى بأن يحج عنه) ش: وفي بعض النسخ قال: ومن أوصى، أي قال محمد ﵀ في " الجامع الصغير " الوصية فيه خلاف، قال ابن المنذر ﵀ في " الأشراف ". قال محمد بن سيرين وحماد بن أبي سليمان، وداود بن أبي هند، وحميد الطويل، وعثمان البتي، ومالك، وأبو ثور ﵏: يحج عن الميت من ثلث ماله إذا أوصى.
قلت: وهو قول أصحابنا ﵃ وهو قول ابن عباس وأبي هريرة ﵄ ويكون من ماله إذا كان ثلثه يكفي. وقال الحسن البصري ﵀ وعطاء ﵀ وطاوس ﵀ والزهري ﵀ والشافعي ﵀ وإسحاق ﵀ وأحمد ﵀ يخرج من رأس ماله من غير وصية.
لكن الشافعي ﵀ قال: من ميقاته، وقال أحمد: من بلده أو من حيث أيسر هذا في الحج الفرض، وقال النخعي ﵀ وابن أبي ذئب ﵀: لا يحج أحد عن أحد ذكره النووي ﵀. م: (فأحجوا عنه رجلا، فلما بلغ الكوفة مات) ش: إنما قال: بلغ الكوفة؛ لأن محمدًا وضع المسألة في الخراساني.
م: (أو سرقت نفقته وقد أنفق النصف) ش: الواو فيه للحال وقيد النصف اتفاقي، حتى لو أنفق
следующие страницы →