Полный текст (7 019 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
وقال الشافعي _ ﵀ _: لا ينعقد إلا بلفظ النكاح والتزويج؛ لأن التمليك ليس حقيقة فيه، ولا مجازا عنه
ــ
[البناية]
البلخي يقول بجوازه، وإليه أشار محمد في كتابه " الحدود " وقال: إذا زنى بامرأة ثم قال: تزوجتها واشتريتها فسوى بينهما، وقال: يسقط عنه الحد فيهما فجعله دعوى النكاح، وهو رواية عن أبي جعفر وهو الصحيح ذكره في " الذخيرة " وغيره.
وقال أبو بكر الأعمش: لا ينعقد بلفظ البيع، وفي " جوامع الفقه ": وينعقد النكاح بكل لفظ شرع لتمليك العين بغير نية إذا ذكر معه المهر كالبيع والهبة والصدقة، وإن لم يذكر المهر ينعقد بالنية. وفي " البدائع " و " التحفة ": ينعقد عند الكرخي بلفظ الإجارة والإعارة، وعند عامة الأصحاب لا ينعقد بهما، وفي القرض قيل: لا ينعقد، وقيل ينعقد به لأنه يفيد ملك الرقبة للمستقرض.
وفي " المرغيناني ": ينعقد على قياس قول أبي جعفر ومحمد، لأنه يفيد الملك عندهما بالقرص، وبلفظ السلم قيل: لا ينعقد، وقيل: ينعقد به، لأنه يفيد ملك الرقبة، وينعقد السلم في الحيوان حتى لو قبضه ملكه ملكا فاسدا. واختلفوا في الصرف، قيل لا ينعقد به وقيل ينعقد ولا ينعقد بالوصية، وعن الطحاوي ينعقد وفي الرهن اختلاف المشايخ وقال الجرجاني: لا ينعقد بالإقالة، لأنها موضوعة للفسخ، وكذا الصلح لكونه لإسقاط الحق لا لابتداء العقد.
وقال السرخسي: ينعقد بلفظ الصلح والعطية، وروى بشر عن أبي يوسف أنه ينعقد بلفظ الرد، صورته: طلق امرأة بائنا، فقالت: رددت نفسي عليك بكذا كان نكاحا إذا قبل، وفي " الذخيرة " قال: أتزوجك متعة لا ينعقد.
وفي " الهارونيات " عنه ينعقد ويلغو لفظ المتعة، وفي " المنتقى ": أتزوجك أمتعة فهو باطل وفي " المرغيناني " أتمتع بك مدة كذا لا ينعقد إلا إذا كانا لا يعيشان إلى تلك المدة غالبا كمائتي سنة وثلاثمائة سنة لأنه مؤبد حكما، وقال المرغيناني: النكاح لا ينعقد بالجعل.
قال في " الذخيرة ": هذا ليس بصحيح، وفي " نوادر ابن رستم ": عن أبي يوسف إذا قالت امرأة لرجل: جعلت نفسي لك بألف بحضرة الشهود فقال: قبلت يكون نكاحا، ولو عقداه بلفظ يفهمان بكونه نكاحا ولا يعلمان به اختلف المشايخ فيه.
م: (وقال الشافعي _ ﵀ _: لا ينعقد إلا بلفظ النكاح والتزويج) ش: وبه قال أحمد، وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء والزهري م: (لأن التمليك ليس حقيقة فيه) ش: أي في النكاح أو في التزويج، لأنه لو كان حقيقة فيهما يلزم الترادف وهو خلاف الأصل.
م: (ولا مجاز عنه) ش: أي عن النكاح أو التزويج. لأن المجاز يقتضي المشاكلة في المعاني
стр. 2347
لأن التزويج للتلفيق، والنكاح للضم ولا ضم ولا ازدواج بين المالك والمملوكة أصلا.
ولنا: أن التمليك سبب لملك المتعة في محلها بواسطة ملك الرقبة وهو الثابت بالنكاح والسببية طريق المجاز وينعقد بلفظ البيع هو الصحيح لوجود طريق المجاز، ولا ينعقد بلفظة الإجارة في الصحيح؛ لأنه ليس بسبب لملك المتعة
ــ
[البناية]
ولم يوجد م: (لأن التزويج للتلفيق) ش: يقال لفقت الثوبين ولفقت أحدهما بالآخر إذا لازمت بينهما بالخياطة. ويقال: أحاديث ملفقة أي ضم بعضها إلى بعض. م: (والنكاح للضم ولا ضم ولا ازدواج بين المالك والمملوكة أصلا) ش: ولهذا لو اشترى منكوحة يفسد النكاح، ولو كان بينهما ملاءمة لما فسد.
م: (ولنا أن التمليك سبب لملك المتعة) ش: يعني تمليك الرقبة سبب لملك المتعة إذا صارت فعل المتعة لإفضائه إليه، وملك المتعة وهو الثابت بالنكاح والسببية طريق المجاز، وقيد بقوله م: (في محلها) ش: أي في محل المتعة احترازا عن تمليك الغلمان والبهائم والأخت من الرضاعة والأمة المجوسية؛ فإنها ليست محلا لملك المتعة.
م: (بواسطة ملك الرقبة) ش: يتعلق بقوله: التمليك سبب لملك المتعة م: (وهو الثابت) ش: أي ملك الرقبة وهو الثابت م: (بالنكاح) ش: فكان بينهما اتصال باعتبار السبب م: (والسببية طريق المجاز) ش: وإن لم يكن اتصالا من جهة المعنى. فصحت الاستعارة فيكون من باب إطلاق السبب على المسبب، قال الأكمل: واعترض بأن ملك الرقبة إذا ورد على ملك النكاح أفسده، فكيف يثبت النكاح به. وأجيب: بأن إفساد النكاح ليس من حيث تحريم الوطء لا محالة، بل من حيث ضرب الملكية لها في موجب النكاح من طلب القسم وتقرير النفقة والسكنى والمنع من العزل، وحينئذ لا منافاة بين ما يثبته وينفيه فجازت الاستعارة.
م: (وينعقد) ش: أي النكاح م: (بلفظ البيع) ش: بأن قالت المرأة: بعتك نفسي، أو قال الأب: بعت بنتي منك، وكذا بلفظ الشراء قال: اشتريتك بكذا، فأجاب بنعم م: (هو الصحيح) ش: يعني انعقاد النكاح بلفظ البيع هو الصحيح. واحترز به عن قول أبي بكر الأعمش، فإنه قال: لا ينعقد بلفظ البيع، وقد ذكرناه عن قريب م: (لوجود طريق المجاز) ش: لأن الملك بسبب ملك المتعة في محل فيجوز استعارته.
م: (ولا ينعقد بلفظ الإجارة) ش: بأن تقول امرأة: أجرت نفسي منك بكذا، أو يقول الأب أجرت ابنتي بكذا ونوى به النكاح، واعلم أن الشهود الذين حضروا ذلك فإنه لا يجوز م: (في الصحيح) ش: احترازا عن قول الكرخي، فإنه قال: ينعقد بها.
م: (لأنه) ش: أي لأن لفظ الإجارة م: (ليس سببا لملك المتعة) ش: لأن الإجارة لا تنعقد إلا مؤقتة والنكاح لا ينعقد إلا مؤبدا، وبينهما تغاير على سبيل المنافاة، فأنى تصح الاستعارة.
стр. 2348
ولا بلفظ الإباحة والإحلال والإعارة لما قلنا، ولا بلفظ الوصية لأنها توجب الملك مضافا إلى ما بعد الموت. قال: ولا ينعقد نكاح المسلمين إلا بحضور شاهدين حرين عاقلين بالغين مسلمين رجلين، أو رجل وامرأتين عدولا كانوا أو غير عدول أو محدودين في القذف. قال _ ﵁ _: اعلم أن الشهادة شرط في باب النكاح لقوله ﵇: «لا نكاح إلا بشهود» .
ــ
[البناية]
[الشهادة في النكاح]
م: (ولا بلفظ الإباحة) ش: أي ولا ينعقد النكاح أيضا بلفظ الإباحة م: (والإحلال والإعارة لما قلنا) ش: أنه ليس سببا للملك، أما الإباحة، والإحلال، فإن من أحل، أو أباح طعاما لغيره لا يملكه، وإنما يتلفه على ملك المبيح.
وأما الإعارة إنها تملك المنفعة بغير عوض، فلا توجب ملكا يستفاد به ملك المتعة م: (ولا بلفظ الوصية) ش: أي ولا ينعقد أيضا بلفظ الوصية بأن يقول الأب أوصيت لك بابنتي م: (لأنها) ش: أي لأن الوصية م: (توجب الملك مضافا إلى ما بعد الموت) ش: فلا مناسبة بينهما، فلا تصح الاستعارة.
وعن الكرخي لو قال: أوصيت لك بابنتي الآن، فإنه ينعقد أو قال أوصيت لك بضع جاريتي في الحال بكذا لو قبل الآخر ينعقد النكاح. واعلم أن الاعتبار لهذه الألفاظ ينعقد بشبهة فيسقط به الحد، ويجب به أقل من المسمى ومن مهر المثل عند الدخول، كذا في " المبسوط ".
م: (قال: ولا ينعقد نكاح المسلمين إلا بحضور شاهدين) ش: الشهادة في النكاح شرط عندنا، وهو مذهب سعيد بن المسيب وجابر بن زيد والحسن البصري وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري والأوزاعي وقتادة والشافعي وأحمد، حكاه ابن المنذر في " الأشراف ".
وقال عبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون وعبد الله بن الحسن وأبو ثور يجوز من غير شهادة [ ... ] ، وكذا فعل الحسن بن علي وابن زيد _ ﵄ _.
وبه قال ابن أبي ليلى وعثمان البتي ذكره السرخسي، وقالت طائفة: يجوز بغير شهود إذا أعلنوه وهو قول الزهري ومالك وأهل المدينة، ثم إنه قيد شهادة الشاهدين بتوصيفهما بقوله: م: (حرين عاقلين بالغين مسلمين رجلين، أو رجل وامرأتين، سواء كانوا عدولا أو غير عدول أو محدودين) ش: أي وكان الشاهدان محدودين م: (في القذف) ش: ثم يذكر ما في هذه الأوصاف للشهود بما فيه الخلاف والتعليل.
م: (قال) ش: أي في المصنف: م: (_ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - _: اعلم أن الشهادة شرط في باب النكاح لقوله ﷺ :) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «لا نكاح إلا بشهود» ش: هذا غريب بهذا اللفظ، وينبغي أن يستدل بما رواه ابن حبان في " صحيحه " من حديث الزهري عن عروة عن عائشة _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - _ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وما كان من
стр. 2349
وهو حجة على مالك _ ﵀ _ في اشتراط الإعلان دون الشهادة. ولا بد من اعتبار الحرية فيهما؛ لأن العبد لا شهادة له لعدم الولاية، ولا بد من اعتبار العقل والبلوغ، لأنه لا ولاية
ــ
[البناية]
النكاح على غير ذلك فهو باطل، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» .
قال: ولا يصح في ذكر الشاهدين غير هذا الخبر، وقال الأكمل: واعترض بأنه خبر واحد فلا يجوز تخصيص قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] (النساء: الآية ٣) ، وغيره من الآيات وأجاب الإمام فخر الإسلام بأن هذا حديث مشهور تلقته الأمة بالقبول فيجوز الزيادة على كتاب الله.
قلت: هذا فيه نظر لا يخفى م: (وهو) ش: أي الحديث المشهور م: (حجة على مالك في اشتراط الإعلان دون الإشهاد) ش: هذا الحديث لم يثبت بهذا اللفظ، فكيف يكون حجة على مالك. نعم حديث عائشة المذكور حجة عليه.
واحتج مالك بما رواه الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع عن يزيد بن هارون عن عيسى بن ميمون عن القاسم عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالغربال» وقال: حسن غريب وعيسى بن ميمون ضعيف في الحديث، وإن سلمنا صحة هذا الحديث فنقول: الإعلان يحصل بحضور الشاهدين، ولو شرط كتمان العقد مع حضور شاهدين صح العقد عندنا، وبه قال الشافعي، والخطابي وابن المنذر والظاهرية. وقال مالك: يفرق بينهما.
م: (ولا بد من اعتبار الحرية فيهما) ش: أي في الشاهدين م: (لأن العبد لا شهادة له لعدم الولاية) ش: والشهادة من باب الولاية.
واعترض بأن الولاية عبارة عن نفاذ القول على الغير شرعا لو أبى، وذلك إنما يحتاج عند الأداء، وكلامنا في حالة الانعقاد، فكما ينعقد بشهادة المحدودين في القذف ينعقد بشهادة العبدين؛ إذ الولاية لا مدخل في هذا الحال.
وأجيب: بأن الأداء يحتاج إلى ولاية متعدية وليست بمراد هنا، وإنما المراد بها الولاية القاصرة تعظيما لأمر النكاح، كاشتراط أصل الشهادة.
стр. 2350
بدونهما، ولا بد من اعتبار الإسلام في أنكحة المسلمين؛ لأن لا شهادة للكافر على المسلم.
ولا يشترط وصف الذكورة حتى ينعقد بحضور رجل وامرأتين، وفيه خلاف الشافعي _ ﵀ _ وستعرف في الشهادات إن شاء الله تعالى. ولا تشترط العدالة حتى ينعقد بحضرة الفاسقين عندنا، خلافا للشافعي _ ﵀ _
ــ
[البناية]
م: (ولا بد من اعتبار العقل والبلوغ، لأنه لا ولاية بدونهما) ش: أي بدون العقل والبلوغ، ولا خلاف في اشتراطهما في الشهادة، وإنما الخلاف في وصف الذكورة والعدالة على ما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى.
م: (ولا بد من اعتبار الإسلام في أنكحة المسلمين؛ لأنه لا شهادة للكافر على المسلم) ش: يعني من باب الولاية، ولا ولاية للكافر على المسلم، وفيه النظر الذي مر أنه ليس المراد به الأداء حتى تكون الولاية شرطا.
والجواب: إنا قد ذكرنا أن الشهادة وظيفة، إنما كانت تعظيما، ولا تعظيم لشيء بسبب حضور الكفار.
[شروط شهود النكاح]
م: (ولا يشترط وصف الذكورة حتى ينعقد بحضرة رجل وامرأتين) ش: وقال الشافعي وداود وأصحابه واختاره ابن حزم وجوزه بشهادة أربع من النساء م: (وفيه خلاف الشافعي) ش: فإن عنده لا يجوز فيه شهادة النساء لدلالة قوله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» .
فإن لفظ شاهدين يقع على ذكرين أو ذكر وأنثى، والثاني غير مراد بالإجماع فيتعين الأول.
قلنا: شهادة النساء حجة أصلية بالنص، لكن فيه نوع شبهة باعتبار صورة البدلية والنكاح إنما يثبت بالشبهة.
م: (وستعرف) ش: أي خلاف الشافعي _ ﵀ _ م: (في الشهادات إن شاء الله تعالى) ش: فإنه وعد خلاف الشافعي في كتاب الشهادة، وسيجيء إن شاء الله .
م: (ولا تشترط العدالة) ش: أي في شهود النكاح م: (حتى ينعقد) ش: أي النكاح م: (بحضرة الفاسقين عندنا، خلافا للشافعي) ش: فإنه يقول: لا ينعقد بحضرة الفاسقين، وبه قال أحمد، وقال إمام الحرمين في " النهاية ": لا ينعقد بحضور الفاسقين، لأن الشهادة فيه مقبولة معنى، وهو صون العقد عن الجحود لأن العقد لا يثبت بشهادتهما، انتهى.
هذا باطل فالمستورين، فإنه لا يثبت بشهادتهما عند الحجة، ويصح العقد بحضورهما
стр. 2351
له أن الشهادة من باب الكرامة، والفاسق من أهل الإهانة. ولنا أنه من أهل الولاية، فيكون من أهل الشهادة، وهذا لأنه لما لم يحرم الولاية على نفسه لإسلامه لا يحرم على غيره، لأنه من جنسه، ولأنه صلح مقلدا فيصلح مقلدا وكذا شاهدا.
ــ
[البناية]
وبابني الزوجين أو ابني أحدهما على الأصح ولا يثبت بهما.
م: (له) ش: أي للشافعي م: (أن الشهادة من باب الكرامة) ش: لقوله ﷺ : «أكرموا الشهود، فإن الله يحيي بهم الحقوق» م: (والفاسق من أهل الإهانة) ش: لقوله ﷺ : «إذا لقيت الفاسق فألقه بوجه مقهور» ، ولأن كلامه محتمل الصدق والكذب، ولا يترجح صدقه لعدم عدالته، إذ العدالة هي المرجح على ما عرف، فإذا فات المرجح بقي محتملا فلا يصح حجة.
م: (ولنا أنه) ش: أي الفاسق م: (من أهل الولاية) ش: لإسلامه في نفسه م: (فيكون من أهل الشهادة) ش: لأنه إذا كان من أهل الولاية على نفسه يكون من أهل الولاية على غيره، وهي الشهادة.
م: (وهذا) ش: إشارة إلى جواب عما يقال: الولاية على نفسه ولاية قاصرة، فلا نسلم أن من كان من أهل الولاية على نفسه كان من أهل الشهادة، لأنها متعدية إلى غيره.
وتقرير الجواب أن يقال: هذا الذي قلنا إن الفاسق من أهل الشهادة، لأنه من أهل الولاية م: (لأنه) ش: أي لأن الفاسق م: (لما لم يحرم الولاية على نفسه لإسلامه) ش: أي لكونه مسلما م: (لا يحرم) ش: أي الولاية م: (على غيره، لأنه) ش: أي لأن كونه أهلا للولاية على غيره.
م: (من جنسه) ش: أي من جنس كونه أهلا للولاية على نفسه. وقيل: الضمير في لأنه للمشهود.
م: (ولأنه) ش: أي ولأن الفاسق وهو الشاهد م: (صلح مقلدا) ش: بكسر اللام، أي سلطانا وخليفة، فإن جمهور الأئمة بعد الخلفاء الأربعة لم [ ... ] من فسق، أي المشهود عليه من جنس الفاسق من حيث إن كل واحد منهما مسلم.
لأنه أي لأن الولاية على تأويل الحكم المذكور ونحوه فالقول بالخروج عن الإمامة بالفسق يفضي إلى فساد عظيم. فإذا كان كذلك م: (فيصلح مقلدا) ش: بفتح اللام، أي قاضيا، أو حاكما.
م: (وكذا شاهدا) ش: أي فكذا شاهدا، لأن الشهادة والقضاء من باب واحد. قال الأكمل: في عبارته تسامح، لأنه يهم منه أن تكون أهلية الشهادة مرتبة على أهلية القضاء.
وقد ذكر في كتاب " أدب القاضي " أن أهلية القضاء مستفادة من أهلية الشهادة، ولو قال بالواو كان أحسن لا يقال: يجوز أن يكون مرتبا على مقلد بكسر اللام، لأن أهلية السلطنة
стр. 2352
والمحدود في القذف من أهل الولاية فيكون من أهل الشهادة تحملا.
ــ
[البناية]
ليست مستفادة من أهلية الشهادة، لأن عليه كذلك.
والجواب: أن كلامه إذا كان الفسق لا يمنع عن ولاية هي أعم ضررا فلأن لا يمنع عن ولاية عامة الضرر وخاصة أولى، والترتيب على هذا الوجه غير خلاف الصحة. ولو قال: الفاسق من أهل الولاية القاصرة بلا خلاف فيصلح شاهدا على الانعقاد لأنه لا إلزام فيه فكانت الولاية قاصرة لكان أسهل فهما.
[شهادة المحدود في القذف على عقد النكاح]
م: (والمحدود في القذف من أهل الولاية) ش: نظرا إلى الإسلام م: (فيكون من أهل الشهادة تحملا) ش: يعني من حيث تحمل الشهادة: لا من حيث الأداء.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] (النور: الآية ٤) ، نهي عن القبول، وهو يعدم وصف الأداء لا أصل الشهادة؛ إذ النفي عن قبول الشيء يقتضي تحقيق ذلك الشيء وفوت الثمرة لا يدل على فوت الأصل، كشهادة العميان على ما يجيء.
وقال ابن المنذر: اختار أبو جعفر وأصحابه بأعميين أو محدودين في القذف أو فاسقين الجمع على رد شهادتهما، وأبطلوه بشهادة العبدين، وقد اختلفوا في شهادتهما.
وأجاب عنه السروجي وقال: ما أجهله، وأكثر الخليفة ما لا يعرفه والمراد بالمحدودين التائبان وإلا فلا فائدة في ذكرهما مع ذكر الفاسقين وشهادتهما مقبولة عن جماعة من العلماء بعد التوبة، منهم الشافعي.
والفاسق له شهادة حتى لو حكم به حاكم نفذ حكمه، قال الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] ، (الحجرات: الآية ٦) ، فأمرنا بالتثبيت والتبين ولم يأمرنا بالدفع والرد، بخلاف العبدين، فإن الشهادة من باب الولاية إذ فيهما إلزام على الغير. والعبد ليست له ولاية على نفسه، فكيف تثبت له ولاية على غيره، وقد جازف في نقل الإجماع في رد شهادة المذكورين، قال: ولم يثبت عن النبي ﷺ في اشتراط الشاهدين في النكاح خبر.
قال: وكان يزيد بن هارون يعيب على أصحاب الرأي ويقول: أمر الله بالإشهاد في البيع ولم يأمر بالإشهاد في النكاح، فكيف زعم أصحاب الرأي أن البيع بدونه جائز، والنكاح بدونه فاسد؟
وقال السروجي: جهله أعظم من جهل ابن المنذر، لأن الأئمة قائلة على أن الأمر في الإشهاد على التبايع أمر استحباب، ويزيد ليس له من الفهم إلا المتعلق باللغة دون المعاني.
وجمهور العلماء وأهل الفتوى على اشتراط الإشهاد في النكاح، وطعنه هذا طعن على الذين ذكرناهم مما مضى عن ترتيب ولا يخص أبو حنيفة وأصحابه، انتهى.
стр. 2353
وإنما الفائت ثمرة الأداء بالنهي لجريمته فلا يبالى بفواته كما في شهادة العميان وابني العاقدين.
قال: وإن تزوج مسلم ذمية بشهادة ذميين صح عند أبي حنيفة وأبي يوسف _ رحمهما الله _. وقال محمد، وزفر _ رحمهما الله _: لا يجوز، لأن السماع في النكاح شهادة ولا شهادة للكافر على المسلم،
ــ
[البناية]
قلت: قوله: _ لم يثبت عن رسول الله ﷺ في اشتراط الشاهدين في النكاح خبر يرده ما رواه ابن حبان من حديث عائشة _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - _ وقد مر عن قريب.
م: (وإنما الفائت ثمرة الأداء) ش: جواب عما يقال: إن المحدود في القذف إذا كان من أهل الولاية ينبغي أن تكون شهادته متعدية وليست كذلك، فأجاب بقوله: _ وإنما الفائت من شهادة المحدود في القذف ثمرة الأداء.
أي أداء شهادتهم م: (بالنهي لجريمته) ش: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] (النور: الآية ٤) ، م: (فلا يبالى) ش: بصيغة المجهول م: (بفواته) ش: أي بفوات ثمرة الأداء، وإنما ذكر الضمير لهما باعتبار المذكور. وأما بالنظر إلى لفظ الأداء م: (كما في شهادة العميان) ش: فإن النكاح ينعقد بشهادتهم بالإجماع، ولا تقبل عند الأداء بالإجماع.
م: (وابني العاقدين) ش: أي وكذا في شهادة ابني العاقدين فإن النكاح ينعقد بشهادتهما بالإجماع ولا يقبل عند الأداء بالإجماع.
[شهادة الأخرس والمفلس وابني الزوج وابني الزوجة وابنيهما في النكاح]
فروع في المشكلات: وينعقد بشهادة الأخرس، والمفلس، وابني الزوج وابني الزوجة وابنيهما. وفي " المغني ": وفي شهادة محدودين وابني الزوجين وابني الزوجة وجهان، واختار الانعقاد أبو عبد الله بن بطال وينعقد عند الجماعة بالعبدين والمكاتبين والمدبرين والصبيين والأصمين.
وفي " المغني ": ولا ينعقد بشهادة أصمين ولا شهادة أخرسين وفي شهادة المراهقين احتمال، وفي " النهاية " وأجمعوا على أنه لا ينعقد بشهادة الأصمين، وفي " الذخيرة ": ولا ينعقد بشهادة النائمين لا يسمعان كلام العاقدين. وفي " قنية المنية ": ينعقد بهما وهو الأصح. م: (قال: وإن تزوج مسلم ذمية بشهادة ذميين صح عند أبي حنيفة وأبي يوسف) ش: سواء كانا موافقين في دينهما أو مخالفين م: (وعند محمد _ ﵀ _ وزفر: لا يجوز) ش: وبه قال الشافعي وأحمد، وفي بعض النسخ، وقال محمد _ ﵀ _، وزفر _ ﵀ _: لا يجوز.
وقال المالكية: أنكحة الكفار فاسدة مع أنه لا ولاية للكافر على الكافر صحيحة عندهم والشهادة ليست بشرط عندهم والإسلام يصححها عندهم م: (لأن السماع) ش: أي سماع العاقدين من الإيجاب والقبول م: (في النكاح شهادة، ولا شهادة للكافر على المسلم) ش: بالاتفاق.
стр. 2354
فكأنهما لم يسمعا كلام المسلم، ولهما أن الشهادة شرطت في النكاح على اعتبار إثبات الملك لوروده على محل ذي خطر لا على اعتبار وجوب المهر؛ إذ لا شهادة تشترط في لزوم المال، وهما شاهدان عليها، بخلاف ما إذا لم يسمعا كلام الزوج، لأن العقد ينعقد بكلاميهما والشهادة شرطت على العقد.
قال: ومن أمر رجلا بأن يزوج ابنته الصغيرة فزوجها والأب حاضر بشهادة رجل واحد سواهما جاز النكاح، لأن الأب يجعل مباشرا للعقد لاتحاد المجلس، فيكون الوكيل سفيرا ومعبرا، فيبقى المزوج شاهدا.
ــ
[البناية]
م: (فكأنهما) ش: أي فكأن الذميين م: (لم يسمعا كلام المسلم) ش: أي بطريق الشهادة وشرط الانعقاد سماع الشاهدين كلام مظهري العقد، ولم يوجد فصار كأنهما سمعا كلام المرأة دون كلام الزوج، فلم ينعقد، كما لو لم يسمعا كلامهما أو كلام الزوج وذلك أن سماع من لا شهادة له يكون وجوده كعدمه، كما في العبد.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة وأبي يوسف م: (أن الشهادة شرطت في النكاح على اعتبار إثبات الملك) ش: أي مطلق المتعة م: (لوروده) ش: أي لورود الملك م: (على محل ذي خطر) ش: فيشترط الشهادة تعظيما للأبضاع، فيكون الرجل هو المخاطب بالشهادة لأجل أنه يملك البضع، ألا ترى أنه ﷺ كان مخصوصا بالنكاح بغير شهود م: (لا على اعتبار) ش: أي لا يشترط الإشهاد على اعتبار م: (وجوب المهر) ش: لها عليه م: (إذ لا شهادة تشترط في لزوم المال) ش: لأن إيجاب المال يصح بلا شهود كالبيع وغيره م: (وهما شاهدان عليها) ش: أي الذميان شاهدان عليها أي على الذمية، فشهادة أهل الذمة على الذمية جائزة.
فإن قيل: ملك الازدواج مشترك. قلنا: نعم، لكن ذلك ليس بأصل، وإنما يقع تبعا للملك الوارد عليه، كما لو اشترى أمة يملك وطأها بلا طهر، لأنه وقع تبعا.
م: (بخلاف ما إذا لم يسمعا كلام الزوج) ش: جواب عن قول محمد وزفر: تقريره الشهادة شرط في النكاح على العقد كما علم، لأنه يخاطب كلام الزوج بالإشهاد عليها بالعقد م: (لأن العقد ينعقد بكلاميهما) ش: أي بكلام الزوجين م: (والشهادة شرطت على العقد) ش: فإن لم يسمعا كلام المسلم لم يشهدا على العقد.
م: (قال: ومن أمر رجلا بأن يزوج ابنته الصغيرة فزوجها والأب حاضر) ش: أي والحال أن الأب حاضر عند العقد م: (بشهادة رجل واحد) ش: يتعلق بقوله فزوجها م: (سواهما) ش: أي سوى الآمر والمأمور م: (جاز النكاح، لأن الأب يجعل مباشرا للعقد) ش: أي لأن الموجود من الوكيل واجب الانتقال إلى الموكل في باب النكاح، وإنما جعل الأب مباشرا إذا كان حاضرا م: (لاتحاد المجلس، فيكون الوكيل سفيرا ومعبرا) ش: لانتقال الوكالة إلى الأب م: (فيبقى المزوج شاهدا) ش: ونصبه آخر فينعقد.
стр. 2355
وإن كان الأب غائبا لم يجز، لأن المجلس مختلف فلا يمكن أن يجعل الأب مباشرا، وعلى هذا إذا زوج الأب ابنته البالغة بحضرة شاهد واحد إن كانت حاضرة جاز، وإن كانت غائبة لا يجوز
ــ
[البناية]
وقال الكاكي: قيل: في هذا التعليل نظر. قلنا: قائله هو السغناقي؛ فإنه قال في " النهاية ": هذا تكلف غير محتاج إليه في المسألة الأولى، لأن الأب يصلح أن يكون شاهدا في باب النكاح، فلا حاجة إلى نقل المباشرة من المأمور إلى الآمر حكما، وإنما يحتاج إليه في المسألة الأخيرة وهي إذا زوج الأب ابنته البالغة بمحضر شاهد واحد، فإن كانت حاضرة جاز بنقل مباشرة الأب إليها لعدم صلاحيتها للشهادة على نفسها، وإن كانت غائبة لم يجز، لأن الشيء إنما يقدر تقديرا إذ لم يتصور تحقيقا، إليه أشار في " الفوائد الظهيرية ".
وقال الأكمل: وأرى أنه لا فرق بين الصورتين في الاحتياج إلى ذلك التكلف.
قلت: فيه تكلف لا يخفى، ومن أراد أن يتضح له ذلك فلينظر في النهاية.
م: (وإن كان الأب غائبا لم يجز النكاح، لأن المجلس مختلف) ش: لأنه لو انتقل إليه العقد لكان الإيجاب في مجلس والقبول في مجلس آخر م: (فلا يمكن أن يجعل الأب مباشرا) ش: لأجل غيبته م: (وعلى هذا) ش: أي وعلى اعتبار حضرة الأب وغيبته م: (إذا زوج الأب ابنته البالغة بحضرة شاهد واحد، إن كانت) ش: أي الابنة م: (حاضرة جاز) ش: لإمكان اعتبار الأب شاهدا م: (وإن كانت غائبة لا يجوز) .
стр. 2356
فصل في بيان المحرمات قال: لا يحل للرجل أن يتزوج بأمه ولا بجداته من قبل الرجال أو النساء، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (النساء: الآية ٢٣) ، والجدات أمهات؛ إذ الأم هو الأصل لغة أو ثبتت حرمتهن بالإجماع قال ولا ببنته لما تلونا، ولا ببنت ولده وإن سفلت للإجماع، ولا
ــ
[البناية]
[فصل في بيان المحرمات في النكاح] [ المحرمات من جهة النسب]
م: (فصل في بيان المحرمات) ش: أي هذا فصل في بيان النساء المحرمات تزوجها؛ لأن الله تعالى أخرجهن من محلية النكاح فاحتيج إلى بيانهن، وهن أربعة عشر، سبعة من جهة النسب، وسبعة من السبب، وستجيء كلها.
م: (قال: لا يحل للرجل أن يتزوج بأمه) ش: هذه إحدى السبعة من جهة النسب م: (ولا بجداته) ش: أي لا يحل أن يتزوج بجداته سواء كن م: (من قبل الرجال أو النساء) ش: أي ومن قبل النساء، وليس من كلام العرف تزوجت بامرأة، وإنما يقال: تزوجت امرأة، قاله يونس.
م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ش: (النساء: الآية ٢٣) فدلالته على حرمة الأم ظاهرة م: (والجدات) ش: وأما دلالته على حرمة الجدات فأشار إليه بقوله: م: (أمهات إذ الأم هو الأصل لغة) ش: يقال لمكة: أم القرى لكونها هي الأصل، لما روي أنها خلقت أولا ثم دحيت الأرض منها، وقال الله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧] (آل عمران: الآية ٧) أي أصل ويرد إليه المتشابه، وقال ﵇: «الخمر أم الخبائث» وهذا عند المحققين، ومن مشايخنا الذين لا يجوزون الجمع بين الحقيقة والمجاز.
وعند مشايخنا العراقيين: يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز عند اختلاف المحل فحرمة الجدات قد ثبتت بالنص أيضا بمجازه، وعند الطائفة الأولى بطريق الحقيقة باعتبار معنى يعمهما لغة لا باعتبار الجمع بين الحقيقة والمجاز.
قوله: حرمت الجدات بالنص، ومن يبغ يثبت حرمتهن بالإجماع، وإليه أشار المصنف بقوله: م: (أو ثبتت حرمتهن بالإجماع) ش: هذا عند الفريقين.
م: (قال: ولا ببنته) ش: ولا ببنت بنت وإن سفلت على ما يجيء الآن والاستدلال فيهن مثل الاستدلال في الأم، فإن بنت البنت تسمى بنتا حقيقة باعتبار أن البنت يراد بها الفرع، فيتناولها النص حقيقة ومجازا عند البعض، ويجوز الجمع عند اختلاف المحل أو بالإجماع.
م: (لما تلونا) ش: وهو قَوْله تَعَالَى: م: (ولا ببنت ولده وإن سفلت) ش: ولفظ الولد يتناول الابن والبنت، ولما ذكرنا من جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز في محلين مختلفين عند البعض م: (للإجماع) ش: عند الفريقين م: (ولا بأخته) ش: أي ولا يحل أيضا أن يتزوج بأخته سواء أكانت
стр. 2357
بأخته ولا ببنات أخيه ولا ببنات أخته ولا بعمته ولا بخالته لأن حرمتهن منصوص عليها في هذه الآية
وتدخل فيها العمات المتفرقات
ــ
[البناية]
لأب وأم، أو لأب أو لأم، ضمت الهمزة في _ أخت _ لتدل على الواو الذاهبة منه بخلاف الأخ، لأجل التاء التي ثبتت في الأصل والوقف كالاسم الثاني.
م: (ولا ببنات أخيه) ش: أي سواء أكن لأب وأم أو لأب أو لأم م: (ولا ببنات أخته) ش: أي سواء كانت بنت أخته لأب وأم أو لأب أو لأم م: (ولا بعمته) ش: أي ولا يحل أيضا أن يتزوج بعمته م: (ولا بخالته) ش: أي ولا يحل أيضا أن يتزوج بخالته، والخال أخو الأم والخالة أختها، ذكره الجوهري في باب " خول " ليدل على أن أصلها واوي م: (لأن حرمتهن) ش: أي حرمة هؤلاء المذكورات كلها من الأخوات المتفرقات وبنات الأخ، وبنات الأخت، والعمات، والخالات م: (منصوص عليها في هذه الآية) ش: أي قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (النساء: الآية ٢٣) .
وفي " النهاية ": حاصله أن المحرمات التي ضمها كتاب النكاح والرضاع على أحد وعشرين نوعا: سبعة من جهة النسب: الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ وبنات الأخت.
وسبعة من جهة الرضاع: كذلك يحرم الرضاع في هؤلاء لقول ﵇: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وأربعة من جهة المصاهرة: وهي: أم المرأة وابنتها ومنكوحة الأب، وحليلة الابن، واثنتان من جهة الجمع وهما: الجمع بين أكثر من أربعة، والجمع بين الأختين، وواحدة من جهة الكفر: أو من المجوسية كذا في " شرح الطحاوي ".
وفي " التحفة ": تحريم النكاح يتنوع إلى تسعة أنواع: القرابة، والصهرية، والرضاع، والجمع، وتقديم الأمة على الحرة، وبسبب حق الغير، وبسبب الشركة، وبسبب ملك اليمين، وبسبب الطلقات الثلاثة، فعلى هذا تكون الحرمات خمسة وعشرين، كلها مذكورة في الكتاب.
م: (وتدخل فيها) ش: أي في حرمة الآية م: (العمات المتفرقات) ش: أي العمة لأب وأم، والعمة لأب دون أم، والعمة لأم دون أب، وفي " المحيط ": وكذا أم العمة حرام؛ لأن أم عمته لأبيه وأمه، أو لأمه هي أم أبيه لا محالة، وأم أبيه حرام عليه، وأما عمته لأبيه هي أخت أبيه ولأب، فإنما تكون امرأة جد أب الأب وامرأة الجد حرام عليه، وكذا عمات أبيه وعمات أجداده وعمات أمه، وعمات جداته وإن سفلن.
وأما عمة العمة تنظر إن كانت العمة القربى عمة لأبيه وأمه أو لأبيه، فعمة العمة حرام، لأن القربى إذا كانت أخت أبيه لأبيه وأمه أو لأبيه، فإن عمتها تكون جدة أب الأب، وأخت أب
стр. 2358
والخالات المتفرقات، وبنات الأخوات المتفرقات وبنات الإخوة المتفرقين لأن جهة الاسم عامة. قال: ولا بأم امرأته التي دخل بابنتها أو لم يدخل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (النساء: الآية ٢٣) ، من غير قيد الدخول.
ــ
[البناية]
الأب حرام، لأنها عمته وإن كانت العمة القربى عمة لأمه، فعمة العمة لا تحرم؛ لأن أب العمة يكون زوج أم أبيه، فعمتها تكون أخت زوج الجدة أم الأب وأخت زوج الأم لا تحرم، وأخت زوج الجدة أولى أن تحرم.
[المحرمات من جهة السبب]
م: (والخالات المتفرقات) ش: أي الخالة لأب وأم، والخالة لأب دون أم، والخالة لأم دون أم والخالة لأم دون أب، وكذا خالات آبائه وأمهاته. وأما خالة الخالة وإن كانت الخالة القربى خالة لأب وأم، أو لأم فخالتها تحرم عليه، وإن كانت القربى خالة لأب فخالتها لا تحرم عليه، لأن أم الخالة القربى تكون امرأة الجد أب الأم لا أم أمه، فأختها امرأة أب الأب وأخت امرأة الجد لا تحرم عليه.
م: (وبنات الأخوة المتفرقات وبنات الإخوة المتفرقين) ش: أي ويدخل في الآية المذكورة بنات الإخوة والأخوات.
وقوله: المتفرقين بصيغة الجمع المذكر صفة الأخوة التي جمع أخ ويدخل فيه الأخوات التي هي جمع أخت، ومعنى التفرق يعني سواء كانت بنات الأخ لأب وأم أو لأم وبنات الأخت كذلك، وكلهن محرمات على التأبيد بالكتاب والسنة والإجماع.
وفي " الذخيرة ": أولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات من المباحات لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] (النساء: الآية ٢٣) .
في " النتف ": حرم الله تعالى العمة والخالة ولم يحرم بناتهما، وكذا أولادهم وإن سفلوا يجوز التناكح فيما بينهم من جميع القرابات وهم أرحام لا محرم م: (لأن جهة الاسم عامة) ش: يعني المعنى المجوز لإطلاق اسم الأخت يشمل الفرق الثلاث، وهو المجاور في رحم أو صلب، فكان الاسم حقيقة للكل.
وقال تاج الشريعة: قوله: وجهة الاسم عامة _ أي جهة اسم العمومة والخئولة لأنها أخت أبيه وأخت أمه، وهذه الجهة لا تتغير بكونها لأب وأم.
م: (قال: ولا بأم امرأته) ش: هذا بيان المحرمات من جهة السبب وهي جهة المصاهرة، أي ولا يحل له أن يتزوج بأم امرأته م: (التي دخل بابنتها أو لم يدخل بها لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (النساء: الآية ٢٣ من غير قيد الدخول) ش: وكذا بجدتها وإن علت لِقَوْلِهِ تَعَالَى يعني القرآن مطلق عن قيد الدخول في أمر المرأة، والله حرمها مطلقا، فمن قيدها بالدخول فقد
стр. 2359
ولا ببنت امرأته التي دخل بها لثبوت قيد الدخول بالنص، سواء كانت في حجره أو في حجر غيره، لأن ذكر الحجر خرج مخرج العادة لا مخرج الشرط، ولهذا اكتفى في موضع الإحلال بنفي الدخول.
ــ
[البناية]
نسخه، وبه قال الجمهور: وهو قول عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وعمران بن حصين _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - _ وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل، ومالك في الصحيح.
وقال بشر المريسي، وابن شجاع، وداود: دخول ابنتها شرط، ويروى عن ابن مسعود وجابر أن أم الزوجة لا تحرم حتى يدخل بالبنت ولا يحرم بنفس العقد، لو طلقها قبل الدخول بها جاز له التزوج بأمها.
م: (ولا ببنت امرأته) ش: أي ولا يحل أيضا أن يتزوج ببنت امرأته م: (التي دخل بها لثبوت قيد الدخول بالنص) ش: وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] (النساء: الآية ٢٣) ، وإن لم يدخل بها حتى حرمت عليه بطلاق أو موت يحل له أن يتزوج بالبنت، لأن هذه الحرمة تعلقت بشرط الدخول، وقال إمام الحرمين في " النهاية ": إنما تحرم إذا كانت صغيرة يوم العقد فتجعل في حجره وتكمله، وإذا كانت كبيرة يوم العقد لا تحرم.
م: (سواء كانت) ش: أي بنت امرأته م: (في حجره أو في حجر غيره) ش: اختلف الصحابة _ ﵃ _ في شرطية الحجر بهذه الحرمة، فقال علي _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - _ الحجر شرط، وبه قال داود لظاهر الآية م: (لأن ذكر الحجر خرج مخرج العادة) ش: فإن العادة أن تكون البنات في حجر زوج أمهاتها ليأتي تربيتها م: (لا مخرج الشرط) ش: أي ما يخرج مخرج كونه شرطا، والتقييد العرفي لا يوجب تقييد الحكم به، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] (النور: الآية ٣٣) ، كذا في " المبسوط "، ولا إلزام فيه على داود؛ لأن علم الخبر شرط صحة الكتابة عنده.
م: (ولهذا) ش: أي ولأن ذكر الحجر خرج مخرج العادة م: (اكتفى في موضع الإحلال) ش: وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (النساء: الآية ٢٣) ، يعني اكتفى الله تعالى في هذه الآية م: (بنفي الدخول) ش: ولم يشترط نفي الحجر مع نفي الدخول، حيث لم يقل: فإن لم تكونوا دخلتم بهن. وليس في حجوركم؛ فإن الإباحة تتعلق بضد ما تتعلق به الحرمة.
واعترض: بأنه يجوز أن تكون الحرمة متعلقة ذات وصفين، وهما الدخول والحجر، ثم تنتفي الحرمة بانتفاء أحدهما لأن الشيء ينتفي بانتفاء الجزء، فلم تكن ثبوت الإباحة عند انتفاء الدخول، دليلا على أن الحرمة غير متعلقة بالحجر.
стр. 2360
قال: ولا بامرأة أبيه وأجداده، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] (النساء: الآية ٢٢) ، ولا بامرأة ابنه وبني أولاده؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (النساء: الآية ٢٣) .
ــ
[البناية]
وأجيب: بأن العادة في مثله نفي الوصفين جميعا أو نفي العلة مطلقا لا نفي أحدهما والسكوت عن الآخر.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ولا بامرأة أبيه) ش: أي ولا يحل له أن يتزوج بامرأة أبيه م: (وأجداده) ش: أو بنساء أجداده م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] (النساء: الآية ٢٢) ش:، واسم الأب يتناول الأجداد، والأب الحقيقي باعتبار عموم المجاز وهو الأصل، فثبتت الحرمة في الجميع نصا أو إجماعا على ما مر، وعلى قول من يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز في المحلين يثبت نصا. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ [النساء: ٢٢] انتهى.
بمعنى النفي، إذ لو كان المراد هو النهي لكان ينعقد نكاحها؛ لأن النهي في الأفعال الشرعية لا يعدم المشروعية، ثم المراد من النكاح إن كان هو العقد فالوطء حرام، لأن سبب الوطء عقد النكاح، ولما كان حراما فالسبب المقصود به أولى أن يكون حراما، وأن المراد به هو الوطء، فحرمة العقد ثابتة بالإجماع، لكن لا يتم تمسك المصنف بالآية إلا على قول من قال: المراد بالنكاح العقد.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] معناه إلا ما قد سلف في الجاهلية، فإنكم لا تؤاخذون بذلك إذا خليتم سبيلهن بعد الحرمة، وقيل معناه: ولا ما قد سلف؛ لأن إلا تأتي بمعنى لا، قال الله تعالى: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا﴾ [إبراهيم: ٤٤] (البقرة: الآية ١٥٠) .
فيكون المعنى: أنه كما لا يحل ابتداء العقد بعد ثبوت الحرمة لا يحل إمساك بما قد سلف بعد أول الحرمة كيلا يظن أن هذه الحرمة تمنع ابتداء العقد لا تمنع البقاء، والعرب في الجاهلية كانوا فرقتين:
فرقة يعتقدون الإرث في منكوحة الأب إذا لم يكن منها ولد، يطأها بغير عقد جديد، رضيت أم كرهت.
وفرقة يعتقدون أنها تحل لهم بعقد جديد، وأنه متى رغب فيها فهو أحق بها من غيره، فنزلت ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] الآية، ناسخة لما اعتقده الفريقان.
م: (ولا بامرأة ابنه) ش: أي ولا يحل له أن يتزوج بامرأة ابنه م: (وبني أولاده) ش: أي ولا يحل أيضا نكاح نساء بني أولاده من الذكور والإناث م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (النساء: الآية ٢٣) ش: الحلائل جمع حليلة، والذكر حليل، وسميت امرأة الابن
стр. 2361
وذكر الأصلاب لإسقاط اعتبار التبني لا لإحلال حليلة الابن من الرضاعة، ولا بأمه من الرضاعة، ولا بأخته من الرضاعة، ولقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] (النساء: الآية ٢٣) . ولقوله ﵇: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» .
ــ
[البناية]
حليلة لأنها حلت للابن من الحل، أو لأنها تحل فراشه، ويحل هو فراشها من الحلول أو حل كل واحد إزار صاحبه، وحليلة الابن حرام على الأب، سواء دخل بها الابن أو لم يدخل لإطلاق النص من الدخول، وأما حليلة ابن الابن بعمومه أو بالإجماع.
م: (وذكر الأصلاب لإسقاط اعتبار التبني) ش: هذا جواب عما يقال: ابن الابن لا يكون من صلبه، فكيف يصح تعدية حليلة الابن الصلبي إليه مع هذا القيد؟ أجاب بقوله: وذكر الأصلاب لأجل إسقاط حرمة اعتبار التبني، فإن التبني قد انتسخ بقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] (الأحزاب: الآية ٥) .
فكان رسول الله ﷺ تبنى زيد بن حارثة، ثم تزوج زينب بعدما طلقها زيد، فكان المشركون قد طعنوا وقالوا: إنه قد تزوج حلية ابنه، فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (الأحزاب: الآية ٤٠) ، فالتعدي هنا لدفع طعن المشركين.
م: (لا لإحلال حليلة الابن من الرضاعة) ش: فإن حليلة الابن من الرضاع تحرم على أبيه من الرضاع عندنا.
وقال الشافعي: لا تحرم بناء على أصله أن لبن الفحل لا يحرم، واستدل بهذا القيد المذكور.
ودليلنا قوله ﵇: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» . وقال الكاكي: وذكر في كتب الشافعية أن تقييد الأصلاب ليس لإحلال حليلة الرضاع بل لإحلال حليلة المتبنى، فحينئذ لا خلاف بيننا وبينهم.
م: (ولا بأمه من الرضاعة) ش: أي ولا يحل أيضا أن يتزوج بأمه من الرضاعة م: (ولا بأخته من الرضاعة) ش: أي ولا يحل أيضا أن يتزوج بأخته من الرضاع، والرضاع بفتح الراء وكسرها وبالتاء معهما، وأنكر الأصمعي كسرها مع التاء.
م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] (النساء: الآية ٢٣) (ولقوله ﵇) ش: ولقول النبي ﷺ : م: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» .
ش: هذا الحديث بهذا اللفظ أخرجه الطبراني في " معجمه الكبير " من حديث ثوبان، أن
стр. 2362
ولا يجمع بين أختين نكاحا ولا بملك يمين وطأ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] (النساء: الآية ٢٣) ، ولقوله ﵇ «من كان يؤمن بالله، واليوم الآخر فلا يجمعن ماءه في رحم أختين» .
ــ
[البناية]
رسول الله ﷺ قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» .
وأخرج الترمذي من حديث عائشة _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - _ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من الولادة» وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرج البخاري من حديث ابن عباس «أن النبي ﷺ أريد على ابنة حمزة، فقال: " إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، وإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» وأخرجه مسلم ولفظه: " ما يحرم من الرحم ".
م: (ولا يجمع بين أختين نكاحا) ش: أي من حيث النكاح الذي لا يكونان معه بعقد أو عقدين م: (ولا بملك يمين وطأ) ش: أي من حيث الوطء قيد بالوطء؛ لأنه يجوز أن تجمع بين الأمتين الأختين من حيث الملك، غير أنه إذا وطء إحداهما لا يطأ الأخرى، وكان عمر _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - _ يتوقف في الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين، ويقول أحلتهما آية وهي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] (النساء: الآية ٣٦) ، وحرمتهما آية، وهي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] (النساء: الآية ٢٣) ، وجعل أبو بكر الرازي هذا قول علي ومجاهد، رواه عن علي الشعبي، ويروى عنه، إنكاره.
وفي " الكشاف ": جعل قول عثمان وعلي ثم قال: يرجح علي بالتحريم، وعثمان بالإباحة والإباحة قول الظاهرية، م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] ش: (النساء الآية ٢٣) ، وهو في موضع الرفع، لأنه معطوف على الحرمات، أي ويحرم عليكم الجمع بين الأختين، والمراد حرمة النكاح، لأن التحريم في الآية تحريم النكاح لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ [النساء: ٢٣] عطف على أمهاتكم.
م: (ولقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ : م: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمعن ماءه في رحم أختين» ش:، هذا حديث غريب لم يتعرض له أحد من الشرح غير الكاكي أحال ما ذكره في " المبسوط " والسروجي أحال على " الذخيرة " للمالكية. نعم روى الترمذي في " جامعه " من حديث أبي وهب الجيشاني أنه سمع «من فيروز الديلمي يحدث عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان، فقال رسول الله ﷺ " اختر أيهما
стр. 2363
فإن تزوج أخت أمة له وقد وطئها صح النكاح؛ لصدوره من أهله مضافا إلى محله، وإذا جاز لا يطأ الأمة، وإن كان لم يطأ المنكوحة لأن المنكوحة موطوءة حكما، ولا يطأ المنكوحة للجمع إلا إذا حرم الموطوءة على نفسه بسبب من الأسباب، فحينئذ يطأ المنكوحة لعدم الجمع وطأ
ــ
[البناية]
شئت» وقال: هذا حديث حسن غريب، وفيه دلالة على أن الجمع بين الأختين لا يجوز.
قال الترمذي: وأبو وهب الجيشاني اسمه الديلم بن موشع والجيشان بفتح الجيم وسكون الياء آخر الحروف وبشين معجمة نسبة إلى جيشان قبيلة باليمن، وهو جيشان بن غيلان صخر بن عين، واسم ابن فيروز الضحاك، وذكره ابن حبان في " الثقات " م: (فإن تزوج أخت أمة له) ش: أي فإن تزوج رجل أخت أمة في ملكه م: (قد وطئها) ش: جملة حالية، والجملة الفعلية الماضية إذا وقعت حالا لا بد فيها من لفظة قد صريحة أو مقدرة، أي والحال أن الرجل قد كان وطأ أمته التي في ملكه م: (صح النكاح؛ لصدوره من أهله مضافا إلى محله) ش: أي لأجل صدور النكاح من أهله حال كونه مضافا إلى محله، لأن الأخت المملوكة وطؤها من باب الاستخدام وهو لا يمنع نكاح الأخت إلا أنه لا يطأها بعد ذلك.
م: (وإذا جاز) ش: أي نكاح أخت أمته وطئها م: (لا يطأ الأمة) ش: بعد ذلك حتى لا يصير جامعا بين الأختين بوطء م: (وإن كان لم يطأ المنكوحة) ش: واصل بما قبله م: (لأن المنكوحة موطوءة حكما) ش: أي من حيث الحكم، ولهذا تستحق الوطء على هذا الزوج، والأمة لا تستحق الوطء على المولى.
فإن قيل: لما كان النكاح قائما مقام الوطء ينبغي أن لا يجوز هذا النكاح حكما، كيلا يصير جامعا بينهما وطئا كما قال بعض أصحاب مالك.
قلنا: نفس النكاح ليس بوطء، وإنما صار كالوطء عند ثبوت حكمه، وهو حل الوطء وحكم الشيء يثبت بعده، والنكاح حال وجوده ليس بوطء صحيح لوجوده في محله.
م: (ولا يطأ المنكوحة للجمع) ش: أي لأجل الجمع بينهما م: (إلا إذا حرم الموطوءة) ش: أي الأمة الموطوءة م: (على نفسه، بسبب من الأسباب) ش: كالبيع والتزويج والهبة بالتسليم وبالإعتاق والكتابة م: (فحينئذ) ش: أي حين حرم الأمة الموطوءة على نفسه م: (يطأ المنكوحة لعدم الجمع) ش: من حيث الوطء وعن أبي يوسف لا يحل، وعنه أيضا: لو ملك فرج الأولى غيره لا يطأ الأخرى حتى تحيض الأولى حيضة بعد وطئها، لأنه يجوز أن تكون حاملا منه.
стр. 2364
ويطأ، المنكوحة إن لم يكن وطئ المملوكة لعدم الجمع وطأ، إذ الموقوفة ليست موطوءة حكما.
فإن تزوج أختين في عقدتين، ولا يدري أيتهما أولى فرق بينه وبينهما؛ لأن نكاح إحداهما باطل بيقين ولا وجه إلى التعيين لعدم الأولوية ولا إلى التنفيذ مع التجهيل؛ لعدم الفائدة أو للضرر، فتعين التفريق. ولهما نصف المهر لأنه وجب للأولى منهما وانعدمت الأولوية للجهل بالأولوية فينصرف إليهما.
ــ
[البناية]
م: (ويطأ المنكوحة إن لم يكن وطئ المملوكة لعدم الجمع وطأ؛ إذ الموقوفة ليست بموطوءة حكما) ش: لأن ملك اليمين لم يوضع للوطء، ولهذا لا يثبت نسب ولد الموقوفة بلا عدة وفي المنكوحة يثبت بدونها
[تزوج أختين في عقدتين ولا يدري أيتهما أولى]
م: (فإن تزوج أختين في عقدتين ولا يدري أيتهما أولى) ش: بضم الهمزة، لأنه لو تزوجهما في عقد واحد كان النكاح باطلا للجمع بين الأختين، فلا يستحقان شيئا من المهر.
وقيد بقوله: ولا يدري أيتهما أولى، لأنه لو علم ذلك بطل نكاح الثانية م: (فرق بينه وبينهما، لأن نكاح إحداهما باطل بيقين، ولا وجه إلى التعيين لعدم الأولوية) ش: لأنه إذا لم يكن وجه لتعيين إحداهما بأن تعين اسم إحداهما بعدم الأولوية لعدم التعيين م: (ولا إلى التنفيذ مع التجهيل) ش: يعني لا تنفيذ لإحداهما بغير عينها.
م: (لعدم الفائدة) ش: لأن المقصود بالنكاح التوالد والتناسل، وذلك بالوطء، والوطء لا يقع في غير المعينة، بل يقع في المعينة، ولا حل في الجمعية م: (أو للضرر) ش: في حقهما، لأن كل واحدة منهما متعلقة، ولا مطلقة على تقدير إبقاء النكاح، وفيه ضرر بهما، ولا خلاف فيه للأئمة الأربعة م: (فتعين التفريق) ش: بينهما أكثر لما ذكر من الأمور.
م: (ولهما) ش: أي الأختين م: (نصف المهر) ش: بينهما نصفان م: (لأن) ش: أي لأن نصف المهر م: (وجب للأولى) ش: بضم الهمزة.
قوله: منهما: أي من الأختين، أي التي نكاحها أولى لصحة نكاحها، وقد جاءت فرقة من جانب الزوج فصار كالطلاق قبل الدخول لا يصح نكاحها وتبقى الموطوءة على الإباحة وليست إحداهما أولى من الأخرى فصار بينهما م: (وانعدمت الأولوية للجهل بالأولوية) ش: وقال الأكمل: وتقرير كلامه: المهر للأولى منهما، وليس إحداهما بكونها أولى للجهل بالأولوية، وفي بعض النسخ بالأولوية م: (فينصرف إليهما) ش: أي إلى الأختين.
فإن قيل: ينبغي أن لا يقضي على الزوج بشيء، كما روي عن أبي يوسف، وبه قال بعض الحنابلة لأن المقضي له مجهول، وجهالة المقضي له تمنع القضاء، كما إذا قال لإحداهما علي ألف، فإنه لا يكون لإحداهما أن تأخذ منه شيئا [ ... ] .
стр. 2365
وقيل: لا بد من دعوى كل واحدة منهما أنها الأولى أو الاصطلاح لجهالة المستحقة.
ولا يجمع بين المرأة وعمتها وخالتها أو ابنة أخيها أو ابنة أختها لقوله ﵇: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها» .
ــ
[البناية]
وأجيب: بأن معنى المسألة أن تدعي كل واحدة منهما أنها الأولى ولا حجة لهما، أما إذا قالت لا ندري النكاح الأول لا يقضى لهما بشيء ما لم يصطلحا على أخذ نصف المهر، لأن الحق وجب لمجهول فلا بد من الدعوى أو الإصلاح ليقضى لهما، وهو اختيار الفقيه أبي جعفر الهندواني كذا في الكافي.
وأشار إلى هذا بقوله م: (وقيل لا بد من دعوى كل واحد منهما) ش: أي من الأختين م: (بالأولوية أو الإصلاح) ش: أي ولا بد من اصطلاحهما م: (لجهالة المستحقة) ش: وصورة الاصطلاح أن يقولا عند القاضي لنا عليه المهر فتصطلح على أخذ نصف المهر إذ الحق لا يعد وفاء ويكون لكل واحدة ربع المهر.
وعن محمد: يجب مهر كامل لهما، لأنه يقر بنكاح إحداهما، وعدم طلاقها، فإذا جاز نكاح إحداهما وجب المهر كاملا.
[الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها]
م: (ولا يجمع بين المرأة وعمتها وخالتها) ش: أي ولا يجمع بين المرأة وخالتها وعمتها م: (أو ابنة أخيها) ش: أي أخي المرأة م: (أو ابنة أختها) ش: أي أخت المرأة م: (لقوله ﷺ ) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها» ش: هذا الحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة، واللفظ لهم خلا مسلما قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أختها لا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى» .
واعلم أن مسلما لم يخرجه هكذا بتمامه، ولكنه فرقه حديثين فأخرج صدره عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا: «لا تنكح المرأة على بنت الأخ، ولا بنت الأخت على الخالة» .
وروي عن علي _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - _ أخرجه أحمد في " مسنده " من النصف الأول من الحديث الذي ذكره المصنف حيث قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها» .
وكذا رواه ابن ماجه من حديث أبي موسى مثله سواء.
стр. 2366
وهذا مشهور، تجوز الزيادة على الكتاب بمثله.
ــ
[البناية]
وكذا بعينه رواه الطبراني في الكبير من حديث الحسن عن سمرة بن جندب.
وكذا رواه الطبراني من حديث أيوب بن خالد عن عتاب بن أسيد.
م: (وهذا مشهور) ش: أي هذا الحديث مشهور، وتلقته الأمة بالقبول، واشتهر بين التابعين وأتباع التابعين مع رواية كبار الصحابة _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - _، وقد رواه من الصحابة ابن عباس، وأبو هريرة، وعلي، وابن عمر، وأبو سعيد، وأبو أمامة، وجابر وعائشة، وأبو موسى، وسمرة بن جندب، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وعتاب بن أسيد م: (تجوز الزيادة على الكتاب بمثله) ش: أراد بالكتاب قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] (النساء: الآية ٢٤) ، وكذلك أيضا قد خصت هذه الآية بالوثنية والمجوسية، وبناته من الرضاعة فخص هذه الصورة أيضا بهذا الخبر.
وقيل ورد بيانا لمجمل الكتاب، لأن شرط الإحصان في الإباحة بقوله محصنين وهو مجمل وخبر الواحد يصح أن يكون بيانا كما هو معهم الكتاب، وقد احتج بهذا الحديث على تحريم الجمع بين من ذكر في الحديث. وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على القول بهذا الحديث، قال: ولا يجوز عند جميعهم نكاح المرأة على عمتها، وإن علت، ولا على ابنة أختها وإن سفلت ولا على خالتها وإن علت، ولا على ابنة أختها وإن سفلت.
قال: والرضاعة في ذلك كالنسب ولا خلاف فيه للفقهاء ونقل عن الروافض والخوارج والظاهرية وعثمان البتي أنه يجوز الجمع بين المرأة وعمتها وبينهما وبين الخالة، ورد عليهم بما ذكرنا.
فإن قلت: ما الحكمة في النهي عن ذلك؟
قلت: قال بعضهم: لما فيه من قطيعة الرحم، وبه جزم الرافعي، واستدلوا على ذلك بما رواه ابن حبان في صحيحه من رواية حريز أن عكرمة حدثه عن ابن عباس قال: «نهى رسول الله ﷺ أن تزوج المرأة على العمة، والخالة " قال: " إنكن إذا فعلتن ذلك قطعتن أرحامكن» ومن قال بهذا يجري الحكم إلى الأقارب كلها بهذا المعنى فلا يجوز الجمع عندهم بين المرأة وقريبتها سواء كانت عمة أو خالة أو بنت عمة أو بنت خالة أو بنت عم أو بنت خال.
وهكذا يروى عن إسحاق بن طلحة وعكرمة وقتادة وجابر بن زيد، واختلفت الرواية فيه عن عطاء بن أبي رباح فروى ابن أبي نجيح عنه موافقة الجمهور، وهو الصحيح عنه، وحكي عن
стр. 2367
ولا يجمع بين امرأتين لو كانت إحداهما ذكرا لم يجز له أن يتزوج بالأخرى؛
ــ
[البناية]
مالك أن غيره أحسن منه واقتصر الجمهور على تحريم ما ورد به الخبر، وقال شيخنا زين الدين: ليست الحكمة فيه قطيعة الرحم، بل المعنى فيه كما رجحه ابن عبد البر هو المعنى في تحريم الجمع بين الأختين، وذلك لأن أحد الأختين لو كان ذكرا لا يحل له نكاح الأخرى، فكذلك من هو بمنزلة الأختين كالعمة والخالة وبنت الأخت وليس كذلك بنت العم، وبنت العمة، وبنت الخال، وبنت الخالة، فإنه لو كان إحداهما ذكرا يحل له نكاح الأخرى.
وقد روي هذا المعنى عن الصحابة فيما ذكر ابن عبد البر من رواية معتمر بن سليمان عن فضيل بن ميسرة عن أبي حريز عن العتبي قال: كل امرأتين إذا جعل موضع إحداهما ذكرا لم يحل له أن يتزوج بالأخرى، فالجمع بينهما باطل، فقلت له: عمن هذا؟ فقال: عن أصحاب رسول الله ﷺ ، وأبو حريز بفتح الحاء المهملة وكسر الراء، وفي آخره زاي واسمه عبد الله بن حسين وهو قاضي سجستان، واختلف في الاحتجاج به فضعفه الجمهور، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن معين في رواية ووثقه في أخرى ووثقه أبو زرعة أيضا، ولم يحتج به الشيخان، وعلق له البخاري، وأخرج له ابن حبان في " صحيحه ".
[الجمع بين المرأة وبنت زوج كان لها من قبل]
م: (ولا يجمع بين امرأتين لو كانت إحداهما ذكرا لم يجز له أن يتزوج الأخرى لأن الجمع بينهما يفضي إلى القطيعة والقرابة المحرمة للنكاح محرمة للقطع، ولو كانت الحرمة بينهما بسبب الرضاعة يحرم لما لما روينا من قبل) ش: قال الأترازي: لو قال: لو كانت كل واحدة منهما رجلا كما في لفظ بعض القدوري لكان أولى لأن الشرط أن يتصور الرجل من كل جانب لا من جانب واحد وإلا ينتقض هذا الكلي بالمسألة التي تليه، وهي مسألة الجمع بين المرأة وبنت زوج كان لها من قبل، ثم إن الشراح قالوا في صورة قوله: ولا يجمع بين امرأتين ... إلى آخره، كالمرأة وعمتها فإن كل واحدة منهما لو فرضت ذكرا حرم العقد بينهما، لأنه لو فرضت المرأة ذكرا يحرم عليه نكاح عمته، ولو فرضت العمة ذكرا يحرم عليه نكاح بنت أخيه، فإذا لم يحرم الجمع بينهما إلا من جهة واحدة جاز الجمع بينهما كما إذا جمع بين امرأة وبين بنت زوج كان لها من قبل لأن إحداهما لو كان رجلا وهي الزوجة جاز له أن يتزوج الأخرى فلم يعم التحريم.
وقال زفر _ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - _: لا يجوز كما في الصورة الأولى، وهو مذهب ابن أبي ليلى والحسن البصري، وعكرمة، وفي الينابيع: إن كان النكاح لا يحل على كلا التقديرين لا يحل له أن يجمع بينهما بنكاح ولا بملك يمين وطأ ولا بالمس بشهوة ولا بالتقبيل، وإن كان يحل إلى إحدى التقديرين دون الآخر يحل عند الجمهور خلافا لزفر _ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - _.
وفي المجتبى: لفظ المصنف: لو كانت كل واحدة منهما رجلا لم يجز أن يتزوج بالأخرى، ولما وقع في بعض النسخ: لو كانت إحداهما رجلا سهوا وقع من الكاتب، لأنه ينتقض بالمسألة التي تليها، وإنما قال هذا لما عرف من دأب هذا الكتاب أن يذكر أصلا جامعا يخرج منه المسائل.
стр. 2368
لأن الجمع بينهما يفضي إلي القطيعة والقرابة المحرمة للنكاح محرمة للقطع، ولو كانت الحرمة بينهما بسبب الرضاع يحرم لما روينا من قبل، ولا بأس بأن يجمع بين امرأة وبنت زوج كان لها من قبل لأنه لا قرابة بينهما ولا رضاع وقال زفر _ ﵀ _: لا يجوز لأن بنت الزوج لو قدرتها ذكرا لا يجوز له التزوج بامرأة أبيه. قلنا: امرأة الأب لو صورتها ذكرا جاز له التزوج بهذه، والشرط أن يصور ذلك من كل جانب
ــ
[البناية]
م: (لأن الجمع بينهما) ش: أي الجمع بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلا م: (يفضي إلى القطيعة) ش: أي قطيعة الرحم، والمحرم والقطع لأن المعاداة عادة بين الضرائر م: (والقرابة المحرمة للنكاح محرمة للقطع) ش: أي القرابة إذا كانت ممن يحرم النكاح بها يحرم قطعها لأنه يفترض وصلها.
والنكاح سبب لقطعها لجواز أن لا ينقطع؛ الزوج فيما يأمر وينهى، فيؤدي إلى التشاجر كما هو العادة، وهو سبب للقطع والجمع بينهما يؤدي إلى القطيعة أيضا بل القطيعة هنا أكثر، وقال صدر الشريعة: يعني أن حرمة النكاح ثمة كحرمة القطيعة حتى لا يؤدي إلى استذلالها، فإن النكاح رق.
م: (ولو كانت الحرمة بينهما بسبب الرضاعة يحرم) ش: بينهما، كما في النسب م: (لما روينا من قبل) ش: وهو قوله ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ، وقد مر عند قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] (النساء: الآية ٢٣) .
م: (ولا بأس بأن يجمع بين امرأة وبنت زوج كان لها من قبل) ش: وقال الأترازي: أراد بابنة الزوج ابنته من امرأة أخرى، وقوله: كان لها من قبل صيغة نكرة، وهي الزوج، والضمير في لها يرجع إلى المرأة، وبه قال الأئمة الأربعة، ويرى به العلماء.
م: (لأنه لا قرابة بينهما) ش: أي بين هذه المرأة وبنت زوج كان لها من قبل م: (ولا رضاع) ش: لأن المانع من الجمع قرابة بين المرأتين أو ما يشبه القرابة في الحرمة كالرضاع، وذلك غير موجود فيهما.
م: (وقال زفر _ ﵀ _: لا يجوز) ش: وهو قول الحسن البصري وعكرمة وابن أبي ليلى م: (لأن بنت الزوج لو قدرتها ذكرا لا يجوز له التزوج بامرأة أبيه. قلنا: امرأة الأب لو صورتها ذكرا جاز له التزوج بهذه) ش: أي بهذه البنت.
م: (والشرط أن يصور ذلك من كل جانب) ش: كما كان في الأختين كذلك، لأن ذلك هو المنصوص عليه، وما نحن فيه فرع عليه، فيجب أن يكون الفرع على وفاق الأصل.
стр. 2369
قال: ومن زنى بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها. وقال الشافعي _ ﵀ _: الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأنها نعمة فلا تنال بالمحظور. ولنا أن الوطء سبب الجزئية بواسطة الولد حتى يضاف
ــ
[البناية]
وقد صح أن عبد الله بن جعفر جمع بن امرأة علي وابنته، قال السروجي: ذكر البخاري أن عبد الله بن جعفر جمع بين ابنة علي، وامرأة علي _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - _ عن ابن عباس أنه جمع بين امرأة رجل وابنته من غيرها، رواه الدارقطني.
وكذلك رواه الدارقطني عن رجل من أهل مصر كانت له صحبة يقال له: جيلة أنه جمع امرأة رجل وابنته من غيرها. وفي " المغني ": لو كان لرجل ابن من غير زوجته، ولها بنت من غيره أو كان له بنت ولها ابن جاز تزوج أحدهما من الآخر في قول عامة العلماء.
وحكي عن طاوس كراهيته إذا كان ممن ولدته المرأة بعد وطء الزوج لها، والأول أولى لعموم الآية، ومتى ولدت المرأة من ذلك الزوج ولدا صار عما لولدها وخالا، وإذا تزوج امرأة وزوج ابنه أمها جاز، وإذا ولد لكل واحد منهما ولد كان ولد الأب عم ولد الابن خال ولد الأب.
[هل الزنا يوجب حرمة المصاهرة]
م: (ومن زنى بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها) ش: وهو قول عمر وعمران بن الحصين، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبي بن كعب، وعائشة، وابن عباس في الأصح، وبه قال الحسن البصري، وعامر الشعبي، وإبراهيم النخعي، وعبد الرحمن الأوزاعي، وطاوس، ومجاهد، وعطاء.
وقال أبو بكر ابن أبي شيبة في " مصنفه ": وهو قول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، وسالم، وحماد، والثوري، وإسحاق بن راهوية، وأحمد بن حنبل، ومالك في " المدونة "، عن ابن القاسم.
م: (وقال الشافعي: الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة) ش: هو قول ابن عباس في رواية عروة، والزهري، وأبي ثور، وابن المنذر، ورواه مالك في " الموطأ ". وقال شهاب الدين القرافي: وهو رواية غير مشهورة عنه، ذكر ذلك في " الذخيرة "، وإن لاط برجل لا يحرم عليه أمه، ولا بنته عندنا، وبه قال عامة العلماء.
وقال عبد الله بن الحسن والأوزاعي والثوري وابن حنبل _ في رواية _: تحريم أمه وبنته عليه، وقال الحسن بن صالح: يكره، ولو مسه بشهوة أو قبله لا يحرم عليه أمه ولا بنته بالإجماع م: (لأنها نعمة فلا تنال بالمحظور) ش: أي لأن المصاهرة نعمة فلا تنال بالمحظور الحرام.
م: (ولنا أن الوطء سبب الجزئية) ش: أي بين الواطئ والموطوءة، يعني يصيران كشخص واحد م: (بواسطة الولد) ش: حتى لا يحل للزانية أن تتزوج أب الزاني ولا ابنه م: (حتى يضاف)
стр. 2370
إلى كل واحد منهما كملا فتصير أصولها وفروعها كأصوله وفروعه،
وكذلك على العكس. والاستمتاع بالجزء حرام إلا في موضع الضرورة وهي الموطوءة، والوطء محرم من حيث إنه زنا
ــ
[البناية]
ش: أي الولد.
م: (إلى كل واحد منهما) ش: أي من الزاني والزانية، حتى يقال: ابن فلان، وابن فلانة، م: (كملا) ش: على وجه الكمال إضافة حقيقية وعرفا وهذه علة ثبوت الجزئية بين الواطئ والموطوءة.
فإن قيل: ما ذكرتم أن الولد يضاف إلى كل واحد كملا ممنوع، لأنه ليس بولد.
قلت: يضاف إليه إلا ترى أنه ﵇ أثبت للزاني الحجر.
وجعل كمل الولد منسوبا إلى صاحب الفراش بقوله: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» وإضافة الولد إلى كل واحد منهما ليست بطريق الحقيقة، بل بعضها يضاف إليه حقيقة وبعضه مجازا، والولد مخلوق من مائهما، فكان البعض متولدا من أحدهما، والبعض متولد من الآخر ضرورة، لأن المائين لما اختلطا حصلت المجاورة بينهما، والمجاورة من طريق المجاز.
يقال: جرى النهر وسال الميزاب، فكذا هذا، أجيب: بأن الولد يضاف إلى كل منهما والأصل أن الاستعمال بطريق الحقيقة لا بطريق المجاز، ولأن هذا إضافة واحدة إلى شخص واحد وقد حملت الحقيقة في البعض فلا يجوز حملها على المجاز في البعض الآخر؛ لأن اللفظ الواحد لا يطلق على الحقيقة والمجاز في الحالة الواحدة.
م: (فتصير أصولها) ش: هذه نتيجة قوله: حتى يضاف إلى كل واحد منهما فتصير أصول الموطوءة م: (وفروعها كأصوله وفروعه) ش: أي كأصول الواطئ وفروعه، وأراد بالأصول آباءهما وبالفروع أولادهما في الحل والحرمة.
م: (وكذلك على العكس) ش: أي وكذلك تصير أصوله وفروعه كأصولها وفروعها والاستمتاع بالجزء حرام، هذا جواب عما يقال: لو كان الأمر كذلك لكانت الحرمة ثابتة في نفس المرأة الموطوءة؛ لأنها حينئذ جزء الواطئ.
فأجاب بقوله: م: (الاستمتاع بالجزء حرام إلا في موضع الضرورة وهي الموطوءة) ش: لأنها لو قيد بحرمتها لما حلت امرأة فيؤدي إلى إبطال المقصود من شرع النكاح وهو التوالد والتناسل، فمعنى الضرورة لم يعتبر ذلك هنا كما حلت حواء لآدم ﵉.
وقد خلقت منه حقيقة فحلت له ضرورة وحرمت ابنتها م: (والوطء محرم) ش: بكسر الراء جواب عن قوله: فلا ينال بالمحظور، وتقديره أن يقال: إن الوطء حرام م: (من حيث إنه زنا
стр. 2371
لا من حيث إنه سبب الولد.
ــ
[البناية]
لا من حيث إنه سبب الولد) ش: وفي بعض النسخ والوطء محرم من حيث إنه سبب الولد، لا من حيث إنه زنا، والذي يظهر من كلام الشراح هنا أن هذه النسخة هي الصحيحة.
فإن الأكمل قال: بيانه أن الوطء ليس سبب الحرمة من حيث ذاته، ولا من حيث إنه زنا، وإنما سبب لها من حيث إنه سبب للولد أقيم مقامه كالسفر مع المشقة ولا عدوان ولا معصية للسبب الذي هو الوطء، لعدم اتصافه بذلك، لا يقال: ولد عصيان ولا عدوان، والشيء إذا قام مقام غيره يعتبر فيه صفة أصله لا صفة نفسه كالتراب في التيمم.
وقال الشبلي لا عدوان ولا عصيان في المسبب الذي هو الولد، فكذا لا عصيان في المسبب الذي قام مقامه في ذلك الوجه وهو الزنا، لأن وصف النائب إنما يوجب في وصف المنوب كما في التيمم مع الوضوء.
وقال الكاكي: معنى ابتناء الحرمة بالوطء بواسطة أنه سبب للماء، والماء سبب للولد، ووجود الولد هو الأصل في الإعتاق باعتبار أنه جزء لوالدين ولا عصيان فيه، فكان الوطء قائما مقام الماء نظرا لكون الماء مطهرا وسقط وصف التراب، انتهى.
فإن قلت: قال الشافعي: النكاح أمر حمدت عليه، والزنا فعل رجمت عليه، فأنى يكون سببا للنعمة، ألا ترى أنه لا يثبت به النسب ولا العدة، فكذا جهة المصاهرة، لأنه لو كان سببا للنعمة يفضي إلى تكثير الزنا.
واستدل أيضا بقوله ﷺ : «الحرام لا يحرم الحلال» هكذا رواه ابن عباس _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - _ وروى أبو هريرة _ ﵁ _ أنه ﷺ سئل عمن زنى بامرأة ثم تزوج بأمها، فقال ﷺ : «لا يحرم الحرام الحلال» «وقالت عائشة _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - _: سألت رسول الله ﷺ عن رجل أتى امرأة فجورا ثم تزوج بنتها، فقال ﷺ : " لا يحرم الحرام الحلال» .
стр. 2372
ومن مسته امرأة بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها. وقال الشافعي _ ﵀ _: لا تحرم، وعلى هذا الخلاف مسه امرأة بشهوة ونظرها إلى ذكره عن شهوة
ــ
[البناية]
قلت: أجيب بأن عدم ثبوت النسب به لكون المقصود من النسب الشرف به، ولا يحصل ذلك بالنسبة إلى الزاني وعدم وجوب العدة لكون وجوبها في الأصل وباعتبار حق النكاح والفراش، وبين النكاح والسفاح منافاة، فبانعدام الفراش ينعدم السبب الموجب للعدة.
واستدلاله بالحديث لا يصح إلا ما لا يجعل الحرام محرما للحلال، وإنما تثبت الحرمة باعتبار أن الفعل حرمة للولد، وحرمة هذا الفعل لكونه زنى، مع أن هذا الحديث غير مجرى على ظاهره.
فإن كثيرا من الحرام يحرم الحلال، كما إذا وقعت قطرة من خمر في الماء، وكالوطء بالشبهة، ووطء الأمة المشركة، ووطء الأب جارية الابن، هذا كله حرام حرم الحلال.
وفي حديثهم الأول عثمان بن عبد الرحمن الرقاشي، قال يحيى بن معين: كان يكذب، وقال البخاري، وأبو داود، والنسائي: ليس بشيء، وقال الدارقطني: متروك.
وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات لا يجوز الاحتجاج به. وأما الحديث الآخر فضعيف، فقال أحمد: حديثهم من كلام ابن أشرح بعض قضاة العراق، وقيل: من قول ابن عباس وكبار أصحابه خالفوه في ذلك.
[مسته امرأة بشهوة هل تحرم عليه أمها وبنتها]
م: (ومن مسته امرأة بشهوة حرمت عليه أمها وبنتها) ش: وفي جميع التفاريق سواء كان ذلك المس عمدا أو خطأ أو ناسيا أو طائعا أو مكرها، إذا اشتهى، وفي " القنية ": لو قال: لم أشته لم يصدق.
وقال الكاكي: سواء كان اللمس حلالا أو حراما، وبه قال الشافعي في قول، ومالك في الحلال، فإنه ذكر في " المبسوط ": لو قبل أمة بشهوة لا يتزوج بنتها، وكذا لو قبل امرأته بشهوة ثم ماتت قبل الوطء لا يتزوج بنتها.
م: (وقال الشافعي: لا تحرم) ش: في قول، وبه قال أحمد سواء كان في الحلال أو الحرام م: (وعلى هذا الخلاف) ش: المذكور بينا وبين الشافعي م: (مسه امرأة بشهوة) ش: أي مس الرجل امرأته بشهوة م: (ونظرها إلى ذكره عن شهوة) ش: وكذا في الخلاف في التقبيل والمفاخذة.
وقال أبو الليث _ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - _: في مسها له تأويل المسألة أنه إذا صدق الرجل المرأة أنها مسته بشهوة، ولو كذبها ولم يقع في أكبر رأيه أنها فعلت عن شهوة ينبغي أنه لا تحرم عليها أمها وابنتها، كذا في " جامع قاضي خان " و " المحبوبي ".
وفي " المجتبى ": تثبت حرمة المصاهرة بمسها إذا كانت مشتهاة وهي بنت سبع سنين
стр. 2373
له أن المس والنظر ليسا في معنى الدخول، ولهذا لا يتعلق بهما فساد الصوم والإحرام ووجوب الاغتسال فلا يلحقان به. ولنا أن المس والنظر سبب داع إلى الوطء فيقام مقامه في موضع الاحتياط
ــ
[البناية]
فصاعدا، ولا تثبت في بنت الخمس، وفيما بنت الخمس والتسع، وقال أبو الليث: تكلموا في الثمان والسبع والست. والغالب أنها لا تشتهى ما لم تبلغ تسع سنين، وقال الشهيد في كتاب " البينات " وعليه الفتوى.
م: (له) ش: أي للشافعي م: (أن المس والنظر ليسا في معنى الدخول، ولهذا) ش: أي لكونهما ليسا في معنى الدخول م: (لا يتعلق بهما) ش: أي بالمس والنظر، أي فلا يلحق المس والنظر به م: (فساد الصوم والإحرام ووجوب الاغتسال فلا يلحقان) ش: أي بالدخول، لأن الملحق لا بد أن يكون في معنى الملحق به.
م: (ولنا أن المس والنظر سبب داع إلى الوطء فيقام) ش: أي السبب الداعي إلى الوطء م: (مقامه) ش: أي مقام الوطء م: (في موضع الاحتياط) ش:، وهذا لأنا وجدنا لصاحب الشرع يزيد اعتناء في حرمة الأبضاع.
ألا ترى أنه أقام بشبهة البعضية بسبب الرضاع مقام حقيقتها في إثبات الحرمة دون سائر الأحكام من التوارث ومنع موضع الذكورة، ومنع قبول الشهادة، فأقمنا السبب الداعي مقام المدعو احتياطا وفساد الصوم والإحرام.
ووجوب الاغتسال ليس من باب حرمة الأبضاع حتى يقوم السبب فيه مقام الوطء، ونوقض بأن ما ذكرتم إن كان صحيحا قام النظر إلى جمال المرأة مقام الوطء في ثبوت الحرمة لكونه سببا داعيا إليه.
أجيب: بأن النظر إلى الفرج المحرم وهو ما يكون نظرا إلى داخل الفرج بأن كانت ممكنة وهو لا يحل إلا في الملك، والظاهر من ذلك أنها لا تكون على هذه الحالة في خلوة الأجانب.
قال الأكمل: فانظر بعد هذا في أن النظر إلى الجمال الحلال في الملك وغيره [ ... ] ولا هل يكون داعيا إلى الوطء دعوة النظر إليه أو لا؟ لا أراك قائلا بذلك إلا مكذبا. انتهى قال الكاكي هنا: ولنا حديث أم هانئ _ ﵂ _ عن رسول الله ﷺ : «من نظر إلى فرج امرأة حرمت عليه أمها وابنتها» .
وفي حديث: «ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها» ، وعن عمر _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - _ أنه جرد جارية له ونظر إليها ثم استوهبها منه بعض بنيه، فقال: أما إنها لا تحل لك.
وعن ابن عمر _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - _ أنه قال: إذا جامع الرجل المرأة أو قبلها أو لمسها
стр. 2374
ثم إن المس بشهوة أن تنتشر الآلة، أو تزداد انتشارا هو الصحيح
ــ
[البناية]
بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة حرمت على أبيه وابنه وحرمت عليه أمها وابنتها، انتهى.
قلت: حديث أم هانئ أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه "، وقوله في الحديث: ملعون إلى آخره أخرجه الجرجاني، وعن إبراهيم: كانوا يقولون: إذا اطلع الرجل من المرأة على ما لا يحل له أو لمسها بشهوة فقد حرمت عليه جميعا.
وعن عطاء وإبراهيم والحكم وحماد بن أبي سليمان ومجاهد وجابر بن زيد وابن المسيب مثله، وعن ابن منبه قال: في التوراة التي أنزل الله على موسى ﵇: أنه لا يكشف رجل امرأة وابنتها إلا وهو ملعون، ذكر ذلك كله ابن أبي شيبة في " مصنفه ".
م: (ثم إن المس بشهوة أن تنتشر الآلة) ش: هذا تعريف المس بشهوة وهو أن تنتشر الآلة يعني إذا لم تكن منتشرة قبل النظر والمس م: (أو تزداد انتشارا) ش: إذا كانت منتشرة قبل ذلك.
م: (هو الصحيح) ش: احترز به عن قول كثير من المشايخ بحيث لم يشترطوا انتشارا، وجعلوا حد الشهوة أن يميل قلبه إليها ويشتهي جماعها، واختار المصنف قول شمس الأئمة السرخسي.
وقول شيخ الإسلام في " المحيط ": والأصح قول كثير من المشايخ المذكور، وإن كان شيخا أو عنينا فحد الشهوة فيه أن يتحرك قلبه بالاشتهاء إن لم يكن متحركا ولا يعتبر مجرد الاشتهاء، وهكذا ذكره السرخسي _ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - _ وحكي عن محمد بن إبراهيم الميداني أنه كان يميل إلى هذا.
وفي " الذخيرة ": لا تثبت هذه الحرمة بالنظر إلى سائر الأعضاء غير الفرج، وإن كان عن شهوة، وقال الصفار: إن كان لا يشتهي بقلبه لعلو سنه فإن مس مقدار ما لو كان شابا تنتشر آلته تثبت الحرمة.
وكان الفقيه محمد بن مقاتل الرازي لا يعتبر تحرك القلب، وإنما يعتبر تحرك الآلة، وكان لا يفتي بثبوت الحرمة في الشيخ الكبير والعنين والذي ماتت شهوته حتى تتحرك آلته لمماسته.
وروى ابن رستم عن محمد أنه إذا لمسها بشهوة فلم ينتشر عضوه أو كان منتشرا، فلم يزدد انتشارا وهو لامسها بعد، وإن كان بينهما ثوب رقيق يجد حرارة الملموس في يده تثبت الحرمة.
وفي " طلاق المنتقى " للحسن بن زياد عن أبي يوسف: إذا لمس شهوة من جسد أم امرأته من فوق الثياب عن شهوة وهو يجد من جسدها حرارة حرمت عليه امرأته، وكذا مس رجلها فوق الكعب أو مس ساق الخف وأسفل الخف.
стр. 2375
والمعتبر النظر إلى الفرج الداخل، ولا يتحقق ذلك إلا عند اتكائها، ولو مس فأنزل فقد قيل: إنه يوجب حرمة المصاهرة
ــ
[البناية]
وروى إبراهيم عن إبراهيم عن محمد أن النظر إلى دبر المرأة موضع الجماع، ثم النظر إلى فرج المرأة ثم رجع، وقال: لا يحرم، لا النظر إلى الفرج من داخل، ومثله عن أبي يوسف _ ﵀.
وقيل: الشهادة على إقراره بالمس والتقبيل بشهوة، وهل يقبل على ذلك بغير إقراره، قيل: لا يقبل، وإليه مال محمد بن الفضل لأنه لا يوقف على ذلك، وقيل: يقبل وإليه مال علي البزدوي.
وفي " نوادر ابن سماعة " عن أبي يوسف: رجل نظر إلى بنته من غير شهوة فتمنى أن يكون له جارية مثلها فوقعت له شهوة مع وقوع نظره، فإن كانت الشهوة على ابنته حرمت عليه امرأته، وإن كانت على ما تمنى لم تحرم.
وفي " واقعات الناطفي " و " المحيط ": أقام امرأته عن فراشه ليجامعها ومعها ابنتها فوصلت يده إليها فقرصها بأصبعه يظن أنها امرأته وهي تشتهى، حرمت عليه امرأته، وإن كان يحسبها امرأته، لأنه مسها بشهوة، ولا يشترط بلوغها، ويشترط أن تكون مشتهاة.
وعن محمد بن الفضل: بنت تسع مشتهاة من غير تفصيل، وبنت خمس فما دونها غير مشتهاة، وبنت ثمان وسبع وست إن كانت عبلة ضخمة كانت مشتهاة وإلا فلا. وفي " الينابيع ": لو جامع ابنة امرأته فأفضاها وأفسدها لا تحرم عليه أمها.
وقال أبو يوسف: أكره له الأم والبنت، وفي " المحيط ": تحرم عليه أمها، وقال محمد: التنزه أحب إلي، ولا فرق بينهما، ولو وطء جارية ابنته من الزنا فولدت منه لا تصير أم ولد له بالاتفاق، وسئل ابن سلمة عن امرأة أدخلت ذكر صبي في فرجها وهو ليس من أهل الجماع، قال: تثبت به حرمة المصاهرة.
م: (والمعتبر النظر إلى الفرج الداخل ولا يتحقق ذلك) ش: أي النظر إلى داخل الفرج م: (إلا عند اتكائها) ش: إلا إذا كانت متكئة، أما إذا كانت قاعدة مستوية أو قائمة، ونظر إليها لا تثبت حرمة المصاهرة لأن هذا الحكم متعلق بالفرج، والداخل فرج من كل وجه، والخارج فرج من وجه دون وجه لأن الاحتراز من النظر إلى الفرج الخارج متعذر، فسقط اعتباره. وعن أبي يوسف: لو نظر إلى بيت الشعر ثبت حرمة المصاهرة، وقال محمد: لا يثبت حتى ينظر إلى الشعر ذكره قاضي خان.
م: (ولو مس فأنزل فقد قيل: إنه يوجب حرمة المصاهرة) ش: وبه كان يفتي شمس الإسلام
стр. 2376
والصحيح أنه لا يوجبها لأنه بالإنزال تبين أنه غير مفض إلى الوطء، وعلى هذا إتيان المرأة في الدبر.
ــ
[البناية]
الأوزجندي، ووجهه أن مجرد المس بشهوة يثبت الحرمة، وهذه إن كانت توجب زيادة حرمة لا توجب خلافها.
م: (والصحيح أنه لا يوجبها) ش: هذا اختيار المصنف وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي والإمام فخر الإسلام.
م: (لأنه بالإنزال تبين أن غير مفض إلى الوطء، وعلى هذا) ش: أي على هذا الخلاف م: (إتيان المرأة في الدبر) ش: أي دبر المرأة، أما لو لاط بغلام لا يوجب ذلك حرمة عند عامة العلماء، وقد ذكرناه فيما مضى.
وقال الشافعي: لو أتى امرأته بنكاح صحيح أو فاسد في دبرها أو أمته في دبرها تثبت به حرمة المصاهرة فيه قولان، ثم الإتيان في دبر المرأة حرام بإجماع الفقهاء.
وروي عن ابن عبد الحكم عن الشافعي أنه قال: لم يصح تحريمه عندنا عن النبي ﷺ والقياس أنه حلال، فقال ابن الربيع: كذب ابن عبد الحكم، فإن الشافعي نص على تحريمه.
وقال شيخنا في " شرح الترمذي " له: قد انعقد الإجماع آخرا على تحريم إتيان المرأة في الدبر، وإن كان فيه خلاف قديم قد انقطع، وكل من روي عنه إباحته فقد روي عنه إنكاره.
فأما القائلون بتحريمه من الصحابة، فعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وابن مسعود، ومن التابعين: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن المسيب، وطاوس، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وسفيان الثوري، والشافعي، وآخرين من أهل العلم.
قال الشيخ: ولم يختلف فيه أحد من الصحابة إلا ابن عمر ولا من التابعين إلا نافع، وأما ابن عمر _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - _ فروى النسائي في " سننه الكبرى " من طريق مالك قال: أشهد على ربيعة حدثني عن سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر عن ذلك. فقال: لا بأس به.
وقد صح عن ابن عمر أيضا إنكار ذلك فيما رواه النسائي في " سننه الكبرى " من طريق مالك قال: أشهد من رواية الحارث بن يعقوب عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: إن متسري الجواري يتحمض لهن، قال: وما التحميض، قال: يأتيهن في أدبارهن، قال ابن عمر: أو يفعل هذا مسلم؟! وروى الثعلبي في " تفسيره " من رواية عطاف بن موسى عن عبد الله بن الحسن عن أبيه أنه حكى عن مالك إباحة ذلك، وأنكره أصحابه.
стр. 2377
وإذا طلق امرأته طلاقا بائنا أو رجعيا لم يجز له أن يتزوج بأختها حتى تنقضي عدتها. وقال الشافعي _ ﵀ _: إن كانت العدة عن طلاق بائن أو ثلاث يجوز لانقطاع النكاح بالكلية إعمالا للقاطع، ولهذا لو وطئها مع العلم بالحرمة يجب الحد. ولنا أن نكاح الأولى قائم لبقاء بعض أحكامه كالنفقة والمنع من الخروج والفراش والقاطع تأخر عمله ولهذا بقي لو وطئ القيد. والحد لا يجب على إشارة كتاب الطلاق،
ــ
[البناية]
[طلق امرأته طلاقا بائنا أو رجعيا متى يجوز له أن يتزوج بأختها]
م: (وإذا طلق امرأته طلاقا بائنا أو رجعيا لم يجز له أن يتزوج بأختها حتى تنقضي عدتها) ش: وكذا لا يتزوج بأربع سواها، ولا بعمتها، ولا بخالتها، ولا ببنت أختها، وكذا الفسخ بعد الدخول بها حتى تنقضي عدتها يروى ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - _، وبه قال سعيد بن المسيب، وعبيدة السلماني، ومجاهد، والنخعي، والثوري، وابن حنبل، ذكر ذلك في " المغني ".
م: (وقال الشافعي: إن كانت العدة عن طلاق بائن أو ثلاث يجوز) ش: وقال [به] مالك وابن أبي ليلى وأبو ثور وابن عبيد وابن المنذر، ويروى عن القاسم بن محمد وعروة م: (لانقطاع النكاح بالكلية إعمالا للقاطع) ش: وهو الطلاق البائن والثلاث.
م: (ولهذا) ش: أي لأجل انقطاع النكاح بالكلية إعمالا للقاطع، ولهذا م: (لو وطئها مع العلم بالحرمة يجب الحد) ش: ولو جاءت بولد لأكثر من سنتين لم يثبت النسب، ولو بقيت بينهما علقة النكاح لسقط به الحد، ويثبت النسب.
وإنما العدة واجبة لأنه من محرم لا لأنها من حقوق النكاح حتى لا يجب بدون توهم الدخول، فكما كان من العدة حق النكاح لا يعتبر توهم الدخول كعدة الوفاة، كذا في " المبسوط ".
م: (ولنا أن نكاح الأولى) أي المرأة الأولى، وفي بعض النسخ النكاح الأول م: (قائم لبقاء بعض أحكامه كالنفقة والمنع من الخروج) ش: من المسلم.
م: (والفراش) أي وكالفراش وهو صيرورة المرأة بحال لو جاءت بولد ثبت النسب م: (والقاطع) ش: وهو الطلاق، وهو جواب عن قول الشافعي: يجوز انقطاع النكاح بالكلية م: (تأخر عمله) ش: إلى زمان انقطاع العدة لبقاء حكم النكاح.
فلو لم يكن قائما حال العدة تخلف الحكم عن علته، وهو باطل م: (ولهذا لو وطئ المعتدة بقي القيد) ش: أي في حق التزوج بزوج آخر، وفي حق الخروج والبروز في العدة، والحد كما يجب هذا جواب عن قوله: ولهذا لو وطئها مع العلم بالحرمة يجب الحد.
م: (والحد لا يجب على إشارة كتاب الطلاق) ش: معنى إشارته ما ذكر في باب ثبوت
стр. 2378
وعلى عبارة كتاب الحدود: يجب؛ لأن الملك قد زال في حق الحل فيتحقق الزنا ولم يرتفع في حق ما ذكرنا فيصير جامعا.
و لا يتزوج المولى أمته ولا المرأة عبدها ؛
ــ
[البناية]
النسب، أي الموطوءة إذا جاءت بولد لأكثر من سنتين، أو لتمام سنتين من بعد الطلاق فادعاه المطلق يثبت نسبه منه.
فدل على أن هذا شبهة في المحل، والشبهة إذا كانت في المحل يستوي فيه العلم والظن في سقوط الحد عنه، بخلاف الشبهة في الفعل، فإن النسب لا يثبت بها أصلا، كما لو وطئ جارية أبيه أو أمه أو زوجته، وقال: ظننت أنها تحل لي.
م: (وعلى عبارة كتاب الحدود: يجب) ش: أي الحد م: (لأن الملك قد زال في حق الحل، فيتحقق الزنا) ش: لوقوع الوطء في غير الملك فيجب الحد م: (ولم يرتفع) ش: أي الملك م: (في حق ما ذكرنا) ش: يعني من النفقة. والمنع والفراش وليس هذا إلا باعتبار الحكم بقيامه والنكاح في حق التزوج بالأخت احتياطا في التعادي عن الجمع بين الأختين وهو يعني قوله م: (فيصير جامعا) ش: يعني إذا كان الملك قد زال في حق الحل، وتزوج أختها يصير جامعا بين الأختين.
فإن قلت: ما معنى ذكر لفظ الإشارة في عدم وجوب الحد، ولفظ العبارة في وجوب الحد.
قلت: لأنها في المسألة الأولى التي ذكرنا صورتها، وهي نسبه، ويثبت نفيها إشارة إلى أن الوطء في عدة الثلاث لا يكون زنا، فلا يجب الحد.
وفي المسألة الثانية يفهم وجوب الحد من نفس العبارة؛ لأنه وطء في غير الملك فصار زنا وموجب الزنا الحد.
[لا يتزوج المولى أمته ولا المرأة عبدها]
م: (ولا يتزوج المولى أمته) ش: سواء ملك كلها أو بعضها م: (ولا المرأة عبدها) ش: أي ولا تتزوج المرأة عبدها، سواء ملكت كله أو بعضه، وبهذا قالت الأئمة الأربعة، وعليه الإجماع. وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على بطلان نكاح المرأة عبدها، انتهى. ونفاة القياس جوزوا ذلك، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] (النساء: الآية ٣) ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] (النساء: الآية ٢٥) .
والجواب: أن الآية المذكورة يعارضها قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] (النور: الآية ٣٢) ، خاطب الله تعالى الموالى بإنكاح الإماء لا بنكاحهن.
فإن قيل: الآية ساكتة عن نكاحهن، والساكت ليس بحجة.
فالجواب: أن الموضع موضع ما يحتجن إليه من أمر النكاح، والسكوت عن البيان في موضع يحتاج إلى البيان بيان.
стр. 2379
لأن النكاح ما شرع إلا مثمرا بثمرات مشتركة بين المتناكحين والمملوكية تنافي المالكية فيمتنع وقوع الثمرة على الشركة.
ويجوز تزوج الكتابيات
ــ
[البناية]
م: (لأن النكاح ما شرع إلا مثمرا بثمرات مشتركة بين المتناكحين) ش: ثمرته للزوجة وجوب المهر والكسوة والنفقة ووجوب الوطء عليه حكما، وما بعدها وبأنه لا يحل له العزل بغير رضاها، ولها الخيار بالجب والعنة، وثمرته للزوج التمكين من نفسها، وقرارها في بيته. وأعمال داخل البيت من الطبخ وغسل ثيابه وتربية ولده منها وإرضاعها، بمكان كل واحدة منهما مالكا ومملوكا، وبينهما منافاة، أشار إليه بقوله: م: (والمملوكية تنافي المالكية) ش: لأن المالكية تقتضي الظاهرية، والمملوكية تقتضي المقهورية ولا خفاء في التنافي بينهما فإن كان كذلك.
م: (فيمتنع وقوع الثمرة على الشركة) ش: لأن ملك أحدهما صاحبه ينفي وقوع الثمرة على الاشتراك، وإذا انقطعت الشركة ينقطع الملك ما يثبت لعينه في باب النكاح، وإنما يثبت لتحقيق الثمرات.
فإن قيل: المالكية والمملوكية من جهتين مختلفتين فلا تنافي حينئذ.
فالجواب عنه: اختلاف الجهة، لأن كون المرأة مالكة بجميع أجزائها إنما هو بالنسبة إلى العبد، فلم تختلف، ولقائل أن يقول: المرأة بجميع أجزائها مالكة للعبد بجميع أجزائه.
وليست مالكة لمنافع بضعه فجاز أن يملك العبد بالنكاح على سيدته منافع بضعها؛ لأن النكاح عقد على ملك منافع البضع وهو لم يكن من حيث منافع بضعه مملوكا، ولا المولى من حيث منافع بضعها مالكة، بل من حيث أجزائها.
[تزوج الكتابيات والمجوسيات والوثنيات والصابئات]
م: (ويجوز تزوج الكتابيات) ش: جمع كتابية، والذكر كتابي، وهو الذي يؤمن بنبي ويقر بكتاب، ولا خلاف للأئمة الأربعة في جواز نكاح الكتابية الحرة، وهي النصرانية واليهودية.
وممن آمن بزبور داود، وصحف إبراهيم وشيث ﵈، والسامرة من اليهود اختلفوا فيه، ولكن قال الشافعي: ينبغي أن تكون إسرائيلية، يعني من أولاد إسرائيل، وهو يعقوب ﷺ ، وأما التمسك بكتب الأنبياء السالفة، بصحف إبراهيم وموسى وإدريس لا يجوز نكاحهم، كذا في " شرح الوجيز ".
وممن روي عنهم جواز حرائر أهل الكتاب عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وحذيفة، وسلمان، وجابر وغيرهم _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
ويروى عن ابن عمر أنه كان لا يجوز نكاح الكتابية، وقالت الإمامية: لا يجوز نكاح الكتابية إلا عند عدم المسلمة لاختلاف العلماء في كونهم مشركين، قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] (البقرة: الآية ٢٢١) ، أي حتى يسلمن من أهل الكتاب.
стр. 2380
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] (المائدة: الآية ٥) ، أي العفائف
ولا فرق بين الكتابية الحرة والأمة على ما تبين بعد إن شاء الله تعالى: ولا يجوز تزويج المجوسيات،
ــ
[البناية]
واختلف أهل العلم أن لفظ الشرك يتناول أهل الكتاب، فقال بعضهم: يتناوله لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] ش: (التوبة: الآية ٣٠) .
ثم قال في آخر الآية: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] والأصح أن اسم الشرك مطلقا لا يتناول أهل الكتاب لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] (الحجر: الآية ٢) ، ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] (البينة: الآية ١) ، والعطف يقتضي المغايرة، والمطلق ينصرف إلى الكامل.
م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] (المائدة: الآية ٥) ش: أي الكتابيات من أحصنت إذا عفت، وأحصنها زوجها إذ أعفها فهي محصنة بالفتح م: (أي العفائف) ش: فسر المصنف المحصنات بالعفائف، وكذا فسر السدي والشعبي.
قال الأكمل: تفسيره بذلك احترازا عن قول ابن عمر _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - _، فإنه فسره بالمسلمات، وليست العفة شرطا لجواز النكاح، وإنما ذكرها بناء على العادة بدلالة الفرض.
وجه الاستدلال أن الله تعالى قال: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ﴾ [المائدة: ٥] (المائدة: الآية ٥) ، أي: وأحل لكم المحصنات من الذين أوتوا الكتاب فلا خفاء في دلالته على الحل، والعفائف جمع عفيفة من عف عن الحرام يعف عف وعفة، أي كف وهو عف وعفيف، والمرأة عفة وعفيفة.
م: (ولا فرق بين الكتابية الحرة والأمة على ما نبين بعد إن شاء الله تعالى) ش: يعني بعد أسطر، حيث قال: ويجوز تزويج الأمة.
وقال الكاكي: الأولى أن لا يتزوج الكتابية، ولا تؤكل ذبيحتهم إلا للضرورة، لما روي أن عمر _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - _ غضب على حذيفة، وكعب، وطلحة غضبا شديدا، فقالوا: انطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب، وكان حذيفة بن اليمان تزوج يهودية، وكذا كعب بن مالك، وطلحة بن عبيد الله.
م: (ولا يجوز تزويج المجوسيات) ش: أي بإجماع الأئمة الأربعة، وفقهاء الأمصار، والصحابة، وهي جمع مجوسية، والذكر مجوسي، والمجوس: يعبدون النار.
وفي " المبسوط ": لا يجوز نكاحها؛ لأنها ليست من أهل الكتاب، وذكر إسحاق في " تفسيره ": جواز نكاحها، على ما روي عنه أن المجوس من أهل الكتاب، وبه قال داود
стр. 2381
لقولة ﵇: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم» .
قال: ولا الوثنيات
ــ
[البناية]
الظاهري وأباح وطأهن بملك اليمين سعيد بن المسيب، وعطاء وعمرو بن دينار، ومالك.
وقال السروجي: وأباح أبو ثور وداود الظاهري نكاح المجوسية، وروي ذلك عن حذيفة، وقال مرة الهمداني، والحسن، وإبراهيم، وحماد: لا يطأ المجوسية حتى تسلم.
وبه قال الشافعي وأحمد، قال أبو عمر بن عبد البر: عليه جماعة فقهاء الأمصار، ولم يبلغنا إباحة ذلك إلا عن طاوس.
قلت: قد ذكرنا إباحة ذلك عن غير طاوس، وقال السروجي: لا يجوز أنكحة عبدة الشمس والكواكب، وكل من لا كتاب له ولا نكاح الزنادقة والمعطلة.
م: (لقوله ﵇) ش: أي لقول النبي ﷺ : م: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم» ش: هذا الحديث بهذا اللفظ غريب، وقال الأكمل: رواه عبد الرحمن ابن عوف، قلت ليست روايته هكذا، ونذكر حديثه الآن كما ورد:
روى عبد الرزاق وابن أبي شيبة في " مصنفيهما " عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد عن علي «أن النبي ﷺ أتي مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فمن [أسلم] قبل منه ومن لم يسلم ضربت عليه الجزية غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم» .
وقال ابن القطان: هذا مرسل، ومع إرساله ففيه قيس بن مسلم وهو ابن الربيع، وقد اختلف وهو ممن ساء حفظه بالقضاء كشريك وابن أبي ليلى.
وروى البزار في " مسنده " والدارقطني في " غرائب مالك " من حديث علي الحنفي حدثنا مالك بن أنس عن جعفر بن محمد عن أبيه «عن عمر بن الخطاب _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - _، ذكر المجوس، فقال: لا أدري كيف أصنع في أمرهم، فقال عبد الرحمن _ رضي الله تعالى _عنه: أشهد سمعت رسول الله ﷺ يقول: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ، انتهى.
قوله: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» أي اسلكوا بهم طريقهم، يعني عاملوهم معاملتهم في إعطاء الأمان وأخذ الجزية.
[زواج المحرم والمحرمة في حالة الإحرام]
م: (قال: ولا الوثنيات) ش: أي قال القدوري: ولا يجوز أيضا تزويج الوثنيات، وهو جمع وثنية، والذكر وثني، ونسبته إلى عبادة الوثن وهو ماله جثة من خشب أو حجر أو فضة أو جوهر ينحت، والجمع أوثان.
стр. 2382
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] (البقرة: الآية ٢٢١) . ويجوز تزوج الصابئات إن كانوا يؤمنون بدين نبي ويقرون بكتاب؛ لأنهم من أهل الكتاب. وإن كانوا يعبدون الكوكب ولا كتاب لهم لم تجز مناكحتهم؛ لأنهم مشركون. والخلاف المنقول فيه محمول على اشتباه مذهبهم، فكل أجاب على ما وقع عنده.
ــ
[البناية]
وكانت العرب تنصبها لتعبدها، ويدخل في الوثنيات عبدة الشمس وعبدة النجوم والصور التي أنحتوها، والمعطلة والزنادقة والباطنية والإباحية وفي " شرح الوجيز ": وكذا كل مذهب يكفر معتقده، لأن اسم الشرك يتناولهم جميعا م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] (البقرة: الآية ٢٢١) ش: وهو بعمومة يتناول الوثنية. قال الأكمل: وهي من يعبد الصنم وغيره.
قلت: الوثنية من تعبد الوثن وقد قررناه الآن. والصنم غيره لأنه صورة بلا جثة، كذا فرق بينهما كثير من أهل اللغة، وقيل: لا فرق بينهما وقيل: قد يطلق الوثن على غير الصور.
م: (ويجوز تزويج الصابئات) ش: هو جمع صابئة، والذكر صابئ، من صبئ إذا خرج من دين إلى دين، وقال السدي: الصابئون: طائفة من اليهود كالسامرة، وقال أبو إسحاق: هو قول عمر بن الخطاب _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - _، وقال قاض خان: وهو قول علي _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - _.
وفي " الذخيرة القرافية ": الصابئون من النصارى، والسامرة من اليهود: يجوز مناكحتهم، وفي " المغني " عن أحمد: أنهم طائفة من النصارى، ونص عليه الشافعي، وهو قول إسحاق بن راهويه.
وقيد المصنف جواز تزويج الصابئات بقوله م: (إن كانوا يؤمنون بدين نبي) ش: أي كانت جماعة الصابئة يؤمنون بنبي من الأنبياء ﵈ م: (ويقرون بكتاب) ش: من الكتب المنزلة من السماء م: (لأنهم من أهل الكتاب) ش: أي حين يؤمنون بنبي ويقرون يكونون من أهل الكتاب، ولا خلاف في تزويج الكتابيات.
م: (وإن كانوا يعبدون الكواكب ولا كتاب لهم لم تجز مناكحتهم، لأنهم مشركون) ش: فلا تجوز مناكحتهم، قالوا: هم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الكواكب، والتفصيل المذكور في حكمهم مبني على هذين التفسيرين.
م: (والخلاف المنقول فيه) ش: يعني بين أبي حنيفة وصاحبيه أن أنكحتهم صحيحة عنده، خلافا لهما: (محمول على اشتباه مذهبهم) ش: أي كل واحد من أبي حنيفة وصاحبيه م: (فكل أجاب على ما وقع عنده) ش: فوقع عند أبي حنيفة أنهم من أهل الكتاب يقرؤون الزبور ولا يعبدون الكواكب.
стр. 2383
وعلى هذا حل ذبيحتهم. قال: ويجوز للمحرم والمحرمة أن يتزوجا في حالة الإحرام وقال الشافعي _ ﵀ _: لا يجوز، وتزويج الولي المحرم وليته على هذا الخلاف المذكور، فعندنا يجوز، وعنده لا يجوز له، قوله ﵇: «لا ينكح المحرم ولا ينكح غيره»
ــ
[البناية]
ولكنهم يعظمونها كتعظيمنا القبلة للاستقبال إليها، ووقع عندهما أنهم يعبدون الكواكب، ولا كتاب لهم، فصاروا كعبدة الأوثان، فإذا لا خلاف بينهم في الحقيقة؛ لأنهم إن كانوا كما قال أبو حنيفة جاز مناكحتهم عندهما أيضا، وإن كانوا كما قالا فلا يجوز مناكحتهم عنده أيضا.
وقال مجاهد والحسن: لا كتاب للصائبة، وقال أبو العالية وقتادة: يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة ويقرءون الزبور. وقال عبد الرحمن بن زيد: يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم كتاب، ولا نبي، ولا عمل.
وقال مقاتل: هم قوم يقرون بالله ويعبدون الملائكة ويقرءون الزبور ويصلون إلى الكعبة، أخذوا من كل دين شيئا، وقال الكلبي: هم قوم من النصارى يحلقون وسط رءوسهم ويجبون مذاكيرهم.
وقال عبد العزيز بن يحيى: قد درجوا وانقرضوا فلا عين ولا أثر، وقال الخليل: هم قوم يشبه دينهم دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب فيزعمون أنهم على دين نوح ﵇.
م: (وعلى هذا حل ذبيحتهم) ش: أي وعلى الخلاف المنقول فيه حل ذبيحتهم، فعند أبي حنيفة _ ﵀ _: تحل ذبائحهم، وعندهما لا تحل، وذكر شيخ الإسلام في " شرح أبو اليسر " أن الصابئين تحل ذبائحهم ونساؤهم عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، خلافا لمحمد، والسرخسي ذكر أن أبا يوسف مع محمد وهو المشهور.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (ويجوز للمحرم والمحرمة أن يتزوجا في حال الإحرام) ش: قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي _ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - _: وهو قول عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - _.
وبه قال سعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وجابر وعمرو بن دينار وأيوب السختياني، وعبد الله بن أبي نجيح، وهو مذهب أهل العراق.
م: (وقال الشافعي: لا يجوز) ش: وبه قال مالك وأحمد م: (وتزويج الولي المحرم وليته) ش: أي موليته م: (على هذا الخلاف المذكور، فعندنا يجوز، وعنده لا يجوز له) ش: أي للشافعي.
م: (قوله ﵇) ش: أي قول النبي ﷺ : «لا ينكح المحرم ولا ينكح غيره» .
ش: هذ الحديث رواه الجماعة إلا البخاري من حديث عثمان بن عفان _ ﵁ _ قال:
стр. 2384
ولنا ما روي «أنه ﵇ تزوج ميمونة وهو محرم»
ــ
[البناية]
قال رسول الله ﷺ : «لا ينكح المحرم ولا ينكح» زاد مسلم وأبو داود في رواية: ولا يخطب وزاد ابن حبان في " صحيحه ": ولا يخطب بمكة.
قوله: _ لا ينكح _ بفتح الياء، و _ لا ينكح _ بضم الياء من الإنكاح، أي لا ينحك غيره.
م: (ولنا ما روي أنه ﷺ ) ش: أي النبي ﷺ م: (تزوج بميمونة وهو محرم) هذا الحديث رواه الأئمة الستة في كتبهم عن طاووس عن ابن عباس _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - _، قال: «تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو محرم» زاد البخاري: «وبنى بها، وهو حلال، وماتت بسرف» .
وأخرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة «أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم» وأخرجه البزار في " مسنده " عن مسروق عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - « [أنه]﵇ تزوج وهو محرم واحتجم وهو محرم» وقال السهيلي في " الروض الأنف ": إنما أراد نكاح ميمونة ولكنها لم تسم.
وقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي _ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - _: الذين رووا أنه ﷺ تزوج فيها، وهو محرم أهل، وثبت من أصحاب ابن عباس مثل سعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وجابر بن زيد، وهؤلاء كلهم فقهاء الذين نقل عنهم عمرو بن دينار وأيوب السختياني وعبد الله بن أبي نجيح وهؤلاء أئمة يقتدى بروايتهم.
وأما حديث عثمان فإنما رواه وهب بن منبه، وليس كعمرو بن دينار ولا كجابر بن زيد، ولا كمن روى ما يوافق ذلك عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - ولا لوهب أيضا موضع في العلم كموضع عمرو بن دينار ممن ذكر.
فإن قلت: روي يزيد بن الأصم؛ «عن ميمونة بنت الحارث، قالت: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان» . رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. قلت: أجيب أن عمرو بن دينار قال: قلت: أجيب أن عمرو بن دينار قال: قلت: للزهري وما يدري ابن الأصم أعرابي نوال على ناقة أنجعله مثل ابن عباس، مع أنه يحتمل أن يكون روى مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار «أن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع مولاه ورجلا من الأنصار فزوجاه ميمونه بنت الحارث ورسول الله ﷺ بالمدينة قبل أن يخرج» .
قلت: قال أبو عمر بن عبد البر: حديث مالك يعني في هذا الباب غير متصل، ورواه مطر الوراق فوصله، قال: وهو غلط من مطر الوراق، لأن سليمان بن يسار ولد سنة أربع وثلاثين، ومات أبو رافع بعد قتل عثمان _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - _ بسنتين، وكان قتل عثمان _ ﵁ _ في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين فلا يمكن أن يروي عنه.
стр. 2385
وما رواه محمول على الوطء.
ــ
[البناية]
وقال الترمذي: لا نعلم أحدا أسنده غير حماد بن زيد عن مطر الوراق عن ربيعة.
وضعف يحيى بن سعيد مطر الوراق، وضعفه أحمد وضعف البخاري حديث عثمان في النهي عن نكاح المحرم، ورد رواية مالك، ومذهبه.
وقال أيضا: حديث ابن الأصم مرسل، وأدخل في صحيحه عن سعيد بن المسيب أنه ﵇ تزوجها وهو محرم، وقال الطحاوي: ومطر عندهم ليس ممن يحتج بحديثه.
فإن قلت: قال ابن حبان: وليس في هذه الأخبار تعارض، وعندي أن معنى قوله: تزوج ميمونة وهو محرم، أي داخل في الحرم، كما يقال: أنجدوا أنهم إذا دخلوا نجد أو تهامة.
قلت: الجواب عنه في ثلاثة أوجه:
الأول: أن حمله على الحقيقة الشرعية أولى من الحقيقة اللغوية لما عرف.
والثاني: أنهم يزعمون أنه كان بالمدينة عند العقد، وإنما زوجه إياها وكيلاه ﵇ فلم يكن في الحرم، ولو ادعوا أن للمدينة حرما له ذلك مسلم لهم، ويكون على هذا النبي ﷺ محرما على رواية، إلا إذا أبعد عن المدينة.
والثالث: أن الراوي الذي هو ابن عباس قطع له بعقد الإحرام لأنه وقع به قول من قال: تزوج بها، وهذا حلال، ولا يمكن حمله على خلاف رواية الراوي.
فإن قلت: قالوا: النهي قول والجواز فعل، والقول مقدم بوجهين:
أحدهما: أن القول يتعدى دون الفعل.
والثاني: يجوز أن يكون الفعل مخصوصا به ﵇، لا سيما في باب النكاح، ولأن الفعل يعارض في نفسه، ولا معارض للقول.
قلت: أجيب عن الوجه الأول بالمنع، فإن الفعل يتعدى أيضا، لأن الإحرام لما لم يكن مانعا منه في حقه وثبت جواز العقد معه ثبت في حق أمته أيضا، إذ أمته أولى بالرخص، وهو كالغرم لضعفهم وحاجتهم وقوته بحمل الأشق.
وعن الوجه الثاني أن الأصل عدم الاختصاص، ويلزم منه تفسير الأصل فلا يصار إليه.
م: (وما رواه) ش: أي ما رواه الشافعي _ ﵀ _ أنه م: (محمول على الوطء) ش: لأن النكاح للوطء حقيقة، وللعقد مجازا أي لا يطأ المحرم ولا يمكن الحرمة حتى يطأ، هذا ما ذكره بعضهم وهو ضعيف لأن التمكين من الوطء لا يسمى نكاحا مع اختلاله إعرابا لكنه ﵇ -
следующие страницы →