Полный текст (7 019 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
وكل واحد منهما أمره أن يخلص الحج له من غير اشتراك، ولا يمكن إيقاعه عن أحدهما لعدم الأولوية فيقع عن المأمور، ولا يمكنه أن يجعله عن أحدهما بعد ذلك، بخلاف ما إذا حج عن أبويه، فإن له أن يجعله عن أحدهما؛ لأنه متبرع بجعل ثواب عمله لأحدهما أو لهما، فيبقى على خياره بعد وقوعه سببا لثوابه، وهنا يفعل بحكم الآمر، وقد خالف أمرهما فيقع عنه. ويضمن النفقة إن أنفق من مالهما؛ لأنه
ــ
[البناية]
الموضع أن الحج في هذه الصورة من وجه يقع للمأمور باعتبار المخالفة ولهذا لا يخرج الأمر عن حجة الإسلام، ومن وجه يقع للآمر من حيث قطع المسألة وتعين النفقة وهذا لا يخرج المأمور عن حجة الإسلام أيضًا، وقد صرح الإمام العتابي وغيره في " شرح الجامع الصغير " أن الحج يقع عن الأمر من وجه، وعن المأمور من وجه، فلا يخرج عن حجة الإسلام لا المأمور ولا الآمر.
والمصنف ﵀ أشار إلى هذين الوجهين أيضًا حيث قال: أولًا فهي عن الحاج، ثم قال الحج يقع عن الآمر، يعني يقع عن وجه من وجه آخر. وقال الأكمل: ذهب الشارحون إلى أن الدليل غير مطابق للمدلول، قوله فهي أي حجة عن الجميع، ويضمن النفقة ودليله لأن الحج يقع عن الآمر، ولا مطابقة بينهما كما ترى، ثم نقل عن السغناقي أن هذا التعليل حكم غير مذكور.
قلت: لا فائدة في ذكر تعليل بدون ذكر المعلل، وتحرير الكلام ما ذكرناه الآن، ثم نقل الأكمل خط الأترازي على الشراح من ثقة، ثم قال أقول بتوفيق الله في تقرير كلامه أي كلام المصنف ﵀ يقع عن الآمر، على ظاهر الرواية حتى لا يخرج الحاج عن حجة الإسلام ولا يمكن إيقاعه عن الآمر وكيف يمكن!
م: (وكل واحد منهما أمره أن يخلص الحج له من غير اشتراك، ولا يمكن إيقاعه عن أحدهما لعدم الأولوية) ش: يعني ليس أحدهما أولى من الآخر فلا يقع عنهما ولا عن أحدهما. م: (فيقع عن المأمور) ش: كلامه لا يخلو عن الإغلاق. م: (ولا يمكنه أن يجعله لأحدهما بعد ذلك) ش: هذا كأنه جواب عما يقال إذا وقع الحج للمأمور فيجعل عن أيهما شاء، كما إذا حج عن أبويه، فإن له أن يجعل عن أيهما شاء أي إن وقع لنفسه؛ لأنه لما لم يهل به على أولوية المأمور به وقع عن نفسه ولزمه الحج وضمن النفقة.
م: (بخلاف ما إذا حج عن أبويه، فإن له أن يجعله عن أحدهما؛ لأنه متبرع بجعل ثواب عمله لأحدهما أو لهما، فيبقى على خياره بعد وقوعه سببا لثوابه) ش: كما كان قبله. م: (وهنا) ش: أي في المذكور في الصورة الأولى. م: (يفعل بحكم الآمر، وقد خالف أمرهما فيقع عنه) ش: بخلاف ما هناك؛ لأنه متبرع فيه لا بحكم الآمر فكذلك قيد بالآمر؛ لأنه إذا أدى العمرة عن رجلين أو عن أحدهما بلا أمر يصح؛ لأنه في الحقيقة جعل ثوابه للغير. م: (ويضمن النفقة إن أنفق من مالهما؛ لأنه
стр. 2312
صرف نفقة الآمر إلى حج نفسه. وإن أبهم الإحرام بأن نوى عن أحدهما غير عين، فإن مضى على ذلك صار مخالفا لعدم الأولوية، وإن عين أحدهما قبل المضي. فكذلك عند أبي يوسف ﵀ وهو القياس؛ لأنه مأمور بالتعيين. والإبهام يخالفه فيقع عن نفسه، بخلاف ما إذا لم يعين حجة أو عمرة حيث كان له أن يعين ما شاء لأن الملتزم هناك مجهول، وهاهنا المجهول من له الحق. وجه الاستحسان أن الإحرام شرع وسيلة إلى الأفعال لا مقصودا بنفسه. والمبهم يصلح وسيلة بواسطة التعيين فاكتفى به شرطا
ــ
[البناية]
صرف نفقة الآمر إلى حج نفسه) ش: فيضمن لتصرفه في المال في خلال الموضع الذي أمر بصرفه فيه. م: (فإن أبهم الإحرام بأن نوى عن أحدهما غير عين) ش: يعني من غير تعيين فلا يخلو عن أمرين إما أن لا يمضي على ذلك أو مضى. م: (فإن مضى على ذلك) ش: أي على الإبهام. م: (صار مخالفا لعدم الأولوية، وإن عين أحدهما قبل المضي. فكذلك عند أبي يوسف ﵀ وهو القياس) ش: أي قول أبي يوسف ﵀ هو القياس. م: (لأنه مأمور بالتعيين) ش: من جهة كل منهما. م: (والإبهام يخالفه) ش: أي إبهامه عن أحدهما يصير مخالفًا. م: (فيقع عن نفسه) ش: كما إذا أمره رجلان كل منهما بشراء عبد هكذا فاشتراه لأحدهما غير معين يقع الشراء للمأمور، ثم إذا أراد أن يعين أحدهما، لا يصح فكذا هنا. م: (بخلاف ما إذا لم يعين حجة أو عمرة حيث كان له أن يعين ما شاء) ش: كان هذا جواب عما يقال إذا أحرم رجل على الإبهام من غير تعيين حجة ولا عمرة فإنه يصح أن يعين في الحجة والعمرة ما شاء، فلما لا يكون هاهنا كذلك. وأجاب بخلاف ما إذا.. إلى آخره، ثم بين الفرق بينهما بقوله. م: (لأن الملتزم هناك مجهول) ش: أي فيما إذا أبهم الإحرام مجهول ومن هم له الحق معلوم وجهالة الملتزم لا تمنع صحة الأداء كما إذا قال لفلان علي شيء لأحد يصح الإقرار، ويلزمه البيان ولو قال لأحدهما علي شيء لا يصح الإقرار لأن جهالة من له الحق تمنع صحة الإقرار. م: (وهاهنا) ش: يعني فيما إذا لم يعين حجة أو عمرة. م: (المجهول من له الحق) ش: وبينهما فرق.
وقد ذكرناه الآن بخلاف ما إذا أحرم عن أحد أبويه حيث يصح، وإن كان من له الحق مجهولًا؛ لأن ذلك ليس بحكم الآمر ليراعي شرائط الإمساك. م: (وجه الاستحسان) ش: هو قول أبي حنيفة ومحمد ﵄. م: (أن الإحرام شرع وسيلة إلى الأفعال) ش: يعني ليس بمقصود بنفسه، بل هو وسيلة يقصد به الأداء ولهذا لا يصح قبل أشهر الحج. م: (لا مقصودا) ش: أي ليس بشرع مقصود. م: (بنفسه والمبهم يصلح وسيلة بواسطة التعيين) ش: لأنه شرط فيراعى وجوده لا بصيغة التعيين كالوضوء للصلاة وإن لم يقع بها. م: (فاكتفى به) ش: أي بالإحرام المبهم. م: (شرطا) ش: أي من حيث الشرطية للأداء.
فإن قيل: الإحرام بمنزلة التكبير في الصلاة وفيه جهة الركنية، فينبغي أن يكون بمنزلة الشروع في الأفعال.
стр. 2313
بخلاف ما إذا أدى الأفعال على الإبهام؛ لأن المؤدي لا يحتمل التعيين فصار مخالفا. قال: فإن أمره غيره أن يقرن عنه فالدم على من أحرم؛ لأنه وجب شكرا لما وفقه الله تعالى من الجمع بين النسكين، والمأمور هو المختص بهذه النعمة؛ لأن حقيقة الفعل منه، وهذه المسألة تشهد بصحة المروي عن محمد ﵀ أن الحج يقع عن المأمور. وكذلك إن أمره واحد بأن يحج عنه، والآخر بأن يعتمر عنه، وأذنا له بالقران، فالدم عليه
ــ
[البناية]
قلنا: هو بمنزلة الوضوء عندنا ولهذا يجوز أن يكون قبل أشهر الحج.
م: (بخلاف ما إذا أدى الأفعال على الإبهام) ش: هذا متصل بقوله: فاكتفى به شرطا، يعني إذا أهل عن أحدهما، ثم عين أحدهما قبل المضي، صح تعيينه بخلاف ما إذا عين أحدهما بعد المضي، وهو قوله بخلاف ما إذا أدى الأفعال على الإبهام؛ لأنه إذا أدى ثم عين، فإنه يقع ابتداء، ثم التعيين يرد على ما مضى ويحمل، فلا يفيد شيئا، وهو معنى قوله. م: (لأن المؤدي لا يحتمل التعيين فصار مخالفا) ش: لأن ما مضى فات لا يعتمد التعيين كما ذكرنا.
م: (فإن أمره غيره) ش: وفي بعض النسخ قال: فإن أمره غيره، أي قال محمد ﵀: فإن أمر رجل غيره. م: (أن يقرن) ش: بضم الراء من باب نصر ينصر مفرد له عنه. م: (فالدم) ش: أي الدم القران. م: (على من أحرم) ش: أي وهو القارن. م: (لأنه وجب شكرا لما وفقه الله تعالى من الجمع بين النسكين) ش: أي الحج والعمرة.
م: (والمأمور هو المختص بهذه النعمة؛ لأن حقيقة الفعل منه) ش: ولكن يقع القران على الآمر. وبه قال الشافعي ﵁ في قول وفي أصح قوليه يجب دم القران من الآمر لأن مقتضى إحرامه أمره به، وكأنه القارن بنفسه.
م: (وهذه المسألة تشهد بصحة المروي عن محمد ﵀ أن الحج يقع عن المأمور) ش: لكون الدم عليه، وفيه نظر؛ لأن جميع الدماء في مال الحاج إلا دم الإحصار، فإنه في مال المحجوج عنه، وقيل: لا تدل هذه المسألة عليه؛ لأن سائر الأفعال من الرمي وغيره يوجد منه حقيقة، ويقع شرعًا عن الآمر، ووجوب هذا الدم من باب إقامة النسك وإقامة المناسك عليه حقيقة، وإن انتقل إلى الآمر حكمًا.
م: (وكذلك إن أمره واحد) ش: أي وكذلك وجود الدم على المأمور إن أمره واحد. م: (بأن يحج عنه، والآخر) ش: أي وأمره شخص آخر. م: (أن يعتمر عنه، وأذنا له) ش: أي أذن الاثنان كلاهما. م: (بالقران، فالدم عليه) ش: أي على المأمور، وإنما قيد بالإذن؛ لأنه إذا لم يوجد الإذن منهما بالقران ومع هذا قران، يكون مخالفًا عند أبي حنيفة ﵀.
فإن قيل: وجوب الدم عليه، لا يتوقف على إذنهما لما أنه على تقرير عدم الإذن يلزمه الدم
стр. 2314
لما قلنا.
ودم الإحصار على الآمر، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -. وقال أبو يوسف ﵀: على الحاج؛ لأنه وجب للتحلل دفعا لضرر امتداد الإحرام، وهذا الضرر راجع إليه، فيكون الدم عليه، ولهما أن الآمر هو الذي أدخله في هذه العهدة فعليه خلاصه، فإن كان يحج عن ميت فأحصر، فالدم في مال الميت عندهما خلافا لأبي يوسف ﵀ ثم قيل: هو من ثلث مال الميت؛ لأنه صلة كالزكاة وغيرها، وقيل من جميع المال؛ لأنه وجب حقا للمأمور، فصار دينا.
ودم الجماع على الحاج؛ لأنه دم جناية وهو الجاني عن اختيار ويضمن النفقة، معناه: إذا جامع قبل الوقوف حتى فسد حجه؛ لأن الصحيح هو المأمور به
ــ
[البناية]
أيضًا، ولأن القران أفضل، فكيف يكون مخالفًا. قلنا: فائدة التقييد بالإذن لدفع وهم وجوب الدم على الآمر كما قال الشافعي ﵀ في الأصح. م: (لما قلنا) ش: وهو أن المأمور مختص بهذه النعمة.
[دم الإحصار يلزم الأصيل أم النائب في الحج]
م: (ودم الإحصار على الآمر) ش: لأنه هو الذي أوقع فيه. م: (وهذا) ش: أي وجوب الدم على الآمر، عند إحصار المأمور. م: (عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -. وقال أبو يوسف ﵀: على الحاج؛ لأنه) ش: أي لأن الدم. م: (وجب للتحلل دفعا لضرر امتداد الإحرام، وهذا الضرر راجع إليه) ش: أي إلى الحاج. م: (فيكون الدم عليه) ش: أي على الحاج. م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -. م: (أن الآمر هو الذي أدخله في هذه العهدة فعليه خلاصه) ش: واعترض على قوله: أن الآمر هو الذي أدخله في هذه العهدة، بأن الآمر إذا أمر بالقران، فهو الذي أدخل المأمور في عهدة الدم، ولا يجب وعليه واجب، بأن دم القران نسك فيه، وقد وقع الآمر النفقة بمقابلة جميع ما كان من المناسك، وهو من جملتها، بخلاف دم الإحصار فإنه ليس بنسك، ولم يكن معلومًا عند الآمر أيضًا.
م: (فإن كان يحج عن ميت) ش: أي فإن كان الرجل يحج عن ميت. م: (فأحصر، فالدم) ش: أي دم الإحصار. م: (في مال الميت عندهما) ش: أي عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -. م: (خلافا لأبي يوسف ﵀) ش: فإن عنده على الحاج. م: (ثم قيل: هو من ثلث مال الميت؛ لأنه صلة) ش: الصلة هي التي لا تكون في مقابلة عوض مالي. م: (كالزكاة وغيرها) ش: يعني النذور وغيرها من الكفارات فإنها من الثلث. م: (وقيل من جميع المال) ش: يعني وتجب من جميع مال الميت. م: (لأنه) ش: أي لأن الدم. م: (وجب حقا للمأمور) ش: يعني لإدخال الآمر في هذه العهدة دينًا على الميت والدين محل جميع المال. م: (فصار دينا) ش: على الآمر.
[دم الجماع يلزم الأصيل أم النائب في الحج]
م: (ودم الجماع على الحاج؛ لأنه دم جناية وهو الجاني) ش: أي الحاج هو الجاني. م: (عن اختيار ويضمن النفقة، معناه) ش: أي معنى قوله يضمن النفقة. م: (إذا جامع قبل الوقوف بعرفة حتى فسد حجه؛ لأن الصحيح) ش: أي لأن الحج الصحيح. م: (هو المأمور به) ش: وبه قال الشافعي -
стр. 2315
بخلاف ما إذا فاته الحج حيث لا يضمن النفقة لأنه ما فاته باختياره. أما إذا جامع بعد الوقوف لا يفسد حجه ولا يضمن النفقة لحصول مقصود الآمر. وعليه الدم في ماله لما بينا، وكذلك سائر دماء الكفارات على الحاج لما قلنا.
ومن أوصى بأن يحج عنه فأحجوا عنه رجلا، فلما بلغ الكوفة مات
أو سرقت نفقته وقد أنفق النصف
ــ
[البناية]
﵀ ثم عليه المضي في هذه الحجة الفاسدة؛ لأنه لا يخرج عن إحرام الحج إلا بأفعال الحج لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (البقرة: الآية ١٩٦) ، من غير فصل بين الجائز والفاسد وعليه الحج من قابل وليسقط الحج عن الميت حتى يحج المأمور في السنة الثانية على وجه الصحة قضاء للأول وللشافعي ﵀ في قضاء الحج في السنة الثانية قولان:
أحدهما: أنه عليه الآمر. وأصحهما: أنه عن الأجير، فعلى هذا يلزمه حجة أخرى سوى القضاء للمستأجر، فيقضي عن نفسه ثم يحج عن المستأجر، ويلبث من حج عنه كذا في " شرح الوجيز ".
م: (بخلاف ما إذا فاته الحج حيث لا يضمن النفقة لأنه ما فاته باختياره. أما إذا جامع بعد الوقوف لا يفسد حجه ولا يضمن النفقة لحصول مقصود الآمر. وعليه) ش: أي على المأمور. م: (الدم في ماله لما بينا) ش: وهو قوله لأنه دم جناية. م: (وكذلك) ش: أي وكذلك وجوب الدم في. م: (سائر دماء الكفارات على الحاج لما قلنا) ش: وهو أنه دم جناية ومن هذا علم أن الدماء ثلاثة أنواع: دم نسك كالقران والتمتع، ودم جناية كجزاء الصيد ونحوه، ودم مؤنة كدم الإحصار.
[الوصية بالحج]
م: (ومن أوصى بأن يحج عنه) ش: وفي بعض النسخ قال: ومن أوصى، أي قال محمد ﵀ في " الجامع الصغير " الوصية فيه خلاف، قال ابن المنذر ﵀ في " الأشراف ". قال محمد بن سيرين وحماد بن أبي سليمان، وداود بن أبي هند، وحميد الطويل، وعثمان البتي، ومالك، وأبو ثور ﵏: يحج عن الميت من ثلث ماله إذا أوصى.
قلت: وهو قول أصحابنا ﵃ وهو قول ابن عباس وأبي هريرة ﵄ ويكون من ماله إذا كان ثلثه يكفي. وقال الحسن البصري ﵀ وعطاء ﵀ وطاوس ﵀ والزهري ﵀ والشافعي ﵀ وإسحاق ﵀ وأحمد ﵀ يخرج من رأس ماله من غير وصية.
لكن الشافعي ﵀ قال: من ميقاته، وقال أحمد: من بلده أو من حيث أيسر هذا في الحج الفرض، وقال النخعي ﵀ وابن أبي ذئب ﵀: لا يحج أحد عن أحد ذكره النووي ﵀. م: (فأحجوا عنه رجلا، فلما بلغ الكوفة مات) ش: إنما قال: بلغ الكوفة؛ لأن محمدًا وضع المسألة في الخراساني.
م: (أو سرقت نفقته وقد أنفق النصف) ش: الواو فيه للحال وقيد النصف اتفاقي، حتى لو أنفق
стр. 2316
يحج عن الميت من منزله بثلث ما بقي. وهذا عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: يحج عنه من حيث مات الأول.
فالكلام هاهنا في اعتبار الثلث، وفي مكان الحج. أما الأول فالمذكور قول أبي حنيفة ﵀. أما عند محمد ﵀: يحج عنه بما بقي من المال المدفوع إليه إن بقي شيء وإلا بطلت الوصية اعتبارا بتعيين الموصي؛ إذ تعيين الوصي كتعيينه. وعند أبي يوسف ﵀: يحج عنه بما بقي من الثلث الأول؛ لأنه هو المحل لنفاذ الوصية. ولأبي حنيفة ﵀ أن قسمة
ــ
[البناية]
الثلث أو السدس فالحكم كذلك. م: (يحج عن الميت من منزله بثلث ما بقي) ش: من المال الذي بقي. م: (وهذا) ش: أي هذا المذكور. م: (عند أبي حنيفة ﵁. وقالا: يحج عنه من حيث مات الأول) ش: وهو الذي أحجوا عنه.
صورة المسألة رجل له أربعة آلاف درهم، أوصى بأن يحج عنه فمات، وكان مقدار الحج ألف درهم، فدفعها الوصي إلى من يحج عنه فتوفي في الطريق، قال أبو حنيفة ﵀: يؤخذ ثلث ما بقي من التركة، وهو ألف درهم، فإن سرقت ثانيًا، يؤخذ ثلثه مرة أخرى هكذا.
وقال أبو يوسف ﵀: يؤخذ ثلث ما بقي من ثلث جميع المال وهو ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث درهم. فإن سرقت ثانيًا لا يؤخذ مرة أخرى.
وقال محمد ﵀: إذا سرقت الألف التي دفعها أولا بطلت الوصية، فإن بقي منها شيء يحج به لا غير؛ لأن تعيين الوصي كتعيين الموصي لكونه نائبًا عنه ولو أفردها الموصي ثم هلكت، بطلت الوصية فكذلك هذا، ولأبي يوسف ﵀ أن الوصية فعل يعادها بثلث الثلث.
ولأبي حنيفة ﵀ أن قسمة الوصي وعزله لا يصح إلا بالتسليم إلى الوجه الذي سماه الموصي؛ لأنه لا خصم له لينقبض ولم يوجد التسليم إلى ذلك الوجه فصار كما إذا هلك قبل الإفراز والعزل، وفي ذلك يحج من ثلث ما بقي فكذا في هذا.
م: (فالكلام هاهنا) ش: في موضعين أحدهما. م: (في اعتبار الثلث) ش: والأخرى. م: (وفي مكان الحج) ش: ففي كل منهما اختلاف. م: (أما الأول) ش: أي الموضع الأول، وهو الذي فيه الوصية بالثلث. م: (فالمذكور) ش: وفيما قيل. م: (قول أبي حنيفة ﵀. أما عند محمد ﵀: يحج عنه بما بقي من المال المدفوع إليه إن بقي شيء وإلا بطلت الوصية اعتبارا بتعيين الموصي؛ إذ تعيين الوصي كتعيينه) ش: أي كتعيين الوصي لأنه قام مقامه.
م: (وعند أبي يوسف ﵀: يحج عنه بما بقي من الثلث الأول) ش: مع ما بقي من المال المفرد. م: (لأنه) ش: أي لأن الثلث. م: (هو المحل لنفاذ الوصية. ولأبي حنيفة ﵀ أن قسمة
стр. 2317
الوصي وعزله المال لا يصح إلا بالتسليم إلى الوجه الذي سماه الموصي؛ لأنه لا خصم له ليقبض، ولم يوجد التسليم إلى ذلك الوجه فصار كما إذا هلك قبل الإفراز والعزل، فيحج بثلث ما بقي.
وأما الثاني فوجه قول أبي حنيفة ﵀ وهو القياس، أن القدر الموجود من السفر قد بطل في حق أحكام الدنيا، قال ﵊: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» الحديث، وتنفيذ الوصية من أحكام الدنيا
ــ
[البناية]
الوصي، وعزله المال، لا يصح إلا بالتسليم إلى الوجه الذي سماه الموصي) ش: وهو الحج. م: (لأنه لا خصم له ليقبض، ولم يوجد التسليم إلى ذلك الوجه فصار كما إذا هلك قبل الإفراز والعزل، فيحج بثلث ما بقي) ش: وفي ذلك يحج من ثلث ما بقي فكذلك في هذا.
م: (وأما الثاني) ش: أي وأما الكلام في الثاني وهو مكان الحج. م: (فوجه قول أبي حنيفة ﵀ وهو القياس، أن القدر الموجود من السفر قد بطل في حق أحكام الدنيا) ش: استدل أبو حنيفة ﵀ بقوله. م: (قال ﷺ ) ش: أي قال النبي ﷺ . م: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ... » الحديث) ش: هذا الحديث رواه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي ﵏ من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» قوله الحديث يجوز بالنصب على تقدير إقرار الحديث بتمامه، ويجوز بالرفع أي الحديث بتمامه قوله عمله أراد عملًا ودخل فيه ولا يتمه، وإذا بطل عمله في أحكام الدنيا.
م: (وتنفيذ الوصية من أحكام الدنيا) ش: وجب الاستئناف. ألا ترى أنه لو أحرم ثم مات ينقطع ذلك الإحرام حتى لا شيء عليه عندنا وعند الشافعي ﵀ في قول شيء عليه.
واعترض عليه بأن الحديث الذي استدل به أبو حنيفة ﵀ ظاهره متروك؛ لأنه يقتضي أن يكون غير هذه الثلاثة من الأعمال منقطعًا، وليس كذلك؛ لأنه يثاب عليها، وما هو كذلك لا يكون منقطعًا.
أجيب: بأن الأعمال كلها على ثلاثة أنواع، أعمال عملها فمضت، وأعمال لم يشرع فيها فهي معدومة، وأعمال شرع فيها ولم يتمها. والطرفان لا يوصفان بالانقطاع.
أما الأول: فلأن الماضي لا يتحمل الانقطاع، لكن يحتمل البطلان بما يحبط ثوابه. نعوذ بالله من ذلك.
وكذلك الثاني؛ لأنه غير موجود وهذا لأن الانقطاع عبارة عن تفرق أجزائه والماضي بجميع أجزائه لا يتصور ذلك. وكذلك الذي لم يوجد بجميع أجزائه، فتعيين الذي شرع ولم يتمه تنفذ الوصية من أحكام الدنيا وهو ليس من الثلاث.
стр. 2318
فبقيت الوصية من وطنه كأن لم يوجد الخروج. وجه قولهما وهو الاستحسان أن سفره لم يبطل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] الآية (النساء: الآية ١٠٠) وقال ﵊: «من مات في طريق الحج، كتب له حجة مبرورة في كل سنة» .
وإذا لم يبطل سفره اعتبرت الوصية من ذلك المكان. وأصل الاختلاف في الذي يحج بنفسه، وينبني على ذلك المأمور بالحج. قال: ومن أهل بحجة عن أبويه يجزئه أن يجعله عن أحدهما. لأن من حج عن غيره بغير إذنه فإنما يجعل ثواب حجه له، وذلك بعد أداء الحج فلغت نيته قبل أدائه
ــ
[البناية]
م: (فبقيت الوصية من وطنه كأن لم يوجد الخروج. وجه قولهما) ش: أي قول أبي يوسف ﵀ ومحمد ﵀. إنما أخر تعليلهما وقدم تعليل أبي يوسف، وكان يقتضي الحال العكس، يشير بذلك إلى أنه اختار قولهما استحسانًا.
والمأخوذ في الثلث استحسانًا، ولهذا ذكر القياس أولًا، ثم قال: وهو الاستحسان أي قولهما. م: (وهو الاستحسان أن سفره لم يبطل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] (النساء: الآية ١٠٠)) ش: الكلام في إعراب الآية مثل الكلام في قوله الحديث. م: (وقال ﷺ : «من مات في طريق الحج، كتب له حجة مبرورة في كل سنة» ش: هذا الحديث بهذا اللفظ غريب. وروى الطبراني ﵀ في " الأوسط " وأبو يعلى الموصلي ﵀ في " مسنده " من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من خرج حاجًا فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة. ومن خرج معتمرًا فمات، كتب له أجر العمرة إلى يوم القيامة. ومن خرج غازيًا في سبيل الله فمات، كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة» .
م: (وإذا لم يبطل سفره) ش: أي عمله. م: (اعتبرت الوصية من ذلك المكان) ش: لأن الثواب لم يبطل. م: (وأصل الاختلاف) ش: المذكور. م: (في الذي يحج بنفسه) ش: فمات في الطريق وأوصى بأن يحج عنه، فعند أبي حنيفة يحج من وطنه وعندهما من حيث مات فيه. م: (وينبني على ذلك) ش: أي ذلك الاختلاف. م: (المأمور بالحج) ش: إذا مات في بعض الطريق، فعنده يحج من وطنه وعندهما من موضع مات فيه. م: (قال: ومن أهل بحجة عن أبويه يجزئه أن يجعله عن أحدهما) ش: وذلك لأنه يجعل الثواب لأحدهما، وإنما يحصل الثواب بعد الأداء فنفلوا ميتة عنها قبل الأداء.
فبعد ذلك، إذا جعل ثواب حجته لأحدهما جاز. م: (لأن من حج عن غيره بغير إذنه فإنما يجعل ثواب حجه له، وذلك) ش: أي جعل ثواب حجه له. م: (بعد أداء الحج فلغت نيته قبل أدائه) ش: لعدم
стр. 2319
وصح جعله ثوابه لأحدهما بعد الأداء، بخلاف فالمأمور على ما قررنا من قبل، والله تعالى أعلم بالصواب.
ــ
[البناية]
الثواب قبل الأداء. م: (وصح جعله ثوابه لأحدهما بعد الأداء) ش: أي لأحد الأبوين، أي بعد الأداء، وكذا صح إذا جعل لهما جميعًا.
م: (بخلاف المأمور) ش: أي بالحج إذا أهل بحجة عن أبويه حيث لا يجوز أن يجعل أحدهما لأنه بحكم الآمر. م: (على ما قررنا من قبل) ش: أي عند قوله ومن أمره رجلان أن يحج عن كل واحد منهما حجة.
[الحاج عن الغير إذا نوى الإقامة بمكة لحاجة نفسه] ١
فروع: الحاج عن الغير إذا نوى الإقامة بمكة لحاجة نفسه لا لحج الميت إن أقام أقل من خمسة عشر يومًا، فهو مسافر بحاله ونفقته في مال الميت، وفي أكثر من ذلك من مال نفسه إذا وصل إلى مكة قبل الحج بيوم أو يومين، لم يذكر ما حاله.
وفي " النوادر " عن أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - لو أقام في أيام العشر فنفقته في مال الميت، قيل ذلك ينفق من مال نفسه إلى أن ترتحل أيام العشر لو أوصى بمال معين يبلغ ذلك حجا. فالموصي بالخيار إن شاء دفع كل سنة بحجة، وإن دفع إلى رجال في سنة، وهذا أفضل. ولو حج المأمور ماشيًا كان مخالفًا، ولو حج على حمار كره ذلك والبعير أفضل.
ولو مرض المأمور في الطريق، لم يجز أن يدفع النفقة إلى غيره إلا بإذن الآمر. ولو ضاع المال قبل إحرامه يجوز لوصي الميت أو ورثته أن يستردوا المال منه ما لم يحرم. ولو أحرم حين أراد الأخذ منه فله أن يأخذه ويكون إحرامه عن الميت. فإن استرد فنفقته إلى بلده من مال الميت. وإن استرده بجناية ظهرت منه، فالنفقة في ماله لو استرد لجهالته بأمر المناسك أو لضعف رأي فيه فالنفقة في مال الميت. استأجر المأمور من مخدوم وهو محله ممن لا يخدم نفسه فأجره من مال الميت. وإلا فمن ماله.
ولا بأس بخلط المأمور نفع نفقته مع الرفقة أمر بذلك الميت أم لا. ولو أنكر الموصي أو الورثة حجه، فالقول قوله مع يمينه إلا إذا كان للميت دين على إنسان. وقال: حج عني بهذا المال، فحج عنه بعد موته لا يصدق إلا ببينة ولو رجع عن الطريق وقال: منعت لم يصدق ويضمن جميع النفقة إلا إذا كان أمرًا ظاهرًا.
стр. 2320
باب الهدي الهدي أدناه شاة، لما روي أن النبي ﵊، «سئل عن الهدي، فقال: " أدناه شاة» قال: وهو من ثلاثة أنواع: الإبل والبقر والغنم؛ لأنه ﵊ لما جعل الشاة أدنى، لا بد أن يكون له أعلى وهو البقر والجزور. ولأن الهدي ما يهدى إلى الحرم ليتقرب به فيه. والأصناف الثلاثة سواء في هذا المعنى. ولا يجوز في الهدايا إلا ما يجوز في الضحايا
ــ
[البناية]
[باب الهدي] [أنواع الهدي]
م: (باب الهدي) ش: أي هذا باب في بيان الهدي، وأنواعه، ولما ذكر الهدي في كتاب الحج في مواضع كثيرة، من وجوه كثيرة، من نسك وجزاء ومؤنة، شرع في بيانه مع أنواعه. وفي " ديوان الأدب "، الهدي ما يهدى للبيت، والهدي ما يهدى إلى الحرم من النعم من شاة أو بقرة أو بعير. وفي المشارق وأهل الحجاز [.....] .
م: (الهدي أدناه شاة، لما روي «أنه ﷺ ، سئل عن الهدي، فقال: " أدناه شاة» ش: قال مخرج الأحاديث: هذا غريب، ولم أجده إلا من كلام عطاء. رواه البيهقي في " المعرفة " من طريق الشافعي ﵀ أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج أن عطاء قال: أدنى ما يهراق من الدماء في الحج، وغيره شاة. وقد ذكر الأترازي ﵀ الحديث المذكور وسكت عنه.
م: (وهو) ش: أي الهدي. م: (من ثلاثة أنواع: الإبل والبقر والغنم؛ لأنه ﵊ لما جعل الشاة أدنى، لا بد أن يكون له أعلى وهو البقر والجزور) ش: وفيه تأمل في موضعين: الأول قوله جعل الشاة أدنى، فالحديث الذي ذكره، لم يثبت عنه ﵊ فضلًا أن يجعل أدناه شاة، والثاني قوله لا بد أن يكون له أعلى فيه ما فيه؛ لأن كون الأعلى من هذين الصنفين من أين يؤخذ؟ والأحسن أن تؤخذ هذه الثلاثة من حديث البخاري عن ابن حمزة نصر بن عمران الضبعي، قال سألت ابن عباس ﵄ عن المتعة وأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال: فيه جزور أو بقرة أو شاة ... الحديث.
م: (ولأن الهدي ما يهدى إلى الحرم ليتقرب به فيه) ش: أي بالهدي في الحرم. م: (والأصناف الثلاثة سواء في هذا المعنى) ش: أي في معنى التقرب، وقيل في معنى الإهداء في الحرم. م: (ولا يجوز في الهدايا إلا ما يجوز في الضحايا) ش: يعني يجوز الثني فصاعدًا من الأنواع الثلاثة.
ولا يجوز الجذع إلا من الضأن، ويشترط أن يكون سالمًا من العيب كما في الأضحية والجذع من البهائم قبل الثني. والثني من الغنم ما تمت له سنة وطعن في الثانية، ومن البقر ما طعن في الثالثة، ومن الإبل ما طعن في السادسة، والجذع من الضأن ما طعن في الشهر السابع.
стр. 2321
لأنه قربة تعلقت بإراقة الدم، كالأضحية فيتخصصان بمحل واحد. والشاة جائزة في كل شيء إلا في موضعين: من طاف طواف الزيارة جنبا، ومن جامع بعد الوقوف بعرفة فإنه لا يجوز فيهما إلا بدنة. وقد بينا المعنى فيما سبق.
ويجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة والقران ؛ لأنه دم نسك، فيجوز الأكل منها بمنزلة الأضحية، وقد صح: أن «النبي ﵊ أكل من لحم هديه وحسا من المرقة.» ويستحب له أن يأكل منها لما روينا.
وكذا يستحب أن يتصدق على الوجه الذي عرف في الضحايا. ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا؛ لأنها دماء كفارات
ــ
[البناية]
وقال الزهري: لا يجوز الجذع من الضأن، وعن الأوزاعي ﵀: يجزئ الجذع من الجميع، وعن أنس والحسن بن أبي الحسن ﵀: يجزئ الجذع من الإبل عن ثلاثة، وعن عطاء ﵀: عن سبعة.
م: (لأنه) ش: أي لأن الهدي. م: (قربة تعلقت بإراقة الدم، كالأضحية فيتخصصان) ش: أي الهدي والأضحية. م: (بمحل واحد) ش: وفي بعض النسخ بمكان واحد، يعني يقعان موقعًا واحدًا، وينزلان منزلا واحدا، أي حكمًا واحدا يجوز هنا ما يجوز هناك ولا يجوز هنا ما لا يجوز ثمة؛ لأن كلًا منهما لزمه إراقة الدم. م: (والشاة جائزة في كل شيء إلا في موضعين: من طاف طواف الزيارة جنبا، ومن جامع بعد الوقوف بعرفة، فإنه لا يجوز فيهما إلا بدنة. وقد بينا المعنى فيما سبق) ش: أي في الفصل الأول والثاني في باب الجنايات.
[الأكل من هدي التطوع والمتعة والقران]
م: (ويجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة والقران؛ لأنه دم نسك، فيجوز الأكل منها بمنزلة الأضحية) ش: وبه قال عطاء ﵀ وأحمد ﵀ وفي " المبسوط " ويستحب الأكل. وقال مالك ﵀: لا يأكل من فدية الأذى وجزاء الصيد وما نذره للمساكين ويأكل مما سواه.
وقال الحسن البصري ﵀: يأكل من الجميع. رواه سعيد بن منصور ﵀ وقال الشافعي ﵀: يأكل من هدي التطوع لا غير.
م: (وقد صح: أن النبي ﷺ أكل من لحم هديه وحسا من المرقة) ش: صح هذا في حديث جابر ﵀ الطويل الذي رواه مسلم وغيره أنه ﷺ «أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها يعني عليًا ﵁ والنبي ﷺ ، قوله حسا» بالحاء والسين المهملتين من حسوت المرق حسوًا إذا شربه. م: (ويستحب له أن يأكل منها) ش: أنث الضمير لإرادة الهدايا أي من هدي التطوع وهدي المتعة والقران جعلهما واحدا. م: (لما روينا) ش: وهو قوله وقد صح ... إلخ.
[الصدقة من هدي التطوع والمتعة والقران]
م: (وكذا يستحب أن يتصدق على الوجه الذي عرف في الضحايا) ش: يعني يتصدق بالثلث ويطعم الثلث ويدخر الثلث. م: (ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا؛ لأنها دماء كفارات) ش: مثل دماء
стр. 2322
وقد صح «أن النبي ﵊ لما أحصر بالحديبية وبعث الهدايا على يد ناجية الأسلمي قال له: " لا تأكل أنت ورفقتك منها شيئا» .
ــ
[البناية]
الكفارات والنذور، وهدي الإحصار وهدي التطوع إذا لم يبلغ محله.
أما إذا بلغ التطوع محله، فيجوز منه الأكل، والمراد من هدي التطوع في المتن في قوله، ويجوز الأكل من هدي التطوع هو الذي بلغ محله لأنها دماء كفارات. م: (وقد صح " أن النبي ﷺ لما أحصر بالحديبية وبعث الهدايا على يدي ناجية الأسلمي ﵁ قال له: «لا تأكل أنت ورفقتك منها شيئا» . ش: روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة من حديث ناجية ﵁ وليس فيه قوله: لا تأكل أنت ورفقتك منها شيئا.
وهو في أحاديث أخرى منها ما رواه مسلم وابن ماجه عن قتادة عن سنان بن سلمة ﵀ عن ابن عباس ﵄ أن ذؤيبا الخزاعي أبا قبيصة حدثه «أن رسول الله ﷺ كان يبعث بالبدن معه، ثم يقول " إن عطبت منها شيئًا فخشيت عليه موتًا فانحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم اضرب به صفحتها ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك» . ومنها ما أخرجه أحمد ﵀ في " مسنده " والطبراني ﵁ في معجمه عن شريك عن ليث عن شهر بن حوشب عن عمرو بن خارجة اليماني ﵁ قال «بعث النبي ﷺ معي هديًا وقال: " إذا عطبت منها شيئًا فانحره، ثم اضرب نعله في دمه، ثم اضرب صفحته ولا تأكلها أنت ولا أهل رفقتك وخل بينه وبين الناس» .
وزاد فيه الطبراني ﵀: بهدي تطوع، وقال أبو عمر بن عبد البر ﵀ في إسناد عمرو اليماني ﵀ روى عنه شهر بن حوشب ﵁ بعث معي رسول الله بهدي تطوعًا، فقال: «إن عطب منه شيء فانحره ثم اصبغ نعله في دمه، ثم اضرب به على صفحته، وخل بينه وبين الناس» . كذا ذكره أبو عمر بغير [....] ، ولم يزد على قول عمرو اليماني ﵀ وذكره الذهبي ﵀ في تجريد الصحابة. وقال عمرو اليماني ﵁ روى عنه شهر بن حوشب ﵁ «أن رسول الله ﷺ بعثه بهدي» ولم يزد على هذا شيئا.
ومنها ما رواه مسلم وأبو داود والنسائي ﵏ من رواية أبي التياح الضبعي عن موسى بن سلمة الهذلي عن ابن عباس ﵄ «قال بعث رسول الله ﷺ بست عشرة
стр. 2323
ولا يجوز ذبح هدي التطوع والمتعة والقران إلا في يوم النحر.
قال: وفي الأصل: يجوز ذبح دم التطوع قبل يوم النحر ، وذبحه يوم النحر أفضل. وهذا هو الصحيح؛ لأن القربة في التطوعات باعتبار أنها هدايا، وذلك يتحقق بتبليغها إلى الحرم فإذا وجد ذلك جاز ذبحها في غير يوم النحر، وفي أيام النحر أفضل؛ لأن معنى القربة في إراقة الدم فيها أظهر.
ــ
[البناية]
بدنة مع رجل وأمره فيها، قال فمضى ثم رجع، فقال يا رسول الله كيف أصنع بما أبدع علي منها؟ قال: " انحرها ثم اصبغ نعليها في دمها، ثم اجعله على صفحتها ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك» ، هذا لفظ مسلم.
وفي رواية له، بعث ثماني عشرة بدنة مع رجل، وهذا رواه أبو داود ﵀ «قال: بعث رسول الله ﷺ فلانًا الأسلمي، وبعث معه بهدي ثماني عشرة بدنة» وناجية بالنون والجيم المكسورة، ابن جندب بن عمير الأسلمي ﵁ معدود في أهل الحجاز بما في أهل المدينة، وذكر ابن عفير أن اسمه كان ذكوان فسماه النبي ﷺ ناجية، والتاء فيه للمبالغة، مات بالمدينة في خلافة معاوية ﵁.
[مكان ووقت ذبح الهدي]
م: (ولا يجوز ذبح هدي التطوع والمتعة والقران إلا في يوم النحر) ش: ذكر في " شرح الأقطع ". قال الشافعي ﵀: إذا أحرم جاز الذبح، ولنا في هدي المتعة والقران قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] (الحج: الآية: ٢٨) عطف، ولا قضاء التفث على الأكل من بهيمة الأنعام التي نحروها، وقضاء التفث مختص بيوم النحر فيكون النحر كذلك، واعترض بأن ثم للتراخي فربما يكون الذبح قبل يوم النحر.
وقضاء التفث فيه واجب، وأجيب بأن موجب ثم في التراخي يتحقق بالتأخير ساعة، فلو جاز الذبح بقتل يوم النحر، جاز قضاء التفث بعده بساعة وليس كذلك.
والبائس الذي يناله بأس أي شدة في الفقر والتفث الأخذ من الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والأخذ من الشعر كأنه الخروج من الإحرام إلى الإحلال.
[ذبح دم التطوع قبل يوم النحر]
م: (قال) ش: أي المصنف ﵀. م: (وفي الأصل) ش: أي في المبسوط. م: (يجوز ذبح دم التطوع قبل يوم النحر) ش: لأن القربة في هدي التطوع بوصوله إلى الحرم فلا يشترط الزمان. م: (وذبحه) ش: أي ذبح دم التطوع. م: (يوم النحر أفضل. وهذا هو الصحيح؛ لأن القربة في التطوعات باعتبار أنها هدايا، وذلك يتحقق بتبليغها إلى الحرم. فإذا وجد ذلك) ش: أي تبليغ الهدايا إلى الحرم. م: (جاز ذبحها في غير يوم النحر، وفي أيام النحر أفضل؛ لأن معنى القربة في إراقة الدم فيها) ش: أي في أيام النحر. م: (أظهر) ش: لأنها خصت بالهدايا والضحايا، والأخص منها الهدايا فيكون لها زيادة شرف.
стр. 2324
أما دم المتعة والقران فلقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] (الحج: الآية ٢٨) ، وقضاء التفث يختص بيوم النحر، ولأنه دم نسك فيختص بيوم النحر كالأضحية. ويجوز ذبح بقية الهدايا في أي وقت شاء. وقال الشافعي ﵀: لا يجوز إلا في أيام النحر اعتبارا بدم المتعة والقران؛ فإن كل واحد منهما دم جبر عنده. ولنا أن هذه دماء كفارات فلا تختص بيوم النحر؛ لأنها لما وجبت لجبر النقصان كان التعجيل بها أولى لارتفاع النقصان به من غير تأخير، بخلاف دم المتعة والقران؛ لأنه دم نسك. قال: ولا يجوز ذبح الهدايا إلا في الحرم لِقَوْلِهِ تَعَالَى في جزاء الصيد: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] (المائدة: الآية ٩٥) ، فصار أصلا في كل دم هو كفارة
ــ
[البناية]
م: (أما دم المتعة والقران فلقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] (الحج: الآية ٢٨) ، وقضاء التفث يختص بيوم النحر) ش: وجه الاستدلال بهذه الآية قد ذكره آنفًا وما فيها من المعنى. م: (ولأنه) ش: أي ولأن دم المتعة والقران. م: (دم نسك) ش: أي قربة. م: (فيختص بيوم النحر) ش: حتى حل التناول منه. م: (كالأضحية، ويجوز ذبح بقية الهدايا في أي وقت شاء. وقال الشافعي ﵀: لا يجوز إلا في أيام النحر اعتبارا بدم المتعة والقران؛ فإن كل واحد منهما) ش: أي من دم المتعة ودم القران. م: (دم جبر عنده) ش: هذا مخالف لما ذكره في كتبهم.
فإنه ذكر في " الوجيز " وشرحه و" التتمة " وغيرها، أن الدم الواجب في الإحرام إما لارتكاب محظور أو جزاء ترك مأمور ولا يختص بزمان، فيجوز في يوم النحر وغيره، وإنما الضحايا هي التي تختص بالحرم وأيام التشريق. وفي " شرح المجمع " مذهب الشافعي ﵁ أن لا يختص بيوم النحر والضحايا والهدايا والدماء، وفي وقت ذبح الهدي وجهان، الصحيح أنه يختص بيوم النحر، كالأضحية، والثاني لا يختص بزمان كدماء الجبر، وقد ذكر المصنف ﵀ الخلاف معه في بقية الهدايا. والصحيح من مذهبه ما ذكرناه أن دماء الجبر أن لا يختص بيوم النحر. م: (ولنا أن هذه) ش: أي بقية الهدايا. م: (دماء كفارات فلا تختص بيوم النحر؛ لأنها لما وجبت لجبر النقصان كان التعجيل بها أولى لارتفاع النقصان به من غير تأخير، بخلاف دم المتعة والقران؛ لأنه دم نسك) ش: أي قربة.
م: (قال: ولا يجوز ذبح الهدايا إلا في الحرم) ش: وفي بعض النسخ قال: ولا يجوز، أي قال القدوري، ولا يجوز ذبح الهدايا إلا في الحرم، وبه قال الشافعي ﵀ في الأصح.
وقال في القديم [....] في الحل يجوز ذبحه في الحل، وبه قال أحمد ﵀ وقال مالك ﵀: ما يجب من الفدية بالإحرام لا يختص بمكان كما لا يختص بزمان. م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى في جزاء الصيد: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] (المائدة: الآية ٩٥) ، فصار ذلك) ش: أي جزاء الصيد. م: (أصلا في كل دم هو كفارة) ش: إذ لا فرق بين الكفارات ولا تفاوت في معنى الجزاء والزجر، وإذا
стр. 2325
ولأن الهدي اسم لما يهدى إلى مكان ومكانه الحرم. قال ﵊: «منى كلها منحر، وفجاج مكة كلها منحر» .
ويجوز أن يتصدق بها على مساكين الحرم وغيرهم خلافا للشافعي ﵀ لأن الصدقة قربة معقولة، والصدقة على كل فقير قربة. قال: ولا يجب التعريف بالهدايا؛ لأن الهدي ينبئ عن النقل إلى مكان ليتقرب بإراقة دم فيه
ــ
[البناية]
وجب وجوب التبليغ في البعض بالنص وجب في غيره بدلالة النص.
م: (ولأن الهدي اسم لما يهدى إلى مكان ومكانه الحرم. قال ﵊: «منى كلها منحر، وفجاج مكة كلها منحر» ش: هذا الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه عن أسامة بن زيد الليثي عن عطاء بن أبي رباح عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل عرفة موقف وكل منى منحر وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر» . وأخرجه أبو داود أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون، وكل عرفة موقف وكل فجاج مكة منحر وكل جمع موقف» .
هذا رواه محمد بن المنكدر عن أبي هريرة ﵁ وقال ابن معين: محمد بن المنكدر ﵀ لم يسمع من أبي هريرة ﵁ وقال أبو زرعة ﵁ لم يلق أبا هريرة ﵁ قوله منحر بفتح الميم اسم المكان الذي ينحر فيه الهدايا. وفجاج جمع فج، وهو الطريق الواسع بين الجبلين. وهذا من النبي ﷺ بيان الحكم لا الحقيقة.
م: (ويجوز أن يتصدق بها على مساكين الحرم وغيرهم) ش: أي وغير مساكين الحرم. م: (خلافا للشافعي ﵀) ش: فإن عنده يجب صرفها على مساكين الحرم لأن المقصود التوسعة على فقراء مكة حتى لو فرق القارن على دخول مكة لحمها على غير مساكين الحرم لا يجوز. م: (لأن الصدقة قربة معقولة) ش: لأنها لسد خلة المحتاج. م: (والصدقة على كل فقير قربة) ش: فلا يختص بها فقير لأن التصدق قربة في كل مكان، فلا يختص مكان بخلاف الإراقة، فإنه لا يكون إلا في مكان مخصوص أو زمان مخصوص.
م: (ولا يجب التعريف بالهدايا) ش: وفي بعض النسخ قال: ولا يجب التعريف بالهدايا، أي قال القدوري: ولا يجب الإتيان بالهدايا إلى عرفات، وللتعريف معاد التنبه بأهل عرفة، والذهاب بالهدايا إلى عرفات والوقوف بها، فتعريف الهدايا إعلامها بعلامة مثل التقليد والإشعار، والكل ليس بواجب لقول عائشة ﵂ وابن عباس ﵄: تعرف وإن شئت فلا. م: (لأن الهدي ينبئ عن النقل إلى مكان ليتقرب بإراقة دم فيه) ش: أي في ذلك
стр. 2326
لا عن التعريف فلا يجب. فإن عرف بهدي المتعة فحسن؛ لأنه يتوقت بيوم النحر، فعسى أن لا يجد من يمسكه، فيحتاج إلى أن يعرف به، ولأنه دم نسك، فيكون مبناه على التشهير بخلاف دماء الكفارات؛ لأنه يجوز ذبحها قبل يوم النحر على ما ذكرنا. وسببها الجناية، فيليق بها الستر.
قال: والأفضل في البدن النحر وفي البقر والغنم الذبح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] (الكوثر: الآية ٢) ، قيل في تأويله: الجزور. وقال الله تعالى: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] (البقرة: الآية ٦٧) .
ــ
[البناية]
المكان وهو الحرم. م: (لا عن التعريف) ش: يعني لا ينبئ على التعريف. م: (فلا يجب) ش: لعدم معنى التعريف فيه. م: (فإن عرف بهدي المتعة) ش: يريد به إخراجه إلى عرفات. م: (فحسن) ش: لأن فيه زيادة اشتهار دون السنة في الواجبات الإشهار، ولهذا ليس رفع الصوت بالتلبية.
م: (لأنه) ش: أي لأن هدي المتعة. م: (يتوقت بيوم النحر) ش: يعني لا يحل من مكة أي هديه. م: (فعسى أن لا يجد من يمسكه، فيحتاج إلى أن يعرف به) ش: أي إلى أن يأخذه معه إلى عرفات. م: (ولأنه دم نسك) ش: أي ولأن الهدي المتعة قربة. م: (فيكون مبناه على التشهير) ش: لما ذكرنا أن السنة في الواجبات الإشهار. م: (بخلاف دماء الكفارات؛ لأنه يجوز ذبحها قبل يوم النحر على ما ذكرنا) ش: أشار به إلى قوله لأنها وجبت لجبر النقصان، كان التعجيل بها أولى لارتفاع النقصان به. م: (وسببها) ش: أي وسبب دماء الكفارة. م: (الجناية، فيليق بها الستر) ش: لأن الجناية نوع معصية فالستر فيها أحسن.
[الأفضل في ذبح البدن والبقر والغنم في الهدي]
م: (قال: والأفضل في البدن النحر، وفي البقر والغنم الذبح) ش: الذي هو قطع الأوداج، وعن الليث الذبح قطع الحلقوم من باطن عند التفصيل وهو أظهر وأسلم، قاله في " المغرب ".
والنحر في اللبة مثل الذبح في الحلق. اللبة المنحر هو الصدر والنحر هو الوضع الذي ينحر فيه الهدي. م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] (الكوثر: الآية ٢)) هذا دليل لقوله: والأفضل في البدن النحر.
م: (قيل في تأويله) ش: أي في تأويل قوله وانحر. م: (الجزور) ش: أي نحر الجزور والبعير ذكرًا كان أو أنثى، إلا أن اللفظة يريد بقوله هي الجزور، وإن أردت ذكرًا والجمع جزور أو جزائر، وإنما قال قيل في تأويله بصيغة المجهول؛ لأنه ورد فيه معان كثيرة، وعن علي ﵁ معنى انحر ضع يدك على نحرك في الصلاة. وعن بعض الصحابة وجه نحرك إلى القبلة، وعن عطاء أمر أن يستوي بين السجدتين جالسًا حتى يبدو غيره، وقيل انحر هواك ونفسك وشيطانك في الصلاة.
م: (وقال الله تعالى: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] (البقرة: الآية ٦٧)) ش: هذا دليل لقوله وفي البقر والغنم الذبح وذكر هذا الدليل لذبح البقر، وذكر الدليل لذبح الغنم بقوله. م: (وقال الله تعالى:
стр. 2327
وقال الله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] (الصافات: الآية ١٠٧) ، والذبح ما أعد للذبح، وقد صح «أن النبي ﷺ نحر الإبل وذبح البقر والغنم» ثم إن شاء نحر الإبل في الهدايا قياما أو أضجعها، وأي ذلك فعل فهو حسن، والأفضل أن ينحرها قياما لما روينا: «أنه ﵊ نحر الهدايا قياما» . وأصحابه ﵃ كانوا ينحرونها
ــ
[البناية]
﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] ش: (الصافات: الآية ١٠٧) وجه الاستدلال به أن الله لما أمر إبراهيم بذبح ولده إسماعيل، ورأى منهما الصدق والامتثال لأمره من عليهما بقوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] (الصافات: الآية: ١٠٧) ، وكان كبشا من الجنة.
م: (والذبح) ش: بكسر الذال. م: (ما أعد للذبح) ش: فعلم منه أن الغنم تذبح. م: (وقد صح أن النبي ﷺ نحر الإبل وذبح البقر والغنم) ش: ذكر هنا إذا صح «عن النبي ﷺ أنه نحر الإبل وذبح البقر والغنم، أما نحر الإبل فقد صح في حديث جابر الطويل، ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثة وستين بدنة، ثم أعطى عليًا ﵁ فنحر ما غير» وأما ذبح البقر فقد ذكر مخرج الأحاديث حديث البخاري ومسلم «عن عائشة ﵂ قالت فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت ما هذا، قالوا ذبح رسول الله ﷺ عن أزواجه» .
قلت: هذا لا يدل قطعًا أنه ذبح البقرة بيده الكريمة يومئذ؛ لأنه يحتمل قطعًا أن يكون أمر بذبحها، بل الظاهر هذا، كما يقال: بنى الأمير هذا القصر، معناه أنه هو الذي أمر ببنائه، وأما ذبح الغنم فأخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن أنس ﵁ قال «ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين فرأيته واضعًا قدميه على صفاحهما يسمي ويكبر فذبحهما بيده اليمنى» ولم أر أحدًا من شراح " الهداية " حرر هذا الموضع كما ينبغي، بل منهم من قال: هذا ظاهر، قلت: ليت شعري من أين هذا الظهور.
[كيفية ذبح الهدي]
م: (ثم إن شاء نحر الإبل في الهدايا قياما) ش: الهدايا جمع هدية، صفة الإبل وقيامًا حال من الإبل بمعنى قائمات، لما روى البخاري عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ نحر بيده سبع بدن قيامًا» . م: (أو أضجعها) ش: أي أناخها وأبركها لما روي أن ابن عمر ﵄ كان ينحر بدنة قائمًا وربما ينحرها باركة.
م: (وأي ذلك فعل فهو حسن) ش: أي الأمرين من الاضطجاع والقيام فعل حسن لما ذكرنا وفعل ذلك أيضًا من الصحابة. م: (والأفضل أن ينحرها قياما «لما روي: أنه ﷺ نحر الهدايا قيامًا» ش: الحديث أخرجه البخاري ومسلم عن أنس. «قال: صلى النبي ﷺ الظهر بالمدينة أربعًا ونحن معه إلى أن قال: ونحر رسول الله ﷺ سبع بدنات قيامًا» مختصر.
م: (وأصحابه - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - كانوا ينحرونها قياما معقولة اليد اليسرى) ش: هذا رواه أبو داود ﵁ عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، أخبرني عبد الرحمن بن
стр. 2328
قياما معقولة اليد اليسرى، ولا يذبح البقر والغنم قياما؛ لأن في حالة الاضطجاع الذبح أبين، فيكون الذبح أيسر، والذبح هو السنة فيهما. قال: والأولى أن يتولى ذبحها بنفسه إذا كان يحسن ذلك؛ لما روي «أن النبي ﷺ ساق مائة بدنة في حجة الوداع فنحر نيفا وستين بنفسه، وولى الباقي عليا،» ولأنه قربة والتولي في القربات أولى لما فيه من زيادة الخشوع، إلا أن الإنسان قد لا يهتدي لذلك ولا يحسنه، فجوزنا تولية غيره.
ــ
[البناية]
سابط أن أصحاب النبي ﷺ كانوا ينحرون البدنة معقولة اليد اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها قيل هذا مرسل ليس بصحيح، فإن المخبر عن عبد الرحمن بن سابط هو ابن جريج ﵁ والحديث من مسند جابر ﵁ كما ذكره أصحاب الأطراف، واعترض على المصنف بأنه لو استدل على عقل يدها اليسرى بعقل النبي ﷺ ، لكان أولى من أن يستدل عليه بعقل الصحابة، قلت: هذا اعتراض باطل؛ لأن المصنف لم يذكر ذلك حتى يستدل، وعقل اليد لما يذكره المصنف إلا من تمام الحديث.
م: (ولا يذبح البقر والغنم قياما؛ لأن في حالة الاضطجاع الذبح أبين) ش: أي موضع الذبح المحصر بخلاف ما إذا كانت قيامًا. م: (فيكون الذبح) ش: في حالة الاضطجاع. م: (أيسر، والذبح هو السنة فيهما) ش: أي في البقر والغنم والواو فيه للحال. م: (قال: والأولى أن يتولى الذبح بنفسه إذا كان يحسن ذلك) ش: أي الذبح. م: (لما «روي أن النبي ﷺ ساق مائة بدنة في حجة الوداع فنحر نيفا وستين بنفسه، وولى الباقي عليا ﵁» -) ش: صح هذا الحديث من حديث جابر الطويل ﵁ «أنه ﵊ ساق مائة بدنة في حجة الوداع، إلى المنحر فنحر ثلاثة وستين بيده ثم أعطى عليًا، فنحر ما غبر» وقد ذكرناه. م: (ولأنه) ش: أي ولأن ذبح الهدي. م: (قربة) ش: أي يقرب إلى الله تعالى. م: (والتولي) ش: أي بنفسه.
م: (في القربات أولى لما فيه من زيادة الخشوع) ش: لأن الشخص إذا تولى حاجة بنفسه يدل على تواضعه ومسكنته. م: (إلا أن الإنسان) ش: استثناه من قوله: والتولي. م: (قد لا يهتدي لذلك) ش: أي للذبح بنفسه. م: (ولا يحسنه) ش: أي الذبح. م: (فجوزنا تولية غيره) ش: لأنه إذا لم يحسن ربما يعذب الحيوان ويجعله ميتة.
وقد قال الشافعي وأحمد - رحمهما الله - وقال مالك ﵀: يكره أن يتولى ذلك غيره إلا عند العجز، واستحب الجمهور استقبال القبلة بها، وكان ابن عمر وابن سيرين -
стр. 2329
قال: ويتصدق بجلالها وخطامها ولا يعطي أجرة الجزار منها
قال: «لقوله ﵊ لعلي ﵁: " تصدق بجلالها وبخطامها، ولا يعطي أجرة الجزار منها» . ومن ساق بدنة فاضطر إلى ركوبها ركبها، وإن استغنى عن ذلك لم يركبها لأنه جعلها خالصة لله تعالى، فما ينبغي أن يصرف شيئا من عينها أو منافعها إلى نفسه، إلى أن يبلغ محله، إلا أن يحتاج إلى ركوبها، لما روي «أنه ﵊ رأى رجلا يسوق بدنة، فقال: " اركبها ويلك» ، وتأويله أنه إن كان عاجزا محتاجا، ولو ركبها فانتقص بركوبه فعليه ضمان ما نقص من ذلك وإن كان لها لبن لم
ــ
[البناية]
﵃ يكرهان ما ليس يستقبل به القبلة ولو استناب يهوديًا أو نصرانيًا يجوز، ولكنه يكره، وبه قال الشافعي ﵀ وأحمد ﵀ وقال مالك ﵀: لا يقع قربة.
م: (ويتصدق بجلالها) ش: وفي بعض النسخ قال ويتصدق، أي قال القدوري ﵀ ويتصدق بجلها وهو جمع جل وهو ما يلبس على الدابة. م: (وخطامها) ش: بكسر الخاء المعجمة وهو الزمام، وهو ما يجعل في عنق البعير. م: (ولا يعطي أجرة الجزار منها) ش: أي من الهدايا.
هذا الحديث رواه الجماعة إلا الترمذي من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي ﵁ أنه قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنة، وأقسم جلالها وجلودها وأمرني أن لا أعطي الجزار منها شيئًا» ويجوز أن يتصدق على الجزار منها شيئا سوى أجرته عند الأكثر وإن أعطى شيئا منها [....] ؛ لأنه إتلاف أو معاوضة.
[ركوب الهدي]
م: (ومن ساق بدنة فاضطر إلى ركوبها ركبها، وإن استغنى عن ذلك لم يركبها) ش: وبه قال الشافعي ﵀ وابن المنذر ﵀ وقال عروة ومالك وأحمد وإسحاق وداود ﵏ جميعًا -: يركبها من غير ضرورة. وقال الماوردي من الشافعية يركبها من غير حاجة إلا أنه يهزلها الركوب، ومن هذا حمل متاعه عليها عند الحاجة وأوجب بعضهم ركوبها. وتلك في الثانية أو الثالثة. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ﵏.
م: (لأنه جعلها خالصة لله تعالى، فلا ينبغي أن يصرف شيئا من عينها أو منافعها إلى نفسه، إلى أن يبلغ محله، إلا أن يحتاج إلى ركوبها، «لما روي أن النبي ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة، فقال: " اركبها ويلك ") » ش: هو حديث أبي هريرة ﵁ كما ذكرناه الآن قوله ويلك، هنا كلمة ترحم ولهذا جاء في رواية ويحك، ومعناه اركبها لئلا يفضي مشيك إلى الهلاك.
م: (وتأويله) ش: أي تأويل الحديث المذكور. م: (أنه إن كان عاجزا محتاجا) ش: إلى الركوب وليس معه ما يكره. م: (ولو ركبها فانتقص بركوبه فعليه ضمان ما نقص من ذلك) ش: أي من ركوبه ويتصدق به على الفقراء، وبه قال الشافعي ﵀ لأن انتفاع الأغنياء بها تعلق ببلوغها المحل، فإذا لم يبلغ، وجب التصدق على الفقراء. م: (وإن كان لها لبن لم يحلبها لأن اللبن متولد منها
стр. 2330
يحلبها؛ لأن اللبن متولد منها، فلا يصرفه إلى حاجة نفسه، وينضح ضرعها بالماء البارد حتى ينقطع اللبن. ولكن هذا إذا كان قريبا من وقت الذبح، فإن كان بعيدا منه يحلبها ويتصدق بلبنها كي لا يضر ذلك بها. وإن صرفه إلى حاجة نفسه تصدق بمثله أو بقيمته؛ لأنه مضمون عليه. ومن ساق هديا فعطب، فإن كان تطوعا فليس عليه غيره؛ لأن القربة تعلقت بهذا المحل وقد فات، وإن كان عن واجب فعليه أن يقيم غيره مقامه؛ لأن الواجب باق في ذمته
ــ
[البناية]
فلا يصرفه إلى حاجة نفسه) ش: وبه قال الشافعي وفي منعهم إلا أن يفضل عن روي الولد أو يموت الولد، فحينئذ له أن يحلبها لأن ترك الحلب يضر بها.
م: (وينضح) ش: أي ترش من باب ضرب. م: (ضرعها بالماء البارد حتى ينقطع اللبن) ش: وجوز الشافعي ﵀ وأحمد ﵀ شرب لبنها بعد كفاية فصلها.
وفي " شرح النووي " لبن الهدي المنذور يجوز شربه عند الشافعي ﵀ مع أنه قد زال ملكه للفقراء، ولا يجوز بيعه بلا خلاف عندهم، وفي " الإمام " روى ابن أبي العوام الحافظ ﵀ في فضائل أبي حنيفة ﵀ من جهة إسحاق بن أبي إسرائيل، قال حدثنا يحيى بن اليماني، قال حدثنا أبو حنيفة ﵀ عن عمار عن إبراهيم ﵀ قال: إذا در اللبن من البدنة، فإذا نفحه بالماء لما يتقلص، وإن جز وبرها أو صوفها تصدق به أو بقيمته إن استهلكه. وفي " المبسوط " يتصدق بولد الهدي أو بذبحه معها، فإن باعه تصدق بثمنه، ويسري حكم الهدي إلى أولادها، وعليه الأئمة. وقال أشهب: إذا باع ولد الهدي، فعليه بدله كبير.
وقال ابن القاسم ﵀: إن نحره في الطريق، أبدله ببعير في مناخ البدنة لا ينفره، وفساد هذين القولين لا يحتاج إلى بيان. م: (ولكن هذا إذا كان قريبا من وقت الذبح) ش: هذا إشارة إلى قوله لم يحلبها. م: (فإن كان بعيدا منه) ش: أي من وقت الحج. م: (يحلبها ويتصدق بلبنها كي لا يضر ذلك) ش: أي عدم الحلب. م: (بها) ش: أي بهدي البدنة.
م: (وإن صرفه إلى حاجة نفسه تصدق بمثله) ش: لأنه من ذوات الأمثال. م: (أو بقيمته) ش: أي أو يتصدق بقيمته؛ لأن دفع القيمة في حقوق الله تعالى جائزة. م: (لأنه مضمون عليه) ش: أي لأن اللبن مضمون على نفسه لأنه جزء من أجزاء الهدي، وقد لزمته الإراقة بجميع أجزائه وبالحلب والصرف إلى حاجة نفسه عجز عن الإراقة فيه، وكان عليه التصدق كما لو عجز عن إراقة الكل.
[الحكم لو ساق هديا فعطب أو هلك]
م: (ومن ساق هديا فعطب) ش: أي هلك. م: (فإن كان تطوعا فليس عليه غيره؛ لأن القربة تعلقت بهذا المحل وقد فات) ش: كما إذا نذر أن يتصدق بدراهم معينة، فهلكت قبل الصرف إلى الفقراء لا يلزمه شيء إلا حسن لأن الواجب كان في العين لا في الذمة. م: (وإن كان) ش: الهدي. م: (واجبًا فعليه أن يقيم غيره مقامه؛ لأن الواجب باق في ذمته) ش: لأن الواجب هنا في الذمة لا في العين
стр. 2331
وإن أصابه عيب كبير يقيم غيره مقامه؛ لأن المعيب بمثله لا يتأدى به الواجب، فلا بد من غيره، وصنع بالمعيب ما شاء؛ لأنه التحق بسائر أملاكه. وإذا عطبت البدنة في الطريق، فإن كان تطوعا نحرها وصبغ نعلها بدمها وضرب بها صفحة سنامها، ولا يأكل هو ولا غيره من الأغنياء بذلك أمر رسول الله ﵊ ناجية الأسلمي ﵁ والمراد بالنعل قلادتها، وفائدة ذلك أن يعلم الناس أنه هدي، فيأكل منه الفقراء دون الأغنياء، وهذا لأن الإذن بتناوله معلق بشرط بلوغه محله، فينبغي أن لا
ــ
[البناية]
ما لم يذبحه في الحرم، لا يسقط عنه ما في الدية، فلزمه غيره كما إذا عزل دراهم الزكاة، فهلكت قبل الصرف إلى الفقراء، يلزمه إخراجها ثانيا.
قال النووي: لو نذر هديًا معينا فتعبت، لا يلزمه إبداله، وهو قول عبد الله بن الزبير وعطاء والحسن البصري ﵏ والنخعي ﵀ والزهري ﵀ والشافعي ﵀ ومالك ﵀ وإسحاق ﵀ قال، وقال أبو حنيفة ﵀: يلزمه إبداله ولا يجوز للمهدي ولا لسائقه ولا للغني أن يأكل من هذا الهدي، ويجوز للفقراء من غير الرفقة. وفي الفقراء الرفقة وجهان أصحهما لا يجوز ويترك جزرًا للسباع.
م: (وإن أصابه عيب كبير) ش: أراد بالكبير ما يكون مانعًا في الأضحية. وقال في قاضي خان: العيب الكبير أن يذهب أكثر من ثلثي الأذن على قول أبي حنيفة ﵀ وعلى قولهما إن ذهب أكثر من نصف الأذن يمنع. م: (يقيم غيره) ش: أي غير العيب. م: (مقامه؛ لأن المعيب بمثله لا يتأدى به الواجب، فلا بد من غيره، وصنع بالمعيب ما شاء؛ لأنه التحق بسائر أملاكه) .
ش: وبه قال الشافعي ﵀ وعن أحمد ﵀ يجب دفع المعيب مع بدله، وبه قال بعض أصحاب الشافعي ﵏. م: (وإذا عطبت البدنة في الطريق) ش: أراد إذا قر من العطب. م: (تضمن) ش: أي الهلاك بدليل قوله نحرها. م: (فإن كان تطوعا نحرها وصبغ نعلها بدمها وضرب بها صفحة سنامها، ولا يأكل هو ولا غيره من الأغنياء بذلك أمر رسول الله ﷺ ناجية الأسلمي) ش: قد تقدم حديثه في هذا الباب، قال في " الجنازية " هذه المسألة مكررة في الظاهر ورد بأن الأول في الهدي، وهذه في البدنة وخصها بالذكر بعدما دخلت في ذلك العموم، كما هو رواية من ذكر الأصول على الإبهام ثم الشروع في بيان تفاصيلها، أو نقول ذلك ذكر في الأولى أنه هذا عليه غيره أم لا وفصل بين الواجب والتطوع في حق هذا الحكم ولم يبين أنه ما إذا يفعل بالذي عطب فأعادها لبيان ما يفعل به.
في هذا الحكم فصل أيضًا بين التطوع والواجب، غير أنه أعاد قوله وإن كانت واجبة أقام غيره تأكيدًا. م: (والمراد بالنعل قلادتها، وفائدة ذلك) ش: أي وفائدة صبغ النعل بالدم. م: (أن يعلم الناس أنه هدي، فيأكل منه الفقراء دون الأغنياء، وهذا لأن الإذن بتناوله معلق بشرط بلوغه محله، فينبغي أن لا
стр. 2332
يحل قبل ذلك أصلا إلا أن التصدق على الفقراء أفضل من أن يتركه جزرا للسباع، وفيه نوع تقرب. والتقرب هو المقصود. فإن كانت واجبة أقام غيرها مقامها، وصنع بها ما شاء؛ لأنه لم يبق صالحا لما عينه وهو ملكه كسائر أملاكه. ويقلد هدي التطوع والمتعة والقران؛ لأنه دم نسك، وفي التقليد إظهاره وتشهيره فيليق به، ولا يقلد دم الإحصار ولا دم الجنايات؛ لأن سببها الجناية والستر أليق بها، ودم الإحصار جائز فيلحق بجنسها. ثم ذكر الهدي ومراده البدنة؛ لأنه لا يقلد الشاة عادة، ولا يسن تقليدها عندنا لعدم فائدة التقليد على ما تقدم، والله أعلم.
ــ
[البناية]
يحل قبل ذلك أصلًا، إلا أن التصدق على الفقراء أفضل من أن يتركه جزرًا للسباع) ش: بفتح الجيم والزاي. وهو اللحم الذي يأكله السباع. هكذا نقل عن عائشة ﵂. م: (وفيه نوع تقرب) ش: أي وفي التصدق على الفقراء نوع تقرب إلى الله تعالى. م: (والتقرب هو المقصود) ش: وبأكل الفقراء يحصل التقرب الذي هو المقصود، ولا يجوز للمهدي ولا لسائقه ولا للغني أن يأكل من هذا الهدي، ويجوز للفقراء من غير الرفقة فإن كانت واجبة وفي فقراء الرفقة وجهان عند الشافعي ﵀ أصحهما لا يجوز، ويترك جزرًا للسباع، ويمنع الفقراء الحاضرون المحتاجون إليه من الرفقة. م: (فإن كانت واجبة) ش: عطف على قوله فإن كانت تطوعًا. م: (أقام غيرها مقامها، وصنع بها) ش: أي بالبدنة التي عطبت. م: (ما شاء؛ لأنه لم يبق صالحا لما عينه وهو ملكه كسائر أملاكه) ش: وتذكير الضمير في هذه الألفاظ باعتبار الهدي. م: (ويقلد هدي التطوع والمتعة والقران؛ لأنه دم نسك، وفي التقليد إظهاره وتشهيره فيليق به) ش: الضمائر في هذه الألفاظ الثلاثة يرجع إلى دم نسك. وفي " المحيط " ويقلد دم النذر لأنه دم نسك وعبادة، وفي إظهار هذه الدماء إظهار الشعائر مع موافقة السنة.
[تقليد دم الإحصار والجنايات]
م: (ولا يقلد دم الإحصار ولا دم الجنايات؛ لأن سببها الجناية والستر أليق بها) ش: أي بدم الجنايات.
م: (ودم الإحصار جائز) ش: كان هذا جواب عما يقال وكيف لا يقلد دم الإحصار وهو غير جناية فأجاب بقوله: ودم الإحصار جائز. م: (فيلحق بجنسها) ش: أي يلحق دم الإحصار بجنس وبالجنايات لأنه جابر كهي يعني لا تقلد هؤلاء كما لا تقلد هي، فقيل: إنه روي أنه ﵊ قلد هدايا الإحصار وأجيب بأنه كان قلدها للمتعة، فلما أحصرت بقيت كما كانت فبعث إلى مكة على حالها. م: (ثم ذكر الهدي) ش: أي ثم ذكر القدوري الهدي في قوله: ومن ساق الهدي فعطبت. م: (ومراده البدنة؛ لأنه لا يقلد الشاة عادة، ولا يسن تقليدها عندنا) ش: وفي بعض النسخ ولا يسن تقليده بتذكير الضمير على تأويل الهدي. م: (لعدم الفائدة في تقليدها) ش: لأن الشاة لا تكون مسبية بل يكون صاحبها معها يحفظها بخلاف الإبل والبقر، فإنهما تحلبان، فقلدنا صيانة على أيدي من يطمع فيها وفيه خلاف الشافعي ﵀. م: (على ما تقدم) ش: يعني قبل باب القران حيث قال: هناك تقليد الشاة غير معتاد.
стр. 2333
مسائل منثورة هل عرفة إذا وقفوا في يوم وشهد قوم أنهم وقفوا يوم النحر أجزأهم، والقياس أن لا يجزيهم اعتبارا بما إذا وقفوا يوم التروية، وهذا لأنه عبادة تختص بزمان ومكان، فلا يقع عبادة دونهما. وجه الاستحسان أن هذه شهادة قامت على النفي وعلى أمر لا يدخل تحت الحكم
ــ
[البناية]
[مسائل منثورة في الحج]
م: (مسائل منثورة) ش: أي هذه مسائل منثورة أي متفرقة أو مسائل شتى قاله الكاكي ﵀ أي لم تدخل في الأبواب. وقال الأكمل: من عادة المصنفين أن يذكروا في آخر الكتاب ما شذ وندر من مسائل في الأبواب السالفة في فصل على حدة، تكثيرًا للفائدة ويترجموا عنه بمسائل منثورة أو مسائل شتى أو مسائل متفرقة أو مسائل لم تدخل في الأبواب.
م: أهل عرفة إذا وقفوا في يوم وشهد قوم أنهم وقفوا يوم النحر أجزأهم) ش: هذه المسألة من خواص " الجامع الصغير "، قوله أجزأهم أي وقوفهم حتى يتم حجهم به. صورة المسألة أن يشهد قوم أنهم رأوا هلال ذي الحجة في ليلة؛ لأن اليوم الذي وقفوا فيه اليوم العاشر. م: (والقياس أن لا يجزيهم اعتبارا بما إذا وقفوا يوم التروية) ش: يعني قياسًا على ما إذا وقفوا، يوم التروية وهو يوم الثامن من ذي الحجة. وشهد الشهود أنهم وقفوا في هذا اليوم، يعني يوم التروية حيث لا يجوز ثم أوضح وجه القياس بقوله. م: (وهذا لأنه) ش: أي لأن الوقوف. م: (عبادة تختص بزمان ومكان فلا يقع عبادة دونهما) ش: أي دون الزمان والمكان المعهودين، ويوجه المقيس عليه. قال مالك ﵀ والشافعي ﵀ في الأصح وأحمد ﵀ في رواية وعن أحمد ﵀ في الأصح أنه يجزيهم فكذا هذا.
م: (وجه الاستحسان أن هذه شهادة قامت على النفي) ش: ولكن بقي جواز وقوفهم وجواز حجهم فلا يقبل؛ لأن المقصود من النية الإثبات. وبالنفي لا يحيط العلم ولا شهادة بدون العلم.
فإن قيل: لو ادعت امرأة أن زوجها قال لها أنت طالق، وادعى الزوج أنه استثنى بعد ذلك، فشهدوا على أنه لا استثنى يقبل، وكذا لو ادعت أنه لو قال: المسيح ابن الله، وقال الزوج: إنه وصل ذلك بقوله قول النصارى تقبل الشهادة أنه لم يقل قول النصارى. وهذا معنى قول.
قلنا: هذه الشهادة قامت على أمر شاهد معاين وهو هلال ذي الحجة قلنا وهو السكوت.
فإن قيل: هنا أيضًا قامت على أمر معين وهو هلال ذي الحجة.
قلنا: لا كذلك؛ لأن رواية الهلال لا تدخل تحت الحكم.
م: (وعلى أمر لا يدخل تحت الحكم) ش: أي وقامت أيضًا هذه الشهادة على أمر لا يدخل تحت
стр. 2334
لأن المقصود منها نفي حجهم، والحج لا يدخل تحت الحكم فلا تقبل، ولأن فيه بلوى عاما لتعذر الاحتراز عنه، والتدارك غير ممكن، وفي الأمر بالإعادة حرج بين، فوجب أن يكتفى به عند الاشتباه، بخلاف ما إذا وقفوا يوم التروية؛ لأن التدارك ممكن في الجملة بأن يزول الاشتباه في يوم عرفة، ولأن جواز المؤخر له نظير، ولا كذلك جواز المقدم. قالوا: ينبغي للحاكم أن لا يسمع هذه الشهادة ويقول قد تم حج الناس فانصرفوا؛ لأنه ليس فيها إلا إيقاع الفتنة. وكذا إذا شهدوا عشية عرفة برؤية الهلال، ولا يمكنه الوقوف في بقية الليل مع الناس أو أكثرهم لم يعمل بتلك الشهادة.
ــ
[البناية]
حكم القاضي؛ لأن البر من باب المنازعات، فصار كأنهم عهدوا بأنه لم يصل، فلا يجب على القاضي شيء. م: (لأن المقصود منها نفي حجهم، والحج لا يدخل تحت الحكم فلا تقبل) ش: أي الشهادة، وذلك لما ذكرنا. م: (ولأن فيه) ش: للزوجة بأن من الاستحسان أي في الخطأ في عرفة أو في الوقوف يوم عرفة أو في عدم جواز الحج. م: (بلوى عاما لتعذر الاحتراز عنه) ش: لأن تغيير هذا اللفظ يتعذر.
م: (والتدارك غير ممكن، وفي الأمر بالإعادة حرج بين، فوجب أن يكتفى به عند الاشتباه) ش: فيجعل عفوًا لئلا يكون تكليفًا بما ليس في الوسع. م: (بخلاف ما إذا وقفوا يوم التروية؛ لأن التدارك ممكن في الجملة بأن يزول الاشتباه في يوم عرفة) ش: يعني بالوقوف فيها. م: (ولأن جواز المؤخر له نظير) ش: كقضاء الصلاة وقضاء الصيامات فيجزيهم الوقوف يوم النحر. م: (ولا كذلك جواز المقدم) ش: فإنه لا نظير له في الشرع، فلا يجزيهم الوقوف بيوم التروية.
فإن قلت: له نظير آخر أيضًا، ألا ترى أن صلاة الفطر تقدم عن وقتها يوم عرفة.
قلت: هذا أمر مثبت بخلاف القياس، فلا يقاس عليه.
م: (قالوا) ش: أي العلماء وأصحاب أبي حنيفة ﵀. م: (ينبغي للحاكم أن لا يسمع هذه الشهادة ويقول قد تم حج الناس فانصرفوا؛ لأنه ليس فيها) ش: أي في هذه الشهادة. م: (إلا إيقاع الفتنة) ش: قال ﵊: «الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها» . وعن محمد ﵀ جاز للشهود أن يقضوا مع الإمام، ويجوز حجهم. م: (وكذا إذا شهدوا) ش: وفي بعض النسخ وكذلك أي وكذلك الحكم في عدم قبول شهادتهم أو شهدوا. م: (عشية عرفة برؤية الهلال) ش: صورته أن الشهود شهدوا في الطريق قبل أن يلحقوا عرفات عقبة عرفات وقالوا إن كنا رأينا الهلال، يعني هلال ذي الحجة، وهذا اليوم هو التاسع.
م: (ولا يمكنه) ش: أي والحال أن الإمام لا يمكنه. م: (الوقوف في بقية الليل مع سائر الناس أو أكثرهم لم يعمل بتلك الشهادة) ش: ويقفون من الغد بعد الزوال؛ لأنهم لما شهدوا وقد تعذر الوقوف، صار كأنهم شهدوا بعد الوقوف، فلا تسمع وإن كان يلحق الوقوف مع أكثر الناس
стр. 2335
قال: ومن رمى في اليوم الثاني الجمرة الوسطى والثالثة ولم يرم الأولى، فإن رمى الأولى ثم الباقيتين فحسن؛ لأنه راعى الترتيب المسنون. ولو رمى الأولى وحدها أجزأه) لأنه تدارك المتروك في وقته، وإنما ترك الترتيب. وقال الشافعي ﵀: لا يجزيه ما لم يعد الكل؛ لأنه شرع مرتبا، فصار كما إذا سعى قبل الطواف أو بدأ بالمروة قبل الصفا. ولنا أن كل جمرة قربة مقصودة بنفسها، فلا يتعلق الجواز بتقديم البعض على البعض، بخلاف السعي؛ لأنه تابع للطواف؛ لأنه دونه، والمروة عرفت منتهى السعي بالنص فلا تتعلق بها البداية.
قال: ومن جعل على نفسه أن يحج ماشيا فإنه لا يركب حتى يطوف طواف الزيارة. وفي الأصل: خيره بين الركوب والمشي.
ــ
[البناية]
ولكن لا تلحقه الضعفة، فإن وقف جاز، وإلا فات الحج؛ لأنه ترك الوقوف مع العلم والقدرة، وإنما المعتبر قدرة الأكثر لا قدرة الأقل.
[رمى في اليوم الثاني الجمرة الوسطى والثالثة]
م: (ومن رمى في اليوم الثاني) ش: وفي أكثر النسخ قال: ومن رمى أي قال محمد ﵀ في " الجامع الصغير ". م: (الجمرة الوسطى والثالثة) ش: أي الجمرة الثالثة. م: (ولم يرم الأولى) ش: أي الجمرة الأولى. م: (فإن رمى الأولى ثم الباقيتين) ش: أي الجمرتين الباقيتين. م: (فحسن) ش: لمراعاة الترتيب المسنون وهو معنى قوله. م: (لأنه راعى الترتيب المسنون. ولو رمى الأولى وحدها أجزأه؛ لأنه تدارك المتروك في وقته، وإنما ترك الترتيب) ش: ولا يضره لأنه سنة.
م: (وقال الشافعي ﵀: لا يجزيه ما لم يعد الكل؛ لأنه شرع مرتبا، فصار كما إذا سعى قبل الطواف أو بدأ بالمروة قبل الصفا. ولنا أن كل جمرة قربة مقصودة بنفسها، فلا يتعلق الجواز بتقديم البعض على البعض، بخلاف السعي؛ لأنه تابع للطواف؛ لأنه دونه) ش: لانفصاله من البيت، ولكنه من جنسه فيعاد تحقيقًا للتبعية. م: (والمروة عرفت منتهى السعي بالنص) ش: وهو قوله ﵊: «إن الصفا والمروة من شعائر الله فابدءوا بما بدأ الله تعالى» فبدأ بالصفا، فلم يعتبر البداية بالمروة وهو معنى قوله. م: (فلا تتعلق بها البداية) ش: لا يقال: كل صلاة مقصودة بنفسها أيضًا لتعلق جوازها بغيرها، ومع هذا وجب الترتيب عندكم، ولأنا نقول ثبت ذلك بالنص، وهو قوله ﵊: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها» .
[جعل على نفسه أن يحج ماشيا]
م: (قال: ومن جعل على نفسه أن يحج ماشيا فإنه لا يركب حتى يطوف طواف الزيارة) ش: وعند الشافعي ومالك - رحمهما الله -، يلزمه المشي إلى أن يتحلل التحلل الثاني، وهو الرمي ثم لم يذكر محمد ﵀ في شيء من الكتب من أي موضع يبدأ بالمشي من النذر قيل من بيته وهو الأصح، وبه قال أصحاب الشافعي ﵏ لأنه هو المراد عرفًا، ولهذا كان الأفضل أن يحرم من بيته، وقيل من الميقات وبه قال عامة أصحاب الشافعي ﵏ لأنه يحرم من الميقات وقيل من أي موضع يحرم فيه.
م: (وفي الأصل) ش: أي في " المبسوط ". م: (خيره بين الركوب والمشي) ش: لأن الحج راكبًا
стр. 2336
وهذا إشارة إلى الوجوب، وهو الأصل؛ لأنه التزم القربة بصفة الكمال، فتلزمه بتلك الصفة، كما إذا نذر الصوم متتابعا.
و أفعال الحج تنتهي بطواف الزيارة ، فيمشي إلى أن يطوفه. ثم قيل: يبتدئ المشي من حين يحرم، وقيل من بيته لأن الظاهر أنه هو المراد، ولو ركب أراق دما لأنه أدخل نقصا فيه، قالوا: إنما يركب إذا بعدت المسافة وشق عليه المشي، وإذا قربت والرجل ممن يعتاد المشي ولا يشق عليه ينبغي أن لا يركب.
ومن باع جارية محرمة قد أذن لها في ذلك فللمشتري أن يحللها ويجامعها
ــ
[البناية]
أفضل ويكره ماشيًا. م: (وهذا إشارة إلى الوجوب) ش: أي وفي " الجامع الصغير " أشار إلى وجوب المشي، وفي بعض النسخ وهذا إشارة إلى الوجوب. أي قوله: " لا يركب حتى يطوف طواف الزيارة " أشار إلى وجوب المشي؛ لأنه إخبار عن المجتهد، وإخباره يعتبر بإخبار الشرع؛ لأنه نائبه في بيان الأحكام. م: (وهو الأصل) ش: أي الوجوب هو الأصل. م: (لأنه التزم القربة بصفة الكمال، فتلزمه بتلك الصفة، كما إذا نذر بالصوم متتابعا) ش: يلزمه متتابعًا، ولكن إذا حج راكبًا يجزيه، لكن يلزمه الجزاء، فإذا ركب في الكل والأكثر يلزمه الدم، وفي الأقل تلزمه الصدقة بقدره من الكل من قيمة الشاة الوسط.
[أفعال الحج تنتهي بطواف الزيارة]
م: (وأفعال الحج) ش: يريد بالأفعال الأركان، لا مطلق الأفعال، فإن رمي الجمار وغيره من أفعاله. م: (تنتهي بطواف الزيارة، فيمشي إلى أن يطوفه) ش: أي طواف الزيارة؛ لأنه آخر الأركان في الحج. م: (ثم قيل: يبتدئ المشي من حين يحرم) ش: وعليه فتوى فخر الإسلام والإمام العتابي وغيرهما، وهو الصحيح. م: (وقيل من بيته) ش: أي يمشي من بيته. م: (لأن الظاهر أنه هو المراد) ش: وقد ذكرنا هذا عن قريب بما فيه من الخلاف. م: (ولو ركب أراق دما لأنه أدخل نقصا فيه) ش: أي في جعله على نفسه أن يحج ماشيا، وبه قال الشافعي ﵀ في قول عند العجز.
م: (قالوا) ش: أي قال مشايخنا ﵏ يشير به إلى بيان التوفيق بين رواية الأصل وبين رواية " الجامع الصغير "، ونقل فخر الإسلام البزدوي ﵀ في " شرح الجامع الصغير " عن الفقيه أبي جعفر الهندواني ﵀. م: (إنما يركب إذا بعدت المسافة وشق عليه المشي، وإذا قربت) ش: أي المسافة والحال أن. م: (والرجل ممن يعتاد المشي ولا يشق عليه المشي ينبغي أن لا يركب) ش: وبهذا يحصل التوفيق بين روايتي الأصل و" الجامع الصغير ".
[باع جارية محرمة فهل للمشتري أن يجامعها]
م: (ومن باع جارية محرمة قد أذن) ش: البائع. م: (لها في ذلك) ش: أي في الإحرام. م: (فللمشتري أن يحللها ويجامعها) ش: وقال الأترازي ﵀ وفي بعض نسخ " الجامع الصغير " أو يجامعها بلفظ، أو قال فخر الإسلام ﵀ في " شرح الجامع الصغير " يحتمل أن يكون عن أبي يوسف ﵀ في رواية الأولى من الرواية تدل على أن التحليل بأدنى محظورات الإحرام مثل قص الشعر وقلم الظفر والتطيب ونحو ذلك. والثانية تدل على أن
стр. 2337
وقال زفر ﵀: ليس له ذلك؛ لأن هذا عقد سبق ملكه، فلا يتمكن من فسخه، كما إذا اشترى جارية منكوحة. ولنا أن المشتري قائم مقام البائع. وقد كان للبائع أن يحللها، فكذا للمشتري، إلا أنه يكره ذلك للبائع لما فيه من خلف الوعد، وهذا المعنى لم يوجد في حق المشتري، بخلاف النكاح؛ لأنه ما كان للبائع أن يفسخه إذا باشر بإذنه، فكذا لا يكون ذلك للمشتري. وإذا كان له أن يحللها، لا يتمكن من ردها بالعيب عندنا، وعند زفر ﵀ يتمكن لأنه ممنوع عن غشيانها، وذكر في بعض النسخ أو يجامعها.
ــ
[البناية]
التحليل بالواقعة، وقال في كتاب " المناسك " للمشتري أن يجامعها ولم يرد على ذلك، وهذا مذهبنا.
م: (وقال زفر ﵀: ليس له ذلك) ش: أي ليس للمشتري أن يحللها وبه قال الشافعي ومالك وأحمد ﵏. م: (لأن هذا عقد سبق ملكه) ش: أي لأن إذن البائع لها بالإحرام عقد سبق ملك المشتري. م: (فلا يتمكن من فسخه) ش: لأن المشتري نزل منزلة البائع. م: (كما إذا اشترى) ش: أي اشترى رجل. م: (جارية منكوحة) ش: يعني مزوجة، فليس له فسخ النكاح؛ لأنه عقد سبق ملكه. م: (ولنا أن المشتري قائم مقام البائع. وقد كان للبائع أن يحللها) ش: لأن منافعها كانت مملوكة وخذله بعد الإذن. م: (فكذا للمشتري) ش: أن يحللها. م: (إلا أنه يكره ذلك) ش: أي التحلل. م: (للبائع لما فيه من خلف الوعد) ش: حيث وجد فيه الإذن. م: (وهذا المعنى) ش: أي خلف الوعد. م: (لم يوجد في حق المشتري، بخلاف النكاح) ش: جواب عما قاله زفر ﵁. م: (لأنه ما كان للبائع أن يفسخه) ش: أي أن يفسخ النكاح. م: (إذا باشر بإذنه) ش: أي بإذن المولى، وإنما لم يكن له أن يفسخ إذا كان بإذنه لما أن النكاح حق الزوج.
فقد تعلق حقه بإذن المالك، فلا يتمكن المالك من فسخه، وإن بقي ملكه لتعلق حق العبد به كالراهن ليس له ولاية الاستماع بالمرهون لتعلق حق المرتهن به، والمشتري قام مقامه بعد الشراء.
م: (فكذلك لا يكون ذلك) ش: أي حق الفسخ. م: (للمشتري) ش: أما هاهنا فقد اجتمع في الجارية حقان، حق الله في الإحرام، وحق المشتري في الاستمتاع، فيقدم حق العبد لحاجته على حق الله لغناه. م: (وإذ كان له) ش: أي للمشتري. م: (أن يحللها، لا يتمكن من ردها بالعيب عندنا) ش: لأن عيب الإحرام لا يرتفع بالتحلي. م: (وعند زفر ﵀ يتمكن لأنه ممنوع عن غشيانها) ش: أي من وطئها، وهذا عيب عنده فيرد به. م: (وذكر في بعض النسخ) ش: أي ذكر محمد في بعض نسخ " الجامع الصغير ". م: (أو يجامعها) ش: يعني بكلمة أو، وذلك في قوله: " ومن باع جارية محرمة أذن له في ذلك " فللمشتري أن يحللها ويجامعها. وذكر فيه بواو العطف وقد بينا هذا هناك مفصلًا.
стр. 2338
والأول يدل على أنه يحللها بغير الجماع بقص شعر أو بقلم ظفر، ثم يجامع، والثاني يدل على أنه يحللها بالمجامعة؛ لأنه لا يخلو عن تقديم مس يقع به التحلل، والأولى أن يحللها بغير المجامعة تعظيما لأمر الحج، والله أعلم.
ــ
[البناية]
م: (والأول) ش: أي قوله أن يحللها ويجامعها بواو العطف. م: (يدل على أنه يحللها بغير الجماع بقص شعرها أو بقلم ظفر، ثم يجامع، والثاني) ش: هو قوله أو يجامعها بكلمة أو. م: (يدل على أنه يحللها بالمجامعة؛ لأنه لا يخلو عن تقديم مس يقع به التحلل، والأولى أن يحللها بغير المجامعة تعظيما لأمر الحج، والله أعلم بالصواب) ش: وماله إليه صاحب " الهداية " بقوله، والأول ولم ير بعضهم الجواز للمجامعة الواقعة عن تقديم شيء يقع به التحلل فيصيبها بعد التحلل.
تم المجلد الرابع من تجزئة المحقق
يليه المجلد الخامس أوله: " كتاب النكاح "
стр. 2339
كتاب النكاح
ــ
[البناية]
[كتاب النكاح] [ما ينعقد به النكاح]
م: (كتاب: النكاح) ش: أي هذا الكتاب في بيان أحكام النكاح. وقال الكاكي: النكاح لغة الجمع والضم، ومن أمثال العرب: أنكحنا الفرى فسنرى، أي جمعنا بين حمار الوحشي الذكور والإناث فننظر ما يتولد منها فضرب مثلا لقوم يجتمعون على الأمر لا يدرون ما يصدر عنه. وحكى المبرد من البصريين عن الكوفيين أنه عبارة عن الجمع والضم، ويستعمل في الوطء لوجود الضم ويستعمل في العقد مجازا. قال الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] (النساء: الآية ٢٥) . وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] (النور: الآية ٣٢) ، والعقد موقوف على الإذن، ووطء الأيامى من بناتهن وأخواتهن حرام عليهم. وفي " شرح قاضي خان ": النكاح في اللغة والشرع حقيقة في الوطء مجاز في العقد. وقال الشافعي: إنه في الشرع عبارة عن العقد، لأنه تعالى حيثما ذكره في القرآن أراد به العقد، وهذا لا يصح، لأنه تعالى قال: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] (النور: الآية ٣) . وقال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] (النساء: الآية ٦) أراد به الوطء بالإجماع، وفي " شرح الأسبيجابي " النكاح لغة: الجمع المطلق، وشرعا: العقد بشرائطه. وقال فخر الإسلام: النكاح العقد الشرعي، ويذكر ويراد به الوطء، ثم قيل: إنه حقيقة فيهما لوجود معنى الضم فيهما. وقال فخر الإسلام: النكاح العقد الشرعي، والأصح أنه حقيقة في الوطء خاصة، لوجود معنى الضم فيه حقيقة، ولا يجوز أن يكون حقيقة في العقد؛ لأنه يؤدي إلى الاشتراك، وهو خلاف الأصل، وعليه فحول أهل اللغة. وفي " المبسوط ": النكاح لغة الوطء، ومنه قول الفرزدق:
التاركين على طهر نساءهم ... والناكحين بشط دجلة البقرا
يهجو بذلك قوما، وقال ﷺ : «ناكح البهيمة ملعون» قال المطرزي: ثم قيل للتزويج نكاح لأنه سبب، ولما فرغ من بيان العبادات شرع في المعاملات؛ لأنها تالية لها إذ بها بقاء العابد ووجود العبادة، والبقاء بالكسب الحلال، والكسب الحلال يتوقف على معرفة المعاملات، ثم قدم النكاح وما يتبعه على سائر المعاملات، لأن فيه معنى العبادة فإن النكاح سنة الأنبياء والمرسلين، وفيه تحصيل نصف الدين، وقد تواترت الأخبار والآثار في توعد من رغب عنه وتحريض من رغب فيه، قال ﷺ : «النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس منى» ... " الحديث.
стр. 2340
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وزاد ابن ماجه من رواية بن ميمون عن القاسم عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة» رواه مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر، «وقال ﷺ لعكاف بن وداعة: " لك أربع سنن من المرسلين: الحياء، والتعطر، والسواك، والنكاح» . رواه الترمذي من حديث أبي أيوب عن النبي ﷺ وقال الترمذي: حسن غريب.
«وقال ﵇ لعكاف بن وداعة: " هل لك زوجة؟ " قال: لا قال: " ولا جارية " قال: لا قال: " وأنت موسر " قال: وأنا موسر، قال: " أنت إذا من إخوان الشياطين إن سنتنا النكاح، شراركم عزابكم» .
هكذا نقله السروجي، ثم قال: رواه أحمد بن حنبل وابن عبد البر، وذكره جار الله في " الفائق " وزاد: «فإن كنت من رهبان النصارى، فالحق بهم، وإن كنت منا فسنتنا النكاح» ، انتهى.
قلت: نقله شيخنا زين الدين العراقي في شرحه للترمذي، وقال: وحديث عكاف، رواه أبو جعفر العقيلي في كتابه " الضعفاء " بإسناده إلى عطية بن بشر الهلالي «عن عكاف بن وداعة الهلالي أنه أتى النبي ﷺ فقال: " يا عكاف لك امرأة؟ " قال: لا، قال: " فجارية؟ "، قال لا، قال: " وأنت صحيح موسر؟ "، قال: نعم، قال: " فأنت إذا من إخوان الشياطين إن كنت من رهبان النصارى فالحق بهم، وإن كنت منا فسنتنا النكاح " [ ... ] والذي نفسي بيده ما للشياطين سلاح أبلغ. وقال بعضهم: أنفذ في الصالحين من الرجال والنساء من ترك النكاح، وابن وداعة أنهم صواحب أيوب وداود ويوسف وكرسف، قال: بأبي يا رسول الله وما كرسف؟، فقال: " رجل عبد الله على ساحل البحر خمسمائة عام "
стр. 2341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وقال بعضهم: ثلاثمائة عام يقوم الليل ويصوم النهار، فمرت به امرأة فأعجبته فتبعها وترك عبادة ربه وكفر بالله فتداركه الله لما سلف فتاب عليه، فقال: بأبي أنت وأمي زوجني يا رسول الله ﷺ قال: قل زوجتك باسم الله والبركة زينب بنت كلثوم الحميرية» .
وقال القاضي: عكاف بن وداعة الهلالي أمره النبي ﷺ بالزواج، والحديث قوي، ثم قال شيخنا زين الدين: رواه أحمد في " مسنده "، قال: حدثنا عبد الرزاق أنبأنا محمد بن راشد، عن مكحول، عن رجل عن أبي ذر قال: «دخل على رسول الله ﷺ رجل اسمه عكاف بن بشر التميمي فقال النبي ﷺ : " هل لك من زوجة؟» " وساق الحديث بكماله، وروى البيهقي في حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى» .
وروى ابن عدي في " الكامل " من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لو لم يبق من أجلي إلا يوما واحد لقيت الله تعالى بزوجة فإني سمعت رسول الله ﷺ : يقول «شراركم عزابكم» ، وروى البغوي في " معجم الصحابة " من حديث أبي نجيح، قال: قال رسول الله ﷺ : «من قدر على أن ينكح فلم ينكح فليس منا» .
وابن نجيح هذا ذكره البغوي وابن عبد البر في الصحابة، وروى الطبراني من حديث ابن موسى: قال: قال رسول الله ﷺ : «تزوجوا فإن التزوج خير من عبادة ألف سنة» .
قلت: ذكره صاحب " الفردوس ".
بهذه الأحاديث أخذت الظاهرية، حيث قالوا: النكاح فرض عين حتى إن من قدر على الوطء، والإنفاق يأثم بتركه، واختلف أصحابهم فقيل: فرض كفاية وبه قال بعض أصحاب الشافعي.
وقيل: مستحب وبه قال بعض أصحاب الشافعي. وقيل: سنة مؤكدة، وقال بعضهم: واجب على الكفاية. وفي " المبسوط ": النكاح سنة مستحب في قول جمهور العلماء. وفي " المحيط " سنة مؤكدة. وفي " المنافع " قوله: من قال إنه فرض كفاية عند المتأخرين من مشايخنا، وقيل: وهو قول الكرخي. وفي " البدائع ": النكاح فرض حالة التوقان وخوف
стр. 2342
قال: النكاح ينعقد بالإيجاب والقبول بلفظين يعبر بهما عن الماضي؛ لأن الصيغة وإن كانت للإخبار وضعا فقد جعلت للإنشاء شرعا
ــ
[البناية]
الوقوع في الزنا بلا خلاف.
وفي " المبسوط ": لا يسعه تركه حينئذ. وقال النسفي: النكاح سنة، يعني في حال الاعتدال، وعند التوقان يجب، وهو غلبة الشهوة، وقالوا: حالة الجور مكروه، لأنه لا يظهر المصالح المطلوبة من النكاح في حالة الجور.
فإن قلت: روي عن حذيفة _ ﵁ _ قال: إذا كان سنة خمس ومائة فلأن يربي أحدكم جروا كلبا خير له من أن يربي ولد المرء، وروي أيضا: خيركم الذي لا أهل له ولا ولد.
قلت: قال ابن حزم: وهما موضوعان؛ لأنهما من رواية أبي عاصم، رواه الجراح العسقلاني، لا يحتج به، وبيان وضعهما أنه لو استعمل الناس ما فيهما من ترك النسل لبطل الإسلام والجهاد والدين، وغلب أهل الكفر، فيظهر رده بلا شك، انتهى كلامه.
م: (قال: النكاح ينعقد بالإيجاب والقبول) ش: أراد به أن النكاح ينعقد بالعقد الشرعي الذي يوجب حل المرأة بنفسه، وإنما قيد بنفسه احترازا عن البيع، فإنه يوجب حلها بواسطة ملك الرقبة والعقد والربط، يقال: عقد الحبل إذا ضم أحد طرفيه بالآخر وهي العقدة، ومنها عقدة النكاح والربط. والانعقاد مطاوعة ليصير كلام أحد العاقدين منضما إلى الآخر حكما، ويحصل تركيب شرعي له آثار مخصوصة عند وجود الشرائط، وأراد بالإيجاب إخراج الممكن من الإمكان إلى الوجود على ما هو المعروف عند المتكلمين، لا الإيجاب الذي يعاقب بتركه.
وقلنا: زوجت وتزوجت آلة انعقاده، وقوله: ينعقد بالإيجاب إشارة إلى هذا لأن الباء تدخل على الآلة كما يقال: قطعت بالسكين وكتبت بالقلم، وكذا قولهم: البيع ينعقد بكذا، يعنون به العقد الشرعي الذي يوجب الملك في المحل.
م: (بلفظين) ش: قيد باللفظين ليخرج الكتابة، فإنه لو كتب رجل على شيء لامرأة زوجيني نفسك، فكتبت المرأة على ذلك الشيء عقيبه زوجت نفسي منك، لا ينعقد النكاح وبه قال الشافعي ومالك وأحمد.
م: (يعبر بهما) ش: أي يبين بهما لأن التعبير والعبارة البيان م: (عن الماضي) ش: أي عن صيغة الفعل الماضي بأن تقول المرأة: زوجت نفسي منك، ويقول الرجل: قبلت م: (لأن الصيغة وإن كانت للإخبار وضعا) ش: أي للإخبار في أصل الوضع، لأن الإخبار إظهار ما كان أو سيكون لا لإثبات ما لم يكن. لأن قولك أقمت لا يوجب القيام. وكذلك قولك: تزوجت لا يثبت التزويج وضعا ولغة م: (فقد جعلت) ش: أي الصيغة. م: (للإنشاء شرعا) ش: أي من حيث الشرع: لأن الإنشاء إثبات أمر لم يكن.
стр. 2343
دفعا للحاجة.
وينعقد بلفظين يعبر بأحدهما عن الماضي وبالآخر عن المستقبل مثل أن يقول: زوجني فتقول: زوجتك، لأن هذا توكيل بالنكاح.
ــ
[البناية]
وإنما جعلت م: (دفعا للحاجة) ش: لأن الحاجة كانت متحققة في الجاهلية، وكانت لهم أنكحة مقدرة، قال ﷺ : «ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح» ، فقدرها الشارع، وإنما اختير لفظ الماضي للإنشاء؛ لأنه يقتضي سبق الوجود، فيكون أدل على الوجود فصار الوجود حقا له، والفرق بين الإنشاء والإخبار أن الإنشاء سبب لمدلوله وليس الإخبار سببا لمدلوله، ولأن الإنشاء يتبعه مدلوله، والإخبار يتبع المدلول، ولأن الإنشاء لا يحتمل التصديق والتكذيب، والإخبار يحتملها.
م: (وينعقد بلفظين يعبر بأحدهما عن الماضي والآخر عن المستقبل) ش: قال الإمام حميد الدين: ينظر الانعقاد بالماضي والمستقبل؛ مثل أن يقول الرجل: إني تزوجت وقالت المرأة زوجت نفسي منك، قد صح النكاح، ويكون بلفظ المستقبل تبعا للماضي، وما ورد في الكتاب مثل قوله: م: (مثل أن يقول) ش: أي الرجل م: (زوجني فتقول) ش: أي المرأة م: (زوجتك) ش: قال حميد الدين: قيل: إنه غير صحيح؛ لأن قوله: زوجني توكيل، فلا يكون معطى العقد، قال والنظير الواضح ما قلنا.
ويجاب: بأن الواحد يتولى طرفي العقد في النكاح دون البيع وهو معنى قوله: م: (لأن هذا) ش: أي قوله زوجني م: (توكيل بالنكاح) ش: والولي الواحد يتولى طرفي النكاح على ما نبينه إن شاء الله تعالى. والحاصل أن قوله زوجتك بمنزلة الإيجاب والقبول، والتوكيل بمنزلة التحصين، والواحد يتولى طرفي العقد، لكن قوله زوجتك لا يكون بمنزلة شطري العقد، إلا بقوله: زوجني؛ لأن به يصير وكيلا، فصار كأنه شطر العقد استحسانا.
والفرق بين النكاح والبيع أن الحقوق في البيع تتعلق بالوكيل، والوكيل بالنكاح ليس كذلك لأنه لا يطالب بتسليم المهر ولا غيره، وفي " شرح الأسبيجابي ": قدرة الزوج على الرد يفضي إلى الإضرار بها وإلحاق العار والشنار، بقبيلتها؛ لأنهم إذا أوجبوا العقد عند قوله: _ زوجني _ بأن قال الولي: زوجتك مثلا لو لم يتم العقد بهذا جاز للزوج أن يرجع ويلحق بالولي عار وشنار وهذا لا يجوز، لأنه يقال: زوجها ابنه فلم يقبله بخلاف البيع حيث لا عار في رده، وكذا لو قال الزوج: جئتك لتزوجني ابنتك، فقالت ابنة الرجل قد زوجتك صح النكاح ولزم، وكذا لو قال لامرأة: أتزوجك على ألف درهم، فقالت: قد تزوجتك على ذلك صح، لأن النكاح لا يحصره اليوم. وفي " خزانة الأكمل ": أتزوجك بكذا، أو أخطبك على كذا، فقالت: قد زوجتك نفسي صح، وهو استحسان، بخلاف البيع والخلع، ذكره السرخسي.
стр. 2344
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وفي " المرغيناني ": ينعقد بقوله: زوجتك ويقول الآخر قبلت، أو قال: أتزوجك فقالت قد قبلت، ولو قال: خطبتك بألف فقالت زوجت نفسي منك كان نكاحا. وفي الخبر المروي عن أبي حنيفة قال زوجني ابنتك، فقالت: قد تزوجتك صح، قال: قد زوجتك بنتي بألف، فقال: قبلت، وسكت عن المهر صح، وإن قال قبلت ولا أقبل المهر لا يصح، لأنه رد، وعن أبي حفص الكبير يصح، لأن المال في النكاح تبع. وقال المرغيناني: قال: زوجني ابنتك فقال: ارفعها وانصبها حيث شئت بحضرة الشهود لا ينعقد.
وقال الإمام محمد بن الفضل: ينعقد قال: زوجت ابنتي ولم يزد على هذا أبو الصغير فقبلت يقع للأب، إلا أن يقول: قبلت لابني وهذا يدل على أن من قال: بعت هذا فقال الآخر: قبلت أو اشتريت صح، وإن لم يقل: إن منك إذا كان منهما مقدمات البيع، قالت: تزوجتك على كذا إن أجاز أبي أو رضي فقال: قبلت لا يصح، ولو كان أبوها حاضرا يسمع فقال: أجزت أو رضيت جاز، ولو قالت: زوجت نفسي منك فقال: قبلت جاز.
وفي " الذخيرة ": صرت امرأة لي، فقالت: نعم، أو صرت، اختار المشايخ أنه ينعقد، وفي " جوامع الفقه ": لو قال: هذه زوجتي بحضرة الشهود لا يصح على المختار قضاء ويصح بينه وبين الله. ولو قال: تزوجتك إن رضيت أو رضي فلان وهو في المجلس فقالت: رضيت أو قال: رضيت جاز.
وفي " القنية ": [لو] قام أحد الزوجين قبل القبول بطل، وفي بطلان البيع روايتان، وفي " البدائع ": والقول في القبول ليس بشرط عندنا خلافا للشافعي. له بنت واحدة وقال زوجتك بنتي صح، وإن كان له بنتان لم يصح تزوج حاضرة منتقبة لم يعرفها الشهود ولم يذكروا اسمها ونسبها يجوز إلا عند البصري، له بنت واحدة اسمها فاطمة فقال: زوجتك بنتي عائشة لم يصح إلا أن يقول: عائشة هذه، لأن الاسم لغو في المشار إليها. تزوج وامرأة في بيت فقبلت، وليس معها غيرها فسمعوا كلامها صح، وإن كان معها غيرها لم يصح إلا إذا عرفوا كلامها، سميت في الصغر، وفي الكبر باسم زوجت بالأشرف.
قالت: زوجت نفسي بعد انقضاء عدتي لا يصح، وكما لا يصح تعليق النكاح بالشرط لا يجوز إضافته إلى وقت مستقبل. له بنتان أيم وذات زوج، فقال: زوجتك بنتي ولم يسمها صح زوجت نفسها منه فلم يقبل شيئا بل دفع إليه المهر في المجلس فهو قبول. قال برهان الدين السمرقندي، وبرهان الدين صاحب " المحيط ". وقال القاضي بديع الدين: لا ينعقد. قال لامرأة: السلام عليك يا زوجتي، فقالت: السلام عليك يا زوجي، لا ينعقد.
ذكر علي السعدي: ويصح نكاح الهازل والملاعب وبه قال ابن حنبل وهو المشهور من
стр. 2345
وينعقد بلفظ النكاح والتزويج والهبة والتمليك والصدقة.
ــ
[البناية]
مذهب مالك ذكره في " الذخيرة "، قال ﷺ : «ثلاث هزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة» رواه الترمذي، وهو حجة على الشافعي في النكاح.
قلت: رواه أبو داود أيضا وفيه أن طلاق الهازل ونكاحه ورجعته مؤاخذ به، ولا يلتفت إلى قوله كنت هازلا ولا يدين أيضا فيما بينه وبين الله . وقد ذهب بعض المالكية إلى أن نكاح الهازل غير صحيح، فقال علي بن زياد منهم: لا يجوز نكاح هزل ولا لعب، ويفسخ قبل البناء وبعده، وعن ابن القاسم نجيزه، وقال أبو بكر ابن اللباد منهم: إنه صحيح لازم.
قال شيخنا زين الدين: وهو قول عامة العلماء، وروي ذلك عن ابن مسعود، وعطاء، وهو قول أبي جعفر، والشافعي.
[انعقاد النكاح بلفظ النكاح والتزويج والهبة والتمليك والصدقة]
م: (وينعقد) ش: أي النكاح م: (بلفظ النكاح) ش: بأن يقول أنكحني، فيقول: نكحتك، وفي بعض النسخ بلفظ الإنكاح بأن يقول: أنكحني ابنتك فيقول: أنكحتك م: (والتزويج) ش: أي وبلفظ التزويج عن تزوجني فيقول: تزوجتك.
م: (والهبة) ش: أي وبلفظ الهبة، بأن يقول: هبي لي نفسك، فتقول: وهبت، أو يقول لأبيها: هب لي ابنتك، فيقول: وهبت م: (والتمليك) ش: أي وبلفظ التملك بأن يقول: ملكني بنتك، فيقول: ملكت.
م: (والصدقة) ش: أي وبلفظ الصدقة بأن يقول: تصدقي لي بنفسك، فتقول: تصدقت، وبهذا كله قال مجاهد والثوري والحسن بن صالح ومالك وأبو ثور وأبو عبيد وداود.
وفي " المبسوط " و " المحيط ": الألفاظ التي ينعقد بها النكاح نوعان: صريح وكناية، فالصريح: لفظ النكاح والتزويج عرفا وشرعا وكناية ثلاثة أنواع: ما ينعقد به، وما لا ينعقد به وما اختلف فيه.
وأما الأول: فالتمليك والهبة والصدقة وغيرها.
والثاني: وهو ما لا ينعقد به الإحلال والإباحة والتمتع والخلع والإقالة والإجازة بالرأي والرضا والشركة والإعارة والكتابة والولاء والإيداع.
والثالث: ما اختلفوا فيه البيع والشراء ولو قالت: بعتك نفسي أو قال الأب: بعتك ابنتي بكذا، أو قال الرجل: اشتريتك بكذا، فأجابت بنعم، فقد اختلف فيه المشايخ، وكان أبو القاسم
стр. 2346
وقال الشافعي _ ﵀ _: لا ينعقد إلا بلفظ النكاح والتزويج؛ لأن التمليك ليس حقيقة فيه، ولا مجازا عنه
ــ
[البناية]
البلخي يقول بجوازه، وإليه أشار محمد في كتابه " الحدود " وقال: إذا زنى بامرأة ثم قال: تزوجتها واشتريتها فسوى بينهما، وقال: يسقط عنه الحد فيهما فجعله دعوى النكاح، وهو رواية عن أبي جعفر وهو الصحيح ذكره في " الذخيرة " وغيره.
وقال أبو بكر الأعمش: لا ينعقد بلفظ البيع، وفي " جوامع الفقه ": وينعقد النكاح بكل لفظ شرع لتمليك العين بغير نية إذا ذكر معه المهر كالبيع والهبة والصدقة، وإن لم يذكر المهر ينعقد بالنية. وفي " البدائع " و " التحفة ": ينعقد عند الكرخي بلفظ الإجارة والإعارة، وعند عامة الأصحاب لا ينعقد بهما، وفي القرض قيل: لا ينعقد، وقيل ينعقد به لأنه يفيد ملك الرقبة للمستقرض.
وفي " المرغيناني ": ينعقد على قياس قول أبي جعفر ومحمد، لأنه يفيد الملك عندهما بالقرص، وبلفظ السلم قيل: لا ينعقد، وقيل: ينعقد به، لأنه يفيد ملك الرقبة، وينعقد السلم في الحيوان حتى لو قبضه ملكه ملكا فاسدا. واختلفوا في الصرف، قيل لا ينعقد به وقيل ينعقد ولا ينعقد بالوصية، وعن الطحاوي ينعقد وفي الرهن اختلاف المشايخ وقال الجرجاني: لا ينعقد بالإقالة، لأنها موضوعة للفسخ، وكذا الصلح لكونه لإسقاط الحق لا لابتداء العقد.
وقال السرخسي: ينعقد بلفظ الصلح والعطية، وروى بشر عن أبي يوسف أنه ينعقد بلفظ الرد، صورته: طلق امرأة بائنا، فقالت: رددت نفسي عليك بكذا كان نكاحا إذا قبل، وفي " الذخيرة " قال: أتزوجك متعة لا ينعقد.
وفي " الهارونيات " عنه ينعقد ويلغو لفظ المتعة، وفي " المنتقى ": أتزوجك أمتعة فهو باطل وفي " المرغيناني " أتمتع بك مدة كذا لا ينعقد إلا إذا كانا لا يعيشان إلى تلك المدة غالبا كمائتي سنة وثلاثمائة سنة لأنه مؤبد حكما، وقال المرغيناني: النكاح لا ينعقد بالجعل.
قال في " الذخيرة ": هذا ليس بصحيح، وفي " نوادر ابن رستم ": عن أبي يوسف إذا قالت امرأة لرجل: جعلت نفسي لك بألف بحضرة الشهود فقال: قبلت يكون نكاحا، ولو عقداه بلفظ يفهمان بكونه نكاحا ولا يعلمان به اختلف المشايخ فيه.
م: (وقال الشافعي _ ﵀ _: لا ينعقد إلا بلفظ النكاح والتزويج) ش: وبه قال أحمد، وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء والزهري م: (لأن التمليك ليس حقيقة فيه) ش: أي في النكاح أو في التزويج، لأنه لو كان حقيقة فيهما يلزم الترادف وهو خلاف الأصل.
م: (ولا مجاز عنه) ش: أي عن النكاح أو التزويج. لأن المجاز يقتضي المشاكلة في المعاني
стр. 2347
لأن التزويج للتلفيق، والنكاح للضم ولا ضم ولا ازدواج بين المالك والمملوكة أصلا.
ولنا: أن التمليك سبب لملك المتعة في محلها بواسطة ملك الرقبة وهو الثابت بالنكاح والسببية طريق المجاز وينعقد بلفظ البيع هو الصحيح لوجود طريق المجاز، ولا ينعقد بلفظة الإجارة في الصحيح؛ لأنه ليس بسبب لملك المتعة
ــ
[البناية]
ولم يوجد م: (لأن التزويج للتلفيق) ش: يقال لفقت الثوبين ولفقت أحدهما بالآخر إذا لازمت بينهما بالخياطة. ويقال: أحاديث ملفقة أي ضم بعضها إلى بعض. م: (والنكاح للضم ولا ضم ولا ازدواج بين المالك والمملوكة أصلا) ش: ولهذا لو اشترى منكوحة يفسد النكاح، ولو كان بينهما ملاءمة لما فسد.
م: (ولنا أن التمليك سبب لملك المتعة) ش: يعني تمليك الرقبة سبب لملك المتعة إذا صارت فعل المتعة لإفضائه إليه، وملك المتعة وهو الثابت بالنكاح والسببية طريق المجاز، وقيد بقوله م: (في محلها) ش: أي في محل المتعة احترازا عن تمليك الغلمان والبهائم والأخت من الرضاعة والأمة المجوسية؛ فإنها ليست محلا لملك المتعة.
م: (بواسطة ملك الرقبة) ش: يتعلق بقوله: التمليك سبب لملك المتعة م: (وهو الثابت) ش: أي ملك الرقبة وهو الثابت م: (بالنكاح) ش: فكان بينهما اتصال باعتبار السبب م: (والسببية طريق المجاز) ش: وإن لم يكن اتصالا من جهة المعنى. فصحت الاستعارة فيكون من باب إطلاق السبب على المسبب، قال الأكمل: واعترض بأن ملك الرقبة إذا ورد على ملك النكاح أفسده، فكيف يثبت النكاح به. وأجيب: بأن إفساد النكاح ليس من حيث تحريم الوطء لا محالة، بل من حيث ضرب الملكية لها في موجب النكاح من طلب القسم وتقرير النفقة والسكنى والمنع من العزل، وحينئذ لا منافاة بين ما يثبته وينفيه فجازت الاستعارة.
م: (وينعقد) ش: أي النكاح م: (بلفظ البيع) ش: بأن قالت المرأة: بعتك نفسي، أو قال الأب: بعت بنتي منك، وكذا بلفظ الشراء قال: اشتريتك بكذا، فأجاب بنعم م: (هو الصحيح) ش: يعني انعقاد النكاح بلفظ البيع هو الصحيح. واحترز به عن قول أبي بكر الأعمش، فإنه قال: لا ينعقد بلفظ البيع، وقد ذكرناه عن قريب م: (لوجود طريق المجاز) ش: لأن الملك بسبب ملك المتعة في محل فيجوز استعارته.
م: (ولا ينعقد بلفظ الإجارة) ش: بأن تقول امرأة: أجرت نفسي منك بكذا، أو يقول الأب أجرت ابنتي بكذا ونوى به النكاح، واعلم أن الشهود الذين حضروا ذلك فإنه لا يجوز م: (في الصحيح) ش: احترازا عن قول الكرخي، فإنه قال: ينعقد بها.
م: (لأنه) ش: أي لأن لفظ الإجارة م: (ليس سببا لملك المتعة) ش: لأن الإجارة لا تنعقد إلا مؤقتة والنكاح لا ينعقد إلا مؤبدا، وبينهما تغاير على سبيل المنافاة، فأنى تصح الاستعارة.
стр. 2348
ولا بلفظ الإباحة والإحلال والإعارة لما قلنا، ولا بلفظ الوصية لأنها توجب الملك مضافا إلى ما بعد الموت. قال: ولا ينعقد نكاح المسلمين إلا بحضور شاهدين حرين عاقلين بالغين مسلمين رجلين، أو رجل وامرأتين عدولا كانوا أو غير عدول أو محدودين في القذف. قال _ ﵁ _: اعلم أن الشهادة شرط في باب النكاح لقوله ﵇: «لا نكاح إلا بشهود» .
ــ
[البناية]
[الشهادة في النكاح]
م: (ولا بلفظ الإباحة) ش: أي ولا ينعقد النكاح أيضا بلفظ الإباحة م: (والإحلال والإعارة لما قلنا) ش: أنه ليس سببا للملك، أما الإباحة، والإحلال، فإن من أحل، أو أباح طعاما لغيره لا يملكه، وإنما يتلفه على ملك المبيح.
وأما الإعارة إنها تملك المنفعة بغير عوض، فلا توجب ملكا يستفاد به ملك المتعة م: (ولا بلفظ الوصية) ش: أي ولا ينعقد أيضا بلفظ الوصية بأن يقول الأب أوصيت لك بابنتي م: (لأنها) ش: أي لأن الوصية م: (توجب الملك مضافا إلى ما بعد الموت) ش: فلا مناسبة بينهما، فلا تصح الاستعارة.
وعن الكرخي لو قال: أوصيت لك بابنتي الآن، فإنه ينعقد أو قال أوصيت لك بضع جاريتي في الحال بكذا لو قبل الآخر ينعقد النكاح. واعلم أن الاعتبار لهذه الألفاظ ينعقد بشبهة فيسقط به الحد، ويجب به أقل من المسمى ومن مهر المثل عند الدخول، كذا في " المبسوط ".
م: (قال: ولا ينعقد نكاح المسلمين إلا بحضور شاهدين) ش: الشهادة في النكاح شرط عندنا، وهو مذهب سعيد بن المسيب وجابر بن زيد والحسن البصري وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري والأوزاعي وقتادة والشافعي وأحمد، حكاه ابن المنذر في " الأشراف ".
وقال عبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون وعبد الله بن الحسن وأبو ثور يجوز من غير شهادة [ ... ] ، وكذا فعل الحسن بن علي وابن زيد _ ﵄ _.
وبه قال ابن أبي ليلى وعثمان البتي ذكره السرخسي، وقالت طائفة: يجوز بغير شهود إذا أعلنوه وهو قول الزهري ومالك وأهل المدينة، ثم إنه قيد شهادة الشاهدين بتوصيفهما بقوله: م: (حرين عاقلين بالغين مسلمين رجلين، أو رجل وامرأتين، سواء كانوا عدولا أو غير عدول أو محدودين) ش: أي وكان الشاهدان محدودين م: (في القذف) ش: ثم يذكر ما في هذه الأوصاف للشهود بما فيه الخلاف والتعليل.
م: (قال) ش: أي في المصنف: م: (_ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - _: اعلم أن الشهادة شرط في باب النكاح لقوله ﷺ :) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «لا نكاح إلا بشهود» ش: هذا غريب بهذا اللفظ، وينبغي أن يستدل بما رواه ابن حبان في " صحيحه " من حديث الزهري عن عروة عن عائشة _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - _ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وما كان من
стр. 2349
وهو حجة على مالك _ ﵀ _ في اشتراط الإعلان دون الشهادة. ولا بد من اعتبار الحرية فيهما؛ لأن العبد لا شهادة له لعدم الولاية، ولا بد من اعتبار العقل والبلوغ، لأنه لا ولاية
ــ
[البناية]
النكاح على غير ذلك فهو باطل، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» .
قال: ولا يصح في ذكر الشاهدين غير هذا الخبر، وقال الأكمل: واعترض بأنه خبر واحد فلا يجوز تخصيص قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] (النساء: الآية ٣) ، وغيره من الآيات وأجاب الإمام فخر الإسلام بأن هذا حديث مشهور تلقته الأمة بالقبول فيجوز الزيادة على كتاب الله.
قلت: هذا فيه نظر لا يخفى م: (وهو) ش: أي الحديث المشهور م: (حجة على مالك في اشتراط الإعلان دون الإشهاد) ش: هذا الحديث لم يثبت بهذا اللفظ، فكيف يكون حجة على مالك. نعم حديث عائشة المذكور حجة عليه.
واحتج مالك بما رواه الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع عن يزيد بن هارون عن عيسى بن ميمون عن القاسم عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالغربال» وقال: حسن غريب وعيسى بن ميمون ضعيف في الحديث، وإن سلمنا صحة هذا الحديث فنقول: الإعلان يحصل بحضور الشاهدين، ولو شرط كتمان العقد مع حضور شاهدين صح العقد عندنا، وبه قال الشافعي، والخطابي وابن المنذر والظاهرية. وقال مالك: يفرق بينهما.
م: (ولا بد من اعتبار الحرية فيهما) ش: أي في الشاهدين م: (لأن العبد لا شهادة له لعدم الولاية) ش: والشهادة من باب الولاية.
واعترض بأن الولاية عبارة عن نفاذ القول على الغير شرعا لو أبى، وذلك إنما يحتاج عند الأداء، وكلامنا في حالة الانعقاد، فكما ينعقد بشهادة المحدودين في القذف ينعقد بشهادة العبدين؛ إذ الولاية لا مدخل في هذا الحال.
وأجيب: بأن الأداء يحتاج إلى ولاية متعدية وليست بمراد هنا، وإنما المراد بها الولاية القاصرة تعظيما لأمر النكاح، كاشتراط أصل الشهادة.
стр. 2350
بدونهما، ولا بد من اعتبار الإسلام في أنكحة المسلمين؛ لأن لا شهادة للكافر على المسلم.
ولا يشترط وصف الذكورة حتى ينعقد بحضور رجل وامرأتين، وفيه خلاف الشافعي _ ﵀ _ وستعرف في الشهادات إن شاء الله تعالى. ولا تشترط العدالة حتى ينعقد بحضرة الفاسقين عندنا، خلافا للشافعي _ ﵀ _
ــ
[البناية]
م: (ولا بد من اعتبار العقل والبلوغ، لأنه لا ولاية بدونهما) ش: أي بدون العقل والبلوغ، ولا خلاف في اشتراطهما في الشهادة، وإنما الخلاف في وصف الذكورة والعدالة على ما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى.
م: (ولا بد من اعتبار الإسلام في أنكحة المسلمين؛ لأنه لا شهادة للكافر على المسلم) ش: يعني من باب الولاية، ولا ولاية للكافر على المسلم، وفيه النظر الذي مر أنه ليس المراد به الأداء حتى تكون الولاية شرطا.
والجواب: إنا قد ذكرنا أن الشهادة وظيفة، إنما كانت تعظيما، ولا تعظيم لشيء بسبب حضور الكفار.
[شروط شهود النكاح]
م: (ولا يشترط وصف الذكورة حتى ينعقد بحضرة رجل وامرأتين) ش: وقال الشافعي وداود وأصحابه واختاره ابن حزم وجوزه بشهادة أربع من النساء م: (وفيه خلاف الشافعي) ش: فإن عنده لا يجوز فيه شهادة النساء لدلالة قوله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» .
فإن لفظ شاهدين يقع على ذكرين أو ذكر وأنثى، والثاني غير مراد بالإجماع فيتعين الأول.
قلنا: شهادة النساء حجة أصلية بالنص، لكن فيه نوع شبهة باعتبار صورة البدلية والنكاح إنما يثبت بالشبهة.
م: (وستعرف) ش: أي خلاف الشافعي _ ﵀ _ م: (في الشهادات إن شاء الله تعالى) ش: فإنه وعد خلاف الشافعي في كتاب الشهادة، وسيجيء إن شاء الله .
م: (ولا تشترط العدالة) ش: أي في شهود النكاح م: (حتى ينعقد) ش: أي النكاح م: (بحضرة الفاسقين عندنا، خلافا للشافعي) ش: فإنه يقول: لا ينعقد بحضرة الفاسقين، وبه قال أحمد، وقال إمام الحرمين في " النهاية ": لا ينعقد بحضور الفاسقين، لأن الشهادة فيه مقبولة معنى، وهو صون العقد عن الجحود لأن العقد لا يثبت بشهادتهما، انتهى.
هذا باطل فالمستورين، فإنه لا يثبت بشهادتهما عند الحجة، ويصح العقد بحضورهما
следующие страницы →