Полный текст (7 019 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
فصار كما إذا قال: طلقتك وأنا صبي أو نائم أو يصح إخبارا على ما ذكرناه
ولو قال: أنت طالق ما لم أطلقك أو متى لم أطلقك أو متى ما لم أطلقك، وسكت طلقت؛ لأنه أضاف الطلاق إلى زمان خال عن التطليق وقد وجد حيث سكت، وهذا لأن كلمة " متى " و " متى ما " صريح في الوقت لأنهما من ظروف الزمان، وكذا كلمة " ما " للوقت، قال الله تعالى: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] (مريم الآية: ٣١) ، أي وقت الحياة.
ــ
[البناية]
م: (فصار) ش: أي حكم هذا م: (كما إذا قال: طلقتك وأنا صبي أو نائم) ش: لأنه أسنده إلى حالة غير معهودة، فلا يعتبر قوله في الإضافة.
م: (أو يصح إخبارًا) ش: يعني يجعل قوله أنت طالق، إخبارًا عن عدم النكاح قبل التزوج في قوله أنت طالق قبل أن أتزوجك م: (فلا يقع) ش: أي فصار حكم هذا قبل أن أتزوجك لأن حقيقة الصفة للإخبار، وأمكن العمل بها فلا يجعل إنشاء م: (على ما ذكرناه) ش: إشارة إلى قوله - لأنه يمكن تصحيحه إخبارًا عن عدم النكاح، وعن كونها مطلقة بتطليق غيره من الأزواج.
[قال أنت طالق ما لم أطلقك أو متى لم أطلقك]
م: (ولو قال: أنت طالق ما لم أطلقك أو متى لم أطلقك أو متى ما لم أطلقك وسكت طلقت، لأنه أضاف الطلاق إلى زمان خال عن التطليق، وقد وجد حيث سكت) ش: وهذا باتفاق الفقهاء م: (وهذا) ش: توضيح لما قبله م: (لأن كلمة " متى " و " متى ما " صريح في الوقت، لأنهما من ظروف الزمان) ش: إذا متى فإنها لمبهم في الوضع، ولكن لما كان الفعل يليها دون الاسم جعلت للشرط والإبهام فيما دخل عليه يعني بين أن يوجد وبين أن لا يوجد، فصحت المجازاة بها مع قيام معنى الوقت به، فإذا قال لامرأته أنت طالق متى لم أطلقك يقع الطلاق عقيب اليمين وجود وقت لم يطلقها فيه بعد كلامه ولم يقتصر على المجلس، لأنه باعتبار إبهام فيه يعم جميع الأزمنة، وأما متى ما فإنه أيضًا متى في الأصل، فزيدت فيه كلمة ما فإنها تستعمل للوقت لا محالة فترجحت جهة الوقت.
م: (وكذا كلمة ما) ش: أي تستعمل في الوقت كما ذكرناه. م: (قال الله تعالى: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] (مريم الآية: ٣١) م: (أي وقت الحياة) ش: وقال الله تعالى حكاية عن عيسى ﵇ ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] أي مدة دوامي حيًا. قلت: شرطية أيضًا، قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] (فاطر الآية: ٢) ، فينبغي أن لا تقع إلا إذا كانت للوقت دون الشرط، وهي تكون شرطية من غير وقت، وللوقت بلا شرط، بخلاف متى ومتى (ما) ، فإنها إذا كانت للمجازاة فلا ينفك عن الوقت.
فإذا قلت: متى القتال؟ كانت للاستفهام عن زمان القتال، وليس فيه شرط، وإذا قلت متى تقسم أقم معك كانت ظرفًا تضمنت معنى الشرط، وكذا متى ما.
стр. 2662
ولو قال: أنت طالق إن لم أطلقك لم تطلق حتى يموت، لأن العدم لا يتحقق إلا باليأس عن الحياة، وهو الشرط كما في قوله: إن لم آت البصرة، وموتها بمنزلة موته، هو الصحيح. ولو قال: أنت طالق إذا لم أطلقك أو إذا ما لم أطلقك لم تطلق حتى يموت، عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: تطلق حين سكت، لأن كلمة إذا للوقت، قال الله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] (التكوير الآية١) : " وقال قائل:
وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
ــ
[البناية]
[قال أنت طالق إن لم أطلقك]
م: (ولو قال: أنت طالق إن لم أطلقك لم تطلق حتى يموت، لأن العدم) ش: أي عدم التطليق م: (لا يتحقق إلا باليأس عن الحياة، وهو الشرط) ش: أي اليأس عن الحياة هو الشرط، فإذا انتهى إلى الموت وقد وجد اليأس فوجد الشرط، والمحل قائم والملك باق، فوقع قبل موته بقليل وليس لذلك القليل حد معروف باتفاق الفقهاء، ثم إن كان دخل بها فلها الميراث بحكم القرار عندنا خلافًا للشافعي، وإن لم يدخل بها فلا ميراث لها م: (كما في قوله: إن لم آت البصرة) ش: يعني كما إذا قال لها أنت طالق إن لم آت البصرة لا يقع الطلاق، حتى يقع الإياس عن الإتيان، فإذا انتهى إلى الوقت فقد وقع اليأس فوجد الشرط فوقع.
م: (وموتها بمنزلة موته) ش: أي موت الزوج يعني يقع الطلاق قبل موتها أيضًا م: (هو الصحيح) ش: احترازًا عن رواية النوادر، فإنه قال فيها لا يقع الطلاق بموتها، وفائدة وقوع الطلاق عليها بعد موتها أن لا يرث الزوج منها، لأنها بانت قبل الموت فلا تبقى بينهما واجبته عند الموت، وشرط التوريث هذا وقد عدم.
م: (ولو قال: أنت طالق إذا لم أطلقك أو إذا ما لم أطلقك لم تطلق حتى يموت، عند أبي حنيفة) ش: وبه قال أحمد في رواية م: (وقالا تطلق حين سكت) ش: وبه قال الشافعي ومالك م: (لأن كلمة " إذا " للوقت، قال الله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] ش: (التكوير) استدلالهم بهذه الآية ضعيف، فإن إذا فيها للشرط، ولهذا أتى فيها بالجواب، وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥] (الانفطار: الآية ٥) والشمس مرفوعة بالفاعلية رافعة فعل مضمر، تفسيره كورت بكذا، ذكره الزمخشري، ورفعه بالفاعلية مذهبه، وغيره يرفعه بالفعل المقدر أو المفسر على أنه مفعول ما لم يسم فاعله.
وقال قائل:
وإذا تكون كريهة أدعى لها ... إذا يُحاسُ الحيس يدعى جندب
ولم يبين المصنف قائل هذا البيت من هو، وعزاه الكاكي إلى عنترة العبسي وليس بصحيح، وعزاه سيبويه إلى رجل من مذحج، وقال أبو رياش: قائله همام بن مرة أخو جناس بن مرة قاتل كليب، وزعم ابن الأعرابي أنه لرجل من بني عبد مناف قبل الإسلام بخمسمائة عام، وذكر هذا
стр. 2663
فصار بمنزلة " متى " و" متى ما "، ولهذا لو قال لامرأته: أنت طالق إذا شئت لا يخرج الأمر من يدها بالقيام من المجلس كما في قوله متى شئت، ولأبي حنيفة ﵀ تستعمل في الشرط أيضا. قال قائلهم:
ــ
[البناية]
وأن البيت من قصيدة من الكامل مع بيان لغاتها وإعرابها في الكتاب الذي صنفته وسميته " بالمقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية ". وقال الكاكي أول الشعر:
بل في القضية أن إذا استغنيتم ... وأمنتموا فأنا البعيد الأجنب
قلت: ليس كذلك، بل أوله:
يا ضمر أخبرني وليس بكاذب ... والقول ما فعل الذي لا يكذب
أمن السوية إن إذا استغنيتم ... وأمنتموا فأنا البعيد الأجنب
وإذا الشدائد بالشدائد مرة ... أسجتكم فأنا المحب الأقرب
ولجندب سهل البلاد وعذبها ... وإلى الملاح وحزنهن المجذب
وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
هذا وجدكم الصغار بعينه ... لا أم لي إذا كان ذاك ولا أب
عجبًا لتلك قضية وإقامتي ... فيكم إلى تلك القضية أعجب
قوله: يا ضمر، أراد: " يا ضمرة؛ فرخم. قوله: أسجتكم - من السجأة إذا غضبه. قوله: الملاح - بضم الميم وبتشديد اللام - نبات الحمص، والحزن بالفتح: ما حزن من الأرض، وفيها غلاظة. قوله: وإذا يحاس الحيس - وهو تمر يخلط بسمن وأقط ثم يدلك حتى يختلط. قوله: وجدكم - الواو فيه للقسم، أي وحق حظكم ... وسعدكم. والصغار - بالفتح - الذلة.
م: (فصار) ش: أي إذا م: (بمنزلة متى ومتى ما) ش: يعني في عدم سقوط معنى الوقت عند استعماله شرطًا واستوضح كونه بمعنى متى بقوله م: (ولهذا) ش: أي ولأجل كونه بمعنى متى م: (لو قال لامرأته: أنت طالق إذا شئت لا يخرج الأمر من يديها بالقيام من المجلس؛ كما في قوله: متى شئت، ولأبي حنيفة ﵀ يستعمل في الشرط أيضًا) .
م: (وأصل الخلاف بين أهل اللغة والنحو) ش: الكوفيون يقولون: إن إذا قد تستعمل للشرط أيضًا، وقد تستعمل للوقت على السواء، وإذا كان بمعنى الشرط يسقط عنه معنى الوقت أصلًا كحرف أن، وهو مذهب أبي حنيفة ﵀ تعالى، وعند البصريين حقيقة للوقت وللشرط يستعمل مجازًا ولا يسقط منه معنى الشرط م: (قال قائلهم) ش: أي قائل الجمع الذين قالوا: إنه
стр. 2664
واستغن ما أغناك ربك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتحمل
فإن أريد بها الشرط لم تطلق في الحال، وإن أريد بها الوقت طلقت فلا تطلق بالشك والاحتمال، بخلاف مسألة المشيئة؛ لأنه على اعتبار أنه للوقت لا يخرج الأمر من يدها، على اعتبار أنه للشرط يخرج، وكان الأمر بيدها، فلا يخرج بالشك والاحتمال، وهذا الخلاف فيما إذا لم تكن له نية.
ــ
[البناية]
يستعمل للشرط
واستغن ما أغناك ربك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتحمل
ومعنى قوله: (وإذا تصبك) بالجزم، فلو كان لها الجزم لدخل الفاء في جوابه، وهو محتمل، والبيت لعبد قيس بن خفاق، وهو من الكامل من قصيدة مشهورة في المعلقات وما قبله
أبني إن أباك حارب يومه ... وإذا دعيت إلى المكارم فاعجل
الله فاتقه وأوف ينذره ... وإذا حلفت مماريًا فتحلل
واستغن ما أغناك ربك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتحمل
قوله: أبني: أي: يا بني. قوله: خصاصة؛ أي: مجاعة بالجيم، وهو أكل المر وهو الشحم المذاب، والمراد الاكتفاء والقناعة بأدنى شيء، لأنه إذا كانت مشتركة لم يجز استعمالها فيهما دفعة.
م: (فإن أريد بها الشرط لم تطلق في الحال، وإن أريد بها الوقت طلقت، فلا تطلق بالشك والاحتمال) ش: فإن قيل: النظر إلى الشرطية يقتضي بقاء النكاح والحل والنظر إلى الوقتية يوجب الطلاق والحرمة فاجتمعت الحرمة والحل، فينبغي أن ترجح الحرمة كما عرف. قلنا: هذا متروك في جميع صور التردد، فإنه لو شك في الانتقاض بعد الطهارة، فإن بقاءها يوجب إباحة الصلاة بالنظر إلى الانتقاض بحرم أداؤها، مع هذا لا يترجح الحرمة، وإن كان مبنى الصلاة على الاحتياط لأن الشك لا يحدث شيئًا، فلا يكون من قبيل تعارض دليل الحرمة من دليل الحل، كذا قيل.
م: (بخلاف مسألة المشيئة) ش: جواب عن قولهما كما في قوله متى شئت، وتقديره قوله: م: (لأنه على اعتبار أنه) ش: أي أن إذا م: (للوقت) ش: أي لمعنى الوقت م: (لا يخرج الأمر من يدها، وعلى اعتبار أنه للشرط يخرج، الأمر بيدها) ش: بيقين م: (فلا يخرج بالشك والاحتمال) ش: لأن الشك لا يعارض اليقين، م: (وهذا الخلاف) ش: أي المذكور بين أبي حنيفة وصاحبيه م: (فيما إذا لم تكن له نية) ش: في قوله أنت طالق إذا لم أطلقك.
стр. 2665
أما إذا نوى الوقت يقع في الحال، ولو نوى الشرط يقع في آخر العمر لأن اللفظ يحتملهما.
ولو قال: أنت طالق ما لم أطلقك، أنت طالق فهي طالق بهذه التطليقة، معناه: قال ذلك موصولا به، والقياس أن يقع المضاف فيقعان إن كانت مدخولا بها، وهو قول زفر ﵀ لأنه وجد زمان لم يطلقها فيه، وإن قل وهو زمان قوله: أنت طالق، قبل أن يفرغ منها. وجه الاستحسان أن زمان البر مستثنى عن اليمين بدلالة الحال، لأن البر هو المقصود، ولا يمكنه تحقيق البر إلا أن يجعل هذا القدر مستثنى، وأصله من حلف لا يسكن هذه الدار فاشتغل بالنقلة من ساعته وأخواته على ما يذكر في الأيمان إن شاء الله تعالى.
ــ
[البناية]
م: (وأما إذا نوى الوقت يقع) ش: الطلاق م: (في الحال ولو نوى الشرط يقع في آخر العمر) ش: يموت أحدهما م: (لأن اللفظ يحتملهما) ش: أي يحتمل الوقت والشرط، فإذا احتملهما على السواء يقع ما نوى بالإجماع، وقيل: إذا تستعمل للشرط مجازًا عند أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وكذا عندهما فينبغي أن لا يصدقه القاضي فيما إذا نوى به معنى إن؛ لأن فيه تخفيفًا على نفسه. قيل في جوابه لما كثر استعماله في معنى الشرط فصار كالظاهر في حقه، فجاز أن يصدقه القاضي، مع أنه قيل حقيقة فيهما عنده، وفيه نوع تأمل.
[قال أنت طالق ما لم أطلقك أنت طالق]
م: (ولو قال: أنت طالق ما لم أطلقك أنت طالق فهي طالق بهذه التطليقة) ش: أي التطليقة الأخيرة المضافة إلى المعلقة بعدم التطليق م: (معناه) ش: أي معنى ما قاله محمد أو القدوري م: (قال ذلك موصولًا به) ش: قيد به لأنه لو قال مفصولًا يقعان بالإجماع قياسًا واستحسانًا، لأنه وجد الزمان الخالي عن التطليق م: (والقياس أن يقع المضاف) ش: وهو قوله ما لم أطلقك م: (فيقعان) ش: أي المضاف والتطليقة الأخيرة م: (إن كانت مدخولًا بها وهو) ش: أي القياس م: (قول زفر، لأنه وجد زمان لم يطلقها فيه وإن قل وهو زمان قوله أنت طالق قبل أن يفرغ منها) ش: بيانه أنه وجد ما بين اليمين، ووقوع الطلاق مقدار ما يقع فيه ستة أحرف، وشرط الحنث يستوي فيه القليل والكثير.
م: (وجه الاستحسان أن زمان البر مستثنى عن اليمين به لدلالة الحال) ش: لأن الحالف إنما يحلف ليبر في يمينه ولم يمكنه البر في هذه إلا أن يجعل الساعة التي تشتغل بالإيقاع فيها مستثنى، فيصير هذا القدر مستثنى من اليمين بدلالة الحال م: (لأن البر هو المقصود، ولا يمكنه تحقيق البر، إلا أن يجعل هذا المقدار) ش: أي مقدار ما تشتغل بالإيقاع فيه م: (مستثنى) ش: عن اليمين م: (وأصله) ش: أي أصل هذا الخلاف الذي وقع بيننا وبين زفر مسألة كتاب الإيمان، وأشار إليها بقوله: م: (من حلف لا يسكن هذه الدار فاشتغل بالنقلة من ساعته) ش: فإنه لا يحنث استحسانًا وعند زفر يحنث قياسًا م: (وأخواته) ش: أي وأخوات من حلف، وهي قوله لا تلبس هذا الثوب وهو لابسه، فنزعه في الحال، ولا يركب هذه الدابة وهو راكبها فنزل من ساعته لا يحنث، خلافًا لزفر م: (على ما يذكر في الإيمان إن شاء الله تعالى) ش: أي على ما يذكر أصل هذه المسألة وأخواتها في
стр. 2666
ومن قال لامرأة: يوم أتزوجك فأنت طالق فتزوجها ليلا طلقت لأن اليوم يذكر ويراد به بياض النهار، فيحمل عليه إذا قرن بفعل يمتد كالصوم، والأمر باليد لأنه يراد به المعيار، وهو أليق به ويذكر ويراد به مطلق الوقت، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] (الأنفال الآية: ١٦) ، والمراد به مطلق الوقت فيحمل عليه إذا قرن بفعل لا يمتد، والتزوج من هذا القبيل فينتظم الليل والنهار، ولو قال: عنيت به بياض النهار خاصة دين في القضاء لأنه نوى حقيقة كلامه والليل لا يتناول إلا السواد، والنهار لا يتناول إلا البياض خاصة وهو اللغة.
ــ
[البناية]
كتاب الإيمان إن شاء الله . م: (ومن قال لامرأة يوم أتزوجك فأنت طالق فتزوجها ليلًا) ش: أي في الليل م: (طلقت، لأن اليوم يذكر ويراد بياض النهار، فيحمل عليه) ش: أي على بياض النهار م: (إذا قرن) ش: أي اليوم م: (بفعل يمتد كالصوم) ش: فإنه يمتد م: (والأمر باليد) ش: كما في قوله أمرك بيدك يوم يقدم فلان م: (لأنه يراد به المعيار) ش: أي أراد باليوم المعيار إذا الفعل ممتد، والمراد بالمعيار أن يكون مقدارًا بقدر الفعل كالصوم في اليوم م: (وهو أليق به) ش: أي كون المعيار مرادًا من اليوم أليق بالفعل الممتد؛ لأن الفعل الممتد يحتاج إلى وقت مؤبد وهو بياض النهار الذي صار المعيار عبارة عنه، بخلاف ما إذا لم يكن الفعل ممتدًا، حيث لا يحتاج إلى وقت مديد بل يكفيه مطلق الوقت.
م: (ويذكر) ش: أي اليوم م: (ويراد به مطلق الوقت، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] (الأنفال الآية: ١٦) ، م: (والمراد به مطلق الوقت فيحمل عليه) ش: أي على مطلق الوقت م: (إذا قرن بفعل لا يمتد والتزوج من هذا القبيل) ش: أي مما لا يمتد إذ لا يقال تزوجتك شهرًا وسنة، فلو قال ذلك يتأبد ويمتد، وفي أكثر النسخ م: (والطلاق من هذا القبيل) ش: قال الإمام حميد الدين: هذا يدل على أن المعتبر جانب الشروط، وفي النسخة التي فيها الطلاق قال الإمام ظهير الدين: هذا يدل على أن المعتبر في الامتداد وعدمه جانب الجزاء لا جانب الشرط.
وقال الأترازي: اختلفوا في الفعل الذي لا يمتد، قال صاحب " الهداية ": أي أنه الطلاق، لأنه قال والطلاق من هذا القبيل، أي مما لا يمتد أبدًا، قال شمس الأئمة السرخسي وقال فخر الإسلام البزدوي والصدر الشهيد العتابي أنه التزوج م: (فينتظم الليل والنهار) ش: ويقع الطلاق إذا قدم ليلًا أو نهارًا في قوله - أنت طالق يوم يقدم فلان - وبه قال الشافعي في وجه، وفي الأصح عنده لا يتناول الليل فلا يقع الطلاق إذا قدم ليلًا.
م: (ولو قال: عنيت به بياض النهار خاصة دين) ش: أي صدق م: (في القضاء لأنه نوى حقيقة كلامه) ش: لأن النهار بياض النهار خاصة، والليل للسواد خاصة، واليوم يستعمل في بياض النهار، ومطلق الوقت الاشتراط عند البعض، والصحيح بطريق المجاز م: (والليل لا يتناول السواد والنهار يتناول البياض خاصة وهو اللغة) ش: يعني حقيقتهما اللغوية.
стр. 2667
فصل ومن قال لامرأته: أنا منك طالق فليس بشيء وإن نوى طلاقا، ولو قال: أنا منك بائن أو عليك حرام ينوي الطلاق فهي طالق، وقال الشافعي ﵀: يقع الطلاق في الوجه الأول أيضا إذا نوى؛ لأن ملك النكاح مشترك بين الزوجين حتى تملك المطالبة بالوطء كما يملك هو المطالبة بالتمكين، وكذا الحل مشترك بينهما، والطلاق وضع لإزالتهما فيصح مضافا إليه كما يصح مضافا إليها، كما في الإبانة والتحريم.
ــ
[البناية]
[فصل إضافة الطلاق إلى النساء] [ قال لامرأته أنا منك طالق]
م: (فصل) ش: أي هذا فصل في إضافة الطلاق إلى النساء. ولما كانت هذه مخالفة لإضافة الطلاق إلى الرجال ذكرها في فصل على حدة. وقال الأكمل: ذكر فيه مسائل أخر متنوعة، وكان حقها أن يذكرها في مسائل شتى.
قلت: ليس من حقها ما ذكره، لأن الذي ذكره في هذا الفصل كله من أنواع الطلاق، والمناسب ذكرها كلها في فصول الطلاق.
م: (ومن قال لامرأته أنا منك طالق فليس بشيء وإن نوى طلاقًا) ش: هذه من مسائل " الجامع الصغير "، وصورتها فيه عن محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، في رجل يقول لامرأته أنا منك طالق، ينوي الطلاق، قال لا يكون طلاقًا، انتهى. وهذا معنى قول المصنف فليس قوله - وإن نوى طلاقًا - واصل بما قبله.
م: (ولو قال: أنا منك بائن أو عليك) ش: أي أو قال أنا عليك م: (حرام) ش: حال كونه م: (ينوي الطلاق فهي طالق) ش: هاتان الصورتان من تتمة مسائل " الجامع الصغير " المذكورة: الأولى: أنا منك بائن ينوي الطلاق كانت طلاقًا، الثانية: قوله أنا عليك حرام ينوي الطلاق كانت طلاقًا، وبقولنا قال أحمد.
م: (وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يقع الطلاق في الوجه الأول أيضًا إذا نوى) ش: الوجه الأول هو قوله أنا منك طالق م: (لأن ملك النكاح مشترك بين الزوجين حتى تملك) ش: أي المرأة م: (المطالبة) ش: أي مطالبة زوجها م: (بالوطء كما يملك هو) ش: أي الزوج م: (المطالبة) ش: أي مطالبة المرأة م: (بالتمكين) ش: أي تمكين نفسها من الزوج م: (وكذا الحل مشترك بينهما) ش: أي بين الزوجين وذلك محل استمتاع كل منهما بصاحبه ولانتهاء النكاح بموت كل منهما وتسمية كل واحد ناكحًا م: (والطلاق وضع) ش: أي شرعًا م: (لإزالتهما) ش: أي لإزالة الحل والتمكين، وكل ما وضع كذلك م: (فيصح مضافًا إليه) ش: أي على الزوج م: (كما يصح مضافًا إليها) ش: أي إلى المرأة م: (كما في الإبانة والتحريم) ش: أي كما يصح في قوله أنا منك بائن، وأنا عليك حرام.
стр. 2668
ولنا أن الطلاق لإزالة القيد وهو فيها دون الزوج، ألا ترى أنها هي الممنوعة عن التزوج بزوج آخر والخروج، ولو كان لإزالة الملك فهو عليها لأنها مملوكة، والزوج مالك ولهذا سميت منكوحة، بخلاف الإبانة لأنها لإزالة الوصلة وهي مشتركة بينهما، وبخلاف التحريم لأنه لإزالة الحل وهو مشترك بينهما فصحت إضافتهما إليهما، ولا تصح إضافة الطلاق إليها.
ــ
[البناية]
وهذا التعليل الذي علل به الشافعي مرضي عند أكثر أصحابه فقالوا لو كان كذلك لما احتاج إضافة الطلاق إليه، أي إلى النية كما لا يحتاج الإضافة إليها، أي إلى النية، بل المختار عند أصحابه أن على الزوج حجرًا من جهتها من حيث إنه لا ينكح أختها ولا أربعًا سواها فيصح إضافته إليه باعتبار رفع القيد؛ لأن الإضافة إلى الزوج غير معهودة، فاحتيج إلى النية، كذا في كتبهم.
م: (ولنا أن الطلاق لإزالة القيد) ش: أي القيد الحاصل بالنكاح م: (وهو) ش: أي القيد م: (فيها) ش: أي في المرأة م: (دون الزوج) ش: يعني القيد للنكاح حصل للرجل على المرأة لا للمرأة على الرجل، ثم أوضح ذلك بقوله م: (ألا ترى أنها) ش: أي المرأة م: (هي الممنوعة عن التزوج بزوج آخر والخروج) ش: أي وممنوعة من الخروج والبروز، والرجل ينطلق حيث شاء، ويريد ويستمتع بإمائه وإن كثرت وبثلاث سواها.
م: (ولو كان) ش: أي الطلاق م: (لإزالة الملك) ش: كما قال الشافعي م: (فهو عليها) ش: أي فالكل عليها م: (لأنها مملوكة والزوج مالك) ش: وهذا جواب عما قاله الشافعي بطريق التسليم بعد المنع، فإن الطلاق لإزالة الملك، ثم أوضح ذلك بقوله م: (ولهذا) ش: أي ولأجل كونها مملوكة م: (سميت منكوحة) ش: ولما ملك بضعها وجب عليه المهر والنفقة وبمقابلته تملكه م: (بخلاف الإبانة) ش: أي بخلاف قوله - أنا منك بائن - م: (لأنها) ش: أي لأن الإبانة م: (لإزالة الوصلة وهي مشتركة بينهما) ش: أي بين الزوجين، ولهذا جاز إضافتها إلى كل واحد منهما ألا ترى أنه يقال بان عنها، كما يقال بانت عنه.
م: (وبخلاف التحريم) ش: أي وبخلاف قوله - أنا عليك حرام - م: (لأنه) ش: أي لأن لفظ حرام م: (لإزالة الحل وهو) ش: أي الحل م: (مشترك) ش: أي م: (بينهما فصحت إضافتهما) ش: أي إضافة الحرام والإبانة م: (إليهما) ش: أي إلى الزوجين، ألا ترى أنه يقال حرم عليها كما يقال حرمت عليه م: (ولا تصح إضافة الطلاق إليها) ش: أي إلى المرأة، لأن الطلاق زوال القيد، ولما لم يكن القيد على الرجل لم يصح إضافة الطلاق إليه، ولأن الطلاق لو وقع على المرأة لا يخلو، إما أن يثبت ابتداء أو بناء على ثبوته في الرجل، فلا يجوز الأول لعدم إضافة الطلاق إليها، ولا يجوز الثاني أيضًا، لأن الرجل ليس طالقًا عن المرأة عدم القيد فيه، فلغي قوله - أنا منك طالق - كما إذا قال لعبده أنا منك حر، حيث لا يعتق. فإن قيل لا نسلم عدم القيد في
стр. 2669
ولو قال: أنت طالق واحدة أو لا فليس بشيء، قال ﵁: كذا ذكر في " الجامع الصغير " من غير خلاف، وهذا قول أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀ آخرا. وعلى قوله محمد وهو قول أبي يوسف ﵀ أولا تطلق واحدة رجعية، ذكر قول محمد ﵀ في كتاب الطلاق فيما إذا قال لامرأته أنت طالق واحدة، أو لا شيء، ولا فرق بين المسألتين، ولو كان المذكور هاهنا قول الكل، فعن محمد ﵀ روايتان: له أنه أدخل الشك في الواحدة لدخول كلمة أو بينها وبين النفي فيسقط اعتبار الواحدة، ويبقى قوله: أنت طالق،
ــ
[البناية]
الرجل، ولهذا لا يجوز له أن يتزوج أربعًا سواها عليها وأختها وابنة أخيها، قيل له ذلك باعتبار عدم المشروعية لا باعتبار أن القيد واقع على الرجل.
[قال أنت طالق واحدة أو لا]
م: (ولو قال: أنت طالق واحدة أو لا فليس بشيء) ش: هذه مسألة " الجامع الصغير "، وصورتها فيه محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - في رجل قال لامرأته أنت طالق واحدة أو لا قال ليس بشيء، انتهى، وكذا لو قال: أنت طالق أو لا أو غير طالق لا يقع شيء وبه قال الشافعي وأحمد ومالك على هذا الخلاف لو قال أنت طالق ثلاثًا أو لا شيء.
م: (قال) ش: هكذا ذكره، أي قال المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: م: (كذا ذكر هذا في الجامع الصغير) وقال في الأصل وإن قال أنت طالق واحدة أو لا شيء فهي طالق واحدة رجعية في قول محمد وقول أبي يوسف الأول، ولم يذكر قول أبي حنيفة في الأصل كما ترى. ونقل صاحب الأجناس عن كتاب الطلاق إملاء أبي سليمان قال أبو حنيفة لا يقع الطلاق، ثم قال صاحب الأجناس وكذا ذكره عن أبي حذيفة في " الجرجانيات " م: (وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف آخرًا) ش: أي المذكور من قوله أنت طالق واحدة أو لا شيء.
م: (وعلى قول محمد وهو قول أبي يوسف أولًا يطلق واحدة رجعية، ذكر قول محمد في كتاب الطلاق فيما إذا قال لامرأته: أنت طالق واحدة أو لا شيء، ولا فرق بين المسألتين) ش: أي من قوله أنت طالق واحدة أو لا، ومن قوله أنت طالق واحدة أو لا شيء، لأنهما في المعنى واحد، يعني لا فرق بينهما في حق التردد في الإيقاع أو في الوضع م: (ولو كان المذكور هاهنا قول الكل فعن محمد روايتان) ش: أي لو كان المذكور في " الجامع الصغير " قول الثلاث فيكون عن محمد روايتان، لأنه ذكر قول الثلاثة عن محمد في طلاق " المبسوط " أنه يقع واحدة رجعية ليذكر الخلاف في " الجامع الصغير "، وهذا يستلزم ورود الروايتين عنه. م: (له) ش: أي لمحمد (- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - م: (أنه) ش: أي أن الرجل الذي قال لامرأته أنت طالق واحدة أو لا شيء م: (أدخل الشك في الواحدة لدخول كلمة م: (أو) ش: بينها) ش: أي بين الواحدة م: (وبين النفي) ش: وهو قوله لا شيء م: (فيسقط اعتبار الواحدة ويبقى قوله: أنت طالق) ش: سالمًا من الشك، فتقع طلقة
стр. 2670
بخلاف قوله: أنت طالق أو لا لأنه أدخل الشك في أصل الإيقاع فلا يقع شيء، ولهما أن الوصف متى قرن بالعدد كان الوقوع بذكر العدد ألا ترى أنه لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثا تطلق ثلاثا، ولو كان الوقوع بالوصف للغا ذكر الثلاث، وهذا لأن الواقع في الحقيقة إنما هو المنعوت المحذوف، معناه أنت طالق تطليقة واحدة، على ما مر. وإذا كان الواقع ما كان العدد نعتا له كان الشك داخلا في أصل الإيقاع، فلا يقع شيء.
ولو قال أنت طالق مع موتي أو مع موتك فليس بشيء، لأنه أضاف الطلاق إلى حالة منافية له، لأن موته ينافي الأهلية وموتها ينافي الحلية، فلا بد منهما
ــ
[البناية]
واحدة رجعية م: (بخلاف قوله: أنت طالق أو لا، لأنه أدخل الشك في أصل الإيقاع فلا يقع شيء) .
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة وأبي يوسف م: (أن الوصف) ش: وهو قوله أنت طالق م: (متى قرن بالعدد) ش: مثل أن يقول أنت طالق واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا م: (كان الوقوع) ش: أي وقوع الطلاق م: (بذكر العدد) ش: وهو قوله واحدة، إنما أطلق العدد على الواحد مجازًا من حيث إنه أصل العدد م: (ألا ترى أنه) ش: توضيح لما قبله، أي ألا ترى أن الرجل م: (لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثًا تطلق ثلاثًا) ش: بالاتفاق، فعلم أن الوقوع بالعدد م: (ولو كان الوقوع) ش: أي وقوع الطلاق م: (بالوصف للغا ذكر الثلاث) ش: يعني لو كان بقوله أنت طالق لما وقع الثلاث، فعلم أن الوقوع بالعدد لا بالوصف.
م: (وهذا) ش: أشار به إلى قوله ولو كان الوقوع بالوصف م: (لأن الواقع في الحقيقة إنما هو المنعوت المحذوف، معناه أنت طالق تطليقة واحدة على ما مر) ش: أراد بقوله أن الوقوع بالعدد لا بالصفة وهي طالق، لكن العدد وقع نعتًا لمحذوف، أي تطليقة واحدة، فالمنعوت هو الواقع في الحقيقة فافهم م: (وإذا كان الواقع ما كان العدد نعتًا له كان الشك داخلًا في أصل الإيقاع فلا يقع شيء) ش: الضمير في له يرجع إلى الموصول وهو قوله ما هو عبارة عن التطليقة المحذوفة، وأراد بقوله العدد الواحد وقوله كان الشك إلى آخره جواب قوله إذا كان.
[قال أنت طالق مع موتي أو مع موتك]
م: (ولو قال: أنت طالق مع موتي أو مع موتك) ش: أي أو قال أنت طالق مع موتك م: (فليس بشيء) ش: أي هذا القول ليس بشيء حتى لا يقع به طلاق، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد، وهذه من مسائل " الجامع الصغير " وليس فيه خلاف، وكذا إذا قال أنت طالق بعد موتي أو بعد موتك بل أولى م: (لأنه أضاف الطلاق إلى حالة منافية له) ش: أي للطلاق م: (لأنه موته) ش: أي لأن موت الرجل م: (ينافي الأهلية) ش: أي للطلاق م: (وموتها) ش: أي موت المرأة م: (ينافي المحلية) ش: أي كونه محلًا للطلاق م: (فلا بد منهما) ش: أي فلا بد لوقوع الطلاق من الأهلية والمحلية، لأن الطلاق معلق لوجود الموت، فصار الموت شرطًا كما لو قال أنت طالق مع دخولك الدار والجزاء يعقب الشرط، فكان هذا إيقاعًا له بعد الموت ولا ملك بعد الموت، ولأن النكاح
стр. 2671
وإذا ملك الزوج امرأته أو شقصا منها أو ملكت المرأة زوجها أو شقصا منه وقعت الفرقة للمنافاة بين الملكين، أما ملكها إياه فللاجتماع بين المالكية والمملوكية، وأما ملكه إياها فلأن ملك النكاح ضروري، ولا ضرورة مع قيام ملك اليمين فينتفي النكاح، ولو اشتراها ثم طلقها لم يقع شيء؛ لأن الطلاق يستدعي قيام النكاح ولا بقاء له مع المنافي لا
ــ
[البناية]
موقت بحياتهما، فموت أحدهما ينتهي لوجود غايته، والحكم لا يبقى بعد الغاية. وفي " الجامع " قال: والله لا أقربك حتى تموتي أو أموت صار موليًا، فكأنه قال: والله لا أقربك ما دام النكاح بيننا.
[ملك الرجل امرأته أو ملكت المرأة زوجها]
م: (وإذا ملك الزوج امرأته) ش: أي إذا ملك الرجل امرأته بشراء أو إرث أو بهبة أو صدقة م: (أو شقصًا منها) ش: أي أو ملك الرجل شقصًا من امرأته، والشقص بالكسر السهم، قال ابن دريد: م: (أو ملكت المرأة زوجها) ش: يعني بشراء أو نحوه كما ذكرنا م: (أو شقصًا منه) ش: أي وملكت المرأة شقصًا من الزوج م: (وقعت الفرقة) ش: جواب إذا، يعني يرتفع النكاح من بينهما بالفسخ وهذا قول الجمهور، وبه قالت الأئمة الثلاثة والظاهرية. وفي " التمهيد " عن عبد الله بن عتبة والشعبي والنخعي أنها لو ملكت زوجها فأعتقته حين ملكته كأنما على نكاحهما لو ملكها الزوج ووطئها بملك اليمين بعده، ولو ملك بعضها ينفسخ النكاح، ولا يطأها.
وقال قتادة: لم يردد منها الأقرباء ويطؤها بنكاحه وهو شذوذ م: (للمنافاة بين الملكين) ش: وهما ملك النكاح والملك بالشراء ونحوه.
م: (أما ملكها إياه) ش: أي أما ملك المرأة زوجها م: (فللاجتماع بني المالكية والمملوكية) ش: وهو مستحيل. لأن ملك النكاح الرقبة يقتضي أن يكون خادمًا، وملك النكاح يقتضي أن يكون مخدومًا فاستحال اجتماعهما.
م: (وأما ملكه إياها) ش: أي وأما ملك الرجل امرأته م: (فلأن ملك النكاح ضروري) ش: بيانه أن إثبات الملك على الحر على خلاف القياس، وإنما يثبت ضرورة الحل لبقاء النسل م: (ولا ضرورة مع قيام ملك اليمين) .
لأنه لما طرأ عليه ملك اليمين وهو الحل القوي م: (فينتفي) ش: الحل الضعيف، وفي تملك الشقص وإن كان لا يثبت الحل ولكن يثبت الملك، فقام مقام الحل، لأنه دليل عليه، بخلاف المكاتب إذا اشترى منكوحة حيث لا يبطل النكاح، لأن الثابت في كسبه حق الملك، وحق الملك لا يمنع حق النكاح.
م: (ولو اشتراها) ش: أي ولو اشترى الزوج امرأته الأمة م: (ثم طلقها لم يقع شيء، لأن الطلاق يستدعي قيام النكاح ولا بقاء له) ش: أي للنكاح م: (مع المنافي) ش: وهو ملك اليمين م: (لا
стр. 2672
من وجه ولا من كل وجه وكذا إذا ملكته أو شقصا منه لا يقع الطلاق لما قلنا من المنافاة. وعن محمد ﵀ أنه يقع لأن العدة واجبة بخلاف الفصل الأول، لأنه لا عدة هنالك حتى حل وطؤها له وإن قال لها وهي أمة لغيره أنت طالق ثنتين مع عتق مولاك إياك فأعتقها مولاها ملك الزوج الرجعة؛ لأنه علق التطليق بالإعتاق أو العتق، لأن اللفظ ينتظمهما،
ــ
[البناية]
من وجه) ش: العدة، لأنها أثر من آثاره، فلا يحنث مع وجود المنافي، وإلا لكان ملك النكاح باقيًا من وجه (ولا من كل وجه) متعلقًا بقوله ولا بقاء. وقال الأكمل: وقيل لا من وجه يعني إذا ملك الشقص لا من كل وجه، يعني إذا ملك اليمين الجمع، وعلى هذا يتعلق بقوله مع المنافي، انتهى.
قلت: هذا القول الذي أشار إليه الأكمل بقوله وقيل هو قول الأترازي، هكذا فسره في شرحه، م: (وكذا إذا ملكته) ش: أي وكذا لا يقع الطلاق إذا ملكت المرأة الحرة زوجها وهو عبد بميراث أو غيره م: (أو شقصًا منه) ش: أي أو ملكت شقصًا من زوجها م: (لا يقع الطلاق لما قلنا من المنافاة) ش: بين المالكية والمملوكية.
م: (وعن محمد أنه يقع) ش: أي الطلاق في الصورة الثانية لوجوب العدة عليها، والطلاق يعتمد ملك النكاح أو قيام العدة، ولهذا تجب العدة، ولهذا لا يحل له وطؤها م: (لأن العدة واجبة بخلاف الفصل الأول) ش: وهو ما إذا ملك الزوج امرأته م: (لأنه لا عدة هنالك، حتى حل وطؤها له) ش: أي لا عدة في حق مولاها الذي يملكها.
وفي " الكافي " فإن قيل أليس أنه لا يجوز له التزويج، وهذا دليل على الوجوب. قلنا: قد قالوا لا عدة عليها بدليل أنه لو زوجها من آخر جاز، والصحيح أنه لا يجوز تزويجها من آخر فعلم أنه لا تجب العدة عليها في حق من استبرأها، وفي حق غيره روايتان، وهذا لأن العدة إنما تجب لاستبراء الرحم من الماء، ويستحيل استبراء رحمها من ماء نفسه مع بقاء السبب الموجب لحل الوطء. م: (وإن قال لها) ش: أي ولو قال رجل لامرأته م: (وهي أمة لغيره) ش: أي والحال أنها أمة لغيره.
م: (أنت طالق ثنتين مع عتق مولاك إياك) ش: أي إعتاق مولاك إياك فاستعير الحكم لعلة، لأن العتق حكم الإعتاق، والدليل عليه أنه قال بعده علق التطليق بالإعتاق أو بالعتق، لأن الإعتاق يضاف حقيقة إلى المولى لا العتق م: (فأعتقها) ش: يعني م: (مولاها ملك الزوج الرجعة، لأنه علق التطليق بالإعتاق أو العتق) ش: أي بالعتق الحاصل بإعتاق المولى م: (لأن اللفظ) ش: وهو قوله مع عتق مولاك م: (ينتظمهما) ش: أي ينتظم الإعتاق والعتق على طريق البدل لا الشمول، لا ضيق المسافة لاستحالة الحقيقة والمجاز مرادين، ولهذا يندفع قول الأترازي. ولنا في قوله: لأن اللفظ ينتظمهما نظر، لأنه حينئذ يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز.
стр. 2673
والشرط ما يكون معدوما على خطر الوجود وللحكم تعلق به، والمذكور بهذه الصفة والمعلق به التطليق لأن في التعليقات يصير التصرف تطليقا عند الشرط عندنا،
وإذا كان التطليق معلقا بالإعتاق، أو لعتق يوجد بعده، ثم الطلاق يوجد بعد التطليق فيكون الطلاق متأخرا عن العتق، فيصادفها وهي حرة فلا تحرم حرمة غليظة بالثنتين
ــ
[البناية]
م: (والشرط ما يكون معدومًا على خطر الوجود) ش: أي وقد علم أن الشرط ما يكون معدومًا، ويكون على خطر الوجود والعتق والإعتاق بهذه المثابة شرط على خطر الوجود م: (وللحكم تعلق به) ش: أي وقد علم أيضًا أن للحكم تعلقًا بالشرط؛ لأنه موقوف على وجود الشرط م: (والمذكور) ش: أي العتق م: (بهذه الصفة) ش: يعني معدوم على خطر الوجود وللحكم تعلق به، فيكون شرطًا لأنه جعل التطليق متصلًا بالعتق، وذلك التعلق إما أن يكون تعلق العلة بالمعلول أو الشرط بالمشروط، والإعتاق والعتق لا يكون علة لتطليق الزوج، وكذا تطليق الزوج لا يكون علة لإعتاق المولى والعتق الحاصل به والطلاق تعلق به، وهو معنى قوله م: (والمعلق به) ش: أي العتق م: (التطليق) ش: لا الطلاق عندنا لما تقرر في الأصول أن أثر التطليق في منع السبب لا في منع الحكم.
م: (لأن في التعليقات يصير التصرف معلقًا عند الشرط عندنا) ش: بناء على أن الشرط عندنا غلبة العلة إلى زمان وجوده كما عرف في الأصول. وقال تاج الشريعة: قوله - لأن في التعليقات ... إلى آخره - يعني أن المعلق بالشرط عندنا لا ينعقد سببًا، والشرط يمنع الانعقاد، وعند الشافعي يؤخر الحكم.
[التطليق بعد الإعتاق أو العتق]
م: (وإذا كان التطليق معلقًا بالإعتاق أو العتق يوجد بعده) ش: أي يوجد التطليق بعد الإعتاق أو العتق، لأن المشروط مع الشرط يتعاقبان م: (ثم الطلاق يوجد بعد التطليق فيكون الطلاق متأخرًا عن العتق) ش: بالضرورة م: (فيصادفها) ش: أي يصادف الطلاق المرأة م: (وهي حرة) ش: أي والحال أنها حرة عند المصادفة م: (فلا تحرم حرمة غليظة بالثنتين) ش: أي التطليقتين. وعند الشافعي العتق والطلاق وقعا معا فلم يكن رجعيا في أظهر قوليه بعد وقوع الطلاق لكن عنده صورة المسألة فيما إذا قال العبد لامرأته أنت طالق مع عتق مولاي إياي؛ لأن عنده اعتبار الطلاق بالرجال. وبه قال مالك وأحمد. وفي قول عنه يحرم حرمة غليظة؛ لأن العتق لو تقدم وقوع الطلاق، فصار كما لو طلقها اثنتين ثم عتق. وفي " الكافي " وذكر في " الهداية " لأنه علق التطليق بالعتق إلى آخره، وهو مشكل، لأنه أريد به الإعتاق هاهنا، فاستعير الحكم عن علته، ألا ترى إلى قوله: إياك - ولا تستعمل ذلك إلا في الفعل المتعدي، قيل في جوابه ليس بمشكل، لأنه لما علق التطليق بالإعتاق يلزم منه تعليقه بالعتق الحاصل من الإعتاق وقد بينا أن كل واحد يصلح شرطًا إذ كل منهما على خطر الوجود، ويكون قوله مع عتق مولاك إياك مع العتق الحاصل من إعتاق مولاك إياك، فلهذا أول المصنف قوله علق العتق بالإعتاق أو العتق.
стр. 2674
يبقى شيء، وهو أن كلمة " مع " للقران، قلنا قد تذكر للتأخر كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] الشرح الآية: ٦ فحمل عليه بدليل ما ذكرنا من معنى الشرط.
ولو قال: إذا جاء غد فأنت طالق ثنتين، وقال المولى: إذا جاء غد فأنت حرة، فجاء الغد لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره
ــ
[البناية]
فإن قلت: كيف سمى المصنف إضافة الطلاق إلى زمان الإعتاق تعليقًا، والمعلق غير مضاف. قلت: أجيب: بأنه سماها تعليقًا مجازًا لا حقيقة، لأن التعليق توقيف الأمر على أمر بحرف الشرط، فلما وجد توقف الطلاق على العتاق سماه تعليقًا، وإن لم يذكر لحوق الشرط فصار كأنه قال أنت طالق إن أعتق مولاك.
م: (يبقى شيء) ش: أي إشكالًا م: (وهو أن كلمة " مع " للقران) ش: عند أرباب اللسان، حاصل هذا أنه اعتذار عما ورد على كلامه، حيث قال يكون الطلاق متأخرًا عن العتق فورد عليه بأن قال لا نسلم أنه متأخر عنه، لأن كلمة مع للقران والصحبة، فقال: سلمنا ذلك لكن م: (قلنا: قد تذكر) ش: أي لفظ مع م: (للتأخر) ش: مجازًا، م: (كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] ش: (الشرح: ٥، ٦) ، لأنه لا يمكن المعية بين العسر واليسر للتضاد بينهما، فيحمل على التأخير، وتحقيقه أن كلمة مع قد تذكر للاقتران في زمان الوجود، وقد تذكر للاقتران في أصل الوجود كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤] (النمل: ٤٤) ، وكما في قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] (الشرح: ٦) ، فلو كان المراد هو الأول يحرم حرمة غليظة، ولو كان المراد هو الثاني لا يحرم، والحرمة الغليظة لم تكن ثابتة فلا يثبت بالشك والاحتمال.
فإن قيل: ينقض هذا بما ذكر في " الجامع " بقوله لامرأته أنت طالق مع نكاحك، حيث لم يصح ولم يصر معنى الشرط، فينبغي أن يكون كذلك، كما في قوله مع عتق مولاك - إلى آخره - بأن العدول عن حقيقة معنى القران باعتبار أنه ملك للتطليق تخييرًا تعليقًا، فكان من ضرورة كلامه أن يحمل على معنى الشرط، أما هاهنا لم يملك الطلاق، والطلاق مع النكاح متنافيان، فلا يلزم العدول عن معنى القران، فيلغو ضرورة.
وقال الكاكي: وهذا الجواب لم يتضح لي لأنه تمليك بتعليق الطلاق بالنكاح، فيمكن تصحيح كلامه على اعتبار معنى الشرط فينبغي أن يحمل عليه.
م: (فيحمل عليه) ش: أي إذا كان الأمر كذلك فيحمل لفظ مع على التأخر، كما في الآية الكريمة م: (بدليل ما ذكرنا من معنى الشرط) ش: لضرورة تصحيح الكلام.
[قال الرجل لامرأته الأمة إذا جاء غد فأنت طالق ثنتين]
م: (ولو قال: إذا جاء غد فأنت طالق ثنتين) ش: أي ولو قال الرجل لامرأته الأمة إذا جاء غد فأنت طالق ثنتين م: (وقال المولى: إذا جاء غد فأنت حرة فجاء الغد لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره
стр. 2675
وعدتها ثلاث حيض، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وقال محمد ﵀: زوجها يملك الرجعة عليها؛ لأن الزوج قرن الإيقاع بإعتاق المولى حيث علقه بالشرط الذي علق به المولى العتق، وإنما ينعقد المعلق سببا عند الشرط والعتق يقارن الإعتاق لأنه علته أصله علته، أصله الاستطاعة مع الفعل فيكون التطليق مقارنا، للعتق ضرورة
ــ
[البناية]
ش: لأنها حرمت عليه حرمة غليظة م: (وعدتها ثلاث حيض) ش: أي عدة الحرائر.
وهذه المسألة لا خلاف فيها على رواية أبي سليمان الجرجاني، وفيها الخلاف على رواية أبي حفص الكبير، أشار إليه بقوله م: (وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد زوجها يملك الرجعة) ش: يعني لا تحرم حرمة غليظة. وللشافعي قولان، لكن صورة المسألة عنده في العبد كما ذكرنا م: (لأن الزوج قرن الإيقاع) ش: أي إيقاع الطلاق م: (بإعتاق المولى، حيث علقه بالشرط الذي علق به المولى) ش:، وذلك أن الزوج أضاف الطلاق إلى زمان أضاف إليه المولى الإعتاق وهو مجيء الغد.
م: (وإنما ينعقد المعلق سببًا عند الشرط) ش: يعني المعلق إنما يكون سببًا للإيقاع عند وجود الشرط، فكأنا مقترنين في السببية فحكمه أيضًا كذلك م: (والعتق يقارن الإعتاق لأنه) ش: أي لأن الإعتاق م: (علته) ش: أي علة العتق، والعلة مع المعلول يقترنان عند الجمهور. وعند البعض يتعاقبان في العلة الشرعية، والتصرفات الشرعية بمنزلة الجواهر م: (أصله الاستطاعة مع الفعل) ش: يعني الاستطاعة التي يحصل بها الفعل لا تسبق الفعل، لأن الفعل معلول لها، فيقترنان في الحكم، لأنها لو سبقت لا يخلو إما أن تبقى إلى زمان وجود الفعل أولًا، فيلزم في الأول قيام العرض بالعرض، وفي الثاني يلزم حصول الفعل بلا قدرة، وهو محال، فكذا الإعتاق لا يستبق العتق، لأن العتق معلوله.
م: (فيكون التطليق مقارنًا للعتق ضرورة) ش: لأن الإعتاق أيضًا مقارن بمجيء الغد، لأن المقارن لمقارن الشيء مقارن لذلك الشيء لا محالة، فالطلاق بعد العتق فاسد، لأن الطلاق حكم التطليق لا يتأخر عنه، والتطليق يقارن الإعتاق، والإعتاق يقارن العتق، والطلاق يقارن العتق، كان المقارن للمقارن للشيء مقارن لذلك الشيء، فكيف يقع بعده، انتهى.
وقال الكاكي: لا يتضح قول محمد إلا أن يوصف حكم العلة بتأخر عن العلة كما هو مذهب البعض كما وصفه شمس الأئمة في مسألة أنت طالق مع عتق مولاك إياك ... إلى آخره.
وقال تاج الشريعة: اختلف المشايخ في جواز تأخير المعلولات عن العلل الشرعية، بعضهم قالوا لا يجوز ذلك، وبعضهم جوزه، لأن العلل الشرعية بمنزلة الجواهر على ما عرف، فمحمد أخذ في الطلاق بجواز التأخر، وفي العتق بالمقارنة.
стр. 2676
فتطلق بعد العتق. فصار كالمسألة الأولى، ولهذا تقدر عدتها بثلاث حيض. ولهما أنه علق الطلاق بما علق به المولى العتق، ثم العتق يصادفها وهي أمة، وكذا الطلاق والطلقتان تحرمان الأمة حرمة غليظة، بخلاف المسألة الأولى، لأنه علق التطليق بإعتاق المولى فيقع الطلاق بعد العتق على ما قررناه، بخلاف العدة لأنه
ــ
[البناية]
ووجه ذلك أن الطلاق مختص ببطء الثبوت لتحققه مع المنافي، والإعتاق مختص بسرعة الثبوت، لكنه على وفاق الدليل فيقدم على الطلاق فيصادفها الطلاق وهي حرة، فيملك الرجعة، ولهذا يتأخر الملك في البيع الفاسد عن البيع إلى زمان القبض، بخلاف البيع الصحيح لما ذكرنا أن أحدهما على وفق الدليل، والآخر على خلافه، انتهى.
وعلل ركن الإسلام القاضي أبو الحسن السعدي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لمحمد ﵀ أن العتق وإن كان يقارن الإعتاق، لكن العتق لا يزول ما لم يزل الرق مع العتق، لا يجتمعان في محل واحد، فيكون نزول العتق بعد زوال الرق فكان الطلاق بعد الحرية.
وقيل في الجواب أنه يجوز أن يكون مراده بقوله بعد العتق أي معه كما أن مراده بقوله عتق مولاك وإياك، أي بعد عتق مولاك إياك، وقيل المعلق بالشرط كالمرسل عنده فيكون قول المولى عند الشرط عند حرة، وقال الزوج طالق مقترنين في زمان واحد ويتأخر ثنتين عن الحرية ضرورة فيقعان عليها، وهي حرة.
م: (فصار كالمسألة الأولى) ش: وهي قوله أنت طالق ثنتين مع عتق مولاك إياك م: (ولهذا تقدر عدتها بثلاث حيض) ش: هذا إيضاح لقوله م: (لتطلق بعد العتق) ش:، بيانه أن الطلاق صادف الحرية، ولهذا تعتد بثلاث حيض، فلو صادف الأمة لزمها الاعتداد بالحيضتين، هكذا شرحه الأترازي، ثم قال: وعلى هذا الاستدلال الذي أورده صاحب " الهداية " نظر، لأن الاعتداد بثلاث حيض باعتبار أنها حرة زمان وجوب العدة كما في المسألة الأولى، باعتبار أن الطلاق صادف الحرية، انتهى.
قلت: هذا الاستدلال هو الذي ذكره ثم نسبه لصاحب " الهداية " ثم نظر فيه، ولم يذكره صاحب " الهداية " هنا على ما لا يخفى.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة وأبي يوسف م: (أنه) ش: أي الزوج م: (علق الطلاق بما علق به المولى العتق) ش: وهو مجيء الغد م: (ثم العتق يصادفها وهي أمة) ش: أي والحال أنها أمة م: (وكذا الطلاق) ش: مصادفها وهي أمة م: (والطلقتان تحرمان الأمة حرمة غليظة) ش: فلا يملك الرجعة م: (بخلاف المسألة الأولى، لأنه علق التطليق بإعتاق المولى فيقع الطلاق بعد العتق على ما قررناه) ش: أي في المسألة الأولى، وهو أن الشرط مقدم على المشروط م: (بخلاف العدة لأنه) ش:
стр. 2677
يؤخذ فيها بالاحتياط، وكذا الحرمة الغليظة يؤخذ فيها بالاحتياط، ولا وجه إلى ما قال، لأن العتق لو كان يقارن الإعتاق لأنه علته، فالطلاق يقارن التطليق لأنه علته فيقترنان.
ــ
[البناية]
أي لأن الشأن م: (يؤخذ فيها بالاحتياط) ش: صيانة لأمر الدين م: (وكذا الحرمة الغليظة يؤخذ فيها بالاحتياط) .
م: (ولا وجه إلى ما قال) ش: أي محمد م: (لأن العتق لو كان يقارن الإعتاق لأنه علته) ش: أي لأن الإعتاق علة العتق م: (فالطلاق يقارن التطليق، لأنه علته) ش: أي لأن التطليق علة الطلاق م: (فيقترنان) ش: أي الإعتاق والتطليق، يعني كما أن الإعتاق يصادفها، وهي أمة فكذلك التطليق.
стр. 2678
فصل في تشبيه الطلاق ووصفه ومن قال لامرأته أنت طالق، هكذا يشير بالإبهام والسبابة والوسطى ، فهي ثلاث لأن الإشارة بالأصابع تفيد العلم بالعدد في مجرى العادة إذا اقترنت
ــ
[البناية]
[فصل في تشبيه الطلاق ووصفه] [قال لامرأته أنت طالق هكذا يشير بالإبهام والسبابة والوسطى]
م: (فصل في تشبيه الطلاق ووصفه)
ش: أي هذا فصل في بيان تشبيه الطلاق. ولما ذكر أصل الطلاق شرع يذكر وصفه وتنويعه في فصل على حدة، لكونه تابعًا.
م: (ومن قال لامرأته أنت طالق، هكذا يشير) ش: أي حال كونه يشير م: (بالإبهام والسبابة والوسطى، فهي ثلاث) ش: أي ثلاث تطليقات، وقد طعن بعض الجهال على محمد في قوله: والسبابة لأنه ذكر هذه المسألة في " الجامع الصغير " هكذا، وقال: إنه اسم جاهل في الاسم الشرعي المسبحة، وورد عليه بأن السبابة وردت أيضًا في الشرع، وقد روى الطحاوي من حديث موسى ابن أبي عامر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال كيف الطهور؟ فدعا رسول الله ﷺ بماء فتوضأ فأدخل إصبعيه أذنيه فمسح بإبهاميه ظاهر أذنيه وبالسبابتين باطن أذنيه» . انتهى. على أن في النسخ السباحة، فكأن السبابة والسباحة أيضًا وردت بالحديث.
وقد روى النسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثًا ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا، ثم مسح برأسه وأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه، بالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثًا، ثم قال هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص، فقد أساء أو ظلم وأساء» .
وقال الأترازي: المعتبر في اللغات استعمال م: (العرب العرباء لاستعمال) ش: أهل الحضر والمولدين، فاستعمال السبابة أولى لكونها لغة العرب الفصيح، وعدم النهي عن التكلم بها. انتهى.
قلت: لا فائدة في هذا الذي قاله أصلًا، لأن كل واحدة من السباحة والسبابة استعملت في الشرع كما ذكرنا، وأيضًا دعواه الأولوية في السبابة غير موجهة على ما لا يخفى.
م: (لأن الإشارة بالأصابع تفيد العلم بالعدد في مجرى العادة إذا اقترنت) ش: أي الإشارة
стр. 2679
بالعدد المبهم، قال ﷺ : «الشهر هكذا وهكذا وهكذا» الحديث. وإن أشار بواحدة فهي واحدة، وإن أشار بثنتين فهي ثنتان لما قلنا، والإشارة تقع بالمنشورة منها، وقيل إذا أشار بظهورها فبالمضمونة منها، وإذا كان تقع الإشارة بالمنشورة منها فلو
ــ
[البناية]
م: (بالعدد المبهم) ش: وهو أن يقول هكذا.
وقال العتابي في شرحه قوله يشير بالإبهام والسبابة والوسطى يريد به الإشارة بالأصابع التي اعتاد الناس الإشارة بها وبين الأصابع الأخر.
وقال تاج الشريعة: يعني يشير بالثلاثة بمرة واحدة، وفي " المغني " قال أنت طالق وأشار بأصابعه الثلاثة يقع واحدة وإن قال هكذا، وأشار بها وقع الثلاث.
م: (قال ﷺ ) ش: أي قال النبي ﷺ «الشهر هكذا وهكذا وهكذا» الحديث روي عن ابن عمر وعن سعد بن أبي وقاص، وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. وحديث ابن عمر رواه البخاري ومسلم في الصوم، قال: «قال النبي ﷺ : " الشهر هكذا وهكذا وهكذا وحبس الإبهام في الثالثة» . وحديث سعد أخرجه مسلم عن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: «ضرب رسول الله ﷺ بيده على الأخرى، وقال الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وأمسك في الثالثة إصبعًا» . وحديث عائشة رواه الحاكم في " المستدرك " عنها أن «النبي ﷺ " أقسم أنه لا يدخل عليها شهرًا فغاب عنها تسعة وعشرين يومًا، ثم دخل عليها في الثلاثين، فقلت له إنك حلفت أن لا تدخل علينا شهرًا فقال: " الشهر هكذا وهكذا وهكذا " وأمسك في الثالثة الإبهام» ، وقال: صحيح على شرط البخاري.
قوله: وحبس، أي وقبض والاحتباس: الانقباض، وفي " المبسوط " قوله وحبس في المرة الثالثة إبهامه، بيان منه أن الشهر تسعة وعشرين يومًا ولا خلاف في هذه المسألة، والإشارة تقع بالمنشورة منها لا بالمضمونة لاعتبار العرف والعادة، ألا ترى أنه ﵇ حبس إبهامه في المرة الثالثة، وفهم منه تسعة وعشرون يومًا، ولو اعتبر المقبوض لكان المفهوم أحد وعشرين يومًا.
م: (وإن أشار بواحدة) ش: يعني وإن أشار بأن واحدة وقال أنت طالق م: (فهي واحدة) ش: أي فهي تطليقة واحدة. م: (وإن أشار بثنتين) ش: أي بإصبعين وقال أنت طالق هكذا م: (فهي ثنتان) ش: أي تطليقة ثنتان يعني يقع تطليقتان م: (لما قلنا) ش: يريد به قوله لأن الإشارة بالأصابع تفيد العلم بالعدد في مجرى العادة إذا اقترنت بالعدد المبهم م: (والإشارة تقع بالمنشورة) ش: أي الأصابع المنشورة م: (منها) ش: أي من أصابع اليد ولا تقع بالمضمومة باعتبار العرف والعادة.
م: (وقيل إذا أشار بظهورها) ش: أي بظهور الأصابع إلى المرات م: (فبالمضمومة منها) ش: أي فيقع الطلاق حينئذ بالمضمومة من الأصابع لا بالمنشورة. م: (وإذا كان تقع الإشارة بالمنشورة فلو
стр. 2680
نوى الإشارة بالمضمومتين يصدق ديانة لا قضاء، وكذا إذا نوى الإشارة بالكف حتى تقع في الأولى ثنتان ديانة، وفي الثانية واحدة، لأنه يحتمله لكنه خلاف الظاهر ولو لم يقل هكذا يقع واحدة لأنه لم يقترن بالعدد المبهم فبقي الاعتبار بقوله: أنت طالق،
وإذا وصف الطلاق بضرب من الشدة والزيادة كان بائنا مثل أن يقول: أنت طالق بائن أو البتة .
ــ
[البناية]
نوى الإشارة بالمضمومتين يصدق ديانة لا قضاء) ش: وبه قال الشافعي لأنه كما وجدت الإشارة بالمنشورة وجدت بالمعقودة، إلا أنه خلاف الظاهر، لأن الإشارة المعهودة فيما بين الناس في بيان العدد المبهم بالأصابع المنشورة لا بالمحبوسة ولا بالكف، فإذا ادعى خلافه فلا يصدق في القضاء، كذا في " مبسوط شيخ الإسلام ".
م: (وكذا إذا نوى الإشارة بالكف) ش: وصورة الإشارة بالكف أن تكون جميع الأصابع منشورة، يعني أشار إليها بالأصابع المنشورة وبطونها إلى المرات وقال أنت طالق هكذا، ثم قال عنيت بها الإشارة بالكف لا بالأصابع. يصدق ديانة لا قضاء م: (حتى تقع في الأولى) ش: أي في المضمومتين م: (ثنتان) ش: أي طلقتان ديانة لا قضاء م: (ولي الثانية) ش: أي الإشارة بالكف م: (واحدة) ش: يعني يصدق ديانة حتى تقع واحدة لا قضاء حتى ثلاثًا في القضاء، لأنه أشار إليها بأصابعه الثلاث المنشورة. وفي " المبسوط " وبعض المتأخرين قالوا: لو جعل ظهر الكف إلى نفسه وبطون الأصابع إليها لا يصدق في القضاء، كذا في " مبسوط شيخ الإسلام ". وكذا إذا نوى الإشارة بالكف وصورة الإشارة بالكف أن يكون جميع الأصابع منشورة، يعني أشار إليها بالأصابع المنشورة وبطونها إلى المرأة وقال أنت طالق هكذا، ثم قال عنيت بها الإشارة بالكف لا بالأصابع يصدق ديانة لا قضاء حتى يقع في الأولى، أي في المضمومتين، وذكر الإمام التمرتاشي قيل لو كان باطن كفه إلى السماء فالعبرة للنشر، وإن كان ضمًا عن نشر فالعبرة للضم وقيل: إن كان نشرًا عن ضم فالعبرة للنشر، وإن كان ضمًا عن نشر فالعبرة للضم للعادة.
م: (لأنه يحتمله) ش: أي لأن قوله نويت الإشارة بالكف يحتمل ما نوى م: (لكنه خلاف الظاهر) ش: فلا يصدق قضاء م: (ولو لم يقل هكذا) ش: يعني إذا أشار إليها بالأصابع المنشورة، وقال أنت طالق لكنه لم يقل لفظ هكذا م: (يقع واحدة) ش: أي طلقة واحدة م: (لأنه) ش: أي لأن قوله عند الإشارة بدون لفظ هكذا م: (لم يقترن بالعدد المبهم) ش: فاعتبر وجود الإشارة كعدمها م: (فبقي الاعتبار بقوله أنت طالق) ش: فلا يقع به إلا واحدة، وإن نوى الثلاث عندنا وبه قال الشافعي عند عدم النية.
[يقول أنت طالق بائن أو البتة]
م: (وإذا وصف الطلاق بضرب) ش: أي بنوع م: (من الشدة والزيادة كان) ش: أي الطلاق م: (بائنًا مثل أن يقول أنت طالق بائن أو البتة) ش: أي وأنت طالق البتة أي القطع.
стр. 2681
وقال الشافعي ﵀: يقع رجعيا إذا كان بعد الدخول لأن الطلاق شرع معقبا للرجعة، فكان وصفه بالبينونة خلاف المشروع فيلغو، كما إذا قال: أنت طالق على أن لا رجعة لي عليك ولنا أنه وصفه بما يحتمله لفظه، ألا ترى أن البينونة قبل الدخول وبعد العدة تحصل به، فيكون هذا الوصف لتعيين أحد المحتملين.
ــ
[البناية]
م: (وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يقع رجعيًا) ش: أي طلاقًا رجعيًا م: (إذا كان بعد الدخول) ش: وبه قال مالك وأحمد م: (لأن الطلاق شرع معقبًا للرجعة، وكان وصفه بالبينونة خلاف المشروع فيلغو) ش: أي وصفه بالبينونة م: (كما إذا قال أنت طالق على أن لا رجعة لي عليك، ولنا أنه) ش: أي أن الزوج م: (وصفه) ش: أي وصف الطلاق م: (بما يحتمله) ش: وهو البينونة، ولهذا ثبتت البينونة به قبل الدخول، وبعد انقضاء العدة بالطلاق.
فإن قيل ينتقض بما إذا قال أنت طالق ونوى البينونة إلى الثلاث حيث لا يصح بالإجماع، فينبغي أن يصح لأنه محتمل كلامه، قلنا: النية تصح للملفوظ والبينونة ما صارت ملفوظة بقوله أنت طالق، بخلاف قوله أنت طالق بائن، فإن البينونة ملفوظة.
وقال الكاكي: في هذا الجواب نوع ضعف، لأنه ذكر في " المبسوط " قوله أنت طالق يحتمل المبين وغير المبين، فكان قول بائنًا تعيين أحد محتمليه، إلا أن يقول لا يحتمله بطريق الحقيقة لكنه يحتمله بطريق المجاز فلا بد للمجاز من نيته، ولهذا لا يندفع السؤال.
فإن قيل: بائن صفة المرأة لا صفة الطلاق، فكيف واصفًا للطلاق بالبينونة، كذا قيل وقال الكاكي وفيه نوع تأمل، انتهى.
قلت: قوله بائن صفة لطلاق، أو خبر بعد خبر، وليس صفة الطلاق وإنما يكون صفة الطلاق لو قال أنت طالق بائنًا.
م: (ألا ترى أن البينونة قبل الدخول وبعد العدة تحصل به) ش: أي بقوله أنت طالق م: (فيكون هذا الوصف) ش: أي وصف المرأة بقوله - أنت طالق بائن - م: (لتعيين أحد المحتملين) ش: وهو البينونة. وقال الأترازي: هو بفتح الميم، وأراد بهما الرجعي البائن وفيه نظر لأن الرجعي ليس يحتمل الطلاق بل هو البائن. وقال الأكمل ملخصًا من كلام السغناقي، واعترض بأنه لو قال مختلًا لما جاز نيته فيقع بقوله أنت طالق واحدة بائنة، إذا نوى وليس كذلك، وأجيب: بأن النية إنما تعمل إذا لم تكن مغيرة للمشروع ونية البائن من قوله أنت طالق مغيرة، لأن الطلاق شرع معقبًا للرجعة. ورد بأنه تسليم لدليل الخصم ومخرج إلى الفرق بين عدم جواز كون النية مغيرة، وجواز كون الوصف مغيرًا للمشروع.
وأجيب: بأن الفرق بينهما أن الوصف الملفوظ أقوى في اعتبار الشرع من النية، بدليل أنه لو قال أنت طالق، ولم يتقدم له تطليق، اعتبر الشارع ذلك طلاقًا، ولو نوى طلاقًا ولم يتلفظ بلفظ
стр. 2682
ومسألة الرجعة ممنوعة فتقع واحدة بائنة إذا لم تكن له نية أو نوى الثنتين، أما إذا نوى الثلاث فثلاث لما مر من قبل، ولو عنى بقوله: أنت طالق واحدة، وبقوله: بائن أو البتة أخرى تقع تطليقتان بائنتان،
ــ
[البناية]
لم يعتبره طلاقًا لئلا يتغير المشروع، وهو شرعية الوقوع بألفاظ الطلاق.
م: (ومسألة الرجعة ممنوعة) ش: هذا جواب عن قول الشافعي كما إذا قال: أنت طالق على أن لا رجعة لي عليك، يعني لا نسلم أنه لا يقع بائنًا بل يقع واحدة بائنة، وهو معنى قوله م: (فتقع واحدة بائنة إذا لم تكن له نية أو نوى الثنتين) ش: أي الطلقتين م: (أما إذا نوى الثلاث) ش: أي الطلقات الثلاث م: (فثلاث) ش: أي يقع ثلاث طلقات م: (لما مر من قبل) ش: أي في باب إيقاع الثلاث بقوله، ونحن نقول: نية الثلاث إنما صحت لكونها جنسًا آخر.
وقال الكاكي: مسألة الرجعة ممنوعة يعني تقع واحدة بائنة فيها، ولئن سلم فالفرق في قوله أن لا رجعة صرح بنفي الشروع وفي مسألتنا وصف البينونة، وما نفى الرجعة صريحًا، ولكن يلزم منها نفي الرجعة ضمنًا، وكم من شيء يثبت ضمنًا ولا يثبت قصدًا، كذا سمعته من شيخي العلامة.
وذكر الأكمل هذا برمته، قال: كذا قال شيخي العلامة وشيخه هو قوام الدين الكاكي وشيخ قوام الدين هو عبد العزيز بن أحمد بن محمد البخاري أي الإمام البحر في الفقه والأصول شارح البزدوي، وكان وضع كتابًا على " الهداية " بسؤال قوام الدين المذكور إياه حين اجتمع به بترمذ، وتفقه عليه، ووصل إلى كتاب النكاح واخترمته المنية برد الله مضجعه.
م: (ولو عنى بقوله: أنت طالق واحدة، وبقوله: بائن أو البتة أخرى) ش: أي طلقة أخرى م: (تقع تطليقتان بائنتان) ش: وقياس قول الشافعي تطليقتان رجعيتان. وقال في " فتاوى " الولوالجي وقيل: الأول يقع رجعيًا. وقال الأترازي: أقول هذا أصح عندي، لأن قوله: بائن في قوله: أنت طالق بائن، وقع خبرًا بعد خبر للمبتدأ، كما في قولهم: زيد عالم عامل، أي جامع لهذين الوصفين، فثبت لكل واحد منهما موجبه، وموجب الطلاق ثبوت الرجعة، وموجب البائن ثبوت البينونة، ولا معنى لثبوت التطليقتين البائنتين، ولا يلزم من كون الثاني بائنًا كون الأول بائنًا، انتهى.
قلت: هذا كله مبادر من غير تأمل، ولا يخلو عما هو قصر، لأن قوله: خبر بعد خبر لا يصل أن يكون مصححًا لكلامه بل هو يرد كلامه، لأن معناه كأنه قال أنت طالق أنت بائن نعم، كان قوله أنت طالق يقتضي أن يكون رجعيًا ابتداء، إلا أنه جعل بائنًا لعدم الإمكان، لأن الثاني يكون بائنًا لا محالة عندنا فيكون الأول بائنًا أيضًا ضرورة، إذ لا يتصور بقاء الأول رجعيًا إذا صار الثاني بائنًا.
стр. 2683
لأن هذا الوصف يصلح لابتداء الإيقاع. وكذا إذا قال أنت طالق أفحش الطلاق؛ لأنه إنما يوصف بهذا الوصف باعتبار أثره، وهو البينونة في الحال، فصار كقوله: بائن.
ــ
[البناية]
وقال الأكمل: ومن الناس من ذهب إلى أن الأول يقع رجعيًا بأن أراد ما ذكرناه يعني قوله أن الأول يقع رجعيًا ابتداء، فينقلب بائنًا لوقوع الثاني بائنًا لعدم تصور بقائه رجعيًا، فهذا صحيح ظاهر، وإن أراد بقاؤه رجعيًا فليس بصحيح.
م: (لأن هذا الوصف يصلح لابتداء الإيقاع) ش: أراد بالوصف لفظ بائن والبتة، وأنه يصلح للإيقاع ابتداء، بأن قال أنت بائن، أو أنت طالق البتة، ونوى به الطلاق يصح ويقع، وكذا إذا نوى بلفظ البتة تطليقة أخرى.
وقال الأترازي: وقوع الثنتين في قوله أنت طالق البتة فيه نظر عندي، لأن قوله: البتة ذكر منصوبًا، وهو من حيث العربية لا يصح إذا جعل صفة لمصدر محذوف بأن يراد أنت طالق البتة، والطلقة للمرة الواحدة ولا دلالة فيها على التكرار، وأما إذا لم ينوه فظاهر، كذا إذا نواه، لأن الطلقة مصدر وقع تأكيدًا لما دل عليه قوله طالق، فلا يثبت بها شيء آخر على سبيل الأصالة انتهى.
قلت: هذا أيضًا فيه ما فيه، لأن المصدر المحذوف المؤكد بكسر الكاف لما قبله صفة في نفس الأمر وصف بها لفظ طالق بلفظ الشدة، فلا ينافي أن يكون له معنى زائدًا يقع طلقة أخرى، فافهم.
م: (وكذا) ش: أي وكذا تقع التطليقة البائنة، وهذا معطوف على قوله أنت طالق بائن في الأحكام الأربعة وهو قوله فتقع واحدة بائنة إذا لم تكن له نية أو نوى الثنتين.
ولو نوى الثلاث فثلاث، ولو نوى بقوله أنت طالق واحدة، وبقوله أفحش الطلاق أخرى تقع تطليقتان، وكذا الجواب عن قوله أخبث الطلاق أو أشره أو أشده أو أكبره م: (إذا قال: أنت طالق أفحش الطلاق، لأنه إنما يوصف بهذا الوصف باعتبار أثره) ش: أي أثر الطلاق باعتبار ذاته م: (وهو البينونة في الحال، فصار كقوله: بائن) ش: إنما قلنا لا باعتبار ذاته، لأن ذاته لا توصف بهذه الأوصاف أعنى الفحش، والشر، والشدة والخبث والعظمى والكبر، لأن الطلاق ليس بمحسوس، ولا هذي هيئته، حتى يكون وصفًا لذاته، وغير المحسوس يعرف بأثره، فتكون هذه الأوصاف لأثره. ومن شدة أثره وفحشه وخبثه وكبره وعظمه أن يكون قاطعًا للنكاح في الحال، فصار كأنه بلفظ البائن، لأن أفعل التفضيل لبيان أصل التعارف، وذلك في الواحدة البائنة لأنها أشد حرمة حكمًا وأفحش من الرجعية، وقد يذكر لبيان نهاية التعارف وذلك في الثلاث. فإن نوى الثلاث، فقد نوى محتمل كلامه فصحت، وإن لم تكن له نية يصرف إلى الأدنى، لأنه المتيقن.
стр. 2684
وكذا إذا قال: أخبث الطلاق أو أسوؤه؛ لما ذكرنا، وكذا إذا قال: طلاق الشيطان، أو طلاق البدعة، لأن الرجعي هو السنة، فيكون طلاق البدعة وطلاق الشيطان بائنا، وعن أبي يوسف ﵀ في قوله أنت طالق لبدعة أنه لا يكون بائنا إلا بالنية، لأن البدعة قد تكون من حيث الإيقاع في حالة حيض فلا بد من النية. وعن محمد ﵀ أنه إذا قال: أنت طالق للبدعة أو طلاق الشيطان يكون رجعيا؛ لأن هذا الوصف قد يتحقق بالطلاق في حالة الحيض فلا تثبت البينونة بالشك.
ــ
[البناية]
فإن قيل أفحش أفعل التفضيل، فيقتضي أن يكون هناك فاحشًا. قلت: هذا الوزن مشترك بين التفضيل وبين الإثبات، لأن طالقًا لا يحتمل طالقان، ولأن مجرد هذا متيقن، هذا في " الفوائد الظهيرية ".
[قال أنت طالق أخبث الطلاق]
م: (وكذا إذا قال: أخبث الطلاق) ش: أي وكذا الجواب إذا قال أنت طالق أخبث الطلاق م: (أو أسوؤه) ش: أو قال طالق أسوأ الطلاق م: (لما ذكرنا) ش: من قوله لأنه إنما يوصف بهذا الوصف باعتبار أثره، وذكر ابن سماعة في نوادره أنه إذا قال أنت طالق أقبح الطلاق، فإن نوى ثلاثًا فثلاث، وإن نوى واحدة فهي واحدة رجعية، عند أبي يوسف، بائنة عند محمد.
وفي " الكافي " للحاكم الشهيد، وإن قال أنت طالق أكثر الطلاق فهي ثلاث لا يدين إذا قال نويت واحدة، وإن قال أنت طالق أكمل الطلاق وأشر الطلاق، فهي واحدة رجعية، وإن قال أنت طالق طول كذا وكذا أو عرض كذا وكذا فهي واحدة بائنة وإن قال أنت طالق خير الطلاق أو أعدله أو أحسنه أو أفضله فهي طالق للسنة في وقت السنة، وإن نوى ثلاثًا فهي ثلاث للسنة.
وقال الطحاوي في " مختصره ": ولو قال لها أنت طالق تطليقة حسنة أو جميلة كانت طالقًا تطليقة يملك فيها الرجعة، كانت حائضًا أو غير حائض، ولم تكف هذه التطليقة للسنة، ثم قال: وروى صاحب الإملاء عن أبي يوسف أنها طالق تطليقة للسنة كما إذا قال أنت طالق أحسن الطلاق.
م: (وكذا إذا قال: طلاق الشيطان أو طلاق البدعة) ش: أي وكذا يقع البائن إذا قال أنت طالق طلاق الشيطان أو طلاق البدعة، أي أو قال أنت طالق طلاق البدعة م: (لأن الرجعي هو السنة فيكون طلاق البدعة وطلاق الشيطان بائنًا، وعن أبي يوسف في قوله أنت طالق للبدعة أنه لا يكون بائنًا إلا بالنية، لأن البدعة قد تكون من حيث الإيقاع في حالة الحيض، فلا بد من النية. وعن محمد ﵀ أنه إذا قال أنت طالق للبدعة أو طلاق الشيطان يكون رجعيًا، لأن هذا الوصف) ش: أي وصف البدعة والشيطان م: (قد يتحقق بالطلاق في حالة الحيض، فلا تثبت البينونة بالشك) ش: هذا الذي ذكره المصنف عن محمد هو رواية هشام عنه.
стр. 2685
وكذا إذا قال: كالجبل لأن التشبيه به يوجب زيادة لا محالة وذلك بإثبات زيادة الوصف، وكذا إذا قال مثل الجبل لما قلنا. وقال أبو يوسف ﵀: يكون رجعيّا لأن الجبل شيء واحد فكان تشبيها به في توحيده.
ولو قال: لها أنت طالق أشد الطلاق ، أو كألف، أو ملء البيت؛ فهي واحدة بائنة، إلا أن ينوي ثلاثا؛ أما الأول: فلأنه وصفه بالشدة، وهو البائن لأنه لا يحتمل الانتقاض والارتفاض أما الرجعي فيحتمله؛ وإنما تصبح نية الثلاث لذكره المصدر
ــ
[البناية]
م:) وكذا إذا قال: كالجبل) ش: أي وكذا يكون بائنًا إذا قال أنت طالق كالجبل وهذا قول أبي حنيفة ومحمد م: (لأن التشبيه به) ش: أي بالجبل م: (يوجب زيادة) ش: وهي البينونة، لأنه لا يحتمل الزيادة من حيث العدد، لأنه ليس بذي عدد لكونه واحدًا في الذات، فيحمل على الزيادة التي ترجع إلى الوصف. م: (وكذا إذا قال: مثل الجبل) ش: أي وكذا يكون بائنًا إذا قال أنت طالق مثل الجبل م: (لما قلنا) ش: يريد وسع المسافة به قوله أن التشبيه به يوجب زيادة لا محالة.
م: (وقال أبو يوسف: يكون) ش: أي الطلاق م: (رجعيًا) ش: وبه قال الشافعي وأحمد م: (لأن الجبل شيء واحد فكان تشبيهًا في توحيده) ش: أي توحيد الجبل وهو مزيد عن الوصف والعدد، ويحتمل التشبيه في العظم فلا تقع البينونة بالشك. ولو قال أن طالق كالصخرة أو كالفل فإنه رجعي وبائن عند محمد، ذكره المرغيناني.
وفي " الذخيرة " لو قال أنت طالق مثل التراب أو الأساطير. تقع واحدة رجعية عندهما. وعند أبي حنيفة وزفر تقع واحدة بائنة.
[قال لها أنت طالق أشد الطلاق]
م: (ولو قال لها: أنت طالق أشد الطلاق " أو كألف " أو ملء البيت؛ فهي واحدة بائنة، إلا أن ينوي ثلاثًا) ش: هذه من مسائل " الجامع الصغير " ويقع بهذه الألفاظ طلقة واحدة بائنة نواها أو لم ينو. فلو نوى ثلاثًا فثلاث م: (أما الأول) ش: وهو قوله أنت طالق أشد الطلاق، وفيه البينونة م: (فلأنه وصفه) ش: أي وصف الطلاق م: (بالشدة وهو البائن) م: (لا يحتمل الانتقاض) ش: أي النقض م: (والارتفاض) ش: من الرفض، ولهذا لا يحل له فيه إلى التزوج الجديد.
م: (أما الرجعي) ش: أي الطلاق الرجعي م: (فيحتمله) ش: أي فيحتمل الانتقاض م: (ولهذا) ش: أي في الطلاق الرجعي لأن يراجعها بقول أو فعل ولا يحتاج فيه إلى رضاها، وإنما صح نية الثلاث لذكره المصدر، هذا جواب عما يقال سلمنا أن قوله أنت طالق أشد الطلاق يقتضي الإبانة بواحدة بوصفه الطلاق بالشدة فمن أين تصح نية الثلاث؟ فأجاب بقوله: م: (وإنما تصح نية الثلاث لذكره بالمصدر) ش: وهو اسم جنس يحتمل الثلاث بلا وصف الشدة، وهاهنا أولى. فإن قيل هذا ينبغي أن يتيقن الثلاث بلا نية، لأنه لو قال أنت طالق شديد، يقع البائن وأشد أقوى منه فينبغي أن يصرف إلى الثلاث. قلنا: الجواب عندما ذكرناه عند قوله: أفحش
стр. 2686
وأما الثاني: فلأنه قد يراد بهذا التشبيه في القوة تارة، وفي العدد أخرى يقال: هو كألف رجل، ويراد به القوة فتصح نية الأمرين، وعند فقدانها يثبت أقلهما. وعن محمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يقع الثلاث عند عدم النية لأنه عدد يراد به التشبيه في العدد ظاهرا، فصار كما إذا قال طالق كعدد ألف.
وأما الثالث: فلأن الشيء قد يملؤه البيت لعظمة في نفسه، وقد يملؤه لكثرته وأي ذلك نوى صحت نيته، وعند انعدام النية يثبت الأقل.
ــ
[البناية]
الطلاق وهو أن المراد من أفعل التفضيل هنا مجرد الإثبات لا إثبات التفضيل فلا يجوز حمل مطلق اللفظ مع الاحتمال على الثلاث.
م: (وأما الثاني) ش: وهو قوله كألف م: (فلأنه) ش: أي فلأن الشأن م: (قد يراد بهذا) ش: أي بقوله: كألف م: (التشبيه في القوة تارة وفي العدد أخرى) ش: أي ويراد التشبيه في العدد مرة أخرى م: (يقال: هو كألف رجل) ش: أي فلان كألف رجل، يعني يعد كألف رجل م: (ويراد به القوة) ش: يقال فلان كألف رجل في القوة م: (فتصح نية الأمرين) ش: يعني إذا وسع المسافة نوى الواحدة يقع البائن باعتبار التشبيه في القوة. وإذا نوى الثلاث يقع أيضًا باعتبار التشبيه في العدد م: (وعند فقدانها) ش: أي عند فقدان النية م: (يثبت أقلهما) ش: أي أقل الأمرين وهو الواحد البائن، لأن الأقل متيقن.
م: (وعن محمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يقع الثلاث عن عدم النية لأنه عدد) ش: أي لأن الألف عدد م: (يراد به التشبيه في العدد ظاهرًا) ش: هذه رواية عن محمد وذكرها الولوالجي وغيره م: (فصار) ش: أي فصار الحكم في هذا م: (كما إذا قال: طالق كعدد ألف) ش: وهذا لا خلاف فيه، لأنه نص على العدد. ولو قال أنت طالق واحدة كألف فهي واحدة بائنة، ولا تكون ثلاثًا، لأن الواحدة لا تحتمل العدد فيكون التشبيه لزيادة القوة.
[قال أنت طالق مثل الجبل أوملء البيت]
م: (وأما الثالث) ش: وهو قوله ملء البيت م: (فلأن الشيء قد يملأ البيت لعظمة في نفسه، وقد يملؤه لكثرته، وأي ذلك نوى صحت نيته) ش: فالعظم في الطلاق بالإبانة والكثرة بالثلاث، فأيهما نوى صح م: (وعند انعدام النية يثبت الأقل) ش: وهو الإبانة، لأن الأقل متيقن. وروى الطحاوي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عن أبي يوسف ومحمد في غير ظاهر الرواية إذا قال أنت طالق مثل الجبل أو ملء البيت أو ملء الكوز، يكون رجعيًا. وفي شرح الأقطع لو قال: أنت طالق تطليقة تملأ الكوز كان بائنًا في قولهم جميعًا، لأنه صفة للطلاق يقتضي زيادة عظم، وليس ذلك إلا بالبينونة.
وفي " الروض " مختصر الرافعي قال: أنت طالق ملء البيت أو البلد أو السماء والأرض أو أعظم من الجبل أو أكثر الطلاق أو أعظمه أو أشده أو أطوله أو أعرضه، أو طلقة كبيرة أو عظيمة يقع واحدة رجعية وتلغو هذه كلها.
وهكذا في " مغني " الحنابلة. وهكذا لو قال: ملء الدنيا يقع واحدة رجعية، كقول الشافعي
стр. 2687
ثم الأصل عند أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنه متى شبه الطلاق بشيء يقع بائنا أي شيء كان المشبه به، يذكر العظم أو لم يذكر؛ لما مر أن التشبيه يقتضي زيادة وصف، وعند أبي يوسف ﵀، أن ذكر العظم يكون بائنا وإلا فلا أي شيء كان المشبه به. لأن التشبيه قد يكون في التوحيد على التجريد، أما ذكر العظم فللزيادة لا محالة، وعند زفر ﵀ إن كان المشبه به مما يوصف بالعظم عند الناس يقع بائنا وإلا فهو رجعي. وقيل: محمد ﵀ مع أبي حنيفة ﵀ وقيل مع أبي يوسف ﵀ وبيانه في قوله: مثل رأس الإبرة
ــ
[البناية]
وأقصى الطلاق وأكثره واحدة رجعية وهو المذهب، ويحتمل الثلاث في أقصاه، قال السروجي: هذا الاحتمال هو الحق والمذهب ضعيف جدًا. ولو قال: أنت طالق عدد التراب يقع واحدة عند أبي يوسف، واختاره البغوي وأحمد. وفي جوامع الفقه عن محمد عدد الرمل ثلاث، لأنه ذو عدد، بخلاف التراب روايتان عنه. ولو قال: أنت طالق واحدة مائة مرة لم يقع إلا وحدة قاله المتولي عن الشافعية وهو بعيد جدًا.
وفي المرغيناني قال: أنت طالق كثلاث فهي واحدة بائنة عند أبي يوسف، وثلاث عند محمد كما لو قال كعدد ثلاث. ولو قال كعدد الشمس أو القمر فهي واحدة بائنة عند أبي حنيفة ورجعية عند أبي يوسف، وعن محمد كالنجوم واحدة، وكعدد النجوم ثلاث. وفي المرغيناني وغيره قال: أنت طالق كعدد كل شعرة على جسد إبليس - لعنه الله - يقع واحدة حتى يعلم عدد شعره، أو هل له شعر. وذكر الكرخي: لو قال: أنت طالق عدد شعر رأسي وعدد شعر ظهر كفي، وقد طلقت ثلاثًا، لأن الشعر ذو عدد، وإن لم يكن موجودًا. وإن قال كالثلج فهو بائن.
م: (ثم الأصل عند أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) ش: أراد بهذا بيان الأصل الذي يبنى عليه أقوال الإمام وصاحبيه وزفر ﵀ تعالى م: (أنه) ش: أي أن الرجل م: (متى شبه الطلاق بشيء) ش: من الأشياء م: (يقع الطلاق بائنًا، أي شيء كان المشبه به يذكر العظم أو لم يذكر لما مر) ش: عن قريب م: (أن التشبيه يقتضي زيادة وصف) ش: وزيادة الوصف توجب البينونة.
م: (وعند أبي يوسف أن ذكر العظم يكون بائنًا، وإلا فلا أي شيء كان المشبه به) ش: يعني سواء كان صغيرًا أو كبيرًا م: (لأن التشبيه قد يكون في التوحيد على التجريد) ش: أي من وصف العظم م: (أما ذكر العظم فللزيادة لا محالة) ش: وذلك بالبينونة م: (وعند زفر إن كان المشبه به مما يوصف بالعظم عند الناس يقع بائنًا وإلا فهو رجعي) ش: سواء ذكر العظم أو لم يذكر م: (وقيل محمد مع أبي حنيفة، وقيل محمد مع أبي يوسف) ش: أشار بهذا إلى أن قول محمد مضطرب. وفي " الذخيرة " عند أبي يوسف ومحمد أن ذكر العظم كان بائنًا، وإن كان المشبه به حقيرًا. وإن لم يذكر العظم وإن كان له حد يقع بائنًا وإلا يكون رجعيًا.
م: (وبيانه) ش: أي بيان هذا الخلاف م: (في قوله: مثل رأس الإبرة) ش: أي في قوله أنت
стр. 2688
مثل عظم رأس الإبرة، ومثل الجبل مثل عظم الجبل. ولو قال: أنت طالق تطليقة شديدة، أو عريضة أو طويلة فهي واحدة بائنة، لأن ما لا يمكن تداركه يشتد عليه وهو البائن، وما يصعب تداركه يقال فيه لهذا الأمر طول وعرض. وعن أبي يوسف ﵀ أنه يقع بها رجعية، لأن هذا الوصف لا يليق به فيلغو
ولو نوى الثلاث في هذه الفصول
ــ
[البناية]
طالق مثل رأس الإبرة، أي في قوله: م: (مثل رأس عظم الإبرة، مثل الجبل) ش: أي في قوله - أنت طالق م: (مثل عظم الجبل) ش: - ففي قوله مثل رأس الإبرة بائن عند أبي حنيفة ومحمد لمكان التشبيه رجعي عند أبي يوسف لأنه لم يذكر العظم، وكذا زفر، لأنه المشبه به مما لا يوصف بالعظم والشدة. وفي قوله: مثل عظم رأس الإبرة، يكون بائنًا عند أبي حنيفة ومحمد للتشبيه، وكذا عند أبي يوسف لذكر العظم.
وعند زفر رجعي، لأن الإبرة لا توصف بالعظم والشدة. وفي قوله: مثل الجبل، بائن عند أبي حنيفة ومحمد للتشبيه، ورجعي عند أبي يوسف لعدم ذكر العظم، وبائن عند زفر لأن الجبل يوصف بالعظم عند الناس، وفي مثل عظم الجبل يكون بائنًا عند الكل للتشبيه عندهما وذكر العظم عند أبي يوسف وكون المشبه به عظيمًا عند زفر، ولو قال مثل السمسم أو مثل حبة الخردل وقع رجعيًّا عن الثلاث وعند أبي حنيفة.
م: (ولو قال: أنت طالق تطليقة شديدة أو عريضة أو طويلة فهي واحدة بائنة) ش: أي فهي طلقة واحدة بائنة وفيه خلاف زفر وقد ذكرناه م: (لأن ما لا يمكن تداركه يشتد عليه) ش: أي على الزوج م: (وهو البائن) .
لأن شدة الشيء وقوته لا يحتمل الاعتراض عليه بالانتقاض، وذلك في الطلاق البائن، وهو معنى قوله: وهو البائن الضمير يرجع إلى كلمة ما في قوله ما لا يمكن م: (وما يصعب تداركه يقال فيه لهذا الأمر طول وعرض) ش: ويقال هذا أمر شديد وطويل وعريض.
م: (وعن أبي يوسف - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أنه يقع بها) ش: أي بهذه الألفاظ م: (رجعية) ش: أي طلقة رجعية م: (لأن هذا الوصف) ش: أي ولو وصف الطلاق بالشدة والطول والعرض م: (لا يليق به) ش: أي بالطلاق، لأن هذه الأوصاف من صفات الأجسام م: (فيلغو) ش: أي يصير ذكره لغوًا فلا يعمل به. وقال الأترازي: وصف الطلاق بالشدة والطول والعرض ليس يمكن للزوم قيام العرض بالعرض، وجوابه أنا لا نسلم أن قيام العرض بالعرض يجوز، لكن نقول للأحكام الشرعية حكم الجواهر، فيجوز حينئذ. أو نقول: سلمنا أنه لا يجوز حقيقة، ولكن لا نسلم أنه لا يجوز مجازًا.
[قوله أنت طالق تطليقة شديدة أو عريضة أو طويلة]
م: (ولو نوى الثلاث) ش: أي الطلقات الثلاث م: (في هذه الفصول) ش: أي في فصل قوله أنت طالق بائن أو البتة أو أنت طالق أفحش الطلاق، وفصل قوله: أخبث الطلاق وأسوؤه،
стр. 2689
كلها صحت نيته، لتنوع البينونة على ما مر، والواقع بها بائن.
ــ
[البناية]
وطلاق الشيطان، وطلاق البدعة، وفصل قوله أشد الطلاق، أو كألف أو ملء البيت أو مثل رأس الإبرة أو مثل أذن رأس الإبرة، ومثل الجبل، ومثل عظم الجبل. وفصل قوله أنت طالق تطليقة شديدة أو عريضة، ففي هذه الفصول م: (كلها صحت نيته) ش: وتقع الثلاث إذا نواها عن أبي حنيفة ﵁ لأنها بائن عنده، والبائن على نوعين خفيفة وغليظة، فإذا نوى الثلاث فقد نوى أغلظ النوعين وأعلاهما فصح أعلاهما.
وذكر الصدر الشهيد في شرح " الجامع الصغير " مثل ما ذكر صاحب " الهداية " في صحة نية الثلاث في الفصول كلها، ولكن الإمام الزاهد العتابي، قال في شرحه " للجامع الصغير ": والصحيح أنه لا يصح في أنت طالق تطليقة شديدة أو طويلة أو عريضة، لأنه نص على التطليقة، وإنها تتناول الواحدة، ثم قال هكذا ذكره شمس الأئمة السرخسي.
قال الأترازي: هذا هو الأصح عندي، لأن النية إنما تصح فيما يحتمل اللفظ ذكر ذلك، والباء موصوفة للوحدة فلا يحتمل غير ذلك، فلا تصح نية الثلاث، انتهى. قلت: كون الباء للوحدة لا تنافي نية الثلاث، لأنه وصفها بالشدة والطول والعرض، وصحة نية الثلاث تؤخذ من الوصف.
م: (لتنوع البينونة) ش: أي غليظة وخفيفة م: (على ما مر) ش: أشار به إلى قوله ( ... ) وتقع واحدة بائنة إذا لم يكن له نية أو نوى الثنتين. أما إذا نوى الثلاث فثلاث م: (والواقع بها) ش: أي بهذه الألفاظ المذكورة م: (بائن) ش: لما ذكرنا عند قوله أنت طالق تطليقة شديدة أو عريضة أو طويلة.
فروع: لو قال لامرأته والحجر أو بهيمة إحداكما طالق، أو قال: هذه وهذه طلقت امرأته عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا يقع للشك، وإن قال لامرأته ورجل إحداكما طالق، أو هذه لا يقع عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يقع ولو قال لامرأته وأجنبية إحداكما طالق، أو قال هذه أو هذه لا تطلق زوجته إلا بالنية، وفي " المبسوط " حلف أنه لم ينوها، وعند الشافعي وأحمد يقع على زوجته إلا النية وإن قال أردت الأجنبية قيل في الصحيح على المنصوص ذكر في " الإملاء "، وعند مالك لا يقبل منه، ذكر في " الجواهر ". ولو قال: إحدى امرأتي طالق وليس له إلا امرأة واحدة يقع عليها ذكره الصدر الشهيد في شرح " الجامع الصغير ".
стр. 2690
فصل في الطلاق قبل الدخول وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثا قبل الدخول بها وقعن عليها، لأن الواقع مصدر محذوف لأن معناه طلاقا ثلاثا؛ على ما بيناه، فلم يكن قوله: أنت طالق إيقاعا على حدة فيقعن جملة. فإن فرق الطلاق، وبانت بالأولى ولم تقع الثانية، ولا الثالثة.
ــ
[البناية]
[فصل في الطلاق قبل الدخول] [طلق الرجل امرأته ثلاثًا قبل الدخول بها]
م: (فصل في الطلاق قبل الدخول)
ش: أي هذا فصل في الطلاق قبل الدخول على المرأة لما كان وضع النكاح للدخول كان الطلاق قبله من العوارض، والعارض يذكر بعد الأصل وهو الطلاق بعد الدخول.
م: (وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا قبل الدخول بها وقعن عليها) ش: عند عامة العلماء، وهو مذهب عمر وعلي وابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن مسعود وأنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وبه قال سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وعكرمة وإبراهيم النخعي وعامر الشعبي وسعيد بن جبير والحكم وابن أبي ليلى والأوزاعي وسفيان الثوري. وقال ابن المنذر: وبه أقول ذكر أبو بكر بن أبي شيبة أنه قول عائشة وأم سلمة وخالد بن محمد ومكحول وحميد بن عبد الرحمن، وكان طاوس وابن الشعثاء وعمرو بن دينار يقولون: من طلق البكر ثلاثًا فهي واحدة. وفي " مصنف " ابن أبي شيبة عن جابر بن زيد وطاوس وعطاء أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها فهي واحدة، وفي " المبسوط " وهو قول الحسن البصري، م: (لأن الواقع مصدر محذوف) ش: وهو الطلاق الذي قام صفة، وهو الثلاث مقامه م: (لأن معناه طلاقًا ثلاثًا؛ على ما بيناه) ش: إشارة إلى ما ذكره في الفصل المتقدم على فصل تشبيه الطلاق بقوله: ولهما أن الوصف متى قرن بالعدد كان الوقوع بذكر العدد إلى آخره م: (فلم يكن قوله: أنت طالق إيقاعًا على حدة فيقعن جملة) ش: يعني إذا كان الواقع مصدرًا محذوفًا لم يكن قوله أنت طالق إيقاعًا على حدة، وإلا زاد عدد الطلاق وهو غير مشروع، فيقعن جملة، وصار الكلام واحدًا ولا يفصل بعضها عن بعض، فإن إيقاع الطلاق لا يتأتى بلفظ أو جزء منه، بخلاف قوله: أنت طلاق وطالق وطالق، حيث انفصلت الثانية والثالثة لأنها كلمات متفرقة، فوقعت الأولى.
م: (فإن فرق الطلاق) ش: بأن يقول أنت طالق طالق طالق على ما يجيء الآن م: (بانت بالأولى) ش: أي باللفظ الأول، وهو قوله: أنت طالق، وتبين لا إلى عدة، لأنها غير مدخولة م: (ولم تقع الثانية ولا الثالثة) ش: لأنه لا يبقى لوقوعها محل، فيلغو كلاهما. وحكي عن الشافعي القديم أنها تطلق ثلاثًا ثلاثًا. وقال ابن أبي هريرة من أصحابه: هذا قول آخر، وبه قال ابن أبي ليلى والأوزاعي والليث بن سعد وربيعة ومالك. وقال أحمد: لو ذكر بالواو تطلق ثلاثًا، وبغير الواو لا تطلق لمذهب العلماء، وهذا بخلاف ما إذا قال لها: أنت طالق طالق وطالق إن دخلت الدار، حيث يقع الثلاث جملة إذا وجد الدخول لوجود المعين في الآخر.
стр. 2691
وذلك مثل أن يقول: أنت طالق طالق طالق؛ لأن كل وحدة إيقاع على حدة إذا لم يذكر في آخر كلامه ما يغير صدره حتى يتوقف عليه، فتقع الأولى في الحال وتصادفها الثانية وهي مباينة، وكذا إذا قال لها أنت طالق واحدة وواحدة وقعت واحدة؛ لما ذكرنا أنها بانت بالأولى.
ولو قال لها أنت طالق واحدة فماتت قبل قوله واحدة كان باطلا لأنه قرن الوصف بالعدد فكان
ــ
[البناية]
وهو الشرط.
وإذا قدم الشرط فعند أبي حنيفة تقع الواحدة، لأن المعلق بالشرط كالمنجز عند وجود الشرط.
فإن قيل: الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع، فلو قال لها أنت طالق ثلاثًا يقع الثلاث، فينبغي أن يقع الثلاث أيضًا إذا قال لها أنت طالق وطالق وطالق.
أجيب: بأنه مسلم ولكن إذا وقعت الأولى فلا توقف لعدم المغير في الآخر بانت بها، ولم يبق محل للثانية ولا للثالثة.
فإن قيل: ينبغي أن تقع الثلاث تحقيقًا لمعنى الجمع في الواو، أجيب: بأنه حينئذ تكون الواو للمقاربة ولا دلالة لها عليها لأنها للجمع المطلق.
فإن قيل: يلزم الترتيب على ما قلتم، والواو لم توضع له. أجيب: بالمنع لأنه إنما يلزم إذا كان وقوع الثانية والثالثة متحققًا فلا وقوع ولا ترتيب.
م: (وذلك) ش: أي التفريق م: (مثل أن يقول أنت طالق طالق طالق) ش: ذكر المصنف صورة التفريق بدون حرف الواو، والحكم فيما إذا ذكره بحرف الواو كذلك، ولهذا إذا قال لها: أنت طالق وطالق وطالق تبين بواحدة لا إلى عدة، قاله الأترازي م: (لأن كل واحدة إيقاع على حدة إذا لم يذكر في آخر كلامه ما يغير صدره) ش: أي صدر الكلام كالشرط والاستثناء م: (حتى يتوقف عليه) ش: أي على ما يغير صدره م: (فتقع الأولى) ش: في لفظ أنت طالق. م: (في الحال وتصادفها) ش: أي تصادف الأولى م: (الثانية) ش: أي اللفظة الثانية وهي طالق م: (وهي مباينة) ش: أي والحال أنها مباينة فلا يبقى للثانية محل ولا للثالثة.
م: (وكذا إذا قال) ش: أي وكذا تقع واحدة إذا قال م: (أنت طالق واحدة وواحدة وقعت واحدة لما ذكرنا أنها بانت بالأولى) ش: يعني لما سبقت الأولى في الوقوع صادفتها الثانية وهي مباينة.
[قال لها أنت طالق واحدة فماتت قبل قوله واحدة]
م: (ولو قال لها: أنت طالق واحدة فماتت قبل قوله واحدة كان باطلًا) ش: يعني لا يقع شيء وكذا إذا قال أنت طالق ثنتين فماتت قبل أن يقول: ثنتين، أو قال: أنت طالق ثلاثًا فماتت قبل أن يقول ثلاثًا، أو قال أنت طالق إن شاء الله تعالى فماتت قبل أن يقول إن شاء الله تعالى لم تطلق شيئًا م: (لأنه قرن الوصف) ش: وهو الطلاق م: (بالعدد) ش: وهو واحدة أو ثنتين أو ثلاثة م: (فكان
стр. 2692
الواقع هو العدد، فإذا ماتت قبل ذكر العدد فات المحل قبل الإيقاع فبطل، وكذا لو قال أنت طالق ثنتين أو ثلاثا لما بينا، وهذه تجانس ما قبلها من حيث المعنى. ولو قال: أنت طالق واحدة قبل واحدة أو بعدها واحدة وقعت واحدة،
ــ
[البناية]
الواقع هو العدد، فإذا ماتت قبل ذكر العدد) ش: فهو واحدة أو ثنتين أو ثلاث، فكان الواقع هو العدد، فإذا ماتت قبل ذكر العدد م: (فات المحل قبل الإيقاع فبطل) ش: كلامه فلا يقع شيء.
م: (وكذا) ش: أي وكذا يبطل كلامه م: (لو قال: أنت طالق ثنتين أو ثلاثًا) ش: أي أو قال أنت طالق ثلاثًا، فماتت قبل أن يقول ثلاثًا م: (لما بينا) ش: إشارة إلى قوله لأنه قرن الوصف بالعدد فكان الواقع هو العدد م: (وهذه) ش: أي هذه المسائل الثلاثة المذكورة هي قوله أنت طالق واحدة فماتت قبل قوله واحدة، وقوله أنت طالق ثنتين فماتت قبل قوله أنت طالق ثنتين، وقوله أنت طالق ثلاثًا، فماتت قبل أن يقول ثلاثًا م: (تجانس) ش: أي تشاكل وتماثل م: (ما قبلها) ش: أي المسألة التي قبلها م: (من حيث المعنى) ش: وهي ما إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا قبل الدخول بها.
بيانه أن المعتبر في الوصفين في الإيقاع هو العدد لا الوصف، فكانت هذه المسائل مماثلة للمسألة المتقدمة من حيث المعنى، لا بينهما تفاوتًا في الحكم وهو أن الطلاق واقع في المسألة المتقدمة لأن العدد صادفها وهي منكوحة وهاهنا لم يقع شيء لأن العدد صادفها وهي ميتة ليست بمحل لوقوع الطلاق.
ثم لأصحاب الشافعي فيما إذا ماتت قبل ذكر العدد ثلاثة أوجه:
أحدها: هو اختيار المزني أنه يقع واحدة في المسألة الأولى، وفي قصد الثنتين ثنتين وفي قصد الثلاث ثلاث.
الثاني: أنه يقع واحدة.
والثالث: أنه لا يقع شيء كقولنا. م: (ولو قال: أنت طالق واحدة قبل واحدة أو بعدها واحدة وقعت واحدة) ش: هذه المسألة مذكورة في " الجامع الصغير " والقدوري جميعًا، وعندنا في صورة قبل معتبرًا بكنايته وبعد الكناية يقع واحدة وفي قبل بهاء الكناية وبعد بغير الكناية يقع واحدة كما في قبل بغير الكناية فعنده يقع في الصور الأربع إلا واحدة.
وفي " الروضة " للنووي قال لغير المدخول بها: أنت طالق طلقة قبل طلقة أو بعدها طلقة، بانت بالأولى. وإن قال بعد طلقة أو قبلها طلقة ففيه ثلاثة أوجه، أصحها يقع واحدة، والثاني لا يقع شيء، والثالثة يقع ثنتان ويلغو قوله قبلها. وإن قال أنت طالق واحدة مع واحدة أو معها واحدة فوجهان، أصحهما وقع الثنتين، والثاني واحدة.
وإن قال: أنت طالق طلقة تحت طلقة أو تحتها طلقة أو فوق طلقة أو فوقها طلقة فثنتان، وفيه
стр. 2693
والأصل أنه متى ذكر شيئين أدخل بينهما حرف الظرف إن قرنها بهاء الكتابة كان صفة للمذكور آخر؛ كقوله: جاءني زيد قبله عمرو، وإن لم يقرنها بهاء الكناية كان صفة للمذكور أولا كقوله جاءني زيد قبل عمرو.
وإيقاع الطلاق في الماضي إيقاع في الحال؛ لأن الإسناد ليس في وسعه، فالقبلية في قوله أنت طالق واحدة قبل واحدة صفة للأولى، فتبين بالأولى فلا تقع الثانية، والبعدية في قوله بعدها واحدة صفة للأخيرة فحصلت الإبانة بالأولى.
ــ
[البناية]
وجه أنه طلقة كما في الإقرار فإنه لا يلزمه إلا درهم واختاره ابن كج والحناطي.
وقال إمام الحرمين والغزالي حكمه حكم مع، وفي كلام المتولي ما يقتضي أنه لا يقع في غير المدخول إلا واحدة.
وإن قال: أنت طالق طلقة قبلها طلقة أو بعدها طلقة وذلك قبل الدخول فوجهان:
أحدهما: يقع واحدة.
والثاني: لا يقع شيء. وفي " المغنى " يقع واحدة، وهو ظاهر قول الشافعي. وقال السروجي: هو أحد قولي الشافعي ولا قول له فيه. وقال أبو بكر من الحنابلة يقع ثنتان كقول أصحابنا ويلغو قوله وبعدها. وفي المدخول بها يقع الثلاث، وفي " الجواهر " قال: أنت طالق طلقة مع طلقة أو معها طلقة أو فوقها طلقة أو تحتها طلقة وقعت طلقتان.
م: (والأصل) ش: أي في المسائل المذكورة م: (أنه) ش: أي أن الرجل م: (متى ذكر شيئين أدخل بينهما حرف الظرف) ش: وهو قبل وبعد م: (إن قرنها بهاء الكناية كان) ش: أي الظرف م: (صفة للمذكور آخرًا كقوله جاءني زيد قبله عمرو) ش: وتكون القبلية صفة لزيد.
وليس المراد بالصفة مصطلح النحاة، بل المراد الصفة المعنوية كيف كانت م: (وإن لم يقرنها بهاء الكتابة كان صفة للمذكور أولًا كقوله: جاءني زيد قبل عمرو) ش: فتكون القبلية صفة لزيد، وهذا الذي ذكره هو أحد الفصلين اللذين بنى عليهما الفصول الثلاثة، وهي قبل وبعد وكلمة تا والأصل الثاني هو قوله:
[قوله أنت طالق واحدة بعدها واحدة]
م: (وإيقاع الطلاق في الماضي إيقاع في الحال، لأن الإسناد ليس في وسعه) ش: لأن الطلاق وضع لرفع الاستباحة، وما مضى من الاستباحة لا يمكن رفعه، فيقع في الحال، لأنه يملكه فيثبت ما أمكن صونًا لكلامه عن الإلغاء م: (فالقبلية في قوله أنت طالق واحدة قبل واحدة صفة للأولى) ش: هذا تفريع الأصل الأول، ولهذا ذكره بالفاء وأراد بالأولى لفظة واحدة الأولى م: (فتبين بالأولى) ش: أي فتبين المرأة بالواحدة الأولى م: (فلا تقع الثانية) ش: لعدم بقاء المحل لوقوعها.
م: (والبعدية في قوله بعدها واحدة) ش: أي قوله أنت طالق واحدة بعدها واحدة م: (صفة للأخيرة) ش: أي صفة للواحدة الأخيرة، وهي الثانية م: (فحصلت الإبانة بالأولى) ش: أي بالواحدة
стр. 2694
ولو قال أنت طالق واحد قبلها واحدة تقع ثنتان لأن القبلية صفة للثانية لاتصالها بحرف الكناية، فاقتضى إيقاعها في الماضي إيقاع الأولى في الحال، في غير أن الإيقاع في الماضي إيقاع في الحال أيضا، فيقترنان فيقعان جميعا. كذا إذا قال: أنت طالق واحدة بعد واحدة يقع ثنتان؛ لأن البعدية صفة للأولى، فاقتضى إيقاع الواحدة في الحال، وإيقاع الأخرى قبل هذه فتقترنان. ولو قال أنت طالق واحدة مع واحدة أو معها واحدة أنه تقع ثنتان، لأن كلمة "مع " للقران. وعن أبي يوسف ﵀ في قوله معها واحدة أنه تقع واحدة، لأن الكناية تقتضي سبق المكني عنه لا محالة. وفي المدخول بها يقع ثنتان في الوجوه كلها لقيام المحلية بعد وقوع الأولى.
ــ
[البناية]
الأولى لما ذكرنا.
م: (ولو قال أنت طالق واحدة قبلها واحدة تقع ثنتان) ش: أي طلقتان م: (لأن القبلية صفة للثانية) ش: أي للواحدة الثانية م: (لاتصالها بحرف الكناية فاقتضى إيقاعها في الماضي إيقاع الأولى في الحال أيضًا فيقترنان) ش: أي الإيقاعان يقترنان في الوقوع م: (فيقعان جميعًا، وكذا إذا قال: أنت طالق واحدة بعد واحدة) ش: أي وكذا م: (يقع ثنتان لأن البعدية صفة للأولى) ش: أي للواحدة الأولى م: (فاقتضى إيقاع الواحدة في الحال وإيقاع الأخرى قبل هذه فيقترنان) ش: في الوقوع.
م: (ولو قال: أنت طالق واحدة مع واحدة أو معها واحدة) ش: أي أو قال أنت طالق واحدة معها واحدة م: (تقع ثنتان) ش: أي طلقتان، وهذا الفصل الثالث من الفصول الثلاثة، وهي قبل وبعد ومع.
ولما ذكر الفصلين الأولين وهما القبلية والبعدية ذكر الفصل الثالث، وهو فصل كلمة مع م: (لأن كلمة " مع " للقران) ش: أي للمقارنة فتتوقف الأولى على الثانية تحقيقًا لمراده فوقعتا معًا.
م: (وعن أبي يوسف في قوله معها واحدة أنه تقع واحدة، لأن الكناية تقتضي سبق المكني عنه لا محالة) ش: فيقتضي أن لا يقع السابق فلا يقع ثنتان. وعلل ابن قدامة له أن الطلقة إذا وقعت لا يمكن أن يقع معها غيرها، والتعليل الصحيح هو الأول، وبقول أبي يوسف قال الشافعي في وجه، وهو اختيار المزني م: (وفي المدخول بها تقع ثنتان في الوجوه كلها) ش: أي في قوله قبل واحدة أو قبلها واحدة وبعد واحدة أو بعدها واحدة أو مع واحدة أو معها واحدة م: (لقيام المحلية بعد وقوع الأولى) ش: لأنها في العدة وهي محل الإيقاع.
وقال الكاكي: قبل هذا الجواب مشكل في وقوله - أنت طالق واحدة قبل واحدة، فإن كون الشيء قبل غيره لا يقتضي وجود ذلك الغير، ثم قال وجوابه مذكور في أصول " الجامع الكبير "، انتهى.
قلت: هذا تعليق فيه تسويف، وجوابه أن اللفظ أشعر بالوقوع وهو ظاهر فيه، والعمل
стр. 2695
ولو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة، وواحدة فدخلت الدار وقعت عليها واحدة، عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: تقع ثنتان. ولو قال لها أنت طالق واحدة وواحدة إن دخلت الدار فدخلت طلقت ثنتين بالاتفاق. لهما أن حرف الواو للجمع المطلق فيقعن جملة كما إذا نص على الثنتين وأخر الشرط. وله أن الجمع المطلق يحتمل القران والترتيب، فعلى اعتبار الأول تقع ثنتان، وعلى اعتبار الثاني لا يقع إلا واحدة، كما إذا أنجز بهذه اللفظة
ــ
[البناية]
بالظاهر واجب كما لو قال أنت طالق، فإن الطلاق الثاني يقع أيضًا كالأول، وإن احتمل الخير والتأكيد لكونه غالبًا في الإنشاء ظاهرًا فيه.
[قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة وواحدة]
م: (ولو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة وواحدة، فدخلت الدار؛ وقعت عليها واحدة عند أبي حنيفة) ش: وبه قال الشافعي في وجه.
وقال أبو نصر من أصحابه: وهو أقيس م: (وقالا يقع ثنتان) ش: وبه قال الشافعي في وجه، وهو اختيار القاضي أبي الطيب، وهو قول مالك وأحمد وربيعة والليث بن سعد وابن أبي ليلى؛ لأن حرف الجمع كلفظ الجمع عندهم.
م: (ولو قال لها أنت طالق واحدة وواحدة إن دخلت الدار، فدخلت الدار طلقت ثنتين بالاتفاق) ش: هذه من مسائل القدوري - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وفيها أخر الشرط فوقعت طلقتان، لأن صدر الكلام يتوقف على آخره إذا كان في آخره ما يغير موجبه فوجد الشرط فوقع جميع ذلك بخلاف المسألة الأولى التي فيها قدم الشرط حيث يقع واحدة، لأن المعلق بالشرط بالمنجز عند وجوده، فلما طلقت واحدة لغت الثالثة، لأنها صادفتها وهي أجنبية، وإن كانت المرأة مدخولًا بها وقع الجميع بلا خلاف، قدم الشرط أو أخره؛ لأن الثانية صادفتها وهي في العدة.
م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد م: (أن حرف الواو لجمع المطلق فيقعن جملة) ش: كلاهما به بغير جماعة النساء على إسناد الفعل إلى المطلقات، وهي غير مذكورة أي المطلقات جملة، وكان ينبغي أن يقول فيتعلقان أو يقعان بالتثنية، لأن الواحدة ذكرت مرتين لا ثلاث مرات كما إذا نص على الثلاث كان ينبغي أن يقول هنا أيضًا م: (كما إذا نص على الثنتين) ش: على ما لا يخفى م: (وأخر الشرط) ش: أي كما لو أخر الشرط كما في قوله أنت طالق واحدة وواحدة إن دخلت الدار حيث يقع ثنتان كما مر.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵁ م: (أن الجمع المطلق يحتمل القران والترتيب) ش: لأن تحققه في الخارج لا يمكن إلا بأحد الوجهين م: (فعلى اعتبار الأول) ش: أي على اعتبار القران م: (يقع ثنتان وعلى اعتبار الثاني) ش: أي على اعتبار الترتيب م: (لا يقع إلا واحدة) ش: لكونه غير المدخول بها فلا يقع على ما زاد على الواحدة بالشك م: (كما إذا أنجز بهذه اللفظة) ش: بأن قال
стр. 2696
فلا يقع الزائد على الواحدة بالشك، بخلاف ما إذا أخر الشرط لأنه يغير صدر الكلام، فيتوقف الأول عليه فيقعن جملة، ولا مغير فيما إذا قدم الشرط فلم يتوقف، ولو عطف بحرف الفاء فهو على هذا الخلاف فيما ذكر الكرخي ﵀، وذكر الفقيه أبو الليث أنه يقع واحدة بالاتفاق، لأن الفاء للتعقيب وهو الأصح.
وأما الضرب الثاني وهو الكنايات لا يقع بها الطلاق إلا بالنية أو بدلالة الحال؛
ــ
[البناية]
أنت طالق واحدة واحدة حيث لا يقع إلا واحدة بالاتفاق لعدم المحلية للثانية م: (فلا يقع الزائد على الواحد بالشك، بخلاف ما إذا أخر الشرط لأنه) ش: أي لأن الشرط م: (يغير صدر الكلام فيتوقف الأول عليه) ش: أول الكلام على الشرط م: (فيقعن جملة) ش: كان ينبغي أن يقول يقعان جملة م: (ولا مغير فيما إذا قدم الشرط فلم يتوقف) ش: فيقع على الترتيب فتبين بالأولى ولا تقع الثانية لعدم المحلية.
م: (ولو عطف بحرف الفاء) ش: بأن قال: أنت طالق واحدة فواحدة إن دخلت الدار م: (فهو على هذا الخلاف) ش: يعني عند أبي حنيفة ثنتان، وعندهما واحدة م: (فيما ذكره الكرخي) ش: فإن جعل العطف بالفاء والواو سواء.
وقال: إن حرف العطف يجعلها كلامًا واحدًا فتعلقتا كما في صورة الواو سواء قدم الشرط أو أخره عندهما خلافًا له. وفي " المبسوط ": الطحاوي مكان الكرخي.
م: (وذكر الفقيه أبو الليث أنه يقع واحدة بالاتفاق، لأن الفاء للتعقيب) ش: فتقع الأولى ولا محل للثانية م: (وهو الأصح) ش: أي الاتفاق أصح؛ لأن الفاء للعطف على التعقيب لغة لا مطلق العطف، فيقتضي التعليق على التعقيب فينزمن كما علقت بالأولى تبين، فلا تقع الثانية، كذا في المبسوط، وفيه لو قال إن دخلت الدار فأنت طالق ثم طالق ثم طالق في المدخول بها تعلقت الأولى ووقعت الثانية، لغت الثالثة عند أبي حنيفة، ولو أخرت الشرط وقعت الأولى والثانية في الحال تعلقت الثالثة في المدخولة وغير المدخولة يقع واحدة في الحال، وبلغو ما سوى ذلك عنده وعندهما، وللشافعي ومالك وأحمد يتعلق الثالث بالشرط سواء قدم أو أخر في المدخولة وغيرها، وعند وجود الشرط إن كانت مدخولة يقع الثلاث وإلا تطلق واحدة.
[وقوع الطلاق بالكناية]
م: (وأما الضرب الثاني وهو الكنايات) ش: هذا عطف على ما ذكر بقوله فالصريح مثل قوله أنت طالق في أول باب إيقاع الطلاق؛ لأنه قسم الطلاق ثمة إلى صريح وكناية، وقد فرغ من بيان الصريح، والآن شرع في بيان الكتابة.
والصريح ما هو المشكوف المراد، والكناية ما هو مستتر المراد من قولهم كنيت أو كنوت الشيء إذا سترته م: (لا يقع بها) ش: أي الكناية م: (الطلاق إلا بالنية أو بدلالة الحال) ش: إذ هي دليل على المراد كما في البيع بالدراهم المطلقة يصرف إلى غالب نقد البلد، وكذا لو أطلق النية في الحج
стр. 2697
لأنها غير موضوعة للطلاق، بل تحتمل الطلاق وغيرها، فلا بد من التعيين أو دلالته. قال: وهي على ضربين: منها ثلاثة ألفاظ يقع بها الطلاق الرجعي ولا تقع بها إلا واحدة، وهي قوله: اعتدّي واستبرئي رحمك، أنت واحدة. أما الأولى: فلأنها تحتمل الاعتداد عن النكاح، وتحتمل اعتداد نعم الله تعالى. فإن نوى الأولى تعين بنيته فيقتضي طلاقا سابقا، والطلاق يعقب الرجعة، وأما الثانية فلأنها تستعمل بمعنى الاعتداد لأنه صريح بما هو المقصود منه فكان بمنزلته وتحتمل الاستبراء لتطليقته.
ــ
[البناية]
يصرف إلى الفرض بدلالة الحال، ولهذا جعل أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - دلالة الحال مقام النية في جميع الكنايات في حالة الغضب وغيره بلا نية من الزوج.
وقال الشافعي: لا يقع الطلاق بشيء من الكنايات في حالة الغضب وغيره بلا نية من الزوج ومن المرأة، وعندنا يكفي نية الزوج، لاحتمال إرادة غير الطلاق فيها في جميع الأمور. وقال مالك: يقع الطلاق بلا نية في الكنايات الظاهرة، كقوله: بائن، بتة، حرام. فإذا قال ما نويت الطلاق لا يصدق؛ لأن ظاهرها في الطلاق.
م: (لأنها) ش: أي لأن الكنايات م: (غير موضوعة للطلاق بل تحتمل الطلاق وغيرها فلا بد من التعيين) ش: بالنية م: (أو دلالة) ش: أي أو دلالة معنى التعيين، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الحال؛ لأن الحال مما يذكر ويؤنث ودلالة الحال بأن تكون في مذكرة الطلاق، وكان اللفظ لا يصلح ردًا.
م: (قال) ش: أي القدوري - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: م: (وهي على ضربين) ش: أي نوعين؛ وأراد بهما الرجعي والبائن، أجمل أولًا ثم فصل ذلك بقوله م: (منها) ش: أي من الكنايات م: (ثلاثة ألفاظ يقع بها الطلاق الرجعي ولا يقع بها إلى واحدة، وهي قوله: اعتدى، واستبرئي رحمك، وأنت واحدة أما الأولى) ش: وهي لفظة اعتدى م: (فلأنها تحتمل الاعتداد عن النكاح، وتحتمل اعتداد نعم الله تعالى، فإذا نوى الأولى تعين بنيته) ش: أي نية الأولى، ويجوز أن يقال بنية الزوج م: (فيقتضي طلاقًا سابقًا، والطلاق يعقب الرجعة) .
م: (وأما الثانية) ش: هي لفظة استبرئي رحمك م: (فلأنها تستعمل بمعنى الاعتداد؛ لأنه صريح بما هو المقصود منه) ش: أي من الاعتداد م: (فكان بمنزلته) ش: أي بمنزلة الاعتداد، أي في حق إثبات الرجعة لا في حق احتمال الاعتداد بنعم الله تعالى م: (وتحتمل الاستبراء لتطليقته) ش: والاستبراء طلب براءة الرحم من الولد، كذا في " المغرب "، وإنما يحتاج إلى النية؛ لأن قوله استبرئي رحمك يحتمل أن يكون معناه اطلبي براءة رحمك حتى تعلمي أنها فارغة عن الولد أم لا، فلو كانت فارغة أطلقك، وإلا فلا، فلو كانت نيته هكذا لا يقع الطلاق، ولو كانت نيته الاعتداد عن النكاح يقع الطلاق سابقًا كما في قوله اعتدى، فلذلك احتاج إلى النية.
стр. 2698
وأما الثالثة فلأنها تحتمل أن تكون نعتا لمصدر محذوف معناه تطليقة واحدة، فإذا نواه جعل كأنه قاله. والطلاق يعقب الرجعة، وتحتمل غيره وهو أن يكون واحدة عنده أو عند قومها. ولما احتملت هذه الألفاظ الطلاق وغيره يحتاج فيه إلى النية ولا يقع بها إلا واحدة؛ لأن: قوله أنت طالق منها مقتضى أو مضمر. ولو كان مظهرا لا تقع بها إلا واحدة، فإذا نوى مضمرا أولى، وفي قوله " واحدة " وإن صار المصدر مذكورا، لكن التنصيص على الواحدة ينافي نية الثلاث
ــ
[البناية]
م: (وأما الثالثة) ش: أي لفظ أنت واحدة م: (فلأنها تحتمل أن تكون نعتًا لمصدر محذوف، معناه تطليقة واحدة، فإذا نواه جعل كأنه قاله) ش: أي قال مصدرًا محذوفًا م: (والطلاق يعقب الرجعة) ش: أراد بهذا أنه طلاق رجعي، والطلاق من الرجعي فيه الرجعة م: (ويحتمل غيره) ش: أي غير ما ذكر م: (وهو أن يكون واحدة عنده) ش: أراد بها اعتدِّي واستبرئي رحمك وأنت واحدة م: (الطلاق وغيره يحتاج فيه إلى النية) ش: لأجل التمييز م: (ولا يقع بها إلا واحدة؛ لأن قوله: أنت طالق منها مقتضى) ش: في قوله اعتدي واستبرئي رحمك م: (أو مضمر) ش: في قوله أنت واحدة كان تقديره أنت طالق طلقة واحدة، وعند الشافعي لا يقع شيء بقوله أنت واحدة وإن نوى، لأنه نعت المرأة وليس فيه معنى احتمال الطلاق أصلًا.
قلنا: إذا نوى يقع؛ لأنه أمكن حمل كلام العاقل على الفائدة فيحمل عليه. وعند زفر يقع بائنًا بقوله أنت واحدة كما في سائر الكنايات.
وبعض المشايخ جعل الطلاق في اعتدي بعد الدخول بالاقتضاء، وقبله بطريق الاستعارة المحضة.
فإن قبل: قلت: الأمر بالاعتداد إنما يصح بعد وقوع الطلاق، فكيف يكون قبله؟
قلت: قوله اعتدي قبل الدخول جعل مستعارًا عن الطلاق، لأن الطلاق سبب لوجوب العدة على ما هو الأصل، إذ الطلاق قبل الدخول إنما وقع لعارض أن النكاح لم يوضع لهذا والعوارض غير داخلة ي القواعد، فيكون الطلاق سببًا لوجوب العدة، فاستعير الحكم لسببه.
م: (ولو كان مظهرًا) ش: يعني لو كان الطلاق وقال أنت طالق م: (لا تقع بها) ش: يعني بلفظة أنت طالق م: (إلا واحدة) ش: أي إلا طلقة واحدة م: (فإذا نوى) ش: أي الطلاق م: (مضمرًا) ش: في قوله أنت واحدة م: (أولى) ش: أن لا يقع إلا واحدة، وذلك أن الأصل في الكلام الصريح لكونه أولى على المراد، بخلاف المضمر لأن فيه قصورًا، ولهذا لا يثبت حكمه إلا بالنية.
م: (وفي قوله واحدة وإن صار المصدر مذكورًا) ش: هذا سؤال بيانه أن يقال لما المصدر مذكورًا ينبغي أن يصح نية الثلاث، فأجاب بقوله م: (لكن التنصيص على الواحدة ينافي نية الثلاث) ش: بيانه أن نية الثلاث لا تصح، وقوله أنت واحدة وإن ذكر المصدر بأن قيل أنت طالق واحدة؛
стр. 2699
ولا يعتبر بإعراب الواحدة عند عامة المشايخ وهو الصحيح؛ لأن العوام لا يميزون بين وجوه الإعراب. قال: وبقية الكنايات إذا نوى بها الطلاق كانت واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثا كانت ثلاثا، وإن نوى ثنتين كانت واحدة بائنة، وهذا مثل قوله: أنت بائن، وبتة، وبتلة، وحرام، وحبلك على غاربك، والحقي بأهلك، وخلية، وبرية،
ــ
[البناية]
لأن التنصيص على الواحدة ينافي نية الثلاث للمنافاة بين الواحد والعدة فلا يحتمل لفظًا لا حقيقة؛ لأنه ليس بموضوع له ولا مجازًا للمنافاة. م: (ولا يعتبر إعراب الواحدة عند عامة المشايخ) ش: يعني سواء قال أنت واحدة بالرفع أو بالنصب أو بالسكون م: (وهو الصحيح) ش: احترز به عن قول بعض المشايخ المذكور في شرح " الجامع الصغير " أنه إذا أعرب الواحدة بالرفع لم يقع شيء، وإن نوى لأنها صفة شخصها، إذا أعرب بالنصب يقع من غير نية، لأنه نعت مصدر محذوف، وإن سكن ولم يحرك يحتاج إلى النية، وإن نوى كان على الاختلاف، يعني عندنا يقع واحدة رجعية، وعند الشافعي لا يقع شيء.
وقيل: عدم الوقوع في الرفع قول محمد. والصحيح أن الكل سواء، فلا اعتبار للإعراب م: (لأن العوام لا يميزون بين وجوه الإعراب) ش: فلا يحتاج إلى التفصيل.
م: (قال) ش: أي القدوري - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - م: (وبقية الكنايات) ش: أراد بها ما سوى الألفاظ الثلاثة المذكورة م: (إذا نوى بها) ش: بلفظ فيها م: (الطلاق كانت واحدة بائنة) ش: أي طلقة واحدة بائنة م: (وإن نوى ثلاثًا) ش: أي ثلاث تطليقات م: (وإن نوى ثنتين) ش: أي طلقتين م: (كانت واحدة) ش: أي كانت الطلقة واحدة.
وقال زفر ومالك والشافعي يقع ما نوى. وقال أحمد: هو عندي ثلاث لكني أكره. م: (وهذه) ش: أي المذكور من بقية الكنايات م: (مثل قوله) ش: أي قول الزوج م: (أنت بائن) ش: أي من البينونة وهو القطع، وهو نعت للمرأة، ويحتمل أن يكون استبرئي عن النكاح وعن المعاصي وعن الخيرات ونحو ذلك م: (وبتة) ش: من البت وهو القطع أيضًا، وفيه الاحتمالات المذكورة م: (وبتلة) ش: أي بتلت الشيء إذا ابتله عن غيره، ويه الاحتمالات المذكورة م: (وحرام) ش: أصله المصدر كالحرمة، ويراد به النعت ومعناه الممنوع، وفيه الاحتمالات المذكورة م: (وحبلك على غاربك) ش: وهو استعارة عن التخلية، والغارب بالغين المعجمة ما تقدم من الظهر وارتفع عن العنق فيحتمل الخلو من الخيرات لكونك غير مطيعة ويحتمل الخلو عن قيد النكاح لكونك بائنة.
م: (والحقي بأهلك) ش: الحقي: أمر من لَحِقَ، من حَدِّ علم، وفتح الألف وكسر الحاء خطأ فإنه يصير من الإلحاق وهو فعل متعد، والصحيح أن يجعل من اللحوق فيحتمل لأني طلقتك الحقي بأهلك، ويحتمل سيري بسير أهلك م: (وخلية) ش: من الخلو، بضم الخاء من حد دخل، فيحتمل الخلو عن الخيرات أو عن قيد النكاح م: (وبرية) ش: من البراءة من حد علم، فيحتمل
стр. 2700
ووهبتك لأهلك، وسرحتك، وفارقتك، وأمرك بيدك، واختاري، وأنت حرة، وتقنعي، وتخمري، واستتري، واغربي، واخرجي واذهبي وقومي وابتغي الأزواج.
ــ
[البناية]
البراءة عن حسن الثناء أو عن قيد أهلك، م: (ووهبتك لأهلك) ش: لأني طلقتك م: (وسرحتك) ش: يحتمل التسريح بالطلاق أو بغيره م: (وفارقتك) ش: تحتمل المفارقة بالطلاق أو بغيره.
قال الشافعي: هما صريحان لا يحتاجان إلى الطلاق، فيكون تفويضًا له إليها، ويحتمل غيره في تصرف آخر.
م: (وأمرك بيدك، واختاري) ش: يحتمل اختيار نفسها بالفراق من النكاح أو في أمر آخر، وفي هذين اللفظين لا تطلق حتى تطلق نفسها م: (وأنت حرة) ش: يحتمل عن حقيقة الرق أو رق النكاح م: (وتقنعي) ش: هذا أمر بأخذ القناع على وجهها، فيحتمل لأنك بتت مني بالطلاق وحرم علي نظرك أو عن الأجنبي لأنظر إليك م: (وتخمري) ش: هو أمر بأخذ الخمار، فيحتمل ما يحتمله تقنعي م: (واستتري) ش: هو أمر بالسترة، فيحتمل ما احتمل تخمري م: (واغربي) ش: هو بالغين المعجمة والراء المهملة، أي تباعدي عني لأني طلقتك.
واغربي لزيارة أهلك، ويروى اعربي بالعين المهملة، والثاني من العروبة وهو النقد م: (واخرجي) ش: يحتمل اخرجي من عندي لأني طلقتك، واخرجي أمر لشيء آخر م: (واذهبي، وقومي، وابتغي الأزواج) ش: أي اطلبيهم، فيحتمل لأني طلقتك، أو ابتغي الأزواج من النساء؛ لأن لفظ الأزواج مشترك بين الرجال والنساء، وهذه اثنتان وعشرون لفظًا.
وفي شرح " الأسبيجابي " " وجوامع الفقه " هي كنايات ومدلولات. وفي " الينابيع " ثلاث كنايات ومدلولات وتفويضات، أما الكنايات فقوله أنت بائن وبتة وخلية وبرية وحرام. وما الحق بها القاضي أبو يوسف في رواية الطحاوي وهي أربعة ذكرها السروجي في " المبسوط " وقاضي خان ي " الجامع الصغير "، وهي لا سبيل لي عليك، لا ملك لي عليك، خليت سبيلك وفارقتك، خرجت عن ملكي.
قالوا: هو بمنزلة خليت سبيلك. وفي " الينابيع " وألحق أبو يوسف بالخمسة ستة أخرى، وهي الأربعة المتقدمة، وزاد خالعتك، والحقي بأهلك.
وقال السروجي: ينبغي أن يزاد فيها: أنت بتلة، ولا سلطان لي عليك، فتصير ثلاثة عشر. أما المدلولات، قيل: قومي واذهبي واخرجي وتقنعي وتخمري واستبرئي والحقي وانتقلي واغربي وابتغي الأزواج، لا نكاح بيني وبينك، وحبلك على غاربك ووهبتك لأهلك، وما أنا بزوج لك، وبنت مني.
ولو قال فسخت نكاحك أو النكاح الذي بيني وبينك، وأنا بريء من نكاحك ونجوت مني أو
следующие страницы →